Полный текст (6 431 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
فأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، واستاقوا المواشى فخرج اليهم احمد بن محمد بن كمشجور المتولى المعاون بها، فلم يطقهم فكتب الى السلطان يخبره بأمورهم فوجه من مدينه السلام نفيسا المولدى واحمد بن محمد الزرنجى والمظفر بن حاج مددا له في زهاء الف رجل، فصاروا الى موضع الاعراب، فواقعوهم بموضع يعرف بالمنقبه من الأنبار، فهزمهم الاعراب، وقتلوا اصحابهم وغرق اكثرهم في الفرات، وتفرقوا فورد كتاب ابن حاج يوم الاثنين لست بقين من رجب بخبر هذه الوقعه وهزيمه الاعراب إياهم، فأقام الاعراب يعيثون في الناحية، ويتخفرون القرى، فكتب الى المعتضد بخبرهم، فوجه اليهم لقتالهم من الرقة العباس بن عمرو الغنوي وخفيفا الاذكوتكينى وجماعه من القواد فصار هؤلاء القواد الى هيت في آخر شعبان من هذه السنه.
وبلغ الاعراب خبرهم، فارتحلوا عن موضعهم من سواد الأنبار، وتوجهوا نحو عين التمر، فنزلوها، ودخل القواد الأنبار، فأقاموا بها، وعاث الاعراب بعين التمر ونواحي الكوفه، مثل عيثهم بنواحي الأنبار، وذلك بقية شعبان وشهر رمضان.
وفيها وجه المعتضد الى راغب مولى ابى احمد وهو بطرسوس، يأمره بالمصير اليه بالرقة، فصار اليه وهو بها، فلما وصل اليه تركه في عسكره يوما ثم اخذه من الغد فحبسه، وأخذ جميع ما كان معه، وورد الخبر بذلك مدينه السلام يوم الاثنين لتسع خلون من شعبان، ثم مات راغب بعد ايام، وقبض على مكنون غلام راغب وعلى اصحابه، وأخذ ماله بطرسوس يوم الثلاثاء لست بقين من رجب، وكان المتولى اخذهم ابن الاخشاد.
ولعشر بقين من شهر رمضان منها وجه المعتضد مؤنسا الخازن الى الاعراب بنواحي الكوفه وعين التمر، وضم اليه العباس بن عمرو وخفيفا الاذكوتكينى وغيرهما من القواد، فسار مؤنس ومن معه حتى بلغ الموضع المعروف بنينوى، فوجد الاعراب قد ارتحلوا عن موضعهم، ودخل بعضهم الى بريه طريق مكة
стр. 5742
وبعضهم الى بريه الشام، فأقام بموضعه أياما، ثم شخص الى مدينه السلام.
وفي شوال منها قلد المعتضد وعبيد الله بن سليمان ديوان المشرق محمد بن داود ابن الجراح، وعزل عنه احمد بن محمد بن الفرات، وقلد ديوان المغرب على بن عيسى بن داود بن الجراح، وعزل عنه ابن الفرات.
стр. 5743
ثم دخلت
سنه سبع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمد بن احمد بن عيسى بن شيخ وعلى جماعه من اهله وتقييده إياهم، وحبسه لهم في دار ابن طاهر، وذلك انه صار بعض اقربائه- فيما ذكر- الى عبيد الله بن سليمان، فاعلمه ان محمدا على الهرب في جماعه من اصحابه واهله، فكتب بذلك عبيد الله الى المعتضد، فكتب اليه المعتضد يأمره بالقبض عليه، ففعل ذلك يوم الأربعاء لاربع خلون من المحرم منها.
وفي هذا الشهر من هذه السنه ورد كتاب ابى الأغر على السلطان ان طيئا تجمعت له، وحشدوا واستعانوا بمن قدروا عليه من الاعراب، واعترضوا قافلة الحاج، فواقعوهم لما جاوزوا المعدن منصرفين الى مدينه السلام من مكة ببضعه عشر ميلا، واقبل اليهم فرسان الاعراب ورجالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وابلهم، وكانت رجالتهم اكثر من ثلاثة آلاف، فالتحمت الحرب بينهم، ولم تزل الحرب بينهم يومهم اجمع، وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجه، فلما جنهم الليل باينوهم، فلما أصبحوا غادوهم الحرب غداه يوم الجمعه الى حين انتصاف النهار ثم انزل الله النصر على اوليائه وولى الاعراب منهزمين، فما اجتمعوا بعد تفرقهم، وانه سار هو وجميع الحاج سالمين، وانفذ كتابه مع سعيد بن الأصفر بن عبد الأعلى، وهو احد وجوه بنى عمه والمتولى كان للقبض على صالح بن مدرك.
وفي يوم السبت لثلاث بقين من المحرم وافى ابو الأغر مدينه السلام، وبين يديه راس صالح بن مدرك، وراس جحنش، وراس غلام لصالح اسود، واربعه أسارى من بنى عم صالح، فمضى الى دار المعتضد، فخلع
стр. 5744
عليه، وطوق بطوق من ذهب، ونصبت الرءوس على راس الجسر الأعلى ١٥.. ٦٧
بالجانب الشرقى، وادخل الأسرى المطامير.
ولاربع ليال بقين من صفر منها، دخل المعتضد من متنزهه ببراز الروز الى بغداد، وامر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الروز، فحمل اليه الآلات، وابتدأ في عمله وفي شهر ربيع الاول منها غلظ امر القرامطة بالبحرين، فأغاروا على نواحي هجر، وقرب بعضهم من نواحي البصره، فكتب احمد بن محمد بن يحيى الواثقى يسال المدد، فوجه اليه في آخر هذا الشهر بثماني شذوات، فيها ثلاثمائة رجل، وامر المعتضد باختيار جيش لينفذه الى البصره.
وفي يوم الأحد لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، قعد بدر مولى المعتضد في داره، ونظر في امور الخاصة والعامه من الناس والخراج والضياع والمعاون.
وفي يوم الاثنين لإحدى عشره خلت من شهر ربيع الآخر، مات محمد بن عبد الحميد الكاتب المتولى ديوان زمام المشرق والمغرب.
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشره خلت منه ولى جعفر بن محمد بن حفص هذا الديوان، فصار من يومه الى الديوان وقعد فيه.
وفي شهر ربيع الآخر منها ولى المعتضد عباس بن عمرو الغنوي اليمامه والبحرين ومحاربه ابى سعيد الجنابى ومن معه من القرامطة، وضم اليه زهاء الفى رجل، فعسكر العباس بالفرك أياما حتى اجتمع اليه اصحابه، ثم مضى الى البصره، ثم شخص منها الى البحرين واليمامه.
وفيها- فيما ذكر- وافى العدو باب قلميه من طرسوس، فنفر ابو ثابت وهو امير طرسوس بعد موت ابن الاخشاد- وكان استخلفه على البلد حين غزا- فمات وهو على ذلك، فبلغ في نفيره الى نهر الريحان في طلب العدو، فاسر ابو ثابت واصيب الناس، فكان ابن كلوب غازيا في درب السلامة، فلما
стр. 5745
قفل من غزاته جمع المشايخ من اهل الثغر ليتراضوا بامير يلى أمورهم، فاتفق رأيهم على على بن الأعرابي، فولوه امرهم بعد اختلاف من ابن ابى ثابت.
وذكر ان أباه استخلفه، وجمع جمعا لمحاربه اهل البلد حتى توسط الأمر ابن كلوب، فرضى ابن ثابت، وذلك في شهر ربيع الآخر، وكان النغيل حينئذ غازيا ببلاد الروم، فانصرف الى طرسوس، وجاء الخبر ان أبا ثابت حمل الى القسطنطينية من حصن قونيه، ومعه جماعه من المسلمين.
وفي شهر ربيع الآخر مات إسحاق بن أيوب الذى كان اليه المعاون بديار ربيعه، فقلد ما كان اليه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.
وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جمادى الاولى، ورد كتاب- فيما ذكر- على السلطان بان اسماعيل بن احمد اسر عمرا الصفار، واستباح عسكره، وكان من خبر عمرو واسماعيل، ان عمرا سال السلطان ان يوليه ما وراء النهر، فولاه ذلك، ووجه اليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع، واللواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربه اسماعيل بن احمد، فكتب اليه اسماعيل بن احمد: انك قد وليت دنيا عريضه، وانما في يدي ما وراء النهر، وانا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيما بهذا الثغر فأبى اجابته الى ذلك، فذكر له امر نهر بلخ وشده عبوره، فقال: لو أشاء ان اسكره ببدر الأموال واعبره لفعلت، فلما ايس اسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه والتناء والدهاقين، وعبر النهر الى الجانب الغربي، وجاء عمرو فنزل بلخ، وأخذ اسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة- فيما ذكر- فأبى اسماعيل عليه ذلك، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هزم عمرو فولى هاربا، ومر باجمه في طريقه، قيل له انها اقرب، فقال لعامه من معه: امضوا في الطريق الواضح ومضى في نفر يسير، فدخل الأجمة، فوحلت دابته، فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيله، ومضى من معه، ولم يلووا عليه، وجاء اصحاب اسماعيل، فاخذوه أسيرا ولما وصل الخبر الى
стр. 5746
المعتضد بما كان من امر عمرو واسماعيل، مدح اسماعيل- فيما ذكر- وذم عمرا.
ولليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، ورد الخبر على السلطان ان وصيفا خادم ابن ابى الساج، هرب من برذعه، ومضى الى ملطيه مراغما لمحمد بن ابى الساج في اصحابه، وكتب الى المعتضد يسأله ان يوليه الثغور، ليقوم بها، فكتب اليه المعتضد يأمره بالمصير اليه، ووجه اليه رشيقا الحرمي ولسبع خلون من رجب من هذه السنه توفيت ابنه خمارويه بن احمد بن طولون، زوجه المعتضد، ودفنت داخل قصر الرصافه.
ولعشر خلون من رجب وفد على السلطان ثلاثة انفس وجههم وصيف خادم ابن ابى الساج الى المعتضد، يسأله ان يوليه الثغور، ويوجه اليه الخلع، فذكر ان المعتضد امر بتقرير الرسل بالسبب الذى من اجله فارق وصيف صاحبه ابن ابى الساج، وقصد الثغور، فقرروا بالضرب، فذكروا انه فارقه على مواطاه بينه وبين صاحبه، على انه متى صار الى الموضع الذى هو به متى لحق به صاحبه، فصارا جميعا الى مضر وتغلبا عليها، وشاع ذلك في الناس وتحدثوا به.
ولإحدى عشرة خلت من رجب من هذه السنة ولى حامد بن العباس الخراج والضياع بفارس، وكانت في يد عمرو بن الليث الصفار، ودفعت كتبه بالولاية الى أخيه احمد بن العباس، وكان حامد مقيما بواسط، لأنه كان يليها وكور دجلة، وكتب الى عيسى النوشرى وهو بأصبهان بالمصير الى فارس واليا على معونتها.
خروج العباس بن عمرو الغنوي من البصره
وفي هذه السنه كان خروج العباس بن عمرو الغنوي- فيما ذكر- من البصره بمن ضم اليه من الجند، مع من خف معه من مطوعه البصره نحو ابى سعيد الجنابى ومن انضوى اليه من القرامطة، فلقيهم طلائع لأبي سعيد، فخلف العباس سواده، وسار نحوهم، فلقى أبا سعيد ومن
стр. 5747
معه مساء، فتناوشوا القتال، ثم حجز بينهم الليل، فانصرف كل فريق منهما الى موضعهم فلما كان الليل انصرف من كان مع العباس من اعراب بنى ضبة- وكانوا زهاء ثلاثمائة- الى البصره، ثم تبعهم مطوعه البصره، فلما اصبح العباس غادى القرامطة الحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا.
ثم ان صاحب ميسره العباس- وهو نجاح غلام احمد بن عيسى بن شيخ- حمل في جماعه من اصحابه زهاء مائه رجل على ميمنه ابى سعيد، فوغلوا فيهم، فقتل وجميع من معه، وحمل الجنابى واصحابه على اصحاب العباس، فانهزموا، فاستاسر العباس، واسر من اصحابه زهاء سبعمائة رجل، واحتوى الجنابى على ما كان في عسكر العباس، فلما كان من غد يوم الوقعه احضر الجنابى من كان اسر من اصحاب العباس، فقتلهم جميعا، ثم امر بحطب فطرح عليهم، واحرقهم.
وكانت هذه الوقعه- فيما ذكر- في آخر رجب، وورد خبرها بغداد لاربع خلون من شعبان.
وفيها- فيما ذكر- صار الجنابى الى هجر، فدخلها وآمن أهلها، وذلك بعد منصرفه من وقعه العباس، وانصرف فل اصحاب العباس بن عمرو يريدون البصره، ولم يكن افلت منهم الا القليل بغير ازواد ولا كسا، فخرج اليهم من البصره جماعه بنحو من أربعمائة راحله، عليها الاطعمه والكسا والماء، فخرج عليهم- فيما ذكر- بنو اسد، فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعه ممن كان مع تلك الرواحل ومن افلت من اصحاب العباس، وذلك في شهر رمضان، فاضطربت البصره لذلك اضطرابا شديدا وهموا بالانتقال عنها، فمنعهم احمد بن محمد الواثقى المتولى لمعاونها من ذلك، وتخوفوا هجوم القرامطة عليهم.
ولثمان خلون من شهر رمضان منها- فيما ذكر- وردت خريطة على السلطان من الأبله بموافاه العباس بن عمرو في مركب من مراكب البحر، وان أبا سعيد الجنابى اطلقه وخادما له.
ولإحدى عشره خلت من شهر رمضان، وافى العباس بن عمرو مدينه
стр. 5748
السلام، وصار الى دار المعتضد بالثريا، فذكر انه بقي عند الجنابى أياما بعد الوقعه، ثم دعا به، فقال له: اتحب ان اطلقك؟، قال: نعم، قال:
امض وعرف الذى وجه بك الى ما رايت وحمله على رواحل، وضم اليه رجالا من اصحابه، وحملهم ما يحتاجون اليه من الزاد والماء، وامر الرجال الذين وجههم معه ان يؤدوه الى مأمنه، فساروا به حتى وصل الى بعض السواحل، فصادف به مركبا، فحمله، فصار الى الأبله، فخلع عليه المعتضد وصرفه الى منزله.
وفي يوم الخميس لإحدى عشره خلت من شوال ارتحل المعتضد من مضربه بباب الشماسيه في طلب وصيف خادم ابن ابى الساج، وكتم ذلك، واظهر انه يريد ناحيه ديار مضر وفي يوم الجمعه لاثنتى عشره خلت منه، ورد الخبر- فيما ذكر- على السلطان ان القرامطة بالسواد من اهل جنبلاء وثبوا بواليهم بدر غلام الطائي، فقتلوا من المسلمين جمعا فيهم النساء والصبيان، واحرقوا المنازل.
ولاربع عشره خلت من ذي القعده نزل المعتضد كنيسه السوداء في طلب وصيف الخادم، فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، حتى تلاحق به الناس، واراد الرحيل في طريق المصيصة، فاتته العيون ان الخادم يريد عين زربه، فاحضر الركاضه الثغريين واهل الخبره، فسألهم عن اقصد الطريق الى عين زربه، فقطعوا به جيحان غداه الخميس لسبع عشره خلت من ذي القعده، فقدم ابنه عليا ومعه الحسن بن على كوره، واتبعه بجعفر بن سعر، ثم اتبع جعفرا محمد بن كمشجور، ثم اتبعه خاقان المفلحى، ثم مؤنس الخادم، ثم مؤنس الخازن، ثم مضى في آثارهم مع غلمان الحجر، ومر بعين زربه، وضرب له بها مضرب، وخلف بها خفيفا السمرقندي مع سواده، وسار هو قاصدا للخادم في اثر القواد، فلما كان بعد صلاه العصر جاءته البشارات بأخذ الخادم، ووافوا به المعتضد، فسلمه الى مؤنس الخادم
стр. 5749
وهو يومئذ صاحب شرطه العسكر، وامر ببذل الامان لأصحاب الخادم والنداء في العسكر ببراءه الذمة ممن وجد في رحله شيء من نهب عسكر الخادم، ولم يرده على اصحابه، فرد الناس على كثير منهم ما انتهبوا من عسكرهم وكانت الوقعه واسر وصيف الخادم- فيما قيل- يوم الخميس لثلاث عشره بقيت من ذي القعده، وكان من اليوم الذى ارتحل المعتضد فيه من مضربه بباب الشماسيه الى ان قبض على الخادم سته وثلاثون يوما.
ولما قبض المعتضد على الخادم انصرف- فيما ذكر- الى عين زربه، فأقام بها يومين، فلما كان في صبيحة الثالث، اجتمع اليه اهل عين زربه، وسألوه ان يرحل عنهم لضيق الميرة ببلدهم، فرحل عنها في اليوم الثالث، فنزل المصيصة بجميع عساكره الا أبا الأغر خليفه بن المبارك، فانه كان وجهه ليأخذ على الخادم الطريق لئلا يصير الى مرعش وناحيه ملطيه، وكان الخادم قد انفذ عياله وعيال اصحابه الى مرعش، وبلغ اصحاب الخادم الذين كانوا قد هربوا ما بذل لهم المعتضد من الامان، وما امر برده عليهم من امتعتهم، فلحقوا بعسكر المعتضد داخلين في امانه وكان نزول المعتضد بالمصيصة- فيما قيل- يوم الأحد لعشر بقين من ذي القعده، فأقام بها الى الأحد الآخر، وكتب الى وجوه اهل طرسوس في المصير اليه، فاقبلوا اليهم منهم النغيل- وكان من رؤساء الثغر- وابن له، ورجل يقال له ابن المهندس، وجماعه معهم، فحبس هؤلاء مع آخرين، واطلق اكثرهم فحمل الذين حبسهم معه الى بغداد، وكان قد وجد عليهم لانهم- فيما ذكر- كانوا كاتبوا وصيفا الخادم وامر المعتضد باحراق جميع المراكب البحرية التي كان المسلمون يغزون فيها وجميع آلاتها.
وذكر ان دميانه غلام يازمان هو الذى اشار عليه لشيء كان في نفسه على اهل طرسوس، فاحرق ذلك كله، وكان في المراكب نحو من خمسين مركبا قديما قد انفق عليها اموال جليله لا يعمل مثلها في هذا الوقت فاحرقت، فأضر ذلك بالمسلمين، وكسر ذلك في اعضادهم، وقوى به الروم، وأمنوا ان يغزوا في البحر وقلد المعتضد الحسن بن على كوره الثغور الشامية بمسلم
стр. 5750
من اهل الثغور واجتماع كلمتهم عليه، ورحل المعتضد- فيما قيل- من المصيصة فنزل فندق الحسين، ثم الإسكندرية، ثم بغراس ثم أنطاكية، لليلتين خلتا من ذي الحجه فأقام بها الى ان نحر، وبكر في ثانى النحر بالرحيل، فنزل ارتاح ثم الاثارب ثم حلب، فأقام بها يومين، ثم رحل الى الناعوره، ثم الى خساف وصفين هناك في الجانب الجزرى، وبيت مال أمير المؤمنين عَلِيّ بْن أبي طالب ﵁ في الجانب الآخر، ثم الى يالس، ثم الى دوسر، ثم الى بطن دامان، ثم الى الرقة، فدخلها لثمان بقين من ذي الحجه، فأقام بها الى ان بقي ليلتان منه.
ذكر الخبر عن مقتل محمد بن زيد العلوي
ولخمس بقين من شوال ورد الخبر على السلطان بان محمد بن زيد العلوي قتل.
ذكر الخبر عن سبب مقتله:
ذكر أن محمد بن زيد خرج لما اتصل به الخبر عن اسر اسماعيل بن احمد عمرو بن الليث في جيش كثيف نحو خراسان، طامعا فيها، ظنا منه ان اسماعيل بن احمد لا يتجاوز عمله الذى كان يتولاه ايام ولايه عمرو بن الليث الصفار خراسان، وانه لا دافع له عن خراسان، إذ كان عمرو قد اسر، ولا عامل للسلطان به، فلما صار الى جرجان واستقر به، كتب اليه يسأله الرجوع الى طبرستان، وترك جرجان له، فأبى ذلك عليه ابن زيد، فندب اسماعيل- فيما ذكر لي- خليفه كان لرافع بن هرثمة ايام ولايه رافع خراسان يدعى محمد بن هارون، لحرب محمد بن زيد، فانتدب له، فضم اليه جمعا كثيرا من رجاله وجنده، ووجهه الى ابن زيد لحربه، فشخص محمد بن هارون نحو ابن زيد، فالتقيا على باب جرجان، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر محمد بن هارون.
ثم ان محمد بن هارون رجع، وقد انتقضت صفوف العلوي، فانهزم عسكر محمد بن زيد، وولوا هاربين، وقتل منهم- فيما ذكر- بشر كثير،
стр. 5751
واصابت ابن زيد ضربات، واسر ابنه زيد، وحوى محمد بن هارون عسكره وما كان فيه ثم مات محمد بن زيد بعد هذه الوقعه بايام من الضربات التي كانت فيه، فدفن على باب جرجان، وحمل ابنه زيد الى اسماعيل بن احمد، وشخص محمد بن هارون الى طبرستان.
وفي يوم السبت لاثنتى عشره خلت من ذي القعده اوقع بدر غلام الطائي بالقرامطة على غره منهم بنواحي روذميستان وغيرها، فقتل منهم- فيما ذكر- مقتله عظيمه، ثم تركهم خوفا على السواد ان يخرب، إذ كانوا فلاحيه وعماله، وطلب رؤساءهم في أماكنهم، فقتل من ظفر به منهم، وكان السلطان قد قوى بدرا بجماعه من جنده وغلمانه بسببهم للحدث الذى كان منهم.
وحج بالناس فِي هَذِهِ السنة مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بن داود.
стр. 5752
ثم دخلت
سنه ثمان وثمانين ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من ورود الخبر على السلطان- فيما ذكر- بوقوع الوباء باذربيجان، فمات منه خلق كثير الى ان فقد الناس ما يكفنون به الموتى، فكفنوا في الأكسية واللبود، ثم صاروا الى ان لم يجدوا من يدفن الموتى، فكانوا يتركونهم مطروحين في الطرق.
وفيها دخل اصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث فارس، واخرجوا منها عمال السلطان، وذلك لاثنتى عشره بقيت من صفر منها.
وفيها توفى محمد بن ابى الساج الملقب بافشين باذربيجان، فاجتمع غلمانه وجماعه من اصحابه، فأمروا عليهم ديوداد بن محمد، واعتزلهم يوسف بن ابى الساج على الخلاف لهم.
ولليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر ورد كتاب صاحب البريد بالاهواز، يذكر فيه ان اصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث صاروا الى سنبيل يريدون الاهواز.
وفي أول جمادى الاولى ادخل عمرو بن الليث عبد الله بن الفتح- الموجه كان الى اسماعيل بن احمد- بغداد واشناس غلام اسماعيل بن احمد وذكر لي ان اسماعيل بن احمد خبيره بين المقام عنده أسيرا وبين توجيهه الى باب امير المؤمنين، فاختار توجيهه فوجهه.
ولليلتين خلتا من جمادى الآخرة، ورد- فيما ذكر- كتاب صاحب بريد الاهواز منها، يذكر ان كتاب اسماعيل بن احمد ورد على طاهر بن محمد بن عمرو يعلمه ان السلطان ولاه سجستان، وامره بالخروج إليها، وانه خارج اليه الى فارس ليوقع به، ثم ينصرف الى سجستان، وان طاهرا خرج لذلك،
стр. 5753
وكتب الى ابن عمه وكان مقيما بارجان في عسكره يأمره بالانصراف اليه الى فارس بمن معه.
وفيها ولى المعتضد مولاه بدرا فارس، وامره بالشخوص إليها لما بلغه من تغلب طاهر بن محمد عليها، وخلع عليه لتسع خلون من جمادى الآخرة، وضم اليه جماعه من القواد، فشخص في جيش عظيم من الجند والغلمان.
ولعشر خلون من جمادى الآخرة منها خرج عبد الله بن الفتح واشناس غلام اسماعيل الى اسماعيل بن احمد بن سامان بخلع من المعتضد حملها اليه وببدنه وتاج وسيف من ذهب، مركب على جميع ذلك جوهر وبهدايا وثلاثة آلاف الف درهم، يفرقها في جيش من جيوش خراسان، يوجه الى سجستان لحرب من بها من اصحاب طاهر بن محمد بن عمرو.
وقد قيل: ان المال الذى وجهه اليه المعتضد كان عشره آلاف الف درهم، وجه ببعض ذلك من بغداد، وكتب بباقيه على عمال الجبل، وأمروا ان يدفعوه الى الرسل.
وفي رجب منها وصل بدر مولى المعتضد الى ما قرب من ارض فارس، فتنحى عنها من كان بها من اسباب طاهر بن محمد بن عمرو، فدخلها اصحاب بدر، وجبى عماله الخراج بها ولليلتين خلتا من شهر رمضان منها، ذكر ان كتاب عج بن حاج عامل مكة ورد يذكر فيه ان بنى يعفر أوقعوا برجل كان تغلب على صنعاء، وذكر انه علوي وانهم هزموه، فلجا الى مدينه تحصن بها، فصاروا اليه فاوقعوا به، فهزموه أيضا، وأسروا ابنا له، وافلت هو في نحو من خمسين نفسا، ودخل بنو يعفر صنعاء وخطبوا بها للمعتضد وفيها اوقع يوسف بن ابى الساج وهو في نفر يسير بابن أخيه ديوداد بن محمد، ومعه جيش ابيه محمد بن ابى الساج، فهرب عسكره، فبقى ديوداد في جماعه قليله، فعرض عليه يوسف المقام معه، فأبى وأخذ طريق الموصل فوافى
стр. 5754
بغداد يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنه، فكانت الوقعه بينهما بناحيه اذربيجان وفيها غزا نزار بن محمد عامل الحسن بن على كوره الصائفه، ففتح حصونا كثيره للروم، وادخل طرسوس مائه علج ونيفا وستين علجا من القوامسه والشمامسه وصلبانا كثيرا واعلاما لهم، فوجهها كوره الى بغداد ولاثنتى عشره خلت من ذي الحجه وردت كتب التجار من الرقة ان الروم وافت في مراكب كثيره، وجاء قوم منهم على الظهر الى ناحيه كيسون، فاستاقوا من المسلمين اكثر من خمسه عشر الف انسان، ما بين رجل وامراه وصبى، فمضوا بهم، وأخذوا فيهم قوما من اهل الذمة.
وفيها قرب اصحاب ابى سعيد الجنابى من البصره، واشتد جزع اهل البصره منهم حتى هموا بالهرب منها والنقله عنها، فمنعهم من ذلك واليهم.
وفي آخر ذي الحجه منها قتل وصيف خادم ابن ابى الساج، فحملت جثته فصلبت بالجانب الشرقى وقيل انه مات ولم يقتل، فلما مات احتز راسه.
وحج بالناس فيها هارون بن محمد المكنى أبا بكر.
стр. 5755
ثم دخلت
سنه تسع وثمانين ومائتين
(ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأمور) فمن ذلك ما كان من انتشار القرامطة بسواد الكوفه، فوجه اليهم شبل غلام احمد بن محمد الطائي، وتقدم اليه في طلبهم، وأخذ من ظفر به منهم وحملهم الى باب السلطان وظفر برئيس لهم يعرف بابن ابى فوارس، فوجه به معهم، فدعا به المعتضد لثمان بقين من المحرم، فساءله، ثم امر به فقلعت أضراسه، ثم خلع بمد احدى يديه- فيما ذكر- ببكره، وعلق في الاخرى صخره، وترك على حاله تلك من نصف النهار الى المغرب، ثم قطعت يداه ورجلاه من غد ذلك اليوم، وضربت عنقه، وصلب بالجانب الشرقى، ثم حملت جثته بعد ايام الى الياسرية، فصلب مع من صلب هنالك من القرامطة.
ولليلتين خلتا من شهر ربيع الاول، اخرج من كانت له دار وحانوت بباب الشماسيه عن داره وحانوته، وقيل لهم: خذوا اقفاصكم واخرجوا، وذلك ان المعتضد كان قد قدر ان يبنى لنفسه دارا يسكنها، فخط موضع السور، وحفر بعضه، وابتدأ في بناء دكه على دجلة، كان المعتضد امر ببنائها لينتقل فيقيم فيها الى ان يفرغ من بناء الدار والقصر.
وفي ربيع الآخر منها في ليله الأمير توفى المعتضد، فلما كان في صبيحتها احضر دار السلطان يوسف بن يعقوب وابو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز وابو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب، وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان، وابو خازم وابو عمر والحرم والخاصة، وكان اوصى ان يدفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، فحفر له فيها، فحمل من قصره المعروف بالحسنى ليلا، فدفن في قبره هناك
стр. 5756
ولسبع بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة- وهي سنه تسع وثمانين ومائتين- جلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان في دار السلطان في الحسنى، واذن للناس، فعزوه بالمعتضد، وهنئوه بما جدد له من امر المكتفي، وتقدم الى الكتاب والقواد في تجديد البيعه للمكتفى بالله، فقبلوا.
стр. 5757
خلافه المكتفي بالله
ولما توفى المعتضد كتب القاسم بن عبيد الله بالخبر الى المكتفي كتبا، وأنفذها من ساعته، وكان المكتفي مقيما بالرقة، فلما وصل الخبر اليه امر الحسين بن عمرو النصراني كاتبه يومئذ بأخذ البيعه على من في عسكره، ووضع العطاء لهم، ففعل ذلك الحسين، ثم خرج شاخصا من الرقة الى بغداد، ووجه الى النواحي بديار ربيعه وديار مضر ونواحي المغرب من يضبطها.
وفي يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الاولى دخل المكتفي الى داره بالحسنى، فلما صار الى منزله، امر بهدم المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم.
وفي هذا اليوم كنى المكتفي بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه.
وفي هذا اليوم مات عمرو بن الليث الصفار، ودفن في غد هذا اليوم بالقرب من القصر الحسنى، وقد كان المعتضد- فيما ذكر- عند موته بعد ما امتنع من الكلام امر صافيا الحرمي بقتل عمرو بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته وعلى عينه، اراد ذبح الأعور فلم يفعل ذلك صافى لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته، وكره قتل عمرو، فلما دخل المكتفي بغداد سال- فيما قيل- القاسم بن عبيد الله عن عمرو: احي هو؟ قال: نعم، فسر بحياته وذكر انه يريد ان يحسن اليه، وكان عمرو يهدى الى المكتفي ويبره برا كثيرا ايام مقامه بالري فاراد مكافاته، فذكروا ان القاسم بن عبيد الله كره ذلك، ودس الى عمرو من قتله.
وفي رجب منها ورد الخبر لاربع بقين منه ان جماعه من اهل الري كاتبوا محمد بن هارون الذى كان اسماعيل بن احمد صاحب خراسان استعمله على طبرستان بعد قتله محمد بن زيد العلوي، فخلع محمد بن هارون وبيض، فسألوه المصير الى الري ليدخلوه إليها، وذلك ان اوكرتمش التركى المولى
стр. 5758
عليهم كان- فيما ذكر- قد أساء السيرة فيهم، فحاربه، فهزمه محمد بن هارون وقتله، وقتل ابنين له وقائدا من قواد السلطان يقال له ابرون أخو كيغلغ، ودخل محمد بن هارون الري واستولى عليها.
وفي رجب من هذه السنه زلزلت بغداد، ودامت الزلزلة فيها أياما وليالي كثيره.
ذكر الخبر عن مقتل بدر غلام المعتضد
وفي هذه السنه كان مقتل بدر غلام المعتضد.
ذكر سبب قتله:
ذكر ان سبب ذلك كان ان القاسم بن عبيد الله كان هم بتصيير الخلافه من بعد المعتضد في غير ولد المعتضد، وانه كان ناظر بدرا في ذلك، فامتنع بدر عليه وقال: ما كنت لاصرفها عن ولد مولاى الذى هو ولى نعمتي.
فلما راى القاسم ذلك وعلم انه لا سبيل الى مخالفه بدر، إذ كان بدر صاحب جيش المعتضد، والمستولى على امره، والمطاع في خدمه وغلمانه، اضطغنها على بدر وحدث بالمعتضد حدث الموت وبدر بفارس، فعقد القاسم للمكتفى عقد الخلافه، وبايع له وهو بالرقة، لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد في حياه والده وكتب القاسم الى المكتفي لما بايع غلمان ابيه له بالخلافة، وأخذ عليهم البيعه بما فعل من ذلك، فقدم بغداد المكتفي وبدر بعد بفارس، فلما قدمها عمل القاسم في هلاك بدر، حذرا على نفسه- فيما ذكر- من بدر ان يقدم على المكتفي، فيطلعه على ما كان القاسم هم به، وعزم عليه في حياه المعتضد من صرف الخلافه عن ولد المعتضد إذا مات فوجه المكتفي- فيما ذكر- محمد بن كمشجور وجماعه من القواد برسائل، وكتب الى القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمصير الى ما قبله ومفارقه بدر وتركه، فاوصلت الكتب الى القواد في سر، ووجه اليه يانس خادم الموفق، ومعه عشره آلاف
стр. 5759
الف درهم ليصرفها في عطاء اصحابه لبيعه المكتفي، فخرج بها يانس.
فذكر انه لما صار بالاهواز، وجه اليه بدر من قبض المال منه فرجع يانس الى مدينه السلام، فلما وصلت كتب المكتفي الى القواد المضمومين الى بدر، فارق بدرا جماعه منهم، وانصرفوا عنه الى مدينه السلام، منهم العباس بن عمرو الغنوي وخاقان المفلحى ومحمد بن إسحاق بن كنداج وخفيف الاذكوتكينى وجماعه غيرهم فلما صاروا الى مدينه السلام دخلوا على المكتفي، فخلع- فيما ذكر- على نيف وثلاثين رجلا منهم، واجاز جماعه من رؤسائهم، كل رجل منهم بمائه الف درهم، واجاز آخرين بدون ذلك، وخلع على بعضهم، ولم يجزه بشيء وانصرف بدر في رجب، عامدا المصير الى واسط واتصل بالمكتفى اقبال بدر الى واسط، فوكل بدار بدر، وقبض على جماعه من غلمانه وقواده، فحبسوا، منهم نحرير الكبير، وعريب الجبلي، ومنصور، ابن اخت عيسى النوشرى وادخل المكتفي على نفسه القواد، وقال لهم: لست اؤمر عليكم أحدا، ومن كانت له منكم حاجه فليلق الوزير، فقد تقدمت اليه بقضاء حوائجكم وامر بمحو اسم بدر من التراس والاعلام، وكان عليها ابو النجم مولى المعتضد بالله، وكتب بدر الى المكتفي كتابا دفعه الى زيدان السعيدي، وحمله على الجمازات فلما وصل الكتاب الى المكتفي اخذه، ووكل بزيدان هذا، واشخص الحسن بن على كوره في جيش الى ناحيه واسط وذكر انه قدمه المكتفي على مقدمته.
ثم احدر محمد بن يوسف مع المغرب لليلة بقيت من شعبان من هذه السنه برسالة الى بدر، وكان المكتفي ارسل الى بدر حين فصل من عمل فارس يعرض عليه ولايه اى النواحي شاء، ان شاء أصبهان وان شاء الري، وان شاء الجبال، ويأمره بالمصير الى حيث أحب من هذه النواحي مع من أحب من الفرسان والرجاله، يقيم بها معهم واليا عليها فأبى ذلك بدر، وقال: لا بد لي من المصير الى باب مولاى
стр. 5760
فوجد القاسم بن عبيد الله مساغا للقول فيه، وقال للمكتفى: يا امير المؤمنين، قد عرضنا عليه ان نقلده اى النواحي شاء ان يمضى إليها، فأبى الا المجيء الى بابك، وخوفه غائلته، وحرض المكتفي على لقائه ومحاربته، واتصل الخبر ببدر انه قد وكل بداره، وحبس غلمانه وأسبابه، فأيقن بالشر، ووجه من يحتال في تخليص ابنه هلال واحداره اليه، فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فامر بالحفظ به، ودعا أبا خازم القاضى على الشرقيه وامره بالمضي الى بدر ولقائه وتطييب نفسه واعطائه الامان من امير المؤمنين، على نفسه وماله وولده، فذكر ان أبا خازم قال له: احتاج الى سماع ذلك من امير المؤمنين حتى اؤديه اليه عنه، فقال له: انصرف حتى استاذن لك في ذلك امير المؤمنين.
ثم دعا بابى عمر محمد بن يوسف، فأمره بمثل الذى امر به أبا خازم، فسارع الى اجابته الى ما امره به، ودفع القاسم بن عبيد الله الى ابى عمر كتاب أمان عن المكتفي، فمضى به نحو بدر، فلما فصل بدر عن واسط ارفض عنه اصحابه واكثر غلمانه، مثل عيسى النوشرى وختنه يانس المستأمن واحمد بن سمعان ونحرير الصغير، وصاروا الى مضرب المكتفي في الامان فلما كان بعد مضى ليلتين من شهر رمضان من هذه السنه، خرج المكتفي من بغداد الى مضربه بنهر ديالى، وخرج معه جميع جيشه، فعسكر هنالك، وخلع على من صار الى مضربه من الجماعه الذين سميت، وعلى جماعه من القواد والجند ووكل بجماعه منهم، ثم قيد تسعه منهم، وامر بحملهم مقيدين الى السجن الجديد، ولقى- فيما ذكر- ابو عمر محمد بن يوسف بدرا بالقرب من واسط، ودفع اليه الامان وخبره عن المكتفي بما قال له القاسم بن عبيد الله، فصاعد معه في حراقه بدر، وكان قد سيره في الجانب الشرقى وغلمانه الذين بقوا معه في جماعه من الجند وخلق كثير من الأكراد واهل الجبل يسيرون معه بمسيره على شط دجلة، فاستقر الأمر بين بدر وابى عمر على ان يدخل بدر بغداد سامعا مطيعا،
стр. 5761
وعبر بدر دجلة، فصار الى النعمانية، وامر غلمانه واصحابه الذين يقوا معه ان ينزعوا سلاحهم، والا يحاربوا أحدا، واعلمهم ما ورد به عليه ابو عمر من الامان، فبينا هو يسير إذ وافاه محمد بن إسحاق بن كنداج في شذا، ومعه جماعه من الغلمان، فتحول الى الحراقة، وساله بدر عن الخبر، فطيب نفسه، وقال له قولا جميلا، وهم في كل ذلك يؤمرونه، وكان القاسم بن عبيد الله وجهه، وقال له: إذا اجتمعت مع بدر، وصرت معه في موضع واحد، فأعلمني فوجه الى القاسم، واعلمه، فدعا القاسم بن عبيد الله لؤلؤا احد غلمان السلطان، فقال له: قد ندبتك لامر، فقال: سمعا وطاعه، فقال له: امض وتسلم بدرا من ابن كنداجيق، وجئني برأسه فمضى في طيار حتى استقبل بدرا ومن معه بين سيب بنى كوما وبين اضطربد، فتحول من الطيار الى الحراقة، وقال لبدر: قم، فقال: وما الخبر؟ قال: لا باس عليك، فحوله الى طيارة، ومضى به حتى صار به الى جزيرة بالصافية، فاخرجه الى الجزيرة، وخرج معه، ودعا بسيف كان معه فاستله، فلما ايقن بدر بالقتل ساله ان يمهله حتى يصلى ركعتين، فأمهله، فصلاهما، ثم قدمه فضرب عنقه، وذلك في يوم الجمعه قبل الزوال لست خلون من شهر رمضان، ثم أخذ راسه ورجع الى طيارة، واقبل راجعا الى معسكر المكتفي بنهر ديالى وراس بدر معه، وتركت جثته مكانها، فبقيت هنالك ثم وجه عياله من أخذ جثته سرا، فجعلها في تابوت، واخفوها عندهم، فلما كان ايام الموسم حملوها الى مكة، فدفنوها بها- فيما قيل- وكان اوصى بذلك، واعتق قبل ان يقتل مماليكه كلهم، وتسلم السلطان ضياع بدر ومستغلاته ودوره وجميع ماله بعد قتله وورد الخبر على المكتفي بما كان من قتل بدر، لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنه، فرحل منصرفا الى مدينه السلام، ورحل معه من كان معه من الجند، وجيء برأس بدر اليه، فوصل اليه قبل ارتحاله من موضع معسكره، فامر به فنظف، ورفع في الخزانه، ورجع ابو عمر القاضى
стр. 5762
الى داره يوم الاثنين كئيبا حزينا، لما كان منه في ذلك، وتكلم الناس فيه، وقالوا: هو كان السبب في قتل بدر، وقالوا فيه اشعارا، فمما قيل فيه منها:
قل لقاضى مدينه المنصور ... بم احللت أخذ راس الأمير!
بعد اعطائه المواثيق والعهد ... وعقد الايمان في منشور
اين ايمانك التي شهد الله ... على انها يمين فجور
ان كفيك لا تفارق كفيه ... الى ان ترى مليك السرير
يا قليل الحياء يا اكذب ... الا مه يا شاهدا شهاده زور
ليس هذا فعل القضاه ولا يحسن ... امثاله ولاه الجسور
اى امر ركبت في الجمعه الزهراء ... من شهر خير خير الشهور
قد مضى من قتلت في رمضان ... صائما بعد سجده التعفير
يا بنى يوسف بن يعقوب اضحى ... اهل بغداد منكم في غرور
بدد الله شملكم وأراني ... ذلكم في حياه هذا الوزير
فأعد الجواب للحكم العادل ... من بعد منكر ونكير
أنتم كلكم فدا لأبي خازم ... المستقيم كل الأمور
ولسبع خلون من شهر رمضان، حمل زيدان السعيدي الذى كان قدم رسولا من قبل بدر الى المكتفي مع التسعه الأنفس الذين قيدوا من قواد بدر، وسبعه انفس اخر من اصحاب بدر قبض عليهم بعدهم في سفينه مطبقة عليهم، واحدروا مقيدين الى البصره، فحبسوا في سجنها.
وذكر ان لؤلؤا الذى ولى قتل بدر كان غلاما من غلمان محمد بن هارون الذى قتل محمد بن زيد بطبرستان واكرتمش بالري، قدم مع جماعه من غلمان محمد بن هارون على السلطان في الامان.
وفي ليله الاثنين لاربع عشره بقيت من شهر رمضان منها قتل عبد الواحد بن ابى احمد الموفق- فيما ذكر- وكانت والدته- فيما قيل- وجهت معه الى دار مؤنس لما قبض عليه دايه له، ففرق بينه وبين الداية
стр. 5763
فمكثت يومين او ثلاثة، ثم صرفت الى منزل مولاتها، فكانت والده عبد الواحد إذا سالت عن خبره قيل لها: انه في دار المكتفي، وهو في عافيه.
وكانت طامعه في حياته، فلما مات المكتفي ايست منه واقامت عليه مأتما
. ذكر باقى الكائن من الأمور الجليله في سنه تسع وثمانين ومائتين
فمما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها، ورد كتاب من اسماعيل بن احمد صاحب خراسان على السلطان بخبر وقعه كانت بين اصحابه وبين ابن جستان الديلمى بطبرستان، وان اصحابه هزموه، وقرئ بذلك كتابه بمسجدى الجامع ببغداد وفيها لحق رجل يقال له إسحاق الفرغاني من اصحاب بدر لما قتل بدر الى ناحيه البادية في جماعه من اصحابه على الخلاف على السلطان، فكانت بينه هنالك وبين ابى الأغر وقعه، هزم فيها ابو الأغر، وقتل من اصحابه ومن قواده عده، ثم اشخص مؤنس الخازن في جمع كثيف الى الكوفه لحرب إسحاق الفرغاني ولسلخ ذي القعده خلع على خاقان المفلحى، وولى معونه الري، وضم اليه خمسه آلاف رجل وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعا كثيره من الاعراب وغيرهم فاتى بهم دمشق، وبها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن احمد بن طولون على المعونة، وذلك في آخر هذه السنه، فكانت بين طغج، وبينه وقعات كثيره قتل فيها- فيما ذكر- خلق كثير
. ذكر خبر هذا الرجل الذى ظهر بالشام وما كان من سبب ظهوره بها
ذكر ان زكرويه بن مهرويه الذى ذكرنا انه كان داعيه قرمط لما تتابع من المعتضد توجيه الجيوش الى من بسواد الكوفه من القرامطة، والح في طلبهم، واثخن فيهم القتلى، وراى انه لا مدفع عن انفسهم عند اهل السواد
стр. 5764
ولا غناء، سعى في استغواء من قرب من الكوفه من اعراب اسد وطيّئ وتميم وغيرهم من قبائل الاعراب، ودعاهم الى رايه، وزعم لهم ان من بالسواد من القرامطة يطابقونهم على امره ان استجابوا له فلم يستجيبوا له، وكانت جماعه من كلب تخفر الطريق على البر بالسماوة فيما بين الكوفه ودمشق على طريق تدمر وغيرها، وتحمل الرسل وامتعه التجار على ابلها، فأرسل زكرويه اولاده اليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموا الى على بن ابى طالب والى محمد بن اسماعيل بن جعفر، وذكروا انهم خائفون من السلطان، وانهم ملجئون اليهم، فقبلوهم على ذلك، ثم دبوا فيهم بالدعاء الى راى القرمطة، فلم يقبل ذلك احد منهم- اعنى من الكلبيين- الا الفخذ المعروفه ببني العليص ابن ضمضم بن عدى بن جناب ومواليهم خاصه، فبايعوا في آخر سنه تسع وثمانين ومائتين بناحيه السماوه ابن زكرويه المسمى بيحيى والمكنى أبا القاسم، ولقبوه الشيخ، على امر احتال فيهم، ولقب به نفسه، وزعم لهم انه ابو عبد الله ابن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد وقد قيل: انه زعم انه محمد بن عبد الله بن يحيى وقيل انه زعم انه محمد ابن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ابن ابى طالب وقيل انه لم يكن لمحمد بن اسماعيل ابن يسمى عبد الله، وزعم لهم ان أباه المعروف بابى محمود داعيه له، وان له بالسواد والمشرق والمغرب مائه الف تابع، وان ناقته التي يركبها مأمورة، وانهم إذا اتبعوها في مسيرها ظفروا وتكهن لهم، واظهر عضدا له ناقصه، وذكر انها آيه، وانحازت اليه جماعه من بنى الأصبغ، وأخلصوا له وتسموا بالفاطميين، ودانوا بدينه، فقصدهم سبك الديلمى مولى المعتضد بالله بناحيه الرصافه في غربي الفرات من ديار مضر، فاغتروه وقتلوه، وحرقوا مسجد الرصافه، واعترضوا كل قريه اجتازوا بها حتى اصعدوا الى اعمال الشام التي كان هارون بن خمارويه قوطع عليها، واسند امرها هارون الى طغج بن جف، فأناخ عليها، وهزم كل عسكر لقيه لطغج حتى حصره في مدينه دمشق، فانفذ المصريون اليه بدرا الكبير غلام ابن طولون، فاجتمع مع طغج على محاربته، فواقعهم قريبا من دمشق، فقتل الله عدو الله يحيى بن زكرويه
стр. 5765
وكان سبب قتله- فيما ذكر- ان بعض البرابره زرقه بمزراق واتبعه نفاط، فزرقه بالنار فأحرقه، وذلك في كبد الحرب وشدتها، ثم دارت على المصريين الحرب، فانحازوا، فاجتمعت موالي بنى العليص ومن معهم من الاصبغيين وغيرهم على نصب الحسين بن زكرويه أخي الملقب بالشيخ فنصبوا أخاه، وزعم لهم انه أحمد بْن عبد الله بْن محمد بْن اسماعيل بن جعفر ابن محمد، وهو ابن نيف وعشرين سنه، وقد كان الملقب بالشيخ حمل موالي بنى العليص على صريحهم، فقتلوا جماعه منهم، واستذلوهم، فبايعوا الحسين ابن زكرويه المسمى باحمد بن عبد الله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر بعد أخيه، فأظهر شامه في وجهه ذكر انها آيته، وطرا اليه ابن عمه عيسى بن مهرويه المسمى عبد الله، وزعم انه عبد الله بن احمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فلقبه المدثر، وعهد اليه، وذكر انه المعنى في السورة التي يذكر فيها المدثر، ولقب غلاما من اهله المطوق، وقلده قتل اسرى المسلمين، وظهر على المصريين، وعلى جند حمص وغيرها من اهل الشام، وتسمى بامره المؤمنين على منابرها، وكان ذلك كله في سنه تسع وثمانين، وفي سنه تسعين.
وفي اليوم التاسع من ذي الحجه من هذه السنه صلى الناس العصر في قمص الصيف ببغداد، فهبت ريح الشمال عند العصر، فبرد الهواء حتى احتاج الناس بها من شده البرد الى الوقود والاصطلاء بالنار، ولبس المحشو والجباب، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء وفيها كانت وقعه بين اسماعيل بن احمد بالري ومحمد بن هارون وابن هارون- فيما قيل- حينئذ في نحو من ثمانية آلاف، فانهزم محمد بن هارون وتقدم اصحابه، وتبعه من اصحابه نحو من الف، ومضوا نحو الديلم، فدخلها مستجيرا بها، ودخل اسماعيل بن احمد الري، وصار زهاء الف رجل- فيما ذكر- ممن انهزم من اصحابه الى باب السلطان وفي جمادى الآخرة منها لاربع خلون منها ولى القاسم بن سيما غزو الصائفه بالثغور الجزرية، واطلق له من المال اثنا وثلاثون الف دينار.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك الهاشمى.
стр. 5766
ثم دخلت
سنه تسعين ومائتين
(ذكر الخبر عن الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فمما كان فيها من ذلك توجيه المكتفي رسولا الى اسماعيل بن احمد لليلتين خلتا من المحرم منها بخلع، وعقد ولايه له على الري، وبهدايا مع عبد الله ابن الفتح ولخمس بقين من المحرم منها ورد- فيما ذكر- كتاب على بن عيسى من الرقة، يذكر فيه ان القرمطى بن زكرويه المعروف بالشيخ، وافى الرقة في جمع كثير، فخرج اليه جماعه من اصحاب السلطان ورئيسهم سبك غلام المكتفي، فواقعوه، فقتل سبك، وانهزم اصحاب السلطان ولست خلون من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بان طغج بن جف اخرج من دمشق جيشا الى القرمطى، عليهم غلام له يقال له بشير، فواقعهم القرمطى، فهزم الجيش وقتل بشيرا ولثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلع على ابى الأغر ووجه به لحرب القرمطى بناحيه الشام، فمضى الى حلب في عشره آلاف رجل.
ولإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلع على ابى العشائر احمد بن نصر وولى طرسوس، وعزل عنها مظفر بن حاج لشكايه اهل الثغور اياه.
وللنصف من جمادى الاولى من هذه السنه، وردت كتب التجار الى بغداد من دمشق مؤرخه لسبع بقين من ربيع الآخر يخبرون فيها ان القرمطى الملقب بالشيخ قد هزم طغج غير مره، وقتل اصحابه الا القليل، وانه قد بقي في قله، وامتنع من الخروج، وانما تجتمع العامه، ثم تخرج للقتال، وانهم قد
стр. 5767
أشرفوا على الهلكة، فاجتمعت جماعه من تجار بغداد في هذا اليوم، فمضوا الى يوسف بن يعقوب، فاقرءوه كتبهم، وسألوه المضى الى الوزير ليخبره خبر اهل دمشق، فوعدهم ذلك.
ولسبع بقين من جمادى الاولى احضر دار السلطان ابو خازم ويوسف وابنه محمد، واحضر صاحب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، فقوطع على مال فارس، ثم عقد المكتفي لطاهر على اعمال فارس، وخلع على صاحبه، وحملت اليه خلع مع العقد.
وفي جمادى الاولى هرب من مدينه السلام القائد المستأمن المعروف بابى سعيد الخوارزمي، وأخذ نحو طريق الموصل، فكتب الى عبد الله المعروف بغلام نون، وكان يتقلد المعاون بتكريت والاعمال المتصلة بها الى حد سامرا والى الموصل في معارضته واخذه، فزعموا ان عبد الله عارضه، فاختدعه ابو سعيد حتى اجتمعا جميعا على غير حرب، ففتك به ابو سعيد فقتله، ومضى ابو سعيد نحو شهرزور، فاجتمع هو وابن ابى الربيع الكردى، وصاهره، واجتمعا على عصيان السلطان ثم ان أبا سعيد قتل بعد ذلك، وتفرق من كان اجتمع اليه.
ولعشر خلون من جمادى الآخرة، شخص ابو العشائر الى عمله بطرسوس، وخرج معه جماعه من المطوعة للغزو، ومعه هدايا من المكتفي الى ملك الروم.
ولعشر بقين من جمادى الآخرة خرج المكتفي بعد العصر عامدا سامرا، مريدا البناء بها للانتقال إليها، فدخلها يوم الخميس لخمس بقين من جمادى الآخرة، ثم انصرف الى مضارب قد ضربت له بالجوسق، فدعا القاسم بن عبيد الله والقوام بالبناء، فقدروا له البناء وما يحتاج اليه من المال للنفقة عليه، فكثروا عليه في ذلك، وطولوا مده الفراغ مما اراد بناءه، وجعل القاسم يصرفه عن رايه في ذلك، ويعظم امر النفقة في ذلك وقدر مبلغ المال،
стр. 5768
فثناه عن عزمه، ودعا بالغداء، فتغدى ثم نام، فلما هب من نومه ركب الى الشط، وقعد في الطيار، وامر القاسم بن عبيد الله بالانحدار.
ورجع اكثر الناس من الطريق قبل ان يصلوا الى سامرا حين تلقاهم الناس راجعين.
ولسبع خلون من رجب خلع على ابنى القاسم بن عبيد الله، فولى الاكبر منهما ضياع الولد والحرم والنفقات، والاصغر منهما كتبه ابى احمد بن المكتفي، وكانت هذه الاعمال الى الحسين بن عمرو النصراني، فعزل بهما، وكان القاسم بن عبيد الله اتهم الحسين بن عمرو انه قد سعى به الى المكتفي.
ثم ان الحسين بن عمرو كاشف القاسم بن عبيد الله بحضره المكتفي، فلم يزل القاسم يدبر عليه، ويغلظ قلب المكتفي عليه، حتى وصل الى ما اراد من امره.
وفي يوم الجمعه لاربع عشره بقيت من شعبان قرئ كتابان في الجامعين بمدينه السلام بقتل يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، قتله المصريون على باب دمشق، وقد كانت الحرب اتصلت بينه وبين من حاربه من اهل دمشق وجندها ومددهم من اهل مصر، وكسر لهم جيوشا، وقتل منهم خلقا كثيرا، وكان يحيى بن زكرويه هذا يركب جملا برحاله، ويلبس ثيابا واسعه ويعتم عمه اعرابيه، ويتلثم، ولم يركب دابه من لدن ظهر الى ان قتل، وامر اصحابه الا يحاربوا أحدا، وان اتى عليهم حتى يبتعث الجمل من قبل نفسه، وقال لهم:
إذا فعلتم ذلك لم تهزموا.
وذكر انه كان إذا اشار بيده الى ناحيه من النواحي التي فيها محاربوه، انهزم اهل تلك الناحية، فاستغوى بذلك الاعراب ولما كان في اليوم الذى قتل فيه يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، وانحازوا الى أخيه الحسين بن زكرويه، فطلب أخاه الشيخ في القتلى، فوجده، فواراه وعقد الحسين بن زكرويه لنفسه، وتسمى باحمد بن عبد الله، وتكنى بابى العباس
стр. 5769
وعلم اصحاب بدر بعد ذلك بقتل الشيخ، فطلبوه في القتلى فلم يجدوه، ودعا الحسين بن زكرويه الى مثل ما دعا اليه اخوه، فأجابه اكثر اهل البوادى وغيرهم من سائر الناس، واشتدت شوكته وظهر وصار الى دمشق، فذكر ان أهلها صالحوه على خراج دفعوه اليه، ثم انصرف عنهم، ثم سار الى اطراف حمص، فتغلب، عليها، وخطب له على منابرها، وتسمى بالمهدى، ثم سار الى مدينه حمص، فاطاعه أهلها، وفتحوا له بابها خوفا منه على انفسهم فدخلها، ثم سار منها الى حماه ومعره النعمان وغيرهما، فقتل أهلها، وقتل النساء والأطفال ثم سار الى بعلبك فقتل عامه أهلها حتى لم يبق منهم- فيما قيل- الا اليسير، ثم سار الى سلميه فحاربه أهلها ومنعوه الدخول، ثم وادعهم واعطاهم الامان، ففتحوا له بابها، فدخلها، فبدا بمن فيها من بنى هاشم، وكان بها منهم جماعه فقتلهم، ثم ثنى باهل سلميه فقتلهم اجمعين.
ثم قتل البهائم، ثم قتل صبيان الكتاتيب، ثم خرج منها، وليس بها عين تطرف- فيما قيل- وسار فيما حوالى ذلك من القرى يقتل ويسبى ويحرق ويخيف السبيل.
فذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسن انه قال: جاءتني امراه بعد ما ادخل القرمطى صاحب الشامة واصحابه بغداد، فقالت لي: انى اريد ان تعالج شيئا في كتفي، قلت: وما هو؟ قالت: جرح، قلت:
انا كحال، وهاهنا امراه تعالج النساء، وتعالج الجراحات، فانتظرى مجيئها.
فقعدت، ورايتها مكروبه كئيبه باكيه، فسألتها عن حالها، وقلت:
ما سبب جراحتك؟ فقالت: قصتي تطول، فقلت: حدثيني بها وصادقينى، وقد خلا من كان عندي، فقالت: كان لي ابن غاب عنى، وطالت غيبته، وخلف على اخوات له، فضقت واحتجت واشتقت اليه، وكان شخص الى ناحيه الرقة، فخرجت الى الموصل والى بلد والى الرقة، كل ذلك اطلبه، واسال عنه، فلم ادل عليه، فخرجت عن الرقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطى، فجعلت اطوف واطلبه، فبينا انا كذلك إذ رايته فتعلقت به، فقلت: ابنى! فقال: أمي! فقلت: نعم، قال:
стр. 5770
ما فعل أخواتي؟ قلت: بخير، وشكوت ما نالنا بعده من الضيق، فمضى بي الى منزله، وجلس بين يدي، وجعل يسائلني عن أخبارنا، فخبرته، ثم قال:
دعينى من هذا وأخبريني ما دينك؟ فقلت: يا بنى اما تعرفنى! فقال:
وكيف لا اعرفك! فقلت: ولم تسألني من ديني وأنت تعرفنى وتعرف ديني! فقال: كل ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه الان، فاعظمت ذلك وعجبت منه، فلما رآنى كذلك خرج وتركني ثم وجه الى بخبز ولحم وما يصلحني، وقال: اطبخيه، فتركته ولم امسه، ثم عاد فطبخه، واصلح امر منزله، فدق الباب داق، فخرج اليه فإذا رجل يسأله، ويقول له:
هذه القادمة عليك تحسن ان تصلح من امر النساء شيئا؟ فسألني فقلت:
نعم، فقال: امضى معى، فمضيت فأدخلني دارا، وإذا امراه تطلق، فقعدت بين يديها، وجعلت اكلمها، فلا تكلمني، فقال لي الرجل الذى جاء بي إليها:
ما عليك من كلامها، اصلحى امر هذه، ودعى كلامها، فاقمت حتى ولدت غلاما، واصلحت من شانه، وجعلت اكلمها واتلطف بها واقول لها: يا هذه، لا تحتشمينى، فقد وجب حقي عليك، أخبريني خبرك وقصتك ومن والد هذا الصبى، فقالت: تساليننى عن ابيه لتطالبيه بشيء يهبه لك! فقلت: لا، ولكن أحب ان اعلم خبرك، فقالت لي: انى امراه هاشمية- ورفعت راسها، فرايت احسن الناس وجها- وان هؤلاء القوم أتونا، فذبحوا ابى وأمي واخوتى واهلى جميعا، ثم أخذني رئيسهم، فاقمت عنده خمسه ايام، ثم أخرجني، فدفعنى الى اصحابه، فقال: طهروها فأرادوا قتلى، فبكيت وكان بين يديه رجل من قواده، فقال: هبها لي، فقال:
خذها، فأخذني، وكان بحضرته ثلاثة انفس قيام من اصحابه، فسلوا سيوفهم، وقالوا: لا نسلمها إليك، اما ان تدفعها إلينا، والا قتلناها، وأرادوا قتلى، وضجوا، فدعاهم رئيسهم القرمطى، وسألهم عن خبرهم فخبروه، فقال: تكون لكم اربعتكم، فأخذوني، فانا مقيمه معهم اربعتهم، والله ما ادرى ممن هو هذا الولد منهم!
стр. 5771
قالت: فجاء بعد المساء رجل فقالت لي: هنيه فهناته بالمولود، فأعطاني سبيكة فضه، وجاء آخر وآخر، أهنئ كل واحد منهم فيعطيني سبيكة فضه، فلما كان في السحر جاء جماعه مع رجل وبين يديه شمع، وعليه ثياب خز تفوح منه رائحه المسك، فقالت لي: هنيه، فقمت اليه، فقلت: بيض الله وجهك، والحمد لله الذى رزقك هذا الابن، ودعوت له، فأعطاني سبيكة فيها الف درهم، وبات الرجل في بيت، وبت مع المرأة في بيت، فلما اصبحت قلت للمرأة: يا هذه، قد وجب عليك حقي، فالله الله في، خلصينى! قالت: مم أخلصك؟ فخبرتها خبر ابنى، وقلت لها: انى جئت راغبه اليه، وانه قال لي كيت وكيت، وليس في يدي منه شيء، ولي بنات ضعاف خلفتهن باسوا حال، فخلصينى من هاهنا لاصل الى بناتي، فقالت: عليك بالرجل الذى جاء آخر القوم، فسليه ذلك، فانه يخلصك فاقمت يومى الى ان أمسيت، فلما جاء تقدمت اليه، وقبلت يده ورجله، وقلت:
يا سيدي قد وجب حقي عليك، وقد أغناني الله على يديك بما أعطيتني، ولي بنات ضعاف فقراء، فان أذنت لي ان امضى فاجيئك ببناتى حتى يخدمنك ويكن بين يديك! فقال: وتفعلين؟ قلت: نعم، فدعا قوما من غلمانه، فقال: امضوا معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا، ثم اتركوها وارجعوا.
فحملوني على دابه، ومضوا بي قالت: فبينما نحن نسير، وإذا انا بابني يركض، وقد كنا سرنا عشره فراسخ- فيما خبرني به القوم الذين معى- فلحقني وقال: يا فاعله، زعمت انك تمضين وتجيئين ببناتك! وسل سيفه ليضربني، فمنعه القوم، فلحقني طرف السيف، فوقع في كتفي، وسل القوم سيوفهم، فارادوه، فتنحى عنى وساروا بي حتى بلغوا بي الموضع الذى سماه لهم صاحبهم، فتركوني ومضوا، فتقدمت الى هاهنا وقد طفت لعلاج جرحى، فوصف لي هذا الموضع، فجئت الى هاهنا قالت: ولما قدم امير المؤمنين بالقرمطى وبالأسارى من اصحابه خرجت لانظر اليهم، فرايت ابنى فيهم على جمل،
стр. 5772
عليه برنس وهو يبكى وهو فتى شاب، فقلت له: لا خفف الله عنك ولا خلصك! قال المتطبب: فقمت معها الى المتطببة لما جاءت، واوصيتها بها، فعالجت جرحها وأعطتها مرهما، فسالت المتطببة عنها بعد منصرفها، فقالت: قد وضعت يدي على الجرح، وقلت: انفحى، فنفحت فخرجت الريح من الجرح من تحت يدي، وما أراها تبرا منه، ومضت فلم تعد إلينا.
ولإحدى عشرة بقيت من شوال من هذه السنة، قبض القاسم بن عبيد الله على الحسين بن عمرو النصراني، وحبسه، وذلك انه لم يزل يسعى في امره الى المكتفي، ويقدح فيه عنده، حتى امره بالقبض عليه، وهرب كاتب الحسين ابن عمرو حين قبض على الحسين المعروف بالشيرازى، فطلب وكبست منازل جيرانه، ونودى: من وجده فله كذا وكذا، فلم يوجد ولسبع بقين منه صرف الحسين بن عمرو الى منزله، على ان يخرج من بغداد.
وفي الجمعه التي بعدها خرج الحسين بن عمرو وحدر الى ناحيه واسط على وجه النفى، ووجد الشيرازى كاتبه لثلاث خلون من ذي القعده.
ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة امر المكتفي بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهب للشخوص لحرب القرمطى بناحيه الشام، فاطلق للجند في دفعه واحده مائه الف دينار، وذلك ان اهل مصر كتبوا الى المكتفي يشكون ما لقوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وانه قد اخرب البلاد، وقتل الناس، وما لقوا من أخيه قبله وقتلهما رجالهم، وانه لم يبق منهم الا العدد اليسير.
ولخمس خلون من شهر رمضان اخرجت مضارب المكتفي، فضربت بباب الشماسيه.
ولسبع خلون منه خرج المكتفي في السحر الى مضربه بباب الشماسيه، ومعه قواده وغلمانه وجيوشه.
ولاثنتى عشره ليله من شهر رمضان، رحل المكتفي من مضربه بباب الشماسيه في السحر، وسلك طريق الموصل
стр. 5773
وللنصف من شهر رمضان منها مضى ابو الأغر الى حلب، فنزل وادي بطنان قريبا من حلب، ونزل معه جميع اصحابه، فنزع- فيما ذكر- جماعه من اصحابه ثيابهم، ودخلوا الوادى يتبردون بمائه، وكان يوما شديد الحر، فبينا هم كذلك إذ وافى جيش القرمطى المعروف بصاحب الشامة، وقد بدرهم المعروف بالمطوق، فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا وانتهب العسكر، وافلت ابو الأغر في جماعه من اصحابه، فدخل حلب، وافلت معه مقدار الف رجل، وكان في عشره آلاف بين فارس وراجل، وكان قد ضم اليه جماعه ممن كان على باب السلطان من قواد الفراغنه ورجالهم، فلم يفلت منهم الا اليسير ثم صار اصحاب القرمطى الى باب حلب، فحاربهم ابو الأغر ومن بقي معه من اصحابه واهل البلد، فانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع والسلاح والأموال والأمتعة بعد حرب كانت بينهم، ومضى المكتفي بمن معه من الجيش حتى انتهى الى الرقة، فنزلها، وسرح الجيوش الى القرمطى جيشا بعد جيش.
ولليلتين خلتا من شوال ورد مدينه السلام كتاب من القاسم بن عبيد الله، يخبر فيه ان كتابا ورد عليه من دمشق من بدر الحمامي صاحب ابن طولون، يخبر فيه انه واقع القرمطى صاحب الشامة، فهزمه ووضع في اصحابه السيف، ومضى من افلت منهم نحو البادية، وان امير المؤمنين وجه في اثره الحسين بن حمدان بن حمدون وغيره من القواد.
وورد أيضا في هذه الأيام- فيما ذكر- كتاب من البحرين من أميرها ابن بانوا، يذكر فيه انه كبس حصنا للقرامطه، فظفر بمن فيه.
ولثلاث عشره خلت من ذي القعده منها- فيما ذكر- ورد كتاب آخر من ابن بانوا من البحرين، يذكر فيه انه واقع قرابه لأبي سعيد الجنابى، وولى عهده من بعده على اهل طاعته، فهزمه وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف فوجد بعد ما انهزم اصحابه قتيلا بين القتلى، فاحتز راسه، وانه دخل القطيف فافتتحها
стр. 5774
ومن كتب صاحب الشامة الى بعض عماله:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه احمد بن عبد الله المهدى المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي الى كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله امير المؤمنين وامام المسلمين، ومذل المنافقين خليفه الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتت المخالفين، والقيم بسنه سيد المرسلين، وولد خير الوصيين، صلى الله عليه وعلى اهل بيته الطيبين، وسلم كثيرا، الى جعفر بن حميد الكردى:
سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا اله الا هو، واساله ان يصلى على جدي محمد رسول الله ص اما بعد، فقد انهى إلينا ما حدث قبلك من اخبار أعداء الله الكفره، وما فعلوه بناحيتك، واظهروه من الظلم والعيث والفساد في الارض، فاعظمنا ذلك، ورأينا ان ننفذ الى ما هناك من جيوشنا من ينقم الله به من اعدائه الظالمين، الذين يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً* وأنفذنا عطيرا داعيتنا وجماعه من المؤمنين الى مدينه حمص، وامددناهم بالعساكر، ونحن في أثرهم، وقد اوعزنا اليهم في المصير الى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو ان يجرينا الله فيهم على احسن عوائده عندنا في أمثالهم، فينبغي ان تشد قلبك وقلوب من معك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذى لم يزل يعودناه في كل من مرق عن الطاعة وانحرف عن الايمان، وتبادر إلينا باخبار الناحية، وما يتجدد فيها، ولا تخف عنى شيئا من امرها ان شاء الله سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وصلى الله على جدي محمد رسول الله.
وعلى اهل بيته وسلم كثيرا.
نسخه كتاب عامل له إِلَيْهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لعبد اللَّه احمد الامام المهدى المنصور بالله، ثم الصدر كله على مثال نسخه صدر كتابه الى عامله الذى حكينا في الكتاب الذى قبل هذا
стр. 5775
الكتاب، الى ولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى اهل بيته الطيبين وسلم كثيرا.
ثم بعد ذلك من عامر بن عيسى العنقائى.
سلام على أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ورحمة اللَّه وبركاته، أَمَّا بَعْدُ اطال الله بقاء امير المؤمنين، وادام الله عزه وتاييده، ونصره وسلامته، وكرامته ونعمته وسعادته، واسبغ نعمه عليه، وزاد في إحسانه اليه، وفضله لديه فقد كان وصل كتاب سيدي امير المؤمنين اطال الله بقاءه، يعلمه فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش المنصوره مع قائد من قواده الى ناحيتنا لمجاهده أعداء الله بنى الفصيص والخائن ابن دحيم، وطلبهم حيث كانوا، والإيقاع بهم وباسبابهم وضياعهم، ويأمرني ادام الله عزه عند نظري في كتابه بالنهوض في كل من قدرت عليه من اصحابى وعشائرى للقائهم ومكانفه الجيش ومعاضدتهم والمسير بسيرهم، والعمد كل ما يومون اليه ويأمرون به، وفهمته، ولم يصل الى هذا الكتاب أعز الله امير المؤمنين حتى وافت الجيوش المنصوره، فنالت طرفا من ناحيه ابن دحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن احمد الداعيه ليلقوه بمدينه افاميه ثم ورد على كتاب مسرور بن احمد في درجه الكتاب الذى اقتصصت ما فيه في صدر كتابي هذا، يأمرني فيه بجمع من تهيأ من اصحابى وعشيرتي والنهوض الى ما قبله، ويحذرني التخلف عنه وكان ورود كتابه على وقت صح عندنا نزول المارق سبك عبد مفلح مدينه عرقه في زهاء الف رجل، ما بين فارس وراجل وقد شارف بلدنا، واطل على ناحيتنا، وقد وجه احمد بن الوليد عبد امير المؤمنين اطال الله بقاءه الى جميع اصحابه، ووجهت الى جميع اصحابى، فجمعناهم إلينا، ووجهنا العيون الى ناحيه عرقه لنعرف اخبار هذا الخائن، واين يريد، فيكون قصدنا ذلك الوجه، ونرجو ان يظفر الله به، ويمكن منه بمنه وقدرته.
ولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق في هذه الناحية، واشرافه على بلدنا لما تاخرت في جماعه اصحابى عن النهوض الى مدينه افاميه، لتكون يدي مع أيدي القواد المقيمين بها لمجاهده من بتلك الناحية حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين واعلمت سيدي امير المؤمنين اطال الله بقاءه السبب في تخلفى عن
стр. 5776
مسرور بن احمد، ليكون على علم منه ثم ان أمرني ادام الله عزه بالنفوذ الى افاميه كان نفوذى برايه، وامتثلت ما يأمرني به ان شاء الله اتم الله على امير المؤمنين نعمه وادام عزه وسلامته، وهناه كرامته، والبسه عفوه وعافيته.
والسلام على امير المؤمنين ورحمه الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وعلى اهل بيته الطاهرين الاختيار.
وفيها وجه القاسم بن عبيد الله الجيوش الى صاحب الشامة، وولى حربه محمد بن سليمان الكاتب الذى كان اليه ديوان الجيش، وضم جميع القواد اليه، وامرهم بالسمع له والطاعة، فنفذ من الرقة في جيش كثيف، وكتب الى من تقدمه من القواد بالسمع له والطاعة وفيها ورد رسولا صاحب الروم، أحدهما خادم، والآخر فحل، يسأله الفداء بمن في يده من المسلمين اسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم اليه، فأجبنا الى ما سالا، وخلع عليهما.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ابن محمد.
стр. 5777
ثم دخلت
سنه احدى وتسعين ومائتين
(ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليله)
ذكر خبر الوقعه بين اصحاب السلطان وصاحب الشامة
فمن ذلك ما كان من امر الوقعه بين اصحاب السلطان وصاحب الشامة.
ذكر الخبر عن هذه الوقعه:
قال ابو جعفر: قد مضى ذكرى شخوص المكتفي من مدينه السلام نحو صاحب الشامة لحربه ومصيره الى الرقة، وبثه جيوشه فيما بين حلب وحمص، وتوليته حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب وتصييره امر جيشه وقواده اليه، فلما دخلت هذه السنه كتب وزيره القاسم بن عبيد الله الى محمد ابن سليمان وقواد السلطان يأمره وإياهم بمناهضه ذي الشامة واصحابه، فساروا اليه حتى صاروا الى موضع بينهم وبين حماه- فيما قيل- اثنا عشر ميلا، فلقوا به اصحاب القرمطى في يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم، وكان القرمطى قدم اصحابه وتخلف هو في جماعه من اصحابه، ومعه مال قد كان جمعه، وجعل السواد وراءه، فالتحمت الحرب بين اصحاب السلطان واصحاب القرمطى، واشتدت، فهزم اصحاب القرمطى، وقتلوا، واسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون في البوادى، وتبعهم اصحاب السلطان ليله الأربعاء لسبع خلون من المحرم فلما راى القرمطى ما نزل باصحابه من الفلول والهزيمة حمل- فيما قيل- أخا له يكنى أبا الفضل مالا، وتقدم اليه ان يلحق بالبوادي الى ان يظهر في موضع، فيصير اليه، وركب هو وابن عمه المسمى المدثر والمطوق صاحبه وغلام له رومي، وأخذ دليلا، وسار يريد الكوفه عرضا في البريه، حتى انتهى الى موضع يعرف بالدالية من اعمال طريق الفرات،
стр. 5778
فنفد ما كان معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض من كان معه ليأخذ له ما يحتاجون اليه، فدخل الدالية المعروفه بداليه ابن طوق لشراء حاجه، فأنكروا زيه، وسئل عن امره فمجمج، فاعلم المتولى مسلحه هذه الناحية بخبره، وهو رجل يعرف بابى خبزه خليفه احمد بن محمد بن كشمرد عامل امير المؤمنين المكتفي على المعاون بالرحبة وطريق الفرات فركب في جماعه، وسال هذا الرجل عن خبره، فاخبره ان الشامة خلف رابيه هنالك في ثلاثة نفر.
فمضى اليهم، فاخذهم وصار بهم الى صاحبه، فتوجه بهم ابن كشمرد وابو خبزه الى المكتفي بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد ان قتلوا وأسروا جميع من قدروا عليه من أولياء القرمطى واشياعه، وكتب محمد بن سليمان الى الوزير بالفتح:
بسم الله الرحمن الرحيم قد تقدمت كتبي الى الوزير اعزه الله في خبر القرمطى اللعين واشياعه، بما أرجو ان يكون قد وصل ان شاء الله ولما كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرم رحلت من الموضع المعروف بالقروانه، نحو موضع يعرف بالعليانه، في جميع العسكر من الأولياء، وزحفنا بهم على مراتبهم في القلب والميمنه والميسره وغير ذلك، فلم ابعد ان وافانى الخبر بان الكافر القرمطى انفذ النعمان ابن أخي اسماعيل بن النعمان احد دعاته في ثلاثة آلاف فارس، وخلق من الرجاله، وانه نزل بموضع يعرف بتمنع، بينه وبين حماه اثنا عشر ميلا، فاجتمع اليه جميع من كان بمعره النعمان وبناحيه الفصيصى وسائر النواحي من الفرسان والرجاله، فاسررت ذلك عن القواد والناس جميعا ولم اظهره، وسالت الدليل الذى كان معى عن هذا الموضع، وكم بيننا وبينه، فذكر انه سته اميال، فتوكلت على الله ، وتقدمت اليه في المسير نحوه، فمال بالناس جميعا، وسرنا حتى وافيت الكفره، فوجدتهم على تعبئه، ورأينا طلائعهم فلما نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا اليهم، فافترقوا سته كراديس، وجعلوا على ميسرتهم- على ما أخبرني من ظفرت به من رؤسائهم- مسرورا العليصى وأبا الحمل وغلام هارون العليصى، وأبا
стр. 5779
العذاب ورجاء وصافى وأبا يعلى العلوي، في الف وخمسمائة فارس، وكمنوا كمينا في أربعمائة فارس خلف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا، وجعلوا في القلب النعمان العليصى والمعروف بابى الحطى، والحمارى وجماعه من بطلانهم في الف وأربعمائة فارس وثلاثة آلاف راجل، وفي ميمنتهم كليبا العليصى والمعروف بالسديد العليصى والحسين بن العليصى وأبا الجراح العليصى وحميد العليصى، وجماعه من نظرائهم في الف وأربعمائة فارس، وكمنوا مائتي فارس، فلم يزالوا زفا إلينا ونحن نسير نحوهم غير متفرقين، متوكلين على الله وقد استحثثت الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم، ووعدتهم فلما راى بعضنا بعضا حمل الكردوس الذى كان في ميسرتهم، ضربا بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان، وهو في جناح الميمنه، فاستقبلهم الحسين- بارك الله عليه واحسن جزاءه- بوجهه وبموضعه من سائر اصحابه برماحهم، فكسروها في صدورهم، فانفلوا عنهم، وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف، واعترضوا ضربا للوجوه، فصرع من الكفار الفجره ستمائه فرس في أول وقعه، وأخذ اصحاب الحسين خمسمائة فرس وأربعمائة طوق فضه، وولوا مدبرين مفلولين، واتبعهم الحسين، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حمله وحمله، وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعه بعد الجماعه، حتى افناهم الله ، فلم يفلت منهم الا اقل من مائتي رجل.
وحمل الكردوس الذى كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويمن الخادم ومن كان معهما من بنى شيبان وبنى تميم، فاستقبلوهم بالرماح حتى كسروها فيهم، واعتنق بعضهم بعضا، فقتل من الفجره جماعه كثيره وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفه بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحا لخليفه في ثلاثمائة فارس، وجميع اصحاب خليفه، وهم يعاركون بنى شيبان وتميم، فقتل من الكفره مقتله عظيمه، واتبعوهم، فاخذ بنو شيبان منهم ثلاثمائة فرس ومائه طوق، وأخذ اصحاب خليفه مثل ذلك، وزحف النعمان ومن معه في القلب إلينا، فحملت ومن معى، وكنت بين القلب والميمنه، وحمل خاقان
стр. 5780
ونصر القشورى ومحمد بن كمشجور ومن كان معهم في الميمنه، ووصيف موشكير ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وابنا كيغلغ والمبارك القمي وربيعه بن محمد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحي الكبير ووصيف البكتمرى وبشر البكتمرى ومحمد بن قراطغان.
وكان في جناح الميمنه جميع من حمل على من في القلب ومن انقطع ممن كان حمل على الحسين بن حمدان، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجالتهم حتى قتلوا اكثر من خمسه اميال ولما ان تجاوزت المصاف بنصف ميل خفت ان يكون من الكفار مكيده في الاحتيال على الرجاله والسواد، فوقفت الى ان لحقوني وجمعتهم وجمعت الناس، الى وبين يدي المطرد المبارك، مطرد امير المؤمنين، وقد حملت في الوقت الاول، وحمل الناس ولم يزل عيسى النوشرى ضابطا للسواد من مصاف خلفهم مع فرسانه ورجالته على ما رسمته له، لم يزل من موضعه الى ان رجع الناس جميعا الى من كل موضع، وضربت مضربى في الموضع الذى وقفت فيه، حتى نزل الناس جميعا، ولم أزل واقفا الى ان صليت المغرب، حتى استقر العسكر باهله، ووجهت في الطلائع ثم نزلت، واكثرت حمد الله على ما هنانا به من النصر، ولم يبق احد من قواد امير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه الدولة المباركه في المناصحة لها الا بلغوها، بارك الله عليهم جميعا! ولما استراح الناس خرجت والقواد جميعا لنقيم خارج العسكر الى ان يصبح الناس خوفا من حيله تقع، واسال الله تمام النعمه وايزاع الشكر، وانا- أعز الله سيدنا الوزير- راحل الى حماه، ثم اشخص الى سلميه بمن الله تعالى وعونه، فمن بقي من هؤلاء الكفار مع الكافر فهم بسلميه، فانه قد صار إليها منذ ثلاثة ايام، واحتاج الى ان يتقدم الوزير بالكتاب الى جميع القواد وسائر بطون العرب من بنى شيبان وتغلب وبنى تميم، يجزيهم جميعا الخير على ما كان في هذه الوقعه، فما بقي احد منهم- صغير ولا كبير- غاية، والحمد لله على ما تفضل به، واياه اسال تمام النعمه
следующие страницы →