Полный текст (908 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادى أنشدكم الله كل من يعلم قبر يوسف الا أخبرنى به ومن لم يعلم فصمت اذناه عن قولى فكان يمرّ بين الرجلين ينادى فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز يقال لها مريم بنت ما موسى فقالت أرأيتك ان دللتك على قبره أتعطينى كل ما سألتك فأبى عليها فقال حتى أسأل ربى فأمره الله بايتاء سؤلها فقالت انى عجوز كبيرة لا أستطيع المشى ما حملنى وأخرجنى من مصر هذا فى الدنيا وأما فى الآخرة فاسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة الا نزلتها معك قال نعم قالت انه فى جوف الماء فى النيل فادفع الله حتى يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر عنه الماء ودعا أن يؤخر طلوع الفجر الى أن يفزغ من أمر يوسف فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه فى صندوق من مرمر وحمله حتى دفنه بالشام فلما أخرج التابوت ظهر الضوء وفتح لهم الطريق فاهتدوا وساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدّمتهم وعلم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا فى طلب بنى اسرائيل حتى يصيح الديك فو الله ما صاح ديك تلك الليلة فخرج فرعون فى طلب بنى اسرائيل وعلى مقدّمته هامان فى ألف ألف وستمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشباب فكان فرعون يكون فى الدهم وقيل كان فرعون فى سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب حراب ومائة ألف أصحاب اعمدة فسارت بنو اسرائيل حتى وصلوا الى البحر والماء فى غاية الزيادة ونظروا فاذاهم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين وقالوا يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا هذا فرعون خلفنا ان أدركنا قتلنا والبحر أمامنا ان دخلناه غرقنا قال الله تعالى فلما تراآى الجمعان قال أصحاب موسى انا لمدركون قال موسى كلا ان معى ربى سيهدين فأوحى الله اليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله اليه أن كنه فضربه وقال انفلق ابا خالد باذن الله فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم فظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنو اسرائيل البحر كل سبط فى طريق وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا فخافوا وقال كل سبط قد قتل اخواننا فأوحى الله الى جبال الماء ان تشبكى فصار الماء شبكات كالطاقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى واذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم من آل فرعون والغرق وأغرقنا آل فرعون وذلك ان فرعون لما وصل الى البحر ورآه منفلقا قال لقومه انظروا الى البحر انفلق من هيبتى حتى أدرك عبيدى الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه وقيل قالوا ان كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون على حصان ادهم ولم يكن فى خيل فرعون فرس انثى فجاءه جبريل على فرس انثى ودفق فتقدّمهم وخاض البحر فلما شم ادهم فرعون ريحها اقتحم البحر فى اثرها ولم يملك فرعون من امره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول خلفه البحر وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشدّهم ويسوقهم حتى لا يشذّ رجل منهم ويقول لهم الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر وخرج جبريل من البحر وهمّ أوّلهم بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وأغرقهم اجمعين وكان بين طرفى البحر أربع فراسخ وهو بحر قلزم طرف من بحر فارس قال قتادة هو بحر وراء مصر يقال له اساف* وفى انوار التنزيل والمدارك هو القلزم او النيل* وفى تفسير الحدّادى هذا البحر هو القلزم يسلك الناس فيه من اليمن الى مصر* وفى القاموس قلزم بلد بين مصر ومكة قرب جبل واليه يضاف بحر القلزم لانه على طرفه وكان ذلك بمر أى من بنى اسرائيل ولما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو اسرائيل ما مات فرعون فأمر الله البحر فألقى فرعون فى الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو اسرائيل فمن ذلك الوقت لا يقبل البحر ميتا أبدا* وفى انوار التنزيل قيل ان موسى لبث
стр. 142
فى القبط ثلاثين سنة ثم خرج الى مدين عشر سنين ثم عاد اليهم يدعوهم الى الله تعالى ثلاثين سنة ثم بقى بعد الغرق خمسين سنة فعلى هذا يكون عمره مائة وعشرين سنة وهارون كان اكبر من موسى بثلاث سنين وكذا فى الكشاف* وروى انه كانت النبوّة والملك متصلين بالشام ونواحيها لولد اسرائيل بن اسحاق الى أن زال عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكريا وبعد عيسى ﵈* وفى الكامل نبئ موسى فى عهد منوجهر وكان ملك منوجهر بعد جدّه افريدون وكان منوجهر من ولد ايرج بن افريدون وكان مولده بدنياوند وقيل بالرىّ* وفى الكامل قيل موسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن لاوى بن يعقوب ابن اسحاق بن ابراهيم وأمّ موسى يوحانذ واسم امرأته صفورا ابنة شعيب النبىّ ﵇ وكان فرعون مصر فى أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثانى وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الاوّل* وكان من مولد موسى الى أن خرج بنو اسرائيل من مصر ثمانون سنة ثم صار الى التيه بعد ان مضى وعبر البحر وكان مقامهم هناك الى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة وكان ما بين مولد موسى الى وفاته فى التيه مائة وعشرين سنة وكان اسم فرعون موسى فيما ذكر الوليد بن مصعب*
ذكر منوجهر سبط ايرج
وفى نظام التواريخ للشيخ ناصر الدين البيضاوى ان منوجهر سبط ايرج بن افريدون لما توفى افريدون قام مقامه وولى عهده منوجهر وعين لكل بلاد حاكما ولكل قرية دهقانا وحفر الفرات وأجرى الماء الى العراق وعمل البساتين وغرس أنواع الاشجار واشتغل بعمارة الملك ولما بلغت مدّة ملكه ستين سنة قصده افراسياب بالعسكر العظيم فهرب منه منوجهر الى طبرستان ولم يتبعه افراسياب فوقع الصلح بينهما على أن يكون ماوراء جيحون وهو نهر بلخ لافراسياب فرجع وفى زمان منوجهر أرسل الله تعالى شعيبا الى أولاد مدين بن اسماعيل بن ابراهيم وبعث موسى وهارون الى فرعون وكان اسمه وليد بن مصعب وكان من أولاد عاد الذين بعثهم شدّاد لحكومة مصر وقصتهم معروفة مشهورة وبعد وفاة منوجهر سار أفراسياب الى فارس واشتغل بقتل العباد وتخريب البلاد ومدّة ملكه عشر سنين الى ان خرج زاب بن طهماسب من اسباط منوجهر وهرب منه افراسياب الى حدود بلاده واشتغل زاب باصلاح ما أفسده وخرّبه أفراسياب وأجرى نهر الماء الى العراق ويسمى ذلك زابين واشتغل بالعدل والانصاف ثلاثين سنة وفوّض ملكه الى ابن أخيه كرشاسف بن كشتاسف الذى كانت أمه بنت بنيامين بن يعقوب وكان ملكه عشر سنين وكان رستم المشهور بدلستان من نسله* وفى الكامل ولما هلك منوجهر ملك فارس أفراسياب من نسل رستم ملك على مملكة فارس وعظم ظلمه وخرب ما كان عامرا ودفن الانهار والقنا وقحط الناس سنة خمس من ملكه الى أن خرج من مملكة فارس ولم تزل الناس منه فى أعظم بلية الى أن ملك روذ بن طهماسب وطرد أفراسياب الترك عن مملكة فارس حتى ردّه الى الترك بعد حروب بينهما فكان أفراسياب على اقليم بابل ومملكة الفرس اثنتى عشرة سنة من لدن توفى منوجهر الى أن أخرج عنها رود وأمر باصلاح ما كان افراسياب أفسده من مملكتهم وبعمارة الحصون وأخرج المياه التى غوّر طرقها حتى عادت البلاد الى أحسن ما كانت ووضع عن الناس الخراج سبع سنين وعمرت البلاد فى ملكه* ثم ملك بعد رود كيقباد ابن زاع بن مبشر بن نود بن منوجهر وقدّر مياه الانهار والعيون لشرب الارض وسمى البلاد بأسمائها وحدّدها بحدودها وأخذ العشر من غلاتها لارزاق الجند وكان كيقباد حريصا على عمارة البلاد وجرت بينه وبين الترك حروب كثيرة وكان مقيما بقرب نهر بلخ وهو جيحون لمنع الترك عن طرق شتى من بلاده وكان ملكه مائة سنة* ومن الانبياء الذين كانوا فى زمان كيقباد حزقيل والياس واليسع وشمويل ﵈ ثم ملك بعد كيقباد ابن ابنه كيكاوس بن كبيسة بن كيقباد فلما ملك حمى بلاده وقتل جماعة
стр. 143
وكان ملكه مائة وخمسين سنة ومن الانبياء والحكماء الذين كانوا فى زمان كيكاوس داود وسليمان ولقمان الحكيم ومن آثاره الرصد الذى ببابل* وملك بعد كيكاوس ابن ابنه كيخسرو وكان ملكه ستين سنة* ومن مشاهير الحكماء الذين كانوا فى عصر كيخسرو فيثاغورس الذى كان تلميذ داود ولقمان الحكيم روى أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد الى ابن عمه كهراسب بن كرخى بن كيكاوس فهو ابن ابن كيكاوس فلما ملك اتخذ سريرا من ذهب فكاله بأنواع الجواهر وبنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ودوّن الدواوين وقوّى ملكه باتخاذ الجنود وعمر الارض وجبى الخراج لارزاق الجند واشتدّت شوكة الجند فنزل مدينة بلح لقتالهم وكان محمودا عند أهل مملكته شديد القمع للملوك المجاورين له شديد التفقد لاصحابه بعيد الهمة عظيم البنيان ثم انه تنسك وفارق الملك واشتغل بالعبادة واستخلف ابنه كشتاسف فى الملك وكان ملك كهراسب مائة وعشرين سنة ومن الانبياء الذين كانوا فى عهد كهراسب أرميا وعزير ﵉ كذا فى نظام التواريخ* وملك بعده كشتاسب بن كهراسب وفى أيام كشتاسب ظهر زرادشت الذى ادّعى النبوّة وتبعه المجوس وكان زرادشت من أهل فلسطين يخدم لبعض تلامذة ارميا النبىّ خاصا به فخانه وكذب عليه فدعا الله تعالى عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان وشرع بها دين المجوس وقيل انه كان من العجم وصنف كتابا وطاف به الارض فما عرف أحد معناه وزعم أنه لغة سمائية خوطب بها وسماه أمتا فسار الى اذربيجان الى فارس فلم يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه فسار الى الهند وعرضه على ملوكها ثم أتى الصين والترك فلم يقبله احد وأخرجوه من بلادهم وقصد فرغانة وأراد ملكها أن يقتله فهرب منه وقصد كشتاسب بن كهراسب فأمر بحبسه فحبس مدّة وشرح زرادشت كتابه وسماه زند ومعناه النفيس ثم شرح النفيس بكتاب سماه بازند يعنى تفسير التفسير وفيه علوم مختلفة كالرياضات وأحكام النجوم والطب وغير ذلك من اخبار القرون الماضية وكتب الانبياء وفى كتابه تمسكوا بما جئتكم به الى أن يجيئكم صاحب الجمل الاحمر يعنى محمدا ﷺ وذلك على رأس ألف سنة وبسبب ذلك وقعت البغضاء بين المجوس والعرب ثم ان كشتاسف أحضر زرادشت وهو ببلخ فلما قدم عليه شرع له دينه فأعجبه واتبعه وقهر الناس على اتباعه وقتل منهم خلقا كثيرا حتى قبلوه وأما المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان وانه نزل على هذا الملك من سقف ايوانه وبيده كبة من نار يلعب بها ولا تحرقه وكل من أخذها بيده لم تحرقه واتبعه الملك ودان بدينه وبنى بيوت النيران فى البلاد واشعل تلك النيران فى بيوتهم وأما المجوس فيزعمون أن النيران التى فى بيوت عبادتهم من تلك النار الى الآن وكذبوا فان النار التى للمجوس طفئت فى جميع البيوت لما بعث الله تعالى نبينا محمدا ﷺ وكان ظهور زرادشت بعد مضى ثلاثين سنة من ملك كشتاسب وأتاه بكتاب زعم انه وحى من الله تعالى فكتب فى جلد اثنتى عشرة ألف بقرة حفرا ونقشا بالذهب وجعله كشتاسب فى موضع باصطخر ومنع تعليمه للعامة وكان كشتاسب وآباؤه قبله يدينون بدين الصابئة* ومن الحكماء الذين كانوا فى زمان كشتاسب سقراط العابد تلميذ فيثاغورس وجاماسب المشهور فى علم النجوم كذا فى نظام التواريخ
*
(ذكر بخت نصر)
* فى الكامل قد اختلف العلماء فى الوقت الذى أرسل فيه بخت نصر على بنى اسرائيل فقيل كان فى عهد ارميا ودانيال وحنينا وعزاريا ومسايل وقيل انما أرسله الله تعالى على بنى اسرائيل لما قتلوا يحيى بن زكريا والاوّل أكثر* وملك بهمن بن اسفنديار وكانت أمه من أولاد طالوت ولما ملك بهمن أمر على بابل ابرش من أسباط جاماسب بن كهراسب الذى كانت أمه بنت واحد من أنبياء بنى اسرائيل وأمره أن يبعث جميع بنى اسرائيل الى بيت المقدس ويعطى رياستهم من أرادوا فجمع ابرش بنى اسرائيل وأعطى رياستهم باتفاقهم دانيال وبعثهم الى مقامهم وأمر بعمارة بيت المقدس وكانت مدّة
стр. 144
ملكه مائة واثنتى عشرة سنة وكان ذيمقراطيس الحكيم وبقراط الطبيب فى عصره* وملك دار ابن بهمن ابن اسفنديار وبنى مدينة بفارس سماها دارا بجرد وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة وكان أقلاطون الالهى تلميذ سقراط العابد فى زمان دارا* وملك بعده ابنه دارا بن داراوينى بأرض الجزيرة بقرب نصيبين مدينة مشهورة الى الآن وكان ملكه أربع عشرة سنة ومن حكماء عصره ارسطاطاليس تلميذ
افلاطون*
(ذكر الاسكندر الملقب بذى القرنين)
* فى الكامل كان فيلقوس أبو الاسكندر اليونانى من أهل بلدة يقال لها مقدونية كان ملكا عليها وعلى بلاد اخرى فصالح دارا على خراج يحمله فيلقوس اليه كل سنة فلما هلك فيلقوس ملك بعده ابنه الاسكندر واستولى على بلاد الروم أجمع وقوى على دارا ولم يحمل اليه من الخراج شيئا وكان الذى يحمله بيضا من ذهب فسخط عليه دارا وكتب اليه يؤنبه بسوء صنيعه فى ترك حمل الخراج فوقعت المحاربة بينهما حتى قتل دارا وظفر الاسكندر ولما مات الاسكندر عرض الملك على ابنه الاسكندروس فأبى واختار العبادة وملك اليونان فيما قيل بطليموس ابن مرغوس وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ثم ملك بعده بطليموس دميانوس أربعين سنة ثم ملك بعده بطليموس أو دايماطس أربعا وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس فيلا قطر احدى وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس افيغالس اثنتين وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس او دايماطس سبعا وعشرين سنة ثم ملك بعده بطليموس من بناطر سبع عشرة سنة ثم ملك بعده بطليموس الاخشندر احدى عشرة سنة ثم ملك بعده بطليموس أخنعى ثمان سنين ثم ملكت بعده قالونطرى سبع عشرة سنة وهى من الحكماء وهؤلاء كلهم من اليونان وكل من كان بعد الاسكندر كان يدعى بطليموس كما كان يدعى ملوك الفرس أكاسرة وملوك الروم قياصرة* وقال بعض العلماء ان بطليموس صاحب المجسطى وغيره من الكتب لم يكن من هؤلاء الملوك وانما كان أيام ملوك الروم ثم ملك الشام فيما قيل بعد قالو نطرى ملك الروم وكان أوّل من ملك منهم جانوس بن مركوس خمسين سنة* ثم ملك بعده اغسطوس ستا وخمسين سنة ولما مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى ابن مريم ﵇ وقيل كان بين مولده وقيام الاسكندر ثلثمائة سنة وثلاث سنين كذا فى الكامل* وفى نظام التواريخ من الانبياء الكبار الذين كانوا فى أيام الملوك الاشكانيين جرجيس النبىّ فى الجزيرة وزكرياء ويحيى وعيسى ﵈ فى الشام* ومن الحوادث الكائنة فى أيامهم واقعة أصحاب الكهف وعيسى بعث فى أيام شابور ابن اشكان وهذا وقع فى البين وقطع اتصال الكلامين فلنرجع لما كنا فيه*
بقية قصة اسماعيل ﵇
روى ان اسماعيل كان ابن تسع وثمانين سنة حين توفى ابراهيم* وفى حياة الحيوان انّ أوّل من ركب الخيل اسماعيل ﵇ ولذلك سميت العراب وكانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش ولذلك قال نبينا ﷺ اركبوا الخيل فانها ميراث أبيكم اسماعيل وتزوّج اسماعيل فى حياة ابراهيم رعلة بنت عمرو فولدت له اثنى عشر ابنا أو عشرة وكان اكبرهم نابت* وفى المنتقى كان أحدهم قيدار وفى العرائس قال العلماء لما كبر اسماعيل وبلغ النكاح تزوّج امراة يقال لها السيدة بنت مضاض الجرهمية وهى التى قال لها ابراهيم اذا جاء زوجك قولى له قد أصلحت عتبة بابك وقد رضيتها لك فولدت لاسماعيل اثنى عشر ولدا منهم نابت وقيدار ومنهم العرب وقيل التى تزوّجها اسماعيل هالة بنت الحارث ابن عمرو الجرهمى* وروى ان الله بعث اسماعيل الى مارب من اليمن وحضرموت فدعاهم الى الاسلام خمسين سنة فآمن له قليل منهم وكان عمره مائة وسبعا وثلاثين سنة ولما حضرته الوفاة أوصى الى أخيه اسحاق أن يزوّج بنته نسيمة للعيص ففعل وتوفى اسماعيل بمكة ودفن فى الحجر مع امّه هاجر وتقول العرب هاجر وآجر فيبدلون الالف من الهاء كما قالوا هراق الماء وأراق الماء وغيره وهاجر كانت
стр. 145
من أرض مصر قال ابن لهيعة أمّ اسماعيل هاجر من أمّ العرب قرية كانت أمام الغرما من أرض مصر وأمّ ابراهيم مارية سرية النبىّ ﷺ الّتى أهداها له المقوقس بن حقن من كورة أنصنا كذا فى سيرة ابن هشام وكان قيدار قد أعطى سبع خصال البأس والشدّة والصراع والرمى والقنص والفروسية واتيان النساء وكان صاحب ضفيرتين يخرج كل يوم الى قنصه وكان يسمع من قنصه ظبية كان أو طير الا تذبحنى حتى تسمى الله ولا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه وكان قد تزوّج مائة امرأة من بنات اسحاق فى سنة يظنّ ان المطهرات التى أمر بنكاحهنّ من ولد اسحاق طمعا أن يولد له منهنّ ولد ولم يحبلن فرجع يوما من قنصه وقد عيرته وحوش الجبال ونادته يا قيدار لو هممت بهذا النور الذى فى وجهك أن تضعه فى مستودعه لكان أفضل لك من اقتنائنا وقنصنا فاتق اله ابراهيم وقد آن لك أن يخرج نور أبى القاسم ﷺ من ظهرك فرجع قيدار الى أهله فزعا مرعوبا فحلف باله ابراهيم أن لا يأكل طيبا ولا يشرب باردا ولا يأتى أنثى حتى يأتيه بيان ما سمع من ألسن الوحوش فبينما هو قاعد مغموم اذ هبط عليه ملك من السماء فى صورة شاب فسلم عليه وقال يا قيدار قد ملكت الارض وقد أعطيت قوّة ابن عمك عيص وقد نقل اليك نور محمد ﷺ وانه كائن لك ولد من غير نسل اسحاق فلو قرّبت لاله ابراهيم قربانا يبين لك التزويج فقام قيدار فانطلق الى البقعة التى ربط فيها اسماعيل حين أريد ذبحه فقرب سبعمائة كبش وقال الهى ان كنت رازقى ولدا فتقبل قربانى وبين لى من أين أتزوّج وكان كلما ذبح كبشا نزلت نار من السماء فى سلسلة بيضاء فتحمل ذلك القربان الى السماء فلم يزل كذلك حتى نودى من السماء وقيل نودى من ورائه أن يكفيك يا قيدار قد استجيب دعاؤك وتقبل قربانك انطلق الى شجرة الوغد فنم فى أصلها وانته الى ما تؤمر به فى مناسك فانطلق قيدار فنام فى أصلها فهتف به هاتف فى منامه فقال له يا قيدار ان هذا النور الذى فى وجهك نور محمد ﷺ وهو النور الذى فتح الله به الانوار وخلق الدنيا لاجله وانه عربى لا ينبغى أن يجرى الا فى العربيات فابتغ لنفسك عربية وليكن اسمها الغاضرة فانتبه قيدار مسرورا ووجه فى شرق الارض وغربها من يطلبها له حتى وجد الغاضرة بنت ملك الجرهميين وكان من ولد ذهل بن عمرو بن يعرب بن قحطان الذى هو من نسل شيث فتزوّجها قيدار فولد له منها حمل وكانت ولادة حمل فى زمن يعقوب وانه قال انى لأجد فى صحف جدّى ابراهيم ﵇ أنه يجرى نور هذا الحبيب المصطفى فى الرجال والنساء من نسل شيث لا يخالطه أحد من نسل قابيل كذا فى المنتقى* ولما ترعرع حمل أخذ قيدار بيده بعد ما أخذ عليه العهد والميثاق فى رعاية نور رسول الله ﷺ وذهب به حتى اذا صار على جبل ثبير استقبله ملك الموت فى صورة رجل شاب وسلم عليه وقال له يا قيدار ناولنى أذنك لا سارّك فتقدّم اليه ليسارّه فقبض روحه من اذنه فخرّ ميتا فغضب ابنه حمل وقال يا هذا قتلت أبى قال له ملك الموت يا غلام انظر الى أبيك أميت هو فانكب لينظر الى أبيه فغاب ملك الموت عن عينه فالتفت حمل عن يمينه وشماله فلم ير احدا فعلم أنه ملك الموت وقيض الله له واحدا من أولاد اسرائيل فغسل أباه وكفنه وفى جبل ثبير دفنه وبقى حمل يتيما يكلأه الله ويرعاه حتى بلغ فتزوّج امرأة من قومه يقال لها سعيدة فولد له منها نبت وفيه نور رسول الله ﷺ فأخذ يسير بسيرة حسنة يحب القنص ويتبع آثار آبائه فولد له الهميسع ولهميسع أدد وانما سمى أدد لانه كان مديد الصوت طويل العز والشرف وقيل أوّل من تعلم بالقلم من ولد اسماعيل أدد فضل بالكتابة على اهل زمانه فولد له عدنان كذا فى سيرة مغلطاى وانما سمى عدنان لان أعين الجنّ والانس كانت اليه وأراد واقتله
وقالوا لئن تركنا هذا الغلام حتى يدرك مدارك الرجال ليخرجنّ من ظهره من يسود الناس فوكل الله به من يحفظه ولم تعلم ملته وكان فيه نور
стр. 146
رسول الله ﷺ * وفى الاكتفاء ومن عدنان تفرّقت القبائل من ولد اسماعيل فولد لعدنان ابنان معدّ بن عدنان وعك بن عدنان* وفى غيره تزوّج عدنان امرأة من قومه يقال لها الامينة فولدت له معدّا انتهى فصارعك فى دار اليمن لان عكا تزوّج فى الاشعريين منهم وأقام فيهم فصارت الدار واللغة واحدة والاشعريون هم بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو ابن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقحطان عند جمهور العلماء بالنسب أبو اليمن كلها واليه يجتمع نسبها والعرب كلها عندهم من ولد اسماعيل وقحطان* قال ابن اسحاق وجماعة ان قحطان هو ابن غابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇ وبعض أهل اليمن يقول قحطان من ولد اسماعيل واسماعيل أبو العرب كلها والله أعلم وأما معدّ بن عدنان ففيه نور رسول الله ﷺ ولم تعرف ملته وانما سمى معدّا لانه كان صاحب حروب وغارات على بنى اسرائيل ولم يحارب أحدا الارجع بالنصر والظفر* وفى الاكتفاء ذكر الزبير بن بكار أن بخت نصر لما أمر بغز وبلاد العرب وادخال الجنود عليهم فيها وقتل مقاتلتهم لانتهاكهم معاصى الله تعالى واستحلالهم محارمه وقتلهم أنبياء وردّهم رسالاتهم امر ارميا بن حلقيا وكان فيما ذكر نبىّ بنى اسرائيل فى ذلك الزمان أن ائت معد بن عدنان الذى من ولده محمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين فأخرجه عن بلاده واحمله معك الى الشام وتول أمره قبلك ويقال بل المحمول عدنان والاوّل أكثر* وفى حديث ابن عباس ان الله بعث ملكين فاحتملا معدّا فلما أدبر الامر ردّاه فرجع الى موضعه من تهامة بعد ما رفع الله بأسه عن العرب فكان بمكة وناحيتها مع أخواله من جرهم وبها منهم بقية وهم ولاة البيت يومئذ فاختلط بهم وناكحهم فولد معد بن عدنان نفرا منهم قضاعة وكان بكره الذى به يكنى فيما يزعمون وقنص بضم القاف وفتحها وفتح النون كذا ضبطه الحافظ عبد الكريم ونزار واياد أما قضاعة فتيامنت الى حمير بن سبأ يروى انه واضع الخط العربى قال ابن هشام أوّل من كتب الخط العربى حمير بن سبأ علمه مناما قال ابن عبد البر عن النبىّ ﷺ أوّل من كتبه اسماعيل ﵇ قال شارح القصيدة العقيلية للشاطبى هو الخط الكوفى استنبط منه نوع نسب الى ابن مقلة ثم آخر نسب الى علىّ بن البوّاب وعلى هذا استقرّ رأى الكتاب انتهى وانتمت قضاعة الى ابن حمير مالك بن حمير حتى قال قائلهم يفتخر بذلك
نحن بنو الشيخ الهجان الازهر ... قضاعة بن مالك بن حمير
والنسب المعروف غير المنكر
وأنكر كثير من الناس منتماهم هذا وأما قنص بن معد فهلكت بقيتهم فيما زعموا وكان منهم النعمان بن المنذر ملك حمير وقد ذكر أيضا فى بنى معد الضحاك بن معد* ذكر الزبير باسناد له الى مكحول قال اغار الضحاك ابن معدّ على بنى اسرائيل فى أربعين رجلا من بنى معد عليهم دراريع الصوف خاطمى خيلهم بحبال الليف فقتلوا وسبوا وظفروا فقالت بنو اسرائيل يا موسى ان بنى معدا غاروا علينا وهم قليل فكيف لو كانوا كثيرا وأغاروا علينا وأنت بيننا فادع الله عليهم فتوضأ وصلّى وكان اذا أراد حاجة من الله صلّى ثم قال يا رب ان بنى معد أغاروا على بنى اسرائيل فقتلوا وسبوا وظفروا فسألونى ان أدعوك عليهم فقال الله لا تدع عليهم فانهم عبادى وانهم ينتهون عند أوّل أمرى وان فيهم نبيا أحبه وأحب أمته قال يا رب ما بلغ محبتك له قال اغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر قال يا رب ما بلغ محبتك لامته قال يستغفرنى مستغفرهم فاغفر له ويدعونى داعيهم فاستجيب له قال يا رب فاجعلهم من أمتى قال نبيهم منهم قال يا رب فاجعلنى منهم قال تقدّمت واستأخروا قال الزهرى وحدّثنى علىّ بن المغيرة قال لما بلغ بنو معدّ عشرين رجلا أغاروا
стр. 147
على عسكر موسى ﵇ فدعا عليهم فلم يجب فيهم ثلاث مرّات فقال يا رب دعوتك على قوم فلم تجبنى فيهم بشىء فقال يا موسى دعوتنى على قوم منهم خيرتى فى آخر الزمان* وأما نزار بن معد فلم تدر ملته وفيه نور رسول الله ﷺ وانما سمى نزارا بكسر النون من النزر وهو القليل لان معدا نظر الى نور رسول الله ﷺ فى وجهه فقرّب له قربانا عظيما وقال لقد استقللت لك هذا القربان وانه نزر قليل فسمى نزار او خرج أجمل أهل زمانه وأكثرهم عقلا* وفى الوفاء يقال ان قبر نزار بن معد وقبر ابنه ربيعة بن نزار بذات الجيش قرب المدينة وتزوّج امرأة يقال لها عبيدة فولدت له مضر وكان مسلما على ملة ابراهيم وفيه نور رسول الله ﷺ وانما سمى مضر لانه أخذ بالقلب ولم يكن يراه أحد الا أحبه يقال انه هو أوّل من سنّ الحداء للابل وكان من أحسن الناس صوتا وقيل بل أوّل من سنّ الحداء للابل عبد له ضرب مضر يده ضربا وجيعا فقال يا يداه يا يداه فشرع يحدو وكان حسن الحداء* وفى الاكتفاء ولد نزار بن معدّ أربعة بنين مضر وربيعة وأنمارا وايادا واليه دفع أبوه حجابة الكعبة فيما ذكره الزبير وأمهم سودة بنت عك بن عدنان وقيل هى أمّ مضر خاصة وأم اخوته الثلاثة اختها شقيقة بنت عك بن عدنان وقد قيل ان ايادا شقيق لمضر أمهما معا سودة فأنمار هو أبو بجيلة وخثعم وقد تيامنت بجيلة الا من كان منهم بالشام والمغرب فانهم على نسبهم الى أنمار بن نزار وجرير بن عبد الله صاحب رسول الله ﷺ سيد من سادات بجيلة وله يقول القائل
لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله
وكذا تيامنت الدار أيضا بخثعم وهم بنو قيل بن أنمار وانما خثعم جبل تحالفوا عنده فسموا به وهم بالسراة على نسبهم الى أنمار ولذا لما كانت بين مضر واليمن فيما هنالك حرب كانت خثعم مع اليمن على مضر
قصة الافعى الجرهمى
ويروى أن نزارا لما خضرته الوفاة قسم ماله بين بنيه الاربعة مضر وربيعة واياد وانمار فقال هذه القبة لقبة كانت له حمراء من أدم وما أشبهها من المال لمضر وهذا الخباء الاسود وما أشبهه لربيعة وهذه الخادم وكانت شمطاء وما أشبهها لاياد وهذه البدرة والمجلس لانمار يجلس فيه وقال لهم ان أشكل عليكم الامر فى ذلك واختلفتم فى القسمة فعليكم بالافعى الجرهمى وكان بنجر ان فلما مات نزار اختلفوا بعده وأشكل أمر القسمة عليهم فتوجهوا الى الافعى فبينما هم فى مسيرهم اليه اذر أى مضر كلأ قدرعى فقال ان البعير الذى رعى هذا لأعور وقال ربيعة وهو أزور وقال اياد وهو أبتر وقال أنمار وهو شرود فلم يسيروا الا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر أهو أعور قال نعم قال ربيعة أهو أزور قال نعم قال اياد أهو أبتر قال نعم قال أنمار أهو شرود قال نعم هذه والله صفة بعيرى دلونى عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه فلزمهم وقال كيف أصدّقكم وأنتم تصفون بعيرى بصفته فساروا حتى وصلوا نجران ونزلوا بالافعى الجرهمى فنادى صاحب البعير هؤلاء أصابوا بعيرى فانهم وصفوا لى صفته ثم قالوا لم نره أيها الملك فقال الافعى كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت انه أعور وقال ربيعة رأيت احدى يديه ثابتة الاثر والاخرى فاسدة الاثر فعلمت أنه أفسدها بشدّة وطئه لازوراره وقال اياد عرفت بتره باجتماع بعره ولو كان ذيالا لمصع به وقال أنمار عرفت انه شرود لانه كان يثوى فى المكان الملتف نبته ثم يجوزه الى مكان أرق منه وأخبث قال الافعى للشيخ ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم وقال تحتاجون الىّ وأنتم كما أرى ثم خرج عنهم وأرسل لهم طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا فقال مضر لم أر كاليوم خمرا أجود لولا انها نبتت على قبر وقال ربيعة لم أر كاليوم لحما أطيب لولا انه ربى بلبن كلبة وقال اياد لم أر كاليوم خبزا اجود لولا ان التى عجنته حائض وقال أنمار لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا انه ليس لابيه الذى يدعى له وكان الافعى وكل بهم من يسمع كلامهم فأعلمه بما سمع منهم فطلب
стр. 148
صاحب شرابه وقال الخمر التى جئت بها ما قصتها قال هى من حبلة غرستها على قبر أبيك لم يكن عندنا شراب أطيب منها وسأل الراعى عن امر اللحم قال لحم شاة أرضعتها من لبن كلبة ولم يكن فى الغنم اسمن منها فدخل داره وسأل الامة التى عجنت العجين فأخبرته انها كانت حائضا فأتى أمه وسأل منها فأخبرته انهما كانت تحت ملك لا يولد له ذرّية فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها فأتت به فعجب من أمرهم ودس عليهم من يسألهم عما قالوا فقال مضر انما علمت انها من كرمة غرست على قبر لان الخمر اذا شربت أزالت الهمّ وهذه بخلاف ذلك لاننا لما شربناها دخل علينا الغم* وفى الاكتفاء قال مضر لانه أصابنا عطش شديد وقيل لان الكرم اذا نبت على قبور يكون انفعاله قليلا وقال ربيعة انما علمت انه لحم شاة رضعت من كلبة لان لحم الضأن وسائرا للحوم يكون شحمها فوق اللحم الا لحم الكلب فانه عكس ذلك فرأيته موافقا له فعلمت أنه لحم شاة رضعت من كلبة فاكتسب اللحم منها هذه الخاصية* وفى الاكتفاء قال ربيعة لان لحم الكلب يعلو شحمه وقيل لانى شممت منه رائحة الكلبة وقال اياد انما علمت أن الملك ليس لابيه الذى يدعى اليه لانه صنع طعاما ولم يأكل معنا فعرفت ذلك من طباعه لان أباه لم يكن كذلك وقال انمار انما علمت أن الخبز عجنته حائض لان الخبز اذافت انتفش فى الطعام وهو بخلاف ذلك فقال ما هؤلاء الا شياطين ثم أتاهم فقال لهم قصوا علىّ قصتكم فقصوا عليه ما أوصى به أبوهم وما كان من اختلافهم فقال ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر فصارت اليه الدنانير والابل وهى حمر فسميت مضر الحمراء قال وما أشبه الخباء الاسود من دابة ومال فهو لربيعة فصارت له الخيل وهى دهم فسمى ربيعة الفرس قال وما أشبه الخادم وكانت شمطاء من مال فيه بلق فهو لاياد فصارت له الماشية البلق وقضى لانمار بالدارهم والارض فساروا من عنده على ذلك* وكان يقال ربيعة ومضر هما الصريحان من ولد اسماعيل وروى ميمون بن مهران عن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال لا تنسبوا مضر وربيعة فانهما كانا من المسلمين وقال ﷺ فيما روى عنه اذا اختلف الناس فالحق مع مضر وسمع ﷺ قائلا يقول
انى امرؤ حميرى حين تنسبنى ... لا من ربيعة آبائى ولا مضرا
فقال رسول الله ﷺ ذلك أبعد لك من الله تعالى ورسوله ومما يؤثر من حكم مضر بن نزار ووصاياه من يزرع شرّا يحصد ندامة وخير الخير أعجله فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم واصرفوا عن هواها فيما أفسدها وليس بين الاصلاح والافساد الاصبر فواق* وتزوّج مضر خزيمة فولدت له الياس بكسر الهمزة عند ابن الانبارى وبفتحها عند قاسم بن ثابت ضدّ الرجاء واللام فيه للتعريف والهمزة للوصل قال السهيلى هذا أصح كذا فى المواهب اللدنية واسم الياس حبيب كذا فى سيرة مغلطاى وفيه نور رسول الله ﷺ وانما سمى الياس لان مضر كان قد كبر ولم يولد له ولد فولد على الكبر واليأس فسماه الياس* وفى حياة الحيوان كان الياس مؤمنا وكان يسمع من صلبه تلبية النبىّ ﷺ بالحج فيتعجب منه* وفى عبارة المنتقى وكان يسمع أحيانا من ظهره دوى تلبية رسول الله ﷺ ولم تزل العرب تعظم الياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة كلقمان وأشباهه وكان يدعى كبير قومه وسيد عشيرته ولا يقطع أمر ولا يقضى لهم دونه* وفى الاكتفاء فولد مضر بن نزار ابنين الياس بن مضر وغيلان بن مضر قال الزبير أمهما الخنفاء بنت اياد بن معد وقال ابن هشام أمهما جرهمة ولما أدرك الياس بن مضر أنكر على بنى اسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم وبان فضله عليهم وألان جانبه لهم حتى جمعهم وردّهم على سنن آبائهم وهو أوّل من أهدى البدن الى البيت أو فى زمانه وأوّل من وضع الركن للناس بعد هلاكه حين غرق البيت وانهدم
стр. 149
زمن نوح ﵇ فكان أوّل من سقط عليه الياس أوفى زمانه فوضعه فى زاوية البيت للناس ومن الناس من يقول انما هلك الركن بعد ابراهيم واسماعيل ﵉ وهو الاشبه ان شاء الله تعالى فتزوّج الياس بن مضر امرأة يقال لهامخه* وفى حياة الحيوان خندف فولدت له مدركة وكان اسمه عامرا قال ابن اسحاق ويقال عمرو وانما سمى مدركة لانه أدرك كل عز كان فى آبائه وفيه نور رسول الله ﷺ * وفى الاكتفاء فولد الياس بن مضر ثلاثة نفر مدركة وطابخة وقعة وأمهم خندف بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة واسمها ليلى واسم مدركة عامر واسم طابخة عمرو واسم قمعة عمير وانما حالت أسماؤهم الى الذى ذكرناه أوّلا عنهم فيما ذكروا أن أرنبا أنفرت ابل الياس بن مضر فصاح ببنيه هؤلاء أن يطلبوا الابل والارنب فأما عمير فاطلع من المظلة ثم قمع فسمى قمعة وخرج عامر وعمرو فى آثار الابل وخرجت أمهم ليلى تسعى خلفهم فقال لها زوجها الياس أين تخندفين أى تسعين فسميت خندف ومرّ عامر وعمرو بظبى فرماه عمرو فقتله ويقال بل رمى الارنب التى نفرت الابل فقال له عامر اطبخ صيدك وأنا أكفيك الابل فطبخ عمرو فسمى طابخة وأدرك الابل عامر فسمى مدركة واشتهر بنو خندف هؤلاء بأمهم خندف للذى سار من فعلها فى الناس وكانت وفاة الياس يوم الخميس فولد مدركة بن الياس نفرا منهم خزيمة بن مدركة وهذيل بن مدركة وأمهما امرأة من قضاعة قيل هى سلمى بنت سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة وقيل غير ذلك كذا فى الاكتفاء وقال فى غيره اسم أم خزيمة قزيمة وانما سمى خزيمة تصغير خزمة لانه خزم نور آبائه وفيه نور رسول الله ﷺ فبقى سنين لا يدرى كيف يتزوّج حتى أرى فى منامه أن تزوّج برّة بنت طابخة فتزوّجها وكانت يومئذ سيدة قومها فى الحسن والجمال فولدت له كنانة* وفى الاكتفاء فولد خزيمة بن مدركة كنانة وأسدا وأسدة والهون وأم كنانة منهم عوانة بنت سعد بن قيس بن غيلان بن مضر وقيل هند بنت عمرو بن قيس ابن غيلان قرأته بخط أحمد بن يحيى بن جابر وأمّ سائر بنيه برة بنت مرّ أخت تميم بن مر بن أدبن طابخة وفى كنانة نور رسول الله ﷺ وانما سمى كنانة لانه لم يزل فى كن من قومه فتزوّج كنانة ريحانة فولدت له النضر بن كنانة واسمه قيس كذا فى المنتقى والمواهب اللدنية وانما سمى النضر لنضارة وجهه وجماله* وفى ذخائر العقبى أم النضربرة بنت مرّ أخت تميم بن مر فهى مرية وثالثة عشر من الجدّات الابويات النبويات فتميم أخوال قريش لان قريشا من النضر تقرّشت* وفى المنتقى هو الذى اختاره الله تعالى بالبسط وسماه قريشا وكل من ولد من النضر فهو قرشى ومن لم يلده النضر فليس بقرشى* وفى أنوار التنزيل وقريش ولد النضر بن كنانة منقول من تصغير قرش وهو دابة عظيمة فى البحر تعبث بالسفن ولا تطاق الا بالتار فسموا بها لانها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى وتصغير الاسم للتعظيم وكذا عبارة المدارك بعينها الا أن فيها سموا بذلك لشدّتهم ومنعتهم تشبيها بها وعن ابن عباس وقد سئل عن سبب تسميتهم قريشا قال بدابة فى البحر من أحسن دوابه لا تدع شيئا من الغث والسمين الا أتت عليه يقال لها القرش وأنشد الجمحى
وقريش هى التى تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
سلطت بالعلوّ فى لجة البحر ... على ساكنى البحور جيوشا
تأكل الغث والسمين ولا ... تترك منهم لذى الجناحين ريشا
هكذا فى البلاد حى قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبىّ ... يكثر القتل فيهم والخموشا
تملأ الارض خيله ورجال ... يحشرون المطىّ حشر المليشا
стр. 150
وقيل من القرش وهو الجمع والكسب لانهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم فى البلاد* وفى ذخائر العقبى قريش هو فهر بن مالك وقيل النضر بن كنانة وهو قول ابن اسحاق* وفى المواهب اللدنية واسم فهر بن مالك قريش واليه تنسب قريش فما كان فوقه فكنانى لا قرشى وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق فولد كنانة بن خزيمة أربعة نفر النضر بن كنانة ومالك بن كنانة وعبد مناة بن كنانة وملكان ابن كنانة فأم النضر برّة بنت مرّ بن أدبن طابخة بن الياس بن مضر وسائر بنيه لامرأة أخرى قال ابن هشام امّ النضر ومالك وملكان برّة بنت مر وامّ عبد مناة هالة بنت سويد بن الغطريف من أسد شنوءة سموا شنوءة لشنآن كان بينهم والشنآن البغض قال ابن هشام النضر هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشى ومن لم يكن من ولده فليس بقرشى* وفى الاكتفاء فولد كنانة بن خزيمة جماعة منهم النضر وبه كان يكنى ونضر ومالك وملكان وعمرو وعامر وأمهم برة بنت مر خلف عليها كنانة بعد أبيه خزيمة على ما كانت الجاهلية تفعله فى الجاهلية اذا مات الرجل خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف ويقال ان برّة هذه أهديت أوّلا الى خزيمة بن مدركة قالت له انى رأيت فى المنام كأنى ولدت غلامين من خلاف بينهما سائبا فبينما أنا أتأمّلهما اذا أحدهما أسد يزأر والآخر قمر ينير فأتى خزيمة كاهنة بتهامة فقص عليها الرؤيا فقالت لئن صدقت فى رؤياها لتلدنّ منك غلاما يكون لولده قلوب باسلة ثم لتموتن عنها فيخلف عليها ابن لك فتلد منه غلاما يكون لولده عدل وعدد وقروم مجد وعز الى آخر الابد ثم توفى خزيمة فخلف عليها كنانة بعد أبيه فولدت له النضر واخوته وأتى أباه كنانة آت وهو نائم فى الحجر فقيل له تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر فقال كل يا رب فصار هذا كله فى قريش* قال الشيخ تاج الدين عبد الباقى بن العمك اليمنى فى كتاب غريب الشفاء ولنذكر هنا فائدة جليلة وهى الذى عليه أكثر أهل السير أن كنانة خلف على برّة بعد أبيه خزيمة على عادة أهل الجاهلية فى أن أكبر ولد الرجل يخلف على زوجته اذا لم يكن منها وهو مشكل لان رسول الله ﷺ يقول كلنا نكاح ليس فينا سفاح ما ولدت من سفاح أهل الجاهلية وذكر السهيلى وغيره أعذارا منها أن الله تعالى يقول ولا تنتكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف أى ما قد سلف تحليل ذلك قبل الاسلام وفائدة هذا الاستثناء أن لا يعاب نسب رسول الله ﷺ وليعلم أنه ليس فى أجداده سفاح ألا ترى انه لم يقل فى شىء نهى عنه فى القرآن الا ما قد سلف الا فى هذه الآية وفى الجمع بين الاختين وما عدا ذلك فلا* وذكر الحافظ أبو عثمان عمرو بن بحر فى كتاب له سماه كتاب الاصنام قال وخلف كنانة بن خزيمة بن مدركة على زوجة أبيه بعد وفاته وهى برة بنت أدّبن طابخة بن الياس بن مضر وهى أمّ أسد بن الهون بن خزيمة ولم تلد لكنانة ولدا وكانت ابنة أخيها وهى برة بنت مرّ بن طابخة تحت كنانة بن خزيمة فولدت له النضر بن كنانة قال وانما غلط كثير من الناس لما سمعوا ان كنانة خلف على زوجة أبيه برّة لاتفاق اسمهما وتقارب نسبهما قال هذا الذى عليه مشايخنا من أهل العلم بالنسب قال ومعاذ الله أن يكون أصاب النبى ﷺ مقت نكاح وقال من اعتقد غير ذلك فقد أخطأ وشك فى الخبر ويؤيد ذلك قوله ﷺ تنقلت فى الاصلاب الزكية الى الارحام الطاهرة* قلت ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى تفسير قوله تعالى وتقلبك فى الساجدين أى من نبىّ الى نبىّ حتى أخرجتك نبيا انتهى فعلى هذا التقدير لم تكن رؤيا برة المذكورة سابقا من انها رأت فى المنام كأنها ولدت غلامين الى آخرها ثابتة صحيحة والنضر هو
جماع قريش فى قول طائفة من أهل العلم بالنسب والاكثر على ان فهر بن مالك بن النضر هو
стр. 151
قريش فمن كان من ولده فهو قرشى ومن لم يكن من ولده فليس بقرشى وذكر الزبير أن هذا هو رأى كل من أدرك من نساب قريش* وفى المنتقى والنضر هو الذى رأى فى منامه وهو نائم فى الحجر شجرة خضراء خرجت من ظهره ولها أغصان بعدد الاوّلين والآخرين وقد ارتفع بعض أغصانها الى السماء وله نور فى نور الشمس وقد تعلق به قوم بيض الوجوه من لدن ظهره فلما انتبه أتى الكاهنة فأخبرها بذلك فقالت لئن صدقت رؤياك لقد صرف اليك العز وخصصت باسم ونسب لم يخص به من كان قبلك فتزوّج النضر ابن كنانة هند بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن غيلان فهى قيسية وثانية عشر من الجدات النبويات الابويات فولدت له مالكا وانما سمى مالكا لانه ملك العرب* وفى سيرة ابن هشام فولد النضر ابن كنانة رجلين مالك بن النضر ويخلد بن النضر فأم مالك عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن غيلان ولا أدرى أهى أم يخلد أولا قال ابن هشام والصلت بن النضر فيما قال أبو عمرو الدانى أمهم جميعا بنت سعد ابن ظرب العدوانى عدوان بن عمرو بن قيس بن غيلان* وفى الاكتفاء فولد النضر بن كنانة مالكا ويخلد والصلت انتهى وتزوّج مالك جندلة بنت الحارث بن جندل بن عامر بن سعد بن الحارث بن مضاض الجرهمى فهى جرهمية وحادية عشرة من الجدّات النبويات فولدت له فهر بن مالك وهو جماع قريش عند الاكثر* قال الزبير قد أجمع النساب من قريش وغيرهم على أن قريشا انما تفرّقت عن فهر* وفى الاكتفاء ويقال ان قريشا هو اسمه الذى سمته به امّه ولقبته فهرا فتزوّج سلمى بنت سعد ابن هذيل فهى هذلية وعاشرة الجدّات النبويات فولدت له غالبا* وفى الاكتفاء فولد فهر بن مالك غالبا ومحاربا والحارث وأسدا وأختهم جندلة وأمهم جميعا ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركه فتزوّج غالب وحشية بنت مدلج بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة فهى كنانية وتاسعة الجدّات النبويات فولدت له لويا بالهمز تصغير اللأى وهو الثور* وفى الاكتفاء فولد غالب بن فهر لؤيا وتيما وهو الازرم كان منقوص الذقن ويقال لقومه بنو الازرم وأمهما فى قول ابن اسحاق سلمى بنت عمر والخزاعى وفى قول الزبير عاتكة بنت يخلد بن النضر* قال ابن هشام وقيس بن غالب وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعى فتزوّج لؤى بن فهر سلمى بنت محارب من فهم أو فهر الخط فى الاصل توهم فهى فهمية أو فهرية وثامنة الجدّات النبويات فولدت كعبا وكان يوم الجمعة يسمى يوم العروبة فكعب أوّل من سماه الجمعة لاجتماع قومه اليه فيه فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبىّ ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده ويأمرهم باتباعه والايمان به وينشد فى ذلك أبياتا منها قوله
يا ليتنى شاهد نجواء دعوته ... اذا قريش تبغى الحق خذلانا
وفى الاكتفاء فولد لؤى بن غالب كعبا وعامر اوسامة وعوفا وسعدا وخزيمة* وفى سيرة ابن هشام فأم كعب وعامر وسامة ماوية بنت كعب بن القين بن جسر بن قضاعة* قال ابن هشام ويقال والحارث بن لؤى وهم جشم بن الحارث بن هزان بن ربيعة وامّ بنى لؤى كلهم الاعامر بن لؤى ماوية بنت كعب بن القين بن جسر وامّ عامر بن لؤى مخشبة بنت شيبان بن محارب بن فهر فدخل بنو خزيمة فى شيبان بن ثعلبة ويسمون فيهم بعائدة وهى امرأة من اليمن كانت أمّ بنى عبيد بن خزيمة بن لؤى فنسبوا اليها وكذلك دخل بنو سعد أيضا فى شيبان بن ثعلبة ويسمون فيهم ببنانة خاضنة كانت لهم من بنى القين من قضاعة وقيل بنت النمر بن قاسط من ربيعة فنسبوا اليها* قال ابن اسحاق وأما سامة بن لؤى فخرج الى عمان ويزعمون ان عامر بن لؤى أخرجه وذلك انه كان بينهما شىء ففقأ سامة عين عامر فأخافه عامر فخرج الى عمان فيزعمون ان سامة بن لؤى بينما هو يسير على ناقته اذ وضعت رأسها ترتع فأخذت حية بمشفرها فهصرتها حتى وقعت النافة لشقها ثم نهشت سامة فى ساقة فقتلته* قال ابن اسحاق وأما عوف بن لؤى
стр. 152
فانه خرج فيما يزعمون فى ركب من قريش حتى اذا كان فى أرض غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان أبطأ به فانطلق من كان معه من قومه فأتاه ثعلبة بن سعد وهو أخوه فى نسب بنى ذبيان ثعلبة بن سعد ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان فحبسه والطاطه وآخاه وزوّجه فانتسب بتلك المؤاخاة الى سعد ابن ذبيان الى ثعلبة وثعلبة فيما يزعمون هو القائل
احبس علىّ ابن لؤى جملك ... تركك القوم ولا منزل لك
وأما كعب بن لؤى وعامر بن لؤى فهما أهل الحرم وصريح ولد لؤى وكان كعب منهما عظيم القدر فى العرب وأرّخوا بموته اعظاما له الى ان كان عام الفيل فأرّخوا به وكان بين موته والفيل فيما ذكروا خمسمائة سنة وعشرون سنة كذا فى الاكتفاء* وفى شواهد النبوّة بين موت كعب ومبعث نبينا ﷺ خمسمائة وستون سنة وتزوّج كعب وحشية بنت شيبان بن محارب من فهم فهى فهمية أيضا وسابعة الجدّات النبويات فولدت له مرّة* وفى الاكتفاء فولد كعب بن لؤى مرّة وهصيصا وعديا وأمهم وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهم بن مالك وقيل ان أمّ عدى وحده امرأة من فهم وهى حبيبة بنت بجالة بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن غيّلان بن مضر بن نزار فتزوّج مرّة نعمى بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة فهى كنانية وسادسة الجدّات النبويات الابويات فولدت له كلابا واسمه حكيم وقيل عروة كذا فى سيرة مغلطاى والمواهب اللدنية وهو اما منقول من المصدر الذى فى معنى المكالبة نحو كالبت العدوّ مكالبة وكلابا واما من الكلاب جمع كلب لانهم يريدون الكثرة كما يسمون بسباع*
نفيسة فى تسمية العرب أولادها بشر الاسماء
وسئل اعرابى لم تسمون أولادكم بشرّ الاسماء نحو كلب وذئب وعبيدكم بأحسن الاسماء نحو مرزوق ورباح فقال انما نسمى أبناءنا لاعدائنا وعبيدنا لانفسنا يريدون ان الابناء عدّة للاعداء وسهام فى نحورهم فاختاروا لهم هذه الاسماء* وفى الاكتفاء فولد مرّة بن كعب كلابا وتيما ويقطة قال ابن اسحاق فأم كلاب هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك ابن كنانة بن خزيمة وأم يقطة البارقية امرأة من بارق الاسد من اليمن ويقال هى أم تيم ويقال تيم لهند بنت سرير بن كلاب كذا فى سيرة ابن هشام فتزوّج كلاب فاطمة بنت سعد من ازد السراة فهى أزدية وخامسة الجدّات النبويات* فولدت له قصيا واسمه زيد وقال الشافعى يزيد فيما حكاه أبو احمد كذا فى سيرة مغلطاى وفيه نور رسول الله ﷺ وفى الاكتفاء فولد كلاب رجلين قصيا وزهرة وأمهما فاطمة بنت سعد ابن سيل أحد الجدرة من خثعمة الاسد من اليمن واسم سيل خير وانما سمى سيلا لطوله وسيل اسم جبل وهو خير بن حماله بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن خثعمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نضر بن الازد وسمى عامر الجادر لانه بنى جدار الكعبة كان وهى من سيل أتى أيام ولاية جرهم البيت وكان عامر تزوّج منهم بنت الحارث بن مضاض وقيل لولده الجدرة لذلك وذكر الشرقى بن القطامى أن الحاج كانوا يتمسحون بها ويأخذون من طينها وحجارتها تبرّكا بذلك فان عامرا هذا كان موكلا باصلاح ما شعث من جدرها فسمى الجادر والله أعلم وسعد بن سيل جدّ قصى بن كلاب هو أوّل من حلى السيف بالفضة والذهب وأهدى الى كلاب بن مرّة مع ابنته فاطمة سيفين محليين فجعلا فى خزانة الكعبة وقصى هو الذى جمع الله به قريشا وكان اسمه زيدا فسمى مجمعا لما جمع من أمرها قال الشاعر
أبوكم قصىّ كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
وسمى قصيا تصغير قصى لتقصيه أى تبعده عن بلاد قومه فى بلاد قضاعة مع امه فاطمة بعد وفات أبيه كلاب بن مرّة وذلك انه لما هلك أبوه كلاب بن مرّة خلف ولديه زهرة وقصيا مع أمهما فاطمة بنت
стр. 153
سعد بن سيل بن عذره وزهرة حينئذ رجل وقصى فطيم فقدم مكة بعد مهلك كلاب حاج من قضاعة فيهم ربيعة بن حزام بن ضبة بن عبد كبير بن عذره فتزوّج فاطمة بنت سعد فاحتملها الى بلاده فاحتملت ابنها قصيا لصغره وأقام زهرة فى قومه فولدت فاطمة لربيعة رزاحا فكان أخا قصى لامه وكان لربيعة بنون ثلاثة من امرأة اخرى وهم حن ومحمود وجلهمة بنى ربيعة وأقام قصى مع امه فى أرض قضاعة لا ينسب الا الى ربيعة ابن حزام الى أن كبر وخرج فى حاج قضاعة فى الشهر الحرام حتى قدم مكة الى قومه وهذا سبب تسميته قصيا فخرج قصى شابا جميلا ورجلا جلد او عالم قريش وأقومها بالحق وأوّل من ولى سدانة البيت الكعبة من قريش* قال ابن اسحاق بعد اخراج جرهم وقطورا من مكة ثم ان غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة وكان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى وقريش اذ ذاك حلول وصرم وبيوتات متفرّقون فى قومهم من بنى كنانة فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية على لفظ المنسوب الى حبشة قال ابن هشام ويقال حبشة يعنى بضم الحاء وسكون الباء الموحدة ابن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى* وفى الاكتفاء وخطب قصى الى حليل ابنته حبى فعرف حليل النسب ورغب فى الرجل فزوّجه وحليل يومئذ يلى أمر مكة والحكم فيها وحجابة البيت فأقام قصى معه بمكة وولدت له حبى أربعة بنين عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا فلما انتشر ولد قصى وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل ورأى قصى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر وان قريشا فرع اسماعيل وابراهيم ﵉ وصريح ولده فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة ودعاهم الى اخراج خزاعة وبنى بكر من مكة فأجابوه الى ذلك فكتب عند ذلك قصى الى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة يدعوه الى نصرته والقيام معه فخرج رزاح ومعه اخوته لابيه حن ومحمود وجلهمة فيمن تبعهم من قضاعة فى حاج العرب وهم مجمعون لنصر قصى والقيام معه فلما اجتمع الناس بمكة وفرغوا من الحج ولم يبق الا أن يصدر الناس كان أوّل ما تعرض له قصى من المناسك أمر الاجازة للناس بالحج وكانت صوفة هى التى تلى ذلك مع الدفع بهم من عرفة ورمى الجمار وهم ولد غوث بن مرفولى غوث الاجازة بالناس وتحيز بهم اذا نفروا واذا كان يوم النفر أتوا لرمى الجمار ورجل من صوفة يرمى للناس لا يرمون حتى يرمى فاذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبى العقبة فحبسوا الناس وقالوا جيزى صوفة فلم يجز أحد حتى يمرّوا فاذا نفدت ومضت خلى سبيل الناس وانطلقوا بعدهم وكانت اجازة الافاضة من المزدلفة فى عدوان بن عمرو بن قيس بن غيلان يتوارثون كابرا عن كابر حتى كان آخرهم الذى قام عليه الاسلام أبو السيارة عميله بن أعزل ذكروا أنه أجاز عليها أربعين سنة وعزم قصى على انتزاع ذلك من أيديهم فأتاهم بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقال لنحن أولى بهذا الامر منكم فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة وانه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة فلما انحازوا عنه ناواهم وأجمع لحربهم وخرجت له خزاعة وبنو بكر فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا بالابطح حتى كثرت القتلى فى الفريقين جميعا وفشت الجراحة فيهم وأكثرها فى خزاعة ثم انهم تداعوا الى الصلح والى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر ابن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة فقضى بينهم ان قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وان كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه تحت قدميه وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤدّاة وأن يخلى بين قصى وبين الكعبة ومكة فسمى يعمرو بن
عوف
стр. 154
يومئذ الشداخ لما شدخ من الدماء ووضع منها* قال ابن اسحاق فولى قصى البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم الى مكة وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه فكان قصى أوّل بنى كعب أصاب ملكا أطاع له به قومه فكانت اليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع مكة أرباعا بين قومه فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التى أصبحوا عليها ويزعم الناس ان قريشا هابوا قطع الشجر من الحرم فى منازلهم فقطعها قصى بيده وأعوانه فسمته قريش مجمعا لما جمع من أمرها وتيمنت بأمره فما نكحت امرأة ولا تزوّج رجل من قريش ولا يتشاورون فى أمر نزل بهم ولا يعقد لواء الحرب قوم غيرهم الا فى داره يعقده لهم بعض أولاده ولا يعذر غلام الا فى داره ولا تدّرع جارية من قريش الا فى بيته يشق عليها فيها درعها اذا بلغت ذلك ثم تدرعه ثم ينطلق بها الى أهلها ولا يخرج عير من قريش فيرحلون الا من داره ولا يقدمون الا نزلوا فى داره فكان أمره فى حياته وبعد موته كالدين المتبع لا يعمل بغيره واتخذ لنفسه دار الندوة قيل كانت فى جهة الحجر والميزاب عند المقام الحنفى اليوم وجعل بابها الى مسجد الكعبة ففيها كانت قريش تقضى امورها ولم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصى الا ابن أربعين سنة وكان يدخلها ولده كلهم وحلفاؤهم ولما فرغ قصى من حربه انصرف أخوه رزاح الى بلاده بمن معه من قومه* وعن محمد بن جبير بن مطعم ان قصى بن كلاب كان يعشر من يدخل مكة من غير أهلها فهذا حديث قصى فى ولاية البيت بعد حليل بن حبشية واخراج خزاعة عنه وخزاعة تزعم أن حليلا أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الولد وقال أنت أولى بالكعبة وبالقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصى ما طلب* قال ابن اسحاق ولم يسمع ذلك من غيرهم والله أعلم وقد سمع فى سبب ولاية قصى وجه آخر وهو أنه قال أبو عبيدة زعم ناس من خزاعة كان حليل آخر من ولى البيت من خزاعة فلما ثقل جعل ولاية البيت الى ابنته حبى فقالت له قد علمت انى لا أقدر على فتح الباب واغلاقه قال انى أجعل الفتح والاغلاق الى رجل يقوم لك فجعله الى رجل خزاعى يقال له أبو غبشان بفتح الغين المعجمة وضمها وهو سليم بن عمرو بن لؤى بن ملكان وهو الذى ولى سدانة الكعبة قبل قريش فاجتمع مع قصى فى شرب بالطائف فأسكره قصى ثم اشترى مفاتيح بيت الله الحرام منه بزق خمر وفى رواية بزق خمر وكبش وفى رواية بزق خمر وقعود وأشهد عليه ودفع المفاتيح الى ابنه عبد الدار وطيره الى مكة فلما أفاق أبو غبشان ندم من المبيع أو ندّمه قومه وعابوا عليه فجحد البيع وقال انما رهنته بحقه فضرب به الامثال فى الحمق والندم وخسارة الصفقة فقالوا أخسر من صفقة أبى غبشان فذهب مثلا كذا فى القاموس ثم وقع الحرب بين قصى وابى غبشان وقومهما قريش وخزاعة فذلك قول الشاعر
أبو غبشان أظلم من قصىّ ... وأظلم من بنى فهر خزاعه
فلا تلحوا قصيا فى شراه ... ولوموا شيخكم ان كان باعه
ونصر قصيا رجال من قومه قريش وبنى كنانة وقضاعة وبعد قتال شديد استقرّ الامر على قصى فتزوّج قصى عاتكة بنت فالخ بن مليك بن فالخ بن ذكوان من بنى سليم فولدت له عبد مناف* وقال أبو اليقظان أم عبد مناف حبى بنت حليل الخزاعى فأمّ عبد مناف سلمية وقيل خزاعية فهى رابعة الجدّات النبويات* وفى الاكتفاء فولد قصى بن كلاب أربعة بنين وبنتين عبد مناف واسمه المغيرة وعبد الدار وعبد العزى وعبد او تخمر وبرة وأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية قال ابن هشام ويقال حبشية بن سلول وفى سيرة ابن هشام سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى* قال الزبير بن بكار لما ولد لقصى أوّل ولده سماه عبد مناة ثم نظر فاذا هو موافق لاسم عبد مناف بن كنانة فأحاله الى عبد مناف
стр. 155
وساد عبد مناف فى حياة أبيه وكان مطاعا فى قريش وهو الذى يدعى القمر لجماله واسمه المغيرة وكنيته أبو عبد شمس ومناة اسم صنم وذكر الزبير عن موسى بن عقبة انه وجد كتابا فى حجر فيه أنا المغيرة بن قصى آمر بتقوى الله وصلة الرحم واياه عنى القائل بقوله
كانت قريش بيضة فتقلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف
وعن الواقدى أنه قال مات قصى بمكة فدفن بالحجون فتدافن الناس بعده بالحجون وكان نور رسول الله ﷺ فى عبد مناف وكان فى يده لواء نزار وقوس اسماعيل* وفى شفاء الغرام فلم تزل السقاية والرفادة والقيادة لعبد مناف بن قصى يقوم بها حتى توفى* قال ابن هشام هلك عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا وقد تزوّج عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالخ بن ذكوان من بنى سليم فهى سلمية أيضا وثالثة الجدّات النبويات الابويات فولدت له هاشما واسمه عمرو* وفى الاكتفاء فولد عبد مناف أربعة نفر هاشما وعبد شمس والمطلب ونوفلا كلهم لعاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالخ بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان بن مضر الا نوفلا فليس منهم فانه لوافدة بنت عمرو المازنية مازن بن منصور بن عكرمة* قال ابن هشام وأبو عمرو وتماضر وقلابة وحبيبة وريطة وامّ الاخثم وامّ سفيان بنو عبد مناف فأم أبى عمرو وريطة امرأة من ثقيف وامّ سائر النساء عاتكة بنت مرّة بن هلال امّ هاشم بن عبد مناف وأمها صفية بنت حوزة بن عمرو بن سلول بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن وامّ صفية بنت عائذ الله بن سعد العشيرة بن مذحج* وفى المنتقى كان لعبد مناف خمسة بنين وسبع بنات* وفى شفاء الغرام ولد عبد مناف بن قصى خمسة نفر عمرو وهاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل فعدّ عمرا وهاشما اثنين وفى غير شفاء الغرام عدّهما واحدا وسيجىء تحقيقه* وفى روضة الاحباب كان لعبد مناف أربعة بنين هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل كأنه عدّ عمرا وهاشما واحدا أما هاشم فهو جدّ النبىّ ﷺ واسمه عمرو ويقال له عمرو العلا أيضا لعلوّ مرتبته ولقبه هاشم لانه كان يهشم الثريد لاهل مكة أيام القحط والهشم كسر الشىء اليابس كذا فى القاموس* ولما توفى عبد مناف ولى بعده هاشم السقاية والرفادة أما السقاية فحياض من أدم كانت على عهد قصى توضع بفناء الكعبة ويستقى فيها الماء العذب من الآبار ويسقاه الحاج وأما الرفادة فخرج كانت تخرجه قريش فى الجاهلية من أموالها فى كل موسم فتدفعه الى قصى فتصنع به طعاما للحاج ويأكل منه من لم يكن له سعة ولا زاد وكان عبد مناف يعمل به بعده وكان هاشم يعمل به بعد أبيه فيطعم الناس فى كل موسم ما يجتمع عنده من ترافد قريش فلم يزل على ذلك من أمره حتى أصاب الناس سنة جدب شديد فخرج هاشم الى الشام فاشترى بما اجتمع عنده من المال دقيقا وكعكا فقدم مكة فى الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر الجزور وطبخ وجعله ثريدا وأطعم الناس وكانوا فى مجاعة شديدة حتى أشبعهم فسمى لذلك هاشما* وقال عطاء عن ابن عباس انهم كانوا فى ضرّ ومجاعة شديدة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين يعنى فى الشتاء الى اليمن وفى الصيف الى الشام وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغنى حتى كان فقيرهم كغنيهم وقال الكلبى كان أوّل من حمل السمراء من الشام ورحل اليها الابل هاشم بن عبد مناف وفى ذلك يقول ابن الزبعرى السهمى
قل للذى طلب السماحة والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف
هلا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من ضرّ ومن اتلاف
الرائشين وليس يوجد رائش ... والقائلين هم للاضياف
والخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكا فى
стр. 156
والقائلين لكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الايلاف
سفرين سهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الاصياف
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون حجاف
وفى رواية
عمرو العلا هشم الثريد لمعشر ... كانوا بمكة مسنتين عجاف
وكان عبد المطلب بعد هاشم يلى الرفادة فلما توفى قام بذلك أبو طالب فى كل موسم حتى جاء الاسلام وهو على ذلك وكان النبىّ ﷺ قد أرسل بمال يعمل به الطعام مع أبى بكر حين حج بالناس سنة تسع من الهجرة ثم عمل به النبىّ ﷺ فى حجة الوداع سنة عشر ثم قام بذلك أبو بكر رضى الله عنه فى خلافته ثم عمر ثم عثمان ثم على وهلم جرّا وهو طعام الموسم الذى كان الخلفاء يطعمونه أيام الحج بمكة وبمنى حتى تنقضى أيام الموسم كذا فى شفاء الغرام* قال ابن اسحاق كان أوّل بنى عبد مناف هلاكا هاشم هلك بغزة من أرض الشام واختلف فى سنه حين مات فقيل عشرون سنة وقيل خمس وعشرون سنة وأما عبد شمس فهو الجدّ الاعلى لابى سفيان بن حرب بن أمية ابن عبد شمس وبه كان يكنى عبد مناف* وفى شفاء الغرام قيل ان هاشما وعبد شمس توأمان وان أحدهما ولد قبل الآخر قيل ان الاوّل هاشم وان اصبع أحدهما ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت فسال الدم فقيل يكون بينهما دم* وفى روضة الاحباب كان جباههما متلاصقتين فكلما عالجوا فى فكهما لم يقدروا حتى فصلوهما بالسيف فبلغ الخبر بعض عقلاء العرب فقال كان ينبغى أن يفصلوهما بشىء آخر فاذ لم يفعلوا فلا تزال تكون العداوة والسيف فى أولادهما فكان كما قال ولما توفى عبد مناف ولى القيادة بعده من بنيه عبد شمس فمات عبد شمس بعد هاشم بمكة فولى القيادة بعده ابنه أمية ثم بعده حرب بن أمية فقاد الناس يوم عكاظ فى حرب قريش وقيس عيلان وفى الفجارين الاوّل والثانى وقاد الناس قبل ذلك بذات نكيف كأمير موضع بناحية يلملم ويوم نكيف معروف ونكيف موضع معروف كان به وقعة فهزمت قريش بنى كنانة انتهى والاحابيش يومئذ مع بنى بكر تحالفوا على جبل يقال له الحبشى على قريش فسموا الاحابيش بذلك* وفى كتاب القرى الحبشى بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين وتشديد الياء جبل قريب من مكة قاله ابن الاثير وقال الحافظ أبو عمرو على عشرة اميال من مكة وقال الصاغانى على ستة أميال وقال الجوهرى جبل بأسفل مكة وكان أبو سفيان بن حرب يقود قريشا بعد أبيه حتى كان يوم بدر فقاد الناس عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان أبو سفيان فى العير يقود الناس فلما كان يوم أحد قاد الناس أبو سفيان وقاد الناس يوم الاحزاب وكانت آخر وقعة لقريش حتى جاء الاسلام وفتح مكة فأسلم وأما المطلب فهو الجدّ الاعلى للامام الشافعى مات بعد عبد شمس بردمان من أرض اليمن وأما نوفل فهو جدّ جبير بن مطعم مات بعد المطلب بسلمان من ناحية العراق* وفى المنتقى كان هاشم أفخر قومه وأعلاهم وكانت مائدته منصوبة لا ترفع فى السرّاء والضرّاء وكان يحمل ابن السبيل ويؤوى الخائف وكان نور رسول الله ﷺ فى وجهه يتوقد شعاعه ويتلألأ ضياؤه ولا يراه حبر من الاحباء الاقبل يديه ولا يمرّ بشىء الاسجد اليه تفد اليه قبائل العرب ووفود الاحبار يحملون بناتهم يعرضون عليه ليتزوّج بهنّ حتى بعث اليه هرقل ملك الروم وقال ان لى ابنتا لم تلد النساء أجمل منها ولا أبهى وجها فاقدم الىّ حتى أزوجكها فقد بلغنى جودك وكرمك وانما أراد بذلك نور رسول الله ﷺ الموصوف عندهم فى الانجيل وكان هاشم يأبى وكان ينطلق الى جبل ثبير يسأل اله السماء ثم يرجع الى الاصنام وكان اذا أراد أن يدخل عليها يدركه جبريل فينزع نور رسول الله ﷺ من ظهره فلم يزل هاشم كذلك حتى أرى فى منامه
стр. 157
أن تزوّج سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار فهى نجارية وثانية الجدّات الابويات النبويات وكانت قبل هاشم تحت أحيحة بن الجلاح فولدت له عمرو بن أحيحة وهو أخو عبد المطلب لامه وكانت فى زمانها كخديجة فى زمانها لها عقل وحلم فولدت له عبد المطلب اسمه شيبة الحمد وقيل عامر كذا فى سيرة مغلطاى وفيه نور رسول الله ﷺ * وفى الاكتفاء فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة عبد المطلب وأسدا وهو أبو فاطمة امّ علىّ رضى الله عنه وأبا صيفى واسمه عمرو كذا فى الحدائق ونضلة والشفاء وخالدة وصفية ورقية وحمنة وامّ عبد المطلب منهم سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدىّ بن النجار واسم النجار تيم بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج وأمها عميرة بنت صخر بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار وامّ عميرة سلمى بنت عبد الاشهل النجارية وام أسد قيلة بنت عامر بن مالك الخزاعى وأم أبى صيفى وحمنة هند بنت عمرو بن ثعلبة الخزرجية وأم نضلة والشفاء امرأة من قضاعة وأم خالدة وصفية واقدة بنت أبى عدى المازنية واسم عبد المطلب شيبة ويقال له أيضا شيبة الحمد سمى بها لانه كان حين ولد كان وسط رأسه أبيض وقيل اسمه عامر وهو قول ابن قتيبة وتابعه عليه المجد الشيرازى وانما سمى عبد المطلب لانه كان طفلا حين توفى أبوه فرباه عمه المطلب بن عبد مناف وكان من عادة العرب أن تقول ليتيم كان فى حجر واحد هو عبده وقيل لما دنت وفاة أبيه هاشم بمكة وكان عبد المطلب حينئذ بالمدينة قال لاخيه المطلب أدرك عبدك الذى بيثرب فسمى عبد المطلب* وفى المنتقى لانّ هاشما خرج الى الشام فى تجارة فمرّ بالمدينة فرأى سلمى بنت عمرو ويقال بنت زيد بن عمرو النجارى فأعجبته فحطبها الى أبيها فأنكحه اياها وشرط عليه أن لا تلد ولدا الا فى أهلها ثم مضى هاشم لوجهه قبل أن يبنى بها ثم انصرف راجعا من الشام فبنى بها فى أهلها بيثرب ثم ارتحل الى مكة وحملها معه فلما أثقلت ردّها الى أهلها ومضى الى الشام ومات بغزة فولدت له عبد المطلب فمكث بيثرب سبع سنين أو ثمان ثم ان رجلا من بنى الحارث ابن عبد مناف مرّ بيثرب فاذا بغلمان ينتضلون فجعل شيبة اذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال له الحارثى من أنت قال أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فلما أتى الحارثى مكة أخبر بذلك المطلب فقال المطلب والله لا أرجع الى أهلى حتى آتى به فقال له الحارثى هذه راحلتى بالفناء فاركبها فركبها المطلب وورد يثرب عشاء حتى أتى عدى بن النجار فاذا غلمان يضربون كرة بين ظهرى مجلس فعرف ابن أخيه فقال للقوم أهذا ابن هاشم قالوا نعم هذا ابن أخيك فان كنت تؤثر أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فانها ان علمت لم تدعك وحالت بينك وبينه فدعاه المطلب فقال يا ابن أخى أنا عمك وقد أردت الذهاب بك الى قومك واناخ راحلته فجلس على عجز الناقة فانطلق به ولم تعلم أمه حتى كان الليل فقامت تدعوه فأخبرت ان عمه ذهب به وقدم المطلب مكة* وفى سيرة ابن هشام خرج اليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه فقالت له أمه لست بمرسلة معك وقال شيبة لعمه المطلب فيما يزعمون لست بمفارقها الا أن تأذن لى فأذنت له ودفعته اليه فاحتمله فدخل به مكة مردفه معه على بعيره فقالت قريش عبد المطلب ابتاعه فيها سمى شيبة عبد المطلب فقال المطلب ويحكم انما هو ابن أخى هاشم قدمت به من المدينة* وفى المنتقى لما قدم به المطلب من المدينة كان أردفه على راحلته وقد أثرت فيه الشمس وعليه اخلاق ثياب وقدم به مكة ضحوة والناس فى مجالسهم فجعلوا يقولون له من هذا وراءك فيقول عبدى وكره ان يقول ابن أخى وهو هيئة بذلة فاشتهر بعبد المطلب فلما أدخله وأحسن من حاله أظهر أنه ابن أخيه هذا ما قيل فى وجه تسميته بعبد المطلب* وفى سيرة ابن هشام هلك المطلب بردمان من
اليمن قيل ليس اليوم على وجه الارض هاشمى الا من أولاد عبد المطلب اذ لم يبق من سائر أولاد هاشم نسل
стр. 158
قال السهيلى ان عبد المطلب أوّل من خضب بالسواد من العرب قال ابن الاثير هو أوّل من تحنث بحراء وكان اذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين وقال ابن قتيبة يرفع من مائدة عبد المطلب للوحوش والطيرفى رؤس الجبال فيقال له الفياض لجوده ومطعم طير السماء وكان مجاب الدعوة فتزوّج فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمرو بن مخزوم وأمهرها مائة ناقة كوماء وعشرة أواق من ذهب فهى مخزومية وجدة أولى للنبىّ ﷺ ذكر ذلك ابن قتيبة فى كتاب المعارف فجملة نسوة تزوّجهنّ عبد المطلب خمس فولدن له اثنى عشرا بنا على ما فى الصفوة أو ثلاثة عشر على ما فى الذخائر للعقبى أو عشرة على ما فى سيرة ابن هشام والاكتفاء وست بنات باتفاق الكل* أما البنون ففى الصفوة قال ابن السائب هم اثنا عشر الحارث والزبير وأبو طالب وحمزة وأبو لهب والغيداقى والمقوّم وضرار والعباس وقثم وحجل واسمه المغيرة وعبد الله* وفى سيرة مغلطاى يقال حجل وغيداق واحد ويقال عبد الله والمقوّم واحد وقال غيره أحد عشر ولم يذكر قثما وقال اسم الغيداق حجل بتقديم الجيم وهو السقاء الضخم* وقال الدارقطنى بتقديم الجاء وكذا فى أسد الغابة وهو القيد والخلخال كذا فى المواهب اللدنية
أعمامه ﷺ
وفى ذخائر العقبى وكان له اثنا عشر عما بنو عبد المطّلب أبوه ﷺ ثالث عشرهم الحارث وأبو طالب واسمه عبد مناف والزبير ويكنى أبا الحارث وحمزة وأبو لهب واسمه عبد العزى والغيداق والمقوّم وضرار والعباس وقثم وعبد الكعبة وحجل ويسمى المغيرة وقيل كانوا أحد عشر فأسقط المقوّم وقيل هو عبد الكعبة وقيل عشر فأسقط الغيداق وحجلا وقيل تسعة فأسقط قثم ولم يذكر ابن قتيبة وابن اسحاق وأبو سعيد غيره* وفى أسد الغابة عبد الكعبة درج صغيرا وضرار مات صغيرا وقثم هلك صغيرا والغيداق اسمه نوفل وامه ممنعة بنت عمرو بن مالك الخزاعية وفى رواية الغيداق لقب حجل لقب به لكثرة خيره قال ابن اسحاق عبد الله أصغر بنى عبد المطلب والصواب بنى أمه والا فحمزة والعباس أصغر منه كذا فى سيرة مغلطاى وأما البنات الست فعاتكة وأميمة والبيضاء وهى امّ حكيم وبرة وصفية وأروى وهؤلاء الاولاد لعبد المطلب من امهات شتى فحمزة والمقوّم وحجل وصفية لام وهى هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة والعباس وضرار وقثم لامّ وهى نتيلة بنت خباب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر والحارث من صفية بنت جندب من بنى عامر بن صعصعة وأبو لهب من لبنا بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول بن كعب الخزاعى ولم يكن لهما اناثى وعبد الله أبو النبىّ ﷺ وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة والبيضاء واميمة وبرة وعاتكة لامّ وهى فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمرو بن مخزوم وامها صخرة بنت عبد بن عمران بن مخزوم بن يقطة بن مرّة بن كعب وامّ صخرة تخمر بنت عبد بن قصى بن كلاب ولم يعقب من الذكور الا خمسة الحارث والعباس وأبا طالب وأبا لهب وعبد الله وكان أكبرهم الحارث وبه كان يكنى عبد المطلب شهد معه حفر زمزم ومن ولده وولد ولده جماعة لهم صحبة وسيأتى ذكرهم ولم يدرك الاسلام من الذكور غير أربعة أبو طالب وأبو لهب وحمزة والعباس ولم يسلم غير حمزة والعباس ومن البنات لم تسلم الا صفية بلا خلاف واختلف فى أروى وعاتكة فى الصفوة قال محمد بن سعد أسلمتا وهاجرتا الى المدينة وقال غيره لم يسلم منهنّ الا صفية* وفى ذخائر العقبى فذهب أبو جعفر العقيلى الى اسلامهما وعدّهما فى الصحابة وذكر الدارقطنى عاتكة فى جملة الاخوة والاخوات ولم يذكرا روى وأما محمد بن اسحاق وغيره فذكروا أنه لم يسلم من عماته ﷺ غير صفية وقد صح أن جملة أولاد أعمامه الذكور من أسلم ومن لم يسلم خمسة وعشرون اثنان منهم لم يسلما طالب بن أبى طالب وعتيبة بن أبى لهب والباقون أسلموا ولهم صحبة تفصيلهم أربعة أولاد لابى طالب طالب ومات كافرا وعقيل وجعفر وعلى وعشرة للعباس الفضل وعبد الله وعبيد الله وقثم
стр. 159
وعبد الرحمن ومعبد وكثير والحارث وعون وتمام وخمسة للحارث أبو سفيان ونوفل وربيعة والمغيرة وعبد شمس وابن للزبير عبد الله وثلاثة لابى لهب عتبة وعتيبة مات كافرا ومعتب وابنان لحمزة عمارة ويعلى والاناث عشرة تفصيلهنّ ابنتان لابى طالب امّ هانى وجمانة وثلاث للعباس امّ حبيب وصفية وأمينة وبنت للحارث أروى وابنتان للزبير ضباعة وامّ حكيم وبنت لابى لهب درّة وبنت الحمزة امامة وقد صح أن جملة أولاد العمات أحد عشر رجلا وثلاث بنات عرفن أما الرجال فعامر بن البيضاء من كريز بن ربيعة وعبد الله وزهير ابنا عاتكة من أبى امية المخزومى وأبو سلمة بن برّة من عبد الاسد المخزومى وعبد الله وعبيد الله وأبو أحمد بنو أميمة من جحش وطليب بن أروى من عمير بن وهب والزبير والسائب وعبد الله بنو صفية من العوّام كلهم أسلموا وثبتوا على الاسلام الا عبيد الله بن جحش وأما الاناث فزينب وامّ حبيبة وحمنة بنات أميمة من جحش وذكرت لامّ حكيم بنات لم يذكر عددهنّ ولا اسلامهنّ ولا أساميهنّ وسيجىء ذكر أولاد الاعمام والعمات مفصلا* ذكر الذكور من أولاد عبد المطلب* أما عبد الله بن عبد المطلب أبو النبىّ ﷺ فسيجىء ذكر ولادته وتزوّجه ووفاته وغير ذلك فى الطليعة الثالثة من المقدّمة فليطلب ثمة* ذكر الحارث بن عبد المطلب وأولاده* وهو أكبر أولاد عبد المطلب وبه كان يكنى وجملة أولاده ستة أبو سفيان ونوفل وربيعة والمغيرة وعبد شمس وأروى خمسة ذكورا أما أبو سفيان بن الحارث فهو ابن عمّ رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية أياما قيل اسمه المغيرة ولم يذكر الدارقطنى غيره وقيل اسمه كنيته والمغيرة اخوه امّه غزية بنت قريش بن طريف من ولد فهر بن مالك وكان ترب رسول الله ﷺ يألفه الفا شديدا قبل النبوّة فلما بعث رسول الله ﷺ عاداه وهجاه وهجا أصحابه وكان شاعرا ذكره ابن اسحاق فلما كان عام الفتح ألقى الله فى قلبه الاسلام فخرج متنكرا وتصدى لرسول الله ﷺ فأعرض عنه فتحوّل الى الجانب الآخر فأعرض عنه قال فقلت أنا مقتول قبل أن اصل اليه فأسلمت وذلك بطريق الابواء كذا فى الصفوة* وفى ذخائر العقبى أسلم أبو سفيان عام الفتح وحسن اسلامه ويقال انه ما رفع رأسه الى النبىّ ﷺ حياء منه وأسلم معه ولده جعفر لقيا رسول الله ﷺ بالابواء وأسلما قبل دخوله مكة وقيل بل لقيه هو وعبد الله بن أمية بين السقيا والعرج فأعرض رسول الله ﷺ عنهما فقالت أمّ سلمة لا يكن ابن عمك وأخو ابن عمتك أشقى الناس بك وقال له علىّ بن أبى طالب ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال اخوة يوسف ليوسف تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا الخاطئين فانه لا يرضى أن يكون أحسد أحسن قولا منه ففعل ذلك أبو سفيان فقال رسول الله ﷺ اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين قال أبو سفيان وخرجت معه شهدت فتح مكة وحنينا فلما لقينا العدوّ بحنين اقتحمت عن فرسى وبيدى السيف صلتا والله يعلم انى أريد الموت دونه وهو ينظر الىّ فقال العباس يا رسول الله أخوك وابن عمك أبو سفيان فارض عنه فقال فعلت فغفر الله له كل عداوة عادانيها ثم التفت الىّ وقال أخى لعمرى فقبلت رجله فى الركاب كذا فى الصفوة* وفى ذخائر العقبى كان أبو سفيان ممن ثبت مع رسول الله ﷺ ولم يفرّ ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله ﷺ أو غرزه على اختلاف فى النقل حتى انصرف الناس وكان يشبه رسول الله ﷺ ويقال ان الذين كانوا يشبهون النبىّ ﷺ جعفر بن أبى طالب والحسن بن على وقثم بن
العباس وأبو سفيان بن الحارث والسائب بن عبيد بن عبد بن نوفل بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف وعبد الله بن جعفر فهم ستة وقيل وعبد الله بن نوفل بن الحارث فهم سبعة وكان صلّى الله عليه
стр. 160
وسلم يحب أبا سفيان بن الحارث وشهد له بالجنة وعن عروة عن أبيه أن النبىّ ﷺ قال أبو سفيان بن الحارث من شباب أهل الجنة أو سيد فتيان أهل الجنة رواه ابن عمرو عن أبى حية البدرى أن رسول الله ﷺ قال أبو سفيان خير أهلى أو من خير أهلى خرّجه أبو عمرو وذكر الدارقطنى انه ﷺ قاله يوم حنين كذا فى ذخائر العقبى وعن ابن اسحاق لما حضر أبا سفيان ابن الحارث الوفاة قال لاهله لا تبكوا علىّ فانى لم انتطف بخطيئة منذ أسلمت قال أهل السير مات أبو سفيان ابن الحارث بالمدينة بعد ان استخلف عمر بسنة وسبعة أشهر ويقال بل مات سنة عشرين وقيل توفى بسنة خمس عشرة وصلّى عليه عمر ودفن بالبقيع قاله ابن قتيبة وقال أبو عمرو دفن فى دار عقيل بن أبى طالب وكان هو الذى حفر قبر نفسه قبل أن يموت بثلاثة أيام وسبب موته انه كان فى رأسه ثؤلول فحلقه الحلاق فقطعه فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج وكان له من الولد عبد الله بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب القرشى الهاشمى رأى النبىّ ﷺ وروى عنه وكان معه مسلما بعد الفتح وجعفر بن أبى سفيان بن الحارث ذكر أهل بيته أنه شهد حنينا مع النبىّ ﷺ ذكره ابن هشام وغيره وقطع به الدارقطنى وانه لم يزل مع أبيه ملازما لرسول الله ﷺ حتى قبض وتوفى جعفر فى خلافة معاوية وأبو الهياج بن أبى سفيان قيل اسمه عبد الله وقيل علىّ وعاتكة بنت أبى سفيان بن الحارث تزوّجها معتب بن أبى لهب فولدت له وأما نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ويكنى أبا الحارث وكان أسنّ من اخوته ومن جميع من أسلم من بنى هاشم حتى من حمزة والعباس أسر يوم بدر ففداه العباس وقيل بل فدى نفسه قيل أسلم وهاجر أيام الخندق وقيل أسلم يوم فدى نفسه وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال لما اسر نوفل بن الحارث ببدر قال له رسول الله ﷺ افد نفسك قال مالى شىء افتدى به قال افد نفسك برماحك التى بحدّة فقال والله ما علم أحد أن لى بحدّة رماحا غيرى بعد الله أشهد أنك رسول الله وفدى نفسه بها وكانت ألف رمح ذكره أبو عمرو وشهد نوفل مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنينا والطائف وكان ممن ثبت يوم حنين مع رسول الله ﷺ وأعان رسول الله ﷺ بثلاثة آلاف رمح فقال رسول الله ﷺ كأنى أرى رماحك تقصف أصلاب المشركين وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين العباس بن عبد المطلب وكانا شريكين فى الجاهلية متفاوضين فى المال متحابين توفى بالمدينة سنة خمس عشرة فى خلافة عمر وصلّى عليه عمر بعد أن شيعه الى البقيع ووقف على قبره حتى دفن وكان له من الولد الحارث وعبد الله وعبيد الله والمغيرة وسعيد وعبد الرحمن وربيعة بنو نوفل فأما الحارث بن نوفل فهو الذى كان يقال له ببه لأنّ أمه هند ابنة أبى سفيان بن حرب بن أمية كانت ترقصه وهو طفل وتقول
لانكحنّ ببه* جارية خدبة* مكرمة محبة* تجبّ أهل الكعبة
ببة لقب له وخدبة أى غليمة سمينة والخدب هو العظيم الجافى وكان قد اصطلح عليه أهل البصرة حين توفى يزيد بن معاوية وخرج مع ابن الاشعث فلما هزم هرب الى عمان ومات بها* قال الواقدى كان الحارث بن نوفل على عهد رسول الله ﷺ رجلا فأسلم عند اسلام أبيه نوفل وولد له على عهد رسول الله ﷺ ولده عبد الله فأتى به رسول الله ﷺ فحنكه ودعا له وكانت تحته درّة بنت أبى لهب بن عبد المطلب واستعمله النبىّ ﷺ على بعض أعماله بمكة واستعمله أبو بكر أيضا قاله الدارقطنى وقيل ان أبا بكر ولى الحارث بن نوفل مكة وانتقل الحارث من المدينة الى البصرة واختط بها دارا فى ولاية عبد الله بن عامر ومات بها فى آخر خلافة عثمان وأما المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ويكنى أبا يحيى فولد له على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم
стр. 161
بمكة قبل الهجرة وقيل بعدها ولم يدرك من حياة النبىّ ﷺ غير ست سنين وهو الذى تلقى عبد الرحمن بن ملجم المرادى حين ضرب عليا على هامته بسيفه فصرعه فلما هم الناس به حمل عليهم بسيفه ففرّجوا له فتلقاه المغيرة بن نوفل بقطيفة فرماها عليه واحتمله وضرب به الارض وقعد على صدره وانتزع سيفه عنه وكان ايدا ثم حمل ابن ملجم وحبس الى أن مات علىّ رضى الله عنه فقتل كما سيجىء فى الخاتمة والايد القوّة ومنه ذا الايد انه أوّاب وكان المغيرة هذا قاضيا فى زمن عثمان وشهد مع علىّ صفين وتزوّج امامة بنت أبى العاص بن الربيع بعد علىّ بن أبى طالب وولد يحيى منها وروى المغيرة عن النبىّ ﷺ وقيل ان حديثه مرسل ولم يسمع من النبىّ ﷺ شيئا ومن ولده عبد الملك بن المغيرة بن نوفل روى عنه الزهرى وعبد الرحمن الاعرج وعمران ابن أبى أويس وأما عبد الله بن نوفل بن الحارث فكان جميلا وكان يشبه رسول الله ﷺ وكان أوّل من ولى القضاء بالمدينة فى خلافة معاوية وأما أخواه عبيد الله وسعيد فقد روى عنهما العلم وأما عبد الرحمن وربيعة ابنا نوفل فلا لقية لهما ولا رواية ذكر ذلك الدارقطنى فى كتاب رواية الاخوة والاخوات* وأما ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ويكنى أبا أروى فكانت له صحبة وهو الذى قال فيه رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ألا ان كل مأثرة كانت فى الجاهلية تحت قدمىّ ودماء الجاهلية موضوعة وان أوّل دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث وذلك انه قتل لربيعة ابن الحارث فى الجاهلية ولد يسمى آدم وقيل تمام فأبطل النبىّ ﷺ الطلب به فى الاسلام ولم يجعل لربيعة فى ذلك تبعة وكان ربيعة هذا أسنّ من العباس فيما ذكر بسنتين ذكره أبو عمرو وغيره وقال له النبىّ ﷺ نعم الرجل ربيعة لو قصر من شعره وشمر من ثوبه وكان النبىّ ﷺ أطعمه مائة وسق من خيبر كل عام ذكره الدارقطنى فى كتاب الاخوة والاخوات وكان شريك عثمان فى التجارة ذكره ابن قتيبة توفى سنة ثلاث وعشرين فى خلافة عمر وروى عن النبىّ ﷺ أحاديث وله من الولد بنون وبنات فالبنون العباس بن ربيعة وعبد المطلب بن ربيعة وعبد الله بن ربيعة ذكر عبد الله هذا أبو عمرو فى باب عبد الله بن عباس فيمن شهد مع علىّ صفين وغيرها ولم يفرده بالذكر وذكره الدارقطنى فى باب الاخوة من ولد ربيعة بن الحارث وذكر من ولده أيضا الحارث وأمية وعبد شمس ومن ولده أيضا آدم بن ربيعة وهو الذى كان مسترضعا فى هذيل وكان العباس بن ربيعة ذا قدر وأقطعه عثمان دارا بالبصرة وأعطاه مائة ألف درهم وشهد صفين مع على وكان تحته أمّ فراس بنت حسان بن ثابت فولدت له أولادا وعقبه كثير ذكره ابن قتيبة وأما البنات فلم يذكر اسماء هنّ عند ذكرهنّ وذكر أبو عمرو فى باب هند بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب انها ولدت على عهد رسول الله ﷺ وذكر الدارقطنى أن اسمها أروى قال وقيل هند تزوّجها حبان ابن منقد الانصارى النجارى فولدت له واسعا ويحيى ابنى حبان ولم أظفر بأسماء باقيهنّ ولا بكنيتهنّ غير انهنّ ذكرن على سبيل الجمع كما قدّمنا كذا فى ذخائر العقبى* وأما عبد شمس بن الحارث بن عبد المطلب وسماه رسول الله ﷺ عبد الله فمات بالصفراء فى حياة رسول الله ﷺ وكفنه رسول الله ﷺ فى قميصه وقال فى حقه سعيد أدركته السعادة قاله الدارقطنى فى كتاب الاخوة والاخوات والبغوى فى معجمه وليس له عقب وقال ابن قتيبة عقبه بالشام يقال لهم الموزة لقلتهم لانهم لا يكادون يزيدون على ثلاثة* وفى شرح الكرمانى عبيدة بن الحارث كان أسنّ من رسول الله صلّى الله عليه
وسلم بعشر سنين أسلم قبل دخوله دار الارقم شهد بدرا وجرح بها وتأخرت وفاته حتى وصل وادى الصفراء فدفن بها وهو ابن ثلاث وستين سنة وسيجىء فى غزوة بدر ان شاء الله تعالى
стр. 162
وأما المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب فله صحبة وقد قيل ان أبا سفيان بن الحارث اسمه المغيرة والصحيح أنه أخوه وذكر الدارقطنى أمية بن الحارث مكان المغيرة بن الحارث وقال لا عقب له ولا رواية وأما أروى بنت الحارث فذكرها ابن قتيبة وأبو سعد فى ولده ولم يذكرها أبو عمرو فلعله لم يثبت عنده اسلامها وذكرها الدارقطنى فى كتاب الاخوة والاخوات وذلك دليل اسلامها لانه لم يذكر فيه الا من أسلم قال وتزوّجها أبو وداعة بن صبرة السهمى فولدت له المطلب وأبا سفيان بن أبى وداعة*
(ذكر أبى طالب وأولاده)
* واسمه عبد مناف وجملة أولاده ستة أربعة ذكور طالب ومات كافرا فى غزوة بدر حين وجهه المشركون الى حرب المسلمين وهو أكبر ولده وبه كان يكنى وعقيل وجعفر وعلى وبنتان أمّ هانى وجمانة أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وكان علىّ أصغرهم وكان جعفر أسنّ منه بعشر سنين وعقيل أسنّ من جعفر بعشر سنين وطالب أسنّ من عقيل بعشر سنين ذكره ابن قتيبة وأبو سعيد وأبو عمرو وأما على فسيجىء ذكره فى الخاتمة فى ذكر الخلفاء وأما جعفر فقد تقدّم ذكر أمه ويكنى أبا عبد الله أسلم قديما وهاجر الى الحبشة الهجرة الثانية ومعه زوجته أسماء بنت عميس وولدت ثمة بنيه عبد الله ومحمدا وعونا فلم يزل هنا لك حتى قدم على النبىّ ﷺ وهو بخيبر سنة سبع فحصلت له الهجرتان وأما ذكر جواره فى أرض الحبشة وما جرى له مع النجاشى فسيجىء فى الركن الثانى فى حوادث السنة الخامسة من النبوّة وسيجىء ذكر وفاته وبعض أحواله فى الموطن الثامن فى سرية مؤتة ان شاء الله تعالى وأما عقيل بن أبى طالب فلم يزل اسمه فى الجاهلية والاسلام عقيلا ويكنى أبا يزيد أمه فاطمة بنت أسد قال العذرى وكان عقيل قد خرج مع كفار قريش يوم بدر مكرها فأسر ففداه عمه العباس ثم أتى مسلما قبل الحديبية وشهد غزوة مؤتة ذكره أبو عمرو وروى أن النبىّ ﷺ قال له يا أبا يزيد انى أحبك حبين حبا لقرابتك منى وحبا لما كنت أعلم من حب عمى اياك خرجه أبو عمرو والبغوى وكان عقيل أنسب قريش وأعلمهم بأيامها ولكنه كان مبغضا اليهم لانه كان يعدّ مسلويهم وكانت له قطيفة تفرش له فى مسجد رسول الله ﷺ يصلى عليها ويجتمع اليه فى علم النسب وأيام العرب وكان أسرع الناس جوابا وأحضرهم مراجعة فى القول وأبلغهم فى ذلك خرجه أبو عمرو وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عقيلا جاء الى علىّ بالعراق فسأله فقال له ان أحببت أن أكتب لك الى مالى بينبع فأعطيتك منه فقال عقيل لا ذهبن الى رجل هو أوصل لى منك فذهب الى معاوية فعرف ذلك له خرجه البغوى قال أبو عمرو وكان عقيل غاضب عليا وخرج الى معاوية واقام عنده فزعموا ان معاوية قال يوما بحضرته هذا أبو يزيد لولا علمه بأبى خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه فقال عقيل أخى خير لى فى دينى وأنت خير لى فى دنياى وقد آثرت دنياى وأسأل الله خاتمة خير وتوفى عقيل فى خلافة معاوية ولم يوقف على السنة التى مات فيها ذكره ابن الضحاك* وأما أم هانى فاسمها فاختة وقيل هند أسلمت يوم الفتح حكاه أبو عمرو وتزوّجها هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم وولدت له أولاد او هرب الى نجران ومات مشركا وهى التى صلّى النبىّ ﷺ فى بيتها عام الفتح الضحى ثمان ركعات فى ثوب واحد مخالفا بين طرفيه وقال لها قد أجرنا من أجرت يا أم هانى متفق عليه وعن ابن عباس دخل رسول الله ﷺ على أم هانى بنت أبى طالب يوم الفتح وكان جائعا فقالت يا رسول الله ان أصهار الى قد لجؤا الىّ وان علىّ بن أبى طالب لا تأخّذه فى الله لومة لائم وانى أخاف أن يعلم بهم فيقتلهم فاجعل من دخل دار أم هانى آمنا حتى يسمع كلام الله فأمنهم رسول الله ﷺ وقال أجرنا من أجارت أم هانى فقال هل عندك من طعام نأكله فقالت ليست عندى الاكسر يابسة وانى لاستحيى ان أقدمها اليك قال هلميهنّ فكسرهنّ فى ماء وملح فقال هل من ادام فقالت
стр. 163
ما عندى يا رسول الله الا شىء من خل فقال هلميه فصبه على طعامه فأكل منه ثم حمد الله ثم قال نعم الادام الخل يا أم هانى لا يفقر بيت فيه خل خرجه بهذا السياق الطبرانى وجماعة* وأما جمانة فذكرها ابن قتيبة وأبو سعيد فى شرف النبوّة فى أولاد أبى طالب أمها فاطمة بنت أسد وأما أبو عمرو فلم يذكرها فلعله لم يثبت عنده اسلامها وذكرها الدارقطنى فى كتاب الاخوة والاخوات ولم يذكر فيه الا من أسلم فدل على أنه صح عنده اسلامها قال وتزوّجها ابن عمها أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وولدت له قال ولم يسند منها شىء وهذا القول دليل على صحة اسلامها اذ من لم يسلم لم يوصف بذلك اثباتا ولا نفيا*
(ذكر الزبير وأولاده)
* ويكنى أبا الحارث وكان من أشراف قريش وجملة أولاده ثلاثة عبد الله وابنتان امّ الحكيم ويقال امّ حكيم وضباعة أما عبد الله بن الزبير فأمه عاتكة بنت أبى وهب بن عمرو بن عائذ المخزومية أدرك الاسلام وأسلم وثبت مع النبىّ ﷺ يوم حنين فيمن ثبت يومئذ ذكره الدارقطنى وقتل يوم أجنادين فى خلافة أبى بكر شهيدا ووجد حوله عصبة من الروم قد قتلهم ثم أثخنته الجراحة فمات بها وذكر الواقدى ان أوّل قتيل قتل من الروم بطريق معلم برز ودعا الى البراز فبرز اليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب واختلفا ضربات ثم قتله عبد الله ولم يتعرّض لسلبه ثم برز آخر يدعو الى البراز فبرز اليه فاقتتلا بالرمحين ساعة ثم صارا الى السيفين فضربه عبد الله على عاتقه وهو يقول خذها وأنا ابن عبد المطلب فأثبته وقطع سيفه الدرع وأسرع فى منكبه ثم ولى الرومى منهزما فعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز فقال عبد الله انى والله ما أجد لى صبرا فلما اختلطت السيوف وأخذ بعضها بعضا وجد فى ربضة من الروم عشرة حوله قتلى وهو مقتول بينهم وكان سنه نحوا من ثلاثين سنة وكان رسول الله ﷺ يقول له ابن عمى وحبى ومنهم من يقول كان يقول ابن امى ولم يعقب قاله ابن قتيبة وأما بنتا الزبير بن عبد المطلب فضباعة بنت الزبير وهى التى أمرها رسول الله ﷺ بالاشتراط فى الحج وكانت تحت المقداد بن الاسود وامّ الحكيم وكانت تحت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قاله ابن قتيبة ذكرهما ابو عمرو فى باب أخيهما عبد الله بن الزبير*
(ذكر حمزة بن عبد المطلب)
* وأمه هالة بنت وهب وقد تقدّم ذكرها وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعتهما وعبد الله بن عبد الاسد ثويبة بلبن ابنها مسروح وكانت ثويبة مولاة لابى لهب وقال ابن قتيبة امراة من أهل مكة ولا تضاد بين كونها مولاة وامرأة من أهل مكة وكان أسنّ من النبىّ ﷺ بأربع سنين قال أبو عمرو وهذا يردّه ما تقدّم ذكره آنفا من تقييد رضاع ثويبة بلبن ابنها مسروح اذ لا رضاع الا فى حولين ولولا النقييد بذلك امكن حمل الرضاع على زمانين مختلفين قلت ويمكن أن تكون أرضعت حمزة فى آخر سنتيه فى اوّل رضاع ابنها وارضعت النبىّ ﷺ فى اوّل سنتيه فى آخر رضاع ابنها فيكون أكبر بأربع سنين وقيل كان اسنّ بسنتين ولم يزل اسمه فى الجاهلية والاسلام حمزة ويكنى ابا عمارة وابا يعلى كنيتان له بابنيه عمارة ويعلى وكان يدعى اسد الله واسد رسوله وعن يحيى ابن عبد الرحمن بن أبى لبيبة عن ابيه عن جدّه ان رسول الله ﷺ قال والذى نفسى بيده انه لمكتوب عند الله فى السماء السابعة حمزة اسد الله واسد رسوله خرجه البغوى فى معجمه وكان اسلامه فى السنة الثانية من المبعث وقيل فى السادسة بعد دخوله ﵇ دار الارقم وقيل قبل اسلام عمر بثلاثة ايام وسيجىء فى الركن الثانى عن عبد الرحمن بن عابس عن ابيه قال قال رسول الله ﷺ خير أعمامى حمزة خرجه الحافظ الدمشقى عن جابر قال قال رسول الله ﷺ سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب ورجل قام الى امام جائر فأمره ونهاه فقتله خرّجه ابن السرّى وفى رواية حمزة خير الشهداء وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ألا انبئكم
стр. 164
بأفضل الشهداء عند الله بعد حمزة بن عبد المطلب قالوا بلى يا رسول الله قال رجل أتى أميرا جائرا فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فان هو لم يقتله لم يجر عليه ذنب ما كان حيا وان هو قتله كان من افضل الشهداء عند الله بعد حمزة بن عبد المطلب خرجه الحلبى وذكر مقتله سيجىء فى الموطن الثالث فى غزوة احد كان له من الولد عمارة امه خولة بنت قيس بن فهر بن مالك النجارى* ويعلى قال مصعب لم يعقب واحد من ولد حمزة وكان يعلى قد ولد له خمسة رجال وماتوا كلهم من غير عقب وتوفى رسول الله ﷺ ولكل واحد منهما اعوام ولم تحفظ لواحد منهما رواية وكان له ابنة يقال لها امّ ابيها قاله ابن قتيبة وقال صاحب الصفوة اسمها أمامة امّها زينب بنت عميس الخثعمية وكانت تحت عمرو بن ابى سلمة المخزومى ربيب رسول الله ﷺ وهى التى اختصم فى حضانتها علىّ وجعفر وزيد فقال على ابنة عمى وقال جعفر ابنة عمى وخالتها تحتى وقال زيد ابنة اخى فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال الخالة بمنزلة الامّ اخرجاه وفيه دلالة على ان من نكحت قريبا لا يسقط حقها من الحضانة وعن على رضى الله عنه قلت لرسول الله ﷺ ألا تتزوّج ابنة حمزة فانها احسن فتاة فى قريش فقال اليس قد علمت انها ابنة أخى من الرضاعة وان الله قد حرم من الرضاعة ما حرّم من النسب خرجه البغوى فى معجمه*
(ذكر العباس بن عبد المطلب وإسلامه)
* أمه نتيلة ويقال لها نتلة وقد تقدّم ذكرها ويقال انها أوّل عربية كست البيت الحرام الديباج وأصناف الكسوة وذلك ابن العباس ضل وهو صبى فنذرت ان وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت ولم يزل اسمه العباس ويكنى ابا الفضل* ذكر صفته* وكان رضى الله عنه جميلا جسيما وسيما ابيض بضاله ضفيرتان معتدل القامة وقيل كان طوالا عن جابر أن الانصار لما ارادوا أن يكسوا العباس حين اسر يوم بدر فلم يصلح عليه قميص الا قميص عبد الله ابن ابىّ بن سلول فكساه اياه فلما مات عبد الله بن ابىّ بن سلول ألبسه النبىّ ﷺ قميصه وتفل عليه من ريقه قال سفيان فظنّ انه مكافأة لقميص العباس خرّجه ابن الضحاك وابو عمرو وكان مولده قبل الفيل بثلاث سنين وكان اسنّ من النبىّ ﷺ بسنتين وقيل بثلاث* وعن أبى رزين قال قيل للعباس أيكما اكبر أنت أو النبىّ ﷺ قال هو اكبر منى وانا ولدت قبله خرجه ابن الضحاك وهو اصغر أولاد عبد المطلب غير عبد الله كذا فى المواهب اللدنية* وعن ابن عمر مثله خرجه البغوى فى معجمه وغيره وكان العباس فى الجاهلية رئيسا فى قريش واليه عمارة المسجد الحرام والسقاية بعد أبى طالب أما السقاية فمعروفة واما عمارة المسجد الحرام فكان لا يدع أحدا يشبب فيه ولا يقول فيه هجر او كانت قريش قد اجتمعت وتعاقدت على ذلك فكانوا له عونا عليه وأسلموا ذلك اليه ذكره الزبير ابن بكار وغيره من علماء النسب حكاه ابو عمرو والتشبيب ترقيق الشعر بذكر النساء وكأنه أراد انشاد ذلك فى المسجد والهجر بالضم الهذيان والقول الباطل ويطلق على الكلام الفاحش وذكر شهوده بيعة العقبة سيجىء فى الركن الثانى* (ذكر اسلامه) * قال اهل العلم بالتاريخ كان اسلام العباس قديما وكان يكتم اسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر فقال رسول الله ﷺ من لقى العباس فلا يقتله فانه خرج مستكرها فأسره ابو اليسر كعب بن عمرو ففادى نفسه ورجع الى مكة ثم أقبل الى المدينة مهاجرا قاله ابو سعيد وقيل انه أسلم يوم بدر فاستقبل النبىّ ﷺ يوم الفتح بالابواء وكان معه يوم فتح مكة وبه ختمت الهجرة وقال أبو عمرو أسلم قبل فتح خيبر وكان يكتم اسلامه ويسرّ بما يفتح الله على المسلمين وأظهر اسلامه يوم فتح مكة وشهد حنينا والطائف وتبوك ويقال ان اسلامه كان قبل بدر وكان يكتب بأخبار المشركين الى رسول الله ﷺ وكان المسلمون بمكة يثقون به وكان يحب القدوم على رسول الله ﷺ فكتب اليه رسول الله ﷺ ان مقامك بمكة
стр. 165
خير لك وعن شرحبيل بن سعد قال لما بشر أبو رافع رسول الله ﷺ باسلام العباس بن عبد المطلب أعتقه خرجه أبو القاسم السهمى فى الفضائل* وفى المواهب اللدنية قال ﵊ للعباس يا عم لا ترم منزلك أنت وبنوك غدا حتى آتيك فان لى فيكم حاجة فلما أتاهم اشتمل عليهم بملاءته ثم قال يا رب هذا عمى وصنو أبى وهؤلاء أهل بيتى فاسترهم من النار كسترى اياهم بملاءتى هذه قال فأمّنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت آمين آمين آمين رواه ابن غيلان وأبو القاسم حمزة والسهمى ورواه ابن السرى وفيه فما بقى فى البيت مدرة ولا باب الا أمّن* (ذكر وفاته) * توفى رضى الله عنه فى خلافة عثمان قبل مقتله بسنتين بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة وقيل لا ربع عشرة ليلة خلت من رجب ولم يذكر صاحب الصفوة غيره وقيل من رمضان سنة اثنتين وثلاثين وقيل ثلاث وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة وقيل سبع وثمانين سنة بعد أن كف بصره أدرك منها فى الاسلام اثنتين وثلاثين سنة وصلّى عليه عثمان ودفن بالبقيع ودخل فى قبره ابنه عبد الله* مروياته فى كتب الحديث خمسة وثلاثون حديثا* (ذكر ولده) * وكان له من الذكور تسعة وسيجىء فى رواية الزبير بن بكار انهم عشرة ومن الاناث ثلاث الفضل وعبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وقثم ومعبد وأمّ حبيب أمّهم أم الفضل اسمها لبابة الكبرى بنت الحارث بن حرب الهلالية وتمام وكثيرا بنا العباس لامّ ولد والحارث أمه هذلية قاله الطبرانى وقال صاحب الصفوة أمه حجيلة بنت جندب وآمنة وأمّ كلثوم وصفية لامهات أولاد قاله هشام بن الكلبى وصبيح ومسهرا بنا العباس ولم يتابع على ذلك وقال ابراهيم المزنى ولبابة وأمينة ذكر ذلك كله الدارقطنى فى كتاب الاخوة والاخوات وتابعه غيره على أكثره*
ذكر الفضل بن عباس
أما الفضل بن العباس فكان أكبر ولده وبه كان يكنى أمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة زوج النبى ﵇ وقد روى أنها أوّل امرأة أسلمت بعد خديجة بمكة خرجه البغوى ولم يزل اسمه الفضل فى الجاهلية والاسلام ويكنى أبا عبد الله وقيل أبا محمد وكان أجمل الناس وجها وعن جابر أن النبىّ ﷺ لما دفع من المزدلفة الى منى أردف الفضل بن العباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فمرت ظعن يجرين فجعل الفضل ينظر اليهنّ فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحوّل الفضل وجهه الى الشق الآخر ينظر فحوّل رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر خرجه مسلم* وفى بعض الطرق فقال العباس لويت عنق ابن عمك يا رسول الله فقال رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما قال أهل العلم بالتاريخ غزا الفضل مع رسول الله ﷺ مكة وحنينا وثبت يومئذ وشهد حجة الوداع وأردفه رسول الله ﷺ خلفه فيها على ما تقدّم وهو الذى كان يصب الماء فى غسل رسول الله ﷺ وعلىّ يغسله* (ذكر وفاته) قال أبو عمرو اختلف فى وفاته فقيل أصيب بأجنادين فى خلافة أبى بكر سنة ثلاث عشرة* وفى ذخائر العقبى أجنادين بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالنون وفتح الدال المهملة وقد تكسر الموضع المعروف من نواحى دمشق وكانت بها الوقعة بين المسلمين والروم وكان الامير بها عمرو ابن العاص وأبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان وشرحبيل بن حسنة كل منهم على طائفة وقيل ان عمرا كان الامير عليهم كلهم وقيل انه قتل يوم مرج الصفر سنة ثلاث عشرة أيضا وقيل مات بطاعون عمواس وهو أوّل طاعون كان فى الاسلام بالشام سنة ثمان عشرة فى خلافة عمرو قيل انه قتل يوم اليرموك فى خلافة أبى بكر ذكره الدارقطنى وغيره* (ذكر ولده) * توفى رضى الله عنه ولم يترك ولدا غير ابنة تزوّجها الحسن ابن على ثم فارقها فتزوّجها أبو موسى الاشعرى فولدت له موسى ومات عنها فتزوّجها عمر بن طلحة بن عبد الله وقيل ان الفضل خلف ابنا يقال له عبد الله ولم يتبت ذكر ذلك جميعه الدارقطنى فى كتاب الاخوة
стр. 166
والاخوات ونابعه غيره على بعضه*
ذكر عبد الله بن عباس
وأما عبد الله بن عباس فهو الحبر ويكنى أبا العباس ولم يزل اسمه عبد الله أمه أمّ الفضل ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب قبل خروج بنى هاشم منه* وذكر الطائى ان النبىّ ﷺ حنكه بريقه ودعا له وقال اللهم بارك فيه وانشر منه وعلمه الحكمة وسماه ترجمان القرآن وكان يوم توفى رسول الله ﷺ ابن ثلاث عشرة سنة روى ذلك عنه وروى عنه أيضا أنه قال توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم يعنى المفصل* وفى رواية وأنا ابن خمس عشرة وأنا ختين ولعله الاشبه اذ روى عنه أنه قال فى حجة الوداع وأنا قد ناهزت الاحتلام وصحح أبو عمرو القول الاوّل وهو ظاهر اختيار الدارقطنى* (ذكر صفته) * وكان طويلا أبيض مشربا بشقرة جسيما وسيما صبيح الوجه وكان يصفر لحيته وقيل كان يخضب بالحناء وكان له وفرة خرجه ابن الضحاك قال ابن اسحاق رأيت ابن عباس بمنى طويل الشعر فعرفت انه قصر ولم يحلق وعليه ازار وعليه رداء أصفر وكان يخضب بالسواد وهذا مغاير لما تقدّم من خضابه ولعله كان يفعل هذا مرّة وهذا اخرى فيروى كل ما بلغه* قال أبو عمرو شهد عبد الله بن عباس مع علىّ الجمل وصفين والنهروان وكان ممن شهد ذلك مع علىّ الحسن والحسين ومحمد بنوه وعقيل اخوه وعبيد الله وقثم ابنا عمه العباس وعبد الله ومحمد وعون بنو جعفر والمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعبيد الله بن ربيعة بن عبد المطلب ذكره أبو عمرو فى ذكر عبد الله بن عباس رضى الله عنهم* عن عبد الله ابن عباس عن امّ الفضل قالت لما وضعته أتيت به النبىّ ﷺ فأذن فى أذنه اليمنى وأقام فى أذنه اليسرى ولته من ريقه وسماه عبد الله وقال فاذهبى بأبى الخلفاء أخرجه أبو القاسم السهمى فى الفضائل* (ذكر وفاته) * توفى رضى الله عنه بالطائف سنة ثمان وستين أيام ابن الزبير وهو ابن سبعين وقيل احدى وسبعين وقيل أربع وسبعين وصلّى عليه محمد بن الحنفية وكبر عليه أربعا وقال اليوم مات ربانى هذه الامة وضرب على قبره فسطاطا ذكر ذلك أبو عمرو والبغوى فى معجمه وفى رواية عنه ربانى العلم* وعن سعيد بن جبير قال مات ابن عباس بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر لم ير على مثل خلقته فدخل فى نعشه ولم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية يأيتها النفس المطمئنة ارجعى الى ربك راضية مرضية الآية خرجه ابن عرفة العبدى وروى ابن الزبير مثله وعن غيلان بن عمرو بن أبى سويد قال شهدت جنازة ابن عباس بالطائف فلما حملناه جاء طائر أبيض فدخل فى أكفانه ولم نره خرج خرجه البغوى فى معجمه ويروى أن طائرا أبيض خرج من قبره فتأوّلوه علمه خرج الى الناس وعن أبى بكر بن أبى عاصم ان ابن عباس مات بمكة خرجه ابن الضحاك والمشهور انه مات بالطائف ودفن بها وقبره معروف ثمة مروياته فى كتب الاحاديث ألف وستمائة وستون حديثا* (ذكر ولده) * كان له من الولد العباس وبه كان يكنى وعلىّ السجاد والفضل ومحمد وعبيد الله ولبابة وأسماء
ذكر عبيد الله بن عباس
(أما عبيد الله بن عباس) أمه أمّ الفضل وكان أصغر من أخيه عبد الله قيل انه رأى النبىّ ﷺ وسمع منه وحفظ عنه واستعمله على بن أبى طالب على اليمن وأمره على الموسم فحج بالناس سنة ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فلما كان سنة ثمان وثلاثين بعثه أيضا على الموسم وبعث معاوية ذلك العام يزيد بن شجرة الرهاوى ليقيم الحج فاجتمعا فسأل كل واحد منهما صاحبه أن يسلم له فأبى واصطلحا على أن يصلى بالناس شيبة بن عثمان وروى أن معاوية بعث الى اليمن بشر بن أرطاة العامرى وعليها عبيد الله بن عباس من قبل علىّ فتنحى عبيد الله واستولى بشر عليها فبعث علىّ حارثة بن قثامة السعدى فهرب بشر ورجع عبيد الله بن عباس فلم يزل عليها حتى قتل على وكان عبيد الله أحد الاجواد وكان يقال من أراد الجمال والفقه والسخاء فليأت دار العباس الجمال للفضل والفقه
стр. 167
لعبد الله والسخاء لعبيد الله ومات عبيد الله بن عباس سنة ثمان وخمسين* وقال الواقدى والزبير توفى فى المدينة فى أيام يزيد بن معاوية وقال مصعب مات باليمن والاوّل أصح وقال الحسن مات سنة سبع وثمانين فى خلافة عبد الملك والله أعلم*
ذكر قثم بن العباس
وأما قثم بن العباس أمه أمّ الفضل أيضا وهو رضيع الحسن بن على وكان قثم يشبه النبىّ ﷺ وعن ابن عباس قال وأخذ العباس ابنا له يقال له قثم فوضعه على صدره وهو يقول* حبى قثم شبيه ذى الانف الاشم بنى ذى النعم يرغم من رغم خرجه ابن الضحاك وعن ابن عباس قال آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم وذلك انه كان آخر من خرج من قبره ممن نزل فيه خرجه أبو عمرو وخرجه ابن الضحاك مختصر اوقد ادعى المغيرة ذلك فأنكر ذلك ابن عباس فقال آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن العباس وروى عن علىّ مثل ذلك فى انه أنكر ما ادعاه المغيرة وقال آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن العباس وولى علىّ ابن أبى طالب قثم مكة ولم يزل واليا عليها حتى قتل علىّ وكان ولاها قبله أبا قتادة الانصارى ثم عزله وولى قثم وقال الزبير استعمل علىّ قثم على المدينة رواه عنه أبو اسحاق السباعى وغيره واستشهد قثم بسمرقند وكان خرج اليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية ذكره الدارقطنى وأبو عمرو وقال الضحاك مات فى خلافة عثمان بن عفان وقبره خارج سور سمرقندى فى قبة عالية معروفة بمزار شاه زنده يعنى السلطان الحىّ*
ذكر عبد الرحمن وكثير وتمام أولاد العباس
وأما عبد الرحمن بن عباس فامّه أمّ الفضل أيضا ولد على عهد رسول الله ﷺ وقتل هو وأخوه معبد بافريقية شهيدين فى خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين مع عبد الله بن سعد بن ابى سرح قاله مصعب* وقال ابن الكلبى قتل عبد الرحمن بالشام وذكره الدارقطنى* وأما معبد بن عباس ويكنى أبا العباس فأمه أمّ الفضل أيضا ولد على عهد رسول الله ﷺ ولم يحفظ عنه شيئا واستعمله علىّ رضى الله عنه على مكة وقتل بافريقية كما تقدّم ذكره آنفا ويقال ما من اخوة اشدّ تباعدا قبورا من بنى العباس من أمّ الفضل ذكره الدارقطنى* وأما كثير بن عباس أمه أمّ ولد رومية اسمها سبا وقيل أمه حميرية ويكنى أبا تمام ولد قبل وفاة النبىّ ﷺ بأشهر فى سنة عشر من الهجرة وكان فقيها ذكيا فاضلا روى عنه ابن شهاب وعبد الرحمن الاعرج ذكره أبو عمرو* وأما تمام بن عباس فأمه سبأ أمّ كثير المذكورة آنفا ولد على عهد رسول الله ﷺ وروى عنه قوله ﷺ لا تدخلوا علىّ قلحا استاكوا فلولا ان اشق على أمتى لامرتهم بالسواك عند كل صلاة خرجه البغوى فى معجمه وخرج أبو عمرو الى قوله استاكوا ولم يذكر ما بعده وكان تمام واليا لعلىّ على المدينة وكان قد استخلف قبله سهل بن حنيف حين توجه الى العراق ثم عزله واستجلبه لنفسه وولى تماما ثم عزله وولى أبا أيوب الانصارى ثم شخص أبو أيوب الى علىّ واستخلف رجلا من الانصار فلم يزل واليا الى أن قتل علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ذكر ذلك كله أبو عمرو* وقال الزبير بن بكار كان تمام أشدّ الناس بطشا وله عقب وقال الزبير كان للعباس عشرة بنين ستة منهم من أمّ الفضل أمامة بنت الحارث الهلالية وهذا يخالف ما سبق من ان اسم أمّ الفضل لبابة قال عبد الله بن يزيد الهلالى
ما ولدت نجيبة من فحل ... كستة من بطن أمّ الفضل
أكرم بها من كهلة وكهل
الفضل وعبد الله وعبيد الله وقثم ومعبد وعبد الرحمن وسابعتهم أمّ حبيب شقيقتهم وعون بن عباس قال أبو عمرو ولم أقف على اسم أمه وتمام وكثير لامّ ولد والحارث أمه من هذيل فهؤلاء عشرة أولاد للعباس وكان تمام أصغرهم وكان العباس يحمله ويقول
تموا بتمام فصاروا عشرة ... يا رب فاجعلهم كراما بررة
واجعل لهم ذكرا وأثم الشجرة
ذكر ذلك أبو عمرو وهذا يضادّ ما تقدّم فى كثير لانه ذكر أن كثيرا ولد قبل وفاة النبىّ صلّى الله عليه وسلم
стр. 168
بأشهر وذكر أن تماما روى عن النبىّ ﷺ فيكون كثير أصغر منه قطعا الا أن يكون هذا من قول الزبير بن بكار وغيره يخالفه فيه وقد ذكر أبو عمرو عونا والحارث فى ولد العباس وذكر أن أم الحارث هذلية وقد تقدّم ذكر الدارقطنى ذلك فى فضل ولد العباس اجمالا* قال صاحب الصفوة واسمها حجيلة بنت جندب ولم يذكر ابن قتيبة عونا فى ولد العباس وذكر الحارث وقال أمه أمّ ولد وتابعه أبو سعيد فى شرف النبوّة*
(ذكر الاناث من ولد العباس)
* وهنّ أربع أم حبيب لبابة ويقال لها أمّ حبيبة أمها أمّ الفضل وقد روى من حديث أم الفضل ان النبىّ صلّى الله عليه قال لو بلغت أمّ حبيبة بنت العباس واناحى لتزوّجتها فتوفى قبل ان تبلغ فتزوّجها الاسود بن سفيان بن عبد الاسد بن هلال المخزومى ذكره أبو عمرو وروى الدارقطنى تزوّجها الاسود بن عبد الاسد أخو أبى سلمة فولدت له رزق بن الاسود ولبابة بنت الاسود وصفية وأمينة قاله الدارقطنى ذكره ابن قتيبة وأبو سعد وقالا تمام وكثير والحارث وصفية وأمينة لامهات أولا دشتى وأما أبو عمرو فلم يذكر انثى غير أمّ حبيبة وقال صاحب الصفوة تمام وكثير وصفية وأميمة أمهم أمّ ولد فجعل أمّ الاربعة واحدة وقال أميمة ولعله تصحيف من الناسخ وذكر الدارقطنى ان أمينة تزوّجها عياش بن عتبة بن أبى لهب فولدت له الفضل الشاعر قال ولا رواية لها ولا لصفية بنت العباس وأمّ حبيب وأمّ كلثوم روى عنهما محمد بن ابراهيم التيمى ذكر الدارقطنى فى مناقب العباس أمّ كلثوم كذا فى ذخائر العقبى*
(ذكر أبى لهب) * بن عبد المطلب
اسمه عبد العزى قيل كناه به أبوه لحسنه واشراق وجهه وكانت وجنتاه كأنهما تلتهبان النار كذا فى العمدة وجملة أولاده اربعة عتبة وعتيبة ومعتب ودرة* وفى حديث أبى هزيرة جاءت سبيعة بنت أبى لهب الى النبىّ ﷺ فقالت يا رسول الله ان الناس يقولون أنت بنت حطب النار الحديث فان كانت سبيعة ودرة واحدة فأولاده أربعة وان كانت غيرها فهم خمسة ثلاثة ذكور وبنتان أسلموا يوم الفتح ولهم صحبة وعتيبة قتله الاسد بالزرقاء كافرا وسيجىء ذكره فى مناقب أمّ كلثوم ابنة رسول الله ﷺ فى الباب الثالث فى السنة الخامسة والعشرين من مولده ﷺ وأما عتبة ومعتب فأمهما أمّ جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب أخت أبى سفيان أسلما يوم الفتح وكانا قد هربا من النبىّ ﷺ روى عبد الله بن عباس عن أبيه عباس بن عبد المطلب قال لما قدم رسول الله ﷺ مكة فى عام الفتح قال لى يا عباس أين ابنا أخيك عتبة ومعتب لا أراهما قال قلت يا رسول الله تنحيا فيمن تنحى من مشركى قريش فقال اذهب اليهما فأتنى بهما قال العباس فركبت اليهما بعرفة فقلت ان رسول الله ﷺ يدعو كما فركبا معى فقد ما على رسول الله ﷺ فدعاهما الى الاسلام فأسلما وبايعا قاله أبو موسى وفى رواية فسرّ رسول الله ﷺ باسلامهما ودعا لهما وقال أبو عمرو شهد معتب وعتبة حنينا مع رسول الله ﷺ وفقئت عين معتب بحنين وكانا فيمن ثبت ولم ينهزم وشهدا معه الطائف ولم يخرجا من مكة ولم يأتيا المدينة ولهما عقب* قال الزبير بن بكار شهد عتبة وعتيبة ابنا أبى لهب حنينا مع رسول الله ﷺ وكانا فيمن ثبت وأقاما بمكة أخرجه أبو عمرو وأبو موسى ان ثبت وما أراه قول الزبير يرد عليه كذا فى أسد الغابة وسيجىء ذكر تزوّج عتبة وعتيبة بنتى رسول الله ﷺ رقية وامّ كلثوم وفراقهما اياهما قبل الدخول واما درة بنت أبى لهب فأسلمت وكانت عند نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب ولدت له عقبة والوليد وأبا سلمة وروت عن النبىّ ﷺ * عن أبى هريرة ان سبيعة بنت أبى لهب شكت الى النبىّ ﷺ اذى الناس لها وقولهم بنت حطب النار لعلى هذه اسمها وذاك لقب لها اذ لم يذكر أبو عمرو وغيره فى أولاده غير هؤلاء وذكر الدارقطنى فى كتاب
стр. 169
الاخوة والاخوات فى أولاده عتبة ومعتبا ودرّة وخالدة وعزة بنو أبى لهب وقال ولا رواية لهما يعنى عزة وخالدة*
(ذكر الاناث من أولاد عبد المطلب)
* أما أم حكيم البيضاء فهى شقيقة عبد الله أبى النبىّ ﷺ وأبى طالب والزبير وعبد الكعبة وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ وقد تقدّم ذكرها كانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف ولدت له عامر او بنات لم يذكر عددهنّ ولا أسماءهنّ ولا اسلامهنّ* فى أسد الغابة فولدت له أروى امّ عثمان وامّ عامر بن كريز أما غامر فأسلم يوم فتح مكة وبقى الى خلافة عثمان وهو والد عبد الله بن عامر بن كريز الذى ولاه عثمان العراق وخراسان وكان عمره اربعا وعشرين سنة ذكره ابو عمرو واما عاتكة المختلف فى اسلامها فأمها ايضا فاطمة بنت عمرو بن عائذ فتكون شقيقة عبد الله ابى النبىّ ﷺ وابى طالب وكانت تحت أبى امية بن المغيرة المخزومى فولدت له عبد الله وزهيرا ابنا أبى امية وكلاهما ابنا عمّ أبى جهل واخوا امّ سلمة زوج النبىّ ﷺ لابيها هكذا ذكره ابو عمرو وذكر أن امّ امّ سلمة عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة بن فراس وأن امّ عبد الله وزهير عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ واما ابو سعيد فذكر فى شرف النبوّة ان امّ سلمة بنت عمة النبىّ ﷺ عاتكة بنت عبد المطلب فتكون اخت عبد الله وزهير لابويهما والاوّل اثبت لان معه زيادة علم والثانى لعله اشتبه عليه فأما عبد الله فأسلم وكان قبل اسلامه شديد العداوة للنبىّ ﷺ وللمسلمين وهو الذى قال لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا الى أو يكون لك بيت من زخرف ثم انه خرج مهاجرا الى النبىّ ﷺ فلقيه فى الطريق بين السقيا والعرج مريدا لمكة عام الفتح فتلقاه فأعرض النبىّ ﷺ عنه مرة بعد أخرى حتى دخل على اخته أمّ سلمة وسألها ان تشفع له فشفعت فشفعها رسول الله ﷺ فأسلم وحسن اسلامه وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة مسلما وحنينا والطائف فرمى يوم الطائف بسهم فقتل ومات شهيدا وهو الذى قال له المخنث فى بيت أمّ سلمة يا عبد الله ان فتح عليكم الطائف غدا فانى أدلك على ابنة غيلان فانها تقبل باربع وتدبر بثمان وكان النبىّ ﷺ عندها فقال لا يدخلنّ هذا عليكم* وفى رواية من حديث عائشة رضى الله عنها قالت كان يدخل على ازواج النبىّ ﷺ مخنث قالت وكانوا يعدونه من غير أولى الاربة فذكرت معنى ما تقدّم وزادت فقال ﷺ أرى هذا ما ههنا لا يدخل عليكم فحجبوه وقوله تقبل بأربع أى بأربع عكن فى بطنها وتدبر بثمان لان كل عكنة لها طرفان وسيجىء فى غزوة الطائف واما زهير بن ابى أمية فقد عدّ فى المؤلفة قلوبهم* واما برة بنت عبد المطلب فأمها فاطمة ايضا وكانت عند أبى رهم بن عبد العزى العامرى فولدت له ابا سبرة ثم خلف عليها بعده عبد الاسد بن هلال المخزومى فولدت له ابا سلمة بن عبد الاسد الذى كانت عنده امّ سلمة قبل النبىّ ﷺ وقيل كانت أوّلا عند عبد الاسد ثم خلف عليها أبورهم ولم يذكر أبو سعد غيره والوجهان ذكرهما أبو عمرو واسم أبى سلمة عبد الله اسلم وهاجر الى أرض الحبشة الهجرتين وهو أوّل من هاجر الى الحبشة ومعه زوجته أمّ سلمة ثم هاجر الى المدينة وهو أوّل من هاجر اليها وكانت هجرته قبل بيعة العقبة لما آذته قريش حين قدم من الحبشة وقد بلغه اسلام من أسلم من الانصار فخرج اليها مهاجرا وشهد بدرا وجرح يوم أحد جرحا اندمل ثم انتقض عليه فمات منه وتزوّج النبىّ ﷺ بعده زوجته أمّ سلمة عن امّ سلمة قالت دخل رسول الله ﷺ على أبى سلمة وقد شق بصره فأغمضه وقال ان الروح اذا قبض تبعه البصر فصاح ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم الا بخير فان الملائكة
تؤمّن على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لابى سلمة وارفع درجته فى المهديين واخلفه فى عقبه فى الغابرين واغفر لنا وله
стр. 170
يا رب العالمين اللهم افسح له فى قبره ونوّر له قبره اخرجاه وخرجه ابو حاتم وقال فى المقرّبين مكان المهديين* واما اميمة بنت عبد المطلب فأمها ايضا فاطمة بنت عمرو بن عائذ وكانت تحت حجش بن رئاب اخى بنى تميم بن ذود بن اسد بن خزيمة فولدت له عبد الله وعبيد الله وابا احمد وزينب وأمّ حبيبة وحمنة اولاد حجش بن رئاب اسلموا كلهم وهاجر الذكور الثلاثة الى ارض الحبشة فأما عبيد الله فتنصر وبانت منه زوجته أمّ حبيبة بنت ابى سفيان بن حرب ومات عبيد الله على النصرانية بالحبشة وتزوّجها رسول الله واما ابو احمد واسمه عبد وقيل ثمامة والاوّل اصح كان سلفا لرسول الله ﷺ كانت تحته الفارغة بنت ابى سفيان بن حرب اخت امّ حبيبة ومات بعد وفاة اخته زينب وكانت وفاته سنة عشرين واما عبد الله فهاجر الهجرتين عن الشعبى قال أوّل لواء عقده رسول الله ﷺ لعبد الله بن جحش* وقال ابن اسحاق بل لواء عبيدة بن الحارث* وقال المداينى بل لواء حمزة وعبد الله هذا أوّل من سنّ الخمس فى الغنيمة للنبىّ ﷺ قبل أن يفرض ثم افترض بعد ذلك وانما كان قبل ذلك المرباع وشهد عبد الله بدرا وأحدا واستشهد بها وسيجىء فى الموطن الثالث فى غزوة أحد* عن عبد الله بن مسعود قال استشار رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش وأبا بكر وعمر رضى الله عنهم فى أسارى بدر* واما البنات فأسلمن كلهنّ ولهنّ صحبة وتزوّج ﷺ منهنّ زينب كما سيجىء وأما حمنة فكانت تحت مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار العبدرى وكان من فضلاء الصحابة فلما قتل تزوّجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمدا وعمران وهى التى استحيضت وسألت النبىّ ﷺ وحديثها فى باب الاستحاضة مشهور واما امّ حبيبة ويقال امّ حبيب كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وكانت تستحاض أيضا وأهل السير يقولون المستحاضة حمنة والصحيح عند أهل الحديث انهما استحيضتا وقد قيل ان زينب أيضا كانت تستحاض* وأما أروى بنت عبد المطلب المختلف فى اسلامها فأمها صفية بنت جندب امّ الحارث بن عبد المطلب وهى شقيقته وكانت تحت عمير بن وهب ابن عبد بن قصى فولدت له طليبا ثم خلف عليها كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى وأسلم طليب وكان سببا فى اسلام أمه* وذكر الواقدى أن طليبا أسلم فى دار الارقم ثم حرج فدخل على أمه أروى بنت عبد المطلب فقال تبعت محمدا وأسلمت لله فقالت انّ أحق من واددت وعضدت ابن خالك والله لو قدرنا على ما قدرت عليه الرجال لمنعناه وذبينا عنه فقال لها طليب ما يمنعك أن تسلمى وتتبعيه فقد أسلم أخوك حمزة فقالت انظر ما تصنع أخواتى ثم أكون من احداهنّ قال فقلت انى أسألك بالله الا أتيته فسلمت عليه وصدقته وشهدت أن لا اله الا الله قالت فانى أشهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ثم كانت بعده تعضد النبىّ ﷺ بلسانها وتحض على نصرته والقيام بأمره وهذا دليل قول من قال انها أسلمت وهاجر طليب الى أرض الحبشة وشهد بدرا فى قول ابن اسحاق والواقدى* قال الزبير بن بكار كان طليب من المهاجرين الاوّلين شهد بدرا وقتل باجنادين شهيدا ولا عقب له وقال مصعب قتل يوم اليرموك* وأما صفية بنت عبد المطلب فأسلمت باتفاق وشهدت الخندق وقتلت رجلا من اليهود وضرب لها النبىّ ﷺ بسهم وروت عن النبىّ ﷺ حديثا واحدا رواه عنها ابنها الزبير بن العوام ذكر ذلك الدارقطنى أمها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة شقيقة حمزة والمقوّم وحجل وكانت فى الجاهلية تحت الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس ثم هلك عنها فخلف عليها العوام بن خويلد اخو خديجة بنت خويلد زوج النبىّ ﷺ فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة*
ولما مات النبىّ ﷺ رثته بأبيات منها هذا البيت
стр. 171
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا
وستجىء فى الموطن الحادى عشر فى وفاة رسول الله ﷺ بتمامها روى هذه الابيات الحافظ السلفى بسنده عن هشام بن عروة وتوفيت صفية بالمدينة فى خلافة عمر سنة عشرين ولها ثلاث وسبعون سنة ودفنت بالبقيع ويقال بفناء دار المغيرة بن شعبة*
ذكر الزبير بن العوّام
وأما ابنها الزبير فأسلم قديما وهو ابن ثمان سنين وقيل ابن ست عشرة سنة وهاجر الى أرض الحبشة الهجرتين جميعا ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ وهو أوّل من سل سيفا فى سبيل الله وكان عليه يوم بدر ريطة صفراء معتجرا بها وكان على الميمنة فنزلت الملائكة على سيماه وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد وبايعه على الموت* (ذكر صفته) * كان أبيض طويلا ويقال لم يكن بالطويل ولا بالقصير الى الخفة فى اللحم ما هو ويقال كان أسمر اللون أشعر خفيف العارضين* (ذكر أولاده) * كان له من الولد عبد الله وعروة والمنذر وعاصم والمهاجر وخديجة الكبرى وامّ الحسن وعائشة أمهم أسماء بنت أبى بكر وخالد وعمرو وحبيبة وسودة وهند أمهم أمّ خالد وهى أمة الله بنت خالد بن سعيد بن العاص ومصعب وحمزة ورملة أمهم الرباب بنت أنيف بن عبيد وعبيدة وجعفر أمهما زينب أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وخديجة الصغرى أمها الحلال بنت قيس* وعن أبى الاسود قال أسلم الزبير ابن العوّام وهو ابن ثمان سنين وهاجر وهو ابن ثمانى عشرة سنة وكان عمّ الزبير يجعل الزبير فى حصر ويدخن عليه بالنار وهو يقول له ارجع الى الكفر فيقول الزبير لا أكفر أبدا* وعن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن نوفل قال كان اسلام الزبير بعد أبى بكر رابعا أو خامسا* وعن عبد الله بن الزبير قال جمع لى رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد يقول فداك أبى وأمى أخرجاه فى الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال لما كان يوم الخندق ندب النبىّ ﷺ الناس فانتدب الزبير فقال رسول الله ﷺ لكل نبىّ حوارى وحوارىّ الزبير أخرجاه فى الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال أوّل من سل سيفا فى ذات الله الزبير بن العوّام بينما هو فى مكة اذ سمع نغمة أن النبىّ ﷺ قد قتل فخرج عريانا ما عليه شىء فى يده السيف صلتا فتلقاه النبىّ ﷺ كفة كفة فقال له مالك يا زبير قال سمعت انك قد قتلت قال فما كنت صانعا قال أردت والله ان استعرض أهل مكة فدعا له النبىّ ﷺ * وعن مصعب بن الزبير قال قاتل الزبير مع رسول الله ﷺ وهو ابن اثنتى عشرة سنة فكان يحمل على القوم* عن نهيك قال كان للزبير ألف مملوك يؤدّون الضريبة لا يدخل بيت ماله منها درهم يقول يتصدّق بها* وفى رواية اخرى فكان يقسمه كل ليلة ثم يقوم الى منزله وليس معه منها شىء وعن علىّ بن زيد قال أخبرنى من رأى الزبير وان فى صدره كأمثال العيون من الطعن والرمى*
(ذكر مقتله)
* قتل الزبير يوم الجمل وهو ابن خمس وسبعين سنة ويقال ستين ويقال بضع وخمسين ويقال نيف وستين قتله ابن جرموز* وعن ذر قال استأذن ابن جرموز على علىّ وأنا عنده فقال على بشر قاتل ابن صفية بالنار ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لكل نبى حوارى وحوارىّ الزبير* وعن عبد الله بن الزبير قال جعل الزبير يوم الجمل يوصينى بدينه ويقول ان عجزت عن شىء منه فاستعن عليه بمولاى فقال فو الله ما دريت ما أراد حتى قلت يا أبت من مولاك قال الله قال والله ما وقعت فى كربة من دينه الا قلت يا مولى الزبير اقض عنه فيقضيه وانما كان دينه الذى عليه ان الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه اياه فيقول الزبير لا ولكنه سلف فانى أخشى عليه الضيعة قال فحسب ما عليه من الدين فوجدته ألفى ألف ومائتى ألف فقتل ولم يدع دينارا ولا درهما الا أرضين بعتها وقضيت دينه فقال بنو الزبير فاقسم بيننا ميراثنا قلت لا والله لا اقسم بينكم حتى أنادى
стр. 172
بالموسم أربع سنين ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه فجعل كل سنة ينادى بالموسم فلما مضى أربع سنين قسم بينهم وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف انفرد باخراج هذا الحديث البخارى كذا فى الصفوة* وأما السائب بن صفية فأسلم وشهد أحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ وقتل يوم اليمامة شهيدا* وأما عبد الكعبة فذكره أبو عمرو فى أولاد صفية كذا فى ذخائر العقبى*
(ذكر قتل شعياء وتخريب بخت نصر بيت المقدس وقصة قتل زكريا ويحيى)
* فى معالم التنزيل قال رسول الله ﷺ ان بنى اسرائيل لما اعتدوا وقتلوا الانبياء بعث الله عليهم ملك فارس بخت نصر وكان الله ملكه سبعمائة سنة فسار اليهم حتى حل بيت المقدس فحاصرها وفتحها وقتل على دم يحيى بن زكريا سبعين ألفا ثم سبى أهلها* وفى العمدة قتل مائتى ألف وسبعين ألفا وسبى مثل ذلك وأحرق التوراة وخرب بيت المقدس* وفى أنوار التنزيل وغيره ان الله تعالى أوحى الى بنى اسرائيل فى التوراة انكم لتفسدنّ فى الارض مرّتين افساد المرّة الاولى مخالفتهم أحكام التوراة وقتل شعيا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى ﵇* وفى المدارك أولاهما قتل زكريا وحبس أرميا ﵉ حين أنذرهم بسخط الله والاخيرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى ﵈ قيل وفى كون أولاهما قتل زكريا نظر وقيل رواية من روى أن بخت نصر غزا بنى اسرائيل عند قتل يحيى بن زكريا غلط عند أهل السير بل هم مجمعون على أن بخت نصر غزا بنى اسرائيل عند قتلهم شعيا فى عهد أرميا ومن وقت أرميا وتخريب بخت نصر بيت المقدس الى مولد يحيى بن زكريا اربعمائة واحدى وستون سنة وذلك انه من لدن تخريب بخت نصر الى حين عمرانه فى عهد كرش بن اخشورش اصهد بابل من قبل بهمن بن اسفنديار بن كشتاسف بن لهراسف سبعون سنة ثم بعد عمرانه الى ظهور الاسكندر على بيت المقدس ثمان وثمانون سنة ثم بعد مملكته الى مولد يحيى بن زكرياء ثلثمائة وثلاث وستون سنة والصحيح ما قاله محمد بن اسحاق من ان افسادهم فى المرّة الاولى قتل شعيا بن الشجرة وارتكابهم المعاصى وقوله تعالى بعثا عليكم عبادا لنا* قال ابن اسحاق هم بخت نصر البابلى وأصحابه وهو الاظهر والله أعلم* وفى أنوار التنزيل هم بخت نصر عامل لهراسب على بابل وجنوده وقيل جالوت الجزرى وقيل سنجاريب من أهل ينوى* وفى الكشاف سنحاريب يروى بالجيم وبالحاء المهملة* وفى لباب التأويل قال ابن اسحاق كانت بنو اسرائيل فيهم الاحداث والذنوب وكان الله فى ذلك متجاوزا عنهم محسنا اليهم وكان أوّل ما نزل بهم بسبب ذنوبهم أن ملكا منهم كان يدعى صديقة وكان الله تعالى اذا ملك عليهم ملكا بعث معه نبيا يسدّده ويرشده ولا ينزل عليه كتابا انما يؤمرون باتباع التوراة والاحكام التى فيها فلما ملك صديقة بعث الله معه شعيا بن أمضيا وذلك قبل مبعث زكرياء ويحيى وعيسى وشعيا هو الذى بشر بعيسى ومحمد ﵉ فقال ابشر أو روى شلم وهو اسم بيت المقدس ألا انه يأتيك راكب الحمار وبعده صاحب البعير فملك ذلك الملك يعنى صديقة بنى اسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه عظمت الاحداث بينهم وكان معه شعيا فبعث الله سنجاريب ملك بابل ومعه ستمائة ألف راية فلم يزل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس والملك صديقة مريض من قرحة كانت فى ساقه فجاء شعيا النبى اليه وقال يا ملك بنى اسرائيل ان سنجاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده وقدها بهم الناس وفرقوا منهم فكبر ذلك على الملك وقال يا نبىّ الله هل أتاك من الله وحى فيما حدث فتخبرنا به وكيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده فقال شعيا لم يأتنى وحى فى ذلك وبينماهم على ذلك أوحى الله الى شعيا النبى ان ائت ملك بنى اسرائيل فمره أن يوصى وصيته ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته فأتى شعيا ملك بنى اسرائيل فقال ان ربك قد أوحى الىّ أن آمرك أن توصى وصيتك وتستخلف من
стр. 173
شئت من أهل بيتك على ملكك فانك ميت فلما قال ذلك شعيا لصديقة الملك أقبل على القبلة فصلى ودعا فقال وهو يبكى ويتضرّع الى الله يقلب مخلص اللهم رب الارباب واله الآلهة يا قدّوس المقدّس يا رحمن يا رحيم يا رؤف الذى لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرنى بعملى وفعلى وحسن قضائى على بنى اسرائيل وذلك كله كان منك وأنت أعلم به منى سرّى وعلانيتى لك فاستجاب الله له وكان عبدا صالحا فأوحى الله الى شعيا أن يخبر صديقة ان ربه قد استجاب له ورحمه وأخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوّه سنجاريب فأتاه شعيا فأخبره فلما قال له ذلك انقطع عنه الحزن وخرّ ساجدا وقال الهى واله آبائى لك سجدت وسبحت وكرّمت وعظمت أنت الذى تعطى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الاوّل والآخر والظاهر والباطن وانت ترحم وتستجيب دعوة المضطرّين انت الذى اجبت دعوتى ورحمت تضرّعى فلما رفع رأسه اوحى الله الى شعيا ان قل للملك صديقة فيامر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى فيصبح وقد برأ ففعل ذلك فشفى فقال الملك لشعيا سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدوّنا هذا قال الله لشعيا قل له انى قد كفيتك عدوّك وانجيتك منهم فانهم سيصبجون موتى كلهم الا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه فلما أصبحوا جاء صارخ يصرخ على باب المدينة يا ملك بنى اسرائيل ان الله قد كفاك عدوّك فاخرج فان سنجاريب ومن معه هلكوا فخرج الملك والتمس سنجاريب فلم يوجد فى الموتى فبعث الملك فى طلبه فأدركه الطلب فى مغارة ومعه خمسة نفر من كتابه أحدهم بخت نصر فجعلوهم فى الجوامع ثم أتوا بهم الملك فلما رآهم خرّ ساجدا لله تعالى من حين طلعت الشمس الى العصر ثم قال لسنجاريب كيف رأيت فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوّته ونحن وأنتم غافلون* فقال سنجاريب قد أتانى خبر ربكم ونصره اياكم ورحمته التى يرحمكم بها قبل ان أخرج من بلادى فلم أطع مرشدا ولم يلقنى فى الشقوة الا قلة عقلى فلو سمعت أو عقلت ما غزوتكم فقال الملك صديقة الحمد لله رب العالمين الذى كفاناكم بما شاء ان ربنا لم يبقك ومن معك للكرامة بك ولكنه انما أبقاك ومن معك لتزداد واشقوة فى الدنيا وعذابا فى الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلتك ومن معك ولد مك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت* ثم ان ملك بنى اسرائيل أمر أمير حرسه أن يقذف فى رقابهم الجوامع ففعل وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وايليا وكان يرزقهم فى كل يوم خبزتين من شعير فقال سنجاريب للملك صديقة القتل خير مما يفعل بنا فأمر بهم الى السجن فأوحى الله الى شعيا النبىّ ان قل لملك بنى اسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ ذلك شعيا للملك ففعل فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمعوا الناس فأخبروهم كيف فعل الله تعالى بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحى الله الى نبيهم فلم تطعنا وهى أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنجاريب تخويفا لبنى اسرائيل ثم كفاهم الله تعالى ذلك تذكرة وعبرة ثم ان سنجاريب لبث بعد ذلك سبع سنين ثم مات واستخلف على ملكه ابن ابنه بخت نصر فعمل بعمله وقضى بقضائه فلبث سبع عشرة سنة* ثم قبض الله ملك بنى اسرائيل صديقة فخرج أمراء بنى اسرائيل فتنافسوا فى الملك حتى قتل بعضهم بعضا وشعيا نبيهم معهم لا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك قال الله لشعيا قم فى قومك أوح على لسانك ولما قام أنطق الله لسانه بالوحى وألهمه فى الوقت خطبة بليغة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية ووعظهم وناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وبشر فيها بنبينا محمد ﷺ وبين سيرته وسيرة أمته ولما فرغ من مقالته عدوا عليه
ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة
стр. 174
فانغلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم اياها فوضعوا المنشار فى وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه فى وسطها ومثل هذا منقول فى قتل زكريا أيضا كما سيجىء واستخلف الله على بنى اسرائيل بعد ذلك رجلا يقال له ناشية بن أموص وبعث لهم أرميا بن حلقيا نبيا وكان من سبط هارون بن عمران وذكر ابن اسحاق انه الخضر واسمه ارميا سمى الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهى تهتز خضراء فبعث الله أرميا الى ذلك الملك يسدّده ويرشده ثم عظمت الاحداث فى بنى اسرائيل وركبوا المعاصى واستحلوا المحارم فأوحى الله الى أرميا أن ائت قومك من بنى اسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتى وعرّفهم باحداثهم فقال أرميا انى ضعيف ان لم تقوّنى عاجز ان لم تبلغنى مخذول ان لم تنصرنى* قال الله تعالى أولم تعلم أن الامور كلها تصدر عن مشيئتى وان القلوب والالسنة بيدى أقلبها كيف شئت انى معك ولن يصل اليك شىء وانا معك فقام أرميا ولم يدر ما يقول فألهمه الله فى الوقت خطبة بليغة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال فى آخرها عن الله وانى جلفت بعزتى لا قضين لهم فتنة يتحير فيها الحليم ولا سلطنّ عليهم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم* ثم أوحى الله الى أرميا انى مهلك بنى اسرائيل بيافث ويافث أهل بابل فسلط عليهم بخت نصر فخرج فى ستمائة ألف راية ودخل بيت المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه فى بيت المقدس ففعلوا حتى ملؤه ثم أمرهم أن يجمعوا من فى بلدان بيت المقدس كلهم فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بنى اسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبى فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمها فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بنى اسرائيل فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة وفرّق من بقى من بنى اسرائيل ثلاث فرق ثلثا أقرّ بالشام وثلثا سبى وثلثا قتل وذهب بابنه بيت المقدس وبالصبيان السبعين ألف حتى قدم بابل وكانت هذه الوقعة الاولى التى أنزل الله ببنى اسرائيل بظلمهم فذلك قوله تعالى فاذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد يعنى بخت نصر وأصحابه* ثم ان بخت نصر اقام فى سلطانه ما شاء الله ثم رأى رؤيا عجيبة اذ رأى شيئا أصابه فأنساه الذى رأى وسألهم عنها فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائل وكانوا من ذرارى الانبياء وسألهم عنها فقالوا أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال ما أذكرها ولئن لم تخبرونى بها وبتأويلها لانزعنّ أكتافكم فخرجوا من عنده فدعوا الله وتضرّعوا اليه فأعلمهم الله الذى سألهم عنه فجاؤه فقالوا رأيت تمثالا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد قال صدقتم قال فبينما تنظر اليه وقد أعجبك أرسل الله صخرة من السماء فدقته فهى التى أنستكها قال صدقتم فما تأويلها قالوا تأويلها انك أريت ملك الملوك بعضهم كان ألين ملكا وبعضهم كان أحسن ملكا وبعضهم كان أشدّ ملكا الفخار أضعفه ثم فوقه النحاس أشد منه ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل والذهب أحسن من الفضة وأفضل ثم الحديد ملكك فهو أشدّ واعز مما كان قبله والصخرة التى رأيت أرسل الله من السماء فدقته نبى يبعثه الله من السماء فيدق ذلك اجمع ويصير الامر اليه ثم ان أهل بابل قالوا البخت نصر أرايت هؤلاء الغلمان من بنى اسرائيل الذى سألناك أن تعطيناهم ففعلت فانا قد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا لقد رأينا نساءنا انصرفت وجوههم عنا اليهم فأخرجهم من بين اظهرنا أو اقتلهم فقال شأنكم بهم فمن احب ان يقتل من كان فى يده فليفعل فلما قربوهم للقتل بكوا وتضرّعوا الى الله وقالوا يا ربنا أصابنا البلاء بذنوب غيرنا فوعدهم ان يحييهم فقتلوا الا من كان منهم مع بخت نصر منهم دانيال
стр. 175
وحنانيا وعزاريا وميشائل* ثم لما أراد الله تعالى هلاك بخت نصر انبعث فقال لمن فى يديه من بنى اسرائيل أرأيتم هذا البيت الذى اخربت والناس الذين قتلت من هم وما هذا البيت قالوا هذا بيت الله وهؤلاء أهله كانوا من ذرارى الانبياء فظلموا وتعدّوا قسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والارض ورب الخلائق كلهم يكرمهم ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم فاستكبر بخت نصر وتجبر وظنّ أنه بجبروته فعل ذلك ببنى اسرائيل* قال فأخبرونى كيف لى أن أطلع الى السماء العليا فأقتل من فيها واتخذها ملكا فانى قد فرغت من أهل الارض قالوا ما يقدر عليها أحد من الخلائق قال لتفعلنّ أولا قتلنكم عن آخركم فبكوا وتضرّعوا الى الله فبعث الله بقدرته بعوضة فدخلت منخره حتى عضت امّ دماغه فما كان يقرّ ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على امّ دماغه فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على امّ رأسه ليرى الله العباد قدرته ونجى الله من بقى من بنى اسرائيل فى يده وردّهم الى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه ويزعمون ان الله تعالى احيا أولئك الذين قتلوا فلحقوا بهم ثم انهم لما دخلوا الشام دخلوها وليس معهم من الله عهد كانت التوراة قد احترقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فلما رجع الى الشام جعل يبكى ليله ونهاره وخرج عن الناس فبينا هو كذلك اذ جاء رجل فقال له يا عزير ما يبكيك قال أبكى على كتاب الله وعهده الذى كان بين أظهرنا الذى لا يصلح ديننا وآخرتنا غيره قال افتحب أن يردّ اليك ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد الى المكان الذى وعده فجلس فيه فأتى ذلك الرجل باناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله اليه فسقاه الملك من ذلك الاناء فمثلت له التوراة فى صدره فرجع الى بنى اسرائيل فوضع لهم التوراة فأحبوه حبا لم يحبوا حبه شيئا قط* ثم قبضه الله تعالى فجعلت بنو اسرائيل بعد ذلك يحدثون الاحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث اليهم من انبيائهم زكريا ويحيى وعيسى ﵈ وكانوا من بيت آل داود فزكريا مات وقيل قتل والمشهور انه نشر بالمنشار وقصدوا عيسى ليقتلوه فرفعه الله من بين أظهرهم وقتلوا يحيى وسيجىء كيفية قتله فلما فعلوا ذلك بعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش فصار اليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤساء جنوده يقال له بيور زاذان صاحب القتل فقال له انى كنت قد حلفت بالهى لئن أنا طفرت على أهل بيت المقدس لاقتلنهم حتى يسيل الدم فى وسط عسكرى فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم* ثم ان بيور زاذان دخل بيت المقدس فقام فى البقعة التى كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد دما يغلى فسألهم عنه فقال يا بنى اسرائيل ما شأن هذا الدم يغلى أخبرونى خبره فقالوا هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك يغلى ولقد قربنا القربان من ثمانمائة سنة فتقبل منا الا هذا فقال ما صدقتمونى فقالوا لو كان كأوّل زماننا لقبل منا ولكن قد انقطع منا الملك والنبوّة والوحى فلذلك لم يقبل منا فذبح بيور زاذان منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رؤسهم فلم يهدأ الدم فأمر بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ* فلما رأى بيور زاذان ان الدم لا يهدأ قال لهم يا بنى اسرائيل ويلكم أصدقونى واصبروا على أمر ربكم فقد طال ما ملكتم فى الارض تفعلون ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار من ذكر ولا انثى الا قتلته فلما رأوا الجهد وشدّته صدقوه الخبر فقالوا ان هذا دم نبىّ كان ينهانا عن امور كثيرة من سخط الله فلو كنا اطعناه كنا أرشدنا وكان يخبرنا عن امركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه قال لهم بيور زاذان ما كان اسمه قالوا يحيى بن زكريا قال الآن صدقتمونى لمثل هذا ينتقم ربكم منكم* فلما رأى بيور زاذان
стр. 176
انهم صدقوه خرّ ساجدا وقال لمن حوله أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش وخلافى بنى اسرائيل ثم قال يا يحيى بن زكريا يا قد علم ربى وربك ما أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ باذن ربك قبل أن لا أبقى من قومك أحدا فهدأ الدم باذن الله تعالى ورفع بيور زاذان عنهم القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو اسرائيل وأيقنت انه لا رب غيره وقال لبنى اسرائيل ان خردوش أمرنى أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وانى لا أستطيع أن اعصيه قالوا له افعل ما أمرت به فأمرهم فخندقوا خندقا وأمرهم بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والابل والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم فى العسكر وامر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتلوا من المواشى فلم يظنّ خردوش الا أن ما فى الخندق من دماء بنى اسرائيل فلما بلغ الدم عسكره ارسل الى بيور زاذان أن ارفع عنهم القتل ثم انصرف الى بابل وقد أفنى بنى اسرائيل أولاد وهى الوقعة الاخيرة التى انزل الله ببنى اسرائيل فى قوله لتفسدن فى الارض مرّتين فكانت الوقعة الاولى بخت نصر وجنوده والاخيرة خردوش وجنوده وكانت اعظم الوقعتين فلم يقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها الى الروم واليونانيين الا أن بقايا بنى اسرائيل كثير وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على وجه الملك وكانوا فى نعمة الى أن بدلوا وأحدثوا فسلط الله عليهم ططوس بن اسبيانوس الرومى فأخرب بلادهم وطردهم منها ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضرب عليهم الذلة فليسوا فى أمة الا وعليهم الصغار والجزية فبقى بيت المقدس خرابا الى خلافة عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره* روى أن زكريا بن برخيا وعمران بن ماثان كانا متزوّجين بأختين احداهما عند زكريا وهى أشاع بنت فاقوذ امّ يحيى والاخرى عند عمران وهى حنة بنت فاقوذ امّ مريم امّ عيسى* وفى العرائس والمختصر أن بنى اسرائيل اتهموا زكريا بمريم فهرب منهم فدخل من خوفه جوف شجرة فقطعوها بالمنشار وفلقوها به فلقتين طولا ويقال انه مات موتا وكان زكريا ابن برخيا من ولد سليمان بن داود ﵉* وفى الكامل لما قتل يحيى ﵇ وسمع أبوه بقتله فرّ هاربا فدخل بستانا عند بيت المقدس فيه اشجار فأرسل الملك فى طلبه فمرّ زكريا بشجرة فنادته الىّ يا نبىّ الله فلما أتاها انشقت فدخلها وانطبقت عليه فبقى فى وسطها فأتى عدوّ الله ابليس لعنه الله فأخذ هدب ردائه فأخرجه من الشجرة ليصدّقوه اذا أخبرهم ثم لقى الطلب فقال لهم ما تريدون فقالوا نلتمس زكريا فقال انه سحر هذه الشجرة فانشقت له فدخلها فقالوا لا نصدّقك قال انى آتى بعلامة تصدّقونى بها وأراهم طرف ردائه فقطعوا الشجرّة وشقوها بالمنشار فمات زكريا فيها*
سبب قتل يحيى ﵇
وقيل فى سبب قتل يحيى ﵇ ان ملك بنى اسرائيل كان يكرمه ويدنى مجلسه وان الملك هوى بنت امرأته وقال ابن عباس ابنة أخيه فسأل يحيى تزويجها فنهاه عن نكاحها فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها الحلى وأرسلتها الى الملك وأمرتها أن تسقيه فان رادوها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فاذا أعطاها ما سألت سألت رأس يحيى بن زكريا أن يؤتى به فى طست ففعلت فلما راودها قالت لا أفعل حتى تعطينى ما أسألك قال فما تسألينى قالت رأس يحيى بن زكريا فى هذا الطست فقال ويحك سلينى غير هذا قالت ما اريد غير هذا فلما أبت عليه بعث فأتى برأسه حتى وضع بين يديه والرأس تتكلم تقول لا يحل لك فلما أصبح اذا دمه يغلى فأمر بتراب فألقى عليه فرقى الدم يغلى فلا زال يلقى عليه التراب وهو يغلى حتى بلغ سور المدينة وهو فى ذلك يغلى ويرقى فسلط الله عليهم ملك بابل خردوش فخرب بيت المقدس وقتل سبعين ألفا حتى سكن هكذا ذكر فى لباب التأويل واما فى غيره فقد ذكر وجه آخر فى قتله وذكر بعض احواله وجاء فى الخبر ان الشمس بكت على يحيى ﵇ اربعين صباحا وكان بكاؤها ان طلعت حمراء وغربت حمراء
стр. 177
ويروى أن يحيى بن زكريا سيد الشهداء يوم القيامة وقائدهم الى الجنة وذابح الموت يوم القيامة* وفى الفتوحات قال الشارع وهو الصادق صاحب العلم الصحيح والكشف الصريح ان الموت يجاء به يوم القيامة فى صورة كبش أملح يعرفه الناس ولا ينكره أحد فيذبح بين الجنة والنار وروى أن يحيى ﵇ هو الذى يضجعه ويذبحه بشفرة تكون فى يده والناس ينظرون اليه* وفى معالم التنزيل ذكر وهب بن منبه ان الله مسخ بخت نصر نسرا فى الطير ثم مسخه ثورا فى الدواب ثم مسخه أسدا فى الوحوش وكان مسخه الله سبع سنين وقلبه فى ذلك قلب انسان ثم ردّ الله اليه ملكه فآمن فسئل وهب أكان بخت نصر مؤمنا قال وجدت أهل الكتاب اختلفوا فيه فمنهم من قال مات مؤمنا ومنهم من قال احرق بيت المقدس وكتبه وقتل الانبياء فغضب الله عليه فلم يقبل توبته وذكر السدّى هلاك بخت نصر بوجه آخر غير ما ذكر من اهلاك البعوضة فقال لما رجع الى صورته بعد المسخ وردّ الله اليه ملكه كان دانيال وأصحابه أكرم الناس فحسدهم المجوس وقالوا لبخت نصر ان دانيال اذا شرب خمرا لم يملك نفسه أن يبول وكان ذلك عارا عندهم فجعل لهم طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وقال للبوّاب انظر أوّل من يخرج يبول فاضربه بالطير زين فان قال لك أنا بخت نصر فقل له كذبت بخت نصر أمرنى فكان أوّل من قام للبول بخت نصر فلما رآه البوّاب شدّ عليه فقال أنا بخت نصر فقال كذبت بخت نصر أمرنى فضربه فقتله*
نقش خاتم دانيال
وفى نهاية الكفاية فى شرح الهداية كان على خاتم دانيال صورة أسد ولبوة بوزن سمرة وهى انثى الاسد وبينهما صبى يلحسانه فلما نظر اليه عمر اغر ورقت عيناه أى دمعتا وأصل ذلك ان بخت نصر حيث استولى أخبر أن بعض ما يولد فى زمانك يقتلك فكان يتتبع قتل الصبيان فيقتلهم فلما ولد دانيال ألقته أمه فى غيضة رجاء أن ينجو من القتل فقيض الله تعالى له اسدا يحفظه ولبوة ترضعه وهما يلحسانه فأراد دانيال بهذا النقش على خاتمه أن يحفظ منة الله عليه* وفى حياة الحيوان قالوا قبر دانيال بنهر السوس ووجده أبو موسى الاشعرى فأخرجه وكفنه وصلّى عليه ثم قبره بنهر السوس وأجرى عليه الماء* وعن أبى الزناد أنه قال رأيت فى يد أبى بردة بن أبى موسى الاشعرى خاتما نقش فصه أسدان بينهما رجل وهما يلحسانه قال أبو بردة هذا خاتم دانيال أخذه أبو موسى الاشعرى حين وجده يوم دفنه
*
(ذكر ظهور زمزم فى زمن عبد المطلب ثانيا)
* وكانت مدفونة بعد جرهم زها خمسمائة سنة لا يعرف مكانها كما يجىء* وفى سيرة مغلطاى سميت زمزم بذلك لانها زمت بالتراب أو لزمزمة الماء فيها* وفى سيرة ابن هشام وهى دفن بين صنمى قريش اساف ونائلة عند منحر قريش كانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة وهى بئر اسماعيل بن ابراهيم التى سقاه الله حين ظمئ وهو صغير فالتمست له أمه ماء فلم تجده فقامت على الصفا تدعو الله وتستسقيه لاسماعيل ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك وبعث الله جبريل فهمزها بعقبه فى الارض فظهر الماء وسمعت أمه أصوات السباع فخافت عليه فأقبلت تشتدّ نحوه فوجدته يفحص بيديه عن الماء تحت خدّه ويشرب فجعلته حبسا كما مرّ فى ابتداء ظهور زمزم* وفى المواهب اللدنية أن الجرهمى عمرو بن الحارث لما أحدث قومه بحرم الله الحوادث قيض الله لهم من أخرجهم من مكة فعمد عمرو الى نفائس فجعلها فى زمزم وبالغ فى طمها وفرّ الى اليمن بقومه فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة الى ان رفعت الحجب برؤيا منام رآها عبد المطلب دلته على حفرها بامارات عليها قال ابن هشام فى سيرته حدّثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن اسحاق المطلبى قال بينما عبد المطلب بن هاشم نائم فى الحجر اذ أتى فأمر بحفر زمزم* وفى رواية ان زمزم بقيت منطمسة بعد جرهم زها خمسمائة سنة لا يعرف مكانها الى أن بلغت نوبة حكومة مكة ورياسة أهلها عبد المطلب وتعلقت ارادة الله القديمة باظهارها فأمر عبد المطلب فى المنام بحفرها* وفى سيرة ابن هشام كان
стр. 178
أوّل ما بدأ به عبد المطلب من حفرها كما روى عن عبد الله بن زريق الغافقى أنه سمع علىّ بن أبى طالب يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها* قال قال عبد المطلب انى لنائم فى الحجر اذ أتانى آت فقال احفر طيبة قلت وما طيبة قال قال ثم ذهب عنى فلما كان الغد رجعت الى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال احفر برة قلت وما برة ثم ذهب عنى فلما كان الغد رجعت الى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال احفر المضنونة قلت وما المضنونة ثم ذهب عنى فلما كان الغد رجعت الى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال احفر زمزم قال قلت وما زمزم قال لا تنزف أبدا ولا تذم تسقى الحجيج الاعظم وهى بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الاعصم عند قرية النمل وكذا أورده ابن الجورى فى الحقائق الا انه لم يذكر عند قرية النمل وزاد بعد نقرة الغراب الاعصم قوله وهى شرف لك ولولدك وكان غراب أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم* قال ابن اسحاق فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره فجعل يحفر ثلاثة أيام حتى بدا له كذا فى الحقائق فلما بدا لعبد المطلب الطى كبر وقال هذا لطوى اسماعيل فعرفت قريش انه قد أدرك حاجته فقاموا اليه فقالوا يا عبد المطلب انها بئرأ بينا اسماعيل وان لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها قال ما أنا بفاعل ان هذا الامر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم قالوا له فأنصفنا فانا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بينى وبينكم من شئتم أحاكمكم اليه قالوا كاهنة بنى سعد بن هذيم قال نعم وكانت باشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أمية من بنى عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر قال والارض اذ ذاك مفازة فخرجوا حتى اذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا انا بمفازة نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوّف على نفسه وأصحابه قال فماذا ترون قالوا ما رأينا الا تبع لرأيك فمرنا بما شئت قال فانى أرى أن يحفر كل رجل منكم حفيرة لنفسه بما بكم الآن من القوّة فكلما مات رجل دفنه أصحابه فى حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا قالوا نعم ما أمرت به فقام كل رجل منهم فخفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ثم ان عبد المطلب قال لاصحابه والله ان القاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب فى الارض ونبتغى لا نفسنا لعجز فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا فارتحلوا حتى اذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون اليهم ما هم فاعلون تقدّم عبد المطلب الى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملؤا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش وقال هلمّ الى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا فجاؤا فشربوا واستقوا ثم قالوا قدو الله قضى لك علينا يا عبد المطلب والله لا نخاصمك فى زمزم أبدا ان الذى سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذى سقاك زمزم فارجع الى سقايتك راشدا فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا الى الكاهنة وخلوا بينه وبينها* قال ابن اسحاق فهذا الذى بلغنى من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه فى زمزم وقد سمعت من يحدّث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم
ثم ادع بالماء الروا غير الكدر ... تسقى حجيج الله فى كل مبر
ليس يخاف منه شىء ما عمر
فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك الى قريش فقال تعلمون انى قد أمرت أن أحفر زمزم قالوا فهل بين لك أين هى قال لا قالوا فارجع الى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت فان يك حقا من الله يبين لك أين هى وان يكن من الشيطان فلن يعود اليك فرجع عبد المطلب الى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له احفر
стр. 179
زمزم فانك ان حفرتها لم تندم وهى تراث من أبيك الاعظم لا تنزف أبدا ولا تذم تسقى الحجيج الاعظم مثل نعام حافل لم يقم ينذر فيها ناذر لمنعم تكون ميراثا وعقدا محكم ليس كبعض ما قد تعلم وهى بين الفرث والدم* قال ابن هشام هذا الكلام والكلام الذى قبله فى حديث علىّ فى حفر زمزم من قوله لا تنزف أبدا ولا تذم الى قريه عند قرية النمل عندنا سجع وليس بشعر* قال ابن اسحاق فزعموا انه حين قيل له ذلك قال وأين هى قيل له عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا فالله أعلم أىّ ذلك كان* وفى بعض الكتب فرأى فى المنام يقال له زمزم وما زمزم هزمة جبريل برجله وسقيا اسماعيل وأهله زمزم البركات تروى الرماق الواردات شفاء سقام وخير طعام وأرى مرّة اخرى قيل له احفر تكتم بين الفرث والدم وعند نقر الغراب الاعصم وفى قرية النمل مستقبل الاصنام الحمر وفى القاموس تكتم على ما لم يسم فاعله اسم بئر زمزم كمكتوم وفى الحديث الغراب الاعصم الذى احدى رجليه بيضاء رواه ابن أبى شيبة وقيل أحمر المنقار والرجلين رواه الحاكم فى مستدركه وفى الاحياء الاعصم أبيض البطن وقال غيره أبيض الجناحين وقيل أبيض الرجلين كذا فى حياة الحيوان فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس فى المسجد ينتظر ما سمى له من الآيات فنحرت بقرة بالحزورة وهى بأسفل مكة سميت باسم أمة لرجل يقال له وكيع بن سلمة وكان اليه أمر البيت فبنى فيه ضريحا جعل فيه أمة يقال لها خرورة وجعل فيه سلما يرقاه ويقول بزعمه انه يناجى ربه كذا فى شفاء الغرام فبينما تنحر البقرة انفلتت منحورة عن جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت فى المسجد فى موضع زمزم فجزرت فى مكانها حتى احتمل لحمها فأقبل غراب يهوى حتى وقع فى الفرث والدم فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب يحفر هناك فجاءت قريش فقالوا له لم تحفر فى مسجدنا فقال انى لحافر هذه البئر ومجاهد من صدّنى عنها فطفق يحفر هو وابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره فسفه عليهما ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما حتى اذا اشتدّ عليه الاذى نذر لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه وسهل الله له حفر زمزم لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة كذا فى أنوار التنزيل* وعبارة المواهب اللدنية فمنعته قريش من ذلك قالوا لم تحفر هنالك فآذاه من السفهاء من آذاه واشتدّ بذلك بلواه ومعه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه فنذر لئن جاءه عشر بنين وصاروا له أعوانا ليذبحنّ أحدهم لله قربانا فأعان الله عبد المطلب حتى غلب مع ابن واحد على سائر قريش فامتنعوا عنه* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين اساف ونائله اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر فقامت اليه قريش حين رأوا جدّه وقالوا والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب لابنه الحارث ذدعنى حتى أحفر فو الله لا مضين لما أمرت به فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه فلم يحفر الا يسيرا حتى بداله الطى فكبر وعرف أنه قد صدق فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم فيها حين خرجت من مكة ووجدت فيها أسيافا قلعية وأدراعا فقالت له قريش يا عبد المطلب لنا معك فى هذا شرك وحق قال لا ولكن هلم الىّ أمر نصف بينى وبينكم نضرب عليها بالقداح قالوا وكيف تصنع قال أجعل للكعبة قد حين ولى قد حين ولكم قد حين فمن خرج قدحاه على شىء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شىء له قالوا أنصفت فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقد حين أسودين لعبد المطلب وقد حين أبيضين لقريش ثم اعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها عند هبل وهبل صنم فى جوف الكعبة على بئر وكانت تلك البئر هى التى يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكان أعظم أصنامهم وهو الذى يعنى أبو سفيان بن حرب يوم
стр. 180
أحد حين قال اعل هبل أى ظهر دينك وقام عبد المطلب يدعو الله وضرب صاحب القداح فخرج الاصفران على الغزالين للكعبة وخرج الاسودان على الاسياف والادراع لعبد المطلب وتخلف قدحا قريش فضرب عبد المطلب الاسياف بابا للكعبة وضرب فى الباب الغزالين من ذهب فكان أوّل ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون* وفى شفاء الغرام أوّل من علق المعاليق بالكعبة فى الجاهلية على ما قيل عبد المطلب علقها بالغزالين من الذهب اللذين وجدهما فى زمزم حين حفرها وكانا معلقين مدّة حتى سرقوهما*
سرقة الغزالين من الكعبة
وقصته أن جماعة من قريش كانوا فى ليلة من الليالى يشربون الخمر وفيهم أبو لهب ومعهم القيان ولما فنيت أسباب طربهم عمدوا الى باب الكعبة وسرقوا الغزالين وباعوهما من تجار قدموا مكة بالخمر وغيرها واشتروا بثمنهما جميع ما فى العير من الخمر بالمرة واشتغلوا بالطرب واللهو شهرا ولم يدر من سرق حتى مرّ العباس بن عبد المطلب فى ليلة من الليالى بباب الدار التى تلك الجماعة فيها فسمع القيان يغتين بقصة سرقة الغزالين من باب الكعبة وبيعهما من أهل القافلة وأخبر بها العباس قريشا فأخذوهم وضربوهم وقطعوا أيدى بعضهم ثم ان عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج
*
(ذكر بئار قبائل قريش بمكة)
* قال ابن هشام وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة فيما حدّثنى زياد بن عبد الله عن محمد بن اسحاق قال حفر عبد شمس بن عبد مناف الطوى وهى البئر التى بأعلى مكة عند البيضاء دار محمد بن يوسف الثقفى وحفر هاشم بن عبد مناف بذر وهى البئر التى عند المستند حطم الخندمة وهى على فم شعب أبى طالب وزعموا أنه قال حين حفرها لأجعلنها بلاغا للناس قال ابن هشام وقال الشاعر
سقى الله أمواها عرفت مكانها ... جرابا وملكوما وبذر والغمرا
قال ابن اسحاق وحفر سجلة وهى بئر المطعم بن عدىّ بن نوفل بن عبد مناف التى يسقون عليها اليوم تزعم بنو نوفل أن المطعم بن عدى ابتاعها من أسد بن هاشم وتزعم بنو هاشم أنه وهبها له حين ظهرت زمزم فاستغنوا بها عن تلك الآبار وحفر أمية بن عبد شمس الحفر لنفسه وحفرت بنو أسد بن عبد العزى شفية وهى بئر بنى أسد وحفرت بنو عبد الدار امّ احزاد وحفرت بنو جمح السنبلة وهى بئر خلف بن وهب وحفرت بنو سهم الغمر وهى بئر بنى سهم وكانت آبار حفائر خارجة من مكة قديمة من عهد مرّة بن كعب بن كلاب بن مرّة وكبراء قريش الاوائل منها يشربون وهى رم ورم بئر مرّة بن كعب وحم وخم بئر بنى كلاب بن مرّة والحفر* وقال حذيفة بن غانم أخو بنى عدى بن كعب بن لؤى قال ابن هشام وهو ابن أبى جهم بن حذيفة
وقد ما غنينا قيل ذلك حقبة ... ولا نستقى الا بخم أو الحفر
قال ابن اسحاق فعفت زمزم على البئار التى كانت قبلها يستقى عليها الحاج وانصرف الناس اليها لمكانها من المسجد الحرام ولفضلها على ما سواها من المياه ولانها بئر اسماعيل بن ابراهيم ﵉ وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب* وفى البحر العميق فلم يزل هاشم ابن عبد مناف يسقى الحاج حتى توفى فقام بأمر السقاية بعده عبد المطلب بن هاشم فلم يزل كذلك حتى حفر زمزم فعفت على آبار مكة فكان منها شرب الحاج وكانت لعبد المطلب ابل كثيرة اذا كان الموسم جمعها ثم سقى لبنها بالعسل فى حوض من أدم عند زمزم ويشترى الزبيب فينبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج ليكسر غلظ ماء زمزم وكانت اذ ذاك غليظة جدّا وكان للناس اذ ذاك فى بيوتهم أسقية فيها الماء من هذه الآبار ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر لتكسر عنهم غلظ ماء آبار مكة وكان الماء العذب بمكة عزيزا لا يوجد الا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون خارج مكة فلبث عبد المطلب يسقى الناس حتى توفى
следующие страницы →