← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

وصار الى دار مؤنس المظفر، فسلم عليه وانصرف الى داره. وحضر الناس للتهنئه، وأتاه على بن عيسى، فلم يقم له، فاستقبح الناس فعله، وصار اليه ابن قرابه وعاود تخليطه. وظهرت دمنه والده الأمير إسحاق بأمان كتبه القاهر لها، وبذلت عن ولدها عشرين الف دينار، ووجد اولاد المقتدر في دار على بن بليق. وظهر شفيع المقتدرى بأمان، وقرر عليه خمسون الف دينار، وكان مملوكا لمؤنس، فحلف ان لا بد من بيعه، فنودي عليه، فبلغ ثمنه سبعين دينارا، فابتاعه الكلواذى باسم القاهر وشهد الشهود في العهد.

стр. 6057

سنه احدى وعشرين وثلاثمائة [أخبار متفرقة] قبض ابن مقله على جماعه من العمال، منهم النوبختى إسحاق بن اسماعيل، وعلى الكلواذى، وعتب عليه انه لم يراع اهله وقت غيبته، وأخذ خطه بمائتي الف دينار، وسلمه الى ابى بكر بن قرابه. وقبض على بنى البريدى، وضمن اعمالهم محمد بن خلف النيرمانى بزيادة ثلاثمائة الف دينار، وضمن له ابن قرابه ان يصادرهم على ستمائه الف دينار. ولم يزل ابو عبد الله البريدى يدارى محمد بن خلف، ويعرفه انه يعمل بين يديه فرفهه من بين اخوته وتوصل ابو عبد الله حتى ضمنه ابن قرابه واطلق. ومضى البريدى الى ابن مقله وقال: عرفت من ابن خلف انه يطلب الوزارة، فانفذ خدمه وحجابه للقبض عليه، فهزمهم محمد بن خلف، وحصلهم في بيت، واقفل عليهم بابه، وتسور السطوح وهرب، فلم يظهر الا بعد عزل ابن مقله. ومضى البريدى الى الاهواز بتوسط ابن قرابه حاله. وكان ابن مقله يعادى أبا الخطاب بن ابى العباس بن الفرات، فلم يجد للقبض عليه طريقا، لأنه ترك التصرف منذ عشرين سنه، ولزم منزله وقنع بدخول ضيعته. وكان ابن مقله استسعفه ايام نكبته، فاعتذر بالإضافة ولم يسعفه، فأظهر ابو الخطاب اولاده ودعا اولاد ابن مقله، فعادوا الى ابيهم واخبروه بزينته فتركه. حتى قصده للسلام، فقبض عليه وطالبه بثلاثمائة الف دينار، فقال: بم يحتج على الوزير وقد تركت التصرف من عشرين سنه؟ وفي حال تصرفى كنت الزم الصحة، ولي على الوزير حقوق، مثله لا ينساها، ولولا تهجينه لي لقد كنت اظهر خطوطا له عندي قبل هذه الحال، وما اريد من رعايتها الا السلامة، وان كان يعتقد اننى ورثت من ابى مالا فاننا كنا جماعه اولاد، ولو كان شيء لتقاسمناه

стр. 6058

فقال ابن مقله للخصيبى: عاقبه، فعوقب، فلم يذعن، فقال: اضربوا عنقه، فقال للسياف: وجهني الى القبله، وأخذ يتشهد. فقال مؤنس وقد بلغه الخبر: اى طريق لك على رجل لم يعمل منذ سنه تسع وتسعين ومائتين، وتوسط امره على عشره آلاف دينار، وصرفه الى منزله. وتوسط ابن شيرزاد حال هارون بن غريب، على مصادره بثلاثمائة الف دينار، وعنى به مؤنس المظفر، فقبلت مصادرته وقلد اعمال ماه الكوفه وماسبذان. وكان هارون بواسط، ففارقه عبد الواحد بن المقتدر ومحمد بن ياقوت وأبناء رائق وسرور ومفلح، وقصدوا السوس، واخرجوا البلاد في طريقهم، وأقاموا بسوق الاهواز، فنفذ لحربهم بليق. وانحدر بدر الخرشنى في الماء وكوتب احمد بن نصر القشورى، وهو يتقلد البصره فلما تحصلت الجيوش بواسط، تغير اصحاب ابن ياقوت عليه، وصاحب البريدى بليق، وضمن تستر عسكره، وعمل بالاهواز كل عظيم من المصادرات، وأخذ الأمتعة واتى بعده البريدى فعمل كعمله. وقال ابو عبد الله البريدى: لما رايت انحلال امر بليق هممت بالتغلب، وصار بين محمد بن ياقوت وبليق نهر، فحلف بليق لمحمد بالا يناله من جهته سوء إذا عبر اليه، فعبر اليه محمد، في غلام واحد، وانفرد وحلف كل واحد منهما لصاحبه، فاصطلحا على ان يسيرا الى الحضره ويكون بينهما منزل. واشار البريدى على ابن الطبرى كاتب بليق، بان يخاطب استاذه في القبض على محمد فلما خاطبه، قال: ما كنت لاخفر أمانتي. وخلف بليق بتستر البريدى، فعمل بها كل قبيح. ورحل ابن ياقوت، وتبعه بليق الى مدينه السلام، فلما دخل بليق خلع القاهر عليه وطوقه وسوره، واطلق املاك ابن رائق ومحمد بن ياقوت ومفلح وسرور. دون اقطاعاتهم

стр. 6059

وبيعت دار الوزارة بالمخرم، وكانت قديما لسليمان بن وهب، وذرعها اكثر من ثلاثمائة الف ذراع، وقطعت وصرف ثمنها في مال البيعه للقاهر بالله. وورد الخبر من مصر بموت تكين الخاصة. واشار ابن مقله بانفاذ على بن عيسى، فجاءه ليلا واستشفع الى كرمه به، وعرفه كبر سنه، فأعفاه عن الشخوص لما تذلل له، وهم بتقبيل يده، فمنعه من ذلك. وورد كتاب محمد بن تكين، يخطب مكان ابيه، فأجيب اليه، فشغب الجند عليه بمصر وهزموه. وانحرف ابن مقله عن محمد بن ياقوت، ومكن في قلب مؤنس المظفر وبليق وعلى ابنه انه في تدبير عليهم مع القاهر عليهم وان رسوله في ذلك عيسى الطبيب. فوجه مؤنس بعلى بن بليق الى دار الخلافه، وهجم غلمانه على عيسى الطبيب، فاخذوه من بين يدي القاهر، ونفاه مؤنس من وقته الى الموصل. واستتر محمد بن ياقوت، ووكل مؤنس بدار القاهر، وامر بتفتيش كل من يدخل إليها، حتى فتش لبنا مع احدى الجوارى وخاف ان تكون فيه رقعه. وأخذ المحبوسين فيها، وسلم والده المقتدر الى والده على بن بليق، فاقامت عندها مرهفه عشره ايام، وماتت بعد ذلك وحملت الى التربة بالرصافة فدفنت بها. وباع ابن مقله الضياع والاملاك السلطانيه، لتمام مال البيعه بألفي الف وأربعمائة الف دينار. وتقدم بالقبض على البر بهارى ورئيس الحنابله، فهرب، وقبض على جماعه من كبار اصحابه، ونفاهم الى البصره. قال بعض اهل العلم: خرجنا في يوم مطير، مع جنازة ابى هاشم عبد السلام ابن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، الى باب البستان، فإذا نحن بجنازة معها جماعه فقلت: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة ابى بكر بن دريد، فبكينا على الكلام والأدب وذلك في سنه احدى وعشرين وثلاثمائة

стр. 6060

فاما ابو هاشم فبينه وبين ابى بكر بن دريد اثنا عشر سنه، وله الكتب المشهوره في الكلام وفي الرد على ابن الراوندي والملحده. قال الخطيب: ساله بعض اصحابه عن مساله فأجابه، فقال: يا أبا هاشم الصاحى بموضع رجلي السكران اعرف من السكران بموضع رجلي نفسه، يعنى ان العالم اعلم بمقدار ما يحسنه الجاهل من الجاهل بقدر ما يحسن. واما ابو بكر بن دريد، فهو صاحب كتاب الجمهرة، وهو اشعر العلماء. ومن شعره المقصورة، نقلت من خط التميمى له: اعاد من اجلك من ضنى ... وسائر العواد اشراكى ولست اشكوك الى عائد ... اخاف ان اشكو الى شاكى وله: وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنه المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق ومن شعره: كل يوم يروعني بالتجنى ... من أراه مكان روحي منى مشبه للهلال والظبى والغصن ... بوجه ومقله وتثنى جمع الله شهوة الخلق فيه ... فهو في الحسن غاية المتمنى امن العدل ان ارق ويجفونى ... واشتاقه ويصير عنى وفي هذه السنه، تم تدبير القاهر على مؤنس، وانعكس ما دبره مع ابن مقله من القبض على القاهر، وذلك انه لما عومل بما ذكرناه، وضيق عليه التضييق الذى شرحناه راسل الساجيه وضربهم على مؤنس وبليق، وضمن لهم الضمانات الكثيره. وكانت اختيار قهرمانه القاهر، تخرج من الدار، وتتوصل الى ان تمضى ليلا الى ابى جعفر محمد بن القيم بن عبيد الله وتشاوره في امور القاهر

стр. 6061

وعزم ابن مقله وبليق وابو الحسن بن هارون على خلع القاهر، وتوليه ابى احمد بن المكتفي بالله، فاشار عليهم مؤنس بالتمهل، وامرهم بالتلبث الى ان ينبسط القاهر، ثم يقبضون عليه، فاتفق لبليق ان خادمه صدمه في الميدان صدمه اعتل فيها. وبادر ابن مقله بمكاتبه القاهر، يعلمه ان القرمطى قد وافى الكوفه، وقد قررت انا ومؤنس مع على بن بليق الخروج اليه، وأمرناه بلقاء امير المؤمنين في ليلتنا هذه وكان قصدهم انه إذا وصل اليه، قبض عليه، واتبع الرقعة بأخرى تتضمن الحال، فاستراب القاهر، وخاف ان تكون حيله ونم الخبر اليه من جهة طريف السبكرى. فلما كان بعد العصر، حضر ابن بليق منتبذا، ومعه عدد يسير من غلمانه: وكان الظاهر قد ارسل الساجيه يحضرون بالسلاح، وشتموا عليا، وعملوا على القبض عليه، فحامى غلمانه عنه وطرح نفسه من الروشن الى الطيار، وعبر واستتر من ليلته. واستتر ابن مقله وابن قرابه. وانحدر بليق ليعتذر لابنه، فقبض عليه القاهر، وراسل مؤنسا واعلمه الحال وساله في الحضور، فاعتذر بثقل الحركة، فعاوده في السؤال في الحضور، فاستقبح له طريف السبكرى التأخر، فلما حصل في دار السلطان قبض عليه، فكانت وزارة ابن مقله للقاهر تسعه اشهر وثلاثة ايام. وزارة ابى جعفر محمد بن القاسم ووجه القاهر الى ابى جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، فاستحضره في مستهل شعبان وقلده وزارته، وخلع عليه يوم الاثنين ثالث شعبان خلع الوزارة. ووجه القاهر من يومه من استقدم عيسى المتطبب من الموصل. وانفذ الى دار ابن مقله بباب البستان فطرح فيها النار. وظهر محمد بن ياقوت وصار الى دار السلطان، وخدم في الحجبة، ثم علم كراهية طريف والساجيه والحجريه له، فاحتال في الهرب واستتر، وانحدر الى ابيه بفارس وجلس بزي الصوفية في الماء وركب البحر، ووافى مهروبان، وجاء ليلا الى ارجان،

стр. 6062

فنزل على ابى العباس بن دينار، وانفذ اليه أبوه مالا وكسوه، وتلاحق به اصحابه، وقلده القاهر كور الاهواز ثم أصبهان واستحجب القاهر سلامه الطولونى، وقلد أبا العباس احمد بن خاقان الشرطه بجانبي بغداد، وأخذ القاهر أبا احمد بن المكتفي من دار عبد الله بن الفتح، فسد عليه باب البيت، وعرف باستتار على بن بليق في دار، فانفذ من كبسها فاستتر في تنور، فاطبق عليه غطاءه، فتأخر بعض الرجال عن اصحابه حين لم يجدوه، واتى الى التنور، ففتحه وظن ان فيه خبزا يابسا، فلما رآه صاح، فعاد اصحابه فاخذوه، وضرب بين يدي القاهر، وادى عشره آلاف دينار، وحبسه. وقبض الوزير ابو جعفر على أخيه الحسين، بعد ان امنه ونفاه الى الرقة، وقال: انه يعتقد مذهب ابن ابى العزاقر. ثم ان رجال مؤنس وبليق شغبوا وقصدوا دار الوزير ابى جعفر فاحرقوا روشنه. وتقدم القاهر يذبح على بن بليق، وانفذه الى ابيه، فلما رآه بكى ثم ذبح بليق، وانفذ راسيهما الى مؤنس، فلما رآهما لعن قاتلهما، فذبح كما تذبح الشاه، واخرج الرؤوس في ثلاث طسوت حتى شاهدها الناس وأعيدت الى خزانه الرءوس. وكان وزن راس مؤنس بعد تفريغ دماغه سته أرطال. وسهل القاهر امر ابن مقله، حين أخذ من الاستتار فاطلقه. وقبض الوزير على ابى جعفر بن شيرزاد، وأخذ خطه بعشرين الف دينار وكبس على بنى البريدى فلم يوجدوا. واحضر القاهر على بن عيسى وقلده واسطا وسقى الفرات. وقبض القاهر على الوزير محمد بن القاسم، فكانت وزارته ثلاثة اشهر واثنى عشر يوما. وأخذ من داره ابو يوسف البريدى. واستدعى القاهر عبد الوهاب بن عبيد الله الخاقانى وإسحاق بن على القناني، على ان يولى أحدهما الوزارة، وجلس القواد بين أيديهما، فخرجت رساله بالقبض

стр. 6063

عليهما وإدخالهما المطبق ثم وجه الى سليمان بن الحسن، واستحضره للوزارة، فحضر، وتلقاه القواد وقبلوا يده، ووجه بمن قبض عليه وحبسه. ثم وجه الى الفضل بن جعفر واستدعاه ليستوزره، فاستتر. ثم استدعى الخصيبى، وخلع عليه، وكتب للبريديين أمانا، بعد ان صادر أبا يوسف على اثنى عشر الف الف درهم ولما أتاه عبد الله، عاتبه وقال له: شمت أم أخي وهي أمي، وحقوقي عليك توجب صيانتها عن الذكر القبيح، فقال له: دع ما مضى، فاننى لم املك نفسي، وقد وصفتك لأمير المؤمنين ولا بد من الفى الف درهم فقال ابو عبيد الله: لقد اعتبتنى ايها الوزير، واحسنت التلاقى فقال: بحياتى عليك، اكتب خطك بهذا المبلغ، فكتب به خطه وانصرف. وانحدر البريدى الى واسط، وعقدها القاهر عليه بثلاثة عشر الف درهم، وأتاها وبها على بن عيسى، وقد عمرها، وقال عيسى المتطبب للبريدى: ان القاهر يريد القبض عليك فاستتر، ولم يظهر حتى خلع القاهر . وزارة الخصيبى وكان ابن مقله، يراسل الساجيه والحجريه في استتاره، ويضريهم على القاهر. وكان الحسن بن هارون يلقاهم ليلا بزي السؤال، وفي يده زبيل حتى تمت له الحيله. وبذل لمنجم كان يخدم سيما مائتي دينار، حتى قال له من طريق النجوم: انه يخاف عليه من القاهر. وبلغ الخبر باستيلاء اصحاب ابن رائق على الاهواز. وبلغ الخصيبى ما عول عليه الحجريه والساجيه، من قصد دار السلطان،

стр. 6064

فانفذ عيسى المتطبب الى القاهر ليخبره بالحال، فوجده نائما مخمورا، واجتهد في انباهه فلم ينتبه لشدة سكره. فقام سيما بهم، وركبوا معه الى دار السلطان، ورتب على كل باب من أبوابها جماعه من الحجريه والساجيه، وامرهم بالهجوم في وقت عينه، وهجم من باب العامه، فوقف به ودخل اصحابه. فخرج الخصيبى في زي امراه واستتر. وانحدر سلامه الى مشرعه الساج واستتر. ولما علم القاهر بالحال، انتبه من سكره، وافاق، وهرب الى سطح حمام في دور الحرم، ووقع في ايديهم خادم صغير، فضربوه بالدبابيس، حتى دلهم على موضعه، فاخذوه وعلى راسه منديل ديبقى وبيده سيف مجرد، واجتهدوا به في النزول اليهم. وقالوا: نحن عبيدك وما نريد غير التوثق لأنفسنا وهو ممتنع حتى فوق اليه احدهم سهما، فنزل. وقبضوا عليه ضحوه يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنه اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وأتوا الى محبس طريف السبكرى فكسروا قيده، وحبسوا القاهر مكانه، ووكلوا به. وظفروا بزيزك خادمه، وعيسى المتطبب واختيار القهرمانه. واستدلوا على الموضع الذى فيه ابو العباس محمد بن المقتدر، فدلهم على مكانه خادم، فوجدوه ووالدته معتقلين، ففتحوا عنهما. ووقع النهب ببغداد

стр. 6065

خلافه الراضي بالله ابى العباس محمد بن المقتدر ﵀ وأمه ظلوم وكانت مده خلافته ست سنين وعشره اشهر وعشره ايام. اجلسه الساجيه والحجريه على السرير، وبايع له القواد وبدر الخرشنى، ولقب بالراضى بالله. واستحضر على بن عيسى وأخاه عبد الرحمن، وشاورهما، فعرفه ابو الحسن ان سبيله ان يعقد لواء لنفسه، على رسم الخلفاء، ففعل ذلك، واستحفظ باللواء في الخزانه وتسلم خاتم الخلافه، وهو خاتم فضه وفصه حديد صينى، عليه مكتوب ثلاثة اسطر محمد رسول الله. وانفذ الى القاهر بمن طالبه بتسليم خاتمه اليه، وكان فصه ياقوتا احمر وعليه منقوش: بالله محمد الامام القاهر بالله امير المؤمنين يثق فامر ان يسلم الى نقاش حاذق فمحاه. ومضى القاضى ابو الحسين والقاضى ابو محمد الحسن بن عبد الله بن ابى الشوارب، فامتنع ان يخلع نفسه، فقال على بن عيسى: اخلعوه فان افعاله مشهوره واعماله معروفه وسمل في تلك الليلة. وأخذ البيعه للراضى على بن عيسى واخوه، وسال الراضي على بن عيسى ان يتقلد الوزارة فاستعفاه وقال: انى لا أفي بالأمر، واشار بابن مقله، وكان مستترا وكتب له أمانا فظهر

стр. 6066

وزارة ابن مقله ومضى الناس اليه، وهو في دار ابن عبدوس الجهشيارى، فهنئوه وخلع عليه خلع الوزارة. وظهر من الاستتار مفلح الأسود، خادم المقتدر، وسرور وفلفل والحسين ابن هارون، وابو بكر بن قرابه. وصاروا الى ابى على وهنئوه، وقال ابن مقله لما أتاه الناس: كنت مستترا في دار ابى الفضل بن مارى النصراني، فسعى بي القاهر، قبل زوال امره بشهرين، وعرف موضعي، وانى لجالس وقد مضى نصف الليل اتحدث مع ابن مارى، أخبرتنا زوجته ان الشارع قد امتلا بالمشاعل والشمع والفرسان، فطار عقلي، وادخلنى ابن مارى بيت تبن، وكبست الدار وفتشوها، ودخلوا بيت التبن وفتشوه بايديهم، فلم اشك اننى مأخوذ، وعهدت وعاهدت الله تعالى على انه ان نجاني من يد القاهر بالله، ان انزع عن ذنوب كثيره، واننى ان تقلدت الوزارة امنت المستترين، واطلقت ضياع المنكوبين، ووقفت وقوفا على الطالبيين، فما استتم نذرى، حتى خرج القوم وانتقلت الى مكان آخر. وما نزع من الخلع، حتى وفي بالنذر. وكتب ابن ثوابه في خلع القاهر كتابا قرئ على المنابر واطلق ابن مقله المحبوسين. وقلد الراضي بالله الشرطه ببغداد بدرا الخرشنى. وكان زيرك القاهرى قد اجمل عشره الراضي وقت اعتقاله، فكافاه بان قلده امر حرمه واكرمه. وسلم ابن مقله عيسى المتطبب الى بنى البريدى فأخذوا منه ثلاثين الف دينار، ارتفق بها منهم، وردوه على ابن مقله وقالوا: انه قد امتنع من أداء شيء. ولم يعترف القاهر بشيء سوى خمسين الف دينار، ففرقها الراضي في الجند. وقلد ابن مقله أبا الفتح الفضل بن جعفر خلافته على سائر الاعمال. وقلد أبا عبد الله البريدى خوزستان، وقلد اخوته البصره والسوس وجنديسابور وكور دجلة وبادوريا والأنبار وبيرسير وقطربل ومسكن

стр. 6067

وكتب الى على بن خلف بن طياب باقراره على فارس وكرمان. وقلد الحسن بن هارون ما قلده على بن عيسى من اعمال واسط بمائه الف كر شعير وعشره آلاف كر أرز وأربعمائة كر سمسم والف الف وأربعمائة الف درهم. وقلد القراريطى كتابه ابن ياقوت الزمام وديوان الفرات، فسفر حينئذ لصاحبه محمد بن ياقوت في الحجبة. وحمل الى سماء خمسه عشر الف دينار، حتى عرف الراضي بالله انهم لا يريدون غير محمد بن ياقوت، وانفق هذا الوجه بحجه على القواد مائه الف وعشرين الف دينار. فغاظ ابن مقله، لأنه استدعى ابن رائق وهو بالباسيان لذلك ولم يمكنه تغييره، فلما صار ابن رائق بالمدائن، امره الراضي بالانحدار الى واسط، وأضافها الى اعماله بالبصرة وغيرها. وكان ابن ياقوت برامهرمز عازما على التوجه الى أصبهان، فكوتب بالاصعاد، فالتقى ابن ياقوت في طيارة وابن رائق في حديديه، فسلم كل واحد منهما على صاحبه إيماء من غير قيام. وتلقى ابن ياقوت الحجريه والساجيه، ودخل على الراضي، فخلع عليه وقلده الحجبة، وصار اليه الناس الى داره بالزاهر، ولم يقم لأحد الا لابن مقله ولعلى ابن عيسى. واستولى ابن ياقوت على الأمر. وحصل ابن مقله مع كاتبه القراريطى، وبقي متعطلا. وأخذ خطوط البريديين بمائه الف دينار. وكان هارون بن غريب بالدينور، فعرف الحال بينهما، وهي على عشره فراسخ من بغداد، عازما على ان يتقلد الجيش، فكره الناس ذلك واستحضر ابن ياقوت ابن شيرزاد، واوصله الى الراضي بالله، حتى حمله رساله اليه، يأمره بالرجوع الى الدينور

стр. 6068

فمضى ومعه القراريطى، فالتقى به بجسر النهروان، فلم يقبل، قال: ومن جعل ابن ياقوت أحق بالرئاسه منى! وقد كان يجلس بين يدي، وانا نسيب امير المؤمنين، وقال القراريطى: لولا انك رسول لقتلتك، فانصرفا الى بغداد واستخرج هارون اموال طريق خراسان فعسف الرعية وظلمهم وسار ابن ياقوت في الحين الى القنطرة فنزلها، وانفذ ابن شيرزاد برسالة جميله، وعرض عليه تسييب الأموال على النهروانات فلم يقبل. ومضى كثير من الجند الى هارون مستأمنين، واشتد القتال وابن ياقوت يقرا في مصحف ويسبح، وهو في عدد قليل، حتى انهزم اصحابه، ونهب سواده. وبلغ هارون ان محمدا قد عبر قنطره نهر بين، فبادر وحده لياسره، فتمطر به فرسه فسقط عنه في ساقيه، فلحقه غلام ابيه يمن الغربي، فضربه ضربه عظيمه وبادر غلام اسود فذبحه ورفع راسه، فتفرق اصحابه، ونهب الحجريه والساجيه سوادهم. وامر ابن ياقوت بتكفينه، ودفن بهرس من غير ان يصلى عليه، ودخل بغداد، وبين يديه راسه ورءوس اصحابه، فامر الراضي بنصبهما على باب العامه. ثم ان والده الراضي، سالت ان تحمل جثته ويدفن راسه في تربته بقصر عيسى، فأجابها الى ذلك: وأخذ ابن مقله لابنه ابى الفتح أمانا من الراضي، وقطع امره على ثلاثين الف دينار. وفي رجب هذه السنه مات ابو جعفر السجزى، وبلغ من السن مائه واربعين سنه قال ابن سنان: وراسه صحيح الحواس والبصر، منتصب الظهر، ملزز الأعضاء بغير معاون، وقال له على بن عيسى يوما: انما قطعت مالك لكذبك في سنك، فقال: ايها الوزير استدع الجرائد من سر من راى، فإنك تجد اسمى فيها

стр. 6069

واسم من كان قبلي وبعدي، فوجد الأمر كما قال وقال ابن ابى داود السجستانى: اعرفه واهله وهم معمرون وحكى انه يذكر دخول هرثمة وهو في المكتب. واراد الراضي توليه محمد بن الحسن بن ابى الشوارب، القضاء بمدينه المنصور، كما كان يتولى ذلك أبوه، فشفع محمد بن ياقوت في امر ابى الحسن، حتى لم يغير عليه، وكتب عهده حتى زال الارجاف عنه. وضمن ابو يوسف البريدى اعمال واسط والصلح والمبارك، واستخلف عليها الحسين بن على النوبختى، وكان يتقلدها لهارون بن غريب، وكان عفيفا خبيرا بالأعمال. وكان ابن مقله قد احدر الخصيبى وسليمان بن الحسن الى البصره، وامر البريدى بنفيهما في البحر، فخف بهما ليله، فكادا يغرقان وايسا من الحياه، فقال الخصيبى: اللهم اننى استغفرك من كل ذنب وخطيئة واتوب إليك من معاوده معاصيك الا من مكروه ابى على بن مقله ان قدرت عليك جازيته عن ليلتي هذه وما حل بي منه فيها، وتناهيت في الإساءة اليه، فقال سليمان: وفي هذا الموضع وأنت معاين للهلاك نقول هذا؟ فقال: ما كنت لاخادع ربى. ولما وصلا الى عمان، عدل بالخصيبى الى سرنديب، فعرف سليمان بن الحسن ابن وجيه خبره فامر برده الى عمان. ولما عزل الراضي ابن مقله وولى عبد الرحمن بن عيسى، ضمن الخصيبى ابن مقله، فلما رآه تلفت نفسه، فاسمعه الخصيبى نهاية ما كره، وسلمه الى الدستوائى، وكان لابن مقله اليه اساءه، لأنه سلمه الى ابن البريدى حين الوى نعمته، فعمل الدستوائى بابن مقله صنوف المكاره. وجاء ابو بكر بن قرابه، فضمن عنه مائه الف دينار والفى دينار، ودفعت الضرورة الى ان وزن ابن قرابه المال من عنده

стр. 6070

وفي هذه السنه، ظهرت حال ابن ابى العزاقر، وكان يدعى ان اللاهوت قد حل فيه، وكان قد استتر عند بختيشوع بن يحيى المتطبب، وتتبع حتى قتل وقتل جماعه صدقوه.

стр. 6071

سنه ثلاث وعشرين وثلاثمائة في صفر، مات ابو عبيد الله ابراهيم بن عرفه بن سليمان بن المغيره بن حبيب ابن المهلب بن ابى صفره الأزدي النحوي، المعروف بنفطويه، ومولده سنه خمسين ومائتين وصلى عليه ابو محمد البربهارى، ومن شعره: استغفر الله مما يعلم الله ... ان الشقي لمن لم يرحم الله هبه تجاوز لي عن كل مظلمه ... وا حسرتا من حيائى حين القاه وله: اهوى الملاح واهوى ان اجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر وهكذا الحب لا اتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر واجتاز على بن بقلى فقال: كيف الطريق الى درب الرواسين؟ فالتفت الى جار له فقال: الا ترى الى الغلام فعل الله بغلامى وصنع احتبس على قال: وكيف، قال: جعل السلق تحت البقل في اسفل البنيقه حتى اصفع هذا العاض بظرامه، فتركه ابن عرفه وانصرف ولم يجبه بشيء

стр. 6072

وفي هذا الشهر، صرف عبد الرحمن بن عيسى عن الدواوين، واحضر ابن مقله ابن شنبوذ، وقال له: بلغنى انك تقرا حروفا في القرآن بخلاف ما في المصحف، وكان ذلك بحضره ابن مجاهد واهل القرآن، فاعترف بقراءة ما عزى اليه من الحروف، ومنها إذا نودى للصلاة من يوم الجمعه فامضوا الى ذكر الله. واغلظ للوزير وللجماعة في الكلام، ونصر ما عزى اليه، فامر به ابن مقله فضرب، فدعا عليه بتشتيت الشمل وقطع اليد، ودعا على ابن مجاهد بثكل الولد وعلى الضارب له بالنار، فشوهد قطع يد ابن مقله وثكل ابن مجاهد ولده. ثم استتيب عن قراءة الحروف، فتاب منها. ودعا الأئمة في الجوامع لابن ياقوت، فأنكر ذلك الراضي وصرفهم. وقرر ابن مقله مع الراضي القبض على محمد بن ياقوت، لما غلب على الأمور، وانفرد بجباية الأموال وتضمين الاعمال. فلما دخل ابن ياقوت دار الخلافه عدل به الى حجره، فقبض عليه وعلى كاتبه القراريطى، ونهبت دار القراريطى وحده. وتقلد الحجبة ذكى مولى الراضي. وأخذ خط القراريطى بخمسمائة الف دينار. وكان ياقوت بواسط، فلما علم القبض على ابنيه، انحدر الى السوس، فكاتبه ابن مقله بالمصير الى فارس لفتحها وكان على بن بويه قد تغلب عليها. وهذه حال الأمير ابى الحسين على بن بويه الملقب بعد عماد الدولة، لقبه بهذا اللقب المستكفى بالله، عند وصول أخيه الأمير ابو الحسين اليه. هو احد قواد مزداويج بن زيار الديلمى، فانفذه ليستحث له مالا في الكرج، فأتاها فاخذ منها خمسمائة الف درهم، وصار الى همذان ففتحها عنوه، وقتل كثيرا من أهلها، ثم صار الى أصبهان فتركها عليه المظفر بن ياقوت مسالما، ولم يلبث بها على بن بويه حتى اخرجه منها اصحاب مزداويج، فصار الى ارجان وكاتب ياقوت،

стр. 6073

وخاطبه بالاماره، وساله ان يقبله، وكان قد استخرج من ارجان مائتي الف دينار، ووجد كنوزا كثيره، واشتدت شوكته، وصار في الف، وخرج اليه ياقوت في بضع عشره آلاف من الغلمان الحجريه وغيرهم، فسأله على بن بويه ان يفرج له عن الطريق لينصرف الى باب السلطان، فمنعه، وطمع فيه لقله عدده وما معه من المال، ولقيه على باب اصطخر، ونصر ياقوت في يومين عليه، وواقعه في اليوم الثالث، وهو يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنه اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وحمل ابو الحسين احمد بن بويه معز الدولة، في ثلاثين رجلا، على ياقوت حمله صادقه، فهزم ياقوت الى شيراز، ولم يصدق بهزيمته، بل ظنها مكيده حتى عرف ذلك في آخر النهار. فمضى وراءه، واقام على فرسخ من شيراز، ودخل معز الدولة في ثمانين من الديلم فقتل من السودان ألفا، ونادى في اصحاب ياقوت فخرجوا. واتى ياقوت الاهواز. ولما ملك عماد الدولة شيراز، طالبه اصحابه بالمال، وكان مملقا، فخاف من فساد امره، فاستلقى على ظهره في مجلس من دار ياقوت وخلا فيه مفكرا، فراى حيه قد خرجت من سقف منه الى سقف، فخاف ان تسقط عليه إذا نام، فامر الفراشين بالصعود، فوجدوا غرفه بين سقفين، فأمرهم بفتحها، فوجدوا بها صناديق فيها خمسمائة الف دينار، فقويت نفسه، واستدعى خياطا اطروشا ليخيط له ثيابا، وكان الخياط موصوفا بالحذق، وكان يخدم ياقوتا فلما خاطبه في تقطيع الثياب، حلف في الجواب انه لا وديعة عنده سوى اثنى عشر صندوقا لا يدرى ما فيها، فعجب، فوجه بمن حملها وعجب من الحال. وكاتب الراضي بالله يسأله ان يقاطعه على فارس بثمانية آلاف درهم فأجيب. وانفذ اليه ابن مقله أبا الحسين بن ابراهيم المالكى الكاتب، ومعه خلع ولواء، وامره ابن مقله الا يسلم ذلك اليه الا عند تعجيل المال، فلما قاربه تلقاه على فرسخ، وأخذ منه الخلع فلبسها ودخل شيراز، واللواء بين يديه، ولم يدفع الى المالكى شيئا

стр. 6074

ومات بشيراز، فحمل تابوته الى بغداد في رجب سنه ثلاث وعشرين وثلاثمائة. ووافى على بن خلف بن طيار بغداد، فقبض عليه ابن مقله، وصادره على ثلاثمائة الف دينار، وانفذ اليه بابى الحسن احمد بن محمد بن ميمون صاحب بيت المال، وقال له: يقول الوزير: لك عندي مائه الف دينار، فحطها من الجمله، واكتب الخط بالباقي، فقال على بن خلف: من اى جهة هذا الدين؟ فعاد ابن ميمون فقال له: يقول لك الوزير، تذكر وانا بشيراز وقد سألتك على ابى طالب بدر بن على النوبندجانى من خراجه خمسمائة الف درهم فامتنعت، وعاودتك وقلت: ان حططتها عوضتك عنها مائه الف دينار، ففعلت ولزمنى ضماني لك، وصار دينا لك على، وهذا وقت القضاء. وقلد السلطان ياقوت الاهواز، وصار كاتبه ابو عبد الله البريدى. وانفذ أخاه أبا الحسين للنيابة عن ياقوت وأخيه بالحضرة. وكان مع عماد الدولة ابو سعيد النصراني الرازى يكتب له. وضمن شيراز منه ابو الفضل العباس بن فسانحس. وانتهى الى مزداويج خبر على، فقامت قيامته، وانفذ اصبهلار عسكره شيرز ابن ليلى، في الفين وأربعمائة من الديلم والخيل الى الاهواز، فقطع ياقوت قنطره نهر اربق، وأقاموا بإزاء ياقوت اربعين يوما، لا يمكنهم العبور، ثم عبروا على اطواف بنهر المسرقان، فهرب البريدى واهل الاهواز الى البصره. واتى ياقوت واسطا، فاخرج له محمد بن رائق عن غربيها، فنزل فيه. واقام على بن بويه عماد الدولة الخطبه لمرداويج، وانفذ اليه الرهون على طاعته، فسكنه بذلك. فبينما هم كذلك، أتاهم الخبر، بان مزداويج في شهر ربيع الاول سنه ثلاث وعشرين وثلاثمائة قتلوه في الحمام بأصبهان، وحمل تابوته الى الري، ومشى الديلم والختل حوله حفاه اربعه فراسخ، ووفى رجاله لأخيه وشمكير، فولاهم من غير عطاء

стр. 6075

فلما عرف شيرز بن ليلى خلو أصبهان سار إليها، واتى الري فبايع وشمكير، واستوزر ابن وهبان القصبانى، وكان يبيع القصب بالبصرة، وصار في جمله ابن الخال، فتنقلت به الحال، الى ان قلده همذان، واستامن الى مزداويج عن هزيمه هارون، فعفا عنه ونفق عليه، وجعل اليه كور الاهواز، وقال له: قد جعلت إليك الفى دينار في كل شهر فان أديت الأمانة استوزرتك، ونصبت الرايات بين يديك، وان خنتني وشرهت معدتك العظيمه، وكركرتك الكبيره، والحلاوات بخوزستان كثيره، فلأشقن بطنك بهذه الدشنى العريضة، فقال له: ستعلم ايها الأمير نصحى وأمانتي وانى مستحق لاصطناعك. وكانت هذه الفتن نعمه على البريدى، لأنه حصل من الأموال ما لم يحاسب عليه. وحصل ابو عبد الله وابو يوسف اربعه آلاف دينار خرجا بها على السلطان. وابعد ابن مقله خلقا من الجند عند ضيق الأموال، واحالهم على البريدى، فصاروا اليه، فقبلهم وأضافهم الى غلامه اقبال، فاجتمع معه ثلاثة آلاف رجل. وخرج توقيع الراضي بالله في جمادى الاولى بتلقيب ابى الحسن على بن الوزير ابى على بن مقله بالوزير، وسنه إذ ذاك ثماني عشره سنه، وان يكون الناظر في الأمور صغيرها وكبيرها، وخلع عليه الوزارة وطرح له مصلى في مجلس ابيه. وركب بدر الخرشنى صاحب الشرطه، فنادى ببغداد الا يجتمع من اصحاب ابى محمد البربهارى نفسان واستتر البربهارى. وخرج من الراضي توقيع طويل في معناهم، وكانت حال البربهارى قد زادت ببغداد، حتى انه اجتاز بالجانب الغربي، فعطس فشمته اصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة في الوقت وهو في روشنه، فسال عن الحال فاخبر بها فاستهو لها. واصحابه يذكرون عنه صلاحا كثيرا، واضداده يذكرون خلاف ذلك، حتى

стр. 6076

حكوا عنه، انه حمل في درج مقفول له منظر بعره وجاء الى بزاز في الكرخ فقال: هذه بعره جمل أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، واريد ان ارهنها عندك على الف دينار فاعتذر الرجل، فتركه فلما كان من الغد، اجتاز عليه فصعد وقبل لحيته وقال: رايت النبي ص في المنام، يقبلها، فتركه اصحابه امرد، وحكاياتهم في امثال هذا عنه كثيره. وكان سعيد بن حمدان شرع في ضمان الموصل وديار ربيعه سرا، ومضى إليها في خمسين غلاما، فقبض عليه حين وصل إليها ابن أخيه ابو محمد الحسن ابن عبد الله وقتله، فأنكر ذلك الراضي، فامر ابن مقله بالخروج اليه، فأظهر ابن مقله ان على بن عيسى هو الذى كاتبه حتى عصى، وصادر عليا على خمسين الف دينار واخرجه الى الصافية. واستخلف ابن مقله ابنه بالحضرة، وصار الى الموصل، فتركها ابو محمد، ورحل الى بلد الزوراء، فاستخرج ابن مقله مال البلد واستسلف من التجار على غلاته، فحصل معه أربعمائة الف دينار. فبذل سهل بن هاشم كاتب ابى محمد بن حمدان للوزير ابى الحسين ابن الوزير ابى على عشره آلاف دينار حتى كاتب أباه: ان الأمور بالحضرة مضطربه، فانزعج واستخلف على الموصل على بن خلف بن طياب، وانصرف الى بغداد. وخرج اليه الأمير ابو الفضل، متلقيا، ولقى الراضي بالله وخدمه، فخلع عليه وعلى ابنه. وقبض على جعفر بن المكتفي، حين بلغهم انه دعا الى نفسه، ونهب منزله، وأخذ له مال جزيل، وكانت داره قريبا من الزاهر. وممن استجاب له يانس المرفقى، وكان نزل بقصر عيسى، فابعد الى قنسرين والعواصم وجعل اليه أعمالها. وفي شهر رمضان توالى وقوع الحريق بالكرخ، منها في صف التوزيين اصيب به

стр. 6077

خلق من التجار، فعوضهم الراضي مالا، وكان العقار لقوم من الهاشميين فأعطاهم عشره آلاف دينار. واحترق ثمانية واربعون صفا من أسواقها، طرح النار قوم من الحنبلية، حين قبض بدر الخرشنى على رجل من اصحاب البربهارى يعرف بالدلاء. واحترق خلق من الرجال والنساء. ووقع حريق ثالث احترق فيه الحدادون والصيارف والعطارون. وقبض الوزير ابو الحسين بن مقله على ابى الحسين البريدى، فتوسط بينهما ابو عبد الله محمد بن عبدوس، فصادره على خمسين الف دينار يسلمها بالاهواز، ومضى معه الكوفى ليأخذها فلم يسلم اليه شيئا وكان الكوفى يجمل عشرته ويقول: اقمت معه غير متصرف ولا داخل تحت تبعه سنه، وحصل لي منه خمسه وثلاثون الف دينار، وتقلدت هناك امر ابن رائق وكفيت امر ابن مقله. وكاتب ابن مقله البريدى كتابا يقول فيه: ويل للكوفه! انفذته ليصلحك لي فافسدك على، والله لاقطعن يديه ورجليه. واتى ابو محمد بن حمدان الى الموصل، وبها اصحاب السلطان، وعلى حربها ما كرد الكردى فهزموه، ثم هزمهم، وكتب يسال الصفح ويقوم بمال الضمان، فأجيب الى ذلك، ولم يستوف التجار الغلات التي طالبهم إياها ابن مقله، فتظلموا، فاحالهم على عمال السواد ببعض أموالهم، وباعهم بالباقي ضياعا سلطانيه، فلم تحصل من سفرته حينئذ فائده، وهرب من دار الوزير ابى على القراريطى. وقبض على ابى يوسف عبد الرحمن بن محمد بن داره بسوق العطش، وصودر على خمسين الف دينار. ومات محمد بن ياقوت في الحبس، واخرج الى القضاه، فشاهدوه وسلم الى اهله، وباع الوزير ضياعه واملاكه. وغلا السعر ببغداد، حتى بلغ الكر من الحنطة مائه وعشرين دينارا والشعير تسعين دينارا. ومات ابو عبد الله محمد بن خلف النيرمانى بالأعمال التي استولى عليها مزداويج، وكان قد انفذ إليها

стр. 6078

واقبل غلمان مزداويج يتقدمهم بجكم الى جسر النهروان، فأمروا بدخول الحضره، وعسكروا بالمصلى، واضطرب الحجريه لذلك، فكاتبهم ابن رائق وهو يتقلد اعمال المعاون بواسط والبصره، فانحدروا اليه، فاسنى لهم الرزق، وجعل متقدمهم بجكم الرائقى، واتته الاعراب والقرامطة، فقبلهم واستفحل امره.

стр. 6079

سنه اربع وعشرين وثلاثمائة [أخبار متفرقة] في شهر ربيع الاول، مات الأمير هارون بن المقتدر بالله، واغتم عليه الراضي غما شديدا، واتهم بختيشوع بانه افسد تدبيره، فنفاه الى الأنبار، ثم سالت فيه السيده فاعاده. واطلق المظفر بن ياقوت من الحبس. وقلد ابن مقله محمد بن طغج الإخشيد اعمال مصر مع ما اليه من الشام وعزل عن مصر احمد بن كيغلغ. وقطع ابن رائق مال واسط والبصره، واحتج باجتماع الجيش عنده. ولما خرج المظفر بن ياقوت من الحبس عول على التشفى من ابن مقله، وكان قد حلف له على صفاء النيه واعتضد ابن مقله ببدر الخرشنى. واوحش المظفر للساجيه والحجريه، فصارت كلمتهم واحده، وأحدثوا بدار السلطان وضربوا الخيم. وكان المظفر يظهر للوزير انه مجتهد في الصلح، فحلف لهم، وحلفوا له ولبدر الخرشنى. ودبر ابن مقله انحدار الراضي الى واسط مظهرا انه يقصد الاهواز، حتى يقبض على ابن رائق، فاخذ معه القاضى أبا الحسين ليسمع من الخليفة وساله ان. يتقدم بها الى ابن رائق. فلما حصل في دهليز الصحن التسعينى، شغب عليه المظفر بن ياقوت مع الحجريه وقبضوا عليه، وعرفوا الراضي انه المفسد للاحوال، وسألوه ان يستوزر غيره، وذكروا على بن عيسى، فامتنع واستشاره الراضي، فاشار بأخيه عبد الرحمن، فانفذ الراضي بالمظفر بن ياقوت الى عبد الرحمن فاحضره.

стр. 6080

وزارة عبد الرحمن بن عيسى للراضى بالله خلع عليه لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، وسار الجيش معه الى داره، واحرقوا دار ابن مقله واستتر اولاده. وحكى ان ابن مقله لما شرع في بناء داره بالزاهر، جمع له المنجمون حتى اختاروا وقتا لبنائه، ووضع أساسه بين المغرب وعشاء الآخرة، فكتب اليه بعضهم: قل لابن مقله مهلا لا تكن عجلا ... واصبر فإنك في أضغاث أحلام تبنى بانقاض دور الناس مجتهدا ... دارا ستنقض أيضا بعد ايام ما زلت تختار سعد المشترى لها ... فلم توق به من نحس بهرام ان القران وبطليموس ما اجتمعا ... في حال نقض ولا في حال ابرام وجرى على ابن مقله من المكاره ما يطول شرحه، وضرب بالمقارع، وأخذ خطه بألف الف دينار، وكان به ضيق النفس لان الدستوائى دهقه على صدره. قال ثابت بن سنان: دخلت اليه لأجل مرض اصحابه، فرايته مطروحا على حصير خلق، على باريه، وهو عريان بسراويل، ومن راسه الى اطراف أصابعه كلون الباذنجان، فقلت: انه محتاج الى الفصد، فقال الخصيبى: يحتاج ان يلحقه كد في المطالبه، فقلت: ان لم يفصد تلف، وان فصد ولحقه مكروه تلف، فكاتبه الخصيبى: ان كنت تظن ان الفصد يرفهك فبئس ما تظن، ثم قال: افصدوه ورفهوه اليوم، ففصد وهو يتوقع المكروه. فاتفق للخصيبى ما أحوجه للاستتار، فكفى ابن مقله امره. وحضر ابن قرابه، وتوسط امره، وضمن حمله الى داره، واطلقه بعد ايام وانفذه الى ابيه. وكرهت الحجريه مقام بدر الخرشنى بالحضرة، فصرفه الراضي عن الشرطه

стр. 6081

وقلده اعمال المعاون بأصبهان وفارس، فاستعفى عبد الرحمن بن عيسى من الوزارة حين عجز عن تمشيه الأمور، فقبض عليه الراضي في رجب، وقبض على أخيه على بن عيسى، وصادر عليا على مائه الف دينار ادى منها تسعين ألفا، وصادر عبد الرحمن على سبعين ألفا ادى منها ثلاثين. ولليلة بقيت من شعبان، توفى ابو بكر محمد بن موسى بن مجاهد، ودفن عند داره بسوق العطش، وكان مولده سنه خمس واربعين ومائتين. قال ابو الفضل الزهري: انتبه ابى في الليلة التي مات فيها ابو بكر بن مجاهد المقرئ، فقال: يا بنى، ترى من مات الليلة؟ فانى رايت في منامي كان قائلا يقول: قد مات الليلة مقوم وحى الله منذ خمسين سنه، فلما أصبحنا وإذا بابن مجاهد قد مات. ونقلت من خط رئيس الرؤساء ابى الحسن بن حاجب النعمان: كان ابن مجاهد إذا ختم احد عنده القرآن عمل دعوه، فختم احد اولاد النجارين، فعمل دعوه فحضر ابو بكر واصحابه، وحضر الصوفية والقوالون، فلما قارب ثلث الليل، استدعى ابو بكر بن مجاهد ازاره فطرحه على كتفه، وقال: امضى في حاجه واعود، فلا يتبعني احد، قال: فعجبنا من خروجه في ذلك الوقت، وظننا انه انكر سوء ادب، ومكثنا منكرين، فلما كان بعد ساعتين، وافى وعاد الانبساط، فسألناه عن نهضته فقال: اصدقكم، نظرت فإذا انا في طيبه ولذة، وذكرت ان بيني وبين فلان الضرير مقه وشر، ففكرت اننى في هذه اللذه، وان ذاك واقف بين يدي الله يتهجد، ولم أحب ان أكون بهذه الصفة وهو على تلك الحال من ثقل القلب، فخفت من الله تعالى فقصدته ودخلت داره، فقبلت راسه، واصلحت ما بيني وبينه، وامنت استحكامه، وعدت الى ما نحن عليه وانا طيب القلب. وفي شهر رمضان ورد الخبر بقتل ياقوت بعسكر مكرم، ودفن بها، وذلك ان جنده شغبوا عليه، ومن جملتهم ثلاثة آلاف اسود، وانصرف عنه طاهر الجيلى في ثمانمائه رجل الى الكرج، وكبسه على بن بلقويه فقلل رجاله، ونجا طاهر بنفسه،

стр. 6082

واستأسر كاتبه أبا جعفر الصيمرى، وكان سبب اقباله واتصاله بمعز الدولة. فكاتب ياقوت البريدى، وهو بالاهواز يعرفه الصورة، فقال البريدى: انا كاتبك ومدبر امرك، والصواب ان تنفذ بالرجال حتى اقرر معهم الحال، فتقدم اليهم بالمصير، فاستعولهم البريدى، فانقطعوا اليه، فسار ياقوت اليه في ثلاثمائة رجل لئلا يستوحش ويلقاه البريدى في السواد الأعظم، وترجل له وقبل الارض، ووقف على راسه على سماطه، وقال الجند: انما وافى ياقوت ليقبض علينا. وقد وافق البريدى على ذلك، فقال له البريدى: اخرج ايها الأمير، والا قتلنا جميعا، فخرج الى تستر وسبب له البريدى على عاملها خمسين الف دينار. فقال لياقوت مؤنس مولاه: ايها الأمير ان البريدى يحز مفاصلنا ويسخر منا، وأنت مغتر به، وقد افسد رجالك وقوادك، وقد اتصلت كتب الحجريه إليك، وليس لهم شيخ سواك، فلو دخلت بغداد، فأول من يطيعك محمد بن رائق بالضرورة، ولأنك نظير ابيه والا فاخرج الى الاهواز، فاطرد البريدى عنها، فأنت في خمسمائة وهو في عشره آلاف، ومعك خمسه آلاف وأنت أنت، وقد قال عدوك على بن بويه: لو كان في عسكرك مائه مثلك ما قاومناك، فقال: افكر في هذا. فخرج مؤنس مغضبا في ثلاثة آلاف، ووافى عسكر مكرم، وقال: انا لا اعصى مولاى فانه اشترانى ورباني واصطنعنى ولكنى افتح الاهواز وأسلمها اليه. فما استقر مؤنس بعسكر مكرم ثلاث ساعات، حتى وافى كتاب ياقوت اليه يحذره كفر نعمه. وكان الكتاب مع شيخه مقدم يقال له درك، وكانت السن قد أخذت منه، وحضر معه خادم مغفل يقال له ابو النمر، فقال لمؤنس: مولاك قبض على ابنيه وهما درتان، فلم يستحل ان يعصى مولاه ولم يحارب لأجلهما ولا طالب بهما، واستفتى الفقهاء فافتوه انه لا يحل له ان يحارب الامام، وقالوا افأنت تعصى مولاك! اما تخاف ان تخذل في هذه الحرب فتخسر الدنيا والآخرة! فأقام مؤنس لما اخذه العذل والتانيب، حتى وافى ياقوت واجتمع معه، ووافى

стр. 6083

عسكر البريدى، فخيموا في صحراء خان طوق، ومتقدمهم ابو جعفر الجمال غلام البريدى. فقال ياقوت لمؤنس: ان السلطان لنا بالنية التي عرفتها، ولا موضع لنا ناويه غير هذا البلد، والحرب سجال، وان حاربنا هذا الرجل وانهزمنا كنا بين القتلى، فيقال: قد كفر نعمه مولاه فالعن او بين الأسارى، او ان ينفذنا الى الحضره فنشهر بها، والوجه المداراة وان نعود الى تستر والجبل، فان صح لنا بها امر، والا لحقنا خراسان وشاع كلامه فضعفت نفوس اصحابه وطالت الأيام، واستامن من عسكره الى البريدى خلق، حتى بقي ياقوت في الف رجل وكان مؤنس يبكر اليه ويقول: يا مولاى مضى أصحابنا فيقول: واى خير فيمن لا يصلح لنا؟ فلما علم البريدى من نفسه القوه، راسل ياقوتا بالقاضى ابى القاسم التنوخي، واعلمه انه على العهد، وانه كاتبه وان الإمارة لا تصلح له، وساله ان يعود الى تستر، وان يزوج ابنته من ابى العباس احمد بن ياقوت. فقبل ياقوت الرسالة، وانعقد الصهر، ورحل الى تستر، ووافاه ابنه المظفر بها، واخبره ان الراضي قد من عليه بنفسه، واشار عليه بالاصعاد اليه والمقام بدير العاقول وان راى الحجريه مبادرين اليه وان كرهه السلطان، تولى الموصل وديار ربيعه، وان منع من ذلك قصد الشام. فحالف ابنه ابنه فاستأذن ابنه ان يكون بعسكر مكرم فاذن له، واستامن البريدى، وجاء ياقوت الى المعسكر فنزل عند نهر جارود، فظهرت الطلائع من عسكر ابى جعفر الجمال، وثبت ياقوت في الف رجل، فأعيا من بازائه وهم اضعاف عدته، وكادوا ينهزمون، فظهر كمين البريدى في ثلاثة آلاف رجل فأبلس ياقوت، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فرمى بنفسه من دابته، وبقي بسراويل وقميص شيرى، وأوى الى رباط يعرف

стр. 6084

برباط الحسين بن زياد، ولو دخله لجاز ان يسلم، وجلس وغطى وجهه وجعل يسال ويوهم انه رجل من ارباب النعم متصدق. فركض اليه قوم من البربر من اصحاب البريدى، فكشفوا وجهه وجزوا راسه حين عرفوه، وحملوه الى الجمال، فاطلق طائرا الى البريدى بالخبر، فامر ان يجمع بين راسه وجثته ويدفن بالموضع الذى قتل فيه، ويعرف بين الساقيتين، ولم يجد له غير اثنى عشر الف دينار، ووجد في صناديقه كتب الحجريه اليه من بغداد ليرشوه. وانفذ البريدى ابنه المظفر الى الحضره، وكانت نفس ابى عبد الله البريدى ضعيفه، فقواها اخوه ابو يوسف حتى شهر نفسه بالعصيان. وكانت نفقه مائدته في كل يوم الف درهم، وكان غلمانه خمسه، وكسوته متوسطه، ولم يتسر الا بثلاث جوار، ولم تكن له زوجه غير والده ابنه ابى القاسم، وكانت صلاته للجند خاصه، ولم يعط شاعرا ولا طارقا شيئا. وصادر ابو جعفر الكرخي ابن مقله بعد مصادره عبد الرحمن بن عيسى على مائه الف دينار، ادى منها ابن قرابه عنه خمسه واربعين الف دينار، ولم يعد اليه العوض. ورد الوزير ابو جعفر الكرخي الى ابى على بن مقله الاشراف على اعمال الضياع والخراج لسقى الفرات، واجرى عليه في كل شهر الف دينار. وقبض على ابى عبد الله محمد بن عبدوس الجهشيارى، وصادره على مائتي الف. دينار، ادى منها مائه الف. وكان الكرخي غير ناهض بالوزارة، وكان فيه إبطاء في الكتابه والقراءة، فلما نقصت هيئته، واحتف المطالبه له بالأموال، وقد تغلب الخوارج على الاعمال، فاستتر بعد ثلاثة ايام من تقلده الوزارة، وكان استتاره يوم الاثنين لثمان خلون من شوال فاستحضر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن عاشر شوال، وخاطبه في الوزارة، وخلع عليه، فكان في التجبر مثل ابى جعفر، فدفعت الراضي الضرورة الى ان راسل أبا بكر بن رائق في القدوم، وتقلد الإمارة ورئاسه الجيش، وان يخطب له على المنابر

стр. 6085

وان يكنى، وانفذ اليه بالخلع واللواء مع الخدم. وانحدر اليه اصحاب الدواوين وجميع قواد الساجيه، فلما حصلوا بواسط، قبض على الحسن بن هارون وعلى الساجيه، وحبسهم في المطامير، ونهب رحالهم. وخرج من بغداد منهم حين بلغهم الخبر الى الشام. واصعد ابن رائق الى بغداد في العشرين من ذي الحجه معه بجكم والاتراك والديلم والقرامطة، وضرب له الراضي مضربا في الحلبه، ووصل الى بغداد لخمس بقين من ذي الحجه، ووصل الى الراضي ومعه بجكم ورؤساء اصحابه، وصارت مرتبته فوق الوزير، وخلع عليه، وصار في الخلع الى مضربه بالحلبة، وحمل اليه من دار السلطان الطعام والشراب والفواكه. وكانت الحجريه قد ضربوا الخيم متوكلين بالدار، وامرهم بالانصراف، فعطل امر الوزارة. ولم يكن الى الوزير غير حضور المركب بالسواد والسيف والمنطقه. وفي هذه السنه ملك ابو على بن الياس- وهو من الصغد- كرمان وصفت له، وزالت المنازعات.

стр. 6086

سنه خمس وعشرين وثلاثمائة [أخبار] انحدر ابن رائق مع الراضي لمراسله البريدى في عشر من المحرم. وكانت عده الحجاب في دار السلطان أربعمائة وثمانين حاجبا، فاقتصر ابن رائق على ستين واسقط الباقين، واسقط من الحجريه خلقا، فحاربوه فهزمهم واسر بعضهم، وامر صاحب شرطته لؤلؤ بقبض أموالهم واحراق دورهم، وتقدم بقتل من حبسهم من الساجيه عنده. وكان مدبر امر رائق أبا عبد الله النوبختى، فاعتل بعد مصاحبته بثلاثة اشهر، فاستكتب مكانه أبا عبد الله الكوفى. وقلق البريدى لما نزل الراضي وابن رائق باذبين، وراسل بان يحمل في كل سنه ثلاثمائة الف وستين الف دينار، وان يسلم الجيش الى جعفر بن ورقاء حتى يحملهم الى فارس. وكان اخوه ابو الحسين وأمه ببغداد فانحدرا الى واسط، فخلع عليهما واحدرا اليه. ومضى مع جعفر بن ورقاء، فلما لبس البريدى الخلع التي صحبت جعفرا، وسار بين يديه العسكر، وكان لبسه للخلع بجامع الاهواز، فلما راى طاعه الجند له، ادهش ذلك جعفرا، وولاهم البريدى عليه حتى طالبوه بالمال، فاستجار جعفر بالبريدى حتى اعاده الى الحضره. واصعد الراضي وابن رائق الى بغداد وكان المتولى للبصرة محمد بن يزداد. واستوحش ابو الحسن بن عبد السلام، واشار عليه بالتغلب على البصره، فبنى ابو عبد الله مائه قطعه من آله الماء، وأتاه اهل البصره في جمع عظيم للتهنئه بالولاية، فقربهم واكرمهم، وقال: قد اطلع ابن عبد السلام على نيتى الجميلة فيكم، وانى قد اعددت آله الماء، انفذ منها الجيوش لاحصن بلدكم من القرامطة، وانما ضمنت البصره من السلطان لظلم ابن رائق لكم

стр. 6087

وكان ابن رائق قد امتنع من اجابه ابى يوسف البريدى الى ضمان البصره، وبذل فيها اربعه آلاف الف درهم، وما زال به الكوفى وابن مقاتل حتى ضمنه إياها، وقد ازلت عنكم يا اهل البصره، الشرطه والمآصير والشرك، وتحملت ذلك من مالي. وكتب توقيعا بخطه برفعها عنهم- وسيبلغ ابن رائق فعلى بكم فيعادينى، وما أبالي ولو عاداني إخواني في صلاحكم، وانى لأرجو المغفره بازاله الرسوم الجائره عنكم، وان عزم ابن رائق على رد ذلك فأين السواعد القوية والأكف التي حاربت على ابن ابى طالب ع وما فكرت في مكاشفته، فمتى رام ابن رائق ذلك، فاضربوا وجهه بالسيف وانا من ورائكم. يا اهل البصره، لقد فشلتم! اين يومكم مع ابن الاشعث؟ اين يومكم مع ابراهيم ومحمد ابني عبد الله بْن حسن بْن حسن، متى اخذكم ضميم فصبرتم! ثم هذا عسكرى سائر معكم فلتكن آمالكم ممتدة وقلوبكم قوية. ووقع للنفقة على الجامع بألفي دينار، ووقع لهم بتخفيف معاملاتهم بألف الف درهم، وانصرفوا وقد صاروا سيوفه. وسير البريدى إقبالا غلامه، في الفى رجل، وتقدم اليهم ان يقيموا بحصن مهدى، الى ان يأتيهم اقبال، واتصل الخبر بابن يزداد فقامت قيامته. ولما وصل الراضي وابن رائق الى بغداد، قلد ابن رائق بجكم الشرطه، وانزله في دار محمد بن خلف النيرمانى على دجلة، وقلد القاضى أبا الحسين عمر بن محمد قضاء القضاه. واثبت ابن رائق من الحجريه الفى رجل، وامرهم بالمسير الى الجبل، فلما صاروا بالنهروان، اجمع رأيهم على المضى الى الاهواز، فقبلهم البريدى واضعف أرزاقهم،

стр. 6088

واظهر للسلطان وابن رائق، انه لم تكن له قدره بدفعهم واضطر لقبولهم. وغلبت على الدنيا الطوائف، فصارت واسط والبصره والاهواز في يدي البريدى، وفارس في يد على بن بويه، وكرمان في يد ابى على بن الياس، والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة ابى على بن بويه ووشمكير، والموصل وديار ربيعه وديار بكر في يد بنى حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج، والمغرب وإفريقية في يد ابى تميم، والاندلس في يدي الاموى، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن احمد، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، واليمامه والبحرين في يد ابى طاهر الجنابى. ولم يبق في يد الراضي وابن رائق غير السواد. وكان بدر الخرشنى بديار مصر، فضاق مالها عن رجاله، فانحدر عنها، وحصل بهيت، فقصد تلك الديار سيف الدولة فغلب عليها. وقبض ابو عبد الله احمد بن على الكوفى على ابى محمد بن شيرزاد، وصادره على مائه وعشرين الف دينار. ووافى ابو طاهر القرمطى الى الكوفه فخرج ابن رائق من بغداد، لثلاث خلون من جمادى الاولى ونزل بستان ابن ابى الشوارب بالياسريه، وراسل أبا طاهر وقرر معه ان يحمل اليه في كل سنه- إذا دخل في الطاعة- طعاما ومالا قدره مائه وعشرون الف دينار، وسار ابو طاهر الى بلده، وسار ابن رائق الى واسط، وقد جاهر البريدى بالخلاف. وعزل الراضي سليمان بن الحسين عن وزارته، وكانت مدتها عشره اشهر وثلاثة ايام. واشار ابن رائق على الراضي باستيزار ابى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وكان بالشام فاستقدمه واستعتبه.

стр. 6089

وزارة ابى الفتح بن الفرات للراضى بالله كانت عند قدومه من الشام، لست خلون من شوال، فقيل لابن مقله: القه فقال: فقلت لها لا عداك الصواب ... وان كان قولك الا سديدا أمثلي تطاوعه نفسه ... على ان يرى خاضعا مستزيدا وبلغ ابن رائق ما خاطب به البريدى اهل البصره، فأتاهم الكوفى وقال له اكتب اليه: اننى انكرت قبولك للحجريه، فاما رددتهم واما طردتهم، واما من انفذت به من أصحابك الى البصره، فإنما فعلت ذلك لحفظها من القرامطة، وقد كفينا امرهم ونفذوا الى بلادهم. وكان قصد ابن رائق المغالطه، والا يكاشفه بالعداوة. فكان جواب البريدى، ان اصحابه يتمسكون بالحجريه لقربى بينهم، وانه وان ابعدهم اوحش للجميع، لكنه يقطع أرزاقهم حتى يتصرفوا. وكان اصحاب البريدى الذين انفذهم مع اقبال غلامه، قد وقعت بينهم وبين اصحاب محمد بن يزداد وتكين الصغدي شحنه البصره لحربهم، فوقعت بينهم، حرب بنهر الأمير، انهزم فيها اصحاب ابن رائق، وانهزموا ثانيه بسكرابان، على فراسخ من الأبله. ودخل اقبال البصره، وخرج عنها محمد بن يزداد، سالكا طريق البر الى الكوفه، واصعد منها تكين ونيال الصغدي في الماء الى واسط. وانفذ ابن رائق- وقد عظم عنده الأمر- أبا عمرو والعاقولي برسالة البريدى، تتضمن وعدا ووعيدا، فكان جوابه انه لا يمكنه رد اصحابه عن البصره لان أهلها قد تمسكوا بهم. ولكن البصريون قد استوحشوا من محمد بن يزداد، لما عاملهم به من سوء السيرة،

стр. 6090

فكانوا يظنون عند البريدى خيرا، فرأوا منه ما تمنوا يوما من ايام ابن رائق، فاستدعى ابن رائق بدرا الخرشنى من هيت، فخلع عليه خلعا سلطانيه. وعول ابن رائق على طرد الكوفى وقال: ظننت انى اتالف به البريدى فحسى من ذنوبه شؤمه على. وعول على اعاده الحسين بن على النوبختى، وقال: اوجه شفعائه عندي بركته على دولتي، فقال ابن مقاتل: لا ذنب للكوفى في هذا، ولا فائده في استعاده الحسين ابن على، وهو سقيم طريح، وأنت ذاكر قولي لك: احفظ البصره، فقلت ان تكين ونيال ليحفظانها. فاحضر الكوفى، واستخلفه على موالاته ومعاداه البريدى. وخلع ابن رائق على بجكم، وسيره وانفذ بعده بدرا الخرشنى الى الاهواز، وانفذ معهما ابن ابى عدنان الراسبى مشيرا ودليلا، وامر احمد بن نصر القشورى بالمقام بالجامده، وامر بجكم ان يسير الى البصره، فيصير البريدى بينه وبين بدر. وبادر بجكم ولم ينتظر بدرا، وسار في ثلاثمائة غلام اتراكا، فلقيه ابو جعفر الجمال في عشره آلاف رجل بأتم آلة واكمل سلاح، فانهزموا من بين يدي بجكم. واراد ان ينفرد بالفتح دون بدر، فلما اتى ابو جعفر البريدى قام فلكمه وقال: ظننت انك تحارب ياقوتا، وقد ادبر بلقاء الاتراك بسودان باب عمار والمولدين، وضم اليه ثلاثة آلاف، فقال ابو جعفر: قد تمكنت هيبة الاتراك في قلوب أصحابنا، وستعلم حالهم. فطرح بجكم نفسه في الماء بتستر، فانهزم اصحاب البريدى بغير قتال، فخرج ابو عبد الله ومعه اخوه في طيار، وحملوا معهم ثلاثمائة الف دينار، كانت في خزانتهم، فغرقوا بالنهروان فاخرجهم الغواصون، واخرج لبجكم بعض المال، فقال ابو عبد الله: والله ما نجونا بصالح أعمالنا من الغرق، ولكن لصاعقه يريدها الله تعالى بهذه الدنيا، وقال له اخوه ابو يوسف: ويحك! ما تدع التطايب في كل حال ودخل بجكم الاهواز وكتب ابن رائق بالفتح

стр. 6091

ولما وصل ابو عبد الله الى الأبله ومعه اخواه، انفذ إقبالا غلامه الى مطاره، واقام هو واخواه في طياراتهم، وأعدوا ثلاثة مراكب للهرب خوفا من ان تتم على اقبال من عسكر الجامدة بمطايا ما تم على ابى جعفر بالسوس. فاخرج البريدى أبا الحسين بن عبد السلام لمعاضده اقبال، فانهزم اصحاب ابن رائق ومتقدمهم احمد بن نصر القشورى، واسر برغوت غلام ابن رائق، فاطلقه البريدى وكتب معه كتابا يستعطف فيه ابن رائق. ودخل البريديون البصره، فاطمأنوا، ولم يمكن بجكم ان يسير الى البصره لخلوها من آله الماء. وعاد بدر الخرشنى الى واسط، فانفذه ابن رائق في الطيارات الى البصره للحرب. وانفذ أبا العباس احمد بن خاقان الى المذار، فلقيه اصحاب البريدى فأسروه وحملوه اليه، فاطلقه واستحلفه الا يعود الى حربه. فلما اتصلت الهزيمة بابن رائق، سار من واسط الى البصره على الظهر للنصف من شوال، وكتب الى بجكم ان يلحق به بعسكر ابى جعفر، وانفذ بدرا الى ابن عمر وانفذ البريدى غلامه إقبالا بواسط، فحصل بدر في الكلا وحصل اقبال بالرصافة. ولما ملك بدر الكلا هرب البريدى الى جزيرة أوال، وخرج الجند والعامه لدفع بدر. ووافى ابن رائق وبجكم الى عسكر ابى جعفر ضحوه النهار من يوم ورود بدر الكلا، وعبر ابن رائق وبجكم دجلة البصره، وتبعهما احمد بن نصر، فرأوا من العامه ما بهرهم، حتى رجموا طيار احمد فغرقوه. وهرب ابو عبد الله من جزيرة أوال الى فارس، واستجار بعماد الدولة فانفذ معه أخاه معز الدولة. ووردت الاخبار بذلك، فتقدم ابن رائق الى بجكم بالانصراف الى الاهواز ليحميها، فقال: لست احارب الديلم الا بعد ان تحصل لي اماره الاهواز، فضمنه إياها بمائه وثلاثين الف دينار محمولة، واقطعه اقطاعا بخمسين الف دينار ونفذ

стр. 6092

ومن عجيب الاتفاق ان طاهرا الجبلي قصد ابن رائق الى واسط مستأمنا، فلم يجده، فانحدر اليه الى عسكر ابى جعفر، فتلقاه كتاب جاريته وابنه انهما حصلا في يد ابى عبد الله البريدى بفارس فاكرمهما. فعند ذلك، سار طاهر في مائتي رجل، وتبعه عسكر البريدى في الماء، فانهزم بدر الى واسط، وانهزم ابن رائق الى الاهواز، فأشير على بجكم بالقبض عليه فلم يفعل، واقام عنده مكرما، حتى وافاه فاتك غلامه من واسط، فرجع معه إليها، وخلف بجكم بالاهواز، وخلف ابو عبد الله البريدى عند عماد الدولة ابنه أبا الحسين محمدا، وأبا جعفر الفياض رهينه، وسار مع ابى الحسين معز الدولة الى الاهواز فلما نزلوا ارجان، خرج بجكم لحربهم فعاد بعد ثلاثة ايام منهزما، وسبب انهزامه ان المطر اتصل أياما كثيره، فمنع الاتراك ان يرموا بالنشاب، فعاد بجكم وقطع قنطره نهر اربق ورتب عليها جماعه، فكانت المنازله بين معز الدولة وبينهم ثلاثة عشر يوما وعبر معز الدولة في خمسه نفر في سميريه، فهزم من كان هناك من اصحاب بجكم، فعند ذلك قبض بجكم على وجوه اهل الاهواز، فيهم ابن ابى علان ويحيى بن سعيد السوسي، وسار بعسكره الى واسط، وكاتب ابن رائق وهو بها، ان كان عنده مائه الف دينار يفرقها في عسكره، فالوجه ان يقيم، والا فالصواب ان يصعد الى بغداد. فعند ذلك اصعد، وطالب بجكم حين دخل واسطا من اعتقله من اهل الاهواز بخمسين الف دينار، فقال ابو زكريا يحيى بن سعيد السوسي: اردت ان اخبر ما في نفسه من طلب العراق، فراسلته على لسان الموكل بي: ايها الأمير أنت طالب للملك، معول على خدمه الخلافه، تطالب قوما منكرين في بلاد غربه، ولقد حمى في أمسنا طست، وجعل على بطن سهل بن قطين اليهودي، افما تعلم انه إذا سمع هذا عنك اوحش الاباعد منك! وما تذكر إنكارك على ابن رائق ايحاشه اهل البصره واهل بغداد، وقد حملت نفسك على مثل ما كان يعمل مزداويج باهل الجبل وبغداد، هي دار الخلافه لا تحتمل هذه الأخلاق. فلما سمع بهذا الكلام رق وامر بحل قيودنا، واستعقل يحيى بن سعيد السوسي واطلقه، فشفع في الباقين، وكان طاهر الجبلي قد فارق الأمير عماد الدولة بارجان،

стр. 6093

فكتب الى أخيه معز الدولة ان يطالب أبا عبد الله البريدى فكتب البريدى الى أخيه ابى يوسف، بالقبض عليه وانفاذه الى فارس ففعل ذلك. ووصل معز الدولة الاهواز، ونزل البريدى دار ابى على المسروقان، ووافاه اهل الاهواز داعين مهنئين، وكان البريدى يحمى الربع، فدخل عليه يوحنا الطبيب وكان حاذقا، فقال له: ما تشير على؟ قال ان تخلط- وعنى بذلك في المأكولات- لترمى بالاخلاط، فقال: اعظم مما خلطت يا أبا زكريا لا يكون، قد ارهجت ما بين فارس والحضره، فان اقنعك هذا، والا ملت الى الجانب الآخر، وارهجتها الى خراسان. وسبب معز الدولة على البريدى بعد ان اقام معه خمسه وثلاثين يوما بخمسه آلاف الف درهم، باحضار عسكره لينفذهم الى الأمير ركن الدولة بأصبهان، فاحضر اربعه آلاف رجل، وقال لمعز الدولة: ان أقاموا بالاهواز جرى بينهم وبين الديلم فتنه، والوجه ان انفذهم مع صاحبي ابى جعفر الجمال للسوس، فأمره بذلك ثم طالبه ان يحضر رجال الماه الى حصن مهدى، ليشاهدهم، فينفذهم الى واسط فاستوحش البريدى وقال: هكذا عملت بياقوت، فلو لم اتعلم الا من قصتي لكفانى. وكان الديلم يهينونه ويزعجونه من منامه وهو محموم، وكان الأمير ابو الحسين ابن بويه يكرمه وابو على العارض الكاتب يجلس بين يديه ويخاطبه بسيدنا. فاما بقية القواد من الديلم فكان عندهم بمنزله دنية. وهرب البريدى من ابن بويه في الماء الى الباسيان، وتبعه جيشه، وكاتبه البريدى انه يضمن منه الاهواز في كل سنه بثمانية عشر الف الف درهم، فأجابه الأمير ابو الحسين الى هذا، وراسله البريدى بالقاضى ابى القاسم التنوخي وابى على العارض: ان نفسه لا تطيب بقرب داره منه. واستقر الأمر ان يحمل الى معز الدولة ثلاثين الف دينار لنفقه الطريق، فأجاب. الى ذلك معز الدولة، فانفذ البريدى منها سته عشر ألفا مع التنوخي، فاحتبسه معز الدولة على الباقى ثم اطلقه، وقال دلان للأمير ابى الحسين وهو كاتب جيش معز

стр. 6094

الدولة، وكان الصيمرى من اتباعه، فقال: ان البريدى قد سلك معك طريقته مع ياقوت، وغرضه ابعادك الى السوس. واستحكمت الوحشة بين معز الدولة والبريدى، وانفذ بجكم قائدا من قواده في الفى رجل من الأكراد والاعراب، فغلبوا على السوس وجنديسابور واقام البريدى ببنات ادر، غالبا على اسافل الاهواز، وبقي معز الدولة لا يملك غير عسكر مكرم، وقد احتاط به الأعداء من كل جانب، واضطرب عسكره وفارقوه حتى اتبعهم وترضاهم، وكاتب عماد الدولة بالصورة، فانفذ اليه قائدا من قواده وكان شجاعا، في ثلاثمائة ديلمى، وخمسمائة الف درهم. وكان ابو على العارض معتقلا بين يدي البريدى، واتهم معز الدولة انه واطاه على ما فعله، وكان يبغض العارض لأنه شاهده وزير ما كان الديلمى، وكان بجكم مملوكه، فطلبه منه ما كان صاحبه، فاهداه اليه. فعند وصول الرجال والمال، انفذ معز الدولة الصيمرى الى السوس عاملا عليها، وانفذ ثلاثمائة رجل الى بنات ادر، فهرب البريدى الى البصره، فحصلت الاهواز بيد الأمير ابى الحسين، وحصل البريدى بالبصرة، واستقر بجكم بواسط واقام، ابن رائق ببغداد، وهو الذى وضع المآصير ببغداد، وما كانت سمعت بالضرائب من قبله. وحكى بجكم، ان ابن مقاتل قال لابن رائق: أخطأت حين قلدت بجكم الاهواز. لأنه إذا حصل بها نازعك في امرك، وقد عرفت منازعه البريدى لك، وهم اصحاب دراريع، قال: بلغنى ذلك، فأخذت معى عشره آلاف دينار، وجئته ليلا وقد نام الناس، فقلت في مهم لم يعلم به احد، ولولا ان الترجمان محمد بن نيال يخبر عنى ما استصحبته، وقد توقف الأمير عن تقليدي للاهواز، واسالك ان تأخذ هذه العشرة آلاف دينار، وتمضى عزمه فيما نواه. فلما راى الدنانير مال إليها، وكان ذلك سبب ولايتى.

стр. 6095

سنه ست وعشرين وثلاثمائة [أخبار] لما ورد ابن رائق بغداد، اطمعه الوزير ابو الفضل في اموال مصر والشام، وزوج ابنه أبا القاسم بابنه ابن رائق، وزوج ابن رائق ابنه بابنه طغج. وخرج الوزير ابو الفضل الى الشام، واستخلف بالحضرة أبا بكر البقرى، فلما بلغ هيت ضعف امره، وقوى امر ابى عبد الله الكوفى، وقلد ابن رائق اعمال الاهواز، فدعاه بجكم الى كتابته فأجابه. وسفر ابو جعفر بن شيرزاد في الصلح بين ابن رائق والبريدى وأخذ خط الراضي بالرضا عنهم، وقطعت لهم الخلع، على ان يقيموا الخطبه بالبصرة لابن رائق، وان يفتحوا الاهواز وان يحملوا ثلاثين الف دينار، واطلقت ضياعهم بالحضرة وبلغ ذلك بجكم فجزع لهذا الصلح. واشار عليه يحيى بن سعيد السوسي، بحرب البريدى، فانفذ اليه البريدى أبا جعفر الجمال، فالتقيا بشابرزان، فانهزم الجمال، وانفذ يعاتب البريدى ويقول له: جنيت على نفسك باستجلاب الديلم أولا، وبمظافره ابن رائق ثانيا، وانا أعاهدك ان اوليك وسطا إذا ملكت الحضره، فسجد البريدى لما بلغته رسالته شكرا لله تعالى، ووصل رسوله بثلاثة آلاف دينار، وحلف بمحضر من القاضى ابى القاسم التنوخي والقاضى ابى القاسم بن عبد الواحد بالوفاء لبجكم. وكان ابن مقله يسال ابن مقاتل والكوفى في رد ضياعه، فيمطلونه، فكتب الى بجكم والى أخي مزداويج يطمعهما في الحضره، وكاتب الراضي بالله يشير بالقبض على ابن رائق، وتوليه بجكم، وكتب الى بجكم ان الراضي قد استجاب لذلك. وظن ابن مقله انه قد توثق من الراضي، وبذل له استخراج ثلاثة آلاف الف دينار، ان قلده الوزارة، فوافقه على ان ينحدر اليه سرا، الى ان يتم التدبير على ابن رائق، فركب من داره في سوق العطش في طيلسان، وسار الى الأزج بباب البستان،
следующие страницы →