Полный текст (6 431 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
ذلك اهل مكة فهموا بقتل ابن الكوثانى، فمنع على منه، وحفظه.
وصادر ابن الفرات جميع اسباب على، منهم ابن مقله والشافعى، ولما لم يجد على النعمان بن عبد الله، الذى تاب من التصرف، سبيلا في المصادره، وامتنع من الولاية، احدره الى واسط، وقبض البزوفري عليه من جامعها، لما راى من اكرام اهل البلد له، وأخذ منه سبعه آلاف دينار، ونفى ابن الحوارى الى الأبله، وخنق بالمناره بعد ان عذب، ثم نبشه اهله، وحمل الى بغداد.
وصادر المحسن أبا الحسن على بن مأمون الاسكافى على مائه الف دينار.
وصادر الماذرائيين حين قدموا من مصر على الف وسبعمائة الف دينار.
ونفى ابن مقله الى البصره.
وقدم مؤنس المظفر من الغزو وقد فتح عليه، فاخبر ابن الفرات ما تم على العمال منهم، فسعى به الى المقتدر، فقال له: ما شيء أحب الى من مقامك ببغداد، لانى اجمع بين الانس بقربك والتبرك برأيك، والصواب ان تقيم بالرقة، فتتوسط الاعمال، وتستحث على المال.
فعلم ان ذلك من عمل ابن الفرات، فأجاب اليه، وسئل في الماذرائيين فأطلقوا ونفذ في ذي القعده.
وشرع ابن الفرات في السعاية بنصر القشورى وشفيع المقتدرى، فالتجا نصر الى السيده، فقالت للمقتدر: ان ابن الفرات، ابعد عنك مؤنسا، وهو سيفك، وقد حل له ابعاد حاجبك.
واتفق انه وجد على سطح دار السر في يوم الثلاثاء لخمس خلون من محرم سنه اثنتى عشره وثلاثمائة رجلا أعجميا واقفا، عليه ثياب دبيقيه وتحتها قميص صوف، ومعه محبره وأقلام وورق وحبل، قيل انه دخل مع الصناع وبقي أياما، وعطش فخرج لطلب الماء، فظفر به، وسئل عن حاله، فقال: لا اخاطب غير صاحب
стр. 6022
الدار، فقال له ابن الفرات: أخبرني عن حالك، فقال: لا اخاطب غير الخليفة، فضرب وهو يقول ندانم حتى قتل بالعقوبة.
وخاطب ابن الفرات نصرا الحاجب بحضره المقتدر، وقال: كيف ترضى بهذا لأمير المؤمنين، وما يجوز ان ترضى به لنفسك، وما سمعنا ان هذا تم على خليفه قط، وهذا الرجل صاحب احمد بن على أخي صعلوك الذى قتله ابن ابى الساج، واما ان يكون قد دسسته ليفتك بامير المؤمنين، لتخوفك على نفسك منه.
وعداوتك لابن ابى الساج، وصداقتك لأحمد بن على، فقال له نصر: ليت شعرى، ادبر على امير المؤمنين لأنه أخذ أموالي، ونكبنى وهتك حرمي، وحبسنى عشر سنين! ولم يزل امر نصر يضعف والسيده مدافعه عنه.
وكان يوسف بن ابى الساج، حين قلد اعمال الري، قتل بها احمد بن على، أخا صعلوك، وانفذ برأسه الى مدينه السلام.
ولليلتين خلتا من شعبان، قرئت الكتب على المنابر بمدينه السلام بفتح مؤنس المظفر في بلد الروم، وامر فيه المقتدر برفع المواريث الحشريه، كما فعل ذلك المعتضد بالله ﵀.
стр. 6023
سنه اثنتى عشره وثلاثمائة
ورد الخبر بان أبا طاهر بن ابى سعيد الجنابى، ورد الهبير لتلقى حاج سنه احدى عشره وثلاثمائة في رجوعهم، فاوقع بقافله بغداديه، واقام بقية القوافل بعيدا، فلما فنيت ازوادهم، ارتحلوا، فاشار ابو الهيجاء بن حمدان، واليه طريق الكوفه وطريق مكة، ان يعدل بهم الى وادي القرى، فامتنعوا وساروا، فسار معهم مخاطرا حتى بلغ الهبير، فلقيهم ابو طاهر، فقتل منهم خلقا، واسر أبا الهيجاء واحمد بن بدر عم السيده أم المقتدر، وجماعه من خدم السلطان وحرمه.
وسار ابو طاهر الى هجر، وسنه إذ ذاك سبع عشره سنه، ومات من استاسره بالحفاء والعطش فنال اهل بغداد منالا عظيما، وخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه في الجانبين، فانضاف اليهن من حرم الذين نكبهم ابن الفرات، فانبسط لسان نصر عليه، واشار على المقتدر بمكاتبه مؤنس.
ورجمت العامه طيار ابن الفرات، وامتنعوا من الصلوات في الجماعات.
وانفذ المقتدر بياقوت وابنيه محمد والمظفر الى الكوفه، ورجعوا حين علموا انصراف القرمطى الى بلده.
وجمع المقتدر بالله ابن الفرات ونصر وامرهما بالتظافر.
وقدم مؤنس الى بغداد، فركب اليه ابن الفرات، ولم تجر له عاده بذلك، فخرج مؤنس الى باب داره، وساله ان ينصرف، فلم يفعل، وصعد اليه من طيارة حتى هناه بمقدمه، وخرج معه مؤنس حتى نزل الطيار
стр. 6024
وانفذ المقتدر بنازوك وبليق فهجما على ابن الفرات، وهو في دار حرمه، فاخرجاه حاسرا، فاعطاه نازوك رداء قصب، فقال له مؤنس: الان تخاطبني بالاستاذ وبالأمس نفيتنى الى الرقة والمطر يصب على راسى، ثم تذكر لأمير المؤمنين سعيي في فساد مملكته! ورجمت العامه طيار مؤنس، لكون ابن الفرات فيه، وسلم الى نصر، وقبض على ولده وأسبابه.
فكانت مده ابن الفرات في هذه الوزارة الثالثه عشره اشهر وثمانية عشر يوما.
واجمع وجوه القواد فقالوا: ان حبس ابن الفرات في دار الخلافه خرجنا بأسرنا، فسلم الى شفيع واعتقل عنده.
واشار مؤنس بتوليه ابى القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقانى، فانفذ ابن الفرات الى المقتدر بمائه ونيف وستين الف دينار، وقال لشفيع: فعلت ذلك حتى لا يوهم الخاقانى للمقتدر انه استخرجها.
قال الجمل كاتب شفيع: ولم أر قلبا اقوى من قلب ابن الفرات، سألني:
من قلد الخليفة وزارته؟ فقلت: الخاقانى، فقال: الخليفة نكب ولم انكب انا.
وسألني عمن استخلف في الدواوين؟ فقلت: في ديوان السواد ابن حفص، فقال: القدر رمى بحجره، وسميت له جماعه، فقال: لقد أيد الله هذا الوزير بالكفاءه.
واقر ابن الفرات بمائه وخمسين الف دينار اخرى، وطولب بالمكاره، فلم يستجب بمال، وكان لا يستجيب بمكروه، وانفذ الى الخاقانى: ايها الوزير، لست غرا جاهلا فتحتال على، وانا قادر على مال، إذا كتب الخليفة الى أمانا على نفسي لافديها بالمال، ويشهد عليه القضاه فيه، فقال الخاقانى: لو قدرت على ذلك فعلت، ولكن ان تكلمت عاداني خواص الدولة.
ورد الخليفة امره الى هارون بن غريب، فاخذ يداريه، وقال له: أنت اعرف بالأمور وان الوزراء لا يلاجون الخلفاء، فلم يزل به حتى أخذ خطه بألفي الف دينار، يعجل منها الربع، وان يطلق له بيع ضياعه، واذن له في احضار دواه، ليكتب
стр. 6025
الى من يرى، او ان ينفذ الى دار شفيع اللؤلؤى، ويطلق الكلوذانى ليتصرف في أمواله.
وكانت حماه المحسن تخرجه في زي النساء الى مقابر قريش، فامست ليله عن المصير الى الكرخ، فصارت الى منزل امراه أخبرتها ان معها بنتا لم تتزوج، وسالت ان تفرد لها بيتا، ففعلت، وخلع المحسن ثيابه، فجاءت جاريه سوداء بسراج، فوضعته في الضفة، فرات المحسن، فاخبرت مولاتها فابصرت، وكانت مولاتها زوجه محمد بن نصر وكيل على بن عيسى، مات حين طالبه المحسن من الفزع، فمضت المرأة الى دار السلطان وشرحت الصورة لنصر، فاركب نازوك وقبض عليه، وضربت الدبادب لأجل الظفر به عند انتصاف الليل، فظن الناس ان القرمطى قد كسر بغداد وحمل الى دار مستخرج، يعرف بابن بعد شر، في المخرم بدار الوزارة، فأجرى عليه المكاره، وأخذ خطه بثلاثة آلاف الف دينار، ثم ابتلع رقعته، واقام على الامتناع من كتب شيء، فضرب بالدبابيس على راسه وعذب.
واحضر ابن الفرات مجلس الخاقانى، فناظره أشد مناظره، فلج ابن الفرات فيها، فقال له الخاقانى: انك استغللت ضياعك التي استغلها على بن عيسى، أربعمائة الف دينار وقال: كان ذلك بعمارتى البلاد واعتمادى ما جلب الريع.
ونوظر فيمن قتله ابنه، وقيل له: أنت قتلتهم، فقال هذا غير حكم الله، قال الله تعالى:
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * [والنبي ﷺ قال لرجل معه ابنه: لا يجنى عليك ولا تجنى عليه،] ومع هذا فان ابنى لم يباشر قتلا ولا سفك دما، وأجاب مؤنسا حين قال: اخرجتنى من بغداد فقال: انما اخرجك مولاك حين كتب الى يشكو ما يلاقيه من تبسط، وفتحك البلدان بالمؤن الغليظة، واغلاقك إياها بسوء التدبير: وسئل احضار سفط فيه المهمات فاحضر وطلب الرقعة، فوجدت فأخذها مؤنس، وحملها الى
стр. 6026
المقتدر بالله واقراه الرقعة، فزاد غيظه وامر بضربه، فضرب خمس درر فقط وسلم وابنه الى نازوك، فضربا حتى تدودت لحومهما وحمل الخاقانى القواد على خلع الطاعة ان حملا الى دار الخليفة ولما توقف الخاقانى في قتلهما، وقال: لست ادخل في سفك الدماء، ولا اسهل على الخلفاء قتل خواصهم.
وحمل الى ابن الفرات ما يفطر عليه، فقال: رايت أخي أبا العباس في المنام يقول: إفطارك عندنا، وما أخبرني بشيء الا وصح، وانا مقتول.
فاخرج القواد توقيع المقتدر الى نازوك، بضرب أعناقهما، فقال: هذا امر عظيم لا اعمل فيه بتوقيع، فشافهه المقتدر بذلك.
وجاء نازوك، فامر السودان فضربوا عنق المحسن، واتى برأسه الى ابيه، فجزع وقال: يا أبا منصور، راجع امير المؤمنين، فان عندي اموالا جمه، فقال له:
جل الأمر عن هذا، وامر به فضرب عنقه، وحمل راسه وراس ابنه الى المقتدر بالله، فامر بتغريقهما.
وكان سن الحسن بن الفرات، يوم قتل، احدى وسبعين سنه وشهورا، وسن ابنه ثلاثا وثلاثين سنه.
وقال التنوخي: كان من عاده ابن الفرات ان يقول لكل من يخاطبه: بارك الله فيك، ولم يكن يفارق هذه اللفظه وكان على بن عيسى يقول في كلامه: وال وإليك فكان الناس يقولون: لو لم يكن بين الرجلين الا ما بين الكلامين من الخشونة واللطف، لكان من اعظم فرق.
ويقال ان على بن عيسى خاطب الراضي يوما بوال.
وكان ابن الفرات إذا ولى، غلا معذاذ الشمع والكاغذ، لكثرة استعماله لهما فيعرف الناس ولايته لغلائهما
стр. 6027
قال الصولي: ابو الحسن على بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات من قريه يقال لها بايك قريبه من صريفين، وكان أبوه محمد بن موسى، تولى اعمالا جليله، واكبر اولاده ابو العباس احمد وابو عبد الله وابو عيسى، من خيار المسلمين والزهاد، جاور بمكة وواصل بها الصوم والصلاة، ومات في وزارة أخيه.
وقد ذكرنا اسر القرمطى لالفى رجل ومائتين وعشرين وخمسمائة امراه، فاطلق منهم أبا الهيجاء واحمد بن بدر عم السيده، وانفذ رسلا يسال ان يفرج له عن البصره والاهواز فلم تقع اجابه.
وكان سليمان بن الحسن بن مخلد، وابو على بن مقله، وابو الحسن محمد بن محمد بن ابى البغل، معتقلين بشيراز، فاطلقهم ابو عبد الله الكرخي، حين وقف على مثل ابن الفرات فكتب ابن ابى البغل على جانب تقويمه.
وفي هذا اليوم، ولد احمد بن يحيى، وله احدى وثمانون سنه، واتفق ان سليمان هرب في زي الفيوجى، فاشتد الأمر على الخاقانى، وارجف له بالوزارة، ودخل بغداد مستترا، وصار ابن مقله الى الاهواز، واجرى له في كل شهر مائتي دينار، واذن له في المصير الى بغداد وسال موسى في على بن عيسى، فكوتب صاحب اليمن بانفاذه الى مكة، وحمل اليه كسوه ومالا نحو خمسين الف دينار، ولما وصلها قلده الخاقانى الاشراف على الشام ومصر.
وتولى ابو العباس بن الخصيبى استخراج سبعمائة الف دينار من زوجه المحسن.
وشغب الجند على الخاقانى، فلم يكن عنده ما يدفعه اليهم، وبقي شهورا لا يركب الى الموكب.
وكان مؤنس بواسط، واشار عند قدومه بعلى بن عيسى، واشارت السيده والخاله بابى العباس بن الخصيبى، وهو احمد بن عبد الله، فولاه المقتدر، وقبض على الخاقانى، وكانت وزارته سنه وسته اشهر.
стр. 6028
وزارة ابى العباس الخصيبى
استحضره المقتدر يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فقلده وخلع عليه، وكان قبل كاتب القهرمانه، واستكتب مكانه أبا يوسف عبد الرحمن ابن محمد، وكان تائبا من العمل، فسماه الناس المرتد.
واستدرك اموالا، كان الخصيبى اضاعها، فتنكرت القهرمانه للخصيبى، وضاعت الأمور بوزارته حين كان مواصلا للشرب ليلا ونهارا ويبيت مخمورا.
فصادر الخاقانى على مائتي الف وخمسين الف دينار.
وصادر جعفر بن القاسم [الكرخي] على مائه وخمسين الف دينار.
وتوجه جعفر بن ورقاء الشيبانى بالحاج في الف من بنى عمه، وكان في القوافل الذين يبذرقون الحاج سته آلاف رجل، فلقيهم الجنابى فهزمهم بالعقبه وولوا الى الكوفه، فخرج قواد السلطان فهزمهم، واقام بالكوفه سته ايام، وحمل منها اربعه آلاف ثوب وشى وثلاثمائة راويه زيت، وانصرف الى بلده.
واضطرب الناس ببغداد، وعبر اهل الغربي منها الى الجانب الشرقى.
واتى موسى الكوفه، فاستخلف عليها ياقوت.
وسار مؤنس الى واسط.
وقرئت الكتب بفتح ابن ابى الساج طبرستان.
ووردت خريطة الموسم لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، بان النحر كان بمكة يوم الثلاثاء، ونحر الناس ببغداد يوم الاثنين.
وحج على بن عيسى ثم ورد مكة من مصر.
стр. 6029
سنه ثلاث عشره وثلاثمائة
فيها فتح ابراهيم المسمعي ناحيه القفص، واسر منهم خمسه آلاف رجل، وحملهم الى فارس وكثرت الارطاب ببغداد، حتى عملوا منها التمور، وجهزوا بذلك الى البصره، فنسبوا الى البغى.
واتى القرمطى النجف، فخرج مؤنس، فانصرف من بين يديه.
وفيها مات الخاقانى.
وفيها دخل الروم ملطيه.
وفي هذه السنه، توفى ابو الحسن على بن محمد بن بشار الزاهد، وقبره ظاهر بالعقبه عند النجمى يتبرك به، وكان القادر بالله رضى الله عنه يزوره دائما، وقال في بعض الأيام: انى لاعرف رجلا ما تكلم منذ ثلاثين سنه بكلمة يعتذر منها، فعلم الحاضرون انه اراد نفسه.
وجاءته امراه، فقالت: ان ابنى قد غاب، وقد طالت غيبته، فقال لها:
عليك بالصبر، فظنت انه يأمرها باكل الصبر، وكانت عندها برنيه مملوءة صبرا، فمضت واكلت نصفها في مده، على مرارة من العيش، وشده من الحال، ثم رجعت اليه فشكت اليه غيبته، فقال لها: عليك بالصبر، فقالت: قد وفى من البرنية، قال لها: وأكلته! قالت: نعم قال: اذهبى فابنك قد ورد، فرجعت الى الى منزلها فوجدت ابنها هناك.
وسمع ابن بشار من تاج المقتدر بالله غناء، فلما اصبح قال: هذا الامام ولا يمكننا الانكار على الامام، ولكن ننتقل، فبلغ ذلك المقتدر بالله فانفذ اليه:
ايها الشيخ لا تنزعج فتزعجنا، ونحن اولى بالانتقال منك فكان هذا من عمل خادم وقد ادبناه وصرفناه عن دارنا، ولن ترى بعدها ولا تسمع ما تكره.
стр. 6030
سنه اربع عشره وثلاثمائة
فيها مات الخاقانى.
ودخل الروم ملطيه، فاخربوا سورها، وأقاموا سته عشر يوما، فدخل أهلها مستغيثين.
وبلغ اهل مكة مسير القرمطى نحوهم، فنقلوا حرمهم وأموالهم.
واستدعى ابن ابى الساج الى واسط، وقلد اعمال المشرق، وكناه الخليفة بابى القاسم يتكنى بذلك على جميع القواد، الا على الوزير، ومؤنس المظفر، وحمل اليه المقتدر خلعا سلطانيه، وخيلا بمراكب ذهب وطيبا وسلاحا.
ودعى الى الري، واضطرب امر الخصيبى لإحدى عشره ليله خلت من ذي القعده.
واشار مؤنس بعلى بن عيسى، فاستدعى المقتدر أبا القاسم عبد الله بن محمد الكلواذى واستخلفه لعلى، واستحضر سلامه الطولونى، فتقدم اليه بالنفوذ في البريه الى دمشق ليحضر عليا وظهر في ذلك اليوم ابن مقله وجماعه من الكتاب، وسلموا على الكلواذى وتمكنت هيبة على بن عيسى في الصدور.
ووصلت حمول من البلدان مشى بها الكلواذى الأمور.
واطلقت في شهر رمضان أم موسى الهاشمية من حبسها والزمت منزلها.
ولم يحج احد من العراق.
стр. 6031
سنه خمس عشره وثلاثمائة وزارة على بن عيسى الثانيه
في صفر، وصل على بن عيسى الى بغداد، وانفذ اليه المقتدر في ليلته فرشا وثيابا بعشرين الف دينار، وخلع عليه، وسار من الغد بين يديه كافه القواد الى دار بباب البستان، فاعتقد العفو عمن أساء اليه.
واشتغل بالعمل ليلا ونهارا، فاستقامت الأمور.
وكان الى عبد الله البريدى الضياع الخاصة ضمانا واقطاع الوزارة الى ابى يوسف أخيه الخراج برامهرمز.
واحضر على بن عيسى الخصيبى، وناظره مناظره جميله، وأخذ خطه بأربعين الف دينار.
ومات ابراهيم المسمعي بالنوبندجان، فقلد على بن عيسى مكانه ياقوتا، وقلد أبا طاهر محمد بن عبد الصمد كرمان.
وقلد اعمال الاهواز أبا الحسن احمد بن محمد بن مانبداذ فقال ابو عبد الله البريدى: تقلد هؤلاء هذه الاعمال، وتقصر بأخي ابى يوسف على بن مهرمز وبي على ضياع الوزراء! وكان قد كتب له بذلك منشورا: خذ يا بنى هذا الكتاب فمثل عليه في الكتب فان لطبلى صوتا تسمعه بعد ايام.
وانفذ ابو عبد الله البريدى أخاه أبا الحسين الى الحضره، لما بلغه اضطراب امر على بن عيسى، وقال له: اضمن اعمال الاهواز، إذا ولى الوزارة من يرتفق.
فان عليا عفيف.
فلما ولى ابن مقله الوزارة اعطاه عشرين الف دينار، حتى ولاه الاهواز، ثم صرفه بابى محمد الحسين بن احمد الماذرائى، فبان من تخلفه ما صار به حديثا
стр. 6032
وأخذ عليه البريدى الطرقات، فكان كل كتاب يكتبه يؤخذ من رسله فما قرئ له كتاب منذ دخل الاهواز الى ان خرج عنها، فصرفه ابو على بابى عبد الله البريدى، واعترف باحترازه بطلل الماذرائى.
وكان اقطاع الوزارة مائه وسبعين الف دينار، بعد نفقاتهم، فلم يأخذ ذلك على بن عيسى وقال: ضيعتى تكفيني.
ودخل الروم شميشاط، وضرب ملكهم في الجامع النواقيس وصلى فيه الروم صلواتهم.
ووقعت وحشه بين المقتدر بالله ومؤنس، سببها: انه حكى له، ان المقتدر تقدم الى خواص خدمه بحفر زبيه تغطى بالقصب، فإذا اجتاز مؤنس وقع فيها، فهلك، فامتنع من المضى الى دار السلطان، وركب اليه القواد، فيهم عبد الله بن حمدان واخوته وقال له عبد الله بن حمدان: نقاتل بين يديك ايها الأستاذ حتى تنبت لحيتك، فكاتبه المقتدر بالله على يدي نسيم الشرابي، على بطلان ذلك، فجاء وقبل الارض، وحلف له المقتدر، على صفاء نيته، وامره بالخروج الى الروم، فخرج وشيعه الأمير ابو العباس، وعلى بن عيسى ونصر الحاجب وهارون بن غريب.
وفي هذه السنه كان ظهور الديلم، لما خرج ابن ابى الساج عن الري، غلب عليها ليلى بن النعمان، ثم ما كان بن كاكى، ودخل هذا الرجل في طاعه صاحب خراسان.
وغلب بعده اسفار بن شيرويه، وكان مزداويج احد قواده، فلما ظلم اسفار اهل قزوين، خرج رجالهم ونساؤهم مستغيثين الى المصلى داعين الله عليه، فخرج عليه مزداويج، فهزمه والجاه مزداويج، حين راى آثار حوافر الفرس فدخل عليه فاحتز راسه، وعاد الى قزوين، ووعدهم الجميل واظهر الخوف من دعائهم
стр. 6033
ثم تغلب على الري وأصبهان، وأساء السيرة بأصبهان حاجبه وعظمت هيبته، وجلس على سرير ذهب، وكان يتنقص الاتراك، وكان يقول: انا سليمان وهؤلاء الشياطين وكان إذا سار انفرد عنه عسكره خوفا منه، فاشتق العسكر شيخ على دابه وقال: زاد امر هذا الكافر، واليوم تكفونه، ويأخذه الله اليه قبل تصرم النهار، فدهشوا واتبعوه فلم يجدوه.
وعاد مزداويج الى داره، فنزع ثيابه، ودخل الحمام واطال، فهجم عليه الاتراك، فقاتلهم بكرنيب فضه، فحزوا راسه بعد ان شقوا بطنه، وظنوا انهم قتلوه، فلما دخلوا عليه ثانيا راوه رد حشو بطنه، وأمسكها بيده، وكسر جامه الحمام وهم بالخروج.
وقبض ابن ابى الساج على كاتبه ابى عبد الله بن خلف البرقاني لما عرف سعايته به، وسلمه الى كاتبه حسن بن هارون وقيده وأخذ خطه بستمائة الف دينار.
وكاتب المقتدر ابن ابى الساج لحرب القرمطى، لما عرف خروجه من هجر لثلاث بقين من شهر رمضان، واطلق له من بيت مال الخاصة فيما ينصرف الى علوفه بين واسط والكوفه، فحمل ذلك اليه سلامه الطولونى، وامر على بن عيسى عمال الكوفه باعداد الميرة لابن ابى الساج.
وسار ابن ابى الساج من واسط طالبا الكوفه لليلة بقيت من شهر رمضان.
واطلق ابو طاهر القرمطى أسارى الحاج، ووصل الكوفه، فاخذ ما اعد ليوسف وهو مائه كر دقيقا، والف كر شعيرا.
ووافى يوسف الكوفه بعد وصول ابى طاهر إليها بيوم، وكان قد تقارب عسكر ابن ابى الساج، وعسكر ابى طاهر في يوم ضباب واحس به ابو طاهر وكف عنه، فالتقوا يوم السبت لتسع خلون من شوال على باب الكوفه، فاحتقر ابن ابى الساج عسكر ابى طاهر، وازرى عليهم، وتقدم يكتب كتاب الفتح قبل اللقاء، تهاونا بامره.
والتفت ابو طاهر الى رفيق له، وقد سمع صوت البوقات والدبادب، وكانت
стр. 6034
عظيمه جدا فقال: ما هذا الزجل؟ فقال له صاحبه: فشل، فقال: اجل.
وعبا ابن ابى الساج رجاله، وكان القتال من ضحى النهار الى غروب الشمس، فثبت يوسف ثباتا حسنا، وجرح من اصحاب ابى طاهر بالنشاب خلق، وكان ابو طاهر في عمارية مع مائتي فارس من اصحابه، فنزل حينئذ وركب، فسار وحمل بنفسه، وحمل يوسف بنفسه، واشتبكت الحرب، فاسر يوسف بن ابى الساج بعد ان ضرب على جنبه ضربه، وقد اجتهد به اصحابه في الانصراف فأبى، وقتل من اصحابه خلق وانهزم الباقون.
وحمل يوسف الى عسكر ابى طاهر فضرب له خيمه وفرشت، ووكل به، واستدعى بطبيب يعرف بابن السبعى ليعالجه، فقال: قد جمد الدم على وجهه، واريد ماء حارا قال: فلم أجد عندهم ما اسخن فيه الماء، فغسله بالماء البارد وعالجه قال الطبيب: وسألني يوسف عن اسمى واهلى، فاخبرته فوجدته بهم عارفا ايام تقلده الكوفه، فعجبت من فهمه وقله اكتراثه بما هو فيه.
ولما وصل الخبر بغداد دخل الناس كابه عظيمه وعولوا على الانحدار الى واسط، ثم ورد الخبر بان أبا طاهر رحل يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال، قاصدا عين التمر، فاستاجر على بن عيسى خمسمائة سميريه، وجعل فيها الف رجل، وانفذ الطيارات والشذات وحولها الى الفرات واقعد فيها الحجريه، لمنع القرمطى من عبور الفرات، وتقدم الى القواد بالمسير الى الأنبار لحفظها.
فلما كان يوم الجمعه، راى اهل الأنبار خيل ابى طاهر مقبلة في الجانب الغربي، فقطعوا الجسر، وعبر ابو طاهر في مائه رجل، ونشبت الحرب بينه وبين اصحاب
стр. 6035
السلطان، وعقد الجسر وخالف سواد الذين في السفن الى الجسر، فاحرقوه، فبقى ابو طاهر في الجانب الشرقى وعسكره وسواده في الغربي، وحالت السفن بينهما.
وورد الخبر الى بغداد بقتل ابى طاهر القواد، فخرج نصر الحاجب، ومعه الحجريه والرجاله ومن ببغداد من القواد، وبين يديه علم الخلافه ومعه ابو الهيجاء عبد الله بن حمدان واخوته.
فاجتمع مع نصر ما يزيد على الأربعين الف رجل، فنزل على قنطره النهر المعروف بزبارا، بناحيه عقرقوف، على فرسخين، ولحق به موسى، واشار ابو الهيجاء على نصر الحاجب وعلى مؤنس بقطع نهر زبارا، والح عليه في ذلك، فلما رآه متثاقلا عن قبول رايه، قال له: ايها الأستاذ أقطعها واقطع لحيتي معها، فقطعها حينئذ.
وسار ابو طاهر، ومن معه من اصحابه في الجانب الشرقى من الفرات قاصدين نهر زبارا، فلما صار على فرسخ واحد من عسكر السلطان آخر يوم الاثنين لعشر خلون من ذي القعده بات موضعه.
وباكر المسير الى القنطرة، فوجدها مقطوعه، وتقدم احد رجاله اسود يقال له صبح، فما زال النشاب يأخذه حتى صار كالقنفذ وهو مقدم، فراى القنطرة مقطوعه فرجع.
ولما علم اصحاب ابى طاهر ان النهر لا يخيض، عادوا القهقرى من غير ان يولوا ظهرهم، وعادوا الى الأنبار ولم يجسر احد على اتباعهم.
وكان الرأي فيما اشار به ابو الهيجاء من قطع القنطرة، ولولاها لعبر القرمطى غير مستهول لجمع اصحاب السلطان.
وطمع مؤنس المظفر في سواده وتخليص ابن ابى الساج من اقياده، فانفذ بليق حاجبه وجماعه من القواد، وسته آلاف من غلمان يوسف، فبلغ ذلك أبا طاهر، فانفرد من اصحابه ماشيا، وعبر في زورق صياد، دفع اليه الف دينار، فاجتمع مع قومه فلم يثبت له بليق، وبصر ابو طاهر بابن ابى الساج وقد خرج من الخيمة لما ناداه
стр. 6036
غلمانه، فقال له القرمطى: طمعت في تخليصهم لك! وامر به فضربت عنقه واعناق من كان معه من الأسرى.
واحتال ابو طاهر في عبور اصحابه من الجانب الشرقى الى الجانب الغربي، وكان مع ابى طاهر سبعمائة فارس وثمانمائه راجل.
وتقدم على بن عيسى الى نازوك بالطواف ببغداد ليلا ونهارا، لكثرة العيارين، وأباح دم من ظهر منهم، ونقل الناس امتعتهم الى منازلهم خوفا منهم، واكترى وجوه الناس السفن.
وقصد القرمطى هيت، وبها هارون بن غريب وسعيد بن حمدان، فقاتلا من علا سورها بالمنجنيقات، بعد ان قتلوا من اصحابه عده فسكنت نفوس من ببغداد.
وتصدق المقتدر بمائه الف درهم.
وبادر على بن عيسى الى المقتدر بالله وقال له: انما جمع الخلفاء الأموال ليقمعوا بها الأعداء، ولم تلحق المسلمين مضره كهذه من هذا الكافر الذى اوقع بالحاج سنه اثنتى عشره وثلاثمائة، ولم يبق في بيت مال الخاصة شيء، فاتق الله يا امير المؤمنين، وخاطب السيده حتى تطلق ما عندها من مال ادخرته لشديده، فهذه أمها، وان لم يكن هناك شيء فالحق خراسان.
فدخل الى السيده، فأعطته خمسمائة الف دينار، وكان في بيت مال الخاصة مثلها.
واخبر على بن عيسى، بحال رجل شيرازى يكاتب القرمطى واتباعه، فاحضره فاقر انه من اصحابه، لم يتبعه الا لحق رآه معه وقال له: لسنا كالرافضة الحمقى، الذين يدعون اماما منتظرا، وامامنا فلان ابن فلان ابن اسماعيل بن جعفر، فامر به فحبس بعد الضرب، فامتنع في حبسه من الطعام والشراب فمات بعد ثلاثة ايام.
وكتب القرمطى الى مؤنس كتابا، في آخره:
قولوا لمؤنسكم بالراح كن أنسا ... واستتبع الراح سرنايا ومزمارا
وقد تمثلت عن شوق تقاذف بي ... بيتا من الشعر للماضين قد سارا
نزوركم لا نؤاخذكم بجفوتكم ... ان الكريم إذا لم يستزر زارا
ولا نكون كأنتم في تخلفكم ... من عالج الشوق لم يستبعد الدار
وله اشعار كثيره تركناها لشياعتها.
стр. 6037
سنه ست عشره وثلاثمائة
. دخل مؤنس المظفر بغداد، وبعده نصر.
وندب مؤنس للخروج الى الرقة، لما وصل الخبر باستيلاء القرمطى على الرحبه حربا وقتله أهلها ورهبت الاعراب أبا طاهر، حتى كانوا يتطايرون عند سماع ذكره، وجعل على كل بيت منهم دينارا بعد ان نهبهم.
وعاود القرمطى هيب، فلم يقدر عليها، فاتى الكوفه، وجاء الى قصر ابن هبيرة فخرج اليه نصر، فحم نصر حمى شديده حاده، فسار مع ذلك الى شورا وبينه وبين القرمطى نهرها، واستخلف على الجيش احمد بن كيغلغ، وانفذ معه الجيش.
وانصرف القرمطى من غير لقاء.
واشتدت عله نصر، وجف لسانه من شده الحمى، فاعيد الى بغداد، فمات في الطريق في عمارية، فانفذ المقتدر على الجيش هارون بن غريب، فدخل بهم بغداد.
واقام على بن عيسى حين راى تنكر الأمور على الاستعفاء من الوزارة، والمقتدر يجلبه، ويستوقفه حتى اعفاه.
واستوزر المقتدر أبا على بن مقله ضرورة، وذلك بمشوره نصر، فلما كان في النصف من شهر ربيع الاول، انفذ المقتدر هارون بن غريب، ومعه ابو جعفر بن شيرزاد للقبض على على بن عيسى، فاستحيا هارون من لقائه بذلك، فانفذ أبا جعفر، فوجده مستعدا قد لبس خفا وعمامة وطيلسانا، واستصحب مصحفا ومقراضا، وسال هارون صيانة حرمه، ففعل وحمل مع أخيه ابى على الى دار السلطان، فاعتقله في دار زيدان القهرمانه، وكانت وزارته هذه سنه واربعه اشهر ويومين.
стр. 6038
وزارة ابى على بن مقله
وقد كان محمد بن خلف النيرمانى بذل في الوزارة ثلاثمائة الف دينار، فلم تقبل منه، لما عرف منه الجهل بالكتابه والتهور في الافعال.
واحضر ابن مقله يوم الخميس سادس عشر ربيع الاول، وقلد الوزارة، ووصل الى الخليفة وخلع عليه، وحمل اليه طعام على العادة التي جرت للوزارة إذا خلع عليهم.
ودس نصر الحاجب على على بن عيسى من ادعى مكاتبته القرمطى على يده، وذلك لعداوة بينه وبينه، ولممايله على لمؤنس.
وعزم الخليفة على ضرب على بن عيسى بالسياط على باب العامه، فوقفت السيده على بطلان الأمر فازالت من نفس المقتدر تصديق ذلك، وثنته عن رايه في معاقبته.
واتفق لابن مقله ما مشى به الأمور، انفاذه البريدى له- وكان بينهما موده- سفاتجا بثلاثمائة الف دينار، وغير ذلك من وجوه اخر.
وتغاير سواس هارون بن غريب على غلام امرد، فوقع الحرب بينهم، فاخذ نازوك سواس هارون وحبسهم، فسار اصحاب هارون الى مجلس الشرطه وضربوا خليفه نازوك، وأخذوا اصحابه فلم ينكر ذلك المقتدر فجمع نازوك رجاله وزحف الى دار هارون، فقتل من اصحابه قوما، ووقعت الحرب، فجاء ابن مقله ومفلح الأسود فاديا رساله إليهما عن المقتدر حتى كفا.
واقام مؤنس في داره مستوحشا، فأظهر ان ذلك لمرض في ساقه، وصار اليه هارون لابسا دراعه فاصطلحا.
واقام هارون ببستان النجمى، قاصدا للبعد من الفتن، فكتب اصحاب مؤنس
стр. 6039
اليه وهو بالرقة، بان الأمر قد تم لهارون في امره الأمراء، فاسرع الى بغداد ولم ينحدر الى المقتدر وصعد اليه الأمير ابو العباس والوزير ابو على فسلما عليه.
وقدم عليه ابو الهيجاء من الجبل، وقلد احمد بن نصر الحجبة، وأخذ منه ستين الف دينار، وذلك في شهر رمضان، وصرف في ذي الحجه.
وقبض ابن مقله على ابى محمد بن عبد الله كاتب نصر، والزمه خمسين الف دينار.
стр. 6040
سنه سبع عشره وثلاثمائة
في يوم السبت ثالث المحرم، خرج مؤنس الى باب الشماسيه، وخرج الجيش معه، وعبر اليه نازوك في اصحابه، وخرج اليه ابو الهيجاء وسائر القواد، ثم انتقلوا الى المصلى.
وشحن المقتدر داره بهارون بن غريب واحمد بن كيغلغ والحجريه والرجاله المصافيه فما كان آخر النهار حتى مضوا الى مؤنس.
وراسل مؤنس المقتدر ان الجيش عاتب بما يصير الى الخدم والحرم ودخولهم في الرأي، وهم يطالبون باخراجهم عن الدار، فأجابه المقتدر برقعة طويله فيها:
امتعنى الله بك ولا أخلاني منك، ولا أراني سوءا فيك، تاملت الحال التي خرج اولياؤنا وصنائعنا وشيعتنا إليها وتمسكوا بها، وأقاموا عليها، فوجدتم لم يريدوا الا صيانة نفسي وولدى، واعزاز امرى وملكي، بارك الله عليهم، واحسن اليهم وأعانني على صالح ما انويه لهم واما أنت يا أبا الحسن المظفر- لا خلونا منك- فشيخى وكبيرى، ومن لا ازول ولا احول عن الميل اليه والتوفر عليه والتحقق به، اعترض ما بيننا هذا الحادث الم يعترض، وانتقض هذا الأمر الذى لحقنا او لم ينتقض، وأرجو الا تشك في ذلك ان صدفت نفسك وحاسبتها، وازلت الظنون السيئه عنها، ادام الله حراستها.
والذى ذكره أصحابنا من امر الحرم والخدم قول إذا تبينوه حق تبينه، وتصفحوه حق تصفحه، علموا انه قول جاف، والبغى فيه على غير مستتر ولا خاف ولا يثارى موافقتهم واتباعى مصلحتهم اجبتهم الى المتيسر في امر هذه الطبقة، واتقدم بقبض اقطاعاتهم وحظر تسويغاتهم، واخراج من يجوز اخراجه من دارى، ولا اطلق للباقين الدخول في تدبيرى ورأيي، واوعز بمكاتبه العمال في استيفاء حق بيت المال من
стр. 6041
ضياعهم الصحيحه الملك، دون ما يقال انه قد لابسه الريب والشك، وانظر بنفسي في امر الخاصة والعامه وابلغ في انصافها والاحسان إليها الغاية.
واما أنتم، فمعظم نعمكم منى، وما كنت لأعود عليكم في شيء سمحت به ورايته في وقته، وأراه الان زهيدا، في جنب استحقاقكم، وانا بتثميره اولى وبتوفيره احرى.
اما نازوك، فلست ادرى لأي شيء عتب، ولا لأي حال استوحش واضطرب؟ فما غيرت له حالا، ولا حزت له مالا.
واما عبد الله بن حمدان، فالذي احفظه صرفه عن الدينور وتهيؤ اعادته إليها ان كان راغبا فيها، وما عندي له ولنازوك والعصاة كلها الا التجاوز والإبقاء وبعد هذا وقبله، فلي في أعناقكم بيعه قد وكدتموها على انفسكم دفعه بعد اخرى.
ومن بايعنى فإنما بايع الله سبحانه، ومن نكث فإنما نكث عهد الله، ولي عندكم أيضا نعم واياد وعندكم صنائع وعوارف، آمل ان تعترفوا بها وتلتزموها وتشكروها، فان راجعتم هذا الجميل، وتلقيتم هذا الخطب الجليل، وفرقتم جموعكم ومزقتموها وعدتم الى منازلكم واستوطنتموها، واقبلتم على شئونكم فلم تقصروا فيها كنتم بمنزله من لم يبرح من موضعه، ولم يأت بما يعود بتشعث محله وموقعه، وان ابيتم الا مكاشفه ومخالفه، فقد وليتكم ما توليتم، واغمدت سيفي عنكم، ولجات في نصرتي ومعونتى الى الله سبحانه، ولم اسلم الحق الذى جعله الله تعالى لي، واقتديت بعثمان بن عفان رضى الله عنه، حين لم يخرج من داره، ولم يسلم حقه لما خذله عامه ثقاته وانصاره، والله تعالى بصير بالعباد وللظالمين بالمرصاد.
ولما وقف مؤنس ونازوك وابو الهيجاء على الرقعة، طالبوه باخراج هارون، فاخرجه من يومه الى الثغور الشامية والجزرية.
وعاد مؤنس والجيش الى بغداد في يوم عاشوراء وزحفوا الى دار السلطان، فهرب المظفر بن ياقوت والخدم والحجاب وابن مقله
стр. 6042
واخرج المقتدر والدته وخالته وحرمه ليلا الى دار مؤنس، ودخل حينئذ من قطربل الى بغداد مستترا.
واصعد نازوك بغلامه مؤنس الى دار ابن طاهر، ففتح له كافور الموكل بها، وسلم اليه محمد بن المعتضد بالله، واحرق في طريقه دار هارون وبويع محمد بالخلافة، بايعه مؤنس والقواد ولقب القاهر بالله.
واخرج مؤنس على بن عيسى من دار السلطان، فاطلقه الى منزله وقلد أبا على بن مقله وزارة القاهر.
وقلد نازوك الحجبة والشرطه.
واضاف الى اعمال ابى الهيجاء اعمالا كثيره.
ومضى بنى ابن نفيس، بعد ان وقع النهب في دار السلطان الى تربه السيده بالرصافة، فوجد لها هناك ستمائه الف دينار.
واشهد المقتدر على نفسه بالخلع القضاه وأخذ القاضى ابو عمر الكتاب، فلم يطلع عليه أحدا، فكان هذا من اقوى ذرائعه عند المقتدر، لما عاد الى الخلافه.
وسكن النهب عند ولايه القاهر، وجلس ابن مقله بين يديه، وكتب بخلافته الى الافاق.
وتقدم الى نازوك بقلع خيم الرجاله، والمنع للحجريه من دخول الدار فاضطربوا.
فلما كان يوم الاثنين سابع عشر المحرم، بكر الناس الى دار الخلافه، لأنه يوم الموكب وحضر الخلق والعسكر باسره، وطالبوا بالرزق والبيعه ولم ينحدر مؤنس يومئذ.
وهجمت الرجاله تريد الصحن التسعينى، وكان نازوك نهى اصحابه عن معارضتهم، إشفاقا من الفتنة، فقاربوا القاهر بالسلاح، وكان جالسا في الرواق، بين يديه ابن مقله ونازوك وابو الهيجاء، فانفذ بنازوك ليردهم وهو مخمور قد شرب ليلته، فقصدوه بالسلاح، فهرب منهم، فطمعوا فيه، وانتهى به الهرب الى باب كان
стр. 6043
قد سده خوفا من الدخول منه فكانت منيته عنده، فقتلوه وصاحوا مقتدر يا منصور.
فهرب كل من في الدار، وصلبوا نازوك وعجيبا الخادم على خشب الستارة، وبادر الخدم الى أبواب الدار فغلقوها، لانهم خدم المقتدر وصنائعه.
وبادر ابو الهيجاء الخروج، فصاح القاهر به: تسلمني يا أبا الهيجاء! فأخذته الحمية فقال: لا والله لا اسلمك وعاد ابو الهيجاء ويده في يد القاهر الى دار السلام، وقصد الروشن فوجد الرجاله منتظمين، فنزل ابو الهيجاء معه وقال له: وتربه حمدان لا فارقتك يا مولاى او اقتل دونك! ومضى ابو الهيجاء الى الفردوس ونزع سواده ومنطقته واعطى ذلك غلامه، وأخذ جبه صوف مصريه عليه، وركب دابه غلامه، ومضى الى باب النوبى، فوجد الجيش وراءه وهو مغلق، فعاد الى القاهر، وقال: هذا امر من السماء، قد حمل راس نازوك الى هناك.
ودخلا من حيث خرجا، وأتيا دار الأترجة، وتأخر عنهما فائق وجه القصعة، واشار على الخدم بقتل ابى الهيجاء، وذكرهم عداوته للمقتدر، فاتوه بقسي ودبابيس فجرد سيفه ونزع جبته، وحمل عليهم فاجفلوا منه ورموه ضرورة، ورماه احد الحجريه بنشابه وهو ينادى: يال تغلب! القتل بين الحيطان اين الكميت بن الدهماء! فرماه خمار جونه بسهمين: أحدهما نظم فخذيه والآخر مال بترقوته، فانتزع السهام ومضى الى بيت فسقط فيه قبل ان يصل اليه.
فبادره اسود، فضرب يده فقطعها، وأخذ سيفه، وغشيه اسود آخر فحز راسه.
وامتنع المقتدر، وهو بدار ابن طاهر، من المضى الى دار السلطان، وخاف ان تكون حيله عليه، فحملوه على رقابهم الى الطيار.
فلما حصل في دار الخلافه سال عن ابى الهيجاء، فقيل له: هو في الأترجة، فكتب له أمانا بخطه، وقال لبعض الخدم: ويلك بادر به لا تنم عليه امره.
فلما حصل الخادم في الطريق، تلقاه خادم آخر برأسه، فعاد الى المقتدر فعزاه
стр. 6044
عنه، فظهرت كابته وقال: ويلك من قتله؟ فغمزه مفلح الأسود، فقال: لا ادرى فكرر: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! وظهر من حزنه عليه امر عظيم.
وكان ابو الهيجاء في الشجاعة بمنزله كبيره، حكت عنه احدى حظاياه، انه كان يواقعها في سفر، فجاء السبع الى باب مضربه، فجرد سيفه وحمل عليه، وأتاها برأسه، وعاد الى الحال التي كان عليها، لم تفتر شهوته ولم تكل آلته.
واتى المقتدر بالقاهر، واستدناه، وقبل جبينه، والقاهر يقول: نفسي نفسي يا امير المؤمنين، فقال له: لا ذنب لك لأنك اكرهت، وحق رَسُول اللَّهِ ﷺ لا جرى عليك سوء منى ابدا، فاطمان.
وشهر ببغداد راس نازوك وابى الهيجاء، ونودى عليهما: هذا جزاء من كفر نعمه مولاه.
وعاد ابن مقله الى الوزارة، وكتب باعاده الخلافه الى المقتدر وحكى ان بدر بن الهيثم القاضى، ركب للتهنئه ورجوع الخلافه الى المقتدر بالله، وقال لابن مقله: بين ركبتي هذه وركبه ركبتها مائه سنه، لأنني ركبت للتعزية بوفاه المأمون سنه سبع عشره ومائتين مع ابى، وقد ركبت اليوم للتهنئه بعود المقتدر سنه سبع عشره وثلاثمائة، وتوفى بدر بعد ايام سنه مائه واثنتى عشره سنه.
وجددت البيعه على الناس، فاطلق للفرسان زياده ثلاثة دنانير في الشهر، وللرجال زياده دينار ونفدت الأموال في عطياتهم حتى بيعت الآلات والكسوة.
واشهد المقتدر بالله على نفسه، بتوكيل على بن العباس النوبختى في بيع الضياع.
وحضر على بن عيسى فقام اليه ابن مقله، وشاهد البيع، فانتهى الى بيع ضياع جبريل والد بختيشوع، وقد بيعت بثمن نزر، فقال: لا اله الا الله! حدثنى شيخنا القاسم عيسى بن داود- يعنى أباه- ان المتوكل ﵀، لما غضب على بختيشوع انفذ لإحصاء ما في داره، فوجد في خزانه كسوته رقعه فيها ثمن ضياعه، مبلغ ذلك بضعه عشر آلاف الف درهم.
وخلع المقتدر على ابن مقله وكناه وقلد أبا عمر قضاء القضاه، وكتب عهده.
واوقع في هذه السنه القرمطى بالحجيج في المسجد الحرام، وقتل امير مكة، وقلع الحجر الأسود، وسلب البيت، واصعد رجلا من اصحابه ليقلع الميزاب، فتردى فهلك،
стр. 6045
وطرح القتلى بزمزم، والقى من بقي في المسجد، وأخذ الأموال وحمل الحجر الى بلده.
قال المقتدر: قال لي عقيل بن عصام العقيلي بقرية ابروذه من الدجيل:
حدثنى ابى: انه راى أبا طاهر وبين يديه خمسون يضربون الرقاب، فقتل من الحجيج نحو عشره آلاف وهو يقول:
ولو كان هذا البيت بيتا لربنا ... لصب علينا النار من فوقنا صبا
وانا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لا نبغى سوى كسبها ربا
لعنه الله واتباعه لعنا وبيلا! واتى اهل مكة على من عندهم من الحاج، فقتلوهم وسلبوهم.
وقلد ابنا رائق شرطه بغداد، مكان نازوك.
وورد ياقوت من فارس، فخلع المقتدر عليه، وعلى ابنه المظفر، وولى مكانه نجحا الطولونى بفارس وكرمان وعزل ياقوت، وجعل الاشراف بها لابن ابى مسلم.
وانحدر بعد ذلك مؤنس الى المقتدر، فخلع عليه ونادمه، وساله في أم موسى الهاشمية، وفي أم دستنبويه، فأجيب ووصلت بسبعه آلاف دينار.
ورتب على بن عيسى في المظالم، وجعلت الدواوين اليه.
وفيها فتح هارون بن غريب شهرزور، وطالبهم بخراج عشرين سنه عصوا فيها، وصالحوه على سبعه وثلاثين الف دينار ومائتي الف درهم.
وفيها رتب الحجريه على بن مقله، وضربوه بالدبابيس فافلت منهم.
وفيها ملك اصحاب ما كان الديلمى قاسان.
стр. 6046
سنه ثماني عشره وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
زاد امر الرجاله وكثر تسحبهم وادلالهم، بأنهم كانوا السبب في عود المقتدر الى داره.
وطالب الفرسان بالمال، فاحتج عليهم السلطان، بانه يصرف الى الرجاله في كل شهر مائه وثلاثين الف دينار.
وركبت الفرسان مع محمد بن ياقوت، فطردوهم واوقع بالسودان بباب عمار، وحرق دورهم، فهربت الرجاله الى واسط، ورئيسهم. نصر الساجي، فغلبوا عليها فانحدر مؤنس فاوقع بهم، فلم ترتفع لهم رايه بعد ذلك.
وكان بين محمد بن ياقوت ومؤنس تباعد، فلممايله مؤنس ابن مقله، عاداه بالانضمام اليه، وقبض على الوزير سليمان بن الحسن، حين عرفت اضاقته، وكثرت المطالبات له، فكانت مده وزارته سنه وشهرين
. وزارة ابى القاسم عبد الله بن محمد الكلواذى
كانت في يوم الاثنين سابع رجب، واقرضه ابن قرابه مائتي الف دينار بربح درهم في كل دينار.
وملك مزداويج الجبل باسره الى حلوان.
وانهزم هارون بن غريب الى دير العاقول.
واستامن يشكرى الديلمى الى هارون، وهو من اصحاب اسفار، وانهزم بانهزامه وصادر يشكرى اهل نهاوند في اسبوع، على ثلاثة آلاف الف درهم، وانبثت
стр. 6047
الاخبار، وصادر اهل الكرج وملك أصبهان، وكان بها احمد بن كيغلغ، فخرج هاربا في ثلاثين نفسا.
فكان لأحمد من الاتفاق العجيب ان يشكرى تبعه الى قريه، فعاون أهلها احمد وتقارب احمد ويشكرى، فضربه احمد ضربه قدت مغفره وخوذته، ونزلت في راسه فقتلته، وانهزم اصحابه، وسن احمد يومئذ سبعون سنه.
وركب الكلوذانى في طيارة، فرجمه قوم من الجند، طلبوا أرزاقهم، فجعل ذلك سببا لاغلاق بابه، وولى بعده الحسين بن القاسم الكرخي
. وزارة الكرخي
كان ببغداد رجل يعرف بالدانيالى، يظهر كتبا عتيقه، وينسبها الى دانيال النبي ﵇، ويودع تلك الكتب أسماء قوم وحلاهم، فاستوى جاهه، وقامت سوقه بين اهل الدولة وعند القاضى ابى عمر وابنه.
وذكر لمفلح الأسود، انه من ولد جعفر بن ابى طالب، فنفق بذلك عليه، وأخذ منه مالا كثيرا، واشار عليه ابن زنجى باثبات صفه الحسين بن القاسم، وذكر الجدري الذى في وجهه والعلامات التي في شفته العليا، فكتب ذلك، وانه ان وزر للثامن عشر من ولد العباس استقامت أموره، فعمل دفترا، وذكر ذلك في تضاعيفه وعتقه في التبن، وجعله تحت خفه ومشى عليه حتى اصفر وعتق.
قال ابن زنجى: فلولا معرفتي من عمله له لم اشك في انه قديم وحمله الى مفلح فعرضه على المقتدر، فقال له: اتعرف هذه الصفة لمن؟ قال: لا اعرفها الا للحسين بن القاسم، قال: فاستدعاه وشاوره.
قال ابن زنجى: ثم ان الدانيالى طالبنى بالمكافاه، فقلت: حتى يتم الأمر.
فلما ولى الحسين الوزارة، ولاه الحسبه، واجرى له مائتي دينار في الشهر
стр. 6048
وسعى له بليق في الوزارة، وتقلدها يوم الجمعه لليلتين بقيتا من شهر رمضان، فتشاغل عن الجلوس بالتهنئة بجمع الأموال التي يحتاج إليها في نفقه العيد، وصار اليه على بن عيسى وهناه.
وكانت دمنه تعنى بأمر الحسين، فكانت توصل رقاعه، وكانت حظيه عند المقتدر فكان يخدمها ويخدم ابنها الأمير أبا احمد إسحاق في كل يوم بمائه دينار.
واختص به بنو البريدى وابو بكر بن قرابه، واقرضه اموالا بربح درهم في الدينار.
واختص به جعفر بن ورقاء، فقلد أبا عبد الله محمد بن خلف النيرمانى اعمال الحرب والخراج والضياع بحلوان، وغيرها من ماء الكوفه، ولبس القباء والسيف والمنطقه وتسمى بالاماره وسئل في اخراج على بن عيسى الى مصر، فدافع عنه مؤنس وقال: انه شيخ نرجع الى رايه حتى احدره الى الصافية.
وابتدأ مؤنس في الاستيحاش وبلغ الحسين ان مؤنسا على كبسه ليلا، فكان ينتقل في كل ليله الى مكان، خوفا منه وراسل مؤنس المقتدر في صرف الحسين عن الوزارة فأجابه.
وسعى الحسين بمؤنس وقال للمقتدر: انه قد عزم على ان يخرج الأمير أبا العباس الى الشام ويقرر له الخلافه.
وكتب الحسين الى هارون بن غريب، وهو بدير العاقول، يأمره بالمبادره الى الحضره فاستوحش مؤنس، واظهر الغضب وسار في اصحابه الى الموصل.
وجاء بشرى خادم شفيع برسالة الى المقتدر، فشتمه الحسين وشتم صاحبه، وضربه بالمقارع، وأخذ خطه بثلاثمائة الف دينار.
ووقع الحسين بقبض املاك مؤنس وضياع أسبابه، وافرد له ديوانا سماه ديوان المخالفين.
وزاد مخل الحسين من المقتدر، فكان ينفذ له الطعام من بين يديه، ولقبه عميد الدولة، وامر بذكر لقبه على الدنانير.
وقلد أبا يوسف محمد بن يعقوب البريدى البصره، والقيام بنفقتها فتقدم الى
стр. 6049
الكتاب، باخراج خراج البصره، فاخرجوه من صلاه الفجر الى عتمه يومه، واحضر البريدى ووافقه على ذلك، وأخذ خطه بالقيام بمال الأولياء بالبصرة، وان يرتب لحفظ السور زياده على من عليه الف رجل، وان يحمل بعد النفقات سبعين الف دينار، وحمل الخط الى الوزير متبجحا به، فلم يقع من الوزير بموقع، وظن انه وبخه بذلك.
وعرف المقتدر فوقع موقعه عنده، وغلظ على الحسين، فخافه الفضل بن جعفر، فاستتر منه عند ابن قرابه، فقلد الحسين الديوان أبا القاسم الكلواذى.
وجد ابو الفتح في طلب الوزارة، وصودر ابن مقله عند بعد مؤنس عن مائتي الف دينار.
واراد الحسين مصادره على بن عيسى، وهو بالصافية مقيم، فمنع منه هارون بن غريب وكان بدير العاقول.
ووصل هارون الى دار السلطان، فلقى المقتدر وساله في ابن مقله، فحط عنه خمسين الف دينار، فانصرف الى داره، فقصده الوزير وابنا رائق ومحمد بن ياقوت ومفلح وشفيع.
وأخذ ابن مقله في استماحه الناس، ففضل له عن الذى صودر عليه عشرون الف دينار فابتاع بها ضياعا وقفها على الطالبيين وكان اتباعها باسم عبد الله بن على المقرئ.
وقبض المقتدر على ابى احمد بن المكتفي، ومحمد بن المعتضد، فاعتمدت السيده مراعاه محمد، واهدت اليه الجوارى وراعته في نفقته، واعتقلا بدار السلطان واشتدت الإضافة بالحسين فباع ضياعا بخمسمائة الف دينار، واستسلف من مال سنه عشرين وثلاثمائة قبل افتتاحها، فاخبر هارون حاله للمقتدر، فكتب للخصيبى أمانا فظهر فخوطب بالوزارة، فذكر ان الحسين استسلف من مال سنه عشرين قطعه وافرة، وانه لا يغر السلطان من نفسه، فولاه ديوان الازمه، واجرى له ولكتابه الف دينار وسبعمائة دينار في كل شهر، واقر الحسين على الوزارة وخلع عليه، ليزول الارجاف عنه
стр. 6050
واجتمع الحسين والخصيبى، فاخذ الحسين يعانده والخصيبى ممسك، فلما بلغ ذلك المقتدر انحل امر الحسين عنده فقبض عليه، فكانت وزارته سبعه اشهر
. وزارة ابى الفتح الفضل بن جعفر
وخلع عليه لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر.
وصادر الحسين في نوب، أخذ منه في إحداها اربعين الف دينار، ثم ابعده الى البصره واقام له في كل شهر خمسه آلاف درهم.
وانفذ مزداويج رسولا يسال ان يقاطع عن الاعمال التي غلب عليها من اعمال المشرق، فأجيب، وتكفل هارون بن غريب بامره، وكتب له العهد وانفذ اليه اللواء والخلع، ومشى الوزير ابو الفتح الأمور بمائه الف دينار الزمت للبريدى ونفى ابن مقله الى شيراز.
ومات ابو عمر القاضى، فاغرى ابو بكر بن قرابه بورثته، وقال للمقتدر: هاهنا من يعطى مائه الف دينار لقضاء القضاه! ويوفر هذا المال من جهته.
وانفذ المقتدر بكتاب الى ابى الحسين القاضى معه، وعرفه الحال، فاتوه وهو في العزاء، وأمسكوا، فقال ابن قرابه: ما لهذا حضرنا، قم معنا حتى نخلو، فنهض واستوفى عليه ابن قرابه الخطاب، فقال ابو الحسين: ان نعمنا من امير المؤمنين، واساله ان يمهلنا يومه، حتى يحصل امره.
فلما كان بالعشي، وكان شهر رمضان، مضى الى دار ابن قرابه، فدخل والمائدة بين يديه، وعنده البريديون، فأكل قاصدا لاستكفاء شره، وقال: قد جئتك مستسلما إليك فدبرنى بما ترى.
وقرب منه البريديون، وقالوا متوجعين: له عندنا ثلاثة آلاف دينار نعينك بها، واستصوبوا قصده لابن قرابه، فقال له ابن قرابه: امض مصاحبا، وتعطف عليه المقتدر بالله، وعاونه البريديون واخوانه فقلده قضاء القضاه.
ووصف المقتدر لابن قرابه ما هو فيه من الإضافة، فقال له: لم لا يعاونك ابن خالك هارون بن غريب وعنده آزاج مملوءة دنانير؟ فقال هارون: لو كنت املك
стр. 6051
شيئا لما بخلت به عن امير المؤمنين، لان سلامتي معقودة بسلامته، ولكن مع ابن قرابه من المال ما لا يحتاج اليه، وانا استخرج لك منه خمسمائة الف دينار، فقال:
اذهب فتسلمه، فقبض عليه وجرى عليه من المكروه ما اشفى به على التلف، حتى قتل المقتدر بالله فخلص.
وحكى ابن سنان: ان ابن قرابه كان صديقا لأبيه، فدخل عليه بعد ما صودر فقال له: خلطت حتى صودرت، وقد حصل لي الان ما يرتفع منه عشرون الف دينار في السنه خالصه لي، ولي من الاملاك ما ليس لأحد مثله ومن الآلات والفرش والمخروط والصيني والجوهر ما ليس لأحد، وكذلك من الرقيق والخدم والغلمان والكراع، ومعى ثلاثمائة الف دينار صامت، لا احتاج إليها، وبيني وبين ابن مقله موده، وهو مقدم من فارس وزيرا، فهل ترى لي ترك التخليط ولزوم رب النعمه وإصلاحها! فقال له ابن سنان: ما رايت اعجب من امرك، انما يسال عن الأمر الخفى، واما عن الواضح الجلى فكلا، وبعد فان اعقبك فائده واثمرك صلاحا، فلازمه، والا فكف عنه وأيضا فان الإنسان يكد ليحصل له بعض ما حصل لك وقد أتاك هذا وادعا فاشكر الله وتمتع بنعمتك التي انعم الله سبحانه بها عليك، فقال:
صدقت ونصحت، ولكن لي نفس مشئومه لا تصبر، وساعود الى ما كنت فيه.
فلما خرج سنان من عنده، قال: لا يموت ابن قرابه الا فقيرا او مقتولا.
ولما ورد مؤنس، وكان هارون بن غريب قد وكل به غلمانه وقيده، وامرهم باخراجه الى واسط، فقتل المقتدر بالله ﵀ في ذلك اليوم، فهرب الموكلون به وبقي معه خادمان وكان ابن قرابه اشتراهما لهارون، فتعطفا عليه وصارا به الى الفرضه، وادخلاه مسجدا بها واحضرا حدادا، فكسر قيوده ومشى الى منزله بسويقه
стр. 6052
غالب، ووهبا له خمسمائة دينار.
ثم اداه التخليط الى ان قبض عليه القاهر، فأزال نعمته وقبض املاكه وهدمت داره، واراد قتله فزال امر القاهر فعاد الى تخليطه.
ومضى الى البريديين لما خالفوا السلطان.
ومضى الى معز الدولة من نهر ديالى، وصودر حتى لم يبق له بقية، واضطر الى ان خدم ناصر الدولة، في كل شهر بمائه دينار، وكان ينفق أمثالها ومات بالموصل.
وفي ذي الحجه من هذه السنه، عقد المقتدر لأبي العلاء سعيد بن حمدان على الموصل وديار ربيعه.
وفي هذه السنه توفى ابو القاسم البلخى المتكلم صاحب المقالات والتفسير ببلخ.
وفي سنه عشرين وثلاثمائة كاتب الحسين بن القاسم داود وسعيدا ابنى حمدان والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربه مؤنس، فامتنع داود من لقاء مؤنس، لأنه لم يزل محسنا اليه، فما زال به اهله حتى لقيه وقال: هذه تغسل ما فعله الحسين بن حمدان وابو الهيجاء، فكان يقول: والله انى اخاف ان يجيء سهم نجار فيقع في حلقى فيقتلني، فكان حاله كذلك، قتل وحده بسهم.
وكان بنو حمدان في ثلاثين ألفا، ومؤنس في ثمانمائه رجل فانهزموا، وتعجب مؤنس من محاربه داود له، وكان يقول: يا قوم في حجري ختن، ولي عليه من الحقوق ما ليس لأبيه.
وملك مؤنس اموال بنى حمدان، واستولى على الموصل، وكثر خروج الناس اليه ولما اقام بها تسعه اشهر، حمله من خرج اليه على الانحدار الى الحضره، وبلغ الجند بها انحداره، فشغبوا وطالبوا بأرزاقهم، فاطلق لهم المقتدر ذلك، واخرج مضرب الدم الى باب الشماسيه.
وتراجعت طلائع المقتدر، وبها سعيد بن حمدان ومحمد بن ياقوت ومؤنس الورقانى واجتهد المقتدر بهارون ان يخرج للحرب
стр. 6053
وجاء محمد بن ياقوت، والوزير الفضل بن جعفر الى المقتدر ومعهما ابن رائق ومفلح، وقالوا: ان الرجال لا تقاتل الا بالمال، وسألوه في مائتي الف دينار من جهته وجهة والدته، فقال: ليس الى ذلك وجه، وتقدم بإصلاح الشذاءات والطيارات لينحدر هو وحرمه الى واسط، فقال له محمد بن ياقوت: اتق الله يا امير المؤمنين ولا تسلم بغداد بغير حرب، وان رجال مؤنس ان رأوك أحجموا عن القتال، فقال له: أنت والله رسول ابليس.
وركب المقتدر، ومعه هارون بن غريب، ومحمد بن ياقوت، وسائر القواد، وعليه البرده وبيده القضيب، وبين يديه ابنه الأمير ابو على، والانصار حافون به، معهم المصاحف منشوره، والقراء يقرءون القرآن، وكثر الدعاء له، واصعد الى الشماسيه، ووقف على موضع عال.
واشتبكت الحرب، ومؤنس بالراشديه لم يحضرها، وثبت هارون ومحمد، وصار ابو العلاء سعيد بن حمدان برسالتهما الى المقتدر يسألانه الحضور، ليشاهده اصحاب مؤنس فيستامنوا فلم يجبه.
وتتابعت رسلهما، حتى كان آخرهم محمد بن احمد القراريطى، كاتب هارون، وهو لا يجيبهم، ووقف على ظهر دابته، ووراءه الوزير ابو الفتح ومفلح وخواص غلمانه، فلما ألحوا عليه وقالوا: ان الغلمان يؤثرون رؤية امير المؤمنين.
فمضى حينئذ كارها المضى، ومعه مفلح، وتخلف عنه الوزير، فلما قارب دجلة، انهزم اصحابه قبل وصولهم، واستأسر احمد بن كيغلغ وجماعه القواد، وآخر من ثبت محمد بن ياقوت.
ولقى المقتدر على بن بليق، فترجل له وقبل الارض بين يديه، ووافى البربر من اصحاب مؤنس، فأحاطوا بالمقتدر، وضربه رجل منهم ضربه فسقط منها، فقال:
ويحكم! انى الخليفة! فقالوا: فلك نطلب، واضجعوه وذبحه احدهم بالسيف، وطرح احد اصحابه نفسه عليه فذبح أيضا، ورفع راسه على خشبة، وسلب ثيابه،
стр. 6054
حتى مر به اكار، فستره بحشيش، وحفر له ودفنه وعفى اثره.
ونزل على بن بليق وأبوه في المضارب، وانفذ الى دار السلطان من يحفظها.
وانحدر مؤنس الى الشماسيه فبات بها.
ومضى عبد الواحد بن المقتدر ومفلح وهارون ومحمد وابناه رائق على ظهر خيولهم الى الميدان.
وكان ما فعله مؤنس من ضرب وجه المقتدر بالسيف سببا لجراه الأعداء على الخلفاء.
وكانت مده وزارة ابى الفتح لأمير المؤمنين المقتدر بالله ﵀ خمسه اشهر وعشرين يوما.
ولما حمل راس المقتدر الى مؤنس بكى، وقال: والله لنقتلن كلنا، والصواب ان نرتب مكانه ابنه أبا العباس، فتسخو نفس جدته السيده باخراج المال.
فثنى رأيهم ابو يعقوب إسحاق بن يعقوب النوبختى وقال: الصواب ان تولوا القاهر محمد بن المعتضد بالله، مقدرا استقامه امره معه، فكان الأمر على خلاف ما حسب
خلافه القاهر بالله ابو منصور بن المعتضد
كانت سنه وسته اشهر وخمسه ايام.
أمه تسمى قبول، وسبب خلافته، انه حمل الى مؤنس محمد بن المكتفي بالله، فخاطبه في تولى الخلافه فامتنع وقال: عمى أحق بالأمر، فخاطب عمه القاهر، فأجاب وحلف لمؤنس والقواد وبايعوه، وبايعه القضاه، وذلك سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال.
واشار مؤنس ان يستوزر له على بن عيسى، فقال بليق: وابنه على الحال الحاضره لا يقتضى ذلك، لأنها تحتاج الى سمح الكف واسع الأخلاق فاشار بابى على بن مقله وبان يستخلف له الى ان يقدم من فارس ابو القاسم الكلواذى فرضى
стр. 6055
مؤنس بذلك، واستخلفوا له الكلواذى، وكتبوا الى ياقوت بحمله عاجلا.
وانحدر القاهر الى دار الخلافه، واستدعى مؤنس على بن عيسى من الصافية، فاوصله الى القاهر، فخاطبه بكل جميل.
وكانت والده المقتدر في عله عظيمه من فساد مزاج واستسقاء ولما وقفت على حال ابنها امتنعت من الاكل حتى كادت تتلف، فرفق بها حتى اغتذت بيسير من خبز وملح فاحضرها القاهر وقررها بالمال، باللين تاره وبالخشونه اخرى، فقالت: لو كان عندي مال ما اسلمت ولدى للقتل وتجرعت بفراقه الثكل، وما لي غير صناديق فيها صياغات وثياب وطيب.
فعلقها في حبل البراده بفرد رجلها، وتناولها بالضرب بيده في المواضع الغامضه من بدنها، ولم يذكر إحسانها اليه وقت اعتقال المقتدر اياه، وضربها اكثر من مائه مقرعه.
ولما اوقع المكروه بها، لم يجد زياده على ما اعترفت به طوعا، وأخذ ما وجد لها فإذا هي صناديق فيها ما قيمته مائه الف وثلاثون الف دينار وتماثيل كافور قيمتها ثلاثمائة الف درهم.
فرفع ذلك الى الكلواذى وبليق وامرهما بحمله الى مؤنس، ليصرف في مال البيعه.
وصودر جميع اسباب المقتدر.
وصادر الفضل بن جعفر على عشرين الف دينار، فقال مؤنس: انا أؤديها عنه.
وحل القاهر ما وقفته السيده على الحرمين والثغور، واشترى ذلك اصحاب مؤنس.
بخمسمائة الف دينار
. وزارة ابن مقله
وقدم ابن مقله من شيراز يوم النحر، واختار لنفسه لقاء القاهر ليلا بطالع الجدى، وقال: فيه احد السعدين، وخلع عليه من الغد خلع الوزارة
стр. 6056
وصار الى دار مؤنس المظفر، فسلم عليه وانصرف الى داره.
وحضر الناس للتهنئه، وأتاه على بن عيسى، فلم يقم له، فاستقبح الناس فعله، وصار اليه ابن قرابه وعاود تخليطه.
وظهرت دمنه والده الأمير إسحاق بأمان كتبه القاهر لها، وبذلت عن ولدها عشرين الف دينار، ووجد اولاد المقتدر في دار على بن بليق.
وظهر شفيع المقتدرى بأمان، وقرر عليه خمسون الف دينار، وكان مملوكا لمؤنس، فحلف ان لا بد من بيعه، فنودي عليه، فبلغ ثمنه سبعين دينارا، فابتاعه الكلواذى باسم القاهر وشهد الشهود في العهد.
стр. 6057
سنه احدى وعشرين وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
قبض ابن مقله على جماعه من العمال، منهم النوبختى إسحاق بن اسماعيل، وعلى الكلواذى، وعتب عليه انه لم يراع اهله وقت غيبته، وأخذ خطه بمائتي الف دينار، وسلمه الى ابى بكر بن قرابه.
وقبض على بنى البريدى، وضمن اعمالهم محمد بن خلف النيرمانى بزيادة ثلاثمائة الف دينار، وضمن له ابن قرابه ان يصادرهم على ستمائه الف دينار.
ولم يزل ابو عبد الله البريدى يدارى محمد بن خلف، ويعرفه انه يعمل بين يديه فرفهه من بين اخوته وتوصل ابو عبد الله حتى ضمنه ابن قرابه واطلق.
ومضى البريدى الى ابن مقله وقال: عرفت من ابن خلف انه يطلب الوزارة، فانفذ خدمه وحجابه للقبض عليه، فهزمهم محمد بن خلف، وحصلهم في بيت، واقفل عليهم بابه، وتسور السطوح وهرب، فلم يظهر الا بعد عزل ابن مقله.
ومضى البريدى الى الاهواز بتوسط ابن قرابه حاله.
وكان ابن مقله يعادى أبا الخطاب بن ابى العباس بن الفرات، فلم يجد للقبض عليه طريقا، لأنه ترك التصرف منذ عشرين سنه، ولزم منزله وقنع بدخول ضيعته.
وكان ابن مقله استسعفه ايام نكبته، فاعتذر بالإضافة ولم يسعفه، فأظهر ابو الخطاب اولاده ودعا اولاد ابن مقله، فعادوا الى ابيهم واخبروه بزينته فتركه.
حتى قصده للسلام، فقبض عليه وطالبه بثلاثمائة الف دينار، فقال: بم يحتج على الوزير وقد تركت التصرف من عشرين سنه؟ وفي حال تصرفى كنت الزم الصحة، ولي على الوزير حقوق، مثله لا ينساها، ولولا تهجينه لي لقد كنت اظهر خطوطا له عندي قبل هذه الحال، وما اريد من رعايتها الا السلامة، وان كان يعتقد اننى ورثت من ابى مالا فاننا كنا جماعه اولاد، ولو كان شيء لتقاسمناه
стр. 6058
فقال ابن مقله للخصيبى: عاقبه، فعوقب، فلم يذعن، فقال: اضربوا عنقه، فقال للسياف: وجهني الى القبله، وأخذ يتشهد.
فقال مؤنس وقد بلغه الخبر: اى طريق لك على رجل لم يعمل منذ سنه تسع وتسعين ومائتين، وتوسط امره على عشره آلاف دينار، وصرفه الى منزله.
وتوسط ابن شيرزاد حال هارون بن غريب، على مصادره بثلاثمائة الف دينار، وعنى به مؤنس المظفر، فقبلت مصادرته وقلد اعمال ماه الكوفه وماسبذان.
وكان هارون بواسط، ففارقه عبد الواحد بن المقتدر ومحمد بن ياقوت وأبناء رائق وسرور ومفلح، وقصدوا السوس، واخرجوا البلاد في طريقهم، وأقاموا بسوق الاهواز، فنفذ لحربهم بليق.
وانحدر بدر الخرشنى في الماء وكوتب احمد بن نصر القشورى، وهو يتقلد البصره فلما تحصلت الجيوش بواسط، تغير اصحاب ابن ياقوت عليه، وصاحب البريدى بليق، وضمن تستر عسكره، وعمل بالاهواز كل عظيم من المصادرات، وأخذ الأمتعة واتى بعده البريدى فعمل كعمله.
وقال ابو عبد الله البريدى: لما رايت انحلال امر بليق هممت بالتغلب، وصار بين محمد بن ياقوت وبليق نهر، فحلف بليق لمحمد بالا يناله من جهته سوء إذا عبر اليه، فعبر اليه محمد، في غلام واحد، وانفرد وحلف كل واحد منهما لصاحبه، فاصطلحا على ان يسيرا الى الحضره ويكون بينهما منزل.
واشار البريدى على ابن الطبرى كاتب بليق، بان يخاطب استاذه في القبض على محمد فلما خاطبه، قال: ما كنت لاخفر أمانتي.
وخلف بليق بتستر البريدى، فعمل بها كل قبيح.
ورحل ابن ياقوت، وتبعه بليق الى مدينه السلام، فلما دخل بليق خلع القاهر عليه وطوقه وسوره، واطلق املاك ابن رائق ومحمد بن ياقوت ومفلح وسرور.
دون اقطاعاتهم
стр. 6059
وبيعت دار الوزارة بالمخرم، وكانت قديما لسليمان بن وهب، وذرعها اكثر من ثلاثمائة الف ذراع، وقطعت وصرف ثمنها في مال البيعه للقاهر بالله.
وورد الخبر من مصر بموت تكين الخاصة.
واشار ابن مقله بانفاذ على بن عيسى، فجاءه ليلا واستشفع الى كرمه به، وعرفه كبر سنه، فأعفاه عن الشخوص لما تذلل له، وهم بتقبيل يده، فمنعه من ذلك.
وورد كتاب محمد بن تكين، يخطب مكان ابيه، فأجيب اليه، فشغب الجند عليه بمصر وهزموه.
وانحرف ابن مقله عن محمد بن ياقوت، ومكن في قلب مؤنس المظفر وبليق وعلى ابنه انه في تدبير عليهم مع القاهر عليهم وان رسوله في ذلك عيسى الطبيب.
فوجه مؤنس بعلى بن بليق الى دار الخلافه، وهجم غلمانه على عيسى الطبيب، فاخذوه من بين يدي القاهر، ونفاه مؤنس من وقته الى الموصل.
واستتر محمد بن ياقوت، ووكل مؤنس بدار القاهر، وامر بتفتيش كل من يدخل إليها، حتى فتش لبنا مع احدى الجوارى وخاف ان تكون فيه رقعه.
وأخذ المحبوسين فيها، وسلم والده المقتدر الى والده على بن بليق، فاقامت عندها مرهفه عشره ايام، وماتت بعد ذلك وحملت الى التربة بالرصافة فدفنت بها.
وباع ابن مقله الضياع والاملاك السلطانيه، لتمام مال البيعه بألفي الف وأربعمائة الف دينار.
وتقدم بالقبض على البر بهارى ورئيس الحنابله، فهرب، وقبض على جماعه من كبار اصحابه، ونفاهم الى البصره.
قال بعض اهل العلم: خرجنا في يوم مطير، مع جنازة ابى هاشم عبد السلام ابن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، الى باب البستان، فإذا نحن بجنازة معها جماعه فقلت: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة ابى بكر بن دريد، فبكينا على الكلام والأدب وذلك في سنه احدى وعشرين وثلاثمائة
стр. 6060
فاما ابو هاشم فبينه وبين ابى بكر بن دريد اثنا عشر سنه، وله الكتب المشهوره في الكلام وفي الرد على ابن الراوندي والملحده.
قال الخطيب: ساله بعض اصحابه عن مساله فأجابه، فقال: يا أبا هاشم الصاحى بموضع رجلي السكران اعرف من السكران بموضع رجلي نفسه، يعنى ان العالم اعلم بمقدار ما يحسنه الجاهل من الجاهل بقدر ما يحسن.
واما ابو بكر بن دريد، فهو صاحب كتاب الجمهرة، وهو اشعر العلماء.
ومن شعره المقصورة، نقلت من خط التميمى له:
اعاد من اجلك من ضنى ... وسائر العواد اشراكى
ولست اشكوك الى عائد ... اخاف ان اشكو الى شاكى
وله:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنه المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
ومن شعره:
كل يوم يروعني بالتجنى ... من أراه مكان روحي منى
مشبه للهلال والظبى والغصن ... بوجه ومقله وتثنى
جمع الله شهوة الخلق فيه ... فهو في الحسن غاية المتمنى
امن العدل ان ارق ويجفونى ... واشتاقه ويصير عنى
وفي هذه السنه، تم تدبير القاهر على مؤنس، وانعكس ما دبره مع ابن مقله من القبض على القاهر، وذلك انه لما عومل بما ذكرناه، وضيق عليه التضييق الذى شرحناه راسل الساجيه وضربهم على مؤنس وبليق، وضمن لهم الضمانات الكثيره.
وكانت اختيار قهرمانه القاهر، تخرج من الدار، وتتوصل الى ان تمضى ليلا الى ابى جعفر محمد بن القيم بن عبيد الله وتشاوره في امور القاهر
следующие страницы →