Полный текст (6 431 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
وانصرف الى داره، واستقر فيها فامر الخليفة بحفظها وصيانتها.
وكان ابو الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب يسعى دهره في طلب الوزارة، ويتقرب الى مؤنس وحاشيته ويصانعهم حتى جاز عندهم، وملا عيونهم، وكان يتقرب الى النصارى الكتاب بان يقول لهم: ان اهلى منكم وأجدادي من كباركم، وان صليبا سقط من يد عبيد الله بن سليمان جده في ايام المعتضد فلما رآه الناس، قال: هذا شيء تتبرك به عجائزنا، فتجعله في ثيابنا من حيث لا نعلم، تقربا اليهم بهذا وشبهه، يعنى الى مؤنس واصحابه.
وقلد الوزارة يوم السبت سلخ شهر رمضان وخلع عليه في هذا اليوم، وركب في خلعه وسائر القواد والناس على طبقاتهم معه واخذه بوله في الطريق، فنزل وهو في خلع الخليفة الى دار محمد بن فتح السعدي فبال عنده، وامر له بزيادة في رزقه ونزله، وركب منها الى داره
. [أخبار متفرقة]
ولسبع بقين من شوال اخرج على بن عيسى الى ديرقنا.
وفيه قرئت كتب في جامع الرصافه بما فتحه الله لثمل بطرسوس في البر والبحر.
وفيه خلع على ابى العباس احمد بن كيغلغ وطوق وسور، وعقد لابن الخال على اعمال فارس، ولياقوت على أصبهان، ولابنه محمد على الجبل، واخرجت إليهما الخلع للولاية.
وفي شوال من هذه السنه خلع على الوزير عميد الدولة وابن ولى الدولة الحسين بن القاسم لمنادمه المقتدر.
وفي يوم الجمعه لخمس بقين منه ظهرت في السماء فيما يلى القبله من مدينه السلام حمره ناريه شديده لم ير مثلها، وصلى في هذا النهار الوزير عميد الدولة وابن ولى الدولة الحسين بن القاسم، في مسجد الرصافه، وعليه شاشيه وسيف بحمائل، فعجب الناس منه.
وحج بالناس في هذه السنة جعفر بن على الهاشمى من اهل مكة المعروف برقطه خليفه لأبي حفص عمر بن الحسن بن عبد العزيز.
стр. 5952
ثم دخلت
سنه عشرين وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[مخالفة مؤنس المظفر على المقتدر]
فيها خالف مؤنس المظفر على المقتدر، وخرج من بغداد الى الموصل، ثم خلعه بعد ذلك وقتله، وكان السبب في ذلك ان مؤنسا لما ابعد ياقوتا وولده عن الحجابه، وأخرجهما عن مدينه السلام، واختار ابنى رائق لملازمه المقتدر وحجابته، ورجا طوعهما له وقله مخالفتهما اياه، وكان مؤنس عليلا من النقرس قاعدا في منزله كالمقعد، وكان يلبق غلامه الذى صيره مقام نفسه وعقد له الجيش، وضمه اليه ينوب عنه في لقاء الخليفة واقامه اسباب الجند والأمر والنهى، فقوى امر ابنى رائق وتمكنا من الخليفة لقربهما منه، وقيل لهما: ان مؤنسا يريد ان يصير الحجابه الى يلبق، فالتاثا على مؤنس واستوحشا منه، وباطنا عليه من كان بحضره الخليفة مثل مفلح والوزير ابن القاسم وغيرهما، وراسلا ياقوتا وولده وابن الخال وغيرهم واتصل ذلك بمؤنس وصح عنده، فاوحشه ذلك من المقتدر وممن كان معه، ثم سالت الحجريه والساجيه المقتدر بما احكمه لها ابنا رائق، بان يصلوا اليه كلما جلس للسلام، واستعفوه من يلبق، وطعنوا على مؤنس في ضمهم اليه.
فلما كان يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم جلس المقتدر أيضا للسلام، ووصل اليه الناس، ووصلت اليه الحجريه والساجيه وصرف عنهم يلبق ولم يخلع عليه، واظهر المقتدر الانفراد بامره والاستبداد برايه، فانكشف لمؤنس الأمر، وصح عنده ما دبر عليه، وعلم انه مطلوب.
ولما كان يوم الخميس لثمان خلون من الشهر جلس المقتدر أيضا للسلام، فخرج مؤنس الى باب الشماسيه وعسكر بها ونهب اصحابه دار الوزير الحسين بن القاسم.
وبلغ ذلك المقتدر، فامر بشحن القصر بالرجال ونودى فيمن سخط عليه من
стр. 5953
الرجاله بالرضا عنهم، فظفروا ووعدوا بزيادة دينار على النوبه، ووعد الفرسان بزيادة خمسه دنانير على الرزق، فظهر الرجاله، وقوى امر الخليفة واستتر اصحاب مؤنس ولحق به خاصته وخرج اليه يلبق.
فلما كان يوم الجمعه لتسع خلون من الشهر، وتمت صلاه الناس في الجامع، ركب المقتدر بين الظهر والعصر في قباء تاختج وعمامة سوداء وعلى راسه شمسه تظله وبين يديه اولاده الكبار ركبانا، وهم سبعه وجميع الأمراء والقواد معه وبين يديه، فسار من باب الخاصة الى المجلس الذى في طرف الميدان، وقد ضرب له قبة شراع ديباج فدخلها، ثم انصرف وظهر للعامه ودعا الناس له، وبعث مؤنس بشرى خليفته الى المقتدر يوم السبت مترضيا له، ومعتذرا اليه بانه لم يخرج خالعا ولا عاصيا، وانما خرج فارا من المطالبه له فقبض على بشرى وصفع وقيد، فلما اتصل الخبر بمؤنس زاد في ايحاشه ونفاره، وامر بوضع العطاء في اصحابه، ودخلوا السوق ليبتاعوا السلاح وما يحتاجون اليه، فمنعوا من ذلك حتى وجه مؤنس من قواده الى المدينة من حضر ابتياعهم لما أرادوا، ثم انتقل مؤنس الى البردان، وزال عنه كثير من جيشه الى دار السلطان وكان ممن رجع عنه ابو دلف القاسم بن دلف ومحمد بن القاسم بن سيما وغيرهم من قواده، ودخل هارون بن غريب الخال الى بغداد للنصف من المحرم، ونزل في النجمى، ودخل ابن عمرويه قافلا من البصره، ودخل نسيم الشرابي من الثغر، وخلع على سرور، وجمعت له الشرطتان ثم دخل محمد بن ياقوت لثمان بقين من المحرم، فتجمع للمقتدر قواده وقوى امره وخلع على الوزير ابى الجمال، ولقب عميد الدولة، وكنى ونفذت الكتب بذلك الى العمال من الوزير ابى على عميد الدولة بن ولى الدولة القاسم بن عبيد الله، وكتب اسمه على السكك، وخلع على ابته لكتابه الأمير ابى العباس بن المقتدر، وهو الراضي ولما اجتمع الجيش ببغداد، واتفقت كلمه اصحاب المقتدر وانتقل عن مؤنس كثير من اصحابه الى دار السلطان، قلع مؤنس عن البردان في الماء مضطرا ومعه نحو مائه غلام اكابر واصاغر من غلمانه وأربعمائة غلام سودان، كانوا له وسار يلبق وابنه وباقى غلمان مؤنس على الظهر في نحو الف وخمسمائة رجل، وكان معه من وجوه القرامطة نحو سبعين رجلا، منهم خطا أخو هند وزيد بن صدام واسد بن جهور، وكلهم انجاد مبرزون في الباس
стр. 5954
لا يرد احدهم وجها عن عدو، فسار مؤنس الى سر من راى، وعسكر بالجانب الشرقى.
واجتمع الناس بقصر الجص الى مؤنس فكلمهم ووعدهم، وقال لهم: ما انا بعاص لمولاي، ولا هارب عنه، وانما هذه طبقه عادتنى، وغلبت على مولاى، فأثرت التباعد الى ان يفيقوا من سكرتهم، واتامل امرى معهم، ولست مع هذا اتجاوز الموصل اللهم الا ان يختار مولاى مسيرى الى الشام، فاسير إليها وقال لهم في خلال ذلك: من اراد الرجوع الى باب الخليفة فليرجع، ومن اراد المسير معى فليسر، فردوا عليه احسن مرد وقالوا له: نحن في طاعتك، ان سرت سرنا، وان عدت عدنا.
وبعث مؤنس أبا على المعروف بزعفران مع عشره من القرامطة في مال كان له مودعا عند بعض وكلائه بعكبراء، فأتاه منها بخمسين الف دينار، فدفع منها مؤنس ارزاق من كان معه، وزادهم خمسه دنانير واقام مؤنس يومه ذلك بقصر الحص، فاحترق سقف من سقوف القصر، فشق ذلك على مؤنس، واجتهد في إطفاء النار فتعذر ذلك عليه، ثم سار وهو مغموم لما دار من الحريق في القصر، يريد الموصل.
ونفذت كتب الوزير ابن القاسم من المقتدر الى جميع من في الغرب من القواد كبني حمدان وابن طغج صاحب دمشق، والى تكين صاحب مصر، والى ولاه ديار ربيعه والجزيرة وآذربيجان وملوك أرمينية والثغور الجزرية والشامية يأمرهم، بأخذ الطرق على مؤنس ويلبق وولده وزعفران، ومن كان معهم ومحاربتهم والقبض عليهم.
وبلغ ذلك مؤنسا، فغمه الأمر، وكتمه عن جميع من كان معه وسار الى تكريت، وقد انصرف عنه اكثر من كان معه ثم ان مؤنسا فكر في امره والى اين يكون توجهه، فلم يجد في نفسه اوثق عنده ولا اشكر ليده من بنى حمدان فانه كان عند ذكره إياهم يقول: هم أولادي، وانا أظهرتهم وكانت له عند حسين بن حمدان وديعة، فاراد ان يجتاز به ويأخذها ويسير بها الى الرقة، وقد كان بلغه تجمع بنى حمدان وحشدهم لمحاربته، فلم يصدق ذلك، ثقه منه بهم، فرحل عن تكريت الى بنى حمدان، بعد ان شاور من حضره في الطرق التي يأخذ عليها، فأشارت عليه طائفه بقطع البريه والخروج الى هيت ثم المسير الى شط الفرات وقال يلبق وزعفران لمؤنس:
стр. 5955
الصواب مسيرك الى الموصل كيف تصرفت الحال لوجوه من المصالح، اما واحده فلعجزك عن ركوب البريه فتتعجل الرفاهية في الماء، واخرى لئلا يقال: جزع لما بلغه خبر بنى حمدان وتجمعهم، وثالثه انك ان بليت بقتالهم كانوا اسهل عليك من غيرهم، فوقع هذا الرأي من مؤنس بالموافقة، وسار يريد بنى حمدان فلم يلق لهم في طريقه رسولا، ولا سمع لهم خبرا الى ان وافى عليه بشرى النصراني كاتب ابى سليمان داود بن حمدان، فاستأذن عليه يوم السبت لليلة بقيت من المحرم، وخلا بمؤنس وادى اليه رساله صاحبه ورساله الحسين بن حمدان وابى العلاء وابى السرايا بأنهم على شكره ومعرفه حق يده، ولكنهم لا يدرون كيف الخلاص مما وقعوا فيه، فان أطاعوا سلطانهم كانوا قد كفروا نعمه مؤنس اليهم، وان أطاعوا مؤنسا وعصوا سلطانهم، نسبوا الى الخلعان، وسألوه ان يعدل عن بلدهم لئلا يلتقوا به ولا يمتحنوا بحربه فقال له مؤنس: قل لهم عنى: قد كنت ظننت بكم غير هذا، وما أخذت نحوكم الا لثقتي بكم، وطمعي في شكركم، فإذا خالفتم الظن فليس الى العدول عنكم سبيل، ونحن سائرون نحوكم بالغد، كائنا ما كان منكم وأرجو ان إحساني إليكم سيكون من انصارى عليكم، وخذلانكم لي غير صارف لفضل الله عنى وبات مؤنس بقصور مرج جهينة، وكان عسكر بنى حمدان بحصباء الموصل، وبات المحسن زعفران في الطلائع على المضيق الذى منه المدخل الى الموصل، وباكر مؤنس المسير في الماء على رسمه قبل ذلك.
وسار اهل العسكر على الظهر، ووقع ابو على المحسن زعفران في آخر الليل على مقدمه بنى حمدان التي كانوا أنفذوها نحو المضيق، فقتل منهم جماعه واسر نحو ثلاثين رجلا، وملك المضيق وامده يلبق برجال زياده على من كان معه وصبح الناس القتال يوم الأحد لثلاث خلون من صفر، وما كان جميع من يضمه عسكر مؤنس الا ثمانمائه وثلاثة واربعين فارسا، وستمائه وثلاثين راجلا بين اسود وابيض.
هكذا حكى الفرغاني عن احمد بن المحسن زعفران وكان شاهدا مع ابيه في عسكر مؤنس، وعنه ينقل اكثر الحكايات وكان بنو حمدان في عساكر عظيمه قد حشدوها من العرب والعجم وقبائل الاعراب وغيرهم، فتلاقى الفريقان على تعبئه، وأخذ مؤنس ويلبق وابنه ومن كان معهم من القواد في حربهم احزم ماخذ، وتوزعوا على مقدمه وميمنه وميسره وقلب، وجعلوا في كل مصاف منها ثقاتهم واكابر قوادهم ثم
стр. 5956
حملت مقدمتهم على مقدمه بنى حمدان، فضرب داود بن حمدان بنبله دخلت من كم درعه، فصرعته وحملت ميمنه يلبق على ميسره بنى حمدان فقلعتها وطحنتها وغرق اكثرهم في دجلة.
ثم حمل يلبق بنفسه ورجاله الذين كانوا في القلب على قلب عسكر بنى حمدان، فهزموا من كان فيه، واتصل القتل فيهم، واسر ابن لأبي السرايا ابن حمدان وغنم عسكرهم وتفرق جميعهم، ودخل مؤنس الموصل لاربع خلون من صفر واعطى اصحابه الصلات التي كان وعدهم بها مع الزيادة، وصار في عسكره خلق كثير من غلمان ابن حمدان ورجاله، وتوجه ابو العلاء بن حمدان وابو السرايا الى بغداد مستنجدين للسلطان، وانحاز الحسين بن عبد الله بن حمدان الى جبال معلثايا واجتمع اليه بها بعض غلمانه وغلمان اهله، فسار اليه يلبق فهزمه وفرق جمعه، وعبر الحسين الى الجانب الغربي هاربا مفلولا، وقلد يلبق ابنه نصيبين وما والاها، وانصرف هو الى موضع يلبق وقلدها يمنا الأعور، وقلد يأنسا جزيرة بنى عمر، وأبا عبيد الله بن خفيف الحديثه.
وبلغ اهل بغداد اخبار مؤنس وغلبته وفتوحاته، فاخذ كل من زال عنه في الرجوع اليه واتصل بمؤنس ان جيوشا اجتمعت للروم، وفيها بنو ابن نفيس وكانوا قد هربوا الى بلاد الروم عند خلع المقتدر أولا، وانهم قاصدون ملطيه للغارة على المسلمين، فكتب مؤنس الى بلد الروم يستدعى بنى ابن نفيس ويعده ويمنيه، ويسأله صرف الروم عن ملطيه، فاقبل بنى الى الموصل وصرف الجيش عن ملطيه، فسر به مؤنس سرورا شديدا، وخلع عليه، واكرمه وانس به، فكان يعاشره ويشاربه.
ووافاه أيضا بدر الخرشنى من ارزن في نحو ثلاثمائة رجل، فسر به مؤنس ويلبق ومن كان معهما، وقدم عليهم طريف السبكرى من حلب في نحو أربعمائة فارس، فسروا به أيضا، وتوالت الفتوحات على مؤنس ويلبق، فلما طال مقام مؤنس بالموصل، ودامت فتوحه وعظمت هيبته، ابتدأ رجال السلطان الذين كانوا بالحضرة بالهرب اليه، وتاكدت محبتهم له، فكان احد من جاءه بالدوا غلام ابن ابى الساج-
стр. 5957
وكان بطلا شجاعا- في نحو مائتي فارس، ولقى بالدوا في طريقه عسكرا للسلطان فكسره، وأخذ احمال مال كانت معهم يريدون بها بغداد فجاء بها بالدوا الى مؤنس ووهبها له ولرجاله، ثم استامنه الحسين بن عبد الله بن حمدان لما ضاقت به الارض، وانقطع رجاؤه من امداد السلطان، وامنه مؤنس، وقدم عليه، ففرح مؤنس بقدومه، وقال له: نحن في ضيافتك منذ سبعه اشهر على كره لك، فشكره الحسين ولم يزل يخدم واقفا بين يدي مؤنس في دراعه وعمامة بغير سيف مده مقام مؤنس بالموصل.
ذكر عزل الوزير الحسن بن القاسم وتقديم الفضل بن جعفر مكانه والتياث الاحوال ببغداد
ولما ظن الوزير ابو الجمال الحسين بن القاسم ان الأمر قد صفا له بخروج مؤنس من بغداد، وان قد تم له ما اراد، وقع فيما تكره، فكثر عليه الشغب، واشتدت مطالبه الجند له بالأموال، وخيب الله ظنه فيما اراد، ولازمه الحشم في دار الخليفة ملازمه قبيحه، وأهانوه وأهانوا الخليفة بسببه، فثقل على قلب المقتدر، ولم يزل يقاسى منه كل صعب وذلول، فامر بالقبض عليه في عقب ربيع الآخر، وولى الفضل بن جعفر ابن الفرات مكانه، وقد كان مشهورا عند الخاص والعام بالفضل والعلم والكتابه وترك الهزل واللهو، وكان هو وابو الخطاب من خيار آل الفرات فلما صارت اليه الوزارة اظهر الحب له والرغبة فيها، فعجب الناس من ذلك، وقال فيه بعض الشعراء:
اتطمع في الذى أعيا ابن مقله ... وقد أعيا على الوزراء قبله
وادبر امر من ولاك حتى ... لما نرجو مع الادبار مهله
كأنك بالحوادث قد توالت ... عليك وجاءك المكروه جمله
ولما خلع على الفضل بن جعفر سار في خلعه الى الدار التي بسوق العطش، فعطش في الطريق، واستسقى ماء، فشربه فأنكر ذلك عليه، إذ لم يكن في رسم من تقدمه
стр. 5958
وفي مستهل جمادى الاولى اجتمع اهل الثغور والجبال الى دار السلطان، واستنفروا الناس ببغداد، وذكروا ما ينالهم من الديلم والروم وان الخراج انما يؤخذ منهم ومن غيرهم ليصان به عامه الناس، ويدفع عدوهم عنهم، وانهم قد ضاعوا وضاعت ثغورهم، واستطال عليهم عدوهم ورققوا القلوب بهذا وأشباهه، فثار الناس معهم وساروا الى الجامع بمدينه المنصور وكسروا درابزين المقصورة واعواد المنبر، ومنعوا من الخطبه، ووثبوا بحمزه الخطيب، ورجموه حتى ادموه، وسلخوا وجهه، وجروا برجله، وقالوا له:
يا فاجر، تدعو لرجل لا ينظر في امور المسلمين، قد اشتعل بالغناء والزنا عن النظر في امور الحرمين والثغور يفرق مال الله في أعداء الله، ولا يخاف عقابا، ولا ينتظر معادا فلم يزالوا في هذه الحال الى وقت صلاه العصر، وفعلوا بعد ذلك مثل فعلهم الاول في أول جمادى الآخرة ونهضوا الى باب الوزير الفضل بن جعفر وراموا كسره، فرموا بالسهام اعلى الدار، وقتل منهم نفر، فركب احمد بن خاقان وتوسط امرهم، وضمن لهم ما يصلحهم.
وفي ثمان خلون من رجب نقب الحسين بن القاسم في دار الحاجبين نقبا اخرج منه غلمانه، واراد الخروج بنفسه ففطن به وقبض عليه، وحدر الى البصره
. ذكر مسير مؤنس الى بغداد وقتل المقتدر
ولما كثر عند مؤنس من استامن اليه من قواد العراق ورجال الخليفة وبلغه الاضطراب بها، وانس الى الوزير الفضل بن جعفر، لما كان عليه من ترك المطالبه للناس، ودارت بين مؤنس وبين الوزير مكاتبات، ورجا الوزير ان تصلح الاحوال بمجيء مؤنس ويتأيد به على قمع المفسدين، ويتمكن بحضوره من صلاح امور الخليفة التي قد اضطربت، فراسل مؤنسا في القدوم ورغبه في الصلاح، وجنح مؤنس الى ذلك ورغب فيه، ورجا ما لم يعنه المقدار عليه فخرج مؤنس من الموصل يوم الأحد لثلاث عشره ليله بقيت من شوال بعد ان ضم الى نفسه قواده ورجاله، وقلد من وثق به الموصل ونصيبين وبعربايا وسائر الاعمال في تلك الناحية، فلما
стр. 5959
انتهى مؤنس الى البردان، خرج اليه القواد وغيرهم مستأمنين اليه، مثل مفلح وبدر الحمال وابو على كاتب بشر الافشينى وابن هود وجماعه وبقي الغلمان الحجريه على الوزير وابن الخال في الشعيبي يطالبونهما بالمال والزيادة لما علموا به من اقبال مؤنس.
وكتب مؤنس الى المقتدر كتبا يقول فيها: لست بعاص لأمير المؤمنين ولا شققت عصاه، وانما تنحيت عنه لمطالبه أعدائي لي عنده، وقد جئت الى بابه برجاله، وليسن مذهبي الفتن ولا اراقه الدماء، وقد بلغنى ان مولاى يحمل على محاربتى، ولا حظ في ذلك للفريقين، بل فيه الشتات والفرقة وذهاب العدد وحدوث البلاء، وفناء الرجال، فيأمر مولاى للجند الذين معى بأرزاقهم فندفع اليهم، ثم يصيرون اليه وتطيب نفوسهم عليه.
فاصغى المقتدر الى قوله وسربه، وقيل انه اصطبح مفلح وابن الخال في دورهما سرورا بذلك ثم قال للمقتدر ابنا رائق وياقوت ومفلح وغيرهم، ممن كان يكره مؤنسا، ولا يريد رجوعه: هذا عجز منك، ونقص بك، ولعلها حيله عليك وخدعه لك، وحمل على اخراج مضاربه الى باب الشماسيه والعزم على قتاله، وقالوا له: لو قد رآك كل من مع مؤنس لانصرفوا عنه، وتركوه وحده، واخذوه في ذلك بالوعيد والترهيب، فاخرج المقتدر مضاربه الى الشماسيه يوم الثلاثاء لاربع بقين من شوال وخرج بنفسه يوم الأربعاء لثلاث بقين منه بعد ان توضأ للصلاة، وبرز الى دار العامه، فصلى بها، وكان كارها للخروج ومتثبطا فيه، وانما خرج مكرها حتى لقد حدثت بأنهم قالوا له: ان خرجت معنا الى حرب مؤنس والا تقربنا بك اليه.
وحدث ذكى عن المقتدر انه راى في الليلة التي خرج في صبيحتها الى مؤنس كان النبي ص كان يقول له: يا جعفر، اجعل إفطارك الليلة عندي، ففزع له وحدث به والدته، فجهدت به الا يخرج، وكشفت عن ثدييها، وبكت، فغلب القضاء ونزل البلاء.
قال: فحدثني احد خلفاء الحجاب ممن أثق به، قال: رايت المقتدر قبل خروجه الى مؤنس في دار العامه وابن رائق يستحثه ويقول له: عجل يا سيدي ليراك الناس، فقال له: الى اين اعجل يا وجه الشؤم! قال: وحدثنى ابن زعفران عن تكين الخادم ان المقتدر لما عمل على الخروج
стр. 5960
الى مؤنس لبس ثيابه، وجلس على مسوره وقال لامه: يا أمه استودعك الله هذا يوم الحسين بن على، ثم تمثل بقول على بن الرومي:
طامن حشاك فان دهرك موقع ... بك ما تحب من الأمور وتكره
وإذا حذرت من الأمور مقدرا ... فهربت منه فنحوه تتوجه
قال: وأخبرني جماعه من اهل بغداد ممن عاين المقتدر خارجا من داره وقد شق المدينة يريد رقه الشماسيه، فقالوا: كان عليه خفتان ديباج فضى تسترى، وعليه عمامة سوداء مصمت والبرده التي كانت للنبي ص على كتفيه وصدره وظهره، وهو متقلد بذى الفقار سيف رسول الله ص، وحمائله ادم احمر، وفي يده اليمنى الخاتم والقضيب، وتحته الفرس المعروف بالاقبال ويعرف بالقابوس، لان أبا قابوس اهداه اليه، وعلى الفرس سرج مغربى احمر، بحليه جديده، وتحت فخذه الأيسر سيف للركاب وبين يديه ابنه ابو احمد عبد الواحد عليه خفتان ديباج رومي منقوش، وعمامة بيضاء، وخلفه وزيره الفضل بن جعفر بن الفرات، وقدامه لواء ابيض ورايه سوداء يحملها ابن نصر اللابى، واللواء يحمله احمد بن خفيف السمرقندي، وعلمان أبيضان وعلمان اصفران، يحملها الانصار ومعهم رماح في رءوسها مصاحف، وسار المقتدر على حاله هذه حتى وافى الرقة بالشماسيه، وقد وقعت الحرب بين العسكرين، وكان الظهور أول النهار لعسكر المقتدر ثم عادت بعد ساعه لأصحاب مؤنس عليهم، فاسر ابو الوليد بن حمدان واحمد بن كيغلغ وكانا في ميمنه المقتدر في جماعه من قواد بغداد، فثبتا بأنفسهما لما خان المقتدر من كان حوله، حتى أخذا اسيرين، وكانا في القلب من عسكر مؤنس بدر الخرشنى وعلى بن يلبق ويمن الأعور وبازائهم المقتدر وعبد الواحد ابنه ومفلح الأسود، وشفيع المقتدرى، وابنا رائق، وهارون بن غريب الخال ومحمد بن ياقوت والحجريه، وكان في ميمنه مؤنس يلبق ويانس المونسي وغلمان يلبق ومن استامن اليهم من عسكر بغداد.
فلما اشتدت الحرب انكشف ابن يلبق قليلا، فراسله أبوه بالتوقف والانحياز اليه، وارسل الى ميمنته بان يحملوا، فحملوا وأخذوا على شط دجلة ليخرجوا في ظهر عسكر المقتدر، فتشوش العسكر، وحمل يلبق وابنه ومن كان معهما حمله
стр. 5961
واحده، فانهزم جميع من كان مع المقتدر حتى لم يبق الا هو وحده، ولم يقتل بين يديه من غلمانه واوليائه احد الا رجل من خلفاء الحجاب، يقال له رشيق الهروي وقد كان المقتدر لما راى الحرب قد وقعت بين على بن يلبق وبين ابن الخال وابن ياقوت اراد العدول الى المضرب، او الى الحراقة فلقيه سعيد بن حمدان، فقال له:
يا امير المؤمنين، قد وقعت العين على العين، فان رآك من حولك قد زلت انهزموا وانفلوا فرجع الى المصاف وذلك وقت صلاه الظهر ولم يكن في موكبه احد من اهله الا هارون بن عبد العزيز بن المعتمد على الله وعبد العزيز بن على بن المنتصر بالله وابراهيم بن قصى بن المؤيد بالله وابراهيم بن عيسى بن موسى بن المتوكل على الله.
وكان أول من انهزم من اصحابه الحجريه ثم سائر الناس، وحمل عبد الواحد بن المقتدر في جماعه من الرجاله عده حملات، فاسر من رجال مؤنس يلبق النعماني الصفعان، وكان فارسا جيدا، فأرادوا قتله فنهاهم المقتدر عنه، ولم يزل ابن ياقوت في ذلك اليوم ثابتا بعد ان انهزم ابن الخال، وابلى بلاء حسنا فلما لم يجد ابن ياقوت مساعدا انهزم وانهزم عبد الواحد بن المقتدر، وبقي المقتدر وحده وحوله جماعه من العامه وهو يحض الناس على القتال، ويسألهم الثبات معه، ويتوسل اليهم بالله وبنبيه وببردته، ويمسح المصحف على وجهه الى ان اقبل موكب على بن يلبق- وكان قد اصابته جراح في الحرب فلم يهن لها- واقبل معه فارس تحته فرس ادهم، وعليه درع على راسه زرديه، فضرب المقتدر ضربه بالسيف في عاتقه الأيمن، فقطعت الضربه طاقا من حمائل السيف، وأثخنته الضربه، وكان السيف بيد المقتدر مجردا وقد كان نافع صاحب ركاب مؤنس ضرب بيده الى عنان دابه المقتدر ليسير به الى مؤنس، فلما ضربه الفارس خلى نافع عنانه، ومضى الفارس بعد ان ضربه ولم يقف عليه، ووافى بعد هذا الفارس ثلاثة فوارس، يقال لأحدهم: بهلول، وللثاني: سيمجور ورفيق لهما لم احفظ اسمه، فوقفوا بالمقتدر يخاطبونه ويسمعون منه، فاخذ احدهم السيف من يده وانتزع الآخر البرده والخفتان منه، وطالب الثالث بخاتمه فدفعه اليه، وكان الخاتم ياقوتا احمر مربعا، فضربه احد الثلاثة بالسيف على جبينه فألمه
стр. 5962
فاخرج المقتدر كم قميصه ليمسح الدم عن وجهه، فضربه الآخر ضربه ثالثه، فتلقاها المقتدر بيده اليسرى، فقطعت ابهامه وانقلبت ابهامه وانقلبت الابهام الى ذراعه، وسقط الى الارض، واجتمعت عليه جماعه رجاله فاحتزوا راسه، وحمل الى مؤنس وذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شوال سنه عشرين وثلاثمائة، وكان الذى حمله سراج البكتمرى.
فلما نظر اليه مؤنس اشتد جزعه، وغمه وناله عليه امر عظيم.
وقيل: ان الذى قتل المقتدر نقيط غلام مؤنس، وان جثته بقيت مجرده، فطرح بعض المطوعة على سوءته خرقه ثم أخذها رجل من العجم، والقى عليها حشيشا، الى ان حملت الجثة الى مؤنس، فاضاف إليها الراس وسلمه الى ابن ابى الشوارب القاضى ليتولى امره، فقيل انه دفن مع ابيه، وقيل انه دفن في رقه الشماسيه، وقيل أيضا انه طرح في دجلة، ولم تزل الرعية يصلون في مصرعه ويدعون على قاتله وبنى في الموضع مسجد وحظيرة كبيره، وكان عمر المقتدر يوم قتل ثمانية وثلاثين سنه وشهر وسته ايام وكانت ولايته الخلافه أربعا وعشرين سنه واحد عشر شهرا.
وولد أبا العباس الراضي محمدا والعباس أبا احمد، وهارون أبا عبد الله، وعبد الواحد أبا على وابراهيم أبا إسحاق المتقى، والفضل أبا القاسم المطيع، وعليا أبا الحسن، وإسحاق أبا يعقوب وعبد الملك أبا محمد وعبد الصمد ولم يذكر الفرغاني جميعهم وانما ذكر سته منهم.
وبقي مؤنس في مضاربه بباب الشماسيه، ولم يدخل بغداد حتى اقام القاهر للخلافة.
واستامن اليه القواد المنهزمون عن المقتدر، فامنهم وانقطع الطلب عن جميعهم وسكن الناس، وهدنهم واظهر الأسف، لما دار في امر المقتدر وجمع القواد للمشورة في الخليفة بعده، ودار الرأي بينهم في ذلك.
وامر مؤنس باحضار بلال بواب دار ابن طاهر التي كان فيها اولاد الخلفاء، وساله عمن فيها من اولاد الخلفاء، فذكر جماعه فيهم محمد القاهر، فمال هواهم اليه- وكان مؤنس قد كرهه ونهاهم عنه- فقالوا: هو كهل، ولا أم له، ونرجو ان تستقيم أمورنا معه، فاطاعهم فيه، وأجابهم اليه واحضروه على ما سيقع بعد هذا ذكره.
قال: وحدثنى ابو الفهم ذكى ان رشيقا الأيسر وكان الذى اقبل بالقاهر
стр. 5963
من دار ابن طاهر لولاية الخلافه، وكان مقدما على الحرم، حكى له بان رأيهم اجتمع بعد مفاوضه طويله على القاهر وعلى ابى احمد بن المكتفي.
قال ذكى: ووجهونى فيهما ليتكلم مؤنس مع كل واحد منهما خاليا، فمن ظهر لهم تقديمه منهما قدم، فتوجه ذكى فيهما، فلما صار بهما في بعض الطريق قال القاهر لأبي احمد بن المكتفي: لست اشك في انا انما دعينا لتعرض على كل واحد منا الخلافه، فعرفني بما عندك، فان كنت راغبا فيها أبيت انا منها، إذا دعيت إليها ثم كنت أول من يبايعك، فقال له ابو احمد: ما كنت بالذي اتقدمك، وأنت عمى وكبيرى وشيخي، بل انا أول من يبايعك.
فلما تحقق عند القاهر مذهبه بنى امره عليه، ثم لما صار الى مؤنس وحاشيته بدءوا بمخاطبه ابى احمد لفضل كان فيه، وعرضوا الأمر عليه فأبى من تقلده، ولم تكن رغبتهم فيه ثابته إذ كانت له والده، وقد علموا ما كانت تحدثه والده المقتدر في الخلافه.
فعقدوا الأمر للقاهر بالله.
قال: وذكر لي ابن زعفران انه حضر ذلك، وان القاهر اجلس في خيمه بإزاء خيمه مؤنس، ولم تزل المراسلات بينهما الشروط متخذه على القاهر الى ان أجاب الى جميعها الا النفقة التي كلفوه للجند على البيعه فانه ذكر الا مال له فعذروه.
قال: ولم يكن عليه يوم احضر للبيعه الا قميصان ورداء، فطلب ما يلبس من الثياب التي تشاركه للجلوس للعامه، وسيف ومنطقه، فلم يوجد ما يصلح لذلك، فنزع جعفر بن ورقاء ثيابه التي كان يلبسها، ولبسها القاهر، وهي عطاف وعمامة ومنطقه وسيف بحمائل، ثم قعد في الخيمة وسلموا عليه بالخلافة، وبويع له على ما سيأتي ذكره.
стр. 5964
ذكر البيعه لمحمد القاهر بالله
وهو محمد بن احمد المعتضد بن طلحه الموفق بن جعفر المتوكل، وكنيه محمد القاهر ابو منصور، وكانت أمه تسمى بقبول، وبويع بالخلافة يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنه عشرين وثلاثمائة، وهو ابن خمس وثلاثين سنه، وذلك انه لما احضر من دار عبد الله بن طاهر التي كان فيها مع اولاد الخلفاء، ودار بينه وبين مؤنس المظفر ما تقدم ذكره من الشروط، وتم الأمر بينهم، انحدروا به الى دار الخلافه، في اليوم المؤرخ، فلما دخلها دعا بحصير فصلى اربع ركعات، وجلس على سرير الملك.
ولقب القاهر بالله.
وحضر عبيد الله بن محمد الكلواذى فاستخلفه على الوزارة لمحمد بن على بن مقله إذ كان غائبا بفارس وامر بان تكتب الكتب الى العمال باسم ابن مقله، وولى الحجابه على بن يلبق، ولم يمكنه الحضور لجراح كانت به، فخلف على الحجابه بدر الخرشنى، وقلد احمد بن خاقان شرطه الجانبين.
ولما كان يوم الاثنين لليلتين خلتا من ذي القعده، بعث القاهر في اولاد المتوكل على الله وغيرهم من أبناء الخلفاء وأبناء ابنائهم، فاوصلهم اليه واستدناهم، وامرهم بالجلوس، وأخذ عليهم الكلواذى البيعه، وخاطبه هارون بن عبد العزيز بن المعتمد بعد ان صافحه وهناه ودعا له، فقال: قد نالت يا امير المؤمنين اهلك جفوه اضرت بهم واثرت في أحوالهم، وليس يسألون اقطاعا ورد ضيعه، وأحوالهم تصلح بادرار أرزاقهم، فقال: انا آمر بادرارها، ولا اقنع لكم بها، وقد كان يتصل بي من امركم ما يغمنى، فشكرته العامه على هذا القول، وتكلم منهم ابو عبد الله محمد بن المنتصر ودعوا له جميعا.
ثم ان القاهر اظهر في أول قعوده في الخلافه من الجد وبعد الهمه والاختصار والقناعه ما هابه به الناس، واراد قطع ثوب يلبسه، فحمل اليه من داره، فقيل له:
لو اخذلك ثوب من خزانه الكسوة، فقال: لا تمسوا لهم شيئا، وعرضت عليه صنوف
стр. 5965
الألوان والحلواء والفواكه التي كانت توضع بين أيدي الخلفاء في كل يوم فاستكثرها، وقال في الفاكهة: بكم تبتاع هذه كل يوم؟ فقيل له: بثلاثين دينارا، فقال: نقتصر من ذلك على دينار واحد ومن الطعام على اثنى عشر لونا، وكان يصلح لغيره كل يوم ثلاثون لونا من حلواء، فاقتصر على الكافى له.
وفي يوم الخميس لخمس خلون من ذي القعده حمل ابو العباس وابو عبد الله ابنا المقتدر مع أمهما الى دار عبد الله بن طاهر بعد عتمه.
وفيه طولبت أم المقتدر بالأموال وضربت وعلقت، قال الفرغاني: حدثنى ابو الحسين ابن العجمي قال حدثتنا ذلفاء المنجمه التي كانت مع المقتدر، قالت: لما اراد المقتدر الخروج لمحاربه مؤنس قال لامه: قد ترين ما وقعت فيه وليس معى دينار ولا درهم، ولا بد من مال يكون معى، فاعينينى بما معك، فقالت له: قد أخذت منى يوم سار القرمطى الى بغداد ثلاثة آلاف الف دينار، وما بقيت لي بعدها ذخيره الا ما ترى، واحضرته خمسين الف دينار، فقال المقتدر: واى شيء تغنى عنى هذه الدنانير؟
واى مقام تقوم لي في عظيم ما استقبله؟ ثم قال لها: اما انا فخارج كيف كنت وعلى ما استطعت، ولعلى اقتل فاستريح، ولكن الشان فيمن يبقى بعدي، ويقبض عليها ويعذب ويعلق في هذه الشجرة دراجيه فقالت ذلفاء: وكانت في بعض دور الخلافه شجره فو الله لقد قبض على أم المقتدر وعلقت في تلك الشجرة بعينها وفيه ضرب شفيع وطولب بمال، وصير بيع املاكه الى بشرى الخادم، فضاع اكثر ذلك، وقبض أيضا على اسباب خاله المقتدر، وقبض على شفيع المقتدرى، وسلم المطبخ والبساتين الى رشيق الأيسر الحرمي، وسلم البريد والاصطبل الى على بن يلبق، وصرف احمد بن خاقان عن الشرطه في الجانبين وقلدها يمن الأعور وقبض الأعور، وقبض على يانس الخادم، ولم تزل الأمور مضطربه بقله المال ومطالبه الجند بالارزاق ومطالبتهم بمال البيعه حتى انهم شغبوا واجتمعوا الى باب الخليفة، ودخلوا الى الدهليز الشعيبي من باب العامه وفتح السجن وحورب الموكلون عليه، وأيدتهم العامه على ذلك، فخرج يمن الأعور وأخذ رجلا من العامه وضربه بالسياط وصلبه، فتفرق العوام، وزاد امر الجند شغبا وجدا فأرسل القاهر اليهم: ليس
стр. 5966
عندي مال، والمال عند يلبق، واوصى القاهر الى مؤنس اما ان يرضى يلبق الرجال ويكفهم عنى والا اعتزلت، فليس على هذا الشرط تقلدت.
وقدم ابن مقله بغداد لتسع خلون من ذي الحجه وخلع عليه وقعد ودفع الى الجيش الذى بالحضرة عن البيعه لكل واحد منهم رزقا واحدا، وللجند اصحاب مؤنس ثلاثة ارزاق لكل واحد ثم ان ابن مقله بسط يده على الناس فاخذ أموالهم، وقبض على عيسى الطبيب، فاخذ املاكه، ثم بدا في بيع املاك السلطان وأخذ المال من حيث لاح له، وابتدأ بإنشاء داره، وادخل فيها من بستان الزاهر نحو عشرين جريبا، ونقض دور بنى المقتدر، واستولى ابن يلبق وحاشيه مؤنس على القاهر، حتى صار لا يجوز له امر ولا نهى الا على اهل بيته، واولاد المقتدر المحبوسين عنده.
قال: وكان القاهر مستهترا بالشراب لا يكاد يفيق منه، فإذا شرب اقبل الى اولاد المقتدر والى الراضي واخوته، وكان قد اخذهم وضمهم الى دار تعرف بالفاخر، واحضر أبا احمد بن المكتفي واعتقله معهم، فكان القاهر يدخل عليهم بالليل ويتخلق لأولاد المقتدر ولأبي احمد بن المكتفي، ويسقيهم بيده، وكان يقول للراضى:
أنت المرشح للامر، والمسمى له، ثم يومى اليه بحربه كانت في يده، وبما قفع أصابعه بقضيب كان معه، والراضي في كل ذلك لا يخضع له ولا يقبل يده، والمقادير تدفعه عنه، واقام على بن يلبق وهو الحاجب يفتش جميع ما يدخل الدار على القاهر ويضيق عليه، والقاهر في ذلك يزداد غضبا وكمدا ثم ان الراضي دس الى يلبق وابنه واهدى إليهما جوهرا وعرفهما انه واخوته خائفون على انفسهم من القاهر، وسألهما تخليص هؤلاء المحبوسين من يده فاجمع راى يلبق وابنه على تخليصهم، وقعد يلبق في بعض العشايا في بعض مجالس الدار واخرجهم على غيبه، واخرج الجده معهم، وكان القاهر قد سامها سوء العذاب، وطالبها بالأموال، فوجه بهم الى داره، وافرد لهم موضعا في دار حرمه، وماتت الجده بها، فكفنها في احسن كفن، ودفنها بشارع الرصافه.
وفيها صرف ابو عثمان احمد بن ابراهيم بن حماد عن القضاء بمصر.
وقلد القضاء بها عبد الله بن احمد بن زيد.
وفي ذي القعده من هذه السنه ورد الخبر بمصر بقتل المقتدر، فاضطربت الاحوال
стр. 5967
بها، وشغب الجند، ووكل التجار وطولبوا بالأموال، وشغب الجند على تكين وطالبوه بمال البيعه، فجمع التجار بمصر واستسلف منهم الأموال بسبب البيعه على ان يطالب بدم المقتدر.
وحج بالناس في هذه السنه ابو حفص عمر بن حسن الهاشمى.
وهذا ما انتهى إلينا من هذا التاريخ والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله الطاهرين الطيبين وسلم تسليما.
فرغ من نسخه الفقير المشكر المعترف بذنبه يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور ابن المعمر بن عبد السلام الزريرانى في شهر ربيع الآخر من سنه سبع وعشرين وستمائه.
стр. 5968
[تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذاني]
[مقدمة]
(بسم الله الرحمن الرحيم) وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم اما بعد الحمد الله الذى وفقنا لهدايته، ووهب لنا التمسك بشريعته، والصلاة على نبيه محمد، الذى اختاره لرسالته، وفضله بنبوءته، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته.
والدعاء لمن الدنيا مهناه بمصادفه سلطانه، والفضائل مستفيده من تيامن إحسانه، والدهر مفتخر بحصول عنانه في يديه، ومثوله في جمله العبيد لديه، سيدنا ومولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين، لا زال سلطانه باذخ المكان، راسخ الأركان وايامه رفيعه العماد، منيعه البلاد ليؤرخ من مناقبها ما لا تتعلق النجوم باذياله، وتقصر عين الزمان عن شماله.
فان علم التاريخ، رغب في الاطلاع عليه ساده الأمم والقبائل، واهل المحامد والفضائل، الأئمة من ولد العباس رضوان الله عليهم، وهم الأسرة الطاهره، والدوحه الزاهره، هداه الاعلام، وشموس الاسلام، وكانوا اكثر الخلق روايه لمن تقدمهم، وآثار من كان قبلهم، فما كان في ذلك من استقامة في الاحوال كان بالنعم مذكرا، وما شاهدوا فيه من الاختلال كان منبها ومنذرا.
وقد روى ان رجلا سال سعيد بن المسيب ﵀ عليه، فقال: رايت النبي ﷺ في منامي، فقال له: يا هذا ان الله بعث نبيه ﷺ بشيرا ونذيرا، فمن كان على خير بشره وامره بالزيادة، ومن كان على شر حذره وامره بالتوبة.
والاطلاع في اخبار الناس، مرآه الناظر، تصدق عن المحاسن والمقابح، ويهذب ذوى البصائر والقرائح وبها يذكر الله تعالى من عباده ما يراه أهلا لذكره، ومستوجبا لكريم ثوابه واجره
стр. 5969
هذا المنصور رضى الله عنه، وهو بازل الأئمة، وكافل الامه، قال لأصحابه:
الملوك اربعه: معاويه وكفاه زياده، وعبد الملك وكفاه حجاجه، وهشام وكفاه مواليه، وانا ولا كافى لي، واجماله لذلك استنهاض منه لهم على معرفه اخبارهم، حين انكر عليه الاسراف في ثمن عمامته، فقال له: أنت ابتعت جاريه باضعاف ذلك، لأخس اطرافك، فما تنكر من ابتياعى هذه لأكرم أطرافي! واخبر عن عمر بن عبد العزيز ﵀، قال: لو كنت في قتله الحسين بن على ﵉، ثم امرت بدخول الجنه لم افعل حياء ان تقع عيني في عين محمد ﷺ .
وهذا الهادي رضوان الله، اخبر عن السندي بن شاهك، قال: كنت معه بجرجان فسمع بين بساتينها صوت رجل يتغنى، فامر باحضاره، فقلت له: ما اشبه قصه هذا الجائى بقصة صاحب سليمان بن عبد الملك، فقال: وما ذاك؟ فقلت:
خرج سليمان في منزه له مع حرمه، فسمع صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته، وقال: على بصاحب الصوت، فاتى به، فقال له: ما حملك على الغناء وأنت على القرب منى، وبجانب حرمي؟ اما علمت ان الفرس يصهل فتستأتى له الرماك.
وان الحمار ليعشر فتودق له الأتن، وان التيس ليهب فتزعج له الغنم، وان
стр. 5970
الرجل ليغنى فتغتلم المرأة يا غلام جبه، فجبه فلما كان في العام المقبل رجع سليمان الى ذلك المنزل، فذكر الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شرطته: على بالرجل الذى جببته ان كان حيا فأتاه به، فقال له: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك! فما دعاه الرجل الا باسمه، وقال: يا سليمان، قطعت نسلى، وذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما بعت واما وهبت! لا والله حتى أقف بين يدي الله ! فقال الهادي لصاحب الشرطه: لا تعرض للرجل.
وكان الرشيد رضوان الله عليه في بعض أسفاره، وقد نزل الثلج فاذاه، فقال له بعض اصحابه: الى متى سهرك يا امير المؤمنين؟ فقال: اسكت، للرعية المنام، وعلينا القيام، ولا بد للراعي من حراسه الاغنام.
وقد روى قطن بن وهب، عن ابيه، ان عمر بن الخطاب امير المؤمنين رضى الله عنه اجتاز في بعض أسفاره على صاحب غنم، فقال: يا ذا الرجل، ان كل راع مسئول عن رعيته، وانى رايت في المكان الفلاني عشبا امثل من موضعك ثم اثنى على عمر رضى الله عنه، وذكر سيرته، يقول الشاعر فيه:
غضبت لغضبتك القواطع والقنا ... لما نهضت لنصره الاسلام
ناموا الى كنف لعدلك واسع ... وسهرت تحرس غفله النوام
ولو تتبعت امثال هذا لأطلت، ولم أر اجمع لهذا العلم من كتاب محمد بن جرير الطبرى، فرايت ان اضيف اليه مجموعا عولت فيه على ما نقلته من تصانيف المؤرخين وتاليف المحققين كالصولى والتنوخي والخطيب ابى بكر احمد بن ثابت
стр. 5971
المحدث وابى إسحاق الصابى، واولاده وابن سنان وغير هؤلاء، واضفت الى ذلك ما حفظته من شعر الشعراء وحكايات العلماء تشهد بالحال، واختصرته بجهدى، ولخصته بحسب طاقتي، واقتصرت فيه على الأمور المشهوره، والاحوال السائره المأثورة.
وختمته ببيعه سيدنا ومولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين، الذى قضى حق الله في بريته، وارتسم امره في رعيته فمن نظر في فضائله، داوى فكره العليل، وشحذ طبعه الكليل، وما من احد اوتى ذخيره تحصيل، وبصيره راى اصيل، يبدع في تدوين مناقبه، ولا يغرب في اثبات فضائله، ومن قصر في جمعها، فله في انعام المتأمل لذلك مجال يحرسه عن الم التقريع وثقته تفصح الناظر، وتغنى عن التبذل والمعاذير.
فالرغبه الى الله تعالى في ان يمد ظلال ايامه التي بها اعتدل المائل، وارتدع الجاهل، وامن السابل، وقصر المتطاول، وان يجعل له من سيدنا ومولانا عمده الدين عضدا ينوء بقوتها، ويدا تسطو ببسطتها، وان يبلغه منه قاصيه الايثار وينيله منه غاية الاختيار وتبديد اعدائه تحت الذلة والصغار، والخيبة والخسار، لا يعتصمون بعصمه الا أباح الله حوزتها، ولا يعتضدون بفرقه الا شتت الله كلمتها.
ومن نظر في عزمات سيدنا ومولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين رضوان الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وابنائه الاكرمين، علم انها تأتي بما لم تقرع الاسماع من قبلها، ولا عثر في السير بمثلها، وتحقق انها ابعد مجدا، وان كانت اقرب عهدا، وارفع عمادا، وان كانت احدث ميلادا، فحفظ الله على الدنيا سياسته، وعلى أهلها حسن رأفته، حتى تضع له الدنيا خدودها ضارعه وتستجيب لأمره سامعه طائعة، انه ولى ذلك والقادر عليه، بمنه ولطفه.
ولما ختم ابن جرير تاريخه سنه اثنتين وثلاثمائة، وهي السنه السابعه من خلافه المقتدر بالله رضى الله عنه، واشار الى الأمور اشاره خفيه، رايت ان ابتدى بخلافته ووقت بيعته، وبالله التوفيق.
стр. 5972
خلافه المقتدر بالله
مده خلافه المقتدر بالله ابى الفضل جعفر بن المعتضد بالله اربع وعشرون سنه وشهران وعشره ايام، ومولده لثمان بقين من شهر رمضان سنه اثنتين وثمانين ومائتين، ولم يل الخلافه اصغر سنا منه.
وليها وسنه ثلاث عشره سنه وشهر واحد وعشرون يوما بايع له لما مات المكتفي بالله ابو احمد العباس بن الحسن، وكان قد مال الى تقرير الأمر لعبد الله بن المعتز بمشوره ابى عبد الله محمد بن داود بن الجراح فثنى رايه عن ذلك ابن الفرات وقال: ان ابن المعتز يخبر نعم اصحاب السلطان، ويعرف اسرارهم وذخائرهم، وقد خالط الناس وفهم أمورهم، فعينه ممتدة الى ما في ايديهم، وان كان جعفر بن محمد المعتضد بالله صغيرا، فأنت تدبره، فقرر ذلك في نفسه.
ولما مات المكتفي بالله، انفذ الوزير العباس بن الحسن، بصافى الحرمي الى دار ابن طاهر، والمقتدر بالله بها، فاحدره الى دار الخلافه واجتازت الحراقة على دار الوزير فامر الوزير غلمانه فنادوا الملاحين بالدخول ليغير زيه، فظن صافى ان ذلك لتغير راى فيه، فجرد سيفه على الملاح، وامره الا يعرج على مكان غير دار الخلافه.
وبويع حينئذ على صلاه الاستخارة، واطال الدعاء، وكان العباس بن الحسن قد عول على ان ينصب في الخلافه أبا عبد الله بن المعتمد على الله، او أبا الخير ابن المتوكل على الله، فماتا مختلسين.
стр. 5973
سنه ست وتسعين ومائتين
قد ذكرت ميل ابى عبد الله محمد بن داود بن الجراح صاحب الديوان الى ابن المعتز فلما لم يجد عند الوزير ما يريده، عدل الى الحسين بن حمدان، فاشار عليه بالمعاضده على فسخ امر المقتدر بالله وتمهيد حال ابن المعتز، وبادر الحسين بن حمدان الى الوزير العباس بن الحسن وقد ركب من داره بدرب عمار عند الثريا، الى بستانه المعروف ببستان الورد، عند مقسم الماء، فاعترضه بالسيف فقتله، وقتل معه فاتكا المعتضدي وكان المقتدر بالله قد ركب لمشاهده اجراء الخيل، فسمع الضجة، فبادر الى الدار وكان الحسين قد قصد للفتك به، واغلقت الأبواب دونه، فانصرف الى المخرم، وجلس في دار سليمان بن وهب، وعبر اليه ابن المعتز، وكان نزل بدار على الصراة، وحضر ارباب الدولة من الكتاب والقواد والقضاه فبايعوه ولقبوه المرتضى بالله.
واستخفى ابن الفرات واستوزر ابن المعتز ابن الجراح ومضى ابن حمدان الى دار الخلافه، فقابله الخدم والغلمان على سورها ودفعوه.
وكان مع المقتدر بالله غريب الخال، ومؤنس الخادم، الذى لقبه بالمظفر ومؤنس الخازن.
ولما جن الليل مضى ابن حمدان باهله وماله واصعد الى الموصل واصعد
стр. 5974
غريب الخال ومؤنس المظفر في الزبازب الى المخرم فهرب الناس من عند ابن المعتز، وخرج وحده، واستجار بابن الجصاص.
واستتر على بن عيسى وابن الجراح عند بقلى، فأخرجهما العامه وسبوهما وسلموهما الى خادم اجتاز بهم فحملهما على بغل وقتل مؤنس المظفر جميع من بايع ابن المعتز غير على بن عيسى وابن عبدون والقاضى محمد بن خلف بن وكيع.
وانفذ المقتدر بالله مؤنسا الخازن لطلب ابن الفرات، وكان قد استتر عند جيرانه، فكتموه امره، فحلف لهم ان السلطان يريد ان يستوزره، فاظهروه وحمله الى الخليفة، فولاه وزارته.
ونم خادم لابن الجصاص بخبر ابن المعتز الى صافى الحرمي، فكبس عليه واخذه وأخذ ابن الجصاص معه، فصودر على اموال جمه وسال ابن الفرات فيه.
واستنقذ ابن الفرات على بن عيسى ومحمد بن وكيع القاضى، وابن عبدون، ونفى ابن عبدون الى الاهواز، ونفى على بن عيسى الى واسط، فلما حصلا بالموضعين قرر سوسن مع المقتدر بالله احضار ابن عبدون وتوليته الوزارة.
فلما حصل بواسط، بلغ ذلك ابن الفرات، فاغرى المقتدر سوسن حتى قتله وانفذ الى ابن عبدون من صادره واعتقله وكتب على بن عيسى الى ابن الفرات يسأله ابعاده الى مكة لتزول عنه التهم ففعل، وسار إليها على طريق البصره.
وظهر موت ابن المعتز فسلم الى اهله ميتا.
وكان ابن الجراح مستترا، وعزم ابن الفرات على التوصل الى الصفح عنه، وأتاه رجل برقعته، فأمره بالاستتار حتى يدبر طريق العفو عن جرمه العظيم، واعلمه ان صافيا الحرمي يعاديه فلم يصبر ابن الجراح، فتتبعت امراه نصرانية كانت تحمل رقاعه، فاخذ وحمل الى مؤنس فقتله.
واتى ابن الفرات رجل، فاخبره انه يعرف مكانه، فقال ان كان هذا صحيحا، فلك الف دينار، والا عوقبت لكذبك الف سوط، فرضى وامر ابن الفرات حاجبا
стр. 5975
له بمراسلته ليبعد عن المكان الذى هو فيه مستتر فلما علم انه قد تركه، ومضى الى غيره انفذ بالساعى به مع صاحب الشرطه، فلم يجدوه فامر ابن الفرات بضرب الساعى مائتي سوط واشهاره والنداء على نفسه: هذا جزاء من يسعى بالباطل، ثم امر له بمائتي دينار ونفاه الى البصره سرا وقال: لو لم افعل هذا به، سعى بي الى الخليفة بأنني توانيت في امره.
واما ابو عمر القاضى فسال فيه أبوه يوسف بن يعقوب القاضى، فاحترم لكبر سنه، وادى عنه مائه الف دينار على ان يلازم منزله.
وانفذ الخليفة بالقاسم بن سيماء وابى الهيجاء بن حمدان، لمحاربه أخيه الحسين ابن حمدان، فهزمهما، ودبر ابن الفرات حتى كتب له أمانا وولاه قم.
وفي هذه السنه، قلد يوسف بن ابى الساج اعمال آذربيجان وأرمينية، على ان يحمل بعد إعطاء الجند والنفقات مائه وعشرين الف دينار في السنه.
وقدم بارس غلام اسماعيل بن احمد صاحب خراسان في اربعه آلاف تركي مفارقا لصاحبه، فقلد ديار ربيعه.
وكان للوزير العباس بن الحسن ابن كنيته ابو جعفر، واسمه محمد، فمضى بعد قتل ابيه الى بخارى واقام عند الملوك السامانيه، ومن شعره:
لئن اصبحت منبوذا ... باطراف خراسان
ومجفوا نبت عن لذة ... التغميض اجفانى
ومحمولا على الصعبه ... من اعراض سلطان
ومخصوصا بحرمان ... من الأعيان اعيانى
ومكلوما باظفار ... ومكدوما باسنان
وملقى بين اخفاف ... وأظلاف توطآنى
وما ذنبي الى من هو ... عنى عطفه ثانى
стр. 5976
سوى انى ارى في الفضل ... فردا ليس لي ثانى
كان المجد إذ كشف ... عنى كان غطانى
ساسترفد صبري انه ... من خير أعواني
واستنجد عزمي انه ... والحزم سيان
وأنضو الهم من قلبي ... وان أنضيت جثماني
وانجو بنجاتى ان ... قضاء الله نجاني
الى ارضى التي ارضى ... وترضيني وترضانى
فان سلمني الله ... وبالصنع تولاني
واوطانى اوطانى ... وأعطاني أعطاني
واخلى ذرعي الدهر ... وخلاني وخلاني
فانى لا أجد العود ... ما عاد الجديدان
الى الغربه حتى تغرب ... الشمس بشروان
فان عدت لها يوما ... فسجانى سجاني
وللموت الوحى الأحمر ... القانى القانى
وقال بعض الشعراء في العباس بن الحسين، وقد ساء خلقه بعلو سنه:
يا أبا احمد لا تحسن ... بأيامك ظنا
فاحذر الدهر فكم اهلك ... املاكا فافنى
كم رأينا من وزير ... صار في الأجداث رهنا
اين من كنت تراهم ... درجوا قرنا فقرنا
فتجنب مركب الكبر ... وقل للناس حسنا
ربما امسى بعزل ... من باصباح يهنى
وقبيح بمطاع الأمر ... الا يتأنى
اترك الناس وأيامك ... فيهم تتمنى
قال جحظه: اضقت مره اضاقه شديده، فجلست مع ملاح، ومعى طنبورى، وانحدرت حتى دار الوزارة بالمخرم، والوزير إذ ذاك العباس بن الحسن، والسماء
стр. 5977
متغيمه، والستائر منصوبه، والماء زائد على نيف وعشرين ذراعا، فأمرت الملاح، فشد السميريه في الروشن، وغنيته:
عللانى بجامه وبطاس ... قهوة من ذخائر الشماس
سقيانى فقد صرفت صروف الدهر ... عنى بدولة العباس
ملك ينثر الثمين من الدر ... بألفاظه على القرطاس
فامر بي، فاصعدت، وامر لي بألفي دينار.
стр. 5978
سنه سبع وتسعين ومائتين
فيها انفذ السبكرى مقلد فارس، مع كاتبه الفضل عبد الرحمن بن جعفر الشيرازى طاهرا ويعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار وكان قد أسرهما، ثم عزم السبكرى على الخلاف، فانفذ اليه ابن الفرات مؤنسا فصالحه على عشره آلاف الف درهم، فلم يرض بذلك ابن الفرات، وانفذ اليه جيشا، ومعه محمد بن جعفر العبرتائي، فواقعوا السبكرى على باب شيراز، فهزموه الى سجستان، فاسره احمد بن اسماعيل، واسر معه بعض بنى عمرو بن الليث، وأنفذهما الى بغداد.
وتوفى العبرتائي بفارس، فقلد مكانه عبد الله بن ابراهيم المسمعي.
وفيها غرقت فاطمه القهرمانه في طيارها تحت الجسر في يوم ريح عاصف، فحضر صهرها بنى بن نفيس جنازتها، وجعلت السيده مكانها أم موسى.
стр. 5979
سنه ثمان وتسعين ومائتين
فيها اعتل صافى الحرمي، ووهب داره بقصر عيسى لغلامه قاسم، وابراه من كل امر، ومات فحمل الى ابن الفرات من ماله مائه وعشرون الف دينار وسبعمائة منطقه ذهبا وفضه، فحملها ابن الفرات الى المقتدر بالله، فاقر مرتبه استاذه.
وولى غريب الخال ما كان يتقلده صافى من الثغور الشامية.
وفي هذه السنه مات المظفر بن حامد امير اليمن، وحمل الى مكة فدفن بها.
وكان ملاحظ قد انفذه الخليفة مددا فتولى مكانه.
وفي هذه السنه توفى احمد بن ابى عوف، وشارعه في الجانب الغربي معروف وكان احد العدول، وتوفى وسنه نيف وثمانون سنه وقال: أصابني هم لم اعرف سببه في بعض الأيام، فخرجت الى بستان لي على نهر عيسى، فاجتاز بي ركابى، ثم وقف في ظل شجره، فتقدمت له بما يأكله، لأنني رايته والجوع غالب عليه، فأكل ثم نام فأخذت الكيس الذى فيه كتبه، فإذا فيه كتاب التجار من الرقة، الى اصدقائهم ببغداد ومعارفهم، يأمرونهم بشراء كل زيت ببغداد، ويخبرونهم انه معدوم عندهم، فبادرت وامرت وكلائى بابتياع ما يقدرون عليه من الزيت، فابتيع الى آخر النهار بعشره آلاف دينار، وكنت قد وعدت الركابى بدينارين ان اقام ليلته عندي، ولم اعرفه السبب ولم يبت ببغداد زيت لغيري، فلما اصبحت سرحت الركابى، وانتشر الذين وصلت الكتب اليهم في طلب الزيت، فلم يجدوه، فاربحونى في كل درهم درهما، فعلمت انه انما كان خروجى الى بستاني لاحوز عشره آلاف دينار من غير مشقة.
وفي هذه السنه توفى محمد بن داود الاصبهانى الفقيه، صاحب الكتاب المعروف بالزهرة.
حكى الشيخ ابو إسحاق الشيرازى في كتاب الفقهاء، عن القاضى ابى الطيب
стр. 5980
الطبرى عن ابى العباس الخضرى قال: كنت جالسا عند ابن داود، فاتته امراه فقالت: ما تقول في رجل له زوجه، لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟ فقال ابو بكر:
قد اختلف اهل العلم في ذلك، فقال قائلون: يؤمر بالصبر والاحتساب، ويبعث على الطلب والاكتساب وقائلون: يؤمر بالإنفاق، والا يحمل على الطلاق فلم تفهم المرأة، فاعادت مسألتها، فقال: يا هذه، قد اجبتك الى مسألتك، وارشدتك الى طلبتك، ولست بسلطان فامضى، ولا زوج فارضى، ولا قاض فأقضي فذهبت المرأة ولم تعرف قوله.
ولما مات أبوه، قال الشيخ ابو إسحاق في كتاب الفقهاء: كان يحضر مجلس داود أربعمائة صاحب طيلسان واحتضر فجلس محمدا مكانه، فاستصغره الناس، فسألوه عن حد السكر، فقال مبادرا: حد الكسر ان تغرب عنه الهموم، وان يبوح من سره المكتوم، فعلموا نجابته حينئذ.
وكان يهوى محمد بن جامع، ولأجله صنف كتاب الزهرة وكان محمد بن جامع من احسن الناس، واكثرهم مالا، ولا يعرف معشوق كان ينفق الأموال على عاشق الا ابن جامع مع ابن داود.
قال الخطيب في تاريخه وخرج ابن جامع من الحمام، فاخذ المرآه، فنظر الى وجهه، فغطاه وركب الى ابن داود، فلما رآه مغطى الوجه، قال له ما الخبر؟
وخاف ان يكون قد لحقته آفه، فقال: رايت وجهى في المرآة، فغطيته واحببت الا يراه احد قبلك، فغشى على محمد بن داود.
وحضر ابن داود وابن سريج مجلس ابى عمر القاضى، فتكلما في مساله العود، فقال ابن سريج: عليك بكتاب الزهرة فقال ابو داود: ابكتاب الزهرة تعيرني وانا اقول فيه:
стр. 5981
اكرر في روض المحاسن وجهه ... وامنع نفسي ان تنال المحرما
وينطق سرى عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسى رده لتكلما
رايت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما ان ارى حبا صحيحا مسلما
فقال ابن سريج: او على تفخر بهذا القول؟ وانا الذى اقول:
ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت امنعه لذيذ سباته
ضنا بحسن حديثه وعتابه ... واكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود لأبي عمر: أيد الله القاضى، قد اقر بالمبيت وادعى البراءة، فما توجبه؟ قال ابن سريج: من مذهبي ان المقر إذا اقر إقرارا وناطه بصفه، كان اقراره موكلا الى الصفة فقال ابن داود: للشافعى في هذه المسألة قولان، فقال ابن سريج: فهذا القول الذى قلته اختياري الساعة.
стр. 5982
سنه تسع وتسعين ومائتين
فيها قبض على ابن الفرات، وهتكت حرمه، ونهبت دوره ودور أسبابه، فكان صاحب الشرطه مؤنس الخازن المعروف بالفحل تحت يده تسعه آلاف فارس وراجل، وإذا كثر النهب وعظم الخطب يركب، فيسكن المنتهبون عند ركوبه، ويعودون الى النهب عند نزوله ودام ذلك ثلاثة ايام بلياليها.
وتقلد بعده ابو على محمد بن عبيد بن يحيى بن خاقان الوزارة وكان ابو على يتقلد ديوان الضياع بعد وفاه ابيه في وزارة الحسن بن مخلد.
وكانت أم موسى القهرمانية تعنى بابني ابى البغل فولى أبا الحسن منهما أصبهان، وولى الآخر الصلح والمبارك.
وكان ابن الفرات قد نفى أبا الهيثم العباس بن ثوابه الى الموصل لقرابته من ابن عبدون، فاستدعاه ابن الخاقانى، وقلده مصادره بنى الفرات، فاسرف في المكروه بهم وغلب على الاحوال.
وكان في احوال الخاقانى تناقض، وكان يتقرب الى العامه، فانحدر يوما في زبزبه الى دار السلطان، فراى جماعه من الملاحين يصلون على دجلة، فصعد وصلى معهم.
وولى ابنه عرض الكتب على الخليفة، وكان مدمنا للشرب، ففسدت الأمور بذلك وكان اولاده وكتابه يرتفقون من العمال بما يولونهم به الولايات، ثم يعزلونهم إذا رأوا مطمعا فاجتمع بحلوان في خان بها سبعه عمال ولاهم في عشرين يوما ماء الكوفه وكان إذا ساله انسان حاجه قال: نعم وكرامة! ودق صدره.
وكتب الى بعض العمال: الزم وفقك الله المنهاج، واحذر عواقب الاعوجاج، واحمل ما امكن من الدجاج فحمل العامل دجاجا كثيرا، وقال: هذا دجاج وفره بركه السجع
стр. 5983
سنه ثلاثمائة
طالب القواد الخاقانى باستحقاقهم، فقصر واعتذر، فعزم المقتدر بالله على رد ابن الفرات، فاشار مؤنس ان يولى على بن عيسى، وذكر ديانته وثقته، وقال:
يقبح ان يعلم الناس ان الضرورة قادت الى ابن الفرات للطمع في ماله، فامر المقتدر الخاقانى ان يكاتب على بن عيسى بالحضور، واظهر له الايثار لاستنابته له، فكان الخاقانى يقول: قد استدعيت على بن عيسى لينوب عن عبد الله ابنى في الدواوين ثم ركب الى دار السلطان فقبض عليه وعلى أسبابه
стр. 5984
سنه احدى وثلاثمائة
قدم فيها على بن عيسى من مكة، فقلده المقتدر وزارته وخلع عليه، وسلم الخاقانى اليه، فصادره وأسبابه مصادره قريبه، وصان حرم الخاقانى.
واعتمد على على بن عيسى لما اشتهر عنه من افاضه المعروف وعماره الثغور والجوامع والمارستانات في سائر الأوقات، ورد المظالم بها، وكتب في ذلك كتابا اوله:
بسم الله الرحمن الرحيم، سبيل ما يرفعه إليك كل واحد من المتظلمين قبل النوروز من مظلمته، ويدعى انه تلف بالآفة من غلته، ان تعتمد في كشف حاله على اوثق ثقاتك، واصدق كفاتك حتى يصح لك امره، فتزيل الظلم عنه، وترفعه، وتضع الإنصاف موضعه، وتحتسب من المظالم بما يوجب الوقوف عليه حسبه، وتستوفى الخراج بعده، من غير محاباه للاقوياء، ولا حيف على الضعفاء واعمل بما رسم لك ما يظهر ويذيع ويشتهر ويشيع، ويكون العدل به على الرعية كاملا، وللانصاف شاملا ان شاء الله.
وساس على بن عيسى الدنيا السياسة المشهوره، التي عمرت البلاد، حتى قال له ابن الفرات لما ناظره: قد اسقطت من مال امير المؤمنين خمسمائة الف دينار في السنه، فقال: لم استكثر هذا المقدار في جنب ما حططته عن امير المؤمنين من الأوزار، لأنني حططت المكس بمكة، والتكمله بفارس، وجبايه الخمور بديار ربيعه، ولكن انظر الى نفقاتى ونفقاتك، وضياعي وضياعك فاسكته.
وزادت في ايامه العمارة وتضاعف الزراعة، حين كتب اليه عامله: ان قوما يبادوريا لا يؤدون الخراج، فان امرت عاقبناهم، فكتب اليه: ان الخراج دين، ولا يجب فيمن امتنع عن أداء الدين غير الملازمة، فلا تتعد ذاك الى غيره والسلام.
ومما استحسن من افعال الخاقانى بعد عزله، ان قوما زوروا عليه باطلاقات ومسامحات، فانفذ بها على بن عيسى يسأله عنها ليمضى منها ما اعترف به، فصادفه
стр. 5985
الرسول يصلى فلما راى ابنه يتأمل التوقيعات، قطع صلاته وقال: هذه توقيعاتى صحيحه، الوزير يرى رايه فيمضى ما آثر منها، ويعرض على ما أحب منها والتفت الى ابنه حين خرج الرسول فقال: اردت ان نتبغض الى الناس فتكون السبب في رد ما تضمنته، ويتنزه على بن عيسى من ذلك، فلم لا نتحبب بالاعتراف بها، فان أمضاها حمدنا وان ردها عذرنا.
وقصد القواد على بن عيسى، بإسقاطه الزيادات التي زادها ابن الفرات، ووقعوا فيه وثلبوه.
وفي هذه السنه، خلع على الأمير ابى العباس بن المقتدر- وهو الذى ولى الخلافه ولقب بالراضى- واستخلف له مؤنس.
وفيها انفذ على بن احمد الراسبى الحسين بن منصور الحلاج وقد قبض عليه بالسوس، فشهر على جمل ببغداد، وصلب وهو حي وظهر عنه بانه ادعى انه الله.
ومات الراسبى بعد قليل، فاخذ السلطان من ماله الف الف دينار.
وفيها ورد الخبر بان اسماعيل بن احمد صاحب خراسان قتله غلمانه على شاطئ نهر بلخ، وقام ابنه ابو الحسن نصر مقامه وانفذ اليه الخليفة عهده.
وفيها ورد الخبر بان خادما صقلابيا لأبي سعيد الجنابى قتله وخرج، فلم يزل يستدعى قائدا قائدا ويقتله، حتى قتل جماعه، ففطن به النساء فصحن بالأمر، فقام ابو طاهر سليمان بن الحسن مقام ابيه.
واتى القرامطة في هذه السنه البصره في ثلاثين فارسا، والناس في صلاه الجمعه، فقتلوا الموكلين بالباب ومن خرج اليهم من المطوعة وبلغ الخبر امير البصره محمد بن إسحاق بن بنداحيق فغلق الأبواب
стр. 5986
سنه اثنتين وثلاثمائة
ورد فيها كتاب ابى الحسن نصر بن احمد صاحب خراسان بانه واقع عمه إسحاق واسره.
وفي هذه السنه خرج مؤنس الى مصر، وضم اليه على بن عيسى أخاه عبد الرحمن، وقلده كتابته، وذلك عند سماعهم قرب الخارج بالقيروان، وواقعه مؤنس، فانهزم من بين يديه:
وهذا الخارج، ذكر الصولي عن اصحاب النسب انه عبيد الله بن عبد الله ابن سالم، من اهل عسكر مكرم، وجده سالم قتله المهدى رضوان الله عليه على الزندقة ٤ وانفذ أبا عبد الله الصوفى الى المغرب، فأرى الناس زهدا وعباده، وطرد زياده الله بن عبد الله بن الاغلب، وأتاه عبيد الله، فقال: الى هذا ادعوكم.
فلما اظهر عبيد الله شرب الخمر تبرا الصوفى منه، فدس عليه عبيد الله من قتله، وملك بلاد المغرب، فهزمه مؤنس، وتصدق المقتدر بالله عند هزيمته باموال كثيره.
وفي هذه السنه صودر ابن الجصاص، قال الصولي: وجد له بداره بسوق يحيى خمسمائة سفط من متاع مصر، ووجد فيها جرار خضر وقماقم مدفونة فيها دنانير، وأخذ منه الف الف دينار.
قال الصولي: وحضرت مجلسا جرى فيه بين ابن الجصاص وابراهيم بن احمد الماذرائى خلف، فقال ابراهيم: مائه الف دينار من مالي صدقه، لقد ابطلت في الذى حكيته عنى، فقال ابن الجصاص: قفيز دنانير من مالي صدقه، اننى صادق وانك مبطل، فقال ابن الماذرائى: من جهلك انك لا تعلم ان مائه الف اكثر من قفيز، فانصرفت الى ابى بكر بن ابى حامد فاخبرته، فقال: نعتبر هذا، فاحضر
стр. 5987
كيلجه، فملأها دنانير، ثم وزنها، فكانت اربعه آلاف، فنظرنا فإذا القفيز سنه وتسعون الف دينار كما قال الماذرائى.
وكان ابن الجصاص قد انفذ له من مصر مائه عدل خيشا، في كل عدل الف دينار، فأخذت ايام نكبته وتركت بحالها، ولما اطلق سال فيها، فردت عليه، فاخذ المال منها، وكان إذا ضاق صدره اخرج جوهرا يساوى خمسين الف دينار، وتركه في صينية ذهب ويلعب به، فلما قبض عليه وكبست داره، كان الجوهر في حجره، فرمى به الى البستان، فوقع بين شجره، فلما اطلق فتش عليه في البستان وقد جف نبته وشجره، وهو بحاله.
وفي هذه السنه، ختن اولاد الخليفة، ونثر عليهم خمسه آلاف دينار، ومائه الف درهم وبلغت نفقه الطهر ستمائه الف دينار وادخلوا الى المكتب، وكان مؤدبهم ابو إسحاق ابراهيم بن السرى الزجاج.
وفي هذه السنه، غزا افسن الافشينى فاسر مائه وخمسين بطريقا، والفى فارس.
وفي ذي القعده، خلع على ابى الهيجاء بن حمدان، وقلد الموصل وأعمالها.
وفيها ماتت بدعه جاريه عريب، وكان إسحاق بن أيوب قد ضمن لأبي الحسن على بن يحيى المنجم عشرين الف دينار، ان باعتها عريب منه بمائه الف دينار.
فجاء وخاطبها، فاستدعت بدعه وخيرتها بين المقام والبيع، فاختارت المقام، فأعتقتها ولم يملكها قط رجل.
وفي هذه السنه توفى ابو بكر جعفر بن محمد الغريانى، وهو ممن طوف شرقا وغربا لسماع الحديث، واستقبل لما قدم بغداد بالطيارات والزبازب واملى بشارع
стр. 5988
المنار بباب الكوفه، فحزر في مجلسه ثلاثون ألفا يكتب منهم عشره آلاف، وكان في مجلسه ثلاثمائة وسته عشر يستملون، ومولده سنه سبع ومائتين ودفن بالشونيزي.
وفي هذه السنه، توفى احمد بن عبد العزيز بن طوما الهاشمى، نقيب العباسيين، وولى مكانه ابنه محمد، وتوفى وهو ابن اثنتين وتسعين سنه، وسمعت ان له عقبا بالحاذانيه ذباله البطيحة
стр. 5989
سنه ثلاث وثلاثمائة
فيها اطلق السبكرى من الحبس، وخلع عليه خلع الرضا.
ووقع حريق في سوق النجارين بباب الشام واحترق، وطار الشرار فاحرق ستاره جامع المدينة.
وعصى الحسين بن حمدان، واجتمع معه ثلاثون الف رجل من العرب وهزم رائقا الكبير، واقام بإزاء جزيرة ابن عمر وورد مؤنس من مصر، وقد استدعاه على بن عيسى لحرمه فانهزم اصحاب الحسين، واسره مؤنس، وادخله الى بغداد، ومعه ابنه عبد الوهاب، فصلبه حيا على نقنق على ظهر فيل، ونقله ابنه على جمل، والأمير ابو العباس والوزير على بن عيسى ومؤنس وابو الهيجاء بن حمدان وابراهيم ابن حمدان يسيرون بين يديه، وحبس عند زيدان القهرمانه وقبض بعد ذلك على ابى الهيجاء واخوته.
وطلب الجند الزيادة، فزيد الفارس ثلاثة دنانير، والراجل خمسه عشر قيراطا.
وفي هذه السنه، توفى ابو على الجبائي، ومولده سنه خمس وثلاثين ومائتين، وكان ابو على شيخ المعتزله في زمانه ومات بعسكر مكرم، وحمل الى منزله بجبى، ولما احتضر قال اصحابه: من يلقنه التوبة؟ فلم يتجاسر احد على ذلك إعظاما له، فقال اصغرهم سنا: انا القنه، وتقدم وقرأ: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون، ففتح ابو على عينيه وقال: اللهم انى تائب إليك من كل قول نصرته كان الصواب عندك غيره، واشتبه على امره، فقال من حضره: لو كان على ذنب غير هذا لذكره وكان يذهب الى ان حكم النجوم صحيح على وجه، وهو انه يجوز ان يكون الله تعالى، اجرى العادة إذا صار الكوكب الفلاني الذى جعله
стр. 5990
الله تعالى وخلقه سعدا الى الموضع الفلاني كان كذا.
وكان ينكر على المنجمين ان الكواكب تفعل بأنفسها ذلك، فاجتاز بعسكر مكرم على دار سمع فيها صيحه لأجل امراه تلد، فقال: ان صح ما يقوله المنجمون، فهذا المولود ذو عاهة، فخرجت امراه، فسالت أبا على الدخول وان يحنك المولود ويؤذن في اذنه، ففعل فإذا به احنف
следующие страницы →