← Сира

Сира · id 9784

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

الديار بكري

Полный текст (908 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الكتاب انه ابن خالة ذى القرنين ووزيره وانه شرب من عين الحياة وذكر الثعلبى أيضا اختلافا هل كان فى زمن الخليل أم كان بعده بقليل أو بكثير* وذكر بعضهم أنه كان فى زمن سليمان ﵇ وانه المراد بقوله تعالى قال الذى عنده علم من الكتاب حكاه الداودى واختلف فيه هل كان نبيا أو وليا على قولين وبالثانى جزم القشيرى واختلف أيضا هل كان مرسلا أم لا على قولين وأغرب ما قيل انه من الملائكة والصحيح أنه نبىّ وجزم به جماعة وقال الثعلبى هو نبىّ على جميع الاقوال هو معمر محجوب عن الابصار وصححه ابن الجوزى أيضا لقوله تعالى حكاية عنه وما فعلته عن أمرى فدل على أنه نبى أوحى اليه وانه أعلم من موسى (وخامسها) فى حياته وقد أنكرها جماعة منهم البخارى وابراهيم الحربى وابن المنادى وأفردها ابن الجوزى فى تأليف له والمختار بقاؤها وقال ابن الصلاح هو حىّ عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم فى ذلك وانما أنكرها بعض المحدّثين وقيل انه لا يموت الا فى آخر الزمان حين يرفع القرآن* وفى صحيح مسلم فى حديث الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحييه قال ابراهيم ابن سنين راوى كتاب مسلم انه الخضر وكذا قال معمر فى مسنده وذكر الشيخ علاء الدولة السمنانى فى العروة الوثقى كنيته ولقبه واسمه هكذا أبو العباس الخضر ﵇ أعنى بليان بن ملكان ابن سمعان وأورد له فيها حديثين سمعهما عنه عن النبى ﷺ أحدهما قال رسول الله ﷺ ما من مؤمن قال صلّى الله على محمد الانضر الله قلبه ونوّره والثانى قال رسول الله ﷺ اذا رأيت الرجل لجوجا معجبا برأيه فقد تمت خسارته* وفى كتاب القرّاء عن ابن عباس قال يلتقى الخضر والياس فى كل عام فى الموسم فيلحق كل منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هذه الكلمات بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير الا الله ما شاء الله لا يصرف السوء الا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوّة الا بالله قال فمن قالها حين يصبح وحين يمسى ثلاث مرّات عوفى من السرق والحرق والغرق وأحسبه قال ومن السلطان والشيطان والحية والعقرب اخرجه أبو ذر* وفى العرائس عن ابن اسحاق الخضر من ولد فارس والياس من بنى اسرائيل* وفى زبدة الاعمال عن عبد الله رضى الله عنه سكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة الى باب الاسباط وهو يصلى كل جمعة فى خمسة مساجد فى المسجد الحرام وفى مسجد المدينة وفى مسجد بيت المقدس وفى مسجد قباء ويصلى كل ليلة جمعة فى مسجد الطور ويأكل كل جمعة أكلتين من كماءة وكرفس ويشرب من زمزم ومن جب سليمان الذى ببيت المقدس ويغتسل من عين سلوان أخرجه الحافظ أبو القاسم بن عساكر* وفى ربيع الابرار من الانبياء أربعة أحياء اثنان فى السماء عيسى وادريس واثنان فى الارض الياس والخضر فالياس فى البرّ والخضر فى البحر وهما يجتمعان كل ليلة على ردم ذى القرنين يحرسانه ويحجان كل سنة ولا يراهما الا من شاء الله وأكلهما الكرفس والكماءة وهذه القصة وقعت فى البين وقطعت اتصال حديث ابراهيم ﵇ فلنرجع الآن اليه* بقية اخبار ابراهيم ﵇ وفى الاكتفاء قال أبو الجهم ولما فرغ ابراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر فى البيت جعل المقام لا صقا بالبيت عن يمين الداخل فلما كان زمن قريش قصر الخشب عليهم فأخرجوا الحجر وقيل قصرت النفقة من الحلال كما سيجىء وكان ما أخرجوا منه سبعة أذرع وأمر ابراهيم بعد فراغه أن يؤذن فى الناس بالحج فقال يا رب وما يبلغ صوتى قال الله أذن فمنك النداء وعلىّ البلاغ فارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت فارتفع به المقام حتى كان كأطول الجبال فنادى وأدخل اصبعيه فى اذنيه وأقبل بوجهه شرقا وغربا يقول أيها الناس كتب عليكم الحج الى البيت العتيق فأجيبوا ربكم فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب الى منقطع التراب من أطراف الارض كلها لبيك اللهم لبيك

стр. 107

أفلا تراهم يأتون يلبون فمن حج من يومئذ الى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله وذلك قوله تعالى فيه آيات بينات مقام ابراهيم يعنى نداء ابراهيم على المقام بالحج فهى الآية* قال الواقدى وقد روى أن الآية هى أثر ابراهيم على المقام* وفى أنوار التنزيل وغيره روى أن ابراهيم صعد أبا قبيس فقال يا أيها الناس حجوا بيت ربكم* وفى العرائس فعلا ثبير ونادى يا عباد الله الى آخره فأسمعه الله تعالى من فى أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما بين المشرق والمغرب ممن سبق فى علمه أن يحج وكان بناء الكعبة بعد أن مضى مائة سنة من عمر ابراهيم ﵇ ويكون بالتقريب بين بناء الكعبة وبين الهجرة النبوية ألفان وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة قال أبو الجهم فلما فرغ ابراهيم من الاذان ذهب به جبريل فأراه الصفا والمروة وأقامه على حدود الحرم وأمره أن ينصب عليها الحجارة ففعل ابراهيم ذلك وكان أوّل من أقام أنصاب الحرم ويريه اياها جبريل فلما كان اليوم السابع من ذى الحجة خطب ابراهيم ﵇ بمكة حين زاغت الشمس قائما واسماعيل جالس ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين مع كل واحد منهما أداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها فسمى ذلك اليوم يوم التروية فأتيا منى فصليا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح وكانا نزلا فى الجانب الايمن ثم أقاما حتى طلعت الشمس على ثبير ثم خرج يمشى هو واسماعيل حتى أتيا عرفة وجبريل معهما يريهما الاعلام حتى نزلا بنمرة وجعل يريه أعلام عرفات وكان ابراهيم قد عرفها قبل ذلك فقال ابراهيم قد عرفت فسميت عرفات فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل حتى انتهى بهما الى موضع المسجد اليوم فقام ابراهيم فتكلم بكلمات واسماعيل جالس ثم جمع بين الظهر والعصر ثم ارتفع بهما الى الهضبات فقاما على أرجلهما يدعو ان الى أن غابت الشمس وذهب الشعاع ثم دفعا من عرفة على أقدامهما حتى انتهيا الى جمع فنزلا فصلى ابراهيم المغرب والعشاء فى ذلك الموضع الذى يصلى فيه اليوم ثم باتا حتى اذا طلع الفجر وقفا على قزح فلما أسفرا قبل طلوع الشمس دفعا على أرجلهما حتى انتهيا الى محسر فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا الى مشيهما الاوّل ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع ثم نزلا من منى فى الجانب الايمن ثم ذبحا فى المنحر اليوم وحلقا رؤسهما ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين تزيغ الشمس ماشيين ذاهبين راجعين وصدرا يوم الصدر فصليا الظهر بالابطح وكل هذا يريه جبريل ﵇* قال أبو الجهم فلما فرغ ابراهيم من الحجّ انطلق الى منزله بالشام وكان يحج البيت كل عام وحجته سارة وحجه اسحاق ويعقوب والاسباط والانبياء وهلم جرّا وحجه موسى بن عمران ﵇ روى الواقدى باسناد له الى ابن عباس قال مرّ موسى ﵇ بصفاح الروحاء يلبى تجاوبه الجبال عليه عباءتان قطوانيتان من عباء الشام وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال حج هارون نبىّ الله البيت فمرّ بالمدينة يريد الشام فمرض بالمدينة فأوصى أن يدفن بأصل أحد ولا يعلم به اليهود مخافة أن ينبشوه فدفنوه فقبره هناك* وعن ابن عباس أن الحواريين كانوا اذا بلغوا الحرم نزلوا يمشون حتى يأتوا البيت* وعن ابن الزبير أن الحواريين خلعوا نعالهم حين دخلوا الحرم اعظاما أن ينتعلوا فيه ثم توفى ابراهيم خليل الله ﵇ بعد أن وجه اليه ملك الموت فاستنظره ابراهيم ثم عاد اليه لما أراد الله قبضه فأخبره بما أمر به فسلم ابراهيم لامر الله فقال ملك الموت يا خليل الله على أى حال تحب أن أقبضك فقال تقبضنى وأنا ساجد فقبضه وهو ساجد فصعد بروحه الى الله ودفن ابراهيم ﵇ بالشام وعاش اسماعيل بعد أبيه ما شاء الله وكانت ولاية البيت له ما دام فى حياته وتوفى بمكة ودفن داخل الحجر مما يلى باب الكعبة وهناك قبر أمه هاجر ودفن معها وكانت توفيت قبله* وفى البحر العميق سأل الفقيه اسماعيل الحضرمى الشيخ محب الدين الطبرى عن البلاطة الخضراء التى فى الحجر فأجاب الشيخ بأن البلاطة الخضراء قبر اسماعيل ﵇ قال ويشبر من رأس

стр. 108

البلاطة الى ناحية الركن الغربى مما يلى باب بنى سهم وهو الذى يقال له اليوم باب العمرة ستة أشبار فعند انتهائها يكون رأس اسماعيل ﵇ انتهى ثم ان العماليق بنوا الكعبة بعد ابراهيم ﵇ وبعض المؤرّخين يقدمون بناء جرهم على بناء العمالقة والله أعلم* ولما توفى اسماعيل ولى البيت بعده ولده نابت وقام مقامه ما شاء الله أن يليه ولم يله أحد من ولده غيره وكان أكبرهم* ثم مات نابت فدفن فى الحجر مع أمه رعلة بنت مضاض فولى البيت بعده جدّه مضاض بن عمرو الجرهمى وضم بنى نابت وبنى اسماعيل اليه ولما مات مضاض بقيت ولاية البيت فى أيدى أخواله من جرهم فقاموا عليه فكانت جرهم ولاة البيت وحجابه وولاة الاحكام بمكة لغلبتهم واستيلائهم وكان البيت قد دخله السيل من أعلاه فانهدم فاعادته جرهم على بناء ابراهيم وكان طوله فى السماء تسعة أذرع قال بعض أهل العلم الذى بنى البيت الحرام لجرهم أبو الجدرة عمرو فسمى الجادر ويسمى بنوه الجدرة* وفى شفاء الغرام ذكر المسعودى ما يفضى الى أن الذى بنى الكعبة من جرهم هو الحارث بن مضاض الاصغر وجعلت جرهم للبيت مصراعين وقفلا ثم ان جرهم وقطورا بغى بعضهم على بعض وتنافسوا الملك بها حتى شبت الحرب بينهم على الملك وبنو اسماعيل وبنو نابت يومئذ مع مضاض واليه ولاية الامر وولاية البيت دون السميدع فلم يزل البغى بينهم حتى سار بعضهم الى بعض فخرج مضاض بن عمرو من قعيقعان فى كتيبته سائر الى السميدع ومع كتيبته عدّتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب تقعقع معه وقيل ما سمى قعيقعان الا لذلك وخرج السميدع بقطورا من أجياد ومعه الخيل الجياد والرجال وقيل ما سمى أجيادا الا لخروج الخيل الجياد مع السميدع منه* وغير ابن اسحاق يقول انما سمى أجيادا لان مضاضا ضرب فى ذلك المواضع أجياد مائة رجل من العمالقة وقيل بل أمر بعض الملوك غير مسمى بضرب رقاب فيه فكان يقول السيافه توسط الاجياد وهذا ونحوه أصح فى تسمية الموضع باجياد مما قال ابن اسحاق قال فالتقوا بفاضح فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل السميدع وفضحت قطورا فيقال ما سمى فاضح فاضحا الا لذلك ثم ان القوم تداعوا الى الصلح فساروا حتى نزلوا المطابخ شعبا بأعلى مكة يقال له شعب عبد الله بن عامر ابن كريز فنزلوا بذلك الشعب فاصطلحوا به وأسلموا الامر الى مضاض بن عمرو فلما جمع اليه أمر مكة وصار ملكها له دون السميدع نحر للناس وأطعمهم فأطبخ الناس وأكلوا فيقال ما سميت المطابخ المطابخ الا لذلك وقال ابن اسحاق وقد زعم بعض أهل العلم انها سميت بذلك لما كان تبع نحر بها وأطعم بها وكانت منزله قال وكان الذى كان بين مضاض والسميدع أوّل بغى كان بمكة فيما يزعمون فقال مضاض فى تلك الحرب يذكر السميدع وقتله وبغيه والتماسه ما ليس له ونحن قتلنا سيد الحىّ عنوة ... فأصبح فيها وهو حيران موجع وما كان يبغى أن يكون سوى انا ... لها ملك حتى أتانا السميدع فذاق وبالاحسين حاول ملكنا ... وعالج مناغصة تتجرّع فنحن عمرنا البيت كنا ولاته ... نحاول عنه من أتانا وندفع وما كان يبغى أن يلى ذاك غيرنا ... ولم يك حىّ قبلنا ثم يمنع وكنا ملوكا فى الدهور التى مضت ... ورثنا ملوكا لا ترام وتوضع قال ثم نشر الله بنى اسماعيل بمكة وأخوالهم من جرهم اذ ذاك ولاة البيت والحكام بمكة وكانوا كذلك بعد نابت بن اسماعيل فلما ضاقت عليهم مكة وكثروا بها انبسطوا فى الارض فابتغوا المعايش والتفسح فى الارض فلا يأتون قوما ولا ينزلون بلدا الا أظهرهم الله عليهم بذنبهم فوطئوهم وغلبوهم حتى ملكوا البلاد ونفوا عنها العماليق وجرهم على ذلك بمكة ولاة البيت لا ينازعهم اياه بنو اسماعيل

стр. 109

لخؤولتهم وقرابتهم واعظام الحرم أن يكون به بغى أو قتال ثم ان جرهما بغوا بمكة واستحلوا حلالا من الحرمة وارتكبوا أمورا عظاما وأحدثوا فيها احداثا لم تكن فقام مضاض بن عمرو بن الحارث وهو مضاض الاصغر فيهم خطيبا فقال يا قوم احذروا البغى فانه لا بقاء لاهله قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفوا بالحرم فلم يعظموه وتنازعوا بينهم واختلفوا حتى سلطكم الله عليهم فأخرجتموهم فتفرقوا فى البلاد فانكم ان فعلتم ذلك تخوّفت عليكم أن تخرجوا منه خروج ذل وصغار فقال قائل منهم يقال له مجذع من الذى يخرجنا منه ألسنا أعز العرب وأكثرهم رجالا وأموالا وسلاحا فقال مضاض اذا جاء الامر بطل ما تقولون فلم يقصروا عن شئ مما كانوا يصنعون وكان للبيت خزانة بئر فى بطنها يلقى فيها الحلى والمتاع الذى يهدى له وهو يومئذ لا سقف له وتواعد له خمسة نفر من جرهم أن يسرقوا ما فيه فقام على كل زاوية من البيت رجل منهم واقتحم الخامس فجعل الله أعلاه أسفله وسقط منكسا فهلك وفرّ الاربعة الاخر* قال أهل العلم ان جرهما لما طغت فى الحرم دخل منهم رجل وامرأة يقال لهما أساف بن بغى ونائلة بنت ديك البيت ففجرا فيه فمسخهما الله تعالى حجرين فأخرجا من الكعبة فنصبا على الصفا والمروة ليعتبر بهما من رآهما وليزدجر الناس عن مثل ما ارتكبا ويقال ان الرجل من جرهم والمرأة من قطورا ثم لم يزل أمرهما يندرس ويتقادم حتى صارا صنمين يعبدان وقال بعض أهل العلم انه لم يفجر بها فى البيت وانما قبلها وقيل ان عمرو بن لحىّ دعا الناس الى عبادتهما وقال انما نصبا هاهنا لان آباءكم ومن كان قبلكم كانوا يعبدونهما وانما ألقاه عليه ابليس وكان عمرو فيهم شريفا مطاعا متبعا وقد اختلف أهل العلم فى نسبهما والمشهور أن الرجل أساف بن سهيل والمرأة نائلة بنت عمرو بن ديك ولم يزالا يعبدان ويستملهما الطائف اذا فرغ حتى كان يوم الفتح فكسرا* وفى شفاء الغرام اختلف أهل الاخبار فيمن أخرج جرهما من مكة اختلافا يعسر التوفيق بينه قيل ان بنى بكر بن عبد منات بن كنانة وغبشان ابن خزاعة أخرجوا جرهما من مكة لبغيهم فيها كما سيجىء وقيل ان بنى عمرو بن عامر ماء السماء أخرجوا جرهما من مكة حين لم يترك جرهم بنى عمرو بن عامر أن يقيموا عندهم بمكة حتى يصل اليهم روّادهم وقيل ان عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو أخرج جرهما حين طلب حجابة البيت لسيادته وشرفه وقيل ان بنى اسماعيل أخرجوا جرهما من مكة بعد أن سلط الله على جرهم آفات من الرعاف والنمل الذى فنى به أكثر من أصابهم بمكة وقيل ان الله سلط على الذين يلون البيت من جرهم دواب شبيهة بالنغف فهلك منهم ثمانون كهلا فى ليلة واحدة سوى الشباب حتى جلوا من مكة الى أطم والقول الاوّل ذكره ابن اسحاق لانه قال ثم ان جرهما لما بغوا فى مكة واستحلوا حلالا من الحرمة وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها فرّق أمرهم وكان ملكهم يومئذ عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى فلما رأت بنو بكر بن عبد منات بن كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم واخراجهم من مكة فآذنوهم بالحرب فاقتتلواهم واياهم فغلبتهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة وكانت مكة فى الجاهلية لا تقرّ فيها ظلما ولا بغيا لا يبغى فيها أحد الا أخرجته يقال ما سميت مكة بالناسة بالنون والسين المهملة الا أنها تنسّ من ألحد فيها اى تطرّده وتنفيه أو لقلة مائها والنس اليبس كذا قاله الماوردى ولا يريدها ملك يستحل حرمتها الا هلك ويقال ما سميت باسة بالباء الموحدة والسين المهملة الا لانها تبسّ من ألحد فيها أى تحطمه ومنه قوله تعالى وبست الجبال بسا كذا ذكرهما أى الروايتين بالنون والباء فى زبدة الاعمال* ويقال ما سميت ببكة الا لانها تبك أعناق الجبابرة اذا أحدثوا فيها شيئا أى تدقها وما قصدها جبار الا قصمه الله تعالى أو من الازدحام أى ازدحام الناس فيها يبك بعضهم بعضا أى يدفع فى ازدحام الطواف وعن ابن عباس أنه قال مكة من الفج الى التنعيم وبكة من البيت الى البطحاء وقال

стр. 110

عكرمة البيت وما حوله بكة وما وراء ذلك مكة وقيل بكة موضع البيت وما سوى ذلك مكة وقال الضحاك ان مكة وبكة اسمان مترادفان لهذا البلد والباء بدل من الميم وقيل بكة بالباء الموحدة موضع البيت وفى رواية اسم البيت وقيل مكة اسم المدينة أو قال القرية سميت بكة بمكة لانها تمك الذنوب أى تذيبها وقيل لانها يؤمّها الناس من كل ناحية وكل مكان فكأنها تجذبها وهذه الاقوال ترجع الى قول العرب امتك الفصيل ضرع أمّه اذا امتصه وجذب بفيه ما فيه هكذا فى زبدة الاعمال* وفى سيرة مغلطاى تسمى أيضا الرأس وصلاح وأمّ رحم وكوبا وأمّ القرى والحاطمة والعرش وطيبة قال ابن اسحاق فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى بغز الى الكعبة وبحجر الركن فدفنها فى زمزم وانطلق هو ومن معه من جرهم الى اليمن قال المسعودى فى أخبار الفرس وكانت الفرس تهدى الى الكعبة أموالا فى صدر الزمان وجواهر وقد كان ساسان بن بابك وقيل اسفنديار أهدى غزالين من ذهب وجوهر وسيوفا وذهبا كثيرا قد دفن فى زمزم قال فحزنت جرهم على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا فقال عمرو بن الحارث بن مضاض فى ذلك وليس بمضاض الاكبر شعر كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالى والحدود العوابر وكنا ولاة الامر من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... وليس لحىّ غير ناثم فاخر فانكح جدى غير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الاصاهر * قال الفاسى فى شفاء الغرام أفاد المسعودى أمورا لم يفدها غيره فيما علمته منها كون السميدع وقومه من العماليق ومنها أنهم قدموا مكة قبل جرهم قيل يجوز أن تكون طائفة من العماليق ولوا مكة قبل جرهم وطائفة من العماليق غير الاوّلين ولوا مكة مع جرهم ومنها ما ذكره فى مدّة جرهم وأفاد فى تاريخه أن أوّل من ملك من ملوكهم بمكة مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هنى ابن بنت جرهم بن قحطان مائة سنة ثم كانت ولاية البيت بعده لابنه عمرو بن مضاض مائة وعشرين سنة ثم ملك الحارث بن عمرو مائة سنة وقيل دون ذلك ثم ملك بعده عمرو بن الحارث مائة سنة ثم ملك بعده مضاض الاصغر بن عمرو ابن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هنى ابن بنت جرهم بن قحطان أربعين سنة انتهى* وقيل كانت ولاية البيت بعد نابت بن اسماعيل فى جرهم ثلثمائة وقيل خمسمائة سنة وقيل ستمائة سنة* وفى شفاء الغرام ذكر ابن هشام أن جرهما هو ابن قحطان أبو اليمن واليه يجتمع نسبها ابن غابر بن شالخ بن أرفخشد بن نوح وقيل ان جرهما ابن ملك من الملائكة قال ابن عباس كان الملك من الملائكة اذا أذنب ذنبا عظيما أهبط الى الارض ونزعت منه روحانية الملائكة وجعل فى خلق بنى آدم فأذنب ملك من الملائكة يقال له عذرا أو نحوها ذنبا فكان فى الهواء ثم هبط مكة فتزوّج امرأة من العماليق فولدت جرهما فذلك قول الحارث بن مضاض لا همّ ان جرهما عبادك ... والناس طرف وهم تلادك ثم بنى البيت قصى بن كلاب بعد ما انقرضت العمالقة وجرهم وخلفتهم فيها قريش واستولت على الحرم لكثرتهم بعد القلة وعزهم بعد الذلة وكان قصى أوّل من جدّدها من قريش بعد ابراهيم وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل كذا فى شفاء الغرام ثم بعد قصى بن كلاب بنى البيت قريش وكان ذلك قبل المبعث بخمس سنين ورسول الله ﷺ حضر هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين سنة وكان

стр. 111

مولد فاطمة الزهراء تلك السنة كما سيجىء قال ابن اسحاق كانت الكعبة فى عهد قريش وضيمة فوق القامة ولم تكن مسقفة ويخالفه ما مرّ أن قصى بن كلاب بناها مسقفة بخشب الدوم وجريد النخل فهدمتها قريش وبنتها مسقفة وسبب ذلك أنه كان فى جوفها بئر يكون فيها أموال الكعبة فدخلها جماعة ليلا فسرقوها* وفى سيرة ابن هشام وكان الذى وجد عنده الكنز دويك مولى لبنى مليح بن عمرو من خزاعة ويقال كانت امرأة منهم جمرت الكعبة فطارت شرارة من مجمرتها فتعلقت بثياب الكعبة فوهن البيت من ذلك فهابوا انهدامه وكان البحر قد ألقى سفينة الى جدّة لرجل من تجار الروم فتحطمت فاشترت قريش خشبها فأعدّوه لسقفها وكان بمكة رجل قبطى نجار فتهيأ لهم فى أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج كل يوم من بئر الكعبة التى كانت يطرح فيها ما يهدى لها فتشرف على جدار الكعبة وكانت مما يهابونها وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد الا تحرّكت ونشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها فبينما هى يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله اليها طيرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش انا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا كذا فى سيرة ابن هشام* وفى رواية لما شرعوا فى نقض البناء وهدمها خرجت عليهم الحية التى كانت فى بطنها تجرسها سوداء الظهر بيضاء البطن رأسها مثل رأس الجدى فمنعتهم عن ذلك فلما راوا ذلك اعتزلوا عند مقام ابراهيم وكان يومئذ فى مكانه الذى هو فيه اليوم فتشاوروا فقال لهم الوليد بن المغيرة يا قوم ألستم تريدون بها الاصلاح قالوا بلى قال فان الله لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا فى عمارة بيت ربكم الا من طيب أموالكم وجنبوه الخبيث فان الله طيب لا يقبل الا طيبا* وفى أسد الغابة قال يا معشر قريش لا تدخلوا فى بنيانها من كسبكم الا طيبا لا تدخلوا فيها مهر بغى ولا ربا ولا مظلمة وقيل ان أبا وهب بن عمرو قال هذا ففعلوا ودعوا وقالوا اللهم ان كان لك فى هدمها رضى فأتمه واشغل عنا هذا الثعبان فأقبل طائر من جوّ السماء كهيئة العقاب ظهره أسود وبطنه أبيض ورجلاه صفراوان والحية على جدار البيت فاغرة فاها فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغرى قالت قريش انا لنرجو أن الله قد قبل عملكم ونفقتكم* وفى حياة الحيوان الثعبان الذى فى جوف الكعبة اختطفه العقاب حين أراد قريش بناء البيت الحرام وان الطائر حين اختطفها ألقاها بالحجون فالتقمتها الارض فهى الدابة التى تخرج عند الصفا تكلم الناس* (ذكر دابة الارض) * عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال تخرج دابة الارض حين يترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر* وفى لباب التأويل عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان أوّل الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالاخرى على أثرها قريبا وعن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن وتخطم أنف الكافر بالخاتم حتى ان أهل الجوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر ويقول هذا يا كافر وهذا يا مؤمن أخرجه الترمذىّ وقال حديث حسن* وروى البغوى باسناد الثعلبى عن النبىّ ﷺ قال يكون للدابة ثلاث خروجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية ولا يدخل ذكرها القرية يعنى مكة ثم تمكث زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية يعنى مكة ثم بينا الناس يوما فى أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله يعنى المسجد الحرام لم يرعهم الا وهى فى ناحية المسجد تدنو كذا وتدنو كذا قال عمرو ما بين الركن الاسود الى باب بنى مخزوم عن يمين الخارج فى وسط من ذلك فارفض الناس عنها ويثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله فخرجت عليهم تنقض رأسها

стр. 112

من التراب فمرت بهم فجلت وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرّية ثم ولت فى الارض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب حتى ان الرجل ليقوم فيتعوّذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه وتقول يا فلان الآن تصلى فيقبل عليها بوجهه فتمسه فى وجهه فيتجاور الناس فى ديارهم ويصطحبون فى أسفارهم ويشتركون فى الاموال يعرف الكافر من المؤمن فيقال للمؤمن يا مؤمن ويقال للكافر يا كافر* وباسناد الثعلبى عن حذيفة بن اليمان ذكر رسول الله ﷺ الدابة قلت يا رسول الله من أين تخرج قال من أعظم المساجد حرمة على الله* بينما عيسى ﵇ يطوف بالبيت ومعه المسلمون اذ تضطرب وتنشق الصفا مما يلى المسعى وتخرج الدابة من الصفا أوّل ما يبدو منها رأسها ملعة ذات وبر وريش لن يدركها طالب ولن يفوتها هارب تسم الناس مؤمنا وكافرا أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب درّىّ وتكتب بين عينيه مؤمن وأما الكافر فرفتنكت بين عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه كافر* وروى عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم وقال ان الدابة لتسمع قرع عصاى هذه* وعن ابن عمر قال تخرج الدابة ليلة جمع والناس يسيرون الى منى* وعن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال بئس الشعب شعب أجياد مرّتين أو ثلاثا قيل ولم ذلك يا رسول الله قال تخرج منه الدابة تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين* وروى عن أبى الزبير أنه وصف الدابة فقال رأسها رأس الثور وعينها عين الخنزير واذنها اذن الفيل وقرنها قرن ايل بفتح الهمزة وكسر المثناة التحتية وفتحها الوعل وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هرّ وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا* وعن عبد الله بن عمرو قال تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب ورجلاها فى الارض* وروى عن علىّ قال ليست الدابة لها ذنب ولكن لها لحية وقال وهب وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون* وفى العمدة فى الحديث دابة الارض طولها ستون ذراعا* وفى الينابيع عن عبد الله بن عمر قال انها تخرج بالطائف وكان عبد الله بن عمر بالطائف فضرب برجله الارض قال تخرج من هذه الارض* وفى رواية عنه قال تخرج من غار فى جبل صنعاء فتخرج حتى لوعدا الفرس السريع العدو ثلاثة أيام ولياليها لم يجاوز رأسها وما خرج بعد ثلثها من الارض وقيل لا تخرج الا رأسها ورأسها يبلغ عنان السماء وقال الضحاك الدابة تشبه البغل تدور حول الدنيا وبيدها عصا فتضرب الناس بها فاذا ضربت على رأس الكافر يظهر خط أسود مكتوب فيه هذا كافر بالله واذا ضربت على رأس المؤمن يظهر خط أخضر مكتوب فيه هذا مؤمن بالله* وفى رواية دابة الارض تقبل على الكافرين فتقول لهم أيها الكافرون مصيركم الى النار ثم تقبل على المؤمنين فتقول لهم مصيركم الى الجنة* قال السدّى تكلم الناس وتخبرهم ببطلان جميع الاديان الا دين الاسلام* وفى رواية طولها ستون ذراعا وانها تنكت فى وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو فى وجهه حتى يسودّ وجهه وتنكت فى وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو فى وجهه حتى يبيض وجهه ويتبايعون فى الاسواق فيعرفون المؤمن من الكافر وروى عن مقاتل ان رأسها تخرج من الصفا حتى يرى أهل المشرق والمغرب رأسها وعنقها فلما رأوها تتوارى حيث خرجت فلما مضت من النهار ست ساعات تضطرب الارض اضطرابا عظيما فيبيت الناس تلك الليلة على تخوّف ولما أصبحوا يكثر صياح الناس ويفشو فيهم الخبر بأن الدجال قد خرج فيهرب الناس الى بيت المقدس ويتبعه ستون ألف يهودى عليهم طيالسة زرق على رؤسهم ويستوفى تمام الارض فى أربعين يوما وتطوى الارض تحت قدميه واذا أراد أن يدخل مكة فتضرب الملائكة وجهه وظهره وتمنعه عن دخولها وكذا تمنعه عن المدينة

стр. 113

وحين يصل بيت المقدس ينزل عيسى ابن مريم وبيده حربة فيضربه بها فيقتله فيقع قتال عظيم بين المسلمين وبين اليهود وتكون الغلبة للمسلمين حتى ان الحجر والشجر يخبر المؤمن بأن خلفه كافر ليقتله* وفى رواية لا يبقى شجر ولا حائط يتوارى به اليهود الا قال يا مؤمن اقتل هذا غير الغرقد فانه من شجرهم* وفى رواية ولا يبقى شىء مما خلق الله يتوارى به اليهود لا حجر ولا شجر ولا حائط الا أنطق الله ذلك الشىء فقال يا عبد الله المسلم هذا يهودى فاقتله الا الغرقد فانه من شجر اليهود لا ينطق فبينما هم كذلك اذا جاء الخبر بأن الحبشة قد خرجت وقصدت الكعبة فيبعث عيسى الى مكة من يأتى بالخبر فقبل أن يأتى بالخبر يقبض عيسى ويصلى عليه رجل من هذه الامة اسمه المهدى* وفى ربيع الابرار بلغنا أن عيسى ابن مريم ﵇ تكون هجرته اذا نزل من السماء الى المدينة فيستوطنها حتى يأتى أمر الله وفيه أيضا روى أبو هريرة عنه ﵇ اذا أهبط الله عيسى ابن مريم من السماء فانه يعيش فى هذه الامة ما شاء الله ثم يموت بمدينتى هذه ويدفن الى جانب قبر عمر فطوبى لابى بكر وعمر فانهما يحشران بين نبيين وبعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وتاويل وتاريس ومنسك ويغلبون الناس كلهم ثم تطلع الشمس والقمر من المغرب متكدرين كأنهما ثوران أسودان مقطوعا العنق ويرتفعان الى وسط السماء ثم رجعان ويغربان فيغلب يأجوج ومأجوج ويختبئ المسلمون فى المساجد فيميت الله يأجوج ومأجوج كما سبق فيخبر المسلمون بموتهم ولا يصدّقون حتى يروهم بأعينهم فيرسل الله الطير حتى تطرحهم حيث يشاء ثم يرسل الله ريحا طيبة حمراء من قبل اليمن فتقبض روح كل مسلم تصيبه ولا يبقى أحد فيمضى على ذلك مائة سنة أو أربعون سنة ثم تقوم الساعة* وفى خبر آخر عن حذيفة بن اليمان أن الاوّل خروج الدجال ثم نزول عيسى ثم طلوع الشمس من مغربها ثم خروج دابة الارض وبعد ذلك لم تلبث الدنيا مقدار أن يلقح أحد رمكته ويركب فلوها* أشراط الساعة وقال بعضهم أشراط الساعة عشرة وقد مضى خمس منها وهى خروج النبىّ ﷺ وانشقاق القمر والدخان واللزام والبطشة وكلاهما عذاب يوم بدر قال الله تعالى يوم نبطش البطشة الكبرى وقال الله تعالى ان عذابها كان غراما أى لزاما وبقى خمس وهى خروج يأجوج ومأجوج وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ﵇ وخروج دابة الارض وهو آخرها وهى رواية عبد الله بن مسعود كذا فى الينابيع وهذا الكلام وقع فى البين وقطع اتصال الكلام فى بناء الكعبة فلنرجع اليه* بقية أخبار بناء الكعبة روى أنه لما انكسرت السفينة فى نواحى جدّة خرج اليها الوليد ابن المغيرة فى نفر من قريش فاشتروا خشبها كما مرّ وكلموا رئيس السفينة وكان اسمه باقوم الرومى* وفى سيرة مغلطاى ان باقوم النجار النبطى الذى قيل انه هو الذى عمل منبره ﵇ من طرفاء الغابة وقيل الذى عمل منبره ﵇ اسمه مينا وقيل ابراهيم وقيل صباح وقيل باقول وقيل ميمون وقيل قبيصة فيما ذكره ابن بشكوال وكان بناء حاذقا فقالوا له لو بنينا بيت ربنا وقدم الباقوم معهم فأمروا بالحجارة فجمعت ورسول الله ﷺ يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة كما جزم به ابن اسحاق وغير واحد من العلماء وقيل ابن خمس وعشرين كما جزم به موسى بن عقبة فى مغازيه وابن جماعة فى منسكه وكان ﷺ ينقل معهم الحجارة وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة عليها ففعل رسول الله ﷺ فسقط على الارض من قيام فنودى عورتك وكان ذلك أوّل ما نودى فقال أبو طالب يا ابن أخى اجعل ازارك على رأسك فقال ما أصابنى الا فى تعرىّ فما رؤيت لرسول الله ﷺ عورة رواه البخارى* وفى سيرة ابن هشام قال ان قريشا تجزأت الكعبة واقترعوا عليها فكان شق الباب لبنى عبد مناف وبنى زهرة وكان ما بين الركن الاسود والركن اليمانى لبنى مخزوم وتيم وقبائل من قريش انضموا اليهم وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وسهم ابنى عمرو بن هصيص بن كعب

стр. 114

ابن لؤى وكان شق الحجر وهو الحطيم لبنى عبد الدار بن قصىّ ولبنى أسد بن عبد العزى بن قصى ولبنى عدى بن كعب بن لؤى* وفى سيرة ابن هشام ثم ان الناس هابوا هدمها وفزعوا منه فقال لهم الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم فى هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم نرع ويقال لم نزغ اللهم لا نريد الا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة فقالوا ننظر فان أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وان لم يصبه شىء فقد رضى الله بما صنعنا هدمنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم الى الاساس أساس ابراهيم فوصلوا الى حجارة خضر كالاسنمة آخذ بعضها بعضا* وفى رواية لما بلغوا الاساس الذى رفع عليه ابراهيم واسماعيل ﵉ القواعد من البيت فأبصروا الحجارة كأنها الابل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا وقد تشبك بعضها ببعض فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين حجرين انفلقت منه فلقة فأخذها وهب بن عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم ففرّت من يده حتى عادت مكانها وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف الابصار ورجفت مكة بأسرها* وفى رواية أدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين حجرين ليقلع بها أحدهما فلما تحرّك الحجر رجفت مكة بأسرها فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا الى ما تحت ذلك* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق وحدثت أن قريشا وجدوا فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فاذا هو أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والارض وصوّرت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لاهلها فى الماء واللبن وقال ابن اسحاق وحدثت أنهم وجدوا فى المقام كتابا فيه مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل لا يحلها رجل من أهلها* ثم قلت بهم النفقة فلم تبلغ عمارة البيت كله فتشاوروا فى ذلك فأجمع رأيهم على أن يقصروا من قواعد ابراهيم ويحجروا ما يقدرون عليه من بناء البيت ويتركوا بقيته فى الحجر عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه ففعلوا ذلك وبنوا فى بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر وتركوا من ورائه من فناء البيت سبعة أذرع أو ستة وشبرا فبنوا على ذلك فلما وضعوا أيديهم فى بنائها قالوا ارفعوا بابها من الارض حتى لا تدخلها السيول ولا ترقى الا بسلم ولا يدخلها الا من أردتم وان كرهتم أحدا دفعتموه ففعلوا ذلك ويقال ان الذى قال لهم ذلك أبو حذيفة بن المغيرة* قال ابن اسحاق ثم ان قبائل قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة على حدة فبنوا سافا من حجر وسافا من خشب بين الحجارة فكان الخشب خمسة عشر مدماكا والحجارة ستة عشر مدماكا وجعلوا طولها فى السماء ثمانية عشر ذراعا* وفى سيرة ابن هشام كانت الكعبة على عهد النبىّ ﷺ ثمانية عشر ذراعا فلما بلغوا موضع الركن الاسود اختصمت قريش فى أنّ أىّ القبائل يلى رفعه وكثر الكلام فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا فاقتضى الحال بينهم أن يحكموا أوّل من يطلع من هذا السفح* وفى المنتقى ثم اتفقوا على أن أوّل رجل يدخل من باب بنى شيبة يكون هو الذى يضعه موضعه فاذا رسول الله ﷺ قد طلع فقالوا هذا الامين قد رضينا بحكمه ثم أخبروه الخبر فبسط رداءه ثم وضع الحجر الاسود فيه ثم أمر سيد كل قبيلة أن يأخذ طرفا من الثوب* وفى سيرة ابن هشام قال رسول الله ﷺ هلم الىّ ثوبا فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوا جميعا ففعلوا حتى اذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بنى عليه انتهى فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبىّ ﷺ حجرا يشدّ به الحجر الاسود فقال العباس بن عبد المطلب لا ونحاه وناول العباس رسول الله ﷺ حجرا فشدّ به الركن فغضب النجدى حين نحى فقال رسول الله ﷺ ليس يبنى معنا فى البيت الامنا ثم بنى حتى انتهوا الى موضع الخشب وسقفوا البيت وجعلوا فيه

стр. 115

ست دعائم فى صفين فى كل صف ثلاث دعائم من الشق الشامىّ الذى يلى الحجر الى الشق اليمانى وجعلوا درجة من خشب فى بطنها من الركن الشامى يصعد فيها الى ظهرها وزوّقوا سقفها وجدر انها من بطنها ودعائمها وجعلوا فى دعائمها صور الانبياء والملائكة والشجر ولما كان يوم الفتح أمر النبىّ ﷺ بطمس تلك الصور فطمست وجعلوا لها بابا واحدا فكان يغلق ويفتح وكانوا قد أخرجوا ما كان فى البيت من حلى ومال وجعلوه عند أبى طلحة وأخرجوا هبلا ونصبوه عند المقام حتى فرغوا من بناء البيت وربطوا ذلك المال فى الجب ونصبوا هبلا مكانه كما كان قبل ذلك وكسوها حين فرغوا من بنائها خبرات يمانية* وفى سيرة ابن هشام وكانت الكعبة تكسى القباطى ثم كسيت البرود وأوّل من كساها الديباج الحجاج بن يوسف ثم بنى الكعبة بعد قريش عبد الله بن الزبير بعد أن هدمها كلها وسببه توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التى اصابتها حين حوصر ابن الزبير بمكة اذ تحصن فى المسجد الحرام أوّل مرّة قبل حصار الحجاج حاصره الحصين بن نمير السكونى فى أوائل سنة أربع وستين من الهجرة بأمر يزيد بن معاوية كما سيجىء فى الموطن الثانى فى خلافة عبد الله بن الزبير روى أن أوّل حجر منها لما وقع على الكعبة سمع لها أنين كأنين الريض آه آه ومما أصابها من ذلك من الحريق بسبب النار التى أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير فى خيمة له فصارت الرياح تلهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة والساج الذى جعل فى سافات جدارها حين عمرتها قريش فضعفت جدران الكعبة حتى انها لتنقضّ من أعلاها الى أسفلها ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها ولما زال الحصار عن ابن الزبير لأدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه خبر موت يزيد بن معاوية رأى ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيها فوافقه على ذلك نفر قليل منهم جابر بن عبد الله وجبير بن عمير وكره ذلك نفر كثير منهم عبد الله بن عباس ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة الى منى فأقاموا بها ثلاثا مخافة أن يصيبهم عذاب بسبب هدمها وأمر ابن الزبير جماعة من الحبشة فهدمتها رجاء أن يكون فيهم الذى أخبر النبىّ ﷺ أنه يهدمها فهدمت الكعبة أجمع حتى بلغت الارض وكان هدم ابن الزبير لها يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين* وفى رواية لما أمر ابن الزبير بهدمها ما اجترأ على ذلك أحد فلما رأى ذلك علاها هو بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمى أحجارها فلما رأوا أنه لا يصيبه شىء اجترءوا فصعدوا وهدموا حتى بلغوا الاساس الاوّل فقال لهم زيدوا فقالوا قد رأينا صخورا معمولة أمثال الابل الخلف قال يزيد بن رومان شهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر وقد رأيت أساس ابراهيم كأسنمة الابل فقال ابن الزبير زيدوا واحفروا فلما زادوا بلغوا هواء من نار تلقاهم فقال ما لكم قالوا لسنا نستطيع أن نزيد رأينا أمرا عظيما فقال لهم ابنوا عليه قال عطاء يرون أن ذلك الصخر من بناء آدم ﵇* وفى العرائس هدم عبد الله بن الزبير الكعبة حتى ساواها بالارض وكان الناس يطوفون بها من وراء الاساس ويصلون الى موضعها وجعل الحجر الاسود فى صندوق عنده وقفل عليه وكان قد تصدّع وانكسر بثلاث فرق من الحريق الذى أصاب الكعبة فانشطت منه شطية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل فشدّه ابن الزبير بالفضة الا تلك الشطية من أعلاه بين موضعها فى أعلى الركن فلما بلغ البناء موضع الركن جاء ابن الزبير حتى وضعه بنفسه وقيل وضعه ابنه عياد وشدّه بالفضة وذكر الازرقى ان عبد الله بن الزبير أمر ابنه عبادا وجبير بن شيبة أن يجعلا الركن فى ثوب واحد ويخرجانه وهو يصلى بالناس فى صلاة الظهر فى يوم شديد الحرّ لئلا يعلم الناس بذلك فيتنا فسوا فى وضعه فيه ففعلا ذلك وقيل وضعه حمزة بن عبد الله بن الزبير بأمر أبيه* وفى تاريخ الازرقى كان ابن الزبير ربط الركن الاسود بالفضة لما أصابه من الحريق وكانت الفضة قد تزلزلت وتقلقلت

стр. 116

حول الحجر حتى خافوا عليه أن ينقض فلما اعتمر هارون الرشيد وجاور فى سنة تسع وثمانين ومائة أمر بالحجارة التى هى بينها وبين الحجر الاسود فثقبت بالماس من فوقها ومن تحتها ثم أفرغ فيها الفضة كذا فى شفاء الغرام وجعل لها بابين شرقيا وغربيا يدخل من الشرقى ويخرج من الغربى وبناها على قواعد ابراهيم وأدخل فيها ما نقصته قريش من الحجر وزاد فى طولها فى السماء تسعه أذرع أخرى فضار ارتفاعها سبعا وعشرين ذراعا ولم تزل كذلك حتى قتل ابن الزبير ولما فرغ من بنائها خلقها من داخلها وخارجها ومن أعلاها الى أسفلها بالمسك والعنبر* وفى ايضاح المناسك أن ابن الزبير خلق حول الكعبة كله وعن عائشة لأن أطيب الكعبة أحب الىّ من أن أهدى لها ذهبا أو فضة وكساها القباطى والديباج وقال من كانت لى عليه طاعة فليخرج وليعتمر من التنعيم فمن قدر على أن ينحر بدنة فليفعل ومن لم يقدر فليذبح شاة ومن لم يقدر فليتصدّق بقدر قدرته وخرج ماشيا وخرج الناس معه مشاة حتى اعتمروا من التنعيم شكرا لله تعالى ولم ير يوم أكثر عتيقا ولا أكثر بدنة منحورة ولا شاة مذبوحة ولا صدقة منه فى ذلك اليوم ونحر ابن الزبير مائة بدنة* وأما بناء الحجاج ابن يوسف الثقفى فما روى أنه بناها بأمر عبد الملك بن مروان حين أرسله الى حرب عبد الله بن الزبير فحاصره الحجاج بمكة وقتله وصلبه بالحجون سنة أربع وسبعين وولى الحجاج الحجاز من قبل عبد الملك بن مروان كذا فى العرائس وسيجىء فى الفصل الثانى من الموطن الاوّل وأن الحجاج بعد ما حاصر ابن الزبير وظفر به كتب الى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد فى الكعبة ما ليس منها وأحدث فيها بابا آخر واستأذنه فى ردّ ذلك على ما كانت عليه فى الجاهلية فكتب اليه عبد الملك أن يسدّ بابها الغربى ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير من الحجر ففعل ذلك الحجاج فبناؤه فى الكعبة الجدار الذى من جهة الحجر بسكون الجيم والباب الغربى المسدود فى ظهر الكعبة عند الركن اليمانى وما تحت عتبة الباب الشرقى وهو أربعة أذرع وشبر على ما ذكره الازرقى وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير وكان ذلك فى سنة أربع وسبعين من الهجرة على ما ذكره ابن الاثير كذا فى شفاء الغرام* وفى العرائس فنقض الحجاج بنيان الكعبة الذى بناه ابن الزبير بأمر عبد الملك وأعادها الى بنائها الاوّل بمشهد من مشايخ قريش فهى اليوم على ما بناه الحجاج* عدّة بناء الكعبة وفى البحر العميق اعلم أن الكعبة بنيت سبع مرّات الاولى بناء الملائكة أو آدم على الخلاف الثانية بناء ابراهيم الثالثة بناء العمالقة الرابعة بناء جرهم الخامسة بناء قريش قبل الاسلام بخمسة أعوام وقد حضر النبىّ ﷺ هذا البناء السادسة بناء عبد الله بن الزبير السابعة بناء الحجاج بن يوسف الثقفى وهو الذى من ناحية حجر اسماعيل الذى هو موجود اليوم* وفى شفاء الغرام لا شك أن الكعبة بنيت مرارا وقد اختلف فى عدد بنائها ويتحصل من مجموع ما قيل فيه أنها بنيت عشر مرّات منها بناء الملائكة ومنها بناء آدم ومنها بناء أولاده ومنها بناء ابراهيم ومنها بناء العماليق ومنها بناء جرهم ومنها بناء قصىّ بن كلاب ومنها بناء قريش ومنها بناء ابن الزبير ومنها بناء الحجاج ووجدت بخط عبد الله بن عبد الملك المرجانى ان عبد المطلب جدّ النبىّ ﷺ بنى الكعبة بعد قصىّ وقبل بناء قريش ولم أر ذلك لغيره وأخشى أن يكون ذلك وهما والله أعلم* وفى تشويق الساجد أن الحجاج هدم الكعبة وبناها ولم يغير طولها فى السماء ونقص طولها فى الارض مما يلى الحجر منها ستة أذرع وفى رواية سبعة أذرع تركها فى الحجر وبناها على أساس قريش فالدرجة التى فى بطنها اليوم والبابان اللذان عليها اليوم هما من عمل الحجاج قال واستمرّت الكعبة الى يومنا هذا على بناء الحجاج وسيبقى هذا البناء الى أن تخربها الحبشة وتقلعها حجرا حجرا كما ورد فى الحديث وفى خبر آخر تجىء الحبشة

стр. 117

ويخربونها خرابا لا تعمر بعده أبدا وهم الذين يستخرجون كنزه أخرجه الحاكم فى مستدركه* وفى المستدرك أيضا أن النبىّ ﷺ قال ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج قال العلماء لا يغير هذا البناء ويروى أن الخليفة هارون الرشيد وقيل أبوه المهدى وقيل جدّه المنصور أراد أن يغير ما صنعه الحجاج فى الكعبة وأن يردّها الى ما صنع ابن الزبير فهاه عن ذلك الامام مالك بن أنس وقال نشدتك الله يا أمير المؤمنين لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم أن يغيره الا غيره أو قال الا نقضه وبناه فتذهب هيبته من قلوب الناس كذا فى شفاء الغرام* نقل الحجر الاسود وذكر أهل التاريخ أن عبد الله أبا طاهر القرمطى وهو منسوب الى رجل يقال له حمدان قرمط وهى احدى قرى واسط وسيجىء فى الخاتمة فى خلافة المقتدر بالله وافى مكة فى سابع ذى الحجة وقيل فى ثامنه سنة سبع عشرة وثلاثمائة فى خلافة المقتدر بالله وفعل فيها هو وأصحابه أمورا منكرة منها أن بعضهم ضرب الحجر الاسود بدبوس فكسره ثم قلعه وقيل قلعه جعفر بن علاج البناء بأمر أبى طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لاربع عشرة ليلة خلت من ذى الحجة من السنة المذكورة وقلع الباب وأصعد رجلا من أصحابه ليقلع الميزاب فتردى ومات وأخذ اسلاب اهل مكة والحجاج وانصرف ومعه الحجر الاسود وعلقه على الاسطوانة السابعة من الجانب الغربى من جامع الكوفة ظنا منه أن الحج ينتقل الى الكوفة ثم حمل الى بلاد هجر وبقى عند القرامطة اثنين وعشرين سنة الا أربعة أيام كذا قال المسيحى وقيل الاشهرا وقيل ثمانية وعشرين سنة* وفى العرائس قلع القرمطى صاحب البحرين لعنه الله الحجر الاسود عام أوقع بالحجيج بمكة فذهب به مع أسرى من الحجاج الى البحرين وكان الامير يحكم التركى مدبرا للخلافة ببغداد بذل للقرمطى خمسين ألف دينار ليردّه فأبوا وقالوا أخذناه بأمر ولا نردّه الا بأمر* وقيل ان المطيع لله العباسى اشتراه بثلاثين ألف دينار من القرامطة كذا قال ابن جماعة فى منسكه وفيه نظر لان أبا طاهر مات قبل خلافة المطيع فى سنة اثنين وثلاثين وثلثمائة على ما ذكره ابن الاثير وغيره وقيل ان أبا طاهر باعه من المقتدر بالله بثلاثين ألف دينار وأعيد الى موضعه من البيت فى خلافة المطيع لله لخمس خلون من ذى الحجة سنة تسع وثلاثين وثلثمائة وبقى موضع الحجر الاسود من الكعبة خاليا مدّة بقائه عند القرامطة يضع الناس فيه أيديهم للتبرّك الى حين ردّ الى موضعه من الكعبة المعظمة وذلك فى يوم الثلاثا يوم النحر سنة تسع وثلاثين وثلثمائة على ما ذكره المسيحى روى أنه لما أخذه القرمطى هلك تحته أربعون جملا ولما أعيد أنفذ على قعود أعجف فسمن تحته وزاد جسمه الى مكة وذكر المسيحى أن الذى وافى به مكة سنبر ابن الحسن القرمطى وان سنبر لما صار بفناء الكعبة ومعه أمير مكة أظهر الحجر من سفط وعليه ضبات من فضة وقد عملت من طوله ومن عرضه تضبط شقوقا حدثت عليه بعد انقلاعه وأحضر معه جصا ليشدّ به فوضع سنبر الحجر بيده وشدّه الصانع بالجص وقال سنبر لما ردّه أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئة الله تعالى ونظر الناس الى الحجر فتنافسوه وقبلوه واستلموه وحمدوا الله تعالى وكان ردّ الحجر الى موضعه قبل حضور الناس لزيارة الكعبة يوم النحر وسيجىء فى الخاتمة فى خلافة المقتدر بالله وأما ما صنعه الحجبة بالحجر الاسود بأثر ردّ القرمطى له فذكر المسيحى أنه فى سنة أربعين وثلثمائة قلع الحجبة الحجر الاسود الذى نصبه سنبر وجعلوه فى الكعبة خوفا عليه وأحبوا أن يجعلوا له طوقا من فضة يشدّ به كما كان قديما حين عمله ابن الزبير فأخذ فى اصلاحه صانعان صادقان فعملا له طوقا من فضة وأحكماه ونقل المسيحى عن محمد بن نافع الخزاعى أن مبلغ ما على الحجر الاسود من الطوق وغيره ثلاثة آلاف وسبعمائة وتسعون درهما ونصف على ما قيل انتهى وهذه الحلية غير حلية الحجر الاسود الآن لان داود بن عيسى الحسنى أمير مكة أخذ طوق الحجر الاسود قبل عزله من مكة فى سنة خمس وثمانين وخمسمائة

стр. 118

على ما ذكره أبو شامة وغيره ولم أتحقق أن الحجر الاسود قلع من موضعه بعد ردّ القرامطة له الى يومنا هذا غير أن بعض الفقهاء المصريين أخبرنى أن الحجر قلع من موضعه سنة احدى وثمانين وسبعمائة وأما ما أصاب الحجر الاسود بعد فتنة القرامطة له من بعض الملاحدة مثلهم فذكر أبو عبد الله محمد بن على بن عبد الرحمن أنه فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة يوم النفر الاوّل قام رجل فقصد الحجر الاسود فضربه ثلاث ضربات بدبوس فتشقق وجه الحجر من تلك الضربات وتساقطت منه شطايا مثل الاظفار وخرج مكسره أسمر يضرب الى الصفرة محببا مثل الخشخاش فأقام الحجر على ذلك يومين ثم ان بنى شيبة جمعوا الفتات وعجنوها بالمسك واللك وحشوا الشقوق وطلوها بطلاء من ذلك وذكر ابن الاثير هذه الحادثة فى أخبار سنة أربع عشرة وأربعمائة ثم بعث الوليد بن عبد الملك الى واليه على مكة خالد بن عبد الله القشيرى بستة وثلاثين ألف دينار فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب وعلى ميزاب الكعبة وعلى الاساطين التى فى بطنها وعلى الاركان التى فى جوفها فكل ما على الاركان والميزاب من الذهب فهو من عمل الوليد وهو أوّل من ذهب البيت فى الاسلام وأما ما كان على الباب من عمل الوليد فبقى كذلك الى أن رق وتفرّق فرفع ذلك للمعتصم محمد بن الرشيد فى خلافته فأرسل الى سالم بن الجرّاح عامله على مكة بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح على باب الكعبة فقلع ما كان على الباب من الصفائح وزاد عليه الثمانية عشر ألف دينار فضرب الصفائح التى عليه اليوم وحلقتا الباب والعتبة كلها من عمل أمير المؤمنين المعتصم محمد بن الرشيد فالذى على الباب من الذهب ثلاثة وثلاثون ألف مثقال وعمل للوليد بن عبد الملك الرخام الاخضر والابيض والاحمر فى بطنها مؤزرا به جدرانها وفرشها بالرخام فجميع ما فى الكعبة من الرخام هو من عمل الوليد بن عبد الملك وهو أوّل من فرشها بالرخام وازربه جدرانها وهو أوّل من زخرف المساجد* أوّل من كسا الكعبة قال الازرقى قال ابن جريج كان تبع أوّل من كسا البيت كسوة كاملة أرى فى المنام أن يكسوها فكساها الايطاع ثم أرى أن يكسوها فكساها الوصائل وهى ثياب مخططة يمانية كذا فى الصحاح* وفى ايضاح النووى الوصائل ثياب حبرة من عصب اليمن* وفى الوفاء اسم تبع الذى كسا الكعبة أسعد* وفى شفاء الغرام كسيت الكعبة فى الجاهلية والاسلام أنواعا من الكساء منها الخصف والمغافر والملاء والوصائل والعصب كساها كلها تبع الحميرى وكان مؤمنا وقد سبق ذكره وكساها النبىّ ﷺ ثيابا يمانية وكساها أبو بكر وعمرو عثمان قباطى من مصر وكساها معاوية وابن الزبير رضى الله عنهم ومن بعدهم كذا روى الازرقى وكانت تكسى يوم عاشوراء ثم صار معاوية يكسوها فى السنة مرّتين ثم كان المأمون يكسوها ثلاث مرّات فيكسوها الديباج الاحمر يوم التروية والقباطى يوم هلال رجب والديباج الابيض يوم سبع وعشرين من رمضان وهذا الابيض ابتدأه المأمون سنة ست ومائتين حين قالوا له الديباج الاحمر يتخرّق قبل الكسوة الثانية فسأل عن أحسن ما تكون الكعبة فيه قيل الديباج الابيض ففعله وكان عبد الله بن الزبير يجمر الكعبة كل يوم برطل من الطيب ويوم الجمعة برطلين وأجرى معاوية للكعبة الطيب لكل صلاة وأجرى الزيت لقناديل المسجد الحرام من بيت المال* ذرع الكعبة وفى تشويق الساجد أما ذرع الكعبة الشريفة وذرع ما بين الاركان وغيرهما فاعلم أن الذراع أربع وعشرون أصبعا مضمومة سوى الابهام بعدد حروف لا اله الا الله محمد رسول الله والاصبع ست شعيرات والشعيرة ست شعرات من شعر البغل وذرع الكعبة الشريفة اليوم ارتفاعها الى السماء سبعة وعشرون ذراعا وربع ذراع ومن الركن الاسود الى الركن العراقى ثلاثة وعشرون ذراعا وربع ذراع ومن الركن العراقى الى الركن الشامى اثنان وعشرون ذراعا ومن الركن الشامى الى الركن اليمانى أربعة وعشرون ذراعا

стр. 119

وشبر والشبر اثنا عشر أصبعا ومن الركن اليمانى الى الركن الاسود أحد وعشرون ذراعا وشبر* وفى ايضاح النووى الكعبة اليوم طولها فى السماء سبعة وعشرون ذراعا وأما طولها فى الارض وهو ما بين الركن الاسود والركن العراقى الذى يلى باب الحجر الذى يلى المقام فخمسة وعشرون ذراعا وبين اليمانى والغربى كذلك وأما عرضها وهو ما بين الركنين اليمانى والاسود فعشرون ذراعا وبين الشامى والغربى أحد وعشرون ذراعا* قال العبد الضعيف حسين بن محمد الديار بكرى غفر الله لهما أنا لما ذرعت بين أركان الكعبة الشريفة وغيرها فى شوّال سنة احدى وثلاثين وتسعمائة وجدت بعضها مخالفا لما فى التشويق والايضاح فوجدت بين الركن الاسود والعراقى أربعة وعشرين ذراعا ونصف ذراع مخالفا لما فى الكتابين معا وبين العراقى والغربى أحدا وعشرين ذراعا موافقا لما فى الايضاح وبين الغربى واليمانى خمسة وعشرين ذراعا كما فى الايضاح أيضا وبين اليمانى والاسود أحدا وعشرين ذراعا وسبع أصابع مخالفا لما فى الكتابين معا* وفى تشويق الساجد وعرض جدار الكعبة ذراعان ولها سقفان أحدهما فوق الآخر وفيها ثلاثة أعمدة مصطفة على طولها كلها من خشب الساج وعرض الباب أربعة أذرع وارتفاع الباب وطوله الى السماء ستة أذرع وعشرة أصابع والباب فى الجدار الشرقى والباب من خشب الساج مضبب بصفائح من الفضة وعرض سطح الكعبة ثمانية عشر ذراعا فى خمسة عشر ذراعا والميزاب فى وسط الجدار الذى يلى الحجر وعرض الملتزم وهو ما بين الباب والحجر الاسود أربعة أذرع وارتفاع الحجر الاسود من الارض ثلاثة أذرع الاسبعة أصابع وعرض القدر الذى يرى منه شبر وأربعة أصابع مضمومة* قال حسين بن محمد أنا وجدت عرض الملتزم أربعة أذرع وستة أصابع وارتفاع ما تحت عتبة الباب من الارض أربعة أذرع وثلاثة أصابع وعرض المستجار وهو ما بين الركن اليمانى الى الباب المسدود فى ظهر الكعبة مقابلا للملتزم أربعة أذرع وخمسة أصابع ويسمى ذلك الموضع مستجارا من الذنوب وعرض الباب المسدود ثلاثة أذرع ونصف ذراع* وفى الايضاح وأما الحجر فهو محوط مدوّر على صورة نصف دائرة وهو خارج من جدار البيت فى صوب الشام وهو كله أو بعضه من البيت تركته قريش حين بنت البيت وأخرجته عن بناء ابراهيم وصار له جدار قصير وروى عن عائشة رضى الله عنها أنها نذرت ان فتح الله تعالى مكة على رسول الله ﷺ تصلى فى البيت ركعتين فلما فتحت مكة أخذ رسول الله ﷺ بيدها وأدخلها الحطيم وقال صلّى هاهنا فان الحطيم من البيت الا أن قومك قصرت بهم النفقة فأخرجوه من البيت ولولا حدثان عهد قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة وأظهرت قواعد الخليل وأدخلت الحطيم فى البيت وألصقت العتبة بالارض وجعلت له بابين شرقيا وغربيا ولئن عشت الى قابل لا فعلنّ ذلك ولم يعش ولم يفرغ لذلك الخلفاء الراشدون حتى كان فى زمن عبد الله بن الزبير وكان سمع الحديث من عائشة ففعل ذلك وأظهر قواعد الخليل بمحضر من الناس وأدخل الحطيم فى البيت فلما قتل كره الحجاج أن يكون بناء البيت على ما فعله ابن الزبير فنقض بناء البيت وأعاده على ما كان فى الجاهلية كذا فى شرح الوقاية* قال الازرقى فى تاريخ مكة الحجر ما بين الركن الشامى والغربى وأرضه مفروشة برخام وهو مستو بالشاذر وان الذى تحت ازار الكعبة وعرضه من جدار الكعبة الذى تحت الميزاب الى جدار الحجر سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع وذرع ما بين بابى الحجر عشرون ذراعا وذرع جداره من داخله فى السماء ذراع وأربعة عشر أصبعا وذرعه مما يلى الباب الذى يلى المقام ذراع وعشرون أصبعا وذرعه من خارجه مما يلى الركن الشامى ذراع وستة عشر أصبعا وطوله فى وسطه فى السماء ذراعان وثلاثة أصابع وعرض الجدار ذراعان الا أصبعين وذرع تدوير الحجر من داخله ثمانية

стр. 120

وثلاثون ذراعا ومن خارجه أربعون ذراعا وستة أصابع وطول الشاذروان فى السماء ستة عشر أصبعا وعرضه ذراع وذرع طوفة واحدة حول الكعبة والحجر مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا واثنا عشر أصبعا أقول وما ذرعته مخالف لبعض هذا أيضا وسيجىء وأما الشاذر وان فهو الاحجار اللاصقة بجدار الكعبة عليها البناء المسنم القصير المرخم من جوانبها الثلاثة الشرقى والغربى واليمانى وبعض حجارة الجانب الشرقى لا بناء عليه وهو شاذر وان أيضا وأما الاحجار اللاصقة بجدار الكعبة التى تلى الحجر فليس بشاذر وان لان موضعها من الكعبة بلا ريب كذا فى شفاء الغرام* قال العبد الضعيف حسين بن محمد الديار بكرى أنا ذرعت ذلك فوجدت طول الشاذر وان فى السماء فى بعض المواضع ذراعا وستة أصابع وفى بعضها ذراعا وأربعة أصابع وعرضه فى بعض المواضع اثنين وعشرين اصبعا وفى بعضها ثمانية عشرا صبعا والشاذر وان ليس من الكعبة عند الائمة الحنفية بل هو عارض ملصق بأصل الجدار لاحكامه ومن البيت عند الائمة الشافعية وهو المقدار الذى ترك من عرض الاساس خارجا من الجدار خاليا عن البناء الطويل فان قريشا لما رفعت الاساس بمقدار ثلاثة أصابع من وجه الارض نقصوا عرض الجدار عن الاساس وأما خبر عمارة الحجر فروى أن المنصور العباسى لما حج دعا زياد بن عبيد الله الحارثى أمين مكة فقال انى رأيت الحجر حجارته بادية فلا أصبحنّ حتى يصير جدار الحجر بالرخام فدعا زياد بالعمال فعملوا على السراج قبل أن يصبح وكان قبل ذلك مبنيا بحجارة بادية ليس عليه رخام وكان ذلك فى سنة احدى وأربعين ومائة ثم ان المهدى بعد ذلك فى سنة احدى وستين ومائة جدّد رخامه برخام حسن قال صاحب شفاء الغرام لم يذكر الازرقى السنة التى أمر فيها المنصور بعمل رخامه* قال العبد الضعيف مؤلف الكتاب حسين بن محمد الديار بكرى عفا الله عنه وعن أسلافه لما ذرعت وجدت عرض الحجر من تحت ازار الكعبة الى جدار الحجر سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر أصبعا وما بين بابى الحجر عشرين ذراعا وتسعة عشر أصبعا وعرض كل من بابى الحجر خمسة أذرع وأربعة عشر أصبعا ووجدت ارتفاع جدار الحجر من الارض ذراعين وثمانية أصابع وعرض جدار الحجر ذراعين وأحدا وعشرين أصبعا ووجدت ذرع تدوير جدار الحجر من داخله أربعة وثلاثين ذراعا وسبعة عشر أصبعا ومن خارجه أربعة وأربعين ذراعا وأربعة أصابع فذرع طوفة واحدة حول الكعبة والحجر على ما ذرعه مائة وسبعة وأربعون ذراعا وثلاثة أصابع* وفى شفاء الغرام من فضائل الحطيم أن فيه قبر تسعة وتسعين نبيا عن عبد الله بن ضمرة السلولى يقول ما بين الركن الى المقام الى زمزم قبر تسعة وتسعين نبيا جاء واحجاجا فقبضوا هناك* وعن محمد بن سائط عن النبىّ ﷺ قال كان النبىّ ﷺ من الانبياء اذا هلكت أمته لحق بمكة فيعبد الله تعالى فيها حتى يموت فمات بها نوح وهود وصالح وشعيب ﵈ وقبورهم بين زمزم والحجر* وفى العمدة فى الحديث ما من نبىّ هرب من قومه الا هرب الى مكة فيعبد الله فيها حتى يموت فمات بها نوح وهود وصالح وشعيب ذكر الازرقى خبرا يقتضى أن يكون فى الحطيم قبر تسعين نبيا قال مقاتل فى المسجد الحرام بين زمزم والركن قبر تسعين نبيا منهم هود وصالح واسماعيل وقبر آدم وابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف ﵈ فى بيت المقدس عن ابن اسحاق قال كان من حديث جرهم وبنى اسماعيل لما توفى اسماعيل دفن فى الحجر مع أمه وزعموا أنها فيه دفنت حين ماتت قال المسعودى قبض اسماعيل وله من العمر مائة وسبع وثلاثون سنة ودفن فى المسجد الحرام جيال الموضع الذى فيه الحجر الاسود كذا فى شفاء الغرام وطول الحفيرة المرخمة الملاصقة للكعبة فى المطاف من جهة الشرق ثمانية أشبار وسبعة أصابع مضمومة روى أنّ الفقيه اسماعيل الحضرمى لما حج الى مكة سأل الشيخ محب الدين الطبرى عن الحفيرة الملاصقة للكعبة فى المطاف فأجاب

стр. 121

الشيخ محب الدين بأن الخفيرة مصلى جبريل بالنبىّ ﷺ * وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الحفيرة الملاصقة للكعبة بين الباب والحجر هى المكان الذى صلّى فيه جبريل ﵇ بالنبىّ ﷺ الصلوات الخمس فى اليومين حين فرضها الله على أمته قال القاضى عز الدين ابن جماعة فى مناسكه الكبرى ولم أر ذلك لغيره وفيه بعد لان ذلك لو كان صحيحا لنبهوا عليه بالكتابة فى الحفيرة ولما اقتصروا على التنبيه على من أمر بعمل المطاف انتهى كلامه وليس هذا بلازم لانه يحتمل أن يكون الامر كما قال عز الدين بن عبد السلام ولا يلزم التنبيه بالكتابة عليه والشيخ عز الدين ناقل وهو حجة على من لم ينقل كذا فى البحر العميق وأما مقام ابراهيم ﵇ فقال عز الدين بن جماعة وحرّرت لما كنت بمكة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة مقدار ارتفاع المقام من الارض فكان نصف ذراع وربع ذراع وثمن ذراع بالذراع المستعمل فى زماننا بمصر فى القماش وأعلى المقام مربع من كل جهة نصف ذراع وربع ذراع وموضع عرض القدمين فى المقام ملبس بفضة وعمقه من فوق الفضة سبعة قراريط ونصف قيراط من ذراع القماش والمقام يومئذ فى صندوق من حديد حوله شباك من حديد وعرض الشباك عن يمين المصلى ويساره خمسة أذرع وثمن ذراع وطوله الى جهة الكعبة خمسة أذرع الاقيراطين وخلف الشباك المصلى وهو محوز بعمودين من حجارة وحجرين من جانبى المصلى وطول المصلى خمسة أذرع وسدس ذراع ومن شباك الصندوق الذى هو داخل المقام الى شاذروان الكعبة عشرون ذراعا وثلثا ذراع وثمن ذراع كل ذلك بالذراع المتقدّم ذكره انتهى كلام ابن جماعة كذا فى البحر العميق ومن الحجر الاسود الى المقام سبعة وعشرون ذراعا وفى السروجى تسعة وعشرون ذراعا وبين المقام وبين الصفا مائة وأربع وستون ذراعا وذرع بئر زمزم من أعلاها الى أسفلها أعنى عمقها سبع وستون ذراعا وعرض رأس البئر أربعة أذرع ومن الكعبة الى بئر زمزم ثلاث وثلاثون ذراعا وما بين المقام الى بئر زمزم احد وعشرون ذراعا وأما عرض البلاط المفروش بالمطاف فمن صوب المشرق وباب السلام من شباك مقام ابراهيم الى شاذر وان الكعبة مقابلا له أربع وأربعون قدما ومن صوب الشمال والمقام الحنفى من طرف المطاف الى جوار الحجر مقابلا له ثمان وأربعون قدما ومن صوب المغرب والمقام المالكى من طرف المطاف الى شاذر وان الكعبة خمس وستون قدما وهو أبعد الجوانب من الكعبة ومن صوب الجنوب والمقام الحنبلى من طرف المطاف الى الشاذروان الذى تحت الحجر الاسود سبع وأربعون قدما* مقامات الائمة ومصلاهم وأما مقامات الائمة الاربعة ومصلاهم فمقام الشافعى من صوب المشرق مستقبلا الى وجه الكعبة خلف مقام ابراهيم وأما مقام الحنفى فمن جهة الشمال مستقبلا الى الميزاب وهو قبلة أهل المدينة وأما مقام المالكى فمن جهة المغرب وأما مقام الحنبلى فمن جهة الجنوب وأبى قبيس مستقبلا الى الحجر الاسود والمقامات الاربع المذكورة كلها وراء المطاف وخلف بئر زمزم قبة الفرّاشين والشموع وخلف قبة الفرّاشين قبة أخرى وهى سقاية العباس* وأما المسجد الحرام فكان فناء حول الكعبة للطائفين ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر رضى الله عنه جدار يحيط به وانما كانت الدور محدقة به وبين الدور أبواب يدخل الناس منها من كل ناحية فلما استخلف عمر بن الخطاب وكثر الناس وسع المسجد واشترى دورا فهدمها وأدخلها فيه ثم أحاط عليه جدارا قصيرا دون القامة وكانت المصابيح توضع عليه فكان عمر أوّل من اتخذ الجدار للمسجد الحرام ثم لما استخلف عثمان ابتاع المنازل فى سنة ست وعشرين ووسع الحرم بها أيضا وبنى المسجد والاروقة فكان عثمان أوّل من اتخذ للمسجد الحرام الاروقة ثم ان عبد الله بن الزبير زاد فى المسجد زيادة كثيرة واشترى دورا من جملتها بعض دار الازرقى اشترى ذلك ببضع عشرة ألف دينار وأدخلها فيه ثم عمره

стр. 122

بعده عبد الملك بن مروان ولم يزد فيه لكن رفع جدار المسجد وسقفه بالساج المزخرف وعمره عمارة حسنة ثم ان الوليد بن عبد الملك وسع المسجد وحمل اليه أعمدة الحجارة والرخام ثم ان المنصور زاد فى المسجد فى شقه الشامى وبناه وجعل فيه أعمدة الرخام ثم زاد المهدى بعده مرّتين احداهما بعد سنة ستين ومائة والثانية سنة سبع وستين ومائة الى سنة تسع وستين ومائة وفيها توفى المهدى واستقرّ بناؤه الى يومنا هذا وكانت الكعبة فى جانب من المسجد فأحب أن تكون فى الوسط فاشترى الدور من الناس ووسطها كذا ذكره النووى فى الايضاح وفى البحر العميق زيادة المهدى الزيادة التى تلى دار الندوة* وفى البحر العميق حج المهدى أمير المؤمنين سنة ستين ومائة وأمر بأساطين الرخام فنقلت فى السفن من الشام حتى أنزلت بجدّة ثم جرّت على العجل من جدّة الى مكة وجعلت أساطين* وفى البحر العميق عن أبى هريرة قال انا لنجد فى كتاب الله تعالى أن حدّ المسجد الحرام من الحزورة الى المسعى* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال أساس المسجد الحرام الذى وضعه ابراهيم ﵇ من الحزورة الى المسعى الى مخرج سيل أجياد قال والمهدى وضع المسجد على المسعى* وعن عطاء بن أبى رباح المسجد الحرام الحرم كله وأما طول المسجد الحرام فهو من باب بنى شيبة المشهور بباب السلام فى الجدار الشرقى للمسجد الى باب العمرة فى الجدار الغربى فأربعمائة ذراع وأربعة أذرع كذا فى البحر العميق فذلك مائتان وثمانون خطوة وأما عرضه وهو من باب بنى مخزوم المشهور بباب الصفا فى الجدار الجنوبى للمسجد الى الجدار الاصلى له فى جهة الشمال الذى عند باب دار الندوة فثلثمائة ذراع وأربعة أذرع كذا فى البحر العميق فذلك مائتان وست خطوات وفى السروجى ثلثمائة ذراع وعشرة أذرع والله أعلم* (ذكر عدد أبواب المسجد الحرام) * فى البحر العميق عدد أبوابه اليوم تسعة عشر بتقديم التاء على السين تنفتح على ثمانية وثلاثين مدخلا فى جدرانه الاربع أما أبوابه فى جداره الشرقى فأربعة* الاوّل باب بنى شيبة ويقال له باب السلام وباب بنى عبد شمس بن عبد مناف وبه كان يعرف فى الجاهلية والاسلام عند أهل مكة وفيه ثلاثة مداخل قال الازرقى وهو الذى كان يدخل منه الخلفاء* النانى باب النبىّ ﷺ ويعرف اليوم بباب الجنائز وانما قيل له باب النبىّ ﷺ لان النبىّ ﷺ كان يخرج منه الى بيت خديجة رضى الله عنها وفيه مدخلان* الثالث باب العباس بن عبد المطلب وعنده علم المسعى من خارج وفيه ثلاثة مداخل وسماه صاحب النهاية وابن الحاج باب الجنائز ولعله كانت يصلى عليها فيه* الرابع باب على وفيه ثلاثة مداخل* وأما أبوابه فى جداره الجنوبى فسبعة* الاوّل باب بنى عائد ويقال له اليوم باب بازان وفيه مدخلان* الثانى باب بنى سفيان بن الاسد ويقال له اليوم باب البغلة وفيه مدخلان وسماه صاحب النهاية باب الحناطين* الثالث باب بنى مخزوم ويقال له اليوم باب الصفا وفيه خمسة مداخل* الرابع باب أجياد الصغير وفيه مدخلان* الخامس باب المجاهدية وفيه مدخلان ويقال له باب الرحمة وهو من أبواب بنى مخزوم وكذا باب أجياد الصغير كذا ذكره الازرقى فيهما* السادس باب مدرسة الشريف عجلان بن رميثة وفيه مدخلان ويقال له باب بنى تميم وسماه صاحب النهاية باب العلافين* السابع باب أمّ هانئ بنت أبى طالب وفيه مدخلان وهذا الباب مما يلى دور بنى عبد شمس وبنى مخزوم ويقال لهذا الباب باب الملاعبة ويقال له باب العرج على ما وجد بخط الاقشهرى وسماه صاحب النهاية باب أبى جهل* وأما أبوابه فى جداره الغربى فثلاثة الاوّل باب الحزورة وهو الذى يلى المنارة التى تلى أجياد الكبير سمى باب الحزورة باسم أمة لرجل يقال له وكيع بن سلمة وكان اليه أمر البيت فبنى فيه ضريحا جعل فيه أمة يقال لها حزورة كذا فى شفاء الغرام وسيجىء ذلك فى ذكر ظهور زمزم وعامة أهل مكة يسمونه باب

стр. 123

عزورة بالعين وانما هى بالحاء المهملة وفيه مدخلان قال الازرقى ويقال له باب حكيم بن حزام وبنى الزبير بن العوّام والغالب عليه باب الحزامية* الثانى باب ابراهيم وكان فيه فى الزمن السابق مدخلان أحدهما كبير وأما اليوم فدخل واحد كبير وذكر أبو عبيدة البكرى أن ابراهيم المنسوب اليه هذا الباب هو خياط كان عنده على ما قيل ونسبه سعد الدين الاسفراينى فى كتاب زبدة الاعمال فقال ابراهيم الاصبهانى وبعضهم ينسبه الى ابراهيم الخليل ﵇ ولا وجه لخصوصيته دون سائر الابواب والله أعلم قال الازرقى ويقال له باب الخياطين* الثالث باب بنى سهم ويعرف اليوم بباب العمرة وهو مدخل واحد وأما أبوابه فى جداره الشمالى فخمسة* الاوّل باب سدّة الوهوط ويقال له باب عمرو ابن العاص وهو مدخل واحد صغير* الثانى باب دار العجلة وهو مدخل واحد صغير* الثالث باب دار الندوة وهو مدخل واحد* الرابع باب زيادة دار الندوة قال الازرقى وهو باب دار شيبة بن عثمان يسلك منه الى السويقة وفيه مدخلان* الخامس باب الزريبة وهو مدخل واحد صغير كذا ذكره فى البحر العميق* (ذكر عدد الاساطين التى فى المسجد الحرام) * فى البحر العميق الاساطين التى حول المسجد الحرام غير ما فى الزيادتين أربعمائة اسطوانة وتسع وستون اسطوانة بتقديم التاء على السين وهى مصفوفة فى كل جانب من جوانبه الاربع ثلاثة صفوف وأما عدد أساطين زيادة باب ابراهيم فسبع وعشرون اسطوانة وأما عدد أساطين زيادة باب دار الندوة فست وستون اسطوانة وأما الاساطين التى حول المطاف لتعليق القناديل فثلاث وثلاثون اسطوانة منها اسطوانتان من حجارة وهما اللتان تليان مقام ابراهيم من جانبيه والبواقى وهى احدى وثلاثون اسطوانة من صفر والله أعلم* عدد منائر المسجد الحرام وأما منائر المسجد الحرام فست أربع منها فى زواياه الاربع وواحدة فى زيادة باب دار الندوة وواحدة فى مدرسة قايتباى المتصلة بجدار المسجد* فضيلة مكة وأما الفضيلة فاعلم أن العلماء اختلفوا فى أن مكة حرسها الله تعالى أفضل أم المدينة فعند أبى حنيفة والشافعى رحمهما الله أن مكة أفضل من المدينة سوى موضع قبر النبىّ ﷺ وقال مالك المدينة أفضل من مكة وأما المجاورة بمكة فقد اختلف علماء الدين فى ذلك فذهب أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى من المحتاطين فى دين الله من أرباب القلوب الى أن المقام بها مكروه لقوله ﵇ من فرغ من حجه فليعجل الرجوع الى أهله فانه أعظم لاجره ولان كثرة المشاهدة توجب التبرّم وتقلل الحرمة من حيث العادة ولهذا قال ﷺ لابى هريرة يا أبا هريرة زرغبا تزدد حبا وقال عمر رضى الله عنه لما فرغ من نسك الحج يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم* وقد روى أن عمر رضى الله عنه همّ أن يمنع الناس عن كثرة الطواف وقال خشيت أن يأنس الناس هذا البيت فتزول هيبته من صدورهم وقال ابن عباس رضى الله عنه حين اختار المقام من مكة الى الطائف وحواليه لأن أذنب خمسين وفى ربيع الابرار سبعين ذنبا بركبة أحب الىّ من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة والركبة موضع بين مكة والطائف بقرب الطائف كثير العشب والماء* وقال ابن مسعود رضى الله عنه ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالهمة قبل العمل الا مكة وتلاهذه الآية والمسجد الحرام الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم أى ومن يرد الميل عن الحق بمجرّد النية والارادة والالحاد الميل والباء فيه زائدة كما فى قوله تعالى تنبت بالدهن وقال ان السيئات تتضاعف كما تتضاعف الحسنات فيه لان الباء للمصاحبة وليست بزائدة* وقال أبو يوسف ومحمد وجماعة من أصحاب الشافعى وغيرهم من العلماء انه يجوز ذلك من غير كراهة لقوله تعالى وطهر بيتى للطائفين والقائمين مطلقا ولقوله ﷺ مكة والمدينة ينفيان الذنوب كما ينفى الكير خبث

стр. 124

الحديد الا فمن صبر على حرّها ولأوائها وشدّتها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة* ولما ورد فى الاحاديث أن المقام بمكة سعادة والخروج منها شقاوة ثم بعض العلماء من المحتاطين فى الدين يكرهون أيضا المنع من الاقامة والمجاورة لانه منع من الطاعة والعبادة ويحتمل أن المجاور يفى بحقّ الكعبة وما يتعلق به من التعظيم والحرمة والحاصل أن من لم يقدر على الوفاء بحقه كما يجب فترك المقام والمجاورة أفضل له لما فيه من وجود التقصير والتبرّم والاخلال بحرمته وتعظيمه وتوقيره كما هو المشهور ومن قدر على المجاورة والمقام بها على وجه يتمكن من الوفاء بحقه وحرمته وتعظيمه على وجه تبقى تلك الحرمة فى عينه كما دخل فيها فهيهات هيهات فذلك الفوز الكبير والفضل الكثير الذى لا يوازيه شىء كما نطق به سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه النظر الى الكعبة عبادة ومن نظر الى البيت ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر ومن نظر الى البيت من غير طواف ولا صلاة تطوّعا فذلك عند الله أفضل من عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها وعن ابن عباس أنه قال لا أعلم على وجه الارض بلدة يكتب لمن نظر الى بعض بنيانها عبادة الدهر وصيام الدهر الا مكة* وقال ﷺ صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام فان صلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة اذا صلاها وحده وان صلاها فى جماعة فان صلاته بألفى ألف صلاة وخمسمائة ألف صلاة وصلاة الرجل فى المسجد الحرام كله اذا صلاها وحده بمائة ألف صلاة فاذا صلاها فى جماعة فصلاته بألفى ألف صلاة وخمسمائة ألف صلاة فذلك خمسة وعشرون مرّة مائة ألف صلاة وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ صلاة الرجل فى بيته بصلاة وصلاته فى مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته فى المسجد الذى يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته فى المسجد الاقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته فى مسجدى بخمسين ألف صلاة وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة رواه ابن ماجه ومن جلس مستقبل الكعبة ساعة واحدة ايمانا واحتسابا لله ورسوله وتعظيم القبلة كان له مثل أجر الحاجين والمعتمرين والمجاهدين والمرابطين فى سبيل الله وان الله ينظر الى خلقه فى كل يوم ثلثمائة وستين نظرة فأوّل من ينظر اليه منهم أهل حرمه وأمنه فمن رآه طائفا غفر له ومن رآه قائما غفر له ومن رآه جالسا مستقبل الكعبة غفر له فتقول الملائكة الهنا وسيدنا ما بقى الا النائمون فيقول ألحقوهم بهم فهم جيران بيتى ألا وان أهل مكة هم أهل الله وجيران بيته وحملة القرآن هم أهل الله وخاصته وقال ﷺ من اعتمر فى شهر رمضان عمرة فكأنما حج معى وعن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال عمرة فى رمضان تعدل حجة ومن صام شهر رمضان بمكة فصام كله وقام منه ما تيسر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغيرها وكان له بكل يوم مغفرة وشفاعة وبكل ليلة مغفرة وشفاعة وبكل يوم وليلة حملان فرس فى سبيل الله وفى رواية ابن ماجه قال قال رسول الله ﷺ من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر له كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواها وكتب له بكل يوم وليلة عتق رقبة وكل يوم حملان فرس فى سبيل الله وفى كل يوم حسنة وفى كل ليلة حسنة* وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ عمرة فى رمضان تقضى حجة أو حجة معى روياه وهذا لفظ مسلم* وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من طاف بالبيت وصلّى ركعتين كان كعتق رقبة رواه ابن ماجه وقال النساءى من طاف سبعا فهو كعدل رقبة وعن أبى هريرة أن النبىّ ﷺ قال من طاف بالبيت سبعا لا يتكلم الا بسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة الا بالله العلىّ العظيم محيت عنه عشر سيئات وكتبت له عشر حسنات ورفع له عشر

стр. 125

درجات ومن طاف فتكلم وهو فى تلك الحال خاض فى الرحمة برجليه كخائض الماء برجليه رواه ابن ماجه وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من طاف بالبيت خمسين مرّة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه رواه الترمذى* وفى رسالة الحسن البصرى عن رسول الله ﷺ من دخل البيت دخل فى رحمة الله وفى حمى الله وفى أمن الله ومن خرج خرج مغفورا له وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من دخل البيت دخل فى حسنة وخرج من سيئة مغفورا له رواه البيهقى وغيره أوردهما فى البحر العميق وعن عبد الله بن عمير أن ابن عمر كان يزاحم على الركنين فقلت يا أبا عبد الرحمن انك تزاحم على الركنين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليه قال ان أفعل فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان مسحهما كفارة للخطايا* وفى رواية النساءى يحبط الخطيئة وسمعته يقول من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه كان كعتق رقبة وسمعته يقول لا يضع قدما ولا يرفع أخرى الا حط الله بها عنه خطيئة وكتب له بها حسنة رواه الترمذى* وعن ابن عباس أن النبىّ ﷺ قال الطواف حول البيت مثل الصلاة الا انكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم الا بخير رواه الترمذى* وفى ربيع الابرار عن وهب ابن الورد كنت ليلة فى الحجر أصلى فسمعت كلا ما بين الكعبة والاستار الى الله أشكو ثم اليك يا جبريل ما ألقى من الطائفين حولى من تفكههم بالحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا لأنتفضنّ انتفاضة يرجع كل حجر منى الى الجبل الذى قلع منه وقال أبو غفار طفت مع أنس بن مالك فى مطر فلما قضينا الطواف أتينا المقام فصلينا ركعتين فقال لنا أنس ائتنفوا العمل فقد غفر لكم هكذا قال لنا رسول الله ﷺ وطفنا معه فى مطر أخرجه ابن ماجه وعن أبى هريرة أن النبىّ ﷺ قال وكل الله به سبعين ملكا يعنى الركن اليمانى فمن قال اللهم انى أسألك العفو والعافية فى الدنيا والآخرة ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين* وقال رسول الله ﷺ من فاوضه يعنى الركن الاسود فانما يفاوض يد الرحمن رواه ابن ماجه وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وانه ليدنو ثم يباهى الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء رواه مسلم والنساءى زاد النساءى أو أمة يعنى عبدا أو أمة وعن عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا لامته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب انى قد غفرت لهم ما خلا الظالم فانى آخذ للمظلوم منه قال أى رب ان شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشية عرفة فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب الى ما سأل قال فضحك رسول الله ﷺ أو قال تبسم فقال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما بأبى أنت وأمى ان هذه الساعة ما كنت تضحك فيها فما الذى أضحكك أضحك الله سنك قال ان عدوّ الله ابليس لما علم أن الله قد استجاب دعائى وغفر لامّتى أخذ التراب فجعل يحثو على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكنى ما رأيت من جزعه رواه ابن ماجه* وفى ربيع الابرار عن محمد بن قيس بن مخرمة يرفعه من مات فى أحد الحرمين بعثه الله يوم القيامة آمنا روى أن حجة غير مقبولة خير من الدنيا وما فيها ويقال الذى لا يقبل حجه منه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والذى يقبل الله منه فقد فاز* قال مؤلف الكتاب حسين بن محمد الديار بكرى فالطمع فى احراز هذه الفضائل جرّذيلى الى المجاورة بها مع اعترافى بأنى غير موف بحقها كما ينبغى رجع الى ذكر أحوال ابراهيم هذا فلنرجع الى أحوال ابراهيم ﵇* ففى الانس الجليل فى تاريخ القدس والخليل أقام ابراهيم ﵇ بين الرملة وايليا بموضع يعرف بوادى السبع وهو شاب لا مال له وأقام فيه حتى كثر ماله وشاخ وضاق على أهل الموضع

стр. 126

موضعه من كثرة ماله ومواشيه فقالوا له ارحل عنا فقد آذيتنا بمالك أيها الشيخ الصالح وكانوا يسمونه بذلك فقال لهم نعم فلما همّ بالرحيل قال بعضهم لبعض جاءنا وهو فقير وقد جمع عندنا هذا المال كله فلو قلنا له أعطنا شطر مالك وخذ الشطر فقالوا له ذلك فقال لهم صدقتم جئت وكنت شابا فردّوا علىّ شبابى وخذوا ما شئتم من مالى فخصمهم ورحل فلما كان وقت ورود الغنم الماء جاءوا يستقون فاذا الآبار قد جفت فقال بعضهم لبعض الحقوا الشيخ الصالح واسألوه الرجوع الى موضعه فانه ان لم يرجع هلكنا وهلكت مواشينا فلحقوه فوجدوه بالموضع الذى يعرف بالمغارة وسألوه أن يرجع فقال انى لست براجع ودفع لهم سبع شياه من غنمه وقال اذهبوا بها معكم فانكم اذا أوردتموها البئر ظهر الماء حتى يكون عينا معينا ظاهرا كما كان واشربوا ولا تقربها امرأة حائض فرجعوا بالاعنز فلما وقفت على البئر ظهر الماء فكانوا يشربون منها وهى على تلك الحالة وأتت امرأة حائض واغترفت فغاض ماؤها ورحل ابراهيم ﵇ ونزل اللجون فأقام بها ما شاء الله ثم أوحى الله اليه أن انزل ممرى فرحل ونزل عليه جبريل وميكائيل بممرى وهما يريدان قوم لوط فخرج ابراهيم ليذبح العجل فانفلت منه ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون فنودى يا ابراهيم سلم على عظام أبيك آدم فوقع ذلك فى نفسه ثم ذبح العجل وقرّبه اليهم وكان شأنه ما قص الله فى كتابه فمضى ابراهيم معهم الى قريب من ديار لوط فقالوا له اقعد ها هنا فقعد وسمع صوت الديك فى السماء فقال هو الحق اليقين فأيقن بهلاك القوم فسمى ذلك الموضع مسجد اليقين وهو على نحو فرسخ من بلد ابراهيم ﵇ ثم رجع ابراهيم* أوّل من شاب ابراهيم قال أهل السير أوّل من شاب من بنى آدم ابراهيم ﵇ ولما رأى الشيب فى لحيته قال يا رب ما هذا أجيب بأنه وقار قال رب زدنى وقارا وفى رواية قال الحمد لله الذى بيض القار وسماه الوقار* وفى كتاب المغازى لابن قتيبة لما ولد اسحاق من سارة تعجب الكنعانيون فقالوا ألا ترون هذا العجوز والعجوزة تبنيا لقيطا ولم يكونوا يصدّقون أن يولد لابراهيم ولد اذ عمره تجاوز المائة فجعل الله صورة اسحاق شبيهة بابراهيم بحيث لما التحى لم يفرق بين الاب والابن فجعل الله الشيب علامة لابراهيم يمتاز به عن اسحاق* وفى شفاء الغرام والعرائس عاشت سارة مائة وسبعا وعشرين سنة* وفى العرائس ماتت سارة بالشأم بقرية الجبابرة من أرض كنعان فى حبرون فدفنت بمزرعة اشتراها ابراهيم وكانت هاجر قد ماتت قبل سارة بمكة ودفنت فى الحجر* قيل عاش ابراهيم بعد سارة خمسين سنة* وفى الانس الجليل عن كعب الاحبار أوّل من دفن فى حبرون سارة وذلك لما ماتت خرج ابراهيم يطلب موضعا ليقبرها فيه رجاء أن يجد بقرب ممرى موضعا فمضى الى عفرون وكان ملك الموضع وكان مسكنه حبرى فقال له ابراهيم بعنى موضعا أقبر فيه من مات من أهلى فقال عفرون قد أبحتك ادفن حيث شئت من أرضى قال انى لا أحب الا بالثمن فقال له أيها الشيخ الصالح ادفن حيث شئت من أرضى فأبى عليه وطلب منه المغارة فقال له أبيعكها بأربعمائة درهم وزن كل درهم خمسة دراهم وكل مائة درهم ضرب ملك وأراد بذلك التشديد عليه كيلا يجد فيرجع الى قوله وخرج ابراهيم من عنده فاذا جبريل فقال له ان الله قد سمع مقالة الجبار وهذه الدراهم ادفعها اليه فأخذها ابراهيم ودفعها الى الجبار فقال له من أين لك هذه الدراهم فقال له من عند الهى وخالقى ورازقى فأخذها منه وحمل ابراهيم سارة ودفنها فى المغارة فكانت أوّل من دفن فيها وتوفيت وهى بنت مائة وسبع عشرة سنة وقيل مائة وسبع وعشرين سنة وعاش ابراهيم مائتى سنة وعليه أكثر العلماء وقيل مائة وخمسا وتسعين سنة وقيل مائة وخمسا وسبعين سنة كذا فى الحدائق* (ذكر وفاة ابراهيم ﵇ * قال أهل السير لما أراد الله قبض روح ابراهيم أرسل اليه ملك الموت فى صورة شيخ هرم فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليضعها فى فيه

стр. 127

فيدخلها فى عينه وأذنه ثم يدخلها فاه وكان يسيل لعابه المخلوط بالطعام على لحيته وصدره فاذا دخل الطعام بطنه يخرج من دبره وكان ابراهيم قد سأل ربه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذى يسأل الموت فقال للشيخ حين رأى حاله يا شيخ مالك تصنع هكذا قال يا ابراهيم الكبر قال ابن كم أنت قال فزاد على عمر ابراهيم سنتين قال ابراهيم أنا بينى وبينك سنتان فاذا بلغت ذلك صرت مثلك قال نعم فوقعت الكراهة فى نفس ابراهيم فقال ابراهيم اللهم اقبضنى اليك قبل ذلك فقام ذلك الشيخ وكان ملك الموت فقبض روحه كذا روى عن كعب الاحبار وحكى غير ذلك* وفى الحدائق عن وهب بن منبه قال له ملك الموت يا خليل الله على أىّ حال تحب أن أقبض روحك فقال اقبض روحى وأنا ساجد فقبض روحه وهو ساجد قيل مات من الانبياء فجأة ثلاثة ابراهيم وداود وسليمان ﵈* وعن عائشة رضى الله عنها وابن مسعود رضى الله عنه موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة غضب أو أسف للكافر كذا فى النجم الوهاج* ولما توفى ابراهيم دفنه اسحاق بحذاء سارة من جهة الغرب ثم توفيت ربقة زوجة اسحاق فدفنت فيها بازاء سارة من جهة القبلة ثم توفى اسحاق فدفن بحيال زوجته من جهة الغرب ثم توفى يعقوب فدفن عند باب المغارة وهو بحيال قبر ابراهيم من جهة الشمال ثم توفيت لبقا زوجة يعقوب فدفنت بحياله من جهة المشرق بازاء كل نبىّ زوجته فاجتمع أولاد يعقوب والعيص واخوته وقالوا ندع باب المغارة مفتوحا وكل من مات منا دفناه بها فتشاجروا فرفع أحد اخوة العيص وفى رواية أحد أولاد يعقوب يده ولطم العيص لطمة فسقط رأسه فى المغارة فحملوا جثته ودفن بغير رأس وبقى الرأس فى المغارة وحوّطوا عليها وعملوا فيها علامات القبور فى كل موضع وكتبوا عليه هذا قبر ابراهيم هذا قبر سارة هذا قبر اسحاق هذا قبر ربقة هذا قبر يعقوب هذا قبر زوجته لبقا وخرجوا عنه وأطبقوا بابه وكل من جاء اليه يطوف به ولا يصل اليه حتى جاءت الروم بعد ذلك ففتحوا له بابا ودخلوا اليه وبنوا فيه كنيسة ثم أظهر الله الاسلام بعد ذلك وملك المسلمون تلك الديار وهدموا الكنيسة وبالقرب من مدينة ابراهيم قرية تسمى سيعير وهى الفاصلة بين عمل الخليل وعمل القدس وبها قبر بداخل مسجدها يقال انه قبر العيص ﵇ وقد اشتهر ذلك عند الناس وصار يقصد للزيارة والله أعلم وعن وهب بن منبه أنه قال أصبت على قبر ابراهيم ﵇ مكتوبا خلفه فى حجر رجز* غرّ جهولا أمله* يموت من جا أجله* لم تغن عنه حيله* صورة ما كتبه النبى ﷺ لتميم الدارى وأقطع النبىّ ﷺ لتميم الدارى الارض التى بها بلد ابراهيم وما حوله من الاراضى وكتب له ذلك فى قطعة أدم من خف أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه بخطه وقد وجدت فى صندوق تلك القطعة وقد صارت رثة وفيها أثر الكتابة ومعها ورقة مكتوبة بخط أمير المؤمنين المستنجد بالله العباسى صورته هكذا الحمد لله هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذى كتبه لتميم الدارى واخوته فى سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه من غزوة تبوك فى قطعة أدم من خف أمير المؤمنين علىّ بخطه نسخته كهيئته بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أنطا محمد رسول الله لتميم الدارى واخوته حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت ابراهيم وما فيهنّ نطية بت بينهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولا عقابهم فمن آذاهم آذاه الله فمن آذاهم لعنه الله شهد عتيق بن أبى قحافة وعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وكتب علىّ بن أبى طالب وشهد* وقد نسخت ذلك من خط المستنجد بالله كهيئته ولعل هذا أصح ما قيل فيه والله أعلم* وفى مزيل الخفاء أسلم تميم الدارى سنة تسع من الهجرة وكان نصرانيا قبل ذلك روى أن النبىّ ﷺ أقطع قرية ابراهيم وهى حبرون بأسرها لتميم الدارى قبل أن يفتح الله على المسلمين الشام وكتب له بذلك كتابا وجاء الى أبى بكر وأجاز له كتاب النبىّ ﷺ وكذا جاء الى عمر فأجاز له بعد الفتوح ما أجاز له رسول الله ﷺ وتلك

стр. 128

القرية تعرف الآن بالخليل اسم ثاويها ﵇ وهى قبلى بيت المقدس مستديرة حول المسجد من الجهات الاربع وبناؤها محدث بعد بناء السور السليمانى الذى هو المسجد بزمان طويل فان المغارة فى زمن ابراهيم كانت فى صحراء ولم يكن هناك بناء وكان ابراهيم مقيما بممرى فى مخيمه وهى بالقرب من بلد ابراهيم من جهة الشمال وهى أرض بها عين ماء وكروم واستمرّ الحال على ذلك بعد وفاة ابراهيم الى أن بنى سليمان السور على القبور الشريفة* روى أنه أمر الجنّ فبنوه بغير باب ومخرج ولما تم السور أمر الريح حتى رفعته من فوق السور وألقته الى الخارج فبقى السور كذلك من غير مدخل الى أن ثقب الروم أحجاره بالنار والخل وجعلوا له بابا ثم اختطت المدينة بعد ذلك وأوّل من اختط البناء حول السور رجل من الرامة من ذوى الاموال من بنى اسرائيل اسمه يوسف الرامى أدرك زمن عيسى ﵇ وآمن به فبنى بالقرب من السور السليمانى بيوتا للسكنى تبرّكا بقبور الانبياء ﵈ ثم تتابع البناء قليلا قليلا فصارت هناك مدينة وهى محيطة بالمسجد من الجهات الاربع فبعضها مرتفع على رأس جبل وهو شرقى المسجد يسمى بيلون وبعضها منخفض فى واد هو غربى المسجد أما بناء السور السليمانى فانه بنى عقب بناء بيت المقدس وأما بناء مدينة ابراهيم فانه بعد زمن عيسى ومن رفع عيسى الى السماء الى آخر سنة تسعمائة وخمس وثلاثين من الهجرة ألف وخمسمائة سنة وثلاث وثلاثون سنة وأما حدود بلد ابراهيم المنسوبة اليه عرفا فمن جهة القبلة منزلة الملح على درب الحجاز وقباب الشاورية وهى قرية منسوبة الى بنى شاور من أمراء عرب جرم ومن جهة المشرق عين جدى من عمل بلد ابراهيم وبحرة لوط وهذا الحدّ هو الفاصل بين عمل بلد ابراهيم وعمل مدينة الكرك ومن جهة الشمال عمل القدس يفصل بينهما قرية ساعير وما حاذاها ومن جهة الغرب مما يلى الرملة وما يحاذيها قرية زكريا وهى من أعمال الخليل ومن جملة وقفه ومما يلى غزوة وما يحاذيها قرية سيسمح المجاورة لقرية السكرية وبلاد بنى عبد وهى من أعمال الخليل وأما المسافة بين مدينة ابراهيم وبين بيت المقدس فهى قريبة من بريدين بينهما بيت لحم وهى قرية على نحو ربع بريد من القدس من جهة القبلة وغالب سكان هذه القرية فى عصرنا نصارى وبها كنيسة محكمة البناء فيها ثلاثة محاريب مرتفعة أحدها موجه الى جهة القبلة والثانى الى جهة المشرق والثالث الى جهة الصخرة وسقفها خشب مرتفعة على خمسين عمودا من الصخر الاصفر الصلب غير السوارى المبنية بالاحجار وأرضها مفروشة بالرخام وعلى ظاهر سطحها رصاص فى غاية الاحكام وهى من بناء هيلانة أمّ قسطنطين وفى داخلها مولد عيسى ﵇ فى مغارة بين المحاريب الثلاثة وللنصارى بها اعتناء يأتون اليها من بلاد الفرنج وغيرها بالاموال للرهابين المقيمين بالدير المجاورين للكنيسة وأما قبر مريم ففى بيت المقدس فى كنيسة فى ذيل جبل طور زيتاء تسمى الجيسمانية خارج باب الاسباط وهو مكان يقصده الناس للزيارة من المسلمين والنصارى وهذه الكنيسة من بناء هيلانة وبين بيت المقدس وبيت لحم قبر راحيل أمّ يوسف ﵇ الى جنب الطريق فى قبة موجهة الى جهة صخرة بيت المقدس والله أعلم* (ذكر ختن ابراهيم ﵇ * فى الانس الجليل عن النبىّ ﷺ أنه قال اختتن ابراهيم النبىّ ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم بالتخفيف والتشديد* وفى العرائس اختتن ابراهيم بقدوم فى موضع يقال له قدوم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وروى عنه ﷺ أنه قال ربط ابراهيم ﵇ غرلته وجمعها اليه ومدّها قدّامه وضرب قدومه بعود كان معه فندرت بين يديه بلا ألم ولادم وختن اسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة وختن اسحاق وهو ابن سبعة أيام وعن عكرمة اختتن ابراهيم وهو ابن ثمانين سنة فأوحى الله تعالى اليه انك أكملت ايمانك الا بضعة من جسدك

стр. 129

فألقها فختن نفسه بالفأس وسبب اختتانه أنه أمر بقتال العمالقة فقاتلهم فقتل خلق كثير من الفريقين فلم يعرف ابراهيم أصحابه ليدفنهم فأمر بالختان ليكون علامة للمسلم وختن نفسه بالقدوم* وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال أوّل من سمانا مسلمين ابراهيم ﵊ وهو أوّل من ضرب بالسيف من الانبياء وقيل أوّل من ضرب بالسيف ادريس كما مرّ وكسر الاصنام واختتن ولبس السراويل والنعلين ورفع يديه فى الصلاة فى كل خفض ورفع وصلّى أوّل النهار أربع ركعات وجعلهنّ على نفسه فسماه الله وفيا وهو أوّل من أضاف الضيف وثرد الثريد وفرق الشعر واستنجى بالماء وقلم الظفر وقص الشارب ونتف الابط وأوّل من استاك وتمضمض واستنشق وحلق العانة وأوّل من صافح وعانق وقبل بين العينين موضع السجود وأوّل من شاب فقال ما هذا فقال الله وقار فقال رب زدنى وقارا فما برح حتى ابيضت لحيته* (ذكر أولاد ابراهيم ﵇ * فى معالم التنزيل ولد لابراهيم ثمانية بنين اسماعيل سمى به لان ابراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولد او يقول اسمع يا ايل وايل هو الله ولما رزق ولدا سماه به وأمّه هاجر القبطية أم ولد واسحاق وأمّه سارة حملت به ليلة خسف الله بقوم لوط وولدته ولها تسعون سنة ومن ولده الروم واليونان والارمن ومن يجرى مجراهم وبنو اسرائيل ومدين ومدان ونيشان وزمران ويشبق ويشرخ وهؤلاء الستة أمهم قطورا بنت يقطن الكنعانية* وفى الانس الجليل والعرائس تزوّجها ابراهيم بعد موت سارة ثم تزوّج امرأة أخرى من العرب اسمها حجور بنت أهيب فولدت له خمسة بنين كيسان وسروح وأميم ولوطا وياسن فكان جميع أولاد ابراهيم ثلاثة عشر مع اسماعيل واسحاق وكان اسماعيل أكبر أولاده فأنزله أرض الحجاز واسحاق أرض الشام وفرّق سائر أولاده فى البلاد* وفى أنوار التنزيل وبنو ابراهيم كانوا أربعة اسماعيل واسحاق ومدين ومدان وقيل ثمانية وقيل أربعة عشر قال ابن عباس ولد اسماعيل لابراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة وقيل ست وثمانين سنة وولد اسحاق له وهو ابن مائة واثنتى عشرة سنة قال سعيد بن جبير بشر ابراهيم باسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة* وفى شفاء الغرام ان اسماعيل أكبر من اسحاق بأربعة عشر سنة وكذا ذكره السخاوى فى الاصل الاصيل فى تحريم النقل من التوراة والانجيل* وفى الانس الجليل لم يمت ابراهيم حتى بعث الله اسحاق الى أرض الشام وبعث يعقوب الى أرض كنعان واسماعيل الى جرهم وقبائل اليمن والى العماليق ولوطا الى سدوم وكانوا أنبياء على عهد ابراهيم* وفى معالم التنزيل يقال ان الله لم يبعث نبيا بعد ابراهيم الا من نسله وفيه أيضا قال ابن عباس كل الانبياء من بنى اسرائيل الا عشرة وهم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب ومحمد ﷺ قيل وآدم وشيث وادريس واسرائيل هو يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم ولما مضى من عمر اسحاق ستون سنة ولد له عيص ويعقوب وهما توأمان أما عيص فهو أبو أيوب النبىّ ﵇ وكان ذاقوّة ويحب القنص وأما يعقوب فأعطى النبوّة قيل سمى به لانه خرج من بطن أمه عقب عيص وقيل لكثرة عقبه كذا فى العمدة هذا على تقدير كونه عربيا واما على تقدير كونه أعجميا وهو الاصح لعدم صرفه فلا اشتقاق له كما مرّ فى آدم* وفى عرائس الثعلبى وأما اسحاق ﵇ فانه نكح ربقة بنت سويل فولدت له عيصا ويعقوب فى بطن واحد وكان لهما قصة عجيبة على ما ذكر قال حملت ربقة امرأة اسحاق بغلامين فى بطن واحد فلما أرادت أن تضع اقتتلا فى بطنها وأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص فقال عيص والله لئن خرجت قبلى لا تحرّكنّ فى بطنها فأقتلها فتأخر يعقوب وخرج عيص قبله فسمى عيصا لانه عصى وخرج قبل يعقوب وسمى يعقوب لانه خرج ماسكا بعقب عيص وكان يعقوب أكبرهما فى البطن فلما كبر الغلامان كان عيص أحب الى أبيه ويعقوب أحب الى أمه وكان عيص صاحب

стр. 130

صيد فلما كبر اسحاق وعمى قال لابنه عيص يا بنىّ أطعمنى لحم صيد وادن منى أدع لك بدعاء دعا لى به أبى ابراهيم وكان عيص أشعر ويعقوب أجرد فخرج عيص فى طلب الصيد وسمعت أمهما الكلام فأتت يعقوب فقالت له يا بنىّ اذهب الى الغنم واذبح سخلة ثم اشوها وقدّمها لابيك وقل يا أبتاه كل من لحم الصيد الذى طلبت وقل انى ابنك عيص ففعل يعقوب ذلك وقدّم الشاة بين يديه وقال يا أبتاه كل من لحم الصيد الذى طلبت فقال له من أنت قال ابنك عيص فادع لى قال قدّم طعامك فقدّمه فأكل منه فقال ادن منى فدنا منه فدعا له بأن يكون من ذريته الانبياء والملوك وقام يعقوب وأتى عيص فقال يا أبتاه قد أتيتك بالصيد الذى أردت قال يا بنىّ انه قد سبقك أخوك يعقوب فاشتدّ غيظه وقال لاقتلنّ يعقوب فقال يا بنىّ لا تحزن قد بقيت لى دعوة فادن منى لادعو لك بها فدنا منه فدعا له بأن تكون ذريته بعدد التراب ولم يملكهم أحد قالوا وخافت أم يعقوب عليه من أخيه عيص فقالت له يا بنىّ الحق بخالك وكن عنده فانطلق يعقوب الى خاله يسرى بالليل ويكمن بالنهار فلهذا سمى اسرائيل أى لانه سرى وقيل غير ذلك فأتى يعقوب خاله وكان اسحاق قد أوصى يعقوب أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن يتزوّج من بنات خاله ليان بن ناهد فلما استقرّ يعقوب عند خاله خطب ابنته فقال له خاله هل لك من مال أزوّجك عليه قال لا ولكنى أخدمك حتى تستوفى صداق ابنتك قال صداقها أن تخدمنى سبع حجج قال يعقوب نعم ولكن شرطى معك أن تزوّجنى راحيل قال له خاله ذلك بينى وبينك فرعى له يعقوب سبع سنين فلما وفاه شرطه زوّجه ابنته الكبرى غير راحيل وكان اسمها ليا فلما أصبح يعقوب وجد غير ما شرط له فأتى خاله وهو فى نادى قومه وقال يا خال خدعتنى وغررتنى واستحللت عملى وأدخلت علىّ غير امرأتى فقال له خاله يا ابن اختى ألست منى وأنا منك أردت أن تدخل علىّ العار أرأيت أحدا زوّج ابنته الصغرى قبل الكبرى ولكن اخد منى سبع سنين أخرى وأنا ازوّجك ابنتى الاخرى وكان الناس يجمعون بين الاختين الى أن بعث الله نبيه موسى ﵇ وأنزل عليه التوراة* وفى الكشاف تزوّج يعقوب راحيل بعد موت اختها ليا قالوا فرعى يعقوب لخاله سبع سنين اخرى وزوّجه ابنته الاخرى وهى راحيل فولدت له ليا أربعة أسباط روبيل ويهوذا وشمعون ولاوى وولدت راحيل يوسف وبنيامين وهو بالعبرانية المشكل وكان ليان دفع الى ابنتيه حين زوّجهما بيعقوب جاريتين اسم احداهما زلفة والاخرى بلهة فوهبتا له الجاريتين وولدت كل واحدة منهما ثلاثة أسباط فولدت زلفة دان وبفتالى وريالون وولدت بلها جاد ويسحر ودنبه* وفى الكشاف وغيره غير هذا وسيجىء فكان عدّة بنى يعقوب اثنى عشر ولدا وهم الاسباط سموا بذلك لان كل واحد منهم والد قبيلة والسبط بكلام العرب الشجرة الملتفة الكثيرة الاغصان والاوراق فالاسباط من بنى اسرائيل والشعوب من العجم والقبائل من العرب* قالوا ثم ان يعقوب فارق خاله ليان ومعه امرأتاه وجاريتاه المذكورتان الى منزل أبيه من فلسطين خوفا من أخيه عيص فلم يرمنه الاخيرا فتألفه ونازله وتلطف له حتى نزل له وتنقل الى السواحل ثم عبر الروم فاستوطنها فصار ذلك له ولولده من بعده* قال ابن اسحاق تزوّج عيص ابنة عمه نسيمة بنت اسماعيل ﵇ فولدت له فى بلاد الروم ولد اسماه الاصفر وتناسل منه الروم فالروم كلهم من بنى الاصفر قالوا وعاش اسحاق بعد ما ولد له عيص ويعقوب مائة سنة وتوفى وله من العمر مائة وستون سنة ودفن بالارض المقدّسة عند قبر ابراهيم ﵇ فى مزرعة حبرون وهى التى اشتراها ابراهيم ﵇ كذا روى عن عبد الله بن سلام وكذلك العيص ويعقوب دفنا فى تلك المزرعة عند قبر ابراهيم ﵇ وأما قبر يوسف ﵇ فهو خارج المغارة فى بطن الوادى* (ذكر نبذة من قصة يعقوب ويوسف ﵉ * روى أنه لما بلغ عمر يعقوب ثلاثا وسبعين سنة ولد له

стр. 131

من راحيل يوسف ولما بلغ يعقوب تسعين سنة فقد عنه يوسف وكان فى فراقه أربعين سنة أو ثمانين سنة قال الثعلبى كان يوسف أبيض اللون حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين وكان أهداب عينيه مثل قوادم النسور مستوى الخلق غليظ الساقين والساعدين والعضدين خميص البطن صغير السرّة أقنى الانف بخدّه الايمن خال أسود وبين عينيه شامة وكان اذا تبسم رؤى النور فى ضواحكه* وفى المدارك كان فضل يوسف على الناس فى الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء وكان اذا سار فى أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يتلألأ نور الشمس وضوء القمر على الجدران وكان يشبه آدم يوم خلقه ربه وقيل ورث الجمال من جدّته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن* وفى العرائس قيل انه ورثه من جدّه اسحاق واسحاق ورث الحسن من سارة وسارة ورثت الحسن من حوّاء ﵈ وفى الحديث أعطى يوسف شطر الحسن* وفى رواية قسم الله ليوسف من الحسن والجمال ثلثى حسن الخلق وقسم بين سائر الخلق الثلث قال وهب بن منبه الحسن عشرة أجزاء تسعة منه ليوسف وواحد منه بين الناس ولما بلغ يوسف ثنتى عشرة سنة رأى فى المنام أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين كذا فى تفسير الحدادى* وقيل كان ابن سبع عشرة سنة وقيل ابن سبع سنين كذا فى لباب التأويل والكشاف والعرائس* روى جابر أن يهود يا سأل النبىّ ﷺ عن النجوم التى رآها يوسف فقال جريان وكذا فى كتاب الاعلام ولباب التأويل والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين فقال اليهودى اى والله انها لا سماؤها فأسلم كذا فى الكشاف* وأما أسماء أولاد يعقوب فهى روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوى ويهوذا وريالون ويشجر ودينه وأمّ هؤلاء السبعة ليابنت ليان وهى ابنة خال يعقوب وولد له من سرّيتين زلفة وبلهه أربعة بنين دان ويفتالى وجاد وآشر ثم توفيت ليا فتزوّج اختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين وماتت راحيل من نفاس بنيامين وقيل جمع بين الاختين ولم يكن الجمع حينئذ محرما الى زمان موسى ونزول التوراة كذا فى العرائس وقد مرّ فعلى ما فى الكشاف يكون جملة أولاد يعقوب ثلاثة عشر لا اثنى عشر كما لا يخفى بخلاف ما فى العرائس فانه اثنا عشر كما مرّ* وفى أنوار التنزيل ذكر أسامى أولاد يعقوب هكذا روبين بالنون وشمعون ولاوى ويهودا ويشنوخون وزبولون ودونى ولقنونى وكؤدى وأوشير وبنيامين ويوسف وكان يعقوب شديد الحبّ ليوسف فحسدوه عليه وزادهم حسدا بلوغهم خبر رؤياه وقالوا ما رضى أن تسجد له اخوته حتى يسجد له أبواه فأجمعوا أن يكيدوا له كيدا فسألوا أباهم أن يرسله معهم ليرتعوا ويلعبوا فتعلل يعقوب بالخوف عليه من أكل الذئب فألحوا وبالغوا حتى أرسله معهم فذهبوا مجمعين على القائه فى الجب أى البئر واختلفوا فى مكان الجب* قال وهب ومقاتل هو فى أرض ليزد على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب وكان معروفا يرد عليه المسافرون وقال قتادة هو بئر بيت المقدس* وفى العرائس كان ذلك الجب بين القدس وطبرية على قارعة الطريق وكان جبا وحشا مظلما ضيق الفم واسع السفل يهلك من طرح فيه وكان ماؤه مالحا وكان الجب من حفر سام بن نوح ويسمى جب الاخيار قال ولما برزوا الى البرية أظهروا له العداوة وضربوه وكادوا يقتلونه فمنعهم يهودا فلما أراد والقاءه فى الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يديه فتعلق بشفيرا لبئر فربطوا يديه الى عنقه بعد أن نزعوا عنه قميصه ليلطخوه بالدم فيحتالوا به على أبيهم ودلوه فى البئر فلما توسط البئر قطعوا الحبل حتى يسقط ويموت فأخرج الله له على وجه الماء صخرة ململمة لينة كالعجين فسقط عليها كذا فى العرائس* وفى رواية كان فى البئر ماء فسقط فيه ثم أوى الى صخرة فقام عليها وهو يبكى وعن ابن عباس كان يوسف يوم ألقى فى الجب ابن سبع سنين قاله ابن السائب وقال الحسن ابن اثنتى عشرة سنة وقيل ثمانى عشرة سنة

стр. 132

وقد مرّ ومكث فى الجب ثلاثة أيام وكان اخوته يرعون حول البئر وكان يهودا يأتيه بالطعام خفية ويروى أن ابراهيم حين ألقى فى النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه اياه فدفعه ابراهيم الى اسحاق واسحاق الى يعقوب فجعله يعقوب فى تميمة وعلقها فى عنق يوسف فأخرجه جبريل وألبسه اياه روى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوا قيصه بدمها وزلّ عنهم أن يمزقوه* وروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال أين القميص فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من ذئب أكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه قال بل سوّلت لكم أى زينت وسهلت لكم أنفسكم أمرا عظيما ارتكبتموه فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون وجاءت سيارة رفقة تسير من قبل مدين الى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من القاء يوسف فى الجب فأخطؤا الطريق هائمين فنزلوا قريبا من الجب فى قفر بعيد من العمران وكان ماء الجب ملحا فعذب حين ألقى فيه يوسف فأرسلوا واردهم الذى يرد الماء ليستقى للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعى من العرب العرباء ولم يكن له ولد فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له فرزق اثنى عشر ولدا أعقب كل واحد قبيلة كذا فى كتاب الاعلام فأدّلى دلوه ليملأها فتشبث يوسف بالدلو فنزعه فجاء اخوة يوسف وقالوا هذا الغلام لناقد أبق فاشتروه منا وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه فباعوه بثمن بخس أى مبخوس ناقص عن القيمة نقصا ظاهرا دراهم معدودة اشارة الى القلة وكانت عادتهم أنهم لا يزنون الا ما بلغ أوقية وهى أربعون درهما وقال ابن عباس كانت الدراهم المعدودة أربعين درهما كذا فى لباب التأويل ويروى أن اخوته اتبعوهم وقالوا لهم استوثقوا منه لا يأبق ولما ذهبوا الى مصر اشتراه العزيز الذى كان على خزائن مصر واسمه قطفير أو اطفير* وفى لباب التأويل قال ابن عباس لما دخلوا مصر لقى قطفير مالك بن ذعر فاشترى يوسف منه بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين* وقال وهب بن منبه قدمت السيارة بيوسف مصر ودخلوا به السوق يعرّضونه للبيع فترافع الناس فى ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا ووزنه حريرا وكان وزنه أربعمائة رطل وكان عمره حينئذ ثلاث عشرة سنة أو سبع عشرة سنة فابتاعه قطفير بهذا الثمن انتهى والملك يومئذ الريان بن الوليد العمليقى يعنى من أولاد عمليق بن لاود بن ارم بن سام بن نوح قد آمن بيوسف ومات فى حياته وقيل كان الملك فى أيام يوسف فرعون موسى وهو مصعب بن ريان أو ابنه وليد بن مصعب عاش أربعمائة سنة وبقى الى زمان موسى بدليل قوله ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات والمشهور أن فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف من بقايا عاد والآية من قبيل خطاب الابناء بأحوال الآباء* وفى كتاب الاعلام كل من ولى مصر والقبط فهو فرعون قال المسعودى لا يعرف تفسير فرعون بالعربية وكنيته أبو مرّة وأخوه قابوس بن مصعب هو الذى كان بعد الريان ولما هلك فرعون وقومه فى اليمّ ملكت مصر امرأة يقال لها دلوكة ولها فيها آثار عجيبة وكان فرعون موسى أحمر قصيرا أزرق كما ان أشقى ثمود عاقر ناقة صالح قداربن سالف كان كذلك* عجائب فرعون وفى لباب التأويل كان لفرعون أربع عجائب كانت لحيته خضراء ثمانية أشبار وقامته سبعة أشبار ولحيته أطول منه بشبر وعمره اربعمائة سنة وكان له فرس اذا صعد الجبل قصرت يداه وطالت رجلاه واذا انحدر يكون على ضدّ ذلك وكان يجرى النيل بأمره كما قال وهذه الانهار تجرى من تحتى ولاجل هذه الاربعة ادّعى الربوبية انتهى وكان فرعون طاغيا عاتيا ادّعى الالوهية وقال أنا ربكم الاعلى وقال يأيها الملأ ما علمت لكم من اله غيرى* وفى الكشاف كان بين القولين أربعون سنة وكان له وزير يقال له هامان فقال له أوقد لى يا هامان على الطين واطبخ الآجر قيل انه أوّل من اتخذ الآجر وبنى به فاجعل لى صرحا قصرا عاليا لعلى أطلع الى اله موسى أنظر

стр. 133

اليه وأقف على حاله وانى لأظنه يعنى موسى من الكاذبين فى زعمه ان للارض والخلق الها غيرى وانه رسوله* وفى معالم التنزيل قال أهل التفسير لما أمر فرعون وزيره ببناء الصرح جمع هامان العمال والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الاتباع والاجراء ومن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق وأراد الله أن يفتنهم فيه فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردّت اليه وهى متلطخة دما فقال قد قتلت اله موسى وكان فرعون يصعد على البراذين قيل كانت تقصر يد البراذين حين يصعد وتطول رجلاه وقت الهبوط على عكس ذلك كما مرّ فتنة من الله واستدراجا فبعث الله جبريل جنح غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف رجل ووقعت قطعة فى البحر وقطعة فى الغرب ولم يبق أحد ممن عمل فيه شيئا الا هلك وفرعون لقب ملك العمالقة والقبط ككسرى وقيصر والنجاشى لملوك الفرس والروم والحبشة* وفى المدارك يقال لملوك مصر الفراعنة كما يقال لملوك فارس أكاسرة واسم فرعون قابوس أو الوليد بن مصعب بن ريان* وفى العمدة اسم فرعون قابوس وقيل كيكاوس وقيل حقيق أى جدير انتهى* وفى زمانه بعث شعيب النبىّ ﵇ الى أولاد مدين بن اسماعيل بن ابراهيم وبعث موسى وهارون ﵉ الى فرعون وكان اسمه الوليد بن مصعب وكان من أولاد عاد وكان شدّاد أرسله حاكما الى مصر* روى أن يوسف لما اشتراه العزيز كان ابن سبع عشرة سنة وقال الذى اشتراه من مصر يعنى قطفير من أهل مصر لامرأته وكان اسمها راغيل وقيل زليخا اكرمى مثواه منزله ومقامه عندك قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة العزيز فى يوسف حيث قال أكرمى مثواه الى آخره وابنة شعيب فى موسى حيث قالت يا أبت استأجره الى آخره وأبو بكر فى عمر حيث استخلفه بعده كذا فى لباب التأويل وأقام يوسف فى منزله فى بيت امرأته زليخا ثلاث عشرة سنة كما مرّ وهى كانت بنت خمس عشرة سنة وعشقت يوسف وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه أى طلبت منه المواقعة وتمحلت له من راد يرود اذا جاء وذهب وغلقت الابواب قيل كانت سبعة والتشديد للتكثير أو للمبالغة فى ايثاق الابواب وقالت هيت لك أى أقبل وبادر أو تهيأت لك هيت اسم فعل بنى على الفتح كبناء أين واللام للتبيين أى لك أقول كما تقول هلمّ لك قال معاذ الله انه أى الشأن والحديث ربى وسيدى ومالكى يريد قطفير أحسن مثواى مقامى فلا أخونه فى أهله ولقد همت به وهمّ بها قصدت مخالطته وقصد مخالطتها والهمّ بالشىء قصده والعزم عليه ومنه الهمام وهو الذى اذا همّ بشئ أمضاه ولم ينكل عنه* وفى أنوار التنزيل المراد بهمه ميل الطبع ومنازعة الشهوة لشبق ألغلمة لا الميل الاختيارى وذلك مما لا يدخل تحت التكليف والحقيق بالمدح والاجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم الاختيارى أو المراد بهمه مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف الله لولا أن رأى برهان ربه فى قبح الزنا وسوء عاقبته ولا يجوز أن يجعل وهمّ بها جواب لولا فانها فى حكم أدوات الشرط وللشرط صدر الكلام فلا يتقدّم عليها جوابها بل الجواب محذوف يدل عليه وهم بها كقولك هممت بقتله لولا انى خفت الله معناه انى لولا خفت الله لقتلته* وفى الكشاف وقد فسرهم يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع وبأنه حلّ تكة سراويله وقعد بين شعبها الاربع وهى مستلقية على قفاها وفسر البرهان بأنه سمع صوتا اياك واياها فلم يكترث له فسمع ثانيا فلم يعمل به فسمع ثالثا أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضا على أنملته وقيل ضرب بيده فى صدره فخرجت شهوته من أنامله* وقيل ولد لكلّ من ولد يعقوب اثناعشر ولدا الا يوسف فانه ولد له احد عشر ولدا

стр. 134

من أجل ما نقص من شهوته حين همّ وقيل صيح به يا يوسف لا تكن كطائر كان له ريش فلما زنا أى سفد غير أنثاه قعد لا ريش له وقيل بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها وانّ عليكم لحافظين كراما كاتبين فلم ينصرفه ثم رأى فيها ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا فلم ينته ثم رأى فيها واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله فلم ينجع فيه فقال الله لجبريل أذرك عبدى قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل وهو يقول يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب فى ديوان الانبياء وقيل رأى تمثال العزيز قطفير وقيل قامت المرأة الى صنم كان هناك فترته وقالت أستحيى أن يرانا فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر ولا أستحيى من السميع البصير العليم بذات الصدور وهذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله وأنبيائه وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بسبيل ولو صدرت من يوسف أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما نعيت على آدم ﵇ زلته وعلى داود وعلى نوح وعلى أيوب وعلى ذى النون وذكرت توبتهم واستغفارهم كيف وقد أثنى الله عليه وسماه مخلصا انتهى واستبقا الباب أى ابتدرا اليه يفرّ منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج أراد بالباب الباب البرّانى الذى هو المخرج من الدار والمخلص فلا يرد أن يقال كيف وجد الباب مفتوحا وقد جمعه فى قوله وغلقت الابواب* روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الابواب وقدّت قميصه من دبر اجتذبته فانقدّ أى انشق طولا حتى هرب منها الى الباب وتبعته تمنعه وألفيا سيدها أى وجدا زوجها وبعلها وهو قطفير لدى الباب تقول المرأة لبعلها سيدى وانما لم يقل وجدا سيدهما لان ملك يوسف لم يصح فلم يكن سيدا له على الحقيقة وقيل ألفياه مقبلا يريد أن يدخل فنزهت نفسها وقالت ما جزاء من أراد بأهلك سوأ زنا الا أن يسجن أى يحبس أو عذاب أليم مؤلم بأن يضرب قال يوسف متبرّئا هى راودتنى عن نفسى وشهد شاهد من أهلها ابن عمّ لها* روى أنه كان فى المهد وعن النبىّ ﷺ تكلم فى المهد أربعة وهم صغار ابن ماشطة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى وقال نسوة فى المدينة مصر أى قال جماعة من النساء وكنّ خمسا امرأة الساقى وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب امرأة العزيز تراود فتاها عبدها عن نفسه قد شغفها حبا تمييز* فى الكشاف شغفها خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل الى الفؤاد والشغاف حجاب القلب وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب فلما سمعت بمكرهنّ بغيبتهنّ وسوء مقالتهنّ وقولهنّ امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعانى أرسلت اليهنّ دعتهنّ* قيل دعت أربعين امرأة فيهنّ الخمس المذكورات وأعتدت أعدّت وهيأت لهنّ متكأ ما يتكئن عليه من نمارق وعن مجاهد متكأ طعاما يحزّ حزا وقرئ متكا بغير همز وهو الاترج* وقال وهب أترجا وموزا وبطيخا وآتت أعطت كل واحدة منهنّ سكينا وقالت ليوسف اخرج عليهنّ فلما رأينه أكبرنه أعظمنه وقطعن جرحن أيديهنّ بالسكاكين ولم يشعرن بالالم لشغل قلبهنّ بيوسف وقلن حاش لله تنزيها له اللام للتبيين نحو قولك سقيا لك ما هذا أى يوسف بشرا ان هذا ما هذا الا ملك كريم قالت امرأة العزيز لما رأت ما حلّ بهنّ فذلكنّ الذى لمتننى فيه فى حبه بيان لعذرها ولقد راودته عن نفسه فاستعصم فامتنع ولئن لم يفعل ما آمره أى ما آمر به فحذف الجار والضمير للموصول أو أمرى اياه اى موجب أمرى ومقتضاه على أن ما مصدرية ليسجننّ وليكونا من الصاغرين من الذليلين قلن له أطع مولاتك ولم يطعها فسجن بسببها سبع سنين على قول الجمهور ودخل معه السجن فتيان عبدان للملك شرابيه وخبازه بتهمة السم* وفى كتاب الاعلام اسم أحدهما شرهم والآخر برهم فتحا لما فقال الشرابىّ انى رأيت كأنى فى بستان

стр. 135

فاذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عنا قيد من عنب فقطفتها وعصرتها فى كأس الملك وسقيته وقال الخباز رأيت كان فوق رأسى ثلاث سلال فيها أنواع الاطعمة فاذا سباع الطير تنهش منها فقالا له نبئنا بتأويله فأوّل يوسف رؤيا الشرابى بأنه يعود الى عمله ويسقى سيده خمرا وأوّل رؤيا الخباز بأنه يقتل* روى أنه قال للاوّل ما رأيت من الكرمة هو الملك وحسن حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فانها ثلاثة أيام تمضى فى السجن ثم تخرج وتعود الى ما كنت عليه من عملك اذكرنى وصفنى عند الملك بصفتى وقص عليه قصتى لعله يرحمنى ويخلصنى من هذه الورطة وفى الحديث رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك لما لبث فى السجن سبعا وقال للثانى ما رأيت من السلال الثلاث ثلاثة أيام ثم تخرج وتقتل وكان أمرهما كما قال* ولما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابص وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان ورأى سبع سنبلات خضر انعقد حبها وسبعا أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فاستعبرها الملك وقال يأيها الملأ أفتونى فى رؤياى فلم يجد فى قومه من يحسن عبارتها وقالوا أضغاث أحلام أى تخاليط منامات باطلة وليس لنابها علم ولما استفتى الملك فى رؤياه وأعضل على الملأ تأويلها وعجزوا عنها تذكر الناجى بعد مدّة طويلة يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه وطلبه اليه أن يذكره عند الملك فقال أنا اخبركم بمن عنده تأويلها فأرسلوه فانطلق الى يوسف وقص عليه رؤيا الملك واستعبره فقال أيها الصدّيق أفتنا فى سبع بقرات سمان الى آخر ما رآه الملك فتأوّل يوسف البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجىء مباركا كثيرا لخير غزير النعم وذلك بعد أربع عشرة سنة من وقت استفتاء الرؤيا* قيل كان ابتداء بلاء يوسف فى الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضا الرؤيا فلما رجع المستعبر الى الملك بخبر يوسف وتأويله الرؤيا قال ائتونى به استخلصه لنفسى فجاءه الرسول ليخرجه من السجن وكان معه سبعون حاجبا وسبعون مركبا وبعث الملك اليه لباس الملوك فقال أجب الملك فخرج من السجن ودعا لاهله فقال اللهم أعطف عليهم قلوب الاخيار ولا تعمّ عليهم الاخبار فهم أعلم الناس بالاخبار فى الواقعات وكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الاحياء وشماتة الاعداء وتجربة الاصدقاء ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا جددا فلما دخل على الملك قال اللهم انى اسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شرّه ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال ما هذا اللسان قال لسان آبائى وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال أيها الصدّيق انى أحب أن اسمع رؤياى منك قال رأيت بقرات فوصف لونهنّ وأحوالهنّ ومكان خروجهنّ ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التى رآها الملك وقال من حقك أن تجمع الطعام بالاهراء فيأتيك الخلق من النواحى ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لاحد قبلك قال الملك ومن لى بهذا الامر ومن يجمعه قال يوسف اجعلنى على خزائن الارض أى ولنى خزائن أرضك يعنى مصر* وفى الحديث رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اجعلنى على خزائن الارض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة* روى أن الملك توجه وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدرّ والياقوت فقال له أما السرير فاشدد به ملكك وأما الخاتم فدبر به أمرك وأما التاج فليس من لباسى ولا من لباس آبائى فاستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنة أو ثلاث وثلاثين سنة قيل توفى جدّه اسحاق حينئذ وعمره مائة وثمانون سنة وكان ضريرا ودفن عند قبر أبيه وأوتى يوسف الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة* وفى تفسير الحدّادى فى قوله تعالى ولما بلغ أشدّه قال ابن عباس ولما بلغ ثمانى عشرة سنة آتيناه النبوّة ولما

стр. 136

استوزر دانت له الملوك وفوّض اليه الامر وكان الملك كالتابع له يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه فى كل ما رأى وعزل قطفير ثم مات قطغير بعده فزوّجه الملك امرأته زليخا فلما دخل عليها قال لها أليس هذا خيرا مما طلبت فوجدها عذراء وكان العزيز عنينا فولدت ليوسف ولدين افراثيم وميشا وولد لافراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى وأقام يوسف العدل بمصر وأحبه الرجال والنساء وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر فى سنى القحط الطعام بالدراهم والدنانير فى السنة الاولى حتى لم يبق معهم شئ منها ثم بالحلى والجواهر فى السنة الثانية ثم بالدواب فى الثالثة ثم بالعبيد والاماء فى الرابعة ثم بالدور والعقار فى الخامسة ثم بأولادهم فى السادسة ثم برقابهم فى السابعة حتى استرقهم جميعا ثم أعتق أهل مصر عن آخرهم وردّ عليهم أملاكهم وكان لا يبيع لاحد من الممتارين أكثر من حمل بعير وأصاب أهل كنعان ما أصاب أهل مصر من الجهد فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا منها فجاء اخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون لتبدّل الزىّ أو لانه كان وراء حجاب أو لطول المدّة وهى أربعون سنة* روى أنه لما رآهم تكلموا بالعبرانية قال لهم أخبرونى من أنتم وما شأنكم قالوا نحن قوم رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادى قالوا معاذ الله نحن بنو نبى حزين لفقد ابن كان أحبنا اليه وقد أمسك اخاله من أمه يستأنس به فقال ائتونى به ان صدقتم وقال ومن يشهد لكم انكم لستم بعيون وان الذى تقولون حق قالوا اننا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد قال فدعوا بعضكم عندى رهينة وائتونى بأخ لكم من أبيكم وهو يحمل رسالة ابيكم حتى أصدّقكم فاقترعوا عودا فيهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيا فى يوسف فخلفوه عنده وجهزهم وأعطى كل واحد حمل بعير وقال ائتونى بأخ لكم من أبيكم قالوا سنراود عنه أباه أى سنخادعه ونحتال عليه حتى ننزعه من يده فلما رجعوا الى أبيهم بالطعام وأخبروه بما فعل يوسف قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل واناله لحافظون عن ان يناله مكروه قال هل آمنكم عليه الا كما أمنتكم على أخيه من قبل وقال لن ارسله معكم حتى تؤتونى موثقا عهدا من الله بأن تحلفوا لى بالله لتأتننى به الا أن يحاط بكم وتغلبوا فلم تطيقوا به فلما آتوه موثقهم وحلفوا بالله رب محمد دفع بنيامين اليهم وقال الله على ما نقول وكيل وقال فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين* قال كعب لما قال فالله خير حفظا قال الله بعزتى وجلالى لاردّن عليك كليهما ووصاهم أن لا يدخلوا من باب واحد بل يدخلوا من أبواب متفرّقة الجمهور على أنه خاف عليهم العين لجمالهم وجلالة أمرهم فالعين حق وجوده بأن يحدث الله عند النظر الى الشىء والاعجاب به نقصانا فيه وخللا* وقال النبىّ ﷺ ان العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر وكان النبىّ ﷺ يعوّذ الحسن والحسين فيقول أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامّة فلما دخلوا على يوسف قالوا له هذا أخونا قد جئنا به قال أحسنتم وآوى وضم اليه أخاه بنيامين فأنزلهم وأحسن مثواهم وأضافهم وأكرم نزلهم ومقراهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقى بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخى يوسف حيالا جلسنى معه فقال يوسف بقى أخوكم وحيدا فأجلسه معه على مائدته وجعل يواكله وقال أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال من يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وعانقه وقال انى أنا أخوك يوسف فلا تبتئس ولا تحزن بما كانوا يعملون بنا فيما مضى فان الله قد أحسن الينا وجمعنا على خير ولا تعلّمهم بما أعلمتك* روى أن بنيامين قال ليوسف فأنا لا أفارقك قال يوسف قد علمت اغتمام والدى بى فاذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل الى ذلك الا أن أنسبك الى ما لا يجمل قال لا أبالى افعل ما بدالك قال فانى أدس صاعى فى رحلك ثم أنادى عليك بأنك سرقته ليتهيألى ردّك بعد تسريحك معهم قال افعل فلما جهزهم بجهازهم وهيأ

стр. 137

أسبابهم وأوفى الكيل لهم جعل السقاية يعنى مشربة يسقى بها وهى الصواع قيل كان يسقى بها الملك ثم جعلت صاعا يكال بها العزة الطعام وكان يشبه الطاس من فضة أو ذهب فدسوه فى رحل بنيامين* روى أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا ثم نادى مناد أيتها العير وهى الابل التى عليها الاحمال لانها تعير أى تذهب وتجىء والمراد أصحاب العير انكم لسارقون كناية عن سرقتهم اياه من أبيه قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير قال المؤذن وأنا به زعيم يريد أنا بحمل البعير كفيل أؤدّيه الى من جاء به وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله قالوا تالله قسم فيه معنى التعجب مما نسب اليهم ما جئنا لنفسد فى الارض* روى أنهم حين دخلوا كان أفواه رواحلهم مشدودة لئلا تتناول زرعا أو طعاما لاحد من أهل السوق وما كنا سارقين قالوا فما جزاء الصواع أى سرقته ان كنتم كاذبين فى جحودكم وادعائكم البراءة منها قالوا جزاء سرقته أخذ من وجد فى رحله وكان حكم السارق فى آل يعقوب أن يسترق سنة فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين لنفى التهمة حتى بلغ وعاء فقال ما أظنّ هذا أخذ شيئا فقالوا والله لا يترك حتى تنظر فى رحله فانه أطيب لنفسك وأنفسنا ثم استخرج الصواع من وعاء أخيه قالوا ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل أرادوا يوسف قيل دخل كنيسة فأخذ تمثالا صغيرا من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه وقيل كان فى المنزل دجاجة فأعطاها السائل وقيل كانت منطقة لابراهيم يتوارثها أكابر ولده فورثها اسحاق ثم وقعت الى ابنته وكانت أكبر أولاده فحضنت يوسف وهى عمته بعد وفاة أمه وكانت لا تصبر عنه فلما شب أراد يعقوب أن ينتزعه منها فعمدت الى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت قد فقدت منطقة اسحاق فانظروا من أخذها ففتشوا فوجدوها محزومة على يوسف فقالت انه لى سلم أفعل به ما شئت فحلاه يعقوب عندها حتى ماتت يقال فلان سلم فى أيدى بنى فلان أى أسير* وروى أنهم لما استخرجوا الصواع من رحل بنيامين نكس اخوته رؤسهم حياء وأقبلوا عليه فقالوا له فضحتنا وسوّدت وجوهنا يا بنى راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصواع فقال بنو راحيل لا يزال منكم عليهم بلاء ذهبتم بأخى فأهلكتموه فأسرّ يوسف فى نفسه مقالتهم قد سرق أخ له من قبل وتغافل عنها كأن لم يسمعها ولما أخذ بنيامين بعلة السرقة قالوا له يأيها العزيز ان له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه أى بدله فأبى وقال معاذ الله أن نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فلما استيأسوا من يوسف واجابته انفردوا عن الناس متناجين فى تدبير أمرهم على أىّ صفة يذهبون وماذا يقولون لابيهم فى شأن اخيهم قال كبيرهم فى السنّ وهو روبيل أو فى العقل وهو يهوذا أو رئيسهم وهو شمعون ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرّطتم وقصرتم فى شأن يوسف فلن أبرح الارض أى لن أفارق أرض مصر حتى يأذن لى أبى فى الانصراف اليه أو يحكم الله لى فى الخروج منها او بالموت او بقتالهم ارجعوا الى ابيكم فقولوا يا أبانا ان ابنك سرق وما شهدنا عليه بالسرقة الا بما علمنا من سرقته وما كنا للغيب حافظين أى ما علمنا انه سيسرق حين أعطيناك المواثيق واسأل اهل مصر عن كنه القصة واصحاب العير وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب وانا لصادقون فى قولنا فرجعوا الى ابيهم فقالوا له ما قال لهم اخوهم قال يعقوب بل سوّلت وسهلت لكم أنفسكم أمرا أردتموه والا فمن أدرى ذلك الرجل ان السارق يسترق لولا فتواكم وتعليمكم فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا أى بيوسف واخيه وكبيرهم وتولى وأعرض عنهم كراهة لما جاءوا به وقال يا اسفا على يوسف الاسف اشدّ الحزن والحسرة والالف بدل عن ياء الاضافة وابيضت عيناه من الحزن أى اذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين وقلبته الى بياض كدر قيل قد عمى بصره وقيل يدرك ادراكا ضعيفا قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف الى حين لقائه

стр. 138

ثمانين سنة أو أربعين سنة كذا فى المدارك* وفى الكشاف عن النبىّ ﷺ انه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف قال وجد سبعين ثكلى قال فما كان له من الاجر قال اجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط* وفى الكشاف عن الحسن انه بكى على ولده او غيره فقيل له فى ذلك فقال ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب ويجوز للنبىّ ان يبلغ به الجزع ذلك المبلغ لان الانسان مجبول على ان لا يملك نفسه عند الحزن فلذلك حمد صبره ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده ابراهيم وقال القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وانا عليك يا ابراهيم لمحزونون وانما المذموم الصياح والنياح ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب* قيل ان يعقوب اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت وروى انه رأى ملك الموت فى منامه فسأله هل قبضت روح يوسف فقال لا والله هو حىّ فاطلبه وعلمه هذا الدعاء* يا ذا المعروف الدائم الذى لا ينقطع معروفه ابدا ولا يحصيه غيره فرّج عنى* فقال يا بنىّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف واخيه ولا تيأسوا من روح الله أى لا تقنطوا من رحمة الله فخرجوا من عند أبيهم راجعين الى مصر فلما دخلوا على يوسف قالوا يأيها العزيز مسنا واهلنا الضرّ الهزال من شدّة الجوع وجئنا ببضاعة مزجاة حقيرة يدفعها كل تاجر رآها رغبة عنها واحتقارا لها قيل كانت دراهم زيوفا لا تؤخذ الا بوضيعة وقيل كانت صوفا وسمنا فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا ولما قالوا مسنا واهلنا الضرّ وتضرّعوا اليه وطلبوا أن يتصدّق عليهم ارفضت عيناه ولم يتمالك أن عرّفهم نفسه حيث قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه اذ أنتم جاهلون وقيل أدّوا اليه كتاب يعقوب من يعقوب اسرائيل الله بن اسحاق ذبيح الله بن ابراهيم خليل الله الى عزيز مصر أما بعد فانا أهل بيت موكل بنا البلاء فأما جدّى فشدّت يداه ورجلاه ورمى به فى النار ليحرق فنحاه الله وجعلت النار بردا وسلاما وأما أبى فوضع السكين فى قفاه ليقتل ففداه الله وأما أنا فكان لى ابن وكان أحب اولادى فذهب به اخوته الى البرية ثم أتوا بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناى من بكائى عليه ثم كان لى ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا انه سرق وانك حبسته وانا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فان رددته علىّ والا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام* فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه* وروى أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا* وفى رواية مكتوب يعقوب أخصر مما ذكر كتب بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب اسرائيل الله بن اسحاق ذبيح الله بن ابراهيم خليل الله الى العزيز ريان أما بعد فانا أهل بيت مولع بنا البلاء أما جدّى ابراهيم خليل الله ابتلى بالنار فأنجاه الله واما أبى اسحاق ابتلى بالذبح ففداه الله وأما أنا فكان لى قرّة عين من أولادى ابتليت بفراقه حتى عميت وكان له أخ كلما هاج بى شوقى ضممته الى صدرى والآن محبوس عندك بعلة السرقة واعلم انى لا أكون سارقا ولا ألد سارقا فان تفضلت بردّه فلك فى ذلك الاجر والثواب يوم الحساب وكتب يوسف فى جوابه بعبارة أطول مما ذكر قيل كان باملاء جبريل كتب بسم الله الرحمن الرحيم كتابى هذا الى يعقوب اسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله من العزيز ريان أما بعد فقد وصل الىّ كتابه بما وصف من حال آبائه وبلائه وابتلائه بفراق اولاده فوقفت عليه فعليه بالصبر الجميل أما جدّك ابراهيم ابتلى بالنار صبر فظفر وأما أبوك اسحاق ابتلى بالذبح صبر فظفر وأنت ابن الصابرين فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا والسلام على من اتبع الهدى ومعنى فعلهم بأخى يوسف تعريضهم اياه للغم بافراده عن أخيه لابيه وأمه وايذائهم اياه بأنواع الاذى قال اخوة يوسف أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد منّ الله علينا الآن بالالفة بعد الفرقة قالوا تالله لقد آثرك الله علينا أى اختارك

стр. 139

وفضلك علينا بالعلم والتقوى والصبر والحسن وان كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين* روى ان اخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا اليه انك تدعونا الى طعامك بكرة وعشيا ونحن نستحيى منك لما فرط منافيك فقال يوسف ان اهل مصر وان ملكت فيهم فانهم ينظرون الىّ بالعين الاولى ويقولون سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ولقد شرفت الآن بكم حيث علم الناس أنى من حفدة ابراهيم اذهبوا بقميصى هذا قيل هو القميص المتوارث الذى كان فى تعويذ يوسف وكان من الجنة أمره جبريل أن يرسله الى ابيه فان فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم الاعوفى قال فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا أى يأت الىّ وهو بصير قال يهوذا أنا احمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص الجفاء قيل حمله وهو خاف حاسر من مصر الى كنعان وبينهما ثمانون فرسخا وقال لهم يوسف ائتونى بأهلكم اجمعين لينعموا بآثار ملكى كما اغتموا بأخبار هلكى ولما فصلت العير وخرجت من عريش مصر قال ابوهم وهو فى كنعان لولد ولده ومن حوله من قومه انى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون أوجد الله ريح القميص حين اقبل من مسيرة ثمانية ايام فلما أن جاء البشير وهو يهوذا ألقى القميص على وجهه فارتدّ بصيرا* وروى أن يعقوب سأل البشير كيف يوسف فقال هو ملك مصر قال ما أصنع بالملك على أىّ دين تركته قال على دين الاسلام قال الآن تمت النعمة ثم ان يوسف وجه الى ابيه جهازا ومائتى راحلة ليتجهز هو ومن معه فلما بلغ قريبا من مصر خرج يوسف والملك فى أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشى ويتوكأ على يهوذا فلما دخلوا على يوسف وذلك قبل دخولهم مصر حين استقبلهم نزل بهم فى مضرب أو قصر كان له ثمة فدخلوا عليه آوى اليه ابويه أى ضمهما واعتنقهما اليه قيل كانت أمه باقية وقيل كانت أمه ماتت وتزوّج يعقوب خالته والخالة امّ كما ان العمّ أب* روى انه لما لقيه يعقوب قال السلام عليك يا مذهب الاحزان قال له يوسف بعد ردّ السلام عليه يا ابت بكيت علىّ حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا فقال بلى ولكن خشيت ان يسلب دينك فيحال بينى وبينك* قيل ان يعقوب وولده دخلوا مصروهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الذرّية والهرمى وكانت الذرّية ألف ألف ومائتى ألف ولما دخلوا مصر وجلس يوسف فى مجلسه مستويا على سريره واجتمعوا اليه أكرم أبويه فرفعهما على السرير وخرّوا له سجدا يعنى الاخوة الاحد عشر والابوين* ذكر المفسرون ان الله أحيا امّ يوسف تحقيقا لرؤياه والله على كل شىء قدير وكانت السجدة عندهم جائزة جارية مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليدين قال الزجاج كانت سنة التعظيم فى ذلك الوقت أن يسجد للمعظم وقيل كانت الانحناء دون تعفير الجبهة وخرورهم سجدا يأباه وقيل خرّوا لاجل يوسف سجدا لله شكرا وفيه أيضا نبوة واختلف فى استنبائهم وقال يوسف يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا صادقة وكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعون سنة وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين أو ثمانون سنة وهو قول الحسن البصرى وسيجىء وقيل ست وثلاثون وقيل اثنتان وعشرون سنة* قال مجاهد أخرج يوسف من عند يعقوب وهو ابن ست سنين وجمع بينهما وهو ابن أربعين سنة* وعن الحسن قال ألقى يوسف فى الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة وكان فى العبودية ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثمانية وعشرين سنة وتوفى وهو ابن مائة وعشرين سنة كاذا فى العرائس* قال وأقام يعقوب مع يوسف أربعا وعشرين سنة بأغبط حال واهنأ عيش وأتم سرور وقيل سبع عشرة سنة ثم حضرته الوفاة وأوصى يوسف أن يحمله الى الشام ويدفنه فى الارض المقدّسة عند أبيه وجده ففعل ذلك وجعله فى تابوت من ساج وحمله الى بيت

стр. 140

المقدس وخرج معه يوسف وعظماء أهل مصر ووافق يوم موته يوم موت أخيه عيص فدفنا فى قبر واحد وكان عمرهما جميعا مائة وسبعة وأربعين سنة وكانا توأمين ولدا فى يوم واحد وماتا فى يوم واحد وقبرا فى قبر واحد ثم عاد يوسف الى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة كما مرّ قاله الثعلبى فى العرائس والقاضى البيضاوى فى أنوار التنزيل وكذا فى المدارك فلما تم أمر يوسف طلبت نفسه الملك الدائم فتمنى الموت قيل ما تمناه نبىّ قبله ولا بعده فقال رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض أنت وليى فى الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين فلما حضرته الوفاة جمع قومه من بنى اسرائيل وعرّفهم بحضور أجله وكانوا ثمانين رجلا فقالوا له يا نبىّ الله انا نحب أن تعلمنا بما يؤول اليه أمرنا بعد خروجك من بين أظهرنا فى أمر ديننا وملتنا قال لهم يوسف ان اموركم لم تزل مستقيمة على ما أنتم عليه من أمر دينكم حتى يظهر عليكم رجل جبار من القبط يدّعى الربوبية فيقهركم ويغلبكم ويذبح أبناءكم ويستحيى نساءكم ويسومكم سوء العذاب وتمدّ أيامه أياما مديدة ثم يخرج من بنى اسرائيل من ولد أخى لاوى رجل اسمه موسى بن عمران رجل جعد الشعر آدم اللون فينجيكم الله تعالى به من أيدى القبط قال فجعل كل رجل من بنى اسرائيل يسمى ولده عمران رجاء أن يكون ذلك النبىّ منه ديك يوسف قالوا وكان ليوسف ديك قد عمر خمسمائة سنة فقال لهم يوسف يستقيم أمركم ما دام هذا الديك يصرخ فيكم فاذا ولد هذا الجبار سكت فلا يصرخ مدّة ولايته حتى اذا انقضت أيامه وأذن بمولد هذا النبىّ صرخ كما كان يصرخ أوّلا فذلك علامة انقضاء ملكه وظهور نبىّ الله فى الارض قال فلم يزالوا على ما هم عليه الى أن سكت صراخ الديك فوجموا واكتأبوا وانهدمت أركان دينهم وطلع ما أعلمهم به يوسف من ولادة الجبار وظهوره فاعتزلوا الديك واجمعين الى أن عاد الديك الى صراخه فاستبشروا وفرحوا وتصدّقوا وأيقنوا بالفرج وكان يوسف ﵇ قد أوصى قبل موته أخاه يهوذا واستخلفه على بنى اسرائيل ولما توفاه الله طيبا طاهرا بروح وريحان تخاصم فيه أهل مصر وتشاحوا فى دفنه كلّ يحب أن يدفن فى محلتهم حتى هموا بالقتال فاجتمع رأيهم على أن يعملوا له صندوقا من مرمر ويجعلوه فيه ويدفنوه فى النيل بمكان يمرّ عليه الماء ثم يصل الى مصر ليكونوا سواء فى الانتفاع ببركته ففعلوا وقد توارثت الفراعنة من العماليق بعد يوسف ولم تزل بنو اسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه ولم يزل يوسف مدفونا فى النيل حتى استخرجه موسى وبينهما أربعمائة سنة وحمله الى الشام حين خرج ببنى اسرائيل من مصر ودفنه بأرض كنعان خارج الحصن حيث هو اليوم فلذلك تنقل اليهود موتاهم الى الشام كذا فى عرائس الثعلبى* وسبب استخراجه أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى ﵇ ان يسرى ببنى اسرائيل ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا فى بيوتهم السرج حتى الصبح وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم فاشتغلوا بدفنهم حين أصبحوا حتى طلعت الشمس وخرج موسى فى ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدّون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره* وعن ابن مسعود رضى الله عنه كان أصحاب موسى ستمائة ألف مقاتل وسبعين ألفا وعن عمرو بن ميمون قال كانوا ستمائة ألف مقاتل وكان يعقوب وأهل بيته يوم دخول مصر سبعين نفسا وبين دخول يعقوب وأهله مصر وبين خروج بنى اسرائيل منها على ما قيل أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون* نقل صندوق يوسف وفى العرائس لما خرجوا من مصر أظلمت عليهم الارض وتاهوا وضلوا عن الطريق فسأل موسى مشايخ بنى اسرائيل وعلماءهم عن ذلك فقالوا ان يوسف ﵇ لما حضره الموت أخذ على اخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم* وفى العمدة أوصى أن لا يخرجوا حتى ينقلوا عظامه معهم قالوا فلذلك انسدّ عليهم

стр. 141

الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادى أنشدكم الله كل من يعلم قبر يوسف الا أخبرنى به ومن لم يعلم فصمت اذناه عن قولى فكان يمرّ بين الرجلين ينادى فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز يقال لها مريم بنت ما موسى فقالت أرأيتك ان دللتك على قبره أتعطينى كل ما سألتك فأبى عليها فقال حتى أسأل ربى فأمره الله بايتاء سؤلها فقالت انى عجوز كبيرة لا أستطيع المشى ما حملنى وأخرجنى من مصر هذا فى الدنيا وأما فى الآخرة فاسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة الا نزلتها معك قال نعم قالت انه فى جوف الماء فى النيل فادفع الله حتى يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر عنه الماء ودعا أن يؤخر طلوع الفجر الى أن يفزغ من أمر يوسف فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه فى صندوق من مرمر وحمله حتى دفنه بالشام فلما أخرج التابوت ظهر الضوء وفتح لهم الطريق فاهتدوا وساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدّمتهم وعلم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا فى طلب بنى اسرائيل حتى يصيح الديك فو الله ما صاح ديك تلك الليلة فخرج فرعون فى طلب بنى اسرائيل وعلى مقدّمته هامان فى ألف ألف وستمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشباب فكان فرعون يكون فى الدهم وقيل كان فرعون فى سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب حراب ومائة ألف أصحاب اعمدة فسارت بنو اسرائيل حتى وصلوا الى البحر والماء فى غاية الزيادة ونظروا فاذاهم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين وقالوا يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا هذا فرعون خلفنا ان أدركنا قتلنا والبحر أمامنا ان دخلناه غرقنا قال الله تعالى فلما تراآى الجمعان قال أصحاب موسى انا لمدركون قال موسى كلا ان معى ربى سيهدين فأوحى الله اليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله اليه أن كنه فضربه وقال انفلق ابا خالد باذن الله فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم فظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنو اسرائيل البحر كل سبط فى طريق وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا فخافوا وقال كل سبط قد قتل اخواننا فأوحى الله الى جبال الماء ان تشبكى فصار الماء شبكات كالطاقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى واذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم من آل فرعون والغرق وأغرقنا آل فرعون وذلك ان فرعون لما وصل الى البحر ورآه منفلقا قال لقومه انظروا الى البحر انفلق من هيبتى حتى أدرك عبيدى الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه وقيل قالوا ان كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون على حصان ادهم ولم يكن فى خيل فرعون فرس انثى فجاءه جبريل على فرس انثى ودفق فتقدّمهم وخاض البحر فلما شم ادهم فرعون ريحها اقتحم البحر فى اثرها ولم يملك فرعون من امره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول خلفه البحر وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشدّهم ويسوقهم حتى لا يشذّ رجل منهم ويقول لهم الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر وخرج جبريل من البحر وهمّ أوّلهم بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وأغرقهم اجمعين وكان بين طرفى البحر أربع فراسخ وهو بحر قلزم طرف من بحر فارس قال قتادة هو بحر وراء مصر يقال له اساف* وفى انوار التنزيل والمدارك هو القلزم او النيل* وفى تفسير الحدّادى هذا البحر هو القلزم يسلك الناس فيه من اليمن الى مصر* وفى القاموس قلزم بلد بين مصر ومكة قرب جبل واليه يضاف بحر القلزم لانه على طرفه وكان ذلك بمر أى من بنى اسرائيل ولما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو اسرائيل ما مات فرعون فأمر الله البحر فألقى فرعون فى الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو اسرائيل فمن ذلك الوقت لا يقبل البحر ميتا أبدا* وفى انوار التنزيل قيل ان موسى لبث

стр. 142

فى القبط ثلاثين سنة ثم خرج الى مدين عشر سنين ثم عاد اليهم يدعوهم الى الله تعالى ثلاثين سنة ثم بقى بعد الغرق خمسين سنة فعلى هذا يكون عمره مائة وعشرين سنة وهارون كان اكبر من موسى بثلاث سنين وكذا فى الكشاف* وروى انه كانت النبوّة والملك متصلين بالشام ونواحيها لولد اسرائيل بن اسحاق الى أن زال عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكريا وبعد عيسى ﵈* وفى الكامل نبئ موسى فى عهد منوجهر وكان ملك منوجهر بعد جدّه افريدون وكان منوجهر من ولد ايرج بن افريدون وكان مولده بدنياوند وقيل بالرىّ* وفى الكامل قيل موسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن لاوى بن يعقوب ابن اسحاق بن ابراهيم وأمّ موسى يوحانذ واسم امرأته صفورا ابنة شعيب النبىّ ﵇ وكان فرعون مصر فى أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثانى وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الاوّل* وكان من مولد موسى الى أن خرج بنو اسرائيل من مصر ثمانون سنة ثم صار الى التيه بعد ان مضى وعبر البحر وكان مقامهم هناك الى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة وكان ما بين مولد موسى الى وفاته فى التيه مائة وعشرين سنة وكان اسم فرعون موسى فيما ذكر الوليد بن مصعب* ذكر منوجهر سبط ايرج وفى نظام التواريخ للشيخ ناصر الدين البيضاوى ان منوجهر سبط ايرج بن افريدون لما توفى افريدون قام مقامه وولى عهده منوجهر وعين لكل بلاد حاكما ولكل قرية دهقانا وحفر الفرات وأجرى الماء الى العراق وعمل البساتين وغرس أنواع الاشجار واشتغل بعمارة الملك ولما بلغت مدّة ملكه ستين سنة قصده افراسياب بالعسكر العظيم فهرب منه منوجهر الى طبرستان ولم يتبعه افراسياب فوقع الصلح بينهما على أن يكون ماوراء جيحون وهو نهر بلخ لافراسياب فرجع وفى زمان منوجهر أرسل الله تعالى شعيبا الى أولاد مدين بن اسماعيل بن ابراهيم وبعث موسى وهارون الى فرعون وكان اسمه وليد بن مصعب وكان من أولاد عاد الذين بعثهم شدّاد لحكومة مصر وقصتهم معروفة مشهورة وبعد وفاة منوجهر سار أفراسياب الى فارس واشتغل بقتل العباد وتخريب البلاد ومدّة ملكه عشر سنين الى ان خرج زاب بن طهماسب من اسباط منوجهر وهرب منه افراسياب الى حدود بلاده واشتغل زاب باصلاح ما أفسده وخرّبه أفراسياب وأجرى نهر الماء الى العراق ويسمى ذلك زابين واشتغل بالعدل والانصاف ثلاثين سنة وفوّض ملكه الى ابن أخيه كرشاسف بن كشتاسف الذى كانت أمه بنت بنيامين بن يعقوب وكان ملكه عشر سنين وكان رستم المشهور بدلستان من نسله* وفى الكامل ولما هلك منوجهر ملك فارس أفراسياب من نسل رستم ملك على مملكة فارس وعظم ظلمه وخرب ما كان عامرا ودفن الانهار والقنا وقحط الناس سنة خمس من ملكه الى أن خرج من مملكة فارس ولم تزل الناس منه فى أعظم بلية الى أن ملك روذ بن طهماسب وطرد أفراسياب الترك عن مملكة فارس حتى ردّه الى الترك بعد حروب بينهما فكان أفراسياب على اقليم بابل ومملكة الفرس اثنتى عشرة سنة من لدن توفى منوجهر الى أن أخرج عنها رود وأمر باصلاح ما كان افراسياب أفسده من مملكتهم وبعمارة الحصون وأخرج المياه التى غوّر طرقها حتى عادت البلاد الى أحسن ما كانت ووضع عن الناس الخراج سبع سنين وعمرت البلاد فى ملكه* ثم ملك بعد رود كيقباد ابن زاع بن مبشر بن نود بن منوجهر وقدّر مياه الانهار والعيون لشرب الارض وسمى البلاد بأسمائها وحدّدها بحدودها وأخذ العشر من غلاتها لارزاق الجند وكان كيقباد حريصا على عمارة البلاد وجرت بينه وبين الترك حروب كثيرة وكان مقيما بقرب نهر بلخ وهو جيحون لمنع الترك عن طرق شتى من بلاده وكان ملكه مائة سنة* ومن الانبياء الذين كانوا فى زمان كيقباد حزقيل والياس واليسع وشمويل ﵈ ثم ملك بعد كيقباد ابن ابنه كيكاوس بن كبيسة بن كيقباد فلما ملك حمى بلاده وقتل جماعة

стр. 143

وكان ملكه مائة وخمسين سنة ومن الانبياء والحكماء الذين كانوا فى زمان كيكاوس داود وسليمان ولقمان الحكيم ومن آثاره الرصد الذى ببابل* وملك بعد كيكاوس ابن ابنه كيخسرو وكان ملكه ستين سنة* ومن مشاهير الحكماء الذين كانوا فى عصر كيخسرو فيثاغورس الذى كان تلميذ داود ولقمان الحكيم روى أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد الى ابن عمه كهراسب بن كرخى بن كيكاوس فهو ابن ابن كيكاوس فلما ملك اتخذ سريرا من ذهب فكاله بأنواع الجواهر وبنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ودوّن الدواوين وقوّى ملكه باتخاذ الجنود وعمر الارض وجبى الخراج لارزاق الجند واشتدّت شوكة الجند فنزل مدينة بلح لقتالهم وكان محمودا عند أهل مملكته شديد القمع للملوك المجاورين له شديد التفقد لاصحابه بعيد الهمة عظيم البنيان ثم انه تنسك وفارق الملك واشتغل بالعبادة واستخلف ابنه كشتاسف فى الملك وكان ملك كهراسب مائة وعشرين سنة ومن الانبياء الذين كانوا فى عهد كهراسب أرميا وعزير ﵉ كذا فى نظام التواريخ* وملك بعده كشتاسب بن كهراسب وفى أيام كشتاسب ظهر زرادشت الذى ادّعى النبوّة وتبعه المجوس وكان زرادشت من أهل فلسطين يخدم لبعض تلامذة ارميا النبىّ خاصا به فخانه وكذب عليه فدعا الله تعالى عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان وشرع بها دين المجوس وقيل انه كان من العجم وصنف كتابا وطاف به الارض فما عرف أحد معناه وزعم أنه لغة سمائية خوطب بها وسماه أمتا فسار الى اذربيجان الى فارس فلم يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه فسار الى الهند وعرضه على ملوكها ثم أتى الصين والترك فلم يقبله احد وأخرجوه من بلادهم وقصد فرغانة وأراد ملكها أن يقتله فهرب منه وقصد كشتاسب بن كهراسب فأمر بحبسه فحبس مدّة وشرح زرادشت كتابه وسماه زند ومعناه النفيس ثم شرح النفيس بكتاب سماه بازند يعنى تفسير التفسير وفيه علوم مختلفة كالرياضات وأحكام النجوم والطب وغير ذلك من اخبار القرون الماضية وكتب الانبياء وفى كتابه تمسكوا بما جئتكم به الى أن يجيئكم صاحب الجمل الاحمر يعنى محمدا ﷺ وذلك على رأس ألف سنة وبسبب ذلك وقعت البغضاء بين المجوس والعرب ثم ان كشتاسف أحضر زرادشت وهو ببلخ فلما قدم عليه شرع له دينه فأعجبه واتبعه وقهر الناس على اتباعه وقتل منهم خلقا كثيرا حتى قبلوه وأما المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان وانه نزل على هذا الملك من سقف ايوانه وبيده كبة من نار يلعب بها ولا تحرقه وكل من أخذها بيده لم تحرقه واتبعه الملك ودان بدينه وبنى بيوت النيران فى البلاد واشعل تلك النيران فى بيوتهم وأما المجوس فيزعمون أن النيران التى فى بيوت عبادتهم من تلك النار الى الآن وكذبوا فان النار التى للمجوس طفئت فى جميع البيوت لما بعث الله تعالى نبينا محمدا ﷺ وكان ظهور زرادشت بعد مضى ثلاثين سنة من ملك كشتاسب وأتاه بكتاب زعم انه وحى من الله تعالى فكتب فى جلد اثنتى عشرة ألف بقرة حفرا ونقشا بالذهب وجعله كشتاسب فى موضع باصطخر ومنع تعليمه للعامة وكان كشتاسب وآباؤه قبله يدينون بدين الصابئة* ومن الحكماء الذين كانوا فى زمان كشتاسب سقراط العابد تلميذ فيثاغورس وجاماسب المشهور فى علم النجوم كذا فى نظام التواريخ * (ذكر بخت نصر) * فى الكامل قد اختلف العلماء فى الوقت الذى أرسل فيه بخت نصر على بنى اسرائيل فقيل كان فى عهد ارميا ودانيال وحنينا وعزاريا ومسايل وقيل انما أرسله الله تعالى على بنى اسرائيل لما قتلوا يحيى بن زكريا والاوّل أكثر* وملك بهمن بن اسفنديار وكانت أمه من أولاد طالوت ولما ملك بهمن أمر على بابل ابرش من أسباط جاماسب بن كهراسب الذى كانت أمه بنت واحد من أنبياء بنى اسرائيل وأمره أن يبعث جميع بنى اسرائيل الى بيت المقدس ويعطى رياستهم من أرادوا فجمع ابرش بنى اسرائيل وأعطى رياستهم باتفاقهم دانيال وبعثهم الى مقامهم وأمر بعمارة بيت المقدس وكانت مدّة

стр. 144

ملكه مائة واثنتى عشرة سنة وكان ذيمقراطيس الحكيم وبقراط الطبيب فى عصره* وملك دار ابن بهمن ابن اسفنديار وبنى مدينة بفارس سماها دارا بجرد وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة وكان أقلاطون الالهى تلميذ سقراط العابد فى زمان دارا* وملك بعده ابنه دارا بن داراوينى بأرض الجزيرة بقرب نصيبين مدينة مشهورة الى الآن وكان ملكه أربع عشرة سنة ومن حكماء عصره ارسطاطاليس تلميذ افلاطون* (ذكر الاسكندر الملقب بذى القرنين) * فى الكامل كان فيلقوس أبو الاسكندر اليونانى من أهل بلدة يقال لها مقدونية كان ملكا عليها وعلى بلاد اخرى فصالح دارا على خراج يحمله فيلقوس اليه كل سنة فلما هلك فيلقوس ملك بعده ابنه الاسكندر واستولى على بلاد الروم أجمع وقوى على دارا ولم يحمل اليه من الخراج شيئا وكان الذى يحمله بيضا من ذهب فسخط عليه دارا وكتب اليه يؤنبه بسوء صنيعه فى ترك حمل الخراج فوقعت المحاربة بينهما حتى قتل دارا وظفر الاسكندر ولما مات الاسكندر عرض الملك على ابنه الاسكندروس فأبى واختار العبادة وملك اليونان فيما قيل بطليموس ابن مرغوس وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ثم ملك بعده بطليموس دميانوس أربعين سنة ثم ملك بعده بطليموس أو دايماطس أربعا وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس فيلا قطر احدى وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس افيغالس اثنتين وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس او دايماطس سبعا وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس من بناطر سبع عشرة سنة ثم ملك بعده بطليموس الاخشندر احدى عشرة سنة ثم ملك بعده بطليموس أخنعى ثمان سنين ثم ملكت بعده قالونطرى سبع عشرة سنة وهى من الحكماء وهؤلاء كلهم من اليونان وكل من كان بعد الاسكندر كان يدعى بطليموس كما كان يدعى ملوك الفرس أكاسرة وملوك الروم قياصرة* وقال بعض العلماء ان بطليموس صاحب المجسطى وغيره من الكتب لم يكن من هؤلاء الملوك وانما كان أيام ملوك الروم ثم ملك الشام فيما قيل بعد قالو نطرى ملك الروم وكان أوّل من ملك منهم جانوس بن مركوس خمسين سنة* ثم ملك بعده اغسطوس ستا وخمسين سنة ولما مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى ابن مريم ﵇ وقيل كان بين مولده وقيام الاسكندر ثلثمائة سنة وثلاث سنين كذا فى الكامل* وفى نظام التواريخ من الانبياء الكبار الذين كانوا فى أيام الملوك الاشكانيين جرجيس النبىّ فى الجزيرة وزكرياء ويحيى وعيسى ﵈ فى الشام* ومن الحوادث الكائنة فى أيامهم واقعة أصحاب الكهف وعيسى بعث فى أيام شابور ابن اشكان وهذا وقع فى البين وقطع اتصال الكلامين فلنرجع لما كنا فيه* بقية قصة اسماعيل ﵇ روى ان اسماعيل كان ابن تسع وثمانين سنة حين توفى ابراهيم* وفى حياة الحيوان انّ أوّل من ركب الخيل اسماعيل ﵇ ولذلك سميت العراب وكانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش ولذلك قال نبينا ﷺ اركبوا الخيل فانها ميراث أبيكم اسماعيل وتزوّج اسماعيل فى حياة ابراهيم رعلة بنت عمرو فولدت له اثنى عشر ابنا أو عشرة وكان اكبرهم نابت* وفى المنتقى كان أحدهم قيدار وفى العرائس قال العلماء لما كبر اسماعيل وبلغ النكاح تزوّج امراة يقال لها السيدة بنت مضاض الجرهمية وهى التى قال لها ابراهيم اذا جاء زوجك قولى له قد أصلحت عتبة بابك وقد رضيتها لك فولدت لاسماعيل اثنى عشر ولدا منهم نابت وقيدار ومنهم العرب وقيل التى تزوّجها اسماعيل هالة بنت الحارث ابن عمرو الجرهمى* وروى ان الله بعث اسماعيل الى مارب من اليمن وحضرموت فدعاهم الى الاسلام خمسين سنة فآمن له قليل منهم وكان عمره مائة وسبعا وثلاثين سنة ولما حضرته الوفاة أوصى الى أخيه اسحاق أن يزوّج بنته نسيمة للعيص ففعل وتوفى اسماعيل بمكة ودفن فى الحجر مع امّه هاجر وتقول العرب هاجر وآجر فيبدلون الالف من الهاء كما قالوا هراق الماء وأراق الماء وغيره وهاجر كانت

стр. 145

من أرض مصر قال ابن لهيعة أمّ اسماعيل هاجر من أمّ العرب قرية كانت أمام الغرما من أرض مصر وأمّ ابراهيم مارية سرية النبىّ ﷺ الّتى أهداها له المقوقس بن حقن من كورة أنصنا كذا فى سيرة ابن هشام وكان قيدار قد أعطى سبع خصال البأس والشدّة والصراع والرمى والقنص والفروسية واتيان النساء وكان صاحب ضفيرتين يخرج كل يوم الى قنصه وكان يسمع من قنصه ظبية كان أو طير الا تذبحنى حتى تسمى الله ولا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه وكان قد تزوّج مائة امرأة من بنات اسحاق فى سنة يظنّ ان المطهرات التى أمر بنكاحهنّ من ولد اسحاق طمعا أن يولد له منهنّ ولد ولم يحبلن فرجع يوما من قنصه وقد عيرته وحوش الجبال ونادته يا قيدار لو هممت بهذا النور الذى فى وجهك أن تضعه فى مستودعه لكان أفضل لك من اقتنائنا وقنصنا فاتق اله ابراهيم وقد آن لك أن يخرج نور أبى القاسم ﷺ من ظهرك فرجع قيدار الى أهله فزعا مرعوبا فحلف باله ابراهيم أن لا يأكل طيبا ولا يشرب باردا ولا يأتى أنثى حتى يأتيه بيان ما سمع من ألسن الوحوش فبينما هو قاعد مغموم اذ هبط عليه ملك من السماء فى صورة شاب فسلم عليه وقال يا قيدار قد ملكت الارض وقد أعطيت قوّة ابن عمك عيص وقد نقل اليك نور محمد ﷺ وانه كائن لك ولد من غير نسل اسحاق فلو قرّبت لاله ابراهيم قربانا يبين لك التزويج فقام قيدار فانطلق الى البقعة التى ربط فيها اسماعيل حين أريد ذبحه فقرب سبعمائة كبش وقال الهى ان كنت رازقى ولدا فتقبل قربانى وبين لى من أين أتزوّج وكان كلما ذبح كبشا نزلت نار من السماء فى سلسلة بيضاء فتحمل ذلك القربان الى السماء فلم يزل كذلك حتى نودى من السماء وقيل نودى من ورائه أن يكفيك يا قيدار قد استجيب دعاؤك وتقبل قربانك انطلق الى شجرة الوغد فنم فى أصلها وانته الى ما تؤمر به فى مناسك فانطلق قيدار فنام فى أصلها فهتف به هاتف فى منامه فقال له يا قيدار ان هذا النور الذى فى وجهك نور محمد ﷺ وهو النور الذى فتح الله به الانوار وخلق الدنيا لاجله وانه عربى لا ينبغى أن يجرى الا فى العربيات فابتغ لنفسك عربية وليكن اسمها الغاضرة فانتبه قيدار مسرورا ووجه فى شرق الارض وغربها من يطلبها له حتى وجد الغاضرة بنت ملك الجرهميين وكان من ولد ذهل بن عمرو بن يعرب بن قحطان الذى هو من نسل شيث فتزوّجها قيدار فولد له منها حمل وكانت ولادة حمل فى زمن يعقوب وانه قال انى لأجد فى صحف جدّى ابراهيم ﵇ أنه يجرى نور هذا الحبيب المصطفى فى الرجال والنساء من نسل شيث لا يخالطه أحد من نسل قابيل كذا فى المنتقى* ولما ترعرع حمل أخذ قيدار بيده بعد ما أخذ عليه العهد والميثاق فى رعاية نور رسول الله ﷺ وذهب به حتى اذا صار على جبل ثبير استقبله ملك الموت فى صورة رجل شاب وسلم عليه وقال له يا قيدار ناولنى أذنك لا سارّك فتقدّم اليه ليسارّه فقبض روحه من اذنه فخرّ ميتا فغضب ابنه حمل وقال يا هذا قتلت أبى قال له ملك الموت يا غلام انظر الى أبيك أميت هو فانكب لينظر الى أبيه فغاب ملك الموت عن عينه فالتفت حمل عن يمينه وشماله فلم ير احدا فعلم أنه ملك الموت وقيض الله له واحدا من أولاد اسرائيل فغسل أباه وكفنه وفى جبل ثبير دفنه وبقى حمل يتيما يكلأه الله ويرعاه حتى بلغ فتزوّج امرأة من قومه يقال لها سعيدة فولد له منها نبت وفيه نور رسول الله ﷺ فأخذ يسير بسيرة حسنة يحب القنص ويتبع آثار آبائه فولد له الهميسع ولهميسع أدد وانما سمى أدد لانه كان مديد الصوت طويل العز والشرف وقيل أوّل من تعلم بالقلم من ولد اسماعيل أدد فضل بالكتابة على اهل زمانه فولد له عدنان كذا فى سيرة مغلطاى وانما سمى عدنان لان أعين الجنّ والانس كانت اليه وأراد واقتله وقالوا لئن تركنا هذا الغلام حتى يدرك مدارك الرجال ليخرجنّ من ظهره من يسود الناس فوكل الله به من يحفظه ولم تعلم ملته وكان فيه نور
следующие страницы →