← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

مسرور بن احمد، ليكون على علم منه ثم ان أمرني ادام الله عزه بالنفوذ الى افاميه كان نفوذى برايه، وامتثلت ما يأمرني به ان شاء الله اتم الله على امير المؤمنين نعمه وادام عزه وسلامته، وهناه كرامته، والبسه عفوه وعافيته. والسلام على امير المؤمنين ورحمه الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وعلى اهل بيته الطاهرين الاختيار. وفيها وجه القاسم بن عبيد الله الجيوش الى صاحب الشامة، وولى حربه محمد بن سليمان الكاتب الذى كان اليه ديوان الجيش، وضم جميع القواد اليه، وامرهم بالسمع له والطاعة، فنفذ من الرقة في جيش كثيف، وكتب الى من تقدمه من القواد بالسمع له والطاعة وفيها ورد رسولا صاحب الروم، أحدهما خادم، والآخر فحل، يسأله الفداء بمن في يده من المسلمين اسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم اليه، فأجبنا الى ما سالا، وخلع عليهما. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ابن محمد.

стр. 5777

ثم دخلت سنه احدى وتسعين ومائتين (ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليله) ذكر خبر الوقعه بين اصحاب السلطان وصاحب الشامة فمن ذلك ما كان من امر الوقعه بين اصحاب السلطان وصاحب الشامة. ذكر الخبر عن هذه الوقعه: قال ابو جعفر: قد مضى ذكرى شخوص المكتفي من مدينه السلام نحو صاحب الشامة لحربه ومصيره الى الرقة، وبثه جيوشه فيما بين حلب وحمص، وتوليته حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب وتصييره امر جيشه وقواده اليه، فلما دخلت هذه السنه كتب وزيره القاسم بن عبيد الله الى محمد ابن سليمان وقواد السلطان يأمره وإياهم بمناهضه ذي الشامة واصحابه، فساروا اليه حتى صاروا الى موضع بينهم وبين حماه- فيما قيل- اثنا عشر ميلا، فلقوا به اصحاب القرمطى في يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم، وكان القرمطى قدم اصحابه وتخلف هو في جماعه من اصحابه، ومعه مال قد كان جمعه، وجعل السواد وراءه، فالتحمت الحرب بين اصحاب السلطان واصحاب القرمطى، واشتدت، فهزم اصحاب القرمطى، وقتلوا، واسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون في البوادى، وتبعهم اصحاب السلطان ليله الأربعاء لسبع خلون من المحرم فلما راى القرمطى ما نزل باصحابه من الفلول والهزيمة حمل- فيما قيل- أخا له يكنى أبا الفضل مالا، وتقدم اليه ان يلحق بالبوادي الى ان يظهر في موضع، فيصير اليه، وركب هو وابن عمه المسمى المدثر والمطوق صاحبه وغلام له رومي، وأخذ دليلا، وسار يريد الكوفه عرضا في البريه، حتى انتهى الى موضع يعرف بالدالية من اعمال طريق الفرات،

стр. 5778

فنفد ما كان معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض من كان معه ليأخذ له ما يحتاجون اليه، فدخل الدالية المعروفه بداليه ابن طوق لشراء حاجه، فأنكروا زيه، وسئل عن امره فمجمج، فاعلم المتولى مسلحه هذه الناحية بخبره، وهو رجل يعرف بابى خبزه خليفه احمد بن محمد بن كشمرد عامل امير المؤمنين المكتفي على المعاون بالرحبة وطريق الفرات فركب في جماعه، وسال هذا الرجل عن خبره، فاخبره ان الشامة خلف رابيه هنالك في ثلاثة نفر. فمضى اليهم، فاخذهم وصار بهم الى صاحبه، فتوجه بهم ابن كشمرد وابو خبزه الى المكتفي بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد ان قتلوا وأسروا جميع من قدروا عليه من أولياء القرمطى واشياعه، وكتب محمد بن سليمان الى الوزير بالفتح: بسم الله الرحمن الرحيم قد تقدمت كتبي الى الوزير اعزه الله في خبر القرمطى اللعين واشياعه، بما أرجو ان يكون قد وصل ان شاء الله ولما كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرم رحلت من الموضع المعروف بالقروانه، نحو موضع يعرف بالعليانه، في جميع العسكر من الأولياء، وزحفنا بهم على مراتبهم في القلب والميمنه والميسره وغير ذلك، فلم ابعد ان وافانى الخبر بان الكافر القرمطى انفذ النعمان ابن أخي اسماعيل بن النعمان احد دعاته في ثلاثة آلاف فارس، وخلق من الرجاله، وانه نزل بموضع يعرف بتمنع، بينه وبين حماه اثنا عشر ميلا، فاجتمع اليه جميع من كان بمعره النعمان وبناحيه الفصيصى وسائر النواحي من الفرسان والرجاله، فاسررت ذلك عن القواد والناس جميعا ولم اظهره، وسالت الدليل الذى كان معى عن هذا الموضع، وكم بيننا وبينه، فذكر انه سته اميال، فتوكلت على الله ، وتقدمت اليه في المسير نحوه، فمال بالناس جميعا، وسرنا حتى وافيت الكفره، فوجدتهم على تعبئه، ورأينا طلائعهم فلما نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا اليهم، فافترقوا سته كراديس، وجعلوا على ميسرتهم- على ما أخبرني من ظفرت به من رؤسائهم- مسرورا العليصى وأبا الحمل وغلام هارون العليصى، وأبا

стр. 5779

العذاب ورجاء وصافى وأبا يعلى العلوي، في الف وخمسمائة فارس، وكمنوا كمينا في أربعمائة فارس خلف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا، وجعلوا في القلب النعمان العليصى والمعروف بابى الحطى، والحمارى وجماعه من بطلانهم في الف وأربعمائة فارس وثلاثة آلاف راجل، وفي ميمنتهم كليبا العليصى والمعروف بالسديد العليصى والحسين بن العليصى وأبا الجراح العليصى وحميد العليصى، وجماعه من نظرائهم في الف وأربعمائة فارس، وكمنوا مائتي فارس، فلم يزالوا زفا إلينا ونحن نسير نحوهم غير متفرقين، متوكلين على الله وقد استحثثت الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم، ووعدتهم فلما راى بعضنا بعضا حمل الكردوس الذى كان في ميسرتهم، ضربا بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان، وهو في جناح الميمنه، فاستقبلهم الحسين- بارك الله عليه واحسن جزاءه- بوجهه وبموضعه من سائر اصحابه برماحهم، فكسروها في صدورهم، فانفلوا عنهم، وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف، واعترضوا ضربا للوجوه، فصرع من الكفار الفجره ستمائه فرس في أول وقعه، وأخذ اصحاب الحسين خمسمائة فرس وأربعمائة طوق فضه، وولوا مدبرين مفلولين، واتبعهم الحسين، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حمله وحمله، وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعه بعد الجماعه، حتى افناهم الله ، فلم يفلت منهم الا اقل من مائتي رجل. وحمل الكردوس الذى كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويمن الخادم ومن كان معهما من بنى شيبان وبنى تميم، فاستقبلوهم بالرماح حتى كسروها فيهم، واعتنق بعضهم بعضا، فقتل من الفجره جماعه كثيره وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفه بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحا لخليفه في ثلاثمائة فارس، وجميع اصحاب خليفه، وهم يعاركون بنى شيبان وتميم، فقتل من الكفره مقتله عظيمه، واتبعوهم، فاخذ بنو شيبان منهم ثلاثمائة فرس ومائه طوق، وأخذ اصحاب خليفه مثل ذلك، وزحف النعمان ومن معه في القلب إلينا، فحملت ومن معى، وكنت بين القلب والميمنه، وحمل خاقان

стр. 5780

ونصر القشورى ومحمد بن كمشجور ومن كان معهم في الميمنه، ووصيف موشكير ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وابنا كيغلغ والمبارك القمي وربيعه بن محمد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحي الكبير ووصيف البكتمرى وبشر البكتمرى ومحمد بن قراطغان. وكان في جناح الميمنه جميع من حمل على من في القلب ومن انقطع ممن كان حمل على الحسين بن حمدان، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجالتهم حتى قتلوا اكثر من خمسه اميال ولما ان تجاوزت المصاف بنصف ميل خفت ان يكون من الكفار مكيده في الاحتيال على الرجاله والسواد، فوقفت الى ان لحقوني وجمعتهم وجمعت الناس، الى وبين يدي المطرد المبارك، مطرد امير المؤمنين، وقد حملت في الوقت الاول، وحمل الناس ولم يزل عيسى النوشرى ضابطا للسواد من مصاف خلفهم مع فرسانه ورجالته على ما رسمته له، لم يزل من موضعه الى ان رجع الناس جميعا الى من كل موضع، وضربت مضربى في الموضع الذى وقفت فيه، حتى نزل الناس جميعا، ولم أزل واقفا الى ان صليت المغرب، حتى استقر العسكر باهله، ووجهت في الطلائع ثم نزلت، واكثرت حمد الله على ما هنانا به من النصر، ولم يبق احد من قواد امير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه الدولة المباركه في المناصحة لها الا بلغوها، بارك الله عليهم جميعا! ولما استراح الناس خرجت والقواد جميعا لنقيم خارج العسكر الى ان يصبح الناس خوفا من حيله تقع، واسال الله تمام النعمه وايزاع الشكر، وانا- أعز الله سيدنا الوزير- راحل الى حماه، ثم اشخص الى سلميه بمن الله تعالى وعونه، فمن بقي من هؤلاء الكفار مع الكافر فهم بسلميه، فانه قد صار إليها منذ ثلاثة ايام، واحتاج الى ان يتقدم الوزير بالكتاب الى جميع القواد وسائر بطون العرب من بنى شيبان وتغلب وبنى تميم، يجزيهم جميعا الخير على ما كان في هذه الوقعه، فما بقي احد منهم- صغير ولا كبير- غاية، والحمد لله على ما تفضل به، واياه اسال تمام النعمه

стр. 5781

ولما تقدمت في جمع الرءوس، وجد راس ابى الحمل وراس ابى العذاب وابى البغل وقيل ان النعمان قد قتل، وقد تقدمت في طلبه، وأخذ راسه وحمله مع الرءوس الى حضره امير المؤمنين ان شاء الله. وفي يوم لاثنين الأربع بقين من المحرم، ادخل صاحب الشامة الى الرقة ظاهرا للناس على فالج، عليه برنس حرير ودراعه ديباج، وبين يديه المدثر والمطوق على جملين. ثم ان المكتفي خلف عساكره مع محمد بن سليمان، وشخص في خاصته وغلمانه وخدمه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرقة الى بغداد، وحمل معه القرمطى والمدثر والمطوق وجماعه من أسارى الوقعه، وذلك في أول صفر من هذه السنه. فلما صار الى بغداد عزم- فيما ذكر- على ان يدخل القرمطى مدينه السلام مصلوبا على دقل، والدقل على ظهر فيل، فامر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل، ان كانت اقصر من الدقل، وذلك مثل باب الطاق وباب الرصافه وغيرهما. ثم استسمج المكتفي- فيما ذكر- فعل ما كان عزم عليه من ذاك، فعمل له دميانه- غلام يا زمان- كرسيا، وركب الكرسي على ظهر الفيل، وكان ارتفاعه عن ظهر الفيل ذراعين ونصف ذراع- فيما قيل- ودخل المكتفي مدينه السلام بغداد صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول، وقدم الأسرى بين يديه على جمال مقيدين، عليهم دراريع حرير وبرانس حرير، والمطوق في وسطهم، غلام ما خرجت لحيته، قد جعل في فيه خشبة مخروطه، وشدت الى قفاه كهيئة اللجام، وذلك انه لما ادخل الرقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه، ويبزق عليهم، ففعل ذلك به لئلا يشتم إنسانا. ثم امر المكتفي ببناء دكه في المصلى العتيق من الجانب الشرقى، تكسيرها عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وارتفاعها نحو من عشره اذرع، وبنى

стр. 5782

لها درج يصعد منها إليها وكان المكتفي خلف مع محمد بن سليمان عساكره بالرقة عند منصرفه الى مدينه السلام، فتلقط محمد بن سليمان من كان في تلك الناحية من قواد القرمطى وقضاته واصحاب شرطه، فاخذهم وقيدهم، وانحدر والقواد الذين تخلفوا معه الى مدينه السلام على طريق الفرات، فوافى باب الأنبار ليله الخميس لاثنتى عشره خلت من شهر ربيع الاول، ومعه جماعه من القواد، منهم خاقان المفلحى ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وغيرهما. فامر القواد الذين ببغداد بتلقى محمد بن سليمان والدخول معه، فدخل بغداد وبين يديه نيف وسبعون أسيرا، حتى صار الى الثريا، فخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب وسور بسوارين من ذهب، وخلع على جميع القواد القادمين معه، وطوقوا وسوروا وصرفوا الى منازلهم، وامر بالأسرى الى السجن. وذكر عن صاحب الشامة انه أخذ وهو في حبس المكتفي سكرجة من المائدة التي تدخل اليه فكسرها، وأخذ شظية منها فقطع بها بعض عروق نفسه، فخرج منه دم كثير، ثم شد يده فلما وقف المولى خدمته على ذلك ساله: لم فعل ذلك؟ فقال: هاج بي الدم فاخرجته فترك حتى صلح، ورجعت اليه قوته. ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الاول امر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة التي امر ببنائها، وخرج من الناس خلق كثير لحضورها، فحضروها، وحضر احمد بن محمد الواثقى وهو يومئذ يلى الشرطه بمدينه السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش الدكة، فقعدا عليها، وحمل الأسرى الذين جاء بهم المكتفي معه من الرقة والذين جاء بهم محمد بن سليمان ومن كان في السجن من القرامطة الذين جمعوا من الكوفه، وقوم من اهل بغداد كانوا على راى القرامطة، وقوم من الرفوغ من سائر البلدان من غير القرامطة- وكانوا قليلا- فجيء بهم على جمال، واحضروا الدكة، ووقفوا على جمالهم، ووكل بكل رجل منهم عونان، فقيل: انهم كانوا ثلاثمائة ونيفا وعشرين، وقيل ثلاثمائة وستين، وجيء بالقرمطى الحسين بن زكرويه المعروف

стр. 5783

بصاحب الشامة، ومعه ابن عمه المعروف بالمدثر على بغل في عمارية، وقد اسبل عليهما الغشاء، ومعهما جماعه من الفرسان والرجاله، فصعد بهما الى الدكة واقعدا، وقدم اربعه وثلاثون إنسانا من هؤلاء الأسارى، فقطعت ايديهم وارجلهم، وضربت أعناقهم واحدا بعد واحد، كان يؤخذ الرجل فيبطح على وجهه فيقطع يمنى يديه، ويحلق بها الى اسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم يسرى يديه، ثم يمنى رجليه، ويرمى بما قطع منه الى اسفل، ثم يقعد فيمد راسه، فيضرب عنقه، ويرمى برأسه وجثته الى اسفل وكانت جماعه من هؤلاء الأسرى قليله يضجون ويستغيثون، ويحلفون انهم ليسوا من القرامطة. فلما فرغ من قتل هؤلاء الأربعة والثلاثين النفس- وكانوا من وجوه اصحاب القرمطى- فيما ذكر- وكبرائهم قدم المدثر، فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه، ثم قدم القرمطى فضرب مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى فغشى عليه، ثم أخذ خشب فأضرمت فيه النار، ووضع في خواصره وبطنه فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما، فلما خافوا ان يموت ضربت عنقه، ورفع راسه على خشبة، وكبر من على الدكة وكبر سائر الناس فلما قتل انصرف القواد ومن كان حضر ذلك الموضع للنظر الى ما يفعل بالقرمطى. واقام الواثقى في جماعه من اصحابه في ذلك الموضع الى وقت العشاء الآخرة، حتى ضرب اعناق باقى الأسرى الذين احضروا الدكة، ثم انصرف. فلما كان من غد هذا اليوم حملت رءوس القتلى من المصلى الى الجسر، وصلب بدن القرمطى في طرف الجسر الأعلى ببغداد، وحفرت لأجساد القتلى في يوم الأربعاء آبار الى جانب الدكة، وطرحت فيها وطمت، ثم امر بعد ايام بهدم الدكة ففعل. ولاربع عشره خلت من شهر ربيع الآخر وافى بغداد القاسم بن سيما منصرفا عن عمله بطريق الفرات، ومعه رجل من بنى العليص من اصحاب القرمطى صاحب الشامة، دخل اليه بأمان، وكان احد دعاه القرمطى،

стр. 5784

يكنى أبا محمد وكان سبب دخوله في الامان ان السلطان راسله، ووعده الاحسان ان هو دخل في الامان، وذلك انه لم يكن بقي من رؤساء القرامطة بنواحي الشام غيره، وكان من موالي بنى العليص، فر وقت الوقعه الى بعض النواحي الغامضه، فافلت ثم رغب في الدخول في الامان والطاعة خوفا على نفسه، فوافى هو ومن معه مدينه السلام، وهم نيف وستون رجلا، فاومنوا واحسن اليهم، ووصلوا بمال حمل اليهم، واخرج هو ومن معه الى رحبه مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، واجريت لهم الأرزاق، فلما وصل القاسم بن سيما الى عمله وهم معه، أقاموا معه مده، ثم اجمعوا على الغدر بالقاسم بن سيما، وائتمروا به، ووقف على ذلك من عزمهم، فبادرهم ووضع السيف فيهم فابارهم، واسر جماعه منهم، فارتدع من بقي من بنى العليص ومواليهم، وذلوا، ولزموا ارض السماوه وناحيتها مده حتى راسلهم الخبيث زكرويه، واعلمهم ان مما اوحى اليه، ان المعروف بالشيخ وأخاه يقتلان، وان امامه الذى يوحى اليه يظهر بعدهما ويظفر. [أخبار متفرقة] وفي يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى زوج المكتفي ابنه محمدا ويكنى أبا احمد بابنه ابى الحسين القاسم بن عبيد الله على صداق مائه الف دينار وفي آخر جمادى الاولى من هذه السنه ورد- فيما ذكر- كتاب من ناحيه جبى، يذكر فيه ان جبى وما يليها جاءها سيل في واد من الجبل، فغرق نحوا من ثلاثين فرسخا، غرق في ذلك خلق كثير، وغرقت المواشى والغلات، وخرجت المنازل والقرى، واخرج من الغرقى الف ومائتا نفس، سوى من لم يلحق منهم وفي يوم الأحد غره رجب خلع المكتفي على محمد بن سليمان كاتب الجيش وعلى جماعه من وجوه القواد، منهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، وخليفه بن المبارك المعروف بابى الأغر وابنا كيغلغ، وبندقة بن كمشجور وغيرهم من القواد، وامرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سلمان، وخرج محمد بن

стр. 5785

سليمان والخلع عليه حتى نزل مضربه بباب الشماسيه، وعسكر هنالك، وعسكر معه جماعه القواد الذين اخرجوا وبرزوا، وكان خروجهم ذلك قاصدين لدمشق ومصر لقبض الاعمال من هارون بن خمارويه، لما تبين للسلطان من ضعفه وضعف من معه وذهاب رجاله بقتل من قتل منهم القرمطى. ثم رحل لست خلون من رجب محمد بن سليمان من باب الشماسيه ومن ضم اليه من الرجال، وهم زهاء عشره آلاف رجل، وامر بالجد في المسير. ولثلاث بقين من رجب قرئ في الجامعين بمدينه السلام كتاب ورد من اسماعيل بن احمد من خراسان، يذكر فيه ان الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم وخلق كثير، وانه كان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية، ولا يكون ذلك الا للرؤساء منهم، فوجه اليه برجل من قواده في جيش ضمه اليه، ونودى في الناس بالنفير، فخرج من المطوعة ناس كثير، ومضى صاحب العسكر نحو الترك بمن معه، فوافاهم المسلمون وهم غارون، فكبسوهم مع الصبح، فقتل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم، وانصرف المسلمون الى موضعهم سالمين غانمين. وفي شعبان منها ورد الخبر ان صاحب الروم وجه عشره صلبان معها مائه الف رجل الى الثغور، وان جماعه منهم قصدت نحو الحدث، فأغاروا وسبوا من قدروا عليه من المسلمين، واحرقوا. وفي شهر رمضان منها ورد كتاب من القاسم بن سيما من الرحبه على السلطان. يذكر فيه ان الاعراب الذين استأمنوا الى السلطان واليه من بنى العليص ومواليهم ممن كان مع القرمطى نكثوا وغدروا، وانهم عزموا على ان يكبسوا الرحبه في يوم الفطر، عند اشتغال الناس بصلاة العيد، فيقتلوا من يلحقون، وان يحرقوا وينهبوا، وانى اوقعت عليهم الحيله حتى قتلت منهم واسرت خمسين ومائه نفس، سوى من غرق منهم في الفرات، وانى قادم بالأسرى وفيهم جماعه من رؤسائهم وبرءوس من قتل منهم. وفي آخر شهر رمضان من هذه السنه ورد كتاب من ابى معدان من الرقة- فيما

стр. 5786

قيل- باتصال الاخبار به من طرسوس ان الله اظهر المعروف بغلام زرافه في غزاه غزاها الروم في هذا الوقت بمدينه تدعى انطاليه، وزعموا انها تعادل قسطنطينيه، وهذه المدينة على ساحل البحر، وان غلام زرافه فتحها بالسيف عنوه، وقتل- فيما قيل- خمسه آلاف رجل، واسر شبيها بعدتهم، واستنقذ من الأسارى اربعه آلاف انسان وانه أخذ للروم ستين مركبا، فحملها ما غنم من الفضه والذهب والمتاع والرقيق، وانه قدر نصيب كل رجل حضر هذه الغزاة، فكان الف دينار فاستبشر المسلمون بذلك وبادرت بكتابي هذا ليقف الوزير على ذلك. وكتب يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ابن محمد.

стр. 5787

ثم دخلت سنه اثنتين وتسعين ومائتين (ذكر ما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة) فمن ذَلِكَ ما كان من توجيه نزار بن محمد من البصره الى السلطان ببغداد رجلا ذكر انه اراد الخروج على السلطان، وصار الى واسط، وان نزارا وجه في طلبه من قبض عليه بواسط، واحدره الى البصره، وانه أخذ بالبصرة قوما، ذكر انهم بايعوه فوجه نزار جميعهم في سفينه الى بغداد، فوقفوا في فرضه البصريين، ووجه جماعه من القواد الى فرضه البصريين، فحمل هذا الرجل على الفالج، وبين يديه ابن له صبى على جمل، ومعه تسعه وثلاثون إنسانا على جمال، وعلى جماعتهم برانس الحرير ودراريع الحرير، واكثرهم يستغيث ويبكى، ويحلف انه بريء، وانه لا يعرف مما ادعى عليه شيئا، وجازوا بهم في التمارين وباب الكرخ والخلد حتى وصلوا الى دار المكتفي، فامر بردهم، وحبسهم في السجن المعروف بالجديد. وفي المحرم منها اغار اندرونقس الرومي على مرعش ونواحيها، فنفر اهل المصيصة واهل طرسوس، فاصيب ابو الرجال بن ابى بكار في جماعه من المسلمين. وفي المحرم منها صار محمد بن سليمان الى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه، ووجه المكتفي دميانه غلام يا زمان من بغداد، وامره بركوب البحر والمضى الى مصر ودخول النيل، وقطع المواد عمن بمصر من الجند، فمضى ودخل النيل حتى وصل الى الجسر، فأقام به، وضيق عليهم وزحف اليهم محمد بن سليمان في الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القواد الذين بها، فكان أول من خرج اليه بدر الحمامي- وكان رئيس القوم- فكسرهم ذلك، ثم تتابع من يستامن اليه من قواد المصريين وغيرهم، فلما راى ذلك هارون وبقية من معه، زحفوا الى محمد بن سليمان، فكانت بينهم

стр. 5788

وقعات- فيما ذكر- ثم وقع بين اصحاب هارون في بعض الأيام عصبية فاقتتلوا، فخرج هارون ليسكتهم، فرماه بعض المغاربه بزانه فقتله. وبلغ محمد بن سليمان الخبر، فدخل هو ومن معه الفسطاط، واحتوى على دور آل طولون وأسبابهم، واخذهم جميعا وهم بضعه عشر رجلا، فقيدهم وحبسهم، واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح، وكانت الوقعه في صفر من هذه السنه. وكتب الى محمد بن سليمان في اشخاص جميع آل طولون وأسبابهم من القواد، والا يترك أحدا منهم بمصر ولا بالشام، وان يبعث بهم الى بغداد. ففعل ذلك. ولثلاث خلون من شهر ربيع الاول منها سقط الحائط الذى على راس الجسر الاول من الجانب الشرقى من الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر على الحسين بن زكرويه القرمطى، وهو مصلوب بقرب ذلك الحائط، فطحنه، فلم يوجد بعد منه شيء. ٤ وفي شهر رمضان منها ورد الخبر على السلطان بان قائدا من قواد المصريين يعرف بالخليجى، يسمى ابراهيم، تخلف عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر مع جماعه استمالهم من الجند وغيرهم، ومضى الى مصر مخالفا للسلطان، وصار معه في طريقه جماعه تحب الفتنة، حتى كثر جمعه فلما صار الى مصر اراد عيسى النوشرى محاربته وكان عيسى النوشرى العامل على المعونة بها يومئذ، فعجز عن ذلك لكثرة من مع الخليجي، فانحاز عنه الى الإسكندرية واخلى مصر فدخلها الخليجي وفيها ندب السلطان لمحاربه الخليجي واصلاح امر المغرب فاتكا مولى المعتضد، وضم اليه بدرا الحمامي، وجعله مشيرا عليه فيما يعمل به، وضم اليه جماعه من القواد وجندا كثيرا. ولسبع خلون من شوال منها خلع على فاتك وبدر الحمامي لما ندبا اليه من

стр. 5789

الخروج الى مصر، وامرا بسرعة الخروج ثم شخص فاتك وبدر الحمامي لاثنتى عشره خلت من شوال. وللنصف من شوال منها دخل مدينه طرسوس رستم بن بردوا واليا عليها وعلى الثغور الشامية. وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، وأول يوم من ذلك كان لست بقين من ذي القعده منها، فكان جمله من فودى به من المسلمين- فيما قيل- ألفا ونحوا من مائتي نفس ثم غدر الروم، فانصرفوا، ورجع المسلمون بمن بقي معهم من أسارى الروم، فكان عهد الفداء والهدنة من ابى العشائر والقاضى ابن مكرم، فلما كان من امر اندرونقس ما كان من غارته على اهل مرعش وقتله أبا الرجال وغيره، عزل ابو العشائر وولى رستم، فكان الفداء على يديه، وكان المتولى امر الفداء من قبل الروم رجل يدعى اسطانه. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ابن محمد.

стр. 5790

ثم دخلت سنه ثلاث وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث فمن ذلك ما كان من ورود الخبر لخمس بقين من صفر، بان الخليجي المتغلب على مصر، واقع احمد بن كيغلغ وجماعه من القواد بالقرب من العريش، فهزمهم اقبح هزيمه، فندب للخروج اليه جماعه من القواد المقيمين بمدينه السلام، فيهم ابراهيم بن كيغلغ، فخرجوا. ولسبع خلون من شهر ربيع الاول منها، وافى مدينه السلام قائد من قواد طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار مستأمنا، يعرف بابى قابوس، مفارقا عسكر السجزيه، وذلك ان طاهر بن محمد- فيما ذكر- تشاغل باللهو والصيد، ومضى الى سجستان للصيد والنزهه، فغلب على الأمر بفارس الليث ابن على بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، ودبر الأمر في عمل طاهر والاسم له، فوقع بينهم وبين ابى قابوس تباعد، ففارقهم وصار الى باب السلطان، فقبله السلطان، وخلع عليه وعلى جماعه معه وحباه واكرمه، فكتب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الى السلطان، يسأله رد ابى قابوس اليه، ويذكر انه استكفاه بعض اعمال فارس، وانه جبى المال، وخرج به معه، ويسال ان لم يرد اليه ان يحسب له ما ذهب به من مال فارس مما صودر عليه، فلم يجبه السلطان الى شيء من ذلك . ذكرا الخبر عن ظهور أخي الحسين بن زكرويه وفي هذا الشهر من هذه السنه ورد الخبر ان أخا للحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر، وانه اجتمع اليه نفر من الاعراب والمتلصصة، فسار بهم نحو دمشق على طريق البر، وعاث بتلك الناحية، وحارب أهلها، فندب للخروج اليه الحسين بن حمدان بن

стр. 5791

حمدون، فخرج في جماعه كثيره من الجند، وكان مصير هذا القرمطى الى دمشق في جمادى الاولى من هذه السنه ثم ورد الخبر ان هذا القرمطى صار الى طبرية فامتنعوا من ادخاله، فحاربهم حتى دخلها، فقتل عامه من بها من الرجال والنساء، ونهبها، وانصرف الى ناحيه البادية. وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بان الداعيه الذى بنواحي اليمن صار الى مدينه صنعاء، فحاربه أهلها، فظفر بهم، فقتل أهلها، فلم ينفلت منهم الا القليل، وتغلب على سائر مدن اليمن. عاد الخبر الى ما كان من امر أخي ابن زكرويه فذكر عن محمد بن داود بن الجراح انه قال: انفذ زكرويه بن مهرويه بعد ما قتل ابنه صاحب الشامة رجلا كان يعلم الصبيان بقرية تدعى الزابوقه من عمل الفلوجة، يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فتسمى نصرا ليعمى امره، فدار على احياء كلب يدعوهم الى رايه، فلم يقبله منهم احد سوى رجل من بنى زياد، يسمى مقدام بن الكيال، فانه استغوى له طوائف من الاصبغيين المنتمين الى الفواطم وسواقط من العليصيين وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحيه الشام، وعامل السلطان على دمشق والأردن احمد بن كيغلغ، وهو مقيم بمصر على حرب ابن خليج، الذى كان خالف محمد بن سليمان، ورجع الى مصر، فغلب عليها، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد هذا، وسار الى مدينتي بصرى واذرعات من كورتى حوران والبثنية، فحارب أهلها ثم آمنهم، فلما استسلموا قتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واستصفى أموالهم، ثم سار يؤم دمشق، فخرج اليه جماعه ممن كان مرسوما بتشحينها من المصريين كان خلفهم احمد بن كيغلغ مع صالح بن الفضل، فظهروا عليهم، واثخنوا فيهم ثم اغتروهم ببذل الامان لهم، فقتلوا صالحا، وفضوا عسكره، ولم يطمعوا في مدينه دمشق، وكانوا قد صاروا إليها، فدافعهم أهلها عنها، فقصدوا نحو طبرية مدينه جند الأردن، ولحق بهم جماعه افتتنت من

стр. 5792

الجند بدمشق، فواقعهم يوسف بن ابراهيم بن بغامردى عامل احمد بن كيغلغ على الأردن، فكسروه وبذلوا الامان له، ثم غدروا به، فقتلوه ونهبوا مدينه الأردن، وسبوا النساء، وقتلوا طائفه من أهلها، فانفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوها من القواد، فورد دمشق وقد دخل أعداء الله طبرية، فلما اتصل خبره بهم عطفوا نحو السماوه، وتبعهم الحسين يطلبهم في بريه السماوه، وهم ينتقلون من ماء الى ماء، ويعورونه حتى لجئوا الى الماءين المعروفين بالدمعانه والحاله، وانقطع الحسين من اتباعهم لعدمه الماء، فعاد الى الرحبه واسرى القرامطة مع غاويهم المسمى نصرا الى قريه هيت، فصبحوها وأهلها غارون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس، فنهب ربضها، وقتل من قدر عليه من أهلها، واحرق المنازل، وانتهب السفن التي في الفرات في غرضتها، وقتل من اهل البلد- فيما قيل- زهاء مائتي نفس ما بين رجل وامراه وصبى، وأخذ ما قدر عليه من الأموال والمتاع، واوقر- فيما قيل- ثلاثة آلاف راحله، كانت معه زهاء مائتي كر حنطه بالمعدل ومن البر والعطر والسقط جميع ما احتاج اليه، واقام بها بقية اليوم الذى دخلها والذى بعده، ثم رحل عنها بعد المغرب الى البريه وانما أصاب ذلك من ربضها، وتحصن منه اهل المدينة بسورها، فشخص محمد بن إسحاق بن كنداجيق الى هيت في جماعه من القواد في جيش كثيف بسبب هذا القرمطى، ثم تبعه بعد ايام مؤنس الخازن. وذكر عن محمد بن داود، انه قال: ان القرامطة صبحوا هيت وأهلها غارون، فحماهم الله منه بسورها، ثم عجل السلطان محمد بن إسحاق بن كنداجيق نحوهم، فلم يقيموا بها الا ثلاثا، حتى قرب محمد بن إسحاق منهم، فهربوا منه نحو الماءين، فنهض محمد نحوهم، فوجدهم قد عوروا المياه بينه وبينهم، فانفذت اليه من الحضره الإبل والروايا والزاد وكتب الى الحسين ابن حمدان بالنفوذ من جهة الرحبه اليهم ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم، فلما احس الكلبيون باشراف الجند عليهم، ائتمروا بعدو الله

стр. 5793

المسمى نصرا، فوثبوا عليه، وفتكوا به، وتفرد بقتله رجل منهم يقال له الذئب ابن القائم، وشخص الى الباب متقربا بما كان منه، ومستأمنا لبقيتهم، فأسنيت له الجائزة، وعرف له ما أتاه، وكف عن طلب قومه، فمكث أياما ثم هرب، وظفرت بطلائع محمد بن إسحاق برأس المسمى بنصر، فاحتزوه وادخلوه مدينه السلام، واقتتلت القرامطة بعده، حتى وقعت بينهما الدماء، فصار مقدام بن الكيال الى ناحيه طيّئ مفلتا بما احتوى عليه من الحطام، وصارت فرقه منهم كرهت أمورهم الى بنى اسد المقيمين بنواحي عين التمر، فجاوروهم وأرسلوا الى السلطان وفدا يعتذرون مما كان منهم، ويسألون اقرارهم في جوار بنى اسد، فأجيبوا الى ذلك، وحصلت على الماءين بقية الفسقه المستبصره في دين القرامطة. وكتب السلطان الى حسين بن حمدان في معاودتهم باجتثاث اصولهم، فانفذ زكرويه اليهم داعيه له من اكره اهل السواد يسمى القاسم بن احمد بن على، ويعرف بابى محمد، من رستاق نهر تلحانا، فاعلمهم ان فعل الذئب بن القائم قد اتقره عنهم، وثقل قلبه عليهم، وانهم قد ارتدوا عن الدين، وان وقت ظهورهم قد حضر وقد بايع له بالكوفه اربعون الف رجل، وفي سوادها أربعمائة الف رجل، وان يوم موعدهم الذى ذكره الله في كتابه في شان موسى كليمه ص، وعدوه فرعون إذ يقول: «مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى» وان زكرويه يأمرهم ان يخفوا امرهم، ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ويسيروا نحو الكوفه حتى يصبحوها في غداه يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذي الحجه سنه ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يمنعون منها. وانه يظهر لهم، وينجز لهم وعده الذى كانت رسله تأتيهم به، وان يحملوا القاسم بن احمد معهم فامتثلوا امره، ووافوا باب الكوفه، وقد انصرف الناس عن مصلاهم مع إسحاق بن عمران عامل السلطان بها، وكان الذين وافوا باب الكوفه في هذا اليوم- فيما ذكر- ثمانمائه فارس او نحوها، راسهم الذبلانى ابن مهروبه من اهل الصوعر وقيل انه من اهل جنبلاء، عليهم الدروع والجواشن والإله الحسنه، ومعهم جماعه من الرجاله على الرواحل، فاوقعوا

стр. 5794

بمن لحقوه من العوام، وسلبوا جماعه، وقتلوا نحوا من عشرين نفسا، وبادر الناس الى الكوفه فدخلوها، وتنادوا السلاح فنهض إسحاق بن عمران في اصحابه، ودخل مدينه الكوفه من القرامطة زهاء مائه فارس من الباب المعروف بباب كنده، فاجتمعت العوام وجماعه من اصحاب السلطان، فرموهم بالحجارة وحاربوهم، والقوا عليهم الستر، فقتل منهم زهاء عشرين نفسا، وأخرجوهم من المدينة، وخرج إسحاق بن عمران ومن معه من الجند، فصافوا القرامطة الحرب وامر إسحاق بن عمران اهل الكوفه بالتحارس لئلا يجد القرامطة غره منهم، فيدخلوا المدينة، فلم يزل الحرب بينهم الى وقت العصر يوم النحر، ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية، واصلح اهل الكوفه سورهم وخندقهم، وقاموا مع اصحاب السلطان يحرسون مدينتهم ليلا ونهارا. وكتب إسحاق بن عمران الى السلطان يستمده، فندب للخروج اليه جماعه من قواده، منهم طاهر بن على بن وزير ووصيف بن صوارتكين التركى والفضل بن موسى بن بغا، وبشر الخادم الافشينى وجنى الصفواني ورائق الخزري. وضم اليه جماعه من غلمان الحجر وغيرهم فشخص اولهم يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجه، ولم يراس واحد منهم، كل واحد منهم رئيس على اصحابه. وامر القاسم بن سيما وغيره من رؤساء الاعراب بجمع الاعراب من البوادى بديار مضر وطريق الفرات ودقوقاء وخانيجار وغيرها من النواحي، لينهضوا الى هؤلاء القرامطة إذ كان اصحاب السلطان متفرقين في نواحي الشام ومصر، فمضت الرسائل بذلك اليهم، فحضروا ثم ورد الخبر فيها بان الذين شخصوا مددا لإسحاق بن عمران خرجوا الى زكرويه في رجالهم، وخلفوا إسحاق بن عمران بالكوفه مع من معه من رجاله ليضبطها، وصاروا الى موضع بينه وبين القادسية اربعه اميال، يعرف بالصور وهي في البريه في العرض، فلقيهم زكرويه هنالك فصافوه يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجه. وقد قيل كانت الوقعه يوم الأحد لعشر بقين منه، وجعل اصحاب السلطان بينهم وبين سوادهم نحوا من ميل، ولم يخلفوا أحدا من المقاتله عنده، واشتدت

стр. 5795

الحرب بينهم وكانت الدبره أول هذا اليوم على القرمطى واصحابه حتى كادوا ان يظفروا بهم، وكان زكرويه قد كمن عليهم كمينا من خلفهم، ولم يشعروا به فلما انتصف النهار خرج الكمين على السواد فانتهبه، وراى اصحاب السلطان السيف من ورائهم، فانهزموا اقبح هزيمه، ووضع القرمطى واصحابه السيف في اصحاب السلطان، فقتلوهم كيف شاءوا، وصبر جماعه من غلمان الحجر من الخزر وغيرهم، وهم زهاء مائه غلام، وقاتلوا حتى قتلوا جميعا بعد نكاية شديده نكوها في القرامطة، واحتوت القرامطة على سواد اصحاب السلطان فحازوه، ولم يفلت من اصحاب السلطان الا من كان في دابته فضل فنجا به، او من اثخن بالجراح، فطرح نفسه في القتلى، فتحامل بعد انقضاء الوقعه حتى دخل الكوفه وأخذ للسلطان في هذا السواد، مما كان وجه به مع رجاله من الجمازات، عليها السلاح والإله زهاء ثلاثمائة جمازه، ومن البغال خمسمائة بغل. وذكر ان مبلغ من قتل من اصحاب السلطان في هذه الوقعه سوى غلمانهم والحمالين ومن كان في السواد الف وخمسمائة رجل، فقوى القرمطى واصحابه بما أخذوا في هذه الوقعه، وتطرف بيادر كانت الى جانبه، فاخذ منها طعاما وشعيرا، وحمله على بغال السلطان الى عسكره، وارتحل من موضع الوقعه نحوا من خمسه اميال في العرض الى موضع يقرب من الموضع المعروف بنهر المثنية، وذلك ان روائح القتلى آذتهم. وذكر عن محمد بن داود بن الجراح انه قال: وافى باب الكوفه الاعراب الذين كان زكرويه راسلهم، وقد انصرف المسلمون عن مصلاهم مع إسحاق بن عمران، فتفرقوا من جهتين، ودخلوا ابيات الكوفه، وقد ضربوا على القاسم بن احمد داعيه زكرويه قبة، وقالوا: هذا ابن رسول الله ص، ودعوا: يا لثارات الحسين! يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب بباب جسر مدينه السلام، وشعارهم: يا احمد يا محمد- يعنون ابنى زكرويه المقتولين. وأظهروا الاعلام البيض، وقدروا ان يستغووا رعاع الكوفيين بذلك القول، فاسرع إسحاق بن عمران ومن معه المبادره نحوهم، ودفعهم وقتل من ثبت له منهم،

стр. 5796

وحضر جماعه من آل ابى طالب، فحاربوا مع إسحاق بن عمران، وحضر جماعه من العامه، فحاربوا فانصرف القرامطة خاسئين، وصاروا الى قريه تدعى العشيره من آخر عمل طسوج السالحين ونهر يوسف مما يلى البر من يومهم، وانفذوا الى عدو الله زكرويه بن مهرويه من استخرجه من نقير في الارض، كان متطمرا فيه سنين كثيره بقرية الدرية واهل قريه الصوعر يتلفونه على ايديهم، ويسمونه ولى الله فسجدوا له لما راوه، وحضر معه جماعه من دعاته وخاصته، واعلمهم ان القاسم بن احمد اعظم الناس عليهم منه، وانه ردهم الى الدين بعد خروجهم منه، وانهم إذا امتثلوا امره انجز مواعيدهم، وبلغهم آمالهم. ورمز لهم رموزا، وذكر فيها آيات من القرآن، نقلها عن الوجه الذى انزلت فيه، واعترف لزكرويه جميع من رسخ حب الكفر في قلبه، من عربي ومولى ونبطي وغيرهم انه رئيسهم المقدم، وكهفهم وملاذهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه السيد، ولا يبرزونه لمن في عسكرهم، والقاسم يتولى الأمور دونه، ويمضيها على رايه الى مؤاخر سقى الفرات من عمل الكوفه واعلمهم ان اهل السواد قاطبه خارجون اليه، فأقام هنالك نيفا وعشرين يوما، يبث رسله في السواديين مستلحقين، فلم يلحق بهم من السواديين الا من لحقته الشقوة، وهم زهاء خمسمائة رجل بنسائهم وأولادهم، وسرب اليه السلطان الجنود، وكتب الى كل من كان نفذ نحو الأنبار وهيت لضبطها خوفا من معاوده المقيمين، كانوا بالمائين إليها بالانصراف نحو الكوفه، فعجل اليهم جماعه من القواد منهم، بشر الافشينى وجنى الصفواني ونحرير العمرى، ورائق فتى امير المؤمنين والغلمان الصغار المعروفين بالحجريه، فاوقعوا بأعداء الله بقرب قريه الصوعر، فقتلوا رجالتهم وجماعه من فرسانهم، وأسلموا بيوتهم في ايديهم، فدخلوها، وتشاغلوا بها، فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم وذكر عن بعض من ذكر انه حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح، وقد ادخل اليه قوم من القرامطة، منهم سلف زكرويه، فكان مما حدثه ان قال: كان زكرويه مختفيا في منزلي في سرداب في دارى عليه باب حديد،

стр. 5797

وكان لنا تنور ننقله، فإذا جاءنا الطلب وضعنا التنور على باب السرداب، وقامت امراه تسجره، فمكث كذلك اربع سنين، وذلك في ايام المعتضد وكان يقول: لا اخرج والمعتضد في الأحياء ثم انتقل من منزلي الى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار، إذا فتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل فلا يرى باب البيت الذى هو فيه، فلم يزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ انفذ الدعاه، وعمل في الخروج. ولما ورد خبر الوقعه التي كانت بين القرمطى واصحاب السلطان بالصوعر على السلطان والناس، اعظموه، وندب للخروج الى الكوفه من ذكرت من القواد، وجعلت الرئاسة لمحمد بن إسحاق بن كنداج، وضم اليه جماعه من اعراب بنى شيبان والنمر زهاء الفى رجل، وأعطوا الأرزاق. [أخبار متفرقة] ولاثنتى عشره بقيت من جمادى الاولى قدم بغداد من مكة جماعه نحو العشرة، فصاروا الى باب السلطان، وسألوه توجيه جيش الى بلدهم، لانهم على خوف من الخارج بناحيه اليمن ان يطأ بلدهم، إذ كان قد قرب منها بزعمهم. وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، قرئ على المنبر ببغداد كتاب ورد على السلطان، ان اهل صنعاء وغيرهم من مدن اليمن اجتمعوا على الخارجي الذى كان تغلب عليها، فحاربوه وهزموه، وفلوا جموعه، فانحاز الى موضع من نواحي اليمن، ثم خلع السلطان لثلاث خلون من شوال على مظفر ابن حاج، وعقد له على اليمن، فخرج ابن حاج لخمس خلون من ذي القعده، ومضى الى عمله باليمن، فأقام بها حتى مات. ولسبع بقين من رجب من هذه السنه، اخرج مضرب المكتفي، فضرب بباب الشماسيه على ان يخرج الى الشام بسبب ابن الخليج، فوردت خريطة لست بقين منه من مصر من قبل فاتك، يذكر انه والقواد زحفوا الى الخليجي، وكانت بينهم حروب كثيره، وان آخر حرب جرت بينهم وبينه قتل فيها اكثر اصحابه،

стр. 5798

ثم انهزم الباقون، فظفروا بهم، واحتووا على معسكرهم، فهرب الخليجي حتى دخل الفسطاط، فاستتر بها عند رجل من اهل البلد، ودخل الأولياء الفسطاط. فلما استقروا بها دل على الخليجي، وعلى من كان استتر معه ممن شايعه، فقبض عليهم وحبسهم قبله، فكتب الى فاتك في حمل الخليجي ومن أخذ معه الى مدينه السلام، فردت مضارب المكتفي التي اخرجت الى باب الشماسه، ووجه في رد خزائنه، فردت وقد كانت جاوزت تكريت. ثم وجه فاتك بالخليجى من مصر وجماعه ممن اسر معه مع بشر مولى محمد بن ابى الساج الى مدينه السلام. فلما كان في يوم الخميس للنصف من شهر رمضان من هذه السنه ادخل مدينه السلام من باب الشماسيه، وقدم بين يديه احدى وعشرون رجلا على جمال، وعليهم برانس ودراريع حرير، منهم ابنا بينك- فيما قيل- وابن اشكال الذى كان صار الى السلطان من عسكر عمرو الصفار في الامان، وصندل المزاحمى الخادم الأسود. فلما وصل الخليجي الى المكتفي، فنظر اليه امر بحبسه في الدار، وامر بحبس الآخرين في الحديد، فوجه بهم الى ابن عمرويه، وكانت اليه الشرطه ببغداد، ثم خلع المكتفي على وزيره العباس بن الحسن خلعا، لحسن تدبيره في هذا الفتح، وخلع على بشر الافشينى. ولخمس خلون من شوال ادخل بغداد راس القرمطى المسمى نصرا الذى كان انتهب هيت منصوبا على قناه ولسبع خلون من شوال ورد الخبر مدينه السلام ان الروم أغاروا على قورس، فقاتلهم أهلها، فهزموهم، وقتلوا اكثرهم، وقتلوا رؤساء بنى تميم، ودخلوا المدينة، واحرقوا مسجدها، واستاقوا من بقي من أهلها. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5799

ثم دخلت سنه اربع وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليله فمما كان فيها من ذلك دخول ابن كيغلغ طرسوس غازيا في أول المحرم، وخرج معه رستم، وهي غزاه رستم الثانيه، فبلغوا سلندو، ففتح الله عليهم، وصاروا الى آلس، فحصل في ايديهم نحو من خمسه آلاف راس، وقتلوا من الروم مقتله عظيمه، وانصرفوا سالمين . خبر زكرويه بن مهرويه القرمطى ولاثنتى عشره خلت من المحرم ورد الخبر مدينه السلام ان زكرويه بن مهرويه القرمطى ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية، يريد الحاج، وانه وافى موضعا بينه وبين واقصه اربعه اميال. وذكر عن محمد بن داود انهم مضوا في البر من جهة المشرق، حتى صاروا بالماء المسمى سلمان وصار ما بينهم وبين السواد مفازة، فأقام بموضعه يريد الحاج ينتظر القافلة الاولى، ووافت القافلة واقصه لست- او سبع- خلون من المحرم، فانذرهم اهل المنزل، واخبروهم ان بينهم وبينهم اربعه اميال. فارتحلوا ولم يقيموا، فنجوا وكان في هذه القافلة الحسن بن موسى الربعي وسيما الابراهيمى، فلما امعنت القافلة في السير صار القرمطى الى واقصه، فسألهم عن القافلة فاخبروه انها لم تقم بواقصه، فاتهمهم بإنذارهم إياهم، فقتل من العلافين بها جماعه، واحرق العلف، وتحصن أهلها في حصنهم، فأقام بها أياما، ثم ارتحل عنها نحو زبالة. وذكر عن محمد بن داود انه قال: ان العساكر سارت في طلب زكرويه نحو عيون الطف، ثم انصرفت عنه لما علمت بمكانه بسلمان، ونفذ علان بن كشمرد مع قطعه من فرسان الجيش متجرده على طريق جاده مكة نحو زكرويه، حتى نزلوا السبال، فمضى نحو واقصه حتى نزلها بعد ان جازت القافلة

стр. 5800

الاولى، ومر زكرويه في طريقه بطوائف من بنى اسد، فأخذها من بيوتها معه، وقصد الحاج المنصرفين عن مكة، وقصد الجادة نحوهم. ووافى خبر الطير من الحوفه لاربع عشر بقيت من المحرم من هذه السنه بان زكرويه اعترض قافلة الخراسانيه يوم الأحد لإحدى عشره خلت من المحرم بالعقبه من طريق مكة، فحاربوه حربا شديدا، فساءلهم: وقال: افيكم السلطان؟ قالوا: ليس معنا سلطان، ونحن الحاج، فقال لهم: فامضوا فلست أريدكم فلما سارت القافلة تبعها فاوقع بها، وجعل اصحابه ينخسون الجمال بالرماح، ويبعجونها بالسيوف، فنفرت، واختلطت القافلة، وأكب اصحاب الخبيث على الحاج يقتلونهم كيف شاءوا، فقتلوا الرجال والنساء، وسبوا من النساء من أرادوا، واحتووا على ما كان في القافلة، وقد كان لقى بعض من افلت من هذه القافلة علان بن كشمرد، فسأله عن الخبر، فاعلمه ما نزل بالقافلة الخراسانيه، وقال له: ما بينك وبين القوم الا قليل، والليلة او في غد توافى القافلة الثانيه، فان رأوا علما للسلطان قويت انفسهم والله الله فيهم! فرجع علان من ساعته، وامر من معه بالرجوع، وقال: لا اعرض اصحاب السلطان للقتل، ثم اصعد زكرويه، ووافته القافلة الثانيه. وقد كان السلطان كتب الى رؤساء القافلتين الثانيه والثالثه ومن كان فيهما من القواد والكتاب مع جماعه من الرسل الذين تنكبوا طريق الجادة بخبر الفاسق وفعله بالحاج، ويأمرهم بالتحرز منه، والعدول عن الجادة نحو واسط والبصره، او الرجوع الى فيد او الى المدينة، الى ان يلحق بهم الجيوش. ووصلت الكتب اليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا، ولم يلبثوا وتقدم اهل القافلة الثانيه وفيها المبارك القمي واحمد بن نصر العقيلي واحمد بن على بن الحسين الهمذاني، فوافوا الفجره، وقد رحلوا عن واقصه، وعوروا مياهها، وملئوا بركها وبئارها بجيف الإبل والدواب التي كانت معهم، مشققه بطونها، ووردوا منزل العقبه في يوم الاثنين لاثنتى عشره خلت من المحرم، فحاربهم اصحاب القافلة الثانيه وكان ابو العشائر مع اصحابه في أول القافلة ومبارك القمي فيمن معه في ساقتها، فجرت بينهم حرب شديده حتى كشفوهم، وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجره من ساقتهم غره، فركبوهم من جهتها، ووضعوا رماحهم في جنوب ابلهم

стр. 5801

وبطونها، فطحنتهم الإبل وتمكنوا منهم، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، الا من استعبدوه ثم انفذوا الى ما دون العقبه باميال فوارس لحقوا المفلته من السيف، فأعطوهم الامان، فرجعوا فقتلوهم اجمعين، وسبوا من النساء ما أحبوا، واكتسحوا الأموال والأمتعة وقتل المبارك القمي والمظفر ابنه، واسر ابو العشائر، وجمع القتلى، فوضع بعضهم على بعض، حتى صاروا كالتل العظيم ثم قطعت يدا ابى العشائر ورجلاه، وضربت عنقه، واطلق من النساء من لم يرغبوا فيه، وافلت من الجرحى قوم وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا، فمنهم من مات، ومنهم من نجا وهم قليل وكان نساء القرامطة يطفن مع صبيانهم في القتلى يعرضون عليهم الماء، فمن كلمهم أجازوا عليه. وقيل انه كان في القافلة من الحاج زهاء عشرين الف رجل، قتل جميعهم غير نفر يسير ممن قوى على العدو، فنجا بغير زاد ومن وقع في القتل وهو مجروح، وافلت بعد، او من استعبدوه لخدمتهم. وذكر ان الذى أخذوا من المال والأمتعة الفاخره في هذه القافلة قيمه الفى الف دينار. وذكر عن بعض الضرابين انه قال: وردت علينا كتب الضرابين بمصر انكم في هذه السنه تستغنون، قد وجه آل ابن طولون والقواد المصريون الذين أشخصوا الى مدينه السلام، ومن كان في مثل حالهم في حمل ما لهم بمصر الى مدينه السلام، وقد سبكوا آنيه الذهب والفضه والحلى نقارا، وحمل الى مكة ليوافوا به مدينه السلام مع الحاج، فحمل في القوافل الشاخصه الى مدينه السلام، فذهب ذلك كله. وذكر ان القرامطة بينا هم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الاثنين، إذ اقبلت قافلة الخراسانيه، فخرج اليهم جماعه من القرامطة، فواقعوهم، فكان سبيلهم سبيل هذه فلما فرغ زكرويه من اهل القافلة الثانيه من الحاج. وأخذ أموالهم، واستباح حريمهم، رحل من وقته من العقبه بعد ان ملا البرك والابار بها بالجيف من الناس والدواب وكان ورد خبر قطعه على القافلة

стр. 5802

الثانيه من قوافل السلطان مدينه السلام في عشيه يوم الجمعه لاربع عشره بقيت من المحرم، فعظم ذلك على الناس جميعا وعلى السلطان، وندب الوزير العباس بن الحسن بن أيوب محمد بن داود بن الجراح الكاتب المتولى دواوين الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج الى الكوفه، والمقام بها لانفاذ الجيوش الى القرمطى فخرج من بغداد لإحدى عشره بقيت من المحرم، وحمل معه اموالا كثيره لاعطاء الجند. ثم سار زكرويه الى زبالة فنزلها، وبث الطلائع امامه ووراءه خوفا من اصحاب السلطان المقيمين بالقادسية ان يلحقوه، ومتوقعا ورود القافلة الثالثه التي فيها الأموال والتجار ثم سار الى الثعلبية، ثم الى الشقوق، واقام بها بين الشقوق والبطان في طرف الرمل في موضع يعرف بالطليح، ينتظر القافلة الثالثه، وفيها من القواد نفيس المولدى وصالح الأسود، ومعه الشمسه والخزانه وكانت الشمسه جعل فيها المعتضد جوهرا نفيسا. وفي هذه القافلة، كان ابراهيم ابن ابى الاشعث- واليه كان قضاء مكة والمدينة وامر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه- وميمون بن ابراهيم الكاتب- وكان اليه امر ديوان زمام الخراج والضياع- واحمد بن محمد بن احمد المعروف بابن الهزلج، والفرات بن احمد بن محمد بن الفرات، والحسن بن اسماعيل قرابه العباس بن الحسن- وكان يتولى بريد الحرمين- وعلى بن العباس النهيكى. فلما صار اهل هذه القافلة الى فيد بلغهم خبر الخبيث زكرويه واصحابه، وأقاموا بفيد أياما ينتظرون تقويه لهم من قبل السلطان، وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق الى القادسية في الجيوش التي أنفذها السلطان معه وقبله وبعد. ثم سار زكرويه الى فيد، وبها عامل السلطان، يقال له حامد بن فيروز، فالتجا منه حامد الى احد حصنيها في نحو من مائه رجل كانوا معه في المسجد، وشحن الحصن الآخر بالرجال، فجعل زكرويه يراسل اهل فيد، ويسألهم ان يسلموا اليه عاملهم ومن فيها من الجند، وانهم ان فعلوا ذلك آمنهم فلم

стр. 5803

يجيبوه الى ما سال ولما لم يجيبوه حاربهم، فلم يظفر منهم بشيء. قال: فلما راى انه لا طاقه له بأهلها، تنحى فصار الى النباج، ثم الى حفير ابى موسى الأشعري. وفي أول شهر ربيع الاول انهض المكتفي وصيف بن صوارتكين- ومعه من القواد جماعه- فنفذوا من القادسية على طريق خفان، فلقيه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الاول، فاقتتلوا يومهم، ثم حجز بينهم الليل، فباتوا يتحارسون، ثم عاودهم الحرب، فقتل جيش السلطان منهم مقتله عظيمه، وخلصوا الى عدو الله زكرويه، فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مول ضربه اتصلت بدماغه فاخذ أسيرا وخليفته وجماعه من خاصته واقربائه، فيهم ابنه وكاتبه وزوجته، واحتوى الجند على ما في عسكره. وعاش زكرويه خمسه ايام ثم مات، فشق بطنه، ثم حمل بهيئته، وانصرف بمن كان بقي حيا في يديه من اسرى الحاج. [أخبار متفرقة] وفيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس، فأصاب من العدو اربعه آلاف راس سبى ودواب ومواشى كثيره ومتاعا ودخل بطريق من البطارقه اليه في الامان، واسلم وكان شخوصه من طرسوس لهذه الغزاة في أول المحرم من هذه السنه. وفيها كاتب اندرونقس البطريق السلطان يطلب الامان، وكان على حرب اهل الثغور من قبل صاحب الروم، فاعطى ذلك، فخرج، واخرج نحوا من مائتي نفس من المسلمين كانوا اسرى في حصنه، وكان صاحب الروم قد وجه اليه من يقبض عليه، فاعطى المسلمين الذين كانوا في حصنه اسرى السلاح، واخرج معهم بعض بنيه، فكبسوا البطريق الموجه اليه للقبض عليه ليلا، فقتلوا ممن معه خلقا كثيرا، وغنموا ما في عسكره وكان رستم قد خرج في اهل الثغور في جمادى الاولى قاصدا اندرونقس ليتخلصه، فوافى رستم قونيه بعقب الوقعه وعلم البطارقه بمسير المسلمين اليهم فانصرفوا، ووجه اندرونقس ابنه الى رستم، ووجه رستم كاتبه وجماعه من البحريين،

стр. 5804

فباتوا في الحصن، فلما أصبحوا خرج اندرونقس وجميع من معه من أسارى المسلمين، ومن صار اليهم منهم، ومن وافقه على رايه من النصارى، واخرج ماله ومتاعه الى معسكر المسلمين، وخرب المسلمون قونيه، ثم قفلوا الى طرسوس واندرونقس وأسارى المسلمين ومن كان مع اندرونقس من النصارى. وفي جمادى الآخرة منها كانت بين اصحاب حسين بن حمدان بن حمدون وجماعه من اصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوقعه التي اصابه فيها ما اصابه، وأخذوا طريق الفرات يريدون الشام، فاوقع بهم وقعه، فقتل جماعه منهم، اسر جماعه من نسائهم وصبيانهم. وفيها وافى رسل ملك الروم احدهم خال ولده اليون وبسيل الخادم، ومعهم جماعه باب الشماسيه بكتاب منه الى المكتفي يسأله الفداء بمن في بلاده من المسلمين، من في بلاد الاسلام من الروم، وان يوجه المكتفي رسولا الى بلاد الروم ليجمع الأسرى من المسلمين الذين في بلاده، وليجتمع هو معه على امر يتفقان عليه، ويتخلف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع اليه الأسرى من الروم في الثغور ليصيرهم مع صاحب السلطان الى موضع الفداء فأقاموا بباب الشماسيه أياما، ثم ادخلوا بغداد ومعهم هديه من صاحب الروم عشره من أسارى المسلمين، فقبلت منهم واجيب صاحب الروم الى ما سال. وفيها أخذ رجل بالشام- زعم انه السفياني- فحمل هو وجماعه معه من الشام الى باب السلطان، فقيل انه موسوس. وفيها أخذ الاعراب بطريق مكة رجلين يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم، وذكر ان المعروف بالمنتقم منهما أخو امراه زكرويه، فدفعوهما الى نزار بالكوفه، فوجههما نزار الى السلطان، فذكر عن الاعراب انهما كانا صارا إليهما يدعوانهم الى الخروج على السلطان. وفيها وجه الحسين بن حمدان من طريق الشام رجلا يعرف بالكيال مع

стр. 5805

ستين رجلا من اصحابه الى السلطان كانوا استأمنوا اليه من اصحاب زكرويه. وفيها وصل الى بغداد اندرونقس البطريق وفيها كانت وقعه بين الحسين بن حمدان واعراب كليب والنمر واسد وغيرهم، اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب وفيها حاصر اعراب طيّئ وصيف بن صوارتكين بفيد، وكان وجه أميرا على الموسم، فحوصر ثلاثة ايام، ثم خرج اليهم، فواقعهم فقتل منهم قتلى، ثم انهزمت الاعراب ورحل وصيف من فيد بمن معه من الحاج. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5806

ثم دخلت سنه خمس وتسعين ومائتين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن ابراهيم المسمعي عن مدينه أصبهان الى قريه من قراها على فراسخ منها وانضمام نحو من عشره آلاف من الأكراد وغيرهم- فيما ذكر- اليه مظهرا الخلاف على السلطان فامر بدر الحمامي بالشخوص اليه، وضم اليه جماعه من القواد ونحو من خمسه آلاف من الجند وفيها كانت وقعه للحسين بن موسى على اعراب طيّئ الذين كانوا حاربوا وصيف بن صوارتكين على غره منهم، فقتل من رجالهم- فيما قيل- سبعين، واسر من فرسانهم جماعه. وفيها توفى ابو ابراهيم اسماعيل بن احمد عامل خراسان وما وراء النهر في صفر منها، لاربع عشره خلت منه، وقام ابنه احمد بن اسماعيل بن احمد في عمل ابيه مقامه، وولى اعمال ابيه وذكر ان المكتفي لاربع ليال خلون من شهر ربيع الآخر قعد، فعقد بيده لواء ودفعه الى طاهر بن على بن وزير، وخلع عليه وامره بالخروج باللواء الى احمد بن اسماعيل. وفيها وجه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب الى عبد الله بن ابراهيم المسمعي، وكتب اليه يخوفه عاقبه الخلاف اليه، فتوجه اليه، فلما صار اليه ناظره، فرجع الى طاعه السلطان، وشخص في نفر من غلمانه، واستخلف على عمله بأصبهان خليفه، ومعه منصور بن عبد الله، حتى صار الى باب السلطان، فرضى عنه المكتفي، ووصله وخلع عليه وعلى ابنه. وفيها اوقع الحسين بن موسى بالكردى المتغلب كان على نواحي الموصل، فظفر باصحابه، واستباح عسكره وأمواله، وافلت الكردى فتعلق بالجبال فلم يدرك

стр. 5807

وفيها فتح المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه بعض الخوارج باليمن، وأخذ رئيسا من رؤسائهم يعرف بالحكيمى وفيها لثلاث عشره ليله بقيت من جمادى الآخرة امر خاقان المفلحى بالشخوص الى اذربيجان لحرب يوسف بن ابى الساج، وضم اليه نحو اربعه آلاف رجل من الجند ولثلاث عشره بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول ابى مضر زياده الله بن الاغلف، ومعه فتح الأعجمي، ومعه هدايا وجه بها الى المكتفي. وفيها تم الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعده، وكانت عده من فودى به من الرجال والنساء ثلاثمائه آلاف نفس. وفي ذي القعده لاثنتى عشره ليله خلت منها توفى المكتفي بالله، وكانت خلافته ست سنين وسته اشهر وتسعه عشر يوما، وكان يوم توفى ابن اثنتين وثلاثين سنه يومئذ، وكان ولد سنه اربع وستين ومائتين، ويكنى أبا محمد، وأمه أم ولد تركية تسمى جيجك وكان ربعه جميلا، رقيق اللون، حسن الشعر، وافر الحمه، وافر اللحية.

стр. 5808

خلافه المقتدر بالله ثم بويع جعفر بن المعتضد بالله، ولما بويع جعفر بن المعتضد لقب المقتدر بالله وهو يومئذ ابن ثلاث عشره سنه وشهر واحد واحد وعشرين يوما وكان مولده ليله الجمعه لثمان بقين من شهر رمضان من سنه اثنتين وثمانين ومائتين، وكنيته ابو الفضل، وأمه أم ولد يقال لها شغب، فذكر كان في بيت المال يوم بويع خمسه عشر الف الف دينار ولما بويع المقتدر غسل المكتفي وصلى عليه، ودفن في موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر. وفيها كانت بين عج بن حاج والجند وقعه في اليوم الثانى من ايام منى، قتل فيها جماعه، وجرح منهم، بسبب طلبهم جائزه بيعه المقتدر، وهرب الناس الذين كانوا بمنى الى بستان ابن عامر، وانتهب الجند مضرب ابى عدنان ربيعه بن محمد بمنى. وكان احد أمراء القوافل، وأصاب المنصرفين من مكة في منصرفهم في الطريق من القطع والعطش امر غليظ، مات من العطش- فيما قيل- منهم جماعه وسمعت بعض من يحكى ان الرجل كان يبول في كفه، ثم يشربه. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5809

ثم دخلت سنه ست وتسعين ومائتين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعه من القواد والكتاب والقضاه على خلع المقتدر، وتناظرهم فيمن يجعل في موضعه، فاجتمع رأيهم على عبد الله بن المعتز وناظروه في ذلك، فأجابهم الى ذلك على الا يكون في سفك ذلك دم ولا حرب، فاخبروه ان الأمر يسلم اليه عفوا، وان جميع من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وكان الراس في ذلك محمد بن داود ابن الجراح وابو المثنى احمد بن يعقوب القاضى، وواطا محمد بن داود بن الجراح جماعه من القواد على الفتك بالمقتدر والبيعه لعبد الله بن المعتز، وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم فلما راى العباس امره مستوثقا له مع المقتدر، بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذى تولى قتله بدر الأعجمي والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول. ولما كان من غد هذا اليوم- وذلك يوم الأحد- خلع المقتدر القواد والكتاب وقضاه بغداد، وبايعوا عبد الله بن المعتز، ولقبوه الراضي بالله. وكان الذى أخذ له البيعه على القواد وتولى استحلافهم والدعاء باسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش. وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديده من غدوه الى انتصاف النهار. وفيه انفضت الجموع التي كان محمد بن داود جمعها لبيعه ابن المعتز عنه، وذلك ان الخادم الذى يدعى مؤنسا حمل غلمانا من غلمان الدار في شذوات،

стр. 5810

فصاعد بها وهم فيها في دجلة، فلما حاذوا الدار التي فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحوا بهم، ورشقوهم بالنشاب، فتفرقوا، وهرب من في الدار من الجند والقواد والكتاب، وهرب ابن المعتز، ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا بانه منع من المصير اليه، واختفى بعضهم فأخذوا وقتلوا وانتهب العامه دور ابن داود والعباس بن الحسن، وأخذ ابن المعتز فيمن أخذ. وفي يوم السبت لاربع بقين من شهر ربيع الاول منها سقط الثلج ببغداد من غدوه الى قدر صلاه العصر، حتى صار في الدور والسطوح منه نحو من اربعه أصابع، وذكر انه لم ير ببغداد مثل ذلك قط. وفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الاول منها، سلم محمد بن يوسف القاضى ومحمد بن عمرويه وابو المثنى وابن الجصاص والأزرق كاتب الجيش في جماعه غيرهم الى مؤنس الخازن، فترك أبا المثنى في دار السلطان، ونقل الآخرين الى منزله، فافتدى بعضهم نفسه، وقتل بعضهم، وشفع في بعض فاطلق. وفيها كانت وقعه بين طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث وسبكرى غلام عمرو بن الليث، فاسر سبكرى طاهرا، ووجهه مع أخيه يعقوب بن محمد الى السلطان وفيها وجه القاسم بن سيما مع جماعه من القواد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون، فشخص لذلك حتى صار الى قرقيسيا والرحبه والدالية، وكتب الى أخي الحسين عبد الله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه، فالتقى هو واخوه بموضع يعرف بالأعمى بين تكريت والسودقانيه بالجانب الغربي من دجلة، فانهزم عبد الله، وبعث الحسين يطلب الامان، فاعطى ذلك ولسبع بقين من جمادى الآخرة منها وافى الحسين بن حمدان بغداد، فنزل باب حرب، ثم صار الى دار السلطان من غد ذلك اليوم، فخلع عليه وعقد له على قم وقاشان. ولست بقين من جمادى الآخرة، خلع على ابن دليل النصراني كاتب يوسف

стр. 5811

ابن ابى الساج ورسوله، وعقد ليوسف بن ابى الساج على المراغه واذربيجان، وحملت اليه الخلع، وامر بالشخوص الى عمله. وللنصف من شعبان منها خلع على مؤنس الخادم، وامر بالشخوص الى طرسوس لغزو الصائفه، فنفذ لذلك وخرج في عسكر كثيف وجماعه من القواد وغلمان الحجر. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5812

ثم دخلت سنه سبع وتسعين ومائتين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من غزو مؤنس الخادم الصائفه بلاد الروم من ثغر ملطيه في جيش كثيف، ومعه ابو الأغر السلمى وظفر بالروم، واسر اعلاجا في آخر سنه ست وتسعين ومائتين، وورد الخبر بذلك على السلطان لست خلون من المحرم. وفيها صار الليث بن على بن الليث الصفار الى فارس في جيش، فتغلب عليها، وطرد عنها سبكرى، وذلك بعد ما ولى السلطان سبكرى بعد ما بعث سبكرى طاهر بن محمد الى السلطان أسيرا، فامر المقتدر مؤنسا الخادم بالشخوص الى فارس لحرب الليث بن على، فشخص إليها في شهر رمضان منها. وفيها وجه أيضا المقتدر القاسم بن سيما لغزوه الصائفه ببلاد الروم في جمع كثير من الجند في شوال منها. وفيها كانت بين مؤنس الخادم والليث بن على بن الليث وقعه هزم فيها الليث، ثم اسر وقتل من اصحابه جماعه كثيره، واستامن منهم الى مؤنس جماعه كثيره، ودخل اصحاب السلطان النوبندجان، وكان الليث قد تغلب عليها. واقام الحج فيها للناس الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبيد الله ابن العباس بن محمد.

стр. 5813

ثم دخلت سنه ثمان وتسعين ومائتين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان فيها من غزو القاسم بن سيما ارض الروم الصائفه. وفيها وجه المقتدر وصيف كامه الديلمى في جيش وجماعه من القواد لحرب سبكرى غلام عمرو بن الليث وفيها كانت بين سبكرى ووصيف كامه وقعه هزمه فيها وصيف، واخرجه من عمل فارس، ودخل وصيف كامه ومن معه فارس، واستامن اليه من اصحاب سبكرى جماعه كثيره، فاسر رئيس عسكره المعروف بالقتال، ومضى سبكرى هاربا الى احمد بن اسماعيل بن احمد بما معه من الأموال والذخائر فاخذ ما معه اسماعيل بن احمد، وقبض عليه فحبسه. وفيها كانت بين احمد بن اسماعيل بن احمد ومحمد بن على بن الليث وقعه بناحيه بست والرخج، اسره فيها احمد بن اسماعيل. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.

стр. 5814

ثم دخلت سنه تسع وتسعين ومائتين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من غزو رستم بن برود الصائفه من ناحيه طرسوس. وهو والى الثغور من قبل بنى نفيس، ومعه دميانه فحاصر حصن مليح الأرمني، ثم رحل عنه، واحرق ارباض ذي الكلاع وفيها ورد رسول احمد بن اسماعيل بن احمد بكتاب منه الى السلطان يخبر فيه انه فتح سجستان، وان اصحابه دخلوها، واخرجوا من كان بها من اصحاب الصفار، وان المعدل بن على بن الليث صار اليه بمن معه من اصحابه في الامان، وكان المعدل يومئذ مقيما بزرنج، فصار الى احمد بن اسماعيل وهو مقيم ببست والرخج، فوجه به ابن اسماعيل وبعياله ومن معه الى هراة، وبين سجستان وبست الرخج ستون فرسخا، فوردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الاثنين لعشر خلون من صفر. وفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغر- وهو أيضا احد قواد زكرويه- مستأمنا. وفي ذي الحجه منها غضب على على بن محمد بن الفرات لاربع خلون منه، وحبس ووكل بدوره ودور اهله وأخذ كل ما وجد له ولهم، وانتهت دوره ودور بنى اخوته وأهلهم، واستوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.

стр. 5815

ثم دخلت سنه ثلاثمائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على برقه، وهي من عمل مصر، الى ما خلفها باربع فراسخ، ثم ما بعد ذلك من عمل المغرب بخبر خارجى خرج عليه، وانه ظفر بعسكره، وقتل خلقا من اصحابه، ومعه آذان وانوف من قتله في خيوط واعلام من اعلام الخارجي وفي هذه السنه كثرت الامراض والعلل ببغداد في الناس، وذكر ان الكلاب والذئاب كلبت فيها بالبادية، فكانت تطلب الناس والدواب والبهائم، فإذا عضت إنسانا اهلكته. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
следующие страницы →