Полный текст (6 431 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
عن امير جل عن اتيان ... افعال دقاق
واسع الهمه في الافضال ... ممدود الرواق
نشرب الصافى من جدواه ... في كاس دهاق
هو بحر واعالى الناس ... في الجود سواقي
ان أكن عنك تاخرت ... بجد ذي محاق
وزمان آخذ من ... كل حر بالخناق
فلقد شد سروري ... ونشاطي في وثاق
ووجدت الماء في بعدك ... كالملح الزعاق
فحمدت الله إذ من ... بقرب وتلاقى
وعلى الحج مقرونا ... بغزو وعتاق
ان تسمحت لنفسي ... بعد هذا بفراق
وفي هذه السنه توفى محمد بن عبيد الله بن خاقان والد الوزير وعزى منه، فكان جميل العزاء، وملتزما للصبر واعتل الوزير عبد الله بن محمد في جمادى الآخرة من هذا العام بعد وفاه ابيه، فكان يتحامل على الجلوس للناس، فيدخلون عليه، وهو لقى شديد العله، فلم يزل على هذه الحال حتى استهل شهر رمضان، ثم صلحت حاله ونقه من علته، وكان الوزير قد نافر نصرا الحاجب وعمل عليه عند المقتدر، حتى هم بالقبض على نصر، وظن الوزير ان ذلك مما يسر به مؤنسا في نصر إذ كان توهم ان الذى بينهما فاسد، وكانا عند الناس متخالفين، وهما في الحقيقة كنفس واحده، فقدم مؤنس وبعث اليه نصر كاتبه، فتلقاه باسفل المدائن، وعرفه خبر نصر كله، فوجده لنصر كمنزله نفسه، وقال للكاتب: قل له عنى: بحقي عليك، ان تلقيتني واخليت الدار، فلا مؤنه عليك منى، فان كنت لا بد فاعلا فبالقرب، فتلقاه نصر بسوق الأحد، وكان دخول مؤنس في أول سنه ثلاث عشره وسيقع خبره في موضعه ان شاء الله.
وفي ذي القعده من هذه السنه قدم خلق كثير من الخراسانيه الى مدينه السلام
стр. 5917
للحج، واستعدوا بالخيل والسلاح، فاخرج السلطان القافلة الاولى مع جعفر بن ورقاء، وكان امير الكوفه يومئذ، فوقع اليه خبر القرمطى وتحركه مرتصدا للقوافل، فامر جعفر الناس بالتوقف والمقام حتى يتعرف حقائق الاخبار.
وتقدم جعفر في اصحابه، ومن خف وتسرع من الحاج، فلما قرب من زبالة اتبعه الناس، وخالفوا امره، فوجدوا اصحاب الجنابى مقيمين ينتظرون موافاه القوافل، وقد منعوا ان يجوزهم احد يخبر بخبرهم، فلما راوه ناوشوه القتال، ثم حال بينهم الليل، وخلص ابن ورقاء بنفسه، وقتل خلق كثير ممن كان معه وترك الحاج المتسرعه جمالهم ومحاملهم وفروا راجعين الى الكوفه واتبعهم القرمطى.
وكان بالكوفه جنى الصفواني، وثمل الطرسوسى وطريف السبكرى فاجتمعوا واجتمع اليهم بنو شيبان، فحاربوا القرمطى عشيه، فقاموا به وانتصفوا منه ثم باكرهم بالغدو، فهزمهم واسر جنيا الصفواني، وقتل خلقا من الجند، وانهزم الباقون الى بغداد، واقام القرامطة بالكوفه، وأخذوا اكثر ما كان في الاسواق، وقلعوا أبواب حديد كانت بالكوفه، ثم رحل الى البحرين، وبطل الحج من العراق في هذه السنه وصح حج اهل مصر والشام، وكان معهم بمكة على بن عيسى، فكتب الوزير عبد الله بن محمد الى على ابن عيسى بان يتقلد اعمال مصر والشام، وجعل امر المغرب كله اليه، فمضى على لما تم الحج من مكة الى الشام ومصر، وندب المقتدر مؤنسا الخادم الى الكوفه، فوصل إليها وقد رحل الجنابى عنها، فأقام بها أياما ثم كتب اليه السلطان ان يعدل الى واسط، فيقيم بها، فرحل إليها، واستقر بها، ولم يغن شيئا في حركته هذه، على انه انفق في خروجه فيما حكاه نصر الحاجب ومن حصل ذلك معه نحو الف الف دينار.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.
стр. 5918
ثم دخلت
سنه ثلاث عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فيها سعى الوزير عبد الله بن محمد الخاقانى على نصر الحاجب عند المقتدر، وحمله على الفتك به، والتقبض عليه، فكتب المقتدر الى مؤنس الخادم، وكان بواسط ان يقدم عليه، ليكون القبض على نصر الحاجب بمشاهدته وعن راى منه ورضا، إذ كان المقتدر مصغيا اليه، ومحتاجا الى رايه وغنائه فلما قدم مؤنس بغداد وشاوره المقتدر في امر نصر، قال له: والله يا سيدي لا اعتضت منه ابدا، ولولا مكانه من نصيحتك وخدمتك ما تهيأ لي ان افارق قصرك، ولا اغيب من مشاهده امرك، وباينه في امره مباينه وقفته عنه ثم اوصل المقتدر نصرا الى نفسه، وقرب مكانه ومكان مؤنس، واصغى إليهما، ولقب مؤنس بالمظفر من حين قدومه من الغزاة، فكان مما قاله نصر للمقتدر وقد علم ما كان ذهب اليه فيه: كم من امر قد عقد على امير المؤمنين، وابتغى به ادخال الكدح في سلطانه: ولم يعلم به، فكفاه الله اياه بسعايتنا في صرفه عنه، فحلف لهما المقتدر انه ما هم بسوء فيهما قط، ولا يفعل مكروها بأحدهما ما بقيا.
فقوى امر نصر وتأيد بمؤنس، وضعف امر الوزير عبد الله بن محمد، واعتل ولزم بيته، فكان الناس يدخلون عليه وهو لقى، وتولى اعماله ونظره عبيد الله بن محمد الكلواذى صاحب ديوان السواد، وبنان النصراني كاتبه، ومالك بن الوليد النصراني، وكان اليه ديوان الدار وابن القناني النصراني واخوه وكان اليه ديوان الخاصة وبيت المال وابنا سعد حاجباه ومما اوهن امر الوزير وكرهه الى الناس غلاء الأسعار في زمانه، ولم يكن عنده ماده من حيله يكثر بها ورود المير الى بغداد.
وكان مما اشار اليه نصر عند مكالمته للمقتدر بما كان يدار عليه، ويسعى فيه من الوثوب عليه، ولم يشرح ذلك له ان بعض القواد واطئوا قوما من الاعراب على ان يقعدوا
стр. 5919
عند ركوب الخليفة الى الثريا بالقرب من طريقه، فإذا وازاهم وثبوا من ثلم كانت تهدمت في سور الحلبه، وأوقعوا به، ثم يخرجون ويحكمون على انهم شراه، فكان نصر حينئذ قد اراد كشف ذلك للمقتدر، وشاور من وثق به فيه، فقال له: لا تفعل، فلست بآمن الا يتضح الأمر للخليفة فتوحشه وترعبه، ثم يصير من اتهم بهذا عدوا لك وساعيا عليك، ولكن امنعه الركوب الى الثريا حتى تبنى ثلم السور، وان عزم على الركوب استعددت بالغلمان والعده، والزمتهم تلك المواضع المخوفه، وعملت مع هذا في استئلاف كل من سمى لك من هؤلاء القواد ومن تابعهم على مذهبهم، فمن كان منهم متعطلا من ولايه وليته ومن كان مستزيدا زدته، ومن كان خائفا آمنته، وان امكنك تفريقهم في الاعمال فرقتهم فيها.
وكان نصر رجلا عاقلا، فعمل براى من اشار عليه بهذا وسعى في ولايه بعض القوم، فاخرج واحدا الى سواد الكوفه، واخرج آخر الى ديار ربيعه ولما صفت الحال بين نصر ومؤنس واستالف نصر ثمل القهرمانه، وكانت متمكنه من المقتدر.
وظهر من امر الوزير عبد الله بن محمد ما ظهر، تكلموا في عزله، وشاوروا في رجل يصلح للوزارة مكانه، فمالت ثمل برأيها وعنايتها الى احمد الخصيبى، وكان يكتب لام المقتدر، وساعدها نصر على ذلك حتى تم له، وصح عزم المقتدر عليه.
ذكر التقبض على الوزير الخاقانى وولايه احمد الخصيبى
وقبض على الوزير عبد الله بن محمد الخاقانى لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ووكل به في منزله، فكانت ولايته ثمانية عشر شهرا، وخلع في هذا النهار على ابى العباس احمد بن عبيد الله بن احمد بن الخصيب للوزارة، وانصرف الى منزله بقنطرة الانصار، ثم جلس من الغد في دار سليمان بن وهب بمشرعه الصخر، فهابه الناس لموضعه من الخليفة بالوزارة التي صار إليها، لمحله من خدمه السيده وكتابتها،
стр. 5920
ولعناية ثمل القهرمانه به، وهابه كل منكوب من اصحاب الخاقانى وابن الفرات، فحصل له من ما لهم الف الف دينار، اصلح منها أسبابه، ثم ركب الوزير الخصيبى الى القصر، فرماه الجند بالنشاب من جزيرة بقرب قصر عيسى، فلجا الى الشط، وتخلص منهم بجهد، فلما جلس في مجلسه قال: لعن الله من اشار بي لهذا الأمر وحسن دخولي فيه، فقد كان كرهه لي من أثق به وبرايه، وكرهته لنفسي، ولكن القدر غالب، وامر الله نافذ.
واقر الخصيبى عبيد الله بن محمد الكلواذى على ديوان السواد وفارس والاهواز، واقر على الازمه وديوان الجند أبا الفرج محمد بن جعفر بن حفص، وقلد ابن عم له شيخا يعرف بإسحاق بن ابى الضحاك ديوان المغرب.
ولم يكن للناس في هذا العام موسم لتغلب القرامطة على البلاد، وقله المال، وضيق الحال، فطولب بالأموال قوم لا حجه عليهم الا لفضل نعمه كانت عندهم، والح الوزير على الناس في ذلك حتى طلب امراه المحسن ودوله أم على بن محمد بن الفرات وابنه موسى بن خلف، وامراه احمد بن الحجاج بن مخلد باموال جليله، وكثر الناس في ذلك وانكروه غاية الانكار.
стр. 5921
ثم دخلت
سنه اربع عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فيها اشتدت مطالبه الخصيبى الوزير الأموال عند الناس، واكثر التعلل عليهم فيها، ولم يدع عند احد مالا احس به الا اخذه باتعس ما يكون من الأخذ والشده، وكان نصر بن الفتح صاحب بيت مال العامه قد توفى في شهر ربيع الاول من هذا العام، فطالب الخصيبى جاريته وابنته بالأموال، واحضرهما عند نفسه واشتد عليهما، فلم يجد عندهما كثير مال، إذ كان نصر رجلا صحيح الأمانة، وكان له معروف عند الناس واياد حسنه.
وفيها امر المقتدر ابن الخصيب وزيره باستقدام ابن ابى الساج من الجبل لمحاربه القرمطى، فاستقدمه، واقبل يريد مدينه السلام، فاشتد على نصر الحاجب ونازوك وشفيع المقتدرى وهارون بن غريب الخال وغيرهم من الغلمان دخوله بغداد، فكتب اليه مؤنس بان يعدل الى واسط ليكون مقامه بها وغزوه القرامطة منها، فسار إليها ثم تأخر نفوذه الى القرمطى ولم يتم خروجه اليه لشروط شرطها واموال طلبها، وكانت الأموال في غاية التعذر فلم يجب الى ما اشترطه، وكان ذلك سببا لتوقفه.
وفيها اتخذت أم المقتدر كاتبا يقوم بأمر ضياعها وحشمها وأسبابها لما رات الخصيبى قد اشتغل بالوزارة والنظر في اسباب المملكة، فقالت لثمل القهرمانه: ارتادى لي كاتبا يقوم مكانه ويحل محله، فاتخذت لها عبد الرحمن بن محمد بن سهل، وكان قد لزم بيته، واقتصر على ضيعه له، فاستخرج من منزله، وكتب لام المقتدر وتولى أمورها، وكانت فيه كفاية وأبوه شيخ من مشايخ الكتاب، وممن عنى بالعلم، فصعب امره على الخصيبى الوزير، وتمنى انه لم يكن تولى الوزارة حين فارق خدمه أم المقتدر، وكانت انفع له من الخليفة، فجعل امره يضعف كلما قلت الأموال التي كان يتقرب بها ويشتد على الناس فيها.
стр. 5922
ذكر التقبض على الوزير الخصيبى وولايه على بن عيسى الوزارة
ثم ان المقتدر امر بالتقبض على الخصيبى احمد بن عبيد الله الوزير يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعده سنه اربع عشره وثلاثمائة وعلى ابنه معه ومن لف لفه، وتولى ذلك فيه نازوك صاحب الشرطه، واستتر اصحاب دواوينه ومن افلت من اهله، وكان على بن عيسى بالمغرب متوليا للاشراف، فاستوزر واستخلف له عبيد الله بن محمد الكلواذى الى وقت قدومه، وانفذ المقتدر سلامه أخا نجح الطولونى رسولا اليه ليأخذ به على طريق الرقة، ويتعجل استقدامه، فكانت مده وزارة الخصيبى اربعه عشر شهرا، وضبط عبيد الله بن محمد الأمر وقام به بقية سنه اربع عشره.
وفيها مات احمد بن العباس أخو أم موسى وماتت أختها أم محمد، فأظهر المقتدر الرضا عن أم موسى، وردت عليها دورها وضياعها التي كانت اعتقلت عليها عند ما اتهمت به على ما تقدم ذكره.
وحج بالناس في هذه السنه ابو طالب عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز.
стр. 5923
ثم دخلت
سنه خمس عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها قدم على بن عيسى بغداد يوم الأربعاء لخمس خلون من صفر، بعد ان تلقاه الناس جميعا بالأنبار وفوق الأنبار، ودخل الى المقتدر بالله، فاستوزره وامر بالخلع عليه فاستعفى فلم يعفه، وسلم اليه الخبيصى ليناظره عن الأموال، فلم يستبن عليه خيانة، ولا علم انه أخذ من مال السلطان شيئا فقال له: ضيعت، والمضيع لا رزق له فرد ما ارتزقت وما اقطعت من الضياع، فرد ذلك وقال على بن عيسى الوزير للخليفة: ما فعلت سبحه جوهر أخذت من ابن الجصاص قيمتها ثلاثون الف دينار؟ قال له: هي في الخزانه، فسأله ان يأمر بتطلبها، فطلبت فلم توجد فأخرجها على من كمه وقال له: عرضت على هذه السبحه بمصر فعرفتها واشتريتها، فإذا كانت خزانه الجوهر لا تحفظ، فما الذى حفظ بعدها! وامير المؤمنين يقطع خزانه وخدمته الأموال الجليله والضياع الواسعه فاشتد هذا الأمر على السيده أم المقتدر وعلى غيرها من بطانته واتهمت بالسبحه زيدان القهرمانه، وكان لا يصل الى خزانه الجوهر غيرها، وضبط على بن عيسى الأمر جهده، ونظر ليله ونهاره، وجلس للمظالم في كل يوم ثلاثاء وكان لا يأخذ مال احد، ولا يتعلل على الناس كما كان يفعل غيره، فآمن البراء في ايامه، وقطع الزيادات والتعلل، وتحفظ من ان تجرى عليه حيله، ودعته الضرورة بقله المال الى الاخلال ببعض الاقامات في طريق مكة وغيرها، وخرج اليه توقيع المقتدر بالا يزيل الكلواذى عن ديوان السواد ولا محمد ابن يوسف عن القضاء، فقال: ما هممت بشيء من هذا، وان العهد فيه الى لتخليط على، وكدح في نظري واشار على بن عيسى على المقتدر بان يلزم خمسه آلاف فارس من بنى اسد طريق مكة بعيالاتهم ويثبت لهم مال الموسم، فانه يكفيهم ويترك ابن ابى الساج مكانه، ويبعث لحرب القرمطى خمسه آلاف رجل من بنى شيبان باقل من ربع المال الذى كان ينفق على ابن ابى الساج وكان على قد نظر الى ما طلبه ابن ابى الساج،
стр. 5924
فوجده ثلاثة آلاف الف دينار، ووجد مال بنى اسد وبنى شيبان الف الف دينار.
والفى كاتب نازوك يرتزق تسعمائة دينار في النوبه، فأسقطها عنه، وقال: رزقه على صاحبه، واسقط من رزق مفلح الأسود الف دينار في جمله الغلمان، واقره على الف دينار كان يرتزق في النوبه.
واراد مؤنس المظفر الخروج الى الثغر فتبعه على بن عيسى وساله المقام، وقال له: انما قويت على نظري بهيبتك ومقامك، فان رحلت انتقض على تدبيرى، فأقام وقلد شيرزاد ما كان يتقلد قلنسوة من امر الحبس، وضم اليه كاتب نازوك، واجرى له مائه وعشرين دينارا، ولمن يخلفه ثلاثين دينارا، وكان قلنسوة يرتزق لهذه الاعمال ثمانمائه دينار، وصرف ياقوتا عن الكوفه، وولاها احمد بن عبد الرحمن بن جعفر الى ان يصير إليها ابن ابى الساج.
ولما راى المقتدر اجتهاد على بن عيسى قال: لقد استحييت من ظلمي قبل هذا له، وأخذي المال منه، وامر بان يرد عليه ذلك، وأحال به على الحسين بن احمد الماذرائى فاشترى على بن عيسى بالمال ضياعا، وضمها الى الضياع التي وقفها على اهل مكة والمدينة.
وكان في ناحيه بنى الفرات رجل يعرف بابى ميمون الأنباري، قد اصطنعوه وأحسنوا اليه، فوجد له على بن عيسى ارزاقا كثيره، فاقتصر على بعضها، فهجاه الأنباري ومن شعره المشهور فيه عند وزارته هذه:
قد اقبل الشؤم من الشام ... يركض في عسكر ابرام
مستعجلا يسعى الى حتفه ... مدته تقصر عن عام
يا وزراء الملك لا تفرحوا ... أيامكم اقصر ايام
وكان على بن عيسى قد كتب الى ابن ابى الساج ان يقيم بالجبل، فلم يلتفت الى كتابه، وبادر بالاقبال الى حلوان يريد دخول بغداد، فكره اصحاب السلطان دخوله لها، وكتب اليه مؤنس في العدول الى واسط، وعرفه ان الأموال من ثم ترد عليه فصار الى واسط، وعاث اصحابه بها على الناس، وكثر الضجيج منهم والدعاء عليهم، فلم يغير ذلك، فقال الناس: من اراد محاربه عدوه عمل بالانصاف والعدل، ولم يفتتح امره بالجور والظلم، وانتصحه من عرفه فلم يقبل النصيحه وخرج ابن ابى الساج
стр. 5925
الى القرمطى من واسط، فأبطأ في سيره وسبقه القرمطى الى الكوفه، ثم التقيا فهزمه القرمطى، واخذه أسيرا، وسار القرمطى يريد بغداد، فعبر جسر الأنبار، وخرج مؤنس المظفر ونصر الحاجب وهارون بن غريب الخال وابو الهيجاء ومعهم جيش السلطان يريدون القرمطى، وقد بلغهم رحيله اليهم، وبادر نصر اصحابه، واختلف رأيهم، وجزع اصحاب السلطان، وامتلأت قلوبهم رهبه للقرمطى، ووقفوا على قنطره تعرف بالقنطره الجديده، وأرادوا قطعها لئلا يجوز القرمطى اليهم، وتابعه اكثر اهل العسكر، فقطعت القنطرة فلما صار القرمطى واصحابه إليها رماهم اصحاب السلطان بالنشاب، ورأوا كثره الخلق، فرجعوا وتبددوا في الموضع، فعزم نصر على العبور اليهم ومناجزتهم فلم يدعه مؤنس ووجه السلطان الى الفرات بطيارات، وشميليات فيها جماعه من الناشبة، وعليهم سبك غلام المكتفي، فحالوا بين القرامطة وبين العبور وكان ثقل القرمطى وسواد عسكره بحيال الأنبار، وابن ابى الساج محبوس عندهم، فاراد نصر ان يحتال للعبور في السفن ليلا، وان يكبسوا السواد طمعا في تخليص ابن ابى الساج فحم نصر الحاجب حمى ثقيله اذهبت عقله يومين وليلتين، وشاع ما اراد ان يفعله وقدم مؤنس غلامه يلبق في نحو الفين، فعبروا الفرات ليلا ووافوا سواد القرمطى بالأنبار وكان يلبق في جيش عظيم، وسواد القرمطى في خيل يسيره، فانهزم اصحاب السلطان، واسر جماعه منهم، واسر ابن ابى الأغر في جملتهم فلما أتاهم القرمطى جلس لهم، وضرب اعناق جميعهم، ودعا بابن ابى الساج من الموضع الذى كان محبوسا فيه، فقال له: انا اكرمك وانوى الصفح عنك، وأنت تحرض على أصحابك! فقال له: قد علمت انى ما اقدر على مكاتبتهم ولا مراسلتهم، فأي ذنب لي في فعلهم! فقال له: ما دمت حيا فلأصحابك طمع فيك، فامر به فضربت عنقه.
وفيها اتصل بمؤنس المظفر ان أم المقتدر عامله على قتله، وانها قد نصبت له من يقتله إذا دخل الدار، فاستوحش واحترس، وطلب الخروج الى الثغر، فأجيب الى ذلك، ثم اضطرب امره لما حدث من امر القرمطى
стр. 5926
وفيها ورد الخبر بموت ابراهيم بن عبد الله المسمعي امير فارس، فخلع على ياقوت، وقلد مكانه، وولى محمد بن عبد الصمد كرمان.
وحج بالناس في هذه السنه ابو احمد عبيد الله بن عبد الله بن سليمان من بنى العباس.
стр. 5927
ثم دخلت
سنه ست عشره وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها اوقع سليمان الجنابى القرمطى باهل الرحبه، وقتل منهم مقتله عظيمه، ووجه سريه الى ديار ربيعه، فاوقعت ببوادى الاعراب واستباحتها، ثم عادوا الى الرحبه، واستاقوا خمسه آلاف جمل ومواشى كثيره، وزحف القرامطة الى الرقة للإيقاع بأهلها، فحاربوهم أشد محاربه، ورموهم من اعالى دورهم بالماء والتراب والاجر ورموهم بسهام مسمومه، فمات منهم نحو مائه رجل وانصرفوا عنها مفلولين.
ذكر القبض على على بن عيسى الوزير وولايه محمد بن على بن مقله الوزارة
وفي هذه السنه قبض على على بن عيسى، ووكل به في دار الخليفة يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، وتوجه هارون بن غريب الخال الى ابى على محمد بن على بن الحسن بن عبد الله المعروف بابن مقله، فحمله الى دار المقتدر بعد مراسلات كانت بينهما وضمانات فقلده المقتدر وزارته، وفوض اليه أموره، وخلع عليه الوزارة يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فاقر عبيد الله ابن محمد بن عبد الله الكلواذى على ديوان السواد، واقر الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الفرات على ديوان المشرق، وانفذه ناظرا على اعمال فارس، وولى محمد ابن القاسم الكرخي ديوان المغرب- وكان قد قدم من ديار مضر- وقلد الوزير أخاه الحسن بن على ديوان الخاصة وديوان الدار الاصغر، الذى تنشأ منه الكتب بالزيادات والنقل، وقلد أخاه العباس بن على ديوان الفراتيه وديوان الجيش، واقر عثمان بن سعيد الصيرفى على ديوان الجيش الأصل، وابراهيم بن خفيف على ديوان النفقات،
стр. 5928
واجرى الأمور احسن مجاريها، وامر الا يطالب احد بمصادره ولا غرم، ولا يعرض لصنائع احد، حتى اقر احمد بن جانى على ما كان يتقلده من ديوان اقطاع الوزراء، واجلس ابراهيم بن أيوب النصراني كاتب على بن عيسى بين يديه على رسمه، واقره على ديوان الجهبذه، وضمن امر الرجاله المصافيه الملازمين لدار الخليفة، وقد بلغت نوبتهم عشرين ومائه الف دينار في كل هلال فاستبشر الناس به، وسكنوا اليه، وأمنوا وانفسحت آمالهم، واتسعت هممهم، وتباشروا بأيامه ثم خلع في غره جمادى الاولى على ابى القاسم وابى الحسين وابى الحسن بنى ابى على محمد بن على الوزير لتقلد الدواوين، ثم خلع على محمد بن على بعد ذلك لتكنيه امير المؤمنين اياه.
قال الصولي: ولا اعلم انه ولى الوزارة احد بعد عبيد الله بن يحيى بن خاقان مدح من الاشعار باكثر مما مدح به محمد بن على قبل الوزارة، وفي الوزارة، وبعد ذلك لشهرته في الشعر، وعلمه به واثابته عليه وظهر من ذكاء ابنه ابى الحسين واستقلاله بالأعمال، وتصرفه في الآداب وحسن بلاغته وخطه ما تواصفه الناس، وكان اكثر ذلك في وزارته الثانيه، حين انفجر عليه الشباب، وزالت الطفوله عنه قال: وما رأينا وزيرا مذ توفى القاسم بن عبيد الله احسن حركه ولا اظرف اشاره ولا اصلح خطا، ولا اكثر حفظا، ولا اسلط قلما، ولا اقصد بلاغه، ولا آخذ بقلوب الخلفاء من محمد بن على وله بعد هذا كله علم بالاعراب وحفظ باللغة وشعر مليح وتوقيعات حسان وولى الوزير ابنه أبا القاسم ديوان زمام القواد مكان عبيد الله بن محمد، وقلد ابنه أبا عيسى ديوان الضياع المقبوضة عن أم موسى والموروثه عن الخدم، واقر إسحاق بن اسماعيل على ما كان ضامنا له من اعمال واسط، وغير ذلك.
وفي هذه السنه رجع القرمطى الى الكوفه، فخرج اليه نصر الحاجب محتسبا وانفق من ماله مائه الف دينار الى ما اعطاه السلطان، واعانه به واجتهد في لقاء القرمطى ونصحه الجيش الذين كانوا معه، وحسنت نياتهم في محاربه القرمطى.
فاعتل نصر في الطريق، ومات في شهر رمضان، فحمل الى بغداد في تابوت وولى الحجابه مكانه ابو الفوارس ياقوت مولى المعتضد، وهو إذ ذاك امير فارس، فاستخلف له ابنه ابو الفتوح الى ان يوافى ياقوت.
стр. 5929
ذكر الحوادث التي أحدثها القرامطة بمكة وغيرها
وفي هذه السنه سار الجنابى القرمطى لعنه الله الى مكة، فدخلها واوقع بأهلها عند اجتماع الموسم واهلال الناس بالحج، فقتل المسلمين بالمسجد الحرام، وهم متعلقون باستار الكعبه، واقتلع الحجر، وذهب به، واقتلع أبواب الكعبه وجردها من كسوتها، وأخذ جميع ما كان فيها من آثار الخلفاء التي زينوا بها الكعبه وذهبوا بدره اليتيم، وكانت تزن- فيما ذكر اهل مكة- اربعه عشر مثقالا، وبقرطى مارية، وقرن كبش ابراهيم، وعصا موسى، ملبسين بالذهب مرصعين بالجوهر، وطبق ومكبه من ذهب وسبعه عشر قنديلا، كانت بها من فضه وثلاث محاريب فضه كانت دون القامة منصوبه في صدر البيت، ثم رد الحجر بعد اعوام ولم يرد من سائر ذلك شيء.
وقيل ان الجنابى لعنه الله صعد الى سطح الكعبه ليقلع الميزاب، وهو من خشب ملبس بذهب، فرماه بنو هذيل الاعراب من جبل ابى قبيس بالسهام حتى ازالوهم عنه، ولم يصلوا الى قلعه وظهر قرامطه يعرفون بالنفليه بسواد الفرات، ومعهم قوم من الاعراب من بنى رفاعة وذهل وعبس فعاثوا وأفسدوا، وكان عليهم رؤساء منهم يقال لهم عيسى بن موسى ابن اخت عبدان القرمطى ومسعود بن حريث من بنى رفاعة ورجل يعرف بابن الأعمى فاوقعوا وقائع عظيمه، وأخذوا الجزية ممن خالفهم على رسوم أحدثوها وجبوا الغلات، فانفذ المقتدر هارون بن غريب الى واسط فاوقع بهم، وقتل كثيرا منهم، وحمل منهم الى مدينه السلام مائتي اسير، فقتلوا وصلبوا.
٤ وورد الخبر في شعبان بان الحسن بن القاسم الحسنى قام بالري ومعه ديلمى يقال له ما كان بن كاكى، وان العامل عليها هرب الى خراسان منه، ثم ورد الخبر في شوال باقبال ديلمى يقال له اسفار بن شيرويه من اصحاب الحسن بن القاسم الى الري أيضا، وان هارون بن غريب لقى اسفار هذا بناحيه قزوين، فهزمه اسفار وقتل اكثر رجاله وافلت هارون وحده، ثم تلاحق به من بقي من اصحابه وفيها ولى ابراهيم بن ورقاء اماره البصره وشخص إليها من بغداد، فما راى الناس في هذا العصر أميرا اعف منه
стр. 5930
ولما صار هارون بن غريب الى الكوفه، قلد كور الجبل كلها وضم اليه وجوه القواد فقلد أبا العباس بن كيغلغ معاون همذان ونهاوند مكان محمد بن عبد الصمد، وقلد نحريرا الخادم الدينور مكان عبد الله بن حمدان، وخلع عليهما في دار السلطان، فاستوحش لذلك عبد الله بن حمدان، وكان هذا سبب معاونه عبد الله بن حمدان لنازوك عند ما احدثاه على المقتدر مما سيأتي ذكره.
وفي هذه السنه ولى ابو عبد الله احمد بن محمد بن يعقوب بن إسحاق البريدى خراج الاهواز بعد اعمال كثيره تصرف فيها هو واخواه ابو يوسف وابو الحسين، فحمدت آثارهم، وشاعت كفايتهم، وحرص السلطان على اصطناعهم وزيادتهم فعلت أحوالهم، وزادت مراتبهم، وظهر من استقلال ابى عبد الله احمد بن محمد بالأعمال وقرب ماخذها عليه والمعرفة بوجوه النظر والاجتهاد في إرضاء السلطان ما تعارفه الناس وعلموه، مع تخرق في الكرم والسودد، وحسن الرعاية لمن خدمه، واتصل به ولمن امله وقصده، حتى انه لا يرضى لكل واحد منهم الا بغناه، فأحب السلطان ان يلى هو واخواه اكثر الاعمال الدنيا، فلم يحبوا ذلك، واقتصر كل واحد منهم على دون ما يستحق من الاعمال.
وفيها ولى ابو الحسين عمر بن الحسن الأشناني قضاء المدينة مكان ابن البهلول إذ كبر واختلط عليه امره، ثم استعفى ابن الأشناني فاعفى، وولى الحسين بن عبد الله ابن على بن ابى الشوارب قضاء المدينة، وقلد ابو طالب محمد بن احمد بن إسحاق ابن البهلول قضاء الاهواز والأنبار، عوضا مما كان يليه أبوه من قضاء المدينة وفيها توفى ابو إسحاق بن الضحاك الخصيبى والليث بن على بالرقة.
وحج بالناس في هذه السنه من تقدم ذكره.
стр. 5931
ثم دخلت
سنه سبع عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
فيها ثار بالمقتدر بعض قواده ،
وخلعوه وهتك الجند داره، ونهبوا ماله ثم اعيد الى الخلافه، وجددت له البيعه، وذلك ان مؤنسا المظفر لما قدم من الرقة عند اخراجه الى القرامطة، وقرب من بغداد، لقيه عبد الله بن حمدان ونازوك الحاجب، فاغرياه بالمقتدر، واعلماه بانه يريد عزله عن الإمارة وتقديم هارون بن غريب مكانه، لما تقدم ذكره من عزل المقتدر لابن حمدان عن الدينور مع استفساده الى نازوك فعمل ذلك في نفس مؤنس، ودخل بغداد أول يوم من المحرم وعدل الى داره، ولم يمض الى دار الخليفة، فوجه اليه المقتدر أبا العباس ولده ومحمد بن مقله وزيره، فاعلماه تشوقه اليه ورغبته في رؤيته، فاعتذر بعلة شكاها، وان تخلفه لم يكن الا بسببها، فارجف الناس بتكرهه الاقبال اليه، وتجمعت الرجاله المصافيه الملازمة بالحضرة الى باب داره، فواثبهم اصحابه، ودافعوهم، ووقع بنفس مؤنس ان الذى فعله الرجاله انما كان عن امر المقتدر، فخرج من الدار، وجلس في طيار وصار الى باب الشماسيه، وعسكر وتلاحق به اصحابه وخرج اليه نازوك في جميع جيشه، فعسكر معه، وذلك يوم الأحد لتسع خلون من المحرم ولما بلغ المقتدر ذلك ارتاع له، ووعده باخراج هارون بن غريب الى الثغر، وبذل له كل ما رجا به استمالته واذهاب وحشته وكتب المقتدر الى مؤنس واهل الجيش كتابا كان فيه:
واما نازوك فلست ادرى سبب عتبة واستيحاشه، فو الله ما اعنت عليه هارون حين حاربه، ولا قبضت يده حين طالبه، والله يغفر له سوء ظنه واما عبد الله بن حمدان فلا اعرف شيئا احفظه الا عزله عن الدينور، وما كنا عرفنا رغبته فيها، وانما أردنا نقله الى ما هو اجل منها، وما لأحد عندي الا ما أحب لنفسه، فان اريد بي نقض البيعه، فانى مستسلم لامر الله، وغير مسلم حقا خصنى الله به، وافعل ما فعل
стр. 5932
عثمان بن عفان رضى الله عنه ولا الزم نفسي حجه، لا آتى في سفك الدماء ما نهى الله عنه الا في المواطن التي حدها الله في الكافرين والبغاة من المسلمين ولست استنصر الا بالله، لما اؤمله من الفوز في الآخرة، وإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
فلما قرئ كتاب المقتدر في العسكر وثب وجوه الجيش، وقالوا: نمضي الى دار الخليفة لنسمع منه ما يقول وبلغ ذلك المقتدر، فاخرج عن الدار كل من كان يحمل سلاحا، وجلس على سريره، وفي حجره مصحف يقرا فيه، واقام بنيه حوالى نفسه، وامر بفتح الأبواب، والا يمنع احد الدخول فلما علم ذلك مؤنس المظفر اقبل الى باب الخاصة ليعرف الحقيقة، ويستقرب مراسله الخليفة ثم كره ان يدخل عليه فيحدث من الأمر مالا يتلافاه فامر الحجاب بان يرجعوا الى الدار، والزم معهم قوما من اصحابه، وصرف الناس الى منازلهم على حال جميله، وكلهم مسرور بالسلامة، ورجع هو الى داره ليزيد بذلك في تسكين الناس وتطييب نفس الخليفة، وذلك يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم.
فلما كان يوم الخميس لثلاث عشره خلت منه عاد اصحاب نازوك وسائر الفرسان الى الركوب في السلاح، وساروا الى دار مؤنس المظفر فاخرجوه عن كره منه الى المصلى العتيق، وغلبه نازوك على التدبير، واستأثر بالأمر، وباتوا في تلك الليلة على هذه الحال فلما اصبح نازوك ركب والناس معه في السلاح الى دار السلطان، فوجدوا الأبواب مغلقة، فاحرقوا بعضها ودخلوا الدار، وقد تكامل على بابها من الفرسان نحو اثنى عشر ألفا فلما سمع المقتدر نفيرهم دخل هو وولده داخل القصر، ونزل محمد بن مقله الى دجلة، فركب طيارة، وصار الى منزله، وتقحم نازوك واصحابه دخول الدار على دوابهم الى ان صاروا الى مجالس الخليفة، وهم يطلبونه ويكشفون عنه فلما راى مؤنس ذلك دخل الدار، وسال بعض الخدم عن المقتدر، فاعلمه بمكانه، فاحتال في اخراجه واخراج أمه وولده ووجه معهم ثقاته الى داره ليستتروا فيها، واخرج على بن عيسى من المكان الذى كان محبوسا فيه، فصرفه الى منزله، واخرج الحسين بن روح- وكان محبوسا أيضا بسبب مال طولب به-
стр. 5933
فصرفه الى منزله، ونهب الجند الدار ومحوا رسوم الخلافه وهتكوا الحرمه، وصاروا من أخذ الجوهر والثياب والفرش والطيب الى مالا قدر له ثم وكل مؤنس اصحابه بالقصر وابوابه، واجمع راى نازوك وعبد الله بن حمدان على اقعاد محمد بن المعتضد للخلافة، واحضروه الدار ليله السبت، وحضر معهما مؤنس المظفر، ودعا لمحمد بن المعتضد بكرسي، وخاطبه ثم انصرف مؤنس الى داره، واقام نازوك في الدار إذ كان يتولى الحجابه مع الشرطه، وانصرف عبد الله بن حمدان الى منزله، ووجه نازوك بالليل من نهب دار هارون بن غريب الخال بنهر المعلى وداره بالجانب الغربي، واحرقنا جميعا، ونهبت دور الناس طول ليله السبت، فكانت من اشام الليالى على اهل بغداد، وافلت كل لص وجانى جناية ومقتطع مال، وفتقوا السجون التي كانوا فيها، وافلت من دار السلطان عبد الله صاحب الجنابى، وعيسى بن موسى الديلمى وغيرهما من اهل الجزائر.
ثم اصبح الناس على مثل ذلك الى ان ركب نازوك واظهر الانكار لما حدث من النهب، وضرب اعناق قوم وجد معهم امتعه الناس، فكف الأمر قليلا، وسمى محمد بن المعتضد القاهر بأمر الله، وسلم عليه بالخلافة، ووجه القاضى محمد بن يوسف وجماعه معه الى دار مؤنس المظفر ليجبروا المقتدر على الخلع، فامتنع من ذلك.
ثم ان الرجاله المصافيه طالبوا بست نوب وزياده دينار، وكان يجب لهم في كل نوبه مائه وعشرون الف دينار عين، إذ كانوا في عشرين الف راجل، وكان عدد الفرسان اثنى عشر ألفا، ومبلغ مالهم في كل شهر خمسمائة الف دينار فضمن نازوك ثلاث نوب للرجاله، ودافعهم عن الزيادة، فقالوا: لا نأخذ الا الست نوب والدينار الزائد، واخر نازوك إعطاء الجند، إذ لم يجتمع له المال، وألحوا في قبضه فلم يعطوا شيئا يوم السبت ولا يوم الأحد، وبكر الرجاله يوم الاثنين الى الدار للمطالبة بالمال، فدخل نازوك وخادمه عجيب الصقلبى الى الصحن المعروف بالشعيبى ودخل الرجاله الى الدهليز يشتمون نازوك، ويغلظون له، ويتواعدونه، لتاخيره العطاء والزيادة عنهم.
ثم انهم هجموا في الدار، وثاروا على نازوك لعداوتهم له وحربهم له في أول امارته فقتلوا عجيبا خادمه، وكان نازوك قد سد الطرق والممرات التي كانت في دار السلطان تحصينا على نفسه واستظهارا على امره فلما راى فعل الرجاله وايقن بالشر دخل
стр. 5934
ليهرب من بعض الممرات، فوجدها مسدودة، ولحقه رجل من الرجاله اصفر يقال له مظفر وآخر يقال له سعيد بن يربوع، ويلقب بضفدع، فقتلاه ثم صلب جسده من وقته على بعض ادقال الستائر التي تلى دجلة، وصاحوا: لا نريد الا خليفتنا المقتدر بالله، ووثب القاهر مع جماعه من خدمه فخرج من بعض أبواب القصر، وجلس في طيار، ومضى الى موضعه في دار ابن طاهر.
قال الصولي: ونحن نرى ذلك كله من دجلة، ونهبت دار نازوك في ذلك الوقت، ودار بنى بن نفيس وقد قيل ان مؤنسا المظفر لما راى غلبه نازوك على الأمر وجه ليله الاثنين الى نقباء الرجاله فواطاهم على ما فعلوه، وكان لا يريد تمام خلع المقتدر، ولذلك ما ستره ولم يبت عنه منذ ادخله داره وكان عبد الله بن حمدان في الوقت الذى قتل فيه نازوك بين يدي القاهر وهو يراه خليفه، فلما هرب القاهر طلب ابن حمدان من بعض الغلمان جبه صوف كانت عليه، وضمن له مالا، فلبسها وبادر يريد بعض الأبواب، فندر به قوم من الغلمان والخدم، فما زالوا يرمونه بالنشاب حتى قتلوه واحتزوا راسه.
سنه ٣١٧
ذكر صرف المقتدر الى الخلافه
واخرج مؤنس المظفر المقتدر بالله وساله الرجوع الى الدار، والظهور للناس فاستعفاه من ذلك فلم يدعه حتى رده في طيارة، مع خادمه بشرى، فلما صعد القصر سال عن عبد الله بن حمدان، فاخبر بقتله، فساءه ذلك، وكان قد صح عنده انه لم يرد من أول امره ما اراده نازوك، ولا ظن الحال تبلغ حيث بلغت ثم ان المقتدر قعد للناس، وخاطبهم بنفسه، وقال للرجاله: لكم على ست نوب وزياده دينار، وقال للغلمان: لكم على ارزاق اربعه اشهر، وقال لسائر الجند: لكم على ارزاق اربعه اشهر وزياده خمسه دنانير لكل واحد منكم، وما عندي ما يفى بهذا ولكنى أبيع ما بقي من ثيابي وفرشي وأبيع ضياعي وضياع من يجوز عليه امرى، فبايعه الناس بيعه مجدده
стр. 5935
واجتهد في توفيتهم ما ضمنه لهم، وصرف أواني الذهب والفضه، ثم اعجلوه عن صرفها فكان يزنها لهم مكان الدنانير والدراهم ووفى بكل الذى ضمنه، وكان القاهر لما اقعد للخلافة قد احضر محمد بن على الوزير يوم السبت ويوم الأحد، وامره ان يجرى الأمور مجاريها، فلم يحدث شيئا ولا حاول امرا فلما عاد المقتدر الى حالته احضره وشكر ما كان منه، فكتب محمد بن على الى جميع الأمراء والعمال والاطراف بما جدده الله للمقتدر بالله، وكفاه اياه، وارتجل الكتاب إملاء بلا نسخه، فاحسن فيها وأجاد.
واضطربت الأمور ببغداد الى ان ولى المقتدر شرطته ابراهيم ومحمد ابنى رائق مولى المعتضد، وخلع عليهما، وذلك بمشوره مؤنس المظفر وعن امره، فقاما بالأمر احسن قيام وضبطا البلد أشد ضبط، وطاف كل واحد منهما بالليل في جانبه من بغداد، وكان اكثر الضبط لمحمد فهو الذى كان يقيم الحدود، ويستوفى الحقوق وكانت في ابراهيم رحمه ورقه قلب.
وقدم ياقوت من فارس في غره شهر ربيع الاول، فخلع عليه للحجابه وعلى محمد ولده لسبب هزيمتهم للسجستانيه بكرمان، وولى الاعمال جماعه ممن اشار بهم مؤنس ومحمد بن على ولم يف مال المقتدر والانيه التي احضرها بارزاق الجند، فامر بارتجاع ما كان اقطعه الناس من الأموال والضياع والمستغلات، وافرد لها ديوانا، وقلد الوزير ابن مقله ذلك الديوان عبد الله بن محمد بن روح، وسمى ديوان المرتجعة، فتقلده في آخر المحرم، فعسف عليه الجند بالمطالبة بالمال، فاستعفى الوزير فأعفاه وقلد مكانه الحسين بن احمد بن كردى الماذرائى ووردت الاخبار باستيلاء العدو على الثغور الجزرية، ونصبهم في كل مدينه رجلا منهم لقبض الجبايه، فاخرج السلطان طريفا السبكرى لدفعهم، وكتب الى من قارب تلك الناحية ان يسيروا معه.
وورد الخبر بان اصحاب ابى مسافر اضطربوا عليه باذربيجان، فزال عنهم الى المراغه، فحصروه بها حتى قتلوه، وتراضوا على قائد منهم اسمه مفلح، فراسوه عليهم، وترددت الأنباء الشاغله الغامه.
[أخبار متفرقة]
وتوفى في هذا العام ابو الحسين بن ابى العباس الخصيبى والحسين بن احمد الماذرائى بمصر، وتوفيت ثمل القهرمانه التي كانت مع والده المقتدر
стр. 5936
وفيها توفى ابو القاسم ابن بنت منيع المحدث، وهو ابن مائه سنه وثلاث سنين، مولده سنه اربع عشره ومائتين.
وتوفى نحرير الصغير بالموصل وكان يتولى معونتها.
وتوفى ابو معد نزار بن محمد الضبي.
وكان نصب الحج للناس في هذه السنه عمر بن الحسن بْن عبد العزيز بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ العباس، خليفه لأبيه الحسن بن عبد العزيز فصده الجنابى عن الحج.
стр. 5937
ثم دخلت
سنه ثمان عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فيها اقبل مليح الأرميني الى ناحيه شمشاط للغارة على أهلها، فخرج اليه نجم غلام جنى الصفواني، وكان يلى المعاون بديار مضر، ويتولى اعمال الرقة، فاوقع بمليح وباصحابه وقيعه عظيمه، فانفذ ابنا له يقال له منصور، ويكنى أبا الغنائم الى الخليفة ببغداد بأربعمائة اسير منهم عشره رؤساء مشاهير، فادخلهم بغداد في شهر ربيع الأول من هذه السنة مشاهير على الجمال ٤.
وفي هذه السنه خرج اعراب بنى نمير بن عامر وبنى كلاب بن ربيعه فعاثوا بظهر الكوفه، واستطالوا على المسلمين، وأخافوا السبيل، فخرج اليهم ابو الفوارس محمد بن ورقاء امير الكوفه في جمع من اشراف الكوفه وبنى هاشم العباسيين والطالبيين ولم يكن معه جند سواهم فقاتل الاعراب بنفسه، وصبر لمحاربتهم فأسروه وأسروا معه ابن عمر العلوي وابن عم شيبان العباسي من ولد عيسى بن موسى، وسار بهم الاعراب في اخبائهم، ولم يجسروا على إيقاع سوء بهم فطلبوا منهم الفداء فاجابوهم اليه، وفدوا انفسهم وتخلصوا منهم.
وفيها خلع على عبد الله بن عمرويه، وقلد شرطه البصره مكان محمد بن القاسم بن سيما، وخلع على على بن يلبق لمعاون النهروان وواسط مكان سعيد بن حمدان، فخرج الى واسط، وبلغه ان إسحاق الكردى المعروف بابى الحسين، خرج لقطع الطريق على عادته، ومعه جمله من الأكراد، فراسله على ولاطفه، ووعده تقديم السلطان له على جميع الأكراد فاقبل اليه وبات عنده وخلع عليه وحمله ثم صرفه الى عسكره ليغدو عليه في اليوم الثانى، واجتمع رؤساء اهل واسط الى على، فعرفوه بما قد هياه الله له في
стр. 5938
الكردى وانه لو انفق مائه الف دينار لما تمكن ما تمكن منه فيه، وانه ان افلت من يديه انكر السلطان ذلك عليه فلما بكر الكردى الى على بن يلبق تقبض عليه وعلى من كان معه، وركب من وقته الى موضع عسكره، فقتل منهم خلقا واسر جماعه وادخل ابو الحسين الى بغداد مشهورا، ومعه اربعه عشر رجلا بين يدي يلبق المؤنسى وابنه على، وذلك لثمان خلون من جمادى الاولى، فحبسوا ولم يقتلوا وفيها خلع على محمد بن ياقوت وولى شرطه بغداد على الجانبين مكان ابراهيم ومحمد ابنى رائق المعتضدي، وقلد الحسبه.
ذكر الإيقاع بجند الرجاله ببغداد
ومن الحوادث في هذه السنه التي عظمت بركتها على السلطان والمسلمين، ان الرجاله المصافيه لما قتلوا نازوك، وتهيأ لهم ما فعلوه في امر المقتدر، وقبضوا الست النوائب والزيادة التي طلبوها، ملكوا امر الخلافه، وضربوا خياما حوالى الدار.
وقالوا:
نحن اولى من الغلمان بحفظ الخليفة وقصره، وانضوى اليهم من لم يكن منهم، وزادت عدتهم على عشرين ألفا، وبلغ المال المدفوع اليهم لكل شهر مائه الف وثلاثين الف دينار، وتحكموا على القضاه، وطالبوهم بحل الحباسات واخراج الوقوف من ايديهم، واكتنفوا الجناة، وعطلوا الأحكام، واستطالوا على المسلمين، وتدلل قوادهم على الخليفة وعلى الوزير، حتى كان لا يقدر ان يحتجب عن واحد منهم في اى وقت جاء من ليل او نهار، ولا يرد عن احد حاجه كائنا ما كانت، فلم يزالوا على هذه الحال الى ان شغب الفرسان، وطلبوا أرزاقهم، وعسكروا بالمصلى، ودخل بعضهم بغداد يريد دار ابى القاسم بن الوزير محمد بن على فلما قربوا منها دافعهم الرجاله الذين كانوا ملازمين بها، ومنعوهم الجواز في الشارع، فتجمع الفرسان، ورشقوهم بالنشاب، وقتلوا منهم رجلا، فانهزم الرجاله اقبح هزيمه، فطمع الفرسان حينئذ فيهم، وافترصوا ذلك منهم، وراسلوا الغلمان الحجريه في امرهم وتأمروا معهم على الإيقاع بهم
стр. 5939
وبلغ محمد بن ياقوت صاحب الشرطه الخبر، فحرص على نفاذه، واغرى الفرسان بالعزم فيه، وسفر في الأمر واحكمه، وأومى اليهم الوزير بوجه الرأي فيه، ودبره من حيث لا يظن به، إذ علم ما في نفس الخليفة عليهم من الغيظ لقبيح ما كانوا يحدثونه عليه فوثب الغلمان الحجريه يوم الأربعاء لثمان ليال بقين من المحرم بالرجاله المصافيه وطردوهم عن المصاف، ورشقوهم بالنشاب، فانصرفوا منهزمين، واخرج ابن ياقوت صاحب شرطه بغداد غلمانا كثيرا في طيارات وتقدم اليهم الا يتركوا رجلا يعبر من جانب الى جانب الا قتلوه، ولا ملاحا يجيز احدهم الا رموه بالنشاب، واخافوه ومنعوا من عبور الجسر، والح عليهم بالطلب، ونودى فيهم الا يبقى ببغداد منهم احد، واعانت عليهم العامه، وانطلقت فيهم الأيدي، فلم يجتمع منهم اثنان، وحظر عليهم الا يخرجوا الى الكوفه والبصره والاهواز، فتخطفوا في كل وجه واميحوا بكل مكان، فهل ترى لهم من باقيه، وقصد الفرسان مع العامه الى الموضع الذى كان فيه مستقر السودان بباب عمار، فنهبوهم واحرقوا منازلهم، فطلبوا الامان، وسألوا الصفح، فرفع عنهم القتل وحبس منهم الوجوه واسقطت عنهم الجرايات.
كتاب على بن مقله الى القواد والعمال
وكتب الوزير محمد بن على بن مقله فيهم نسخه انفذت الى القواد والعمال وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم: قد جرى اعزك الله من امر الرجاله المصافيه بالحضرة ما قد اتصل بك، وعرفت جملته وتفصيله وجهته وسبيله، وقد خار الله لسيدنا امير المؤمنين وللناس بعده بما تهيأ من قمعهم وردعهم، خيره ظاهره متصله بالكفاية الشامله التامة بمن الله وفضله، ولم ير سيدنا ايده الله استصلاح احد من هذه العصبة الا السودان فإنهم كانوا اخف جناية، وايسر جريره، فراى اعلى الله رايه اقرارهم على أرزاقهم القديمه، وتصفيتهم بالعرض على المحنة لعلمه ان العساكر لا بد لها من رجاله وامر اعلى الله امره، ان يستخدم بحضرته من تؤمن بائقته وتخف مؤنته، وترجى استقامته
стр. 5940
وبالله ثقه امير المؤمنين وتوفيقه، وقبلك وقبل مثلك رجاله أنت اعلم بمن مرضت طاعته منهم، ومن يعود الى صحه وصلاح، فان قنع من ترضاه منهم بأصل الجاري عليه فتمسك به واقره على جاريه، ومن رايت الاستبدال به فأمره إليك والله المستعان.
ذكر صرف ابن مقله عن الوزارة وولايه ابن مخلد
وفي جمادى الاولى يوم الأربعاء لاربع عشره ليله بقيت منه صرف محمد بن على ابن مقله عن الوزارة، ووكل به في الدار، وحبس فيها، واحضر محمد بن ياقوت صاحب الشرطه أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد، فوصل الى الخليفة وقلده وزارته، وخلع عليه، ومضى في الخلع التي كانت عليه الى الدار التي كان يسكنها ابن الفرات والوزراء بعده ثم نزل منها الى طيارة، ومضى الى منزله، فاقر عبيد الله الكلواذى على دواوين السواد والاهواز وفارس وكرمان، واقر كثيرا ممن كان على سائر الدواوين وقلد ابنه احمد بن سليمان ديوان المشرق، واستخلف له عليه من يتولاه له، وقلد ابنه أبا محمد ديوان الفراتيه، وقلد أبا العباس احمد بن عبيد الله الخصيبى الاشراف على اعمال فارس وكرمان، ورد التدبير اليه فكان يعزل ويولى، وقلد أبا بكر محمد بن على الماذرائى اعمال مصر، فسار سيره جميله، وعضده على بن عيسى برايه، وكان على يجلس للمظالم منذ خرج من الحبس الى وقته ذلك، ثم اتصل قعوده مده.
وفي جمادى الآخرة من هذا العام شغب الفرسان وصاروا الى دار على بن عيسى، فنهبوا اصطبله وقتلوا عبد الله بن سلامه حاجبه ٤.
ثم ان الرجاله السودان طلبوا الزيادة على ما كان رسم لهم، وشغبوا وحملوا السلاح، فسار اليهم محمد بن ياقوت ورفق بهم، ودارى امرهم فلم يقنعهم ذلك، وبقوا على حالهم، وامتدوا الى الفرسان وقاتلوهم فتقدم اليهم سعيد بن حمدان وجماعه من اصحاب ابن ياقوت، ورشقوهم بالنشاب وادخلوا الى منازلهم النار فهربوا الى النهروان وقطعوا الجسر بعد ان قتل منهم خلق كثير، ثم ساروا الى واسط، وتجمع اليهم خلق كثير من البيضان، ولحق بهم جماعه من قوادهم، وراسهم نصر الساجي، وطالبوا عمال ذلك
стр. 5941
الجانب بالأموال، فندب السلطان للشخوص اليهم مؤنسا المظفر، فخرج اليهم ورفق بهم ودعاهم الى القناعه بما رسمه السلطان لهم، فأبوا ولجوا في غيهم، واجتمعوا في مصلى واسط من الجانب الغربي، وحفروا الابار حوالى عسكرهم، وفجروا المياه، وأقاموا النخل المقطوع منصوبه في الطريق المسلوكه اليهم ليمنع الخيل من التقحم عليهم، فعبر مؤنس حتى نزل بقربهم، ثم سار اليهم بمن كان معه على الظهر وفي الماء على مخاضه وجدوها، ووضعوا فيهم السيف، فقتل اكثرهم، وغرق بعضهم واسر رئيسهم نصر الساجي، وأخذ ابن ابى الحسين الديراني واستامن بعض السودان، فنقلهم مؤنس وفرقهم في النواحي، واقر على بن يلبق على شرطه واسط وكانت هذه الوقيعه لخمس بقين من رجب، ورجع مؤنس الى بغداد لعشر بقين من شعبان.
[أخبار متفرقة]
وفي هذه السنه اسر الحسن بن حمدان شاريا خرج بكفر غرثا، يقال له:
غزون، وانفذه الى السلطان، فحمل على فيل، وادخل بغداد مشهورا ثم حبس، وذلك في ذي الحجه.
وقبل ذلك بشهر ما وجه ابو السرايا نصر بن حمدان بن سعيد بن حمدان شاريا خرج بالرادفيه من موالي بجيله، فادخل بغداد على فيل وبين يديه ولدان له على جملين ومائه راس من رءوس اصحابه، وسار رجل من وجوه البرابر يعرف بابى شيخ الى دار السلطان في ذي القعده، فذكر ان جماعه من وجوه القواد والكتاب قد بايعوا أبا احمد محمد بن المكتفي بالله، واستجاب له نحو ثلاثة آلاف رجل من الجند، فامر السلطان بحفظ ابن المكتفي بالله في داره، وانتشر خبر ابى شيخ فخيف عليه ان يقتله الجند، فبعث الى الجبل الى ابن الخال ليكون في جيشه.
وورد الخبر في ذي القعده بوقوع الحرب بالبصرة بين البلاليه والسعديه، وان عبد الله بن محمد بن عمرويه والى المعونة بها اعان البلاليه فهزموا السعديه واحرقوا محالهم، فاخرجوا من البصره ثم ردوا إليها بعد مده عن سؤال منهم وتضرع.
قال الصولي: ولما ورد الخبر بذلك، كتب على بن عيسى الى اهل البصره في ذلك كتابا بليغا ينهاهم فيه عن العصبية ويعرفهم سوء عاقبتها، فدخلت اليه وهو يملى الكتاب،
стр. 5942
فلما اوعب املاءه امر كاتبه بدفعه الى لأقرأه قال: فحسن عندي الكتاب، وقلت له: قد كان لإبراهيم بن العباس كتاب في العصبية فقال لي: ما اعرفه، فما هو؟
قلت: حدثنى عون بن محمد الكندى قال: قدم علينا بسر من راى كاتب من اهل الشام، يقال له عبد الله بن عمرو من بنى عبد كان المصريين، فجعل يستصغر كتاب سر من راى، ولا يرضى احدهم قال عون: فحدثت ابى بحديثه فانف من ذلك، وقال: والله يا بنى لاضعفنه ولاهونن نفسه اليه فمضى به الى ابراهيم بن العباس، وادخله عليه، وهو يملى رساله في قتل إسحاق بن اسماعيل، وفيها ذكر العصبية، فسمع الشامي ما اعجبه، وقال لأبي: هذا من لم تلد النساء مثله فانى سمعته يملى شيئا كأنه فيه تدبر مبين قال عون فنسخ ابى ما املاه من الرسالة وهو:
وقسم الله عدوه اقساما ثلاثة: روحا معجلة الى عذاب الله، وجثه منصوبه لأولياء الله، وراسا منقولا الى دار خلافه الله، استنزلوه من معقل الى عقال، وبدلوه آجالا من آمال، وقديما غذت العصبية أبناءها، فحلبت عليهم درها مرضعه، وركبت بهم مخاطرها موضعه، حتى إذا وثقوا فآمنوا وركبوا فاطمأنوا وامتد رضاع، وآن فطام، فجرت مكان لبنها دما وأعقبتهم من حلو غذائها مرا، ونقلتهم من عز الى ذل، ومن فرحه الى ترحه، ومن مسره الى خسره، قتلا واسرا، وغلبه وقسرا، وقل من وأضع في الفتنة مرهجا، واقتحم لهبها مؤجحا الا استلحمته آخذه بمخنقه، وموهنه بالحق كيده، حتى جعلته لعاجله جزرا ولأجله حطبا، وللحق موعظه وعن الباطل مزجره، أولئك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ*.
وورد الخبر في ذي الحجه بوثوب اصحاب اسفار بن شيرويه الديلمى المتغلب على الري عليه، واعتزامهم على قتله، وانه هرب في نفر من خاصته وغلمانه، فصار مكانه الى الري ديلمى يقال له مرداويج بن زيار
стр. 5943
ومن الحوادث في هذه السنه ان الحريق وقع ليله الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى في دار محمد بن على بن مقله التي كان بناها بالزاهر على شاطئ دجلة، ويقال انه انفق فيها مائتي الف دينار، فاحترقت بجميع ما كان فيها، واحترقت معها دور له قديمه، كان يسكنها قبل الوزارة، وانتهب الناس ما بقي من الخشب والحديد والرصاص، حتى صارت مستطرقا للسابلة من دجلة، وبطل على السلطان ما كان يصير اليه من اجارات الزاهر، وذلك جمله وافرة في السنه، ثم امر السلطان بسد أبوابها ومنع السابلة من تطرقها، وتحدث الناس بان محمد بن ياقوت فعل ذلك لضغن كان لمحمد بن على بن مقله عنده في قلبه.
وفيها خلع المقتدر على ابنه ابى عبد الله هارون لتقلد فارس وكرمان يوم الاثنين لست بقين من شوال، وركب في الخلع الى داره المعروفه بجراده، بقرب الجسر، وكان المقتدر قد ثقف ولده هذا بنصر الحاجب، وجعله في حجره، فلما مات نصر تكفل امره ياقوت كما كان يتكفله نصر قبله، الا ان نصرا كان يهدى له، ويتقرب اليه.
قال الصولي: انا شهدت نصرا الحاجب قد اشترى ضيعه على نهر ديالى والنهروان يقال لها قرهاطيه، كانت للنوشجانى، فاشتراها حصصا واقساما وقامت عليه بثمانية عشر الف دينار، ثم أهداها الى ابى عبد الله بن المقتدر، وهي تساوى ثلاثين الف دينار، وصنع له فيها ولأخيه ابى العباس يوم أهداها اليه وخرجا معه إليها في وجوه القواد والغلمان، فأقاموا بها يومين، وانفق عليهم نصر مالا جسيما، ووصل الغلمان والخدم بصلات سنيه، وحمل بعضهم على خيل بسروجها ولجمها، قال: وحكى لي بعض وكلائه انه احصى ما ذبح في هذين اليومين من حمل وجدي وطير وغير ذلك من صنوف الدراج والطائر فبلغ ذلك اربعه آلاف راس.
قال الصولي: ولما خلع على ابى عبد الله هارون للولاية، وصح عزمه على الخروج، دعانى الى المسير معه والكون في عديد صحبه، فكره ذلك الأمير ابو العباس بن المقتدر، فاعتلك على ابى عبد الله، فغضب على وقطع اجراءه عنى قال: ثم بلغنى ان خروجه غير تام، فكتبت اليه بقصيده فيها تشبيب حسن ومديح مثله.
واجتلب الصولي جميع القصيده في كتاب الورقه الذى الفه باخبار الدولة، فرايت
стр. 5944
اثبات ابيات منها في هذا الكتاب ليستدل بمباطنه الصولي لهم، على علمه باخبارهم، وحفظه لما جرى في ايامهم، فليس المخبر الشاهد كالسامع الغائب، ومن قصيده الصولي:
ظلم الدهر والحبيب ظلوم ... اين من ذين يهرب المظلوم
عطفت باللقاء ريح بعاد ... فاستهلت على فؤادى الهموم
يا سقيم الجفون اى صحيح ... لم يدعه هواك وهو سقيم
احرام عليك وصلى أم السائل ... وصلا مباعد محروم
قد كتمت الهوى واصعب شيء ... ان تاملته هوى مكتوم
فمتى اخصم الحبيب وايامى ... بما يشتهى على خصوم
لأبي عبد الله هارون عندي ... حادث من فعاله وقديم
هو بدر السماء يطلع في سعد ... المعالى والناس فيها نجوم
ورث المجد عن خلائف غر ... سبعه ما يعد فيهم بهيم
يا نسيم الحياه أنت لايامى ... إذا ما ركدن عنى نسيم
قد تذوقت منك طعم نوال ... مثله لا عدمته معدوم
لا تكلني الى شواهد ظن ... ليس يقضى بها على عليم
ليس تمضى الا ومن اتهمت ... ناج مما ظننت سليم
فانا الان راحل ان ترحلت ... وثاو إذا اقمت مقيم
ارنى للرضا علامه انصاف ... فدهرى وقد كفاك غسوم
نظم هذا المديح ان انصفوه ... لا يدانيه لؤلؤ منظوم
قد اتى ساحبا ذيول المعالى ... فيك والمدح بالنوال زعيم
وفيها مات ابو بكر محمد بن ابراهيم بن المنذر بن الجارود النيسابورى بمكة يوم الأحد انسلاخ شعبان.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الحسن العباسي.
стр. 5945
ثم دخلت
سنه تسع عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
قال ابو محمد عبد الله بن احمد الفرغاني في كتابه الذى وصل به كتاب محمد بن جرير الطبرى، وسماه المذيل: في هذه السنه في المحرم منها طالب قوم من الفرسان ببغداد الوزير سليمان بن الحسن بأرزاقهم، وشتموه واغلظوا له، فرماهم غلمانه بالأجر من اعالى الدار، وقتلوا رجلا من الأولياء فهجموا في الدار بعد ان احرقوا الباب.
فخرج الوزير على باب ثان، وجلس في طيار، وسار الى دار على بن عيسى.
فانصرفوا عن بابه.
وفيه قلد ابراهيم بن بطحا الحسبه بمدينه السلام.
وفي صفر ورد بغداد مؤنس الخادم الورقانى، منصرفا من الحج بالناس سالمين، فأظهر اهل مدينه السلام لذلك السرور والفرح، ونشروا الزينة في الاسواق، واخرجوا الثياب والحلى والجواهر، ونصبت القباب في الشوارع، وخلع السلطان على مؤنس واوصله نفسه وخلع على جماعه معه، وذلك يوم الخميس لعشر خلون من صفر، فذكر الحاج انها لحقتهم مجاعه عظيمه في الطريق، إذ كانت خاليه من العمارة، وكاد يأكل بعضهم بعضا من الجوع.
وللنصف من صفر قصد الشطار واهل الزعارة من العامه دار الخليفة فاحرقوا باب الميدان، ونقبوا في السور، وصعد الخليفة الى المجلس المثمن ومعه يلبق وسائر الغلمان، فضمن لهم يلبق ازاحه عللهم والانفاق عليهم، فانصرفوا ثم شغبوا بعد ذلك وقصدوا دار ابى العلاء سعيد بن حمدان فحوربوا منها، وقتل منهم رجل فانصرفوا وبكروا إليها من الغد، وقد كان ابو العلاء وضع حرمه وجميع ما يملكه في الزوارق داخل الماء، فلم يصلوا الى ما املوه منه، فاحرقوا بابه وصاروا الى السجون والمطبق ففتحت بعد محاربتهم لمن
стр. 5946
كان يمنع منها وقتل من طلاب الفتن من العامه خلق كثير وقعدوا بعد ذلك في مجلس الشرطه، وقتلوا رجلا يعرف بالذباح قيل انه ذبح ابن النامي، فلما اصبح الناس ركب ابن ياقوت اليهم زورقا، وبعث باصحابه وغلمانه على الظهر، ثم وضع السيف والنشاب في اهل الزعارة من العامه، فلم يزل القتل يأخذهم من رحبه الحسين الى سوق الصاغه بباب الطاق، فارتدع الناس وكفوا.
وفي آخر صفر خرج طريف السبكرى الى الثغر غازيا، وخرج في ربيع الاول نسيم الخادم الشرابي الى الثغر أيضا، وشيعه مؤنس المظفر.
وخرج من الفسطاط بمصر احد عشر مركبا للغزو في البحر الى بلاد الروم، وعليها ابو على يوسف الحجري.
وفي هذه السنه اجتمع نوروز الفرس والشعانين في يوم واحد، وذلك يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، وقل ما يجتمعان.
ولثمان بقين منه خلع على ابى العلاء بن حمدان، وقلد ديار ربيعه وما والاها، وتقدم اليه بالغزو، وفيه تقلد اعمال البصره ابو إسحاق وابو بكر ابنا رائق.
٤ وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنه ورد الخبر بان الاعراب صاروا في جمع كثير الى الأنبار فأفسدوا وقتلوا، فجرد اليهم على بن يلبق في جيش كثيف، وخرج يلبق أبوه في اثره، فلحقوهم وواقعوهم يوم الأحد لثلاث عشره ليله بقيت منه بعد حرب شديده، وانهزم الاعراب، فقتلوا منهم وأسروا وغنم الأولياء غنيمه عظيمه.
وفي ربيع الآخر وقع حريق في مدينه الفسطاط بموضع يقال له خولان نهارا فذهبت فيه دور بنى عبد الوارث وغيرها.
ولاربع عشره ليله بقيت من جمادى الاولى ادخل الى مدينه السلام خمسه وسبعون رجلا من الأرمن، وجه بهم بدر الخرشنى ممن حارب، فشهروا وطيف بهم، وادخل أسارى القرامطة الخارجين بسواد الكوفه بعث بهم بشر النصرى وهم نحو مائه فشهروا وطوفوا بمدينه السلام.
وفي جمادى الآخرة من هذه السنه ازدادت وحشه مؤنس المظفر من ياقوت وولده،
стр. 5947
ودارت بينهم مدافعات، فصرف ابن ياقوت عن الشرطه، ورد امرها بالجانب الشرقى الى احمد بن خاقان، وبالجانب الغربي الى سرور مولى المقتدر.
وفي هذا الشهر قلد ابو بكر محمد بن طغج مدينه دمشق وأعمالها، وصرف الراشدى عنها، ورد اليه عمل الرملة ونفذ كتاب الخليفة الى ابن طغج بالولاية، فلما وصل اليه الكتاب سار من وقته الى دمشق، وخرج الراشدى الى الرملة، فسر اهل دمشق بقدوم ابن طغج، ودخلها احسن دخول.
وفي مستهل رجب من هذه السنه راسل مؤنس الخليفة، وساله اخراج ياقوت وابنه عن مدينه السلام، فلم يجبه الى ذلك، فاوحشه فعله، واستاذن هو في الخروج فلم يمنع، فخرج الى مضاربه برقه الشماسيه مغاضبا واتصل به ان ياقوتا وابنه امرا بقصده والفتك به، فاستجلب مؤنس الرجاله المصافيه الى نفسه، فلحقوا به بالشماسيه وصاروا معه، ثم طالب الأولياء ابن ياقوت ببقايا أرزاقهم فنهددهم فلحق جميعهم بمؤنس بعد ان قطعوا خيامهم التي كانت حوالى دار الخليفة بالسيوف، فقوى امر مؤنس، وانضم عسكره على قريب من سته آلاف فارس وسبعه آلاف راجل، فتقدم ابن ياقوت الى اصحاب السلاح الا يبيعوا منهم سلاحا ووجه اليهم مؤنس قواده يحذرهم ان يمنعوا أحدا من اصحابه بيع ما يلتمس من السلاح، وحمل يلبق وبشر واصطفن وابن الطبرى الى مؤنس مالا كثيرا وقالوا له: هذا المال افدناه معك، وهذا وقت حاجتك اليه، وحاجتنا، فشكرهم على ذلك وفرقه في اصحابه وعلى من قصده.
ولما قوى امر مؤنس وانحاز الجيش اليه ركب اليه الوزير سليمان بن الحسن وعلى بن عيسى وشفيع ومفلح، فلما حصلوا في مضربه بباب الشماسيه، شغبت عليهم حاشيه مؤنس، وضربوا وجوه دوابهم، وقبضوا عليهم، واظهرت حاشيه مؤنس انهم يريدون الفتك بهم، فاهمتهم نفوسهم، واعتقلوا يومهم، وبلغ المقتدر الخبر فاقلقه، وجرى الأمر بينهما على اخراج ياقوت وابنيه عن بغداد ووجه الخليفة الى ياقوت وولده اخرجوا حيث شئتم، فخرجوا في الغلس يوم الأربعاء لثمان خلون من الشهر، وجميع حاشيتهم في الماء مع نيف واربعين سفينه محمله مالا وسلاحا وسروجا وسيوفا ومناطق وغير ذلك، وثمانية طيارات وشذاه فخلى مؤنس سبيل على بن عيسى، ومن اعتقله
стр. 5948
معه، ورجع مؤنس الى داره، واحرقت دار ياقوت وابنه، ونودى بمدينه السلام الا يظهر احد ممن اثبت ابن ياقوت، واظهر من سائر الناس ونظر مؤنس فيمن يرد اليه الحجابه، فوقع اختياره على ابنى رائق للمهانه التي كانت فيهما، وانهما كانا يلقبان بخديجة وأم الحسين، فبعث فيهما، وقلدهما الحجابه، فقبلا يده ورجله، وقالا له: نحن عبدا الأستاذ وأبونا من قبلنا، وانصرفا وغلمان مؤنس بين أيديهما حتى بلغا منازلهما.
وفي يوم الاثنين لعشر بقين من رجب ادخل مفرج بن مضر الشاري مع رجلين وجه بهم ابن ورقاء من طريق خراسان، فشهروا على فيل وجملين.
ذكر القبض على سليمان بن الحسن الوزير وتقليد الكلواذى الوزارة
وفي يوم السبت لست بقين من رجب قبض على الوزير سليمان بن الحسن، وذلك ان المال ضاق في ايامه، واتصل شغب الجند، وظهر من سليمان في وزارته ما كان مستورا من سخف الكلام وضرب الأمثال المضحكه، واظهار اللفظ القبيح بين يدي الخليفة مما يجل الوزراء عنه، فاستنقصه الخلق، وهجاه الشعراء، واستعظموا الوزارة لمثله، وكانت لابن ياقوت فيه ابيات ضمن في آخرها هذا البيت:
يا سليمان غننى ... ومن الراح فاسقني
ولابن دريد فيه:
سليمان الوزير يزيد نقصا ... فاحر بان يعود بغير شخص
أعم مضره من ابى خلاط ... وأعيا من ابى الفرج بن حفص
وولى الوزارة ابو القاسم عبيد الله بن محمد الكلواذى واحضر الدار وخلع عليه، وذلك يوم الأحد لاربع بقين من رجب من هذه السنه.
وفي شعبان من هذه السنه ورد الخبر بان أبا العباس احمد بن كيغلغ لقى الاشكرى صاحب الديلم فهزمه الديلم وتفرق عنه اصحابه، حتى بقي في نحو من
стр. 5949
عشرين، ومضى الديلم في آثار من انهزم من اصحابه، ودخلوا أصبهان، وملكوا دورها، وصاروا فيها ووافى الاشكرى على أثرهم في نفر من الديلم، فلما نظر اليهم ابن كيغلغ قال لمن حوله: أوقعوا عيني على الاشكرى، فاروه اياه فقصده وحده، وكان الديلمى شديد الخلق فلما نظر اليه مقبلا سال عنه فقيل له: هذا ابن كيغلغ، فبرز كل واحد منهما لصاحبه ورمى الديلمى أبا العباس بن كيغلغ بمزراق كان في يده، فانفذ ما كان يلبسه، ووصل الى خفه، فانفذ عضله ساقه وأثبتها في نداد سرجه، فحمل عليه ابن كيغلغ، وضربه بسيفه على أم راسه، فانصرع عن دابته وأخذ راسه وتوجه به بين يديه فتفرق اصحاب الديلمى وتراجع اصحاب ابن كيغلغ، ودخل أصبهان والراس قدامه، فوضع اهل المدينة سيوفهم ورماحهم في الديالمة الذين حصلوا بها، فقتلوا عن آخرهم ونزل ابن كيغلغ في داره، واستقام امره وحسن اثره عند المقتدر، واعجب الناس ما ظهر من شجاعته وبأسه، مع كبر سنه.
ولعشر بقين من شعبان ورد الخبر بان القرامطة صاروا الى الكوفه ونزلوا المصلى العتيق، وعسكروا به، وأقاموا، وسارت قطعه منهم في مائتي فارس فدخلوا الكوفه، وأقاموا بها خمسه وعشرين يوما مطمئنين، يقضون حوائجهم، وقتلوا بها خلقا كثيرا من بنى نمير خاصه، واستبقوا بنى اسد، ونهبوا اهراء فيها غلات كثيره للسلطان وغيره.
وفي هذه السنه وصل زكرى الخراسانى الى عسكر سليمان بن ابى سعيد الجنابى فجاز له عليهم من الحيله والمخرقه ما افتضحوا به وعبدوه، ودانوا له بكل ما امرهم، به من تحليل المحارم وسفك الرجل دم أخيه وولده وذوى قرابته وغيرهم، وكان السبب في وصوله اليهم ان القرامطة لما انتشروا في سواد الكوفه، وانتهوا الى قصر ابن هبيرة فأسروا جماعه من الناس كانوا يستعبدون من يأسرونه ويستخدمونهم، وكان له عرفاء، على كل طائفه منهم، فاسر زكرى هذا فيمن اسر، وملكه بعض المتراسين عليهم، فلما اراد الاستخدام به تمنع عليه واسمعه ما كره فلما نظر الى قوه
стр. 5950
كلامه وجراته هابه وامسك عنه، وانهى خبره الى الجنابى سليمان فاحضره من وقته وخلا به، وسمع كلامه ففتنه، ودان له وامر اصحابه بان يدينوا له ويتبعوا امره وحمله في قبة وستره عن الناس، وشغل خبره القرامطة وانصرفوا به راجعين الى بلادهم، وهم يعتقدون انه يعلم الغيب ويطلع على ما في صدورهم وضمائرهم، وهو كان بعد ذلك السبب لهلاكهم وفنائهم، على ما ياتى ذكره في الوقت الذى دار فيه ذلك.
وفي هذه السنه انحدر ياقوت وابنه من مدينه السلام في الماء، ومن تبعه من جيشه من الجانب الشرقى يريدان أعمالهما من بلد فارس، وكان على بن يلبق بواسط متقلدا لها ومعه من الغلمان الذين اشخصهم مؤنس اليه جمله مثل سيما المنخلى وكانجور وشفيع وتكين الخاقانى وغيرهم، فحملت هذه الطبقة ابن يلبق على تلقى ياقوت ومحاربته واتصل الخبر بيلبق ابيه، فأنكر الأمر أشد الانكار، وكاتب ابنه يخوفه ركوب هذه الحال، ويأمره بان يتقدم الى خلفائه بواسط ان يتلقوا ياقوتا، ويخدموه ويكونوا بين يديه الى ان يخرج عن واسط وكاتب القواد الا يطاوعوا ابنه على مكروه ان هم به، وكاتب ياقوتا يسأله العبور الى الجانب الغربي خوفا من اجتماع العسكرين، ثم تحمل يلبق المصير الى ابنه وملازمته أياما الى ان جاز ياقوت وخرج عن واسط وفي شعبان من هذا العام شغب الرجاله ببغداد، فحاربهم يلبق وسائر الجيش ولم تزل الحرب بينهم من غدوه الى صلاه العصر، وخرج من الفرسان جماعه، وقتل من الرجاله عدد كثير، ثم تمزق الفريقان في الأزقة والدروب وانصرفوا
. ذكر صرف الكلواذى عن الوزارة وتقليدها الحسين بن القاسم
وكان عبيد الله بن محمد الكلواذى احد الكتاب الكبار، وجليلا في نفوس الناس، فقدروا ان فيه كفاية وقياما بالأمر، فأقام على الوزارة شهرين وهو متبرم بها لضيق الأموال وكثره الاعتراضات واتصال الشغب وقعود العمال عن حمل المال فاستعفى وقال:
ما اصلح ان أكون وزيرا، فصرف عنها ولم يعنف ولا نكب ولا تعرض احد من حاشيته،
стр. 5951
وانصرف الى داره، واستقر فيها فامر الخليفة بحفظها وصيانتها.
وكان ابو الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب يسعى دهره في طلب الوزارة، ويتقرب الى مؤنس وحاشيته ويصانعهم حتى جاز عندهم، وملا عيونهم، وكان يتقرب الى النصارى الكتاب بان يقول لهم: ان اهلى منكم وأجدادي من كباركم، وان صليبا سقط من يد عبيد الله بن سليمان جده في ايام المعتضد فلما رآه الناس، قال: هذا شيء تتبرك به عجائزنا، فتجعله في ثيابنا من حيث لا نعلم، تقربا اليهم بهذا وشبهه، يعنى الى مؤنس واصحابه.
وقلد الوزارة يوم السبت سلخ شهر رمضان وخلع عليه في هذا اليوم، وركب في خلعه وسائر القواد والناس على طبقاتهم معه واخذه بوله في الطريق، فنزل وهو في خلع الخليفة الى دار محمد بن فتح السعدي فبال عنده، وامر له بزيادة في رزقه ونزله، وركب منها الى داره
. [أخبار متفرقة]
ولسبع بقين من شوال اخرج على بن عيسى الى ديرقنا.
وفيه قرئت كتب في جامع الرصافه بما فتحه الله لثمل بطرسوس في البر والبحر.
وفيه خلع على ابى العباس احمد بن كيغلغ وطوق وسور، وعقد لابن الخال على اعمال فارس، ولياقوت على أصبهان، ولابنه محمد على الجبل، واخرجت إليهما الخلع للولاية.
وفي شوال من هذه السنه خلع على الوزير عميد الدولة وابن ولى الدولة الحسين بن القاسم لمنادمه المقتدر.
وفي يوم الجمعه لخمس بقين منه ظهرت في السماء فيما يلى القبله من مدينه السلام حمره ناريه شديده لم ير مثلها، وصلى في هذا النهار الوزير عميد الدولة وابن ولى الدولة الحسين بن القاسم، في مسجد الرصافه، وعليه شاشيه وسيف بحمائل، فعجب الناس منه.
وحج بالناس في هذه السنة جعفر بن على الهاشمى من اهل مكة المعروف برقطه خليفه لأبي حفص عمر بن الحسن بن عبد العزيز.
стр. 5952
ثم دخلت
سنه عشرين وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[مخالفة مؤنس المظفر على المقتدر]
فيها خالف مؤنس المظفر على المقتدر، وخرج من بغداد الى الموصل، ثم خلعه بعد ذلك وقتله، وكان السبب في ذلك ان مؤنسا لما ابعد ياقوتا وولده عن الحجابه، وأخرجهما عن مدينه السلام، واختار ابنى رائق لملازمه المقتدر وحجابته، ورجا طوعهما له وقله مخالفتهما اياه، وكان مؤنس عليلا من النقرس قاعدا في منزله كالمقعد، وكان يلبق غلامه الذى صيره مقام نفسه وعقد له الجيش، وضمه اليه ينوب عنه في لقاء الخليفة واقامه اسباب الجند والأمر والنهى، فقوى امر ابنى رائق وتمكنا من الخليفة لقربهما منه، وقيل لهما: ان مؤنسا يريد ان يصير الحجابه الى يلبق، فالتاثا على مؤنس واستوحشا منه، وباطنا عليه من كان بحضره الخليفة مثل مفلح والوزير ابن القاسم وغيرهما، وراسلا ياقوتا وولده وابن الخال وغيرهم واتصل ذلك بمؤنس وصح عنده، فاوحشه ذلك من المقتدر وممن كان معه، ثم سالت الحجريه والساجيه المقتدر بما احكمه لها ابنا رائق، بان يصلوا اليه كلما جلس للسلام، واستعفوه من يلبق، وطعنوا على مؤنس في ضمهم اليه.
فلما كان يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم جلس المقتدر أيضا للسلام، ووصل اليه الناس، ووصلت اليه الحجريه والساجيه وصرف عنهم يلبق ولم يخلع عليه، واظهر المقتدر الانفراد بامره والاستبداد برايه، فانكشف لمؤنس الأمر، وصح عنده ما دبر عليه، وعلم انه مطلوب.
ولما كان يوم الخميس لثمان خلون من الشهر جلس المقتدر أيضا للسلام، فخرج مؤنس الى باب الشماسيه وعسكر بها ونهب اصحابه دار الوزير الحسين بن القاسم.
وبلغ ذلك المقتدر، فامر بشحن القصر بالرجال ونودى فيمن سخط عليه من
стр. 5953
الرجاله بالرضا عنهم، فظفروا ووعدوا بزيادة دينار على النوبه، ووعد الفرسان بزيادة خمسه دنانير على الرزق، فظهر الرجاله، وقوى امر الخليفة واستتر اصحاب مؤنس ولحق به خاصته وخرج اليه يلبق.
فلما كان يوم الجمعه لتسع خلون من الشهر، وتمت صلاه الناس في الجامع، ركب المقتدر بين الظهر والعصر في قباء تاختج وعمامة سوداء وعلى راسه شمسه تظله وبين يديه اولاده الكبار ركبانا، وهم سبعه وجميع الأمراء والقواد معه وبين يديه، فسار من باب الخاصة الى المجلس الذى في طرف الميدان، وقد ضرب له قبة شراع ديباج فدخلها، ثم انصرف وظهر للعامه ودعا الناس له، وبعث مؤنس بشرى خليفته الى المقتدر يوم السبت مترضيا له، ومعتذرا اليه بانه لم يخرج خالعا ولا عاصيا، وانما خرج فارا من المطالبه له فقبض على بشرى وصفع وقيد، فلما اتصل الخبر بمؤنس زاد في ايحاشه ونفاره، وامر بوضع العطاء في اصحابه، ودخلوا السوق ليبتاعوا السلاح وما يحتاجون اليه، فمنعوا من ذلك حتى وجه مؤنس من قواده الى المدينة من حضر ابتياعهم لما أرادوا، ثم انتقل مؤنس الى البردان، وزال عنه كثير من جيشه الى دار السلطان وكان ممن رجع عنه ابو دلف القاسم بن دلف ومحمد بن القاسم بن سيما وغيرهم من قواده، ودخل هارون بن غريب الخال الى بغداد للنصف من المحرم، ونزل في النجمى، ودخل ابن عمرويه قافلا من البصره، ودخل نسيم الشرابي من الثغر، وخلع على سرور، وجمعت له الشرطتان ثم دخل محمد بن ياقوت لثمان بقين من المحرم، فتجمع للمقتدر قواده وقوى امره وخلع على الوزير ابى الجمال، ولقب عميد الدولة، وكنى ونفذت الكتب بذلك الى العمال من الوزير ابى على عميد الدولة بن ولى الدولة القاسم بن عبيد الله، وكتب اسمه على السكك، وخلع على ابته لكتابه الأمير ابى العباس بن المقتدر، وهو الراضي ولما اجتمع الجيش ببغداد، واتفقت كلمه اصحاب المقتدر وانتقل عن مؤنس كثير من اصحابه الى دار السلطان، قلع مؤنس عن البردان في الماء مضطرا ومعه نحو مائه غلام اكابر واصاغر من غلمانه وأربعمائة غلام سودان، كانوا له وسار يلبق وابنه وباقى غلمان مؤنس على الظهر في نحو الف وخمسمائة رجل، وكان معه من وجوه القرامطة نحو سبعين رجلا، منهم خطا أخو هند وزيد بن صدام واسد بن جهور، وكلهم انجاد مبرزون في الباس
стр. 5954
لا يرد احدهم وجها عن عدو، فسار مؤنس الى سر من راى، وعسكر بالجانب الشرقى.
واجتمع الناس بقصر الجص الى مؤنس فكلمهم ووعدهم، وقال لهم: ما انا بعاص لمولاي، ولا هارب عنه، وانما هذه طبقه عادتنى، وغلبت على مولاى، فأثرت التباعد الى ان يفيقوا من سكرتهم، واتامل امرى معهم، ولست مع هذا اتجاوز الموصل اللهم الا ان يختار مولاى مسيرى الى الشام، فاسير إليها وقال لهم في خلال ذلك: من اراد الرجوع الى باب الخليفة فليرجع، ومن اراد المسير معى فليسر، فردوا عليه احسن مرد وقالوا له: نحن في طاعتك، ان سرت سرنا، وان عدت عدنا.
وبعث مؤنس أبا على المعروف بزعفران مع عشره من القرامطة في مال كان له مودعا عند بعض وكلائه بعكبراء، فأتاه منها بخمسين الف دينار، فدفع منها مؤنس ارزاق من كان معه، وزادهم خمسه دنانير واقام مؤنس يومه ذلك بقصر الحص، فاحترق سقف من سقوف القصر، فشق ذلك على مؤنس، واجتهد في إطفاء النار فتعذر ذلك عليه، ثم سار وهو مغموم لما دار من الحريق في القصر، يريد الموصل.
ونفذت كتب الوزير ابن القاسم من المقتدر الى جميع من في الغرب من القواد كبني حمدان وابن طغج صاحب دمشق، والى تكين صاحب مصر، والى ولاه ديار ربيعه والجزيرة وآذربيجان وملوك أرمينية والثغور الجزرية والشامية يأمرهم، بأخذ الطرق على مؤنس ويلبق وولده وزعفران، ومن كان معهم ومحاربتهم والقبض عليهم.
وبلغ ذلك مؤنسا، فغمه الأمر، وكتمه عن جميع من كان معه وسار الى تكريت، وقد انصرف عنه اكثر من كان معه ثم ان مؤنسا فكر في امره والى اين يكون توجهه، فلم يجد في نفسه اوثق عنده ولا اشكر ليده من بنى حمدان فانه كان عند ذكره إياهم يقول: هم أولادي، وانا أظهرتهم وكانت له عند حسين بن حمدان وديعة، فاراد ان يجتاز به ويأخذها ويسير بها الى الرقة، وقد كان بلغه تجمع بنى حمدان وحشدهم لمحاربته، فلم يصدق ذلك، ثقه منه بهم، فرحل عن تكريت الى بنى حمدان، بعد ان شاور من حضره في الطرق التي يأخذ عليها، فأشارت عليه طائفه بقطع البريه والخروج الى هيت ثم المسير الى شط الفرات وقال يلبق وزعفران لمؤنس:
стр. 5955
الصواب مسيرك الى الموصل كيف تصرفت الحال لوجوه من المصالح، اما واحده فلعجزك عن ركوب البريه فتتعجل الرفاهية في الماء، واخرى لئلا يقال: جزع لما بلغه خبر بنى حمدان وتجمعهم، وثالثه انك ان بليت بقتالهم كانوا اسهل عليك من غيرهم، فوقع هذا الرأي من مؤنس بالموافقة، وسار يريد بنى حمدان فلم يلق لهم في طريقه رسولا، ولا سمع لهم خبرا الى ان وافى عليه بشرى النصراني كاتب ابى سليمان داود بن حمدان، فاستأذن عليه يوم السبت لليلة بقيت من المحرم، وخلا بمؤنس وادى اليه رساله صاحبه ورساله الحسين بن حمدان وابى العلاء وابى السرايا بأنهم على شكره ومعرفه حق يده، ولكنهم لا يدرون كيف الخلاص مما وقعوا فيه، فان أطاعوا سلطانهم كانوا قد كفروا نعمه مؤنس اليهم، وان أطاعوا مؤنسا وعصوا سلطانهم، نسبوا الى الخلعان، وسألوه ان يعدل عن بلدهم لئلا يلتقوا به ولا يمتحنوا بحربه فقال له مؤنس: قل لهم عنى: قد كنت ظننت بكم غير هذا، وما أخذت نحوكم الا لثقتي بكم، وطمعي في شكركم، فإذا خالفتم الظن فليس الى العدول عنكم سبيل، ونحن سائرون نحوكم بالغد، كائنا ما كان منكم وأرجو ان إحساني إليكم سيكون من انصارى عليكم، وخذلانكم لي غير صارف لفضل الله عنى وبات مؤنس بقصور مرج جهينة، وكان عسكر بنى حمدان بحصباء الموصل، وبات المحسن زعفران في الطلائع على المضيق الذى منه المدخل الى الموصل، وباكر مؤنس المسير في الماء على رسمه قبل ذلك.
وسار اهل العسكر على الظهر، ووقع ابو على المحسن زعفران في آخر الليل على مقدمه بنى حمدان التي كانوا أنفذوها نحو المضيق، فقتل منهم جماعه واسر نحو ثلاثين رجلا، وملك المضيق وامده يلبق برجال زياده على من كان معه وصبح الناس القتال يوم الأحد لثلاث خلون من صفر، وما كان جميع من يضمه عسكر مؤنس الا ثمانمائه وثلاثة واربعين فارسا، وستمائه وثلاثين راجلا بين اسود وابيض.
هكذا حكى الفرغاني عن احمد بن المحسن زعفران وكان شاهدا مع ابيه في عسكر مؤنس، وعنه ينقل اكثر الحكايات وكان بنو حمدان في عساكر عظيمه قد حشدوها من العرب والعجم وقبائل الاعراب وغيرهم، فتلاقى الفريقان على تعبئه، وأخذ مؤنس ويلبق وابنه ومن كان معهم من القواد في حربهم احزم ماخذ، وتوزعوا على مقدمه وميمنه وميسره وقلب، وجعلوا في كل مصاف منها ثقاتهم واكابر قوادهم ثم
следующие страницы →