← Сира

Сира · id 9784

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

الديار بكري

Полный текст (908 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولا نعصيه فى معروف والسمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره وأثرة علينا وأن لا ننازع الامر أهله وأن نقول بالحق حيث كنا لا نخاف فى الله لومة لائم قال ﵇ فان وفيتم فلكم الجنة ومن غشنى وفعل من ذلك شيئا كان أمره الى الله ان شاء عذبه وان شاء عفا عنه ولم يفرض يومئذ القتال ثم انصرفوا الى المدينة وبعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير الى المدينة يعلم أهلها الاحكام ويقرئ القرآن فنزل على أسعد بن زرارة وفى المواهب اللدنية أظهر الله الاسلام أى فى المدينة وكان أسعد بن زرارة يجتمع بالمدينة بمن أسلم وكتبت الاوس والخزرج الى النبىّ ﷺ ابعث الينا من يقرئنا القرآن فبعث اليهم مصعب بن عمير فأسلم خلق كثير وفشا الاسلام فيهم وكتب الى رسول الله ﷺ يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له فجمع بهم فى دار سعد بن خيثمة وكان أوّل من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ ثم قدم مصعب على رسول الله ﷺ مع السبعين الذين وافوه كما سيجىء فى العقبة الثانية فأقام مصعب بمكة قليلا ثم قدم قبل رسول الله ﷺ المدينة مهاجرا فهو أوّل من قدمها والله أعلم* (ذكر صفة مصعب بن عمير) * كان رقيق البشرة ليس بالطويل ولا بالقصير قتل يوم أحد وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئا كذا فى الصفوة وسيجىء فى الموطن الثالث فى غزوة أحد* ذكر بيعة العقبة الكبرى وفى ذى الحجة من السنة الثالثة عشر من النبوّة قبل الهجرة بثلاثة أشهر وقعت بيعة العقبة الكبرى وبعضهم يسميها العقبة الثانية ومقتضى ما قدّمناه أن تسمى الثالثة كذا فى الوفاء وفى التاريخ الاوسط للبخارى انّ أهل مكة سمعوا هاتفا يهتف قبل اسلام سعد بن معاذ وهو يقول فان يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف وفى رواية من الأمن لا يخشى خلاف مخالف فقالت قريش لو علمنا من السعدان قال عند ذلك أيا سعد سعد الاوس ان كنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا الى داعى الهدى وتمنيا ... على الله فى الفردوس منية عارف قال أهل السير فى السنة الثالثة عشر من النبوّة قدم مكة فى موسم الحج قريب من خمسمائة نفر وفى رواية ثلثمائة نفر من الاوس والخزرج وخرج معهم مصعب بن عمير الى مكة واتفق منهم سبعون رجلا قال ابن سعد يزيدون رجلا أو رجلين وامرأتان نسيبة بنت كعب أمّ عمارة وأسماء بنت عمر وقال ابن اسحاق ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان وقال الحاكم خمس وسبعون نفسا لاقوا رسول الله ﷺ فواعدهم أن يحضروا شعب العقبة فى الليلة الثالثة من ليالى التشريق للمبايعة* وفى الصفوة جاء قوم من أهل العقبة يطلبون رسول الله ﷺ فقيل لهم هو فى بيت العباس فدخلوا عليه فقال لهم العباس انّ معكم من قومكم هو مخالف لكم فأخفوا أمركم حتى يتصدع هذا الحاج ونلتقى نحن وأنتم فنوضح لكم هذا الامر فتدخلون فيه على أمر بين فوعدهم رسول الله ﷺ الليلة التى فى صبيحتها النفر الآخر وفى رواية فواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق والمعنى واحد أن يوافيهم أسفل العقبة وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا ولما فرغوا من الحج وكانت الليلة الموعودة خرج القوم بعد هدء الناس* وفى المنتقى باتوا تلك الليلة فى رحالهم حتى اذا مضى ثلث الليل خرجوا من رحالهم لميعاد رسول الله ﷺ يتسللون مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعوا فى الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعين رجلا ومعهم امرأتان أمّ عمارة بنت كعب احدى نساء بنى مازن وأسماء بنت عمرو بن عدىّ احدى نساء بنى سليم وقد سبقهم رسول الله ﷺ ومعه العباس

стр. 317

وليس معه غيره وهو يومئذ على دين قومه الا أنه يحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويوثق له فلما جلس واجتمعوا له كان أوّل من تكلم العباس فقال يا معشر الخزرج وكانت الاوس والخزرج تدعى الخزرج قد دعوتم محمدا الى ما دعوتموه ومحمد من أعز الناس فى عشيرته يمنعه والله من كان على قوله ومن لم يكن كذلك منعه للحسب والشرف وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم* وفى وفاء الوفاء وقد أبى الا الانحياز اليكم فان كنتم أهل قوّة وجلد ونظر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فانها سترميكم عن قوس واحدة فارتاؤا رأيكم وائتمروا أمركم فلا تفرّقوا الا عن اجتماع فانّ أحسن الحديث أصدقه وأخرى صفوا لى الحرب كيف تقاتلون عدوّكم فأسكت القوم وتكلم عبد الله بن عمرو بن حزام فقال نحن والله أهل الحرب غذينا بها ومرّينا وورثناها عن آبائنا كابرا عن كابر نرمى بالنسل حتى تفنى ثم نطاعن بالرماح حتى تكسر ثم نمشى بالسيوف فنضرب بها حتى يموت الاعجل منا أو من عدوّنا فقال العباس هل فيكم دروع قالوا نعم شاملة وقال البراء بن معرور قد سمعنا ما قلت والله لو كان فى أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ولكن نريد الوفاء والصدق ويذل المهج وأنفسنا دون رسول الله ﷺ وعن الشعبى قال انطلق رسول الله ﷺ بالعباس الى السبعين عند العقبة تحت الشجرة فقال العباس ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة فانّ عليكم من المشركين عينا وان يعلموا بكم فيفضحوكم فقال قائلهم وهو أسعد يا محمد سل لربك ما شئت ثم سل لنفسك وأصحابك ما شئت ثم أخبرنا مالنا من الثواب على الله اذا فعلنا ذلك فقال أسألكم لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسى ولاصحابى أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم قالوا فما لنا اذا فعلنا ذلك قال الجنة قالوا فلك ذلك* وفى المنتقى تكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا الى الله ورغب فى الاسلام ثم قال أبايعكم أو قال بايعونى قالوا على أىّ شىء نبايعك يا رسول الله قال بايعونى على السمع والطاعة فى النشاط والكسل والنفقة فى العسر واليسر وعلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وأن تقولوا فى الله ولا تخافوا لومة لائم وعلى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم وأزواجكم فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذى بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه العزيز فينا فبايعوا رسول الله ﷺ والعباس آخذ بيد رسول الله يؤكد له البيعة على الانصار وقالوا فنحن والله أهل الحرب والحلقة ورثناها كابرا عن كابر فعرض فى الحديث أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله انّ بيننا وبين الناس يعنى اليهود حبالا وانا قاطعوها فهل عسيت ان نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع الى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم وفى رواية المحيا محياكم والممات مماتكم أنتم منى وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وقال أخرجوا منكم اثنى عشر رجلا نقيبا يكونون على قومهم فأخرجوا اثنى عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس وقال رسول الله ﷺ للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء كفالة الحواريين لعيسى ابن مريم قالوا نعم روى عن عاصم بن عمرو بن قتادة انّ القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ قال العباس ابن عبادة بن نضلة الانصارى يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال انكم تبايعونه على حرب الاسود والاحمر من الناس فان كنتم ترون أنكم اذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن وهو والله خزى الدنيا والآخرة ان فعلتم وان كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه اليه على نهك الاموال وقتل الاشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا فانا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الاشراف فما لنا بذلك يا رسول الله ان نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط

стр. 318

يدك فبسط يده فبايعوه قال عاصم بن عمرو والله ما قال العباس ذلك الا ليشدّ العقد لرسول الله ﷺ فى أعناقهم وقال عبد الله بن أبى بكر والله ما قال العباس ذلك الا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبى بن سلول فيكون أقوى لامر القوم فالله أعلم أىّ ذلك كان فبنو النجار يزعمون أنّ أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوّل من ضرب على يده وبنو عبد الاشهل يقولون بل ابو الهيثم ابن التيهان قال كعب بن مالك أوّل من ضرب على يدى رسول الله ﷺ البراء بن معرور ثم تتابع القوم قال كعب فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب هل لكم فى مذمم والصبأة معه قد جمعوا على حربكم فقال رسول الله ﷺ هذا أزب العقبة وفى رواية ابن أزب العقبة لا فرغنّ لك أى عدوّ الله ارجعوا الى رحالكم نصركم الله فقال له العباس بن عبادة بن نضلة والذى بعثك بالحق لئن شئت لنميلنّ غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله ﷺ لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا الى رحالكم فرجعنا الى مضاجعنا فنمنا عليها فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤنا فى منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج انا قد بلغنا انكم جئتم الى صاحبنا هذا فتستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعون على حربنا والله ما من حىّ من العرب أبغض الينا ان تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركى قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شىء وما علمناه وقد صدقوا لم يعلموا ثم انّ قريشا أتوا عبد الله بن أبى بن سلول فذكروا له ما قد سمعوا من أصحابه فقال وما كان قومى ليتفوّتوا علىّ بمثل هذا وما علمته ثم انهم قالوا لرسول الله ﷺ أتخرج معنا قال ما أمرت به قال رزين وقد قيل وقع بين قريش والانصار كلام فى سبب خروج النبىّ ﷺ معهم ثم ألقى الرعب فى قلوب قريش فقالوا ليس يخرج معكم الا فى بعض أشهر السنة ولا تتحدّث العرب بأنكم غلبتمونا فقالت الانصار الامر فى ذلك لرسول الله ﷺ ونحن سامعون لامره فأنزل الله على رسوله وان يريدوا أن يخدعوك فانّ حسبك الله أى ان كان كفار قريش يريدون المكربك فسيمكر الله بهم فانصرفت الانصار الى المدينة* وفى سيرة ابن هشام قال ونفر الناس من منى فتفتش القوم الخبر فوجدوه قد كان قال ابن اسحاق وخرجوا فى طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمر وأخا بنى ساعدة ابن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا وقيل انّ قريشا بدالهم فخرجوا فى آثارهم فأدركوا منهم رجلين كانا تخلفا فى أمر فردّوهما الى مكة المنذر والعباس بن عبادة فأدركهما جبير بن مطعم والحارث ابن أمية فخلصاهما فلحقا بأصحابهما وفى رواية انّ الرجلين هما المنذر وسعد بن عبادة فأمّا المنذر فأعجز القوم ونجا وأمّا سعد فأخذوه وربطوا يديه الى عنقه بشسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا شعر كثير ثم خلصه منهم جبير بن مطعم والحارث بن أمية لانه كان يجير لهما تجارتهما ويمنعهم أن يظلموا ببلده* هجرة أبى بكر الى الحبشة وفى هذه السنة هاجر أبو بكر الى الحبشة روى أنه لما ابتلى المسلمون وكثر ايذاء المشركين واضرارهم استأذن ابو بكر رسول الله ﷺ وخرج نحو أرض الحبشة ولما بلغ برك الغماد لقى ابن الدغنة اسمه ربيعة وهو سيد القارة قال أبن تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجنى قومى فأريد أن أسيح فى الارض فأعبد ربى فقال ابن الدغنة فانّ مثلك يا أبا بكر لا يخرج فانك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار ارجع فاعبد ربك ببلدك فرجع أبو بكر فى جوار ابن الدغنة ومكث بمكة يعبد ربه فى داره ويصلى فيها ويقرأ ما يشاء ولا يستعلن بصلاة ولا يقرأ فى غير داره ثم بداله فبنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فتنقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون اليه وكان

стр. 319

أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه اذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين وخافوا أن تفتن نساؤهم وأبناؤهم فأرسلوا الى ابن الدغنة أن قل لابى بكر أن يقتصر على أن يعبد ربه فى داره ولا يعلن بالصلاة فانا قد خشينا أن تفتن نساؤنا وأبناؤنا فانهه فان قبل فعل وان أبى الا أن يعلن بذلك فسله أن يردّ اليك ذمّتك ولسنا مقرّين لابى بكر الاستعلان فأتى ابن الدغنة أبا بكر وقال له ما قال له المشركون قال أبو بكر انى أردّ اليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى والنبىّ ﷺ يومئذ بمكة* (ذكر هجرة أصحابه الى المدينة) * قال أهل السير لما أبرم عقد المبايعة بين النبىّ ﷺ وبين أهل المدينة ولم يقدر أصحابه أن يقيموا بمكة من ايذاء المشركين ولم يصبروا على جفوتهم رخص لهم فى الهجرة الى المدينة* وفى الصحيحين قال ﵇ رأيت انى مهاجر من مكة الى أرض بها نخل فذهب وهلى الى اليمامة أو هجر فاذا هى المدينة يثرب ووقع للبيهقى من حديث صهيب رأيت دار هجرتكم سبخة بين ظهرانى حرّتين فامّا أن تكون هجر أو يثرب ولم يذكر اليمامة* قال بعض العلماء أرى النبىّ ﷺ دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها ثم أرى الصفة المختصة بالمدينة فتعينت ثم أذن النبىّ ﷺ لاصحابه فى الهجرة الى المدينة وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الخروج فتوجه بين العقبتين جماعة منهم ابن أمّ مكتوم ثم عمار بن ياسر ثم بلال وسعد ابن أبى وقاص ويقال انّ أوّل من هاجر الى المدينة أبو سلمة بن عبد الاسد المخزومى زوج أمّ سلمة وذلك انه أوذى لما رجع من الحبشة فعزم على الرجوع اليها ثم بلغه قصة الاثنى عشر من الانصار فتوجه الى المدينة فقدمها بكرة وقدم بعده عامر بن ربيعة عشية ثم توجه مصعب بن عمير ليفقه من أسلم من الانصار ثم توالى خروجهم بعد العقبة الاخيرة فخرجوا أرسالا منهم عمر بن الخطاب وأخوه زيد ابن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وصهيب وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وعبيدة بن الحارث وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وعثمان بن عفان وغيرهم لم يبق معه ﷺ الا أبو بكر الصدّيق وعلى بن أبى طالب كذا قال ابن اسحاق وغيره* وفى بعض كتب السير أوّل من هاجر الى المدينة أبو سلمة بن عبد الاسد المخزومى قبل بيعة العقبة بسنة ثم قدم المدينة بعد أبى سلمة عامر ابن ربيعة مع امرأته ليلى ثم عبد الله بن جحش ثم أبو أحمد بن جحش ثم تتابع الاصحاب الى المدينة أرسالا* وفى سيرة مغلطاى عن ابن اسحاق ثم عمر بن الخطاب وأخوه زيد بن الخطاب وعباس بن أبى ربيعة وطلحة بن عبيد الله وصهيب وزيد بن حارثة وأبو مرثد كناز بن الحصين وابنه مرثد وأنسة وأبو كبيشة وعبيدة بن الحارث وأخوه الطفيل وحصين ومسطح بن أثاثة وسويبط وعبد الرحمن بن عوف والزبير ابن العوّام وأبو سبرة وأبو حذيفة بن عتبة وسالم مولاه وعتبة بن غزوان وعثمان بن عفان انتهى وبقى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلىّ بمكة وكان رسول الله ﷺ ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد من المسلمين الا أخذ وحبس أو فتن الا على بن أبى طالب وأبو بكر وابو بكر كثيرا ما كان يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة فيقول له رسول الله ﷺ لا تعجل لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا فرجا أبو بكر أن يكون ذلك الصاحب رسول الله ﷺ * وفى صحيح البخارى تجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله ﷺ على رسلك فانى لارجو أن يؤذن لى فقال له أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر لتسمنا وينتظر أنه ﷺ متى يؤمر بالهجرة الى المدينة روى انّ أبا بكر رأى فى المنام فى بعض تلك الايام انّ القمر نزل من السماء بطحاء مكة ودخل البلد الحرام فأضاءت منه أمّ القرى

стр. 320

وما حولها ثم صعد الى السماء فنزل المدينة وأشرقت أرض يثرب بنوره وكثير من الكواكب تحرّكت موافقات له ثم انّ ذلك القمر مع تلك الكواكب الجمة صعدت الى الهواء وهبطت فى حرم مكة وأرض يثرب مضيئة بعد كما كانت الا ثلثمائة وستين بيتا وفى رواية أربعمائة بيت* ولما انتهى ذلك القمر الى البلد الحرام استنار ما حول الحرم أيضا ثم سار القمر نحو المدينة ودخل منزل عائشة فانشقت الارض وتوارى فيها فلما انتبه أبو بكر غلبة البكاء اذ كان ماهرا فى معرفة تعبير الرؤيا ومشهورا بين العرب بهذا الفنّ فنظر بنظر الاعتبار فى تعبير تلك الرؤيا فعلم ان ذلك القمر شمس فلك الرسالة وانّ تلك الكواكب اللوامع أصحابه وأقر باؤه الذين يختارون الغربة بموافقته ويهاجرون الى المدينة ورجوع ذلك القمر مع تلك الكواكب الى مكة دليل على ان فتح مكة سيحصل له ودخوله منزل عائشة علامة انها تشرف بشرف فراشه فى المدينة وانشقاق الارض وتوارى القمر فيها مشير الى أن وفاته ﷺ تكون بالمدينة ويدفن فى بيت عائشة فاعترى أبا بكر من هذه الرؤية غمان أحدهما غم الهجرة من دياره وترك وطنه المألوف والثانى غم مفارقة النبىّ ﷺ فتفكر فى نفسه فقال أمّا مفارقة النبىّ ﷺ فأمر صعب وأمّا الغربة فلا أباليها اذا كنت معه ﷺ كما قيل لو ضمنى بيت نمل والحبيب به ... لكان ذلك لى روض وبستان وأطيب الارض ما للقلب فيه هوى ... سم الخياط مع المحبوب ميدان وقيل رحب الفلاة مع الاعداء ضيقة ... سم الخياط مع الاحباب ميدان فترصد رفاقته وانتظر صحبته ﷺ * ومن تعبيرات أبى بكر ما ذكر فى حياة الحيوان انّ عائشة رضى الله عنها رأت ثلاثة أقمار سقطن فى حجرها فقال لها أبو بكر ان صدقت رؤياك فانه يدفن فى بيتك ثلاثة من خيار أهل الارض فلما دفن النبىّ ﷺ فى بيتها قال لها أبو بكر هذا أحد أقمارك وهو خيرها والله أعلم* (ذكر مشاورة قريش فى اخراجه أو حبسه أو قتله واخبار جبريل بذلك اياه ﷺ واذنه له بالهجرة) * قال أصحاب السير لما رأت قريش انّ رسول الله ﷺ أصابوا منعة وأصحابا بغير بلدهم ونزلوا دارا ووجدوا مهاجرا قريبا يهاجر اليه بقية أصحابه عرفوا انه قد عزم أن يلحق بهم وسيحميه المدنيون فخافوا خروجه اليهم وحذروا تفاقم أمره فاجتمعوا بدار الندوة للمشاورة وهى دار قصى بن كلاب وكانت قريش لا تقضى أمرا الا فيها وفيها يتشاورون وحجبوا الناس عن الدخول اليهم لئلا يدخل أحد من بنى هاشم فيطلع على حالهم فزعم ابن دريد فى الوشاح انهم كانوا خمسة عشر رجلا* وفى المولد لابن دحية كانوا مائة رجل ولما قعدوا للتشاور تبدى لهم ابليس فى صورة شيخ نجدى جليل فوقف على باب الدار فلما رأوه قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذى تواعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأى ونصح* وفى معالم التنزيل سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا منى رأيا ونصحا قالوا ادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة وفى رواية تبدى لهم الشيطان فى صورة شيخ نجدى لابس مرقع وجلس* وفى المواهب اللدنية تمثل لهم الشيطان فى صورة شيخ نجدى لانهم قالوا كما ذكره بعض أهل السير لا يدخلن فى المشاورة معكم أحد من أهل تهامة لانّ هواهم مع محمد فلذلك تمثل فى صورة شيخ نجدى قالوا من الشيخ ومن أدخلك فى خلوتنا هذه بغير اذننا قال أنا شيخ من قبيلة نجد وجدت وجوهكم مليحة ورائحتكم طيبة أردت أن أسمع كلامكم وأقتبس منه شيئا ولقد أعرف مقصودكم وان كنتم

стр. 321

تكرهون جلوسى معكم فاخرج قالت قريش بعضهم لبعض هذا رجل من نجد لا من مكة فلا يضركم حضوره معكم فشرعوا فى الكلام وقال بعضهم لبعض ان هذا الرجل يعنى محمدا ﷺ قد كان من أمره ما كان وانا والله لا نأمن منه الوثوب علينا بمن اتبعوه فأجمعوا فيه رأيا فقال أبو البخترى ابن هشام* وفى رواية قال هشام بن عمرو رأيى أن تحبسوه فى بيت وتشدّوا وثاقه وتسدّوا بابه غير كوّة تلقون اليه طعامه وشرابه منها وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك فيه كما هلك من الشعراء من كان قبله كزهير والنابغة فصرخ عدوّ الله الشيخ النجدى فقال بئس الرأى رأيتم والله لو حبستموه لخرج أمره من وراء الباب الى أصحابه فوثبوا وانتزعوه من أيديكم قالوا صدق الشيخ* وقال هشام بن عمرو وفى رواية أبو البخترى رأيى أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضرّكم ما صنع واسترحتم فقال الشيخ النجدى والله ما هذا لكم برأى ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به فو الله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حىّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يبايعوه ثم يسير بهم حتى يطؤكم بهم فقالوا صدق والله الشيخ فقال أبو جهل والله انّ لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم فقال رأيى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطى كل فتى سيفا صار ما ثم يعمدون اليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه فانهم اذا فعلوا ذلك تفرّق دمه فى القبائل كلها فلا تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم قال الشيخ النجدى القول ما قال هذا الفتى هو أجودكم رأيا لا رأى لكم غيره* وفى خلاصة الوفاء وصوّب ابليس قول أبى جهل لما اختلفوا فيما يفعلون بالنبىّ ﷺ أرى أن يعطى خمسة رجال من خمسة قبائل سيفا سيفا فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرّق دمه فى هذه البطون فلا يقدر لكم بنو هاشم على شئ فتفرّقوا على رأى أبى جهل مجمعين على قتله فأخبر جبريل بذلك رسول الله ﷺ * وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق وكان مما أنزل الله فى ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين وقوله أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قال ابن هشام المنون الموت وريب المنون ما يريب ويعرض منها قال أبو ذئب الهذلى أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع الاعتاب الارضاء * (الركن الثالث فى الوقائع من أول هجرته ﷺ الى وفاته وفيه أحد عشر موطنا) ** (الموطن الاوّل) * فى وقائع السنة الاولى من الهجرة وهى السنة التى فى الثامن والعشرين من صفرها أو فى غرّة ربيع الاوّل منها وقعت الهجرة الى المدينة وهى السنة الرابعة عشر من المبعث والرابعة والثلاثون من ملك كسرى برويز والتاسعة من ملك هرقل وأوّل هذه السنة المحرم وفيه فصلان) * * (الفصل الاوّل فى خروجه ﷺ مع أبى بكر من مكة الى الغار ولبثهما فيه ثلاثة أيام وخروجهما منه الى المدينة وما وقع لهم فى الطريق من لحوق سراقة اياهما ومرورهما بخيمتى أمّ معبد ولقيهم بريدة بن الحصيب ولقيهم طلحة أو الزبير فى الطريق وموت براء بن معرور واستقبال أهل المدينة ونزوله بقباء ولبثه فى بنى عمرو بن عوف وتأسيسه مسجد قباء) * قال أصحاب السير لما استقرّ رأى قريش بعد المشاورة على قتله ﷺ أتاه جبريل وأخبره بذلك وقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه وأذن الله له عند ذلك

стр. 322

بالخروج الى المدينة كذا فى معالم التنزيل* وفى رواية قال له جبريل ان الله يأمرك بالهجرة* وفى شواهد النبوّة لما أمر رسول الله ﷺ بالهجرة سأل جبريل عمن يهاجر معه قال أبو بكر الصدّيق فمن ذلك اليوم سماه الله صديقا* وعن ابن عباس قال ان الله آذن نبيه فى الهجرة بهذه الآية وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا أخرجه الترمذى وصححه هو والحاكم كذا فى الوفاء والمواهب اللدنية* وفى العمدة أمر أن يقول له عند الهجرة وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق وآذن الله ﵎ نبيه محمدا ﷺ عند ذلك فى الهجرة وكان أبو بكر رجلا ذا مال فكان حين استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة قال له رسول الله ﷺ لا تعجل لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا فطمع أبو بكر بأنّ رسول الله ﷺ انما يعنى نفسه حين قال له ذلك فابتاع راحلتين فحبسهما فى داره يعلفهما اعدادا لذلك فحدّثنى من لا أتهم عن عروة بن الزبير عن عائشة أمّ المؤمنين أنها قالت كان لا يخطأ أن يأتى رسول الله ﷺ بيت أبى بكر أحد طرفى النهار امّا بكرة وامّا عشية حتى اذا كان اليوم الذى أذن الله تعالى فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرانى قومه أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها قالت فلما رآه أبو بكر قال ما جاء رسول الله ﷺ فى هذه الساعة الا لأمر حدث قالت فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله ﷺ عليه وليس عند أبى بكر الا أنا وأختى أسماء بنت أبى بكر فقال رسول الله ﷺ أخرج عنى من عندك فقال يا نبىّ الله انما هى ابنتاى وما ذاك فداك أبى وأمى قال انّ الله تعالى قد أذن لى فى الخروج والهجرة قالت فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله قال نعم* وفى المنتقى قالت عائشة فبينا نحن جلوس فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة قال قائل لابى بكر هذا رسول الله ﷺ متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فدى له أبى وأمّى والله ما جاء به فى هذه الساعة الا أمر فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل فقال لابى بكر أخرج من عندك فقال أبو بكر انما هم أهلك بأبى أنت وأمى يا رسول الله قال فانى قد أذن لى فى الخروج قال أبو بكر الصحبة بأبى أنت وأمّى يا رسول الله قال نعم* وفى رواية أذن له باذن الله أن يصحبه قالت عائشة رأيت أبا بكر يبكى من الفرح وما كنت أظنّ الى ذلك الوقت أن يبكى أحد من الفرح قال فخذ احدى راحلتىّ هاتين قال رسول الله ﷺ بالثمن* قال الواقدى ثمنها ثمانمائة درهم وان المأخوذة كانت هى القصوى وانها كانت من نعم بنى قشير كان اشتراها أبو بكر منهم وانها عاشت حتى ماتت فى خلافة ابى بكر الصدّيق وكانت مرسلة ترعى فى البقيع وكذا فى طبقات ابن سعد أن ثمنها كان ثمانمائة درهم كذا فى الوفاء* وفى رواية قال ابو بكر عندى ناقتان قد كنت أعددتهما للخروج فأعطى النبىّ احداهما وهى الجدعاء قاله ابن اسحاق وقال انها كانت من نعم بنى الحريش وكذا فى رواية ابن حبان انها الجدعاء كذا فى الوفاء قالت عائشة فجهزناهما احث الجهاز وصنعنا لهما سفرة فى جراب فقطعت اسماء بنت ابى بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين هكذا رواية ابن عباس* وفى رواية عن أسماء قالت فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به فقلت لابى بكر والله ما أجد شيئا أربط به الانطاقى قال فشقيه باثنتين فاربطى بواحدة السقاء وبالاخرى السفرة ففعلت فلذلك سميت ذات النطاقين رواه البخارى وسيجىء غير ذلك* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبى بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما اذا أمسى فى الغار بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر وكان يفعل ذلك وأمر عامر

стр. 323

ابن فهيرة مولى أبى بكر أن يرعى عليهما منحة لابى بكر ليشربا من لبنها واستأجر أبو بكر رجلا من بنى الدئل هاديا حريتا أى ماهرا بالهداية ليدلهما على الطريق يقال له عبد الله بن الاريقط الديلى الليثى* قال النووى لا نعلم له اسلاما وفى الرياض النضرة الليث بن عبد الله بن الاريقط* وفى الوفاء ذهب أبو بكر الى عبد الله بن أريقط قاله ابن عقبة* وفى تهذيب بن هشام عبد الله بن أرقد وفى رواية الاموى عن ابن اسحاق أريقد وفى العتبية رقيط من بنى الدئل بن بكر بن كنانة وأمّه امرأة من بنى سهم بن عمرو وكان مشركا أو قال على دين الكفار فأمنه ودفع اليه لراحلتين وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال* وفى سيرة ابن هشام بلفظ التثنية فى استأجرا ودفعا اليه راحلتيهما فكانتا عنده لميعادهما* وفى أنوار التنزيل الغار ثقب فى أعلا ثور وثور جبل بمنى مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثا* وفى القاموس يقال له ثور أطحل واسم الجبل اطحل نزله ثور بن عبد مناة فنسب اليه ذلك الجبل ذكر ابن جبير أن جبل ثور من مكة على ثلاثة أميال* وفى معجم ما استعجم انه من مكة على ميلين وارتفاعه نحو ميل وفى أعلاه الغار الذى دخله النبىّ ﷺ مع أبى بكر وهو المذكور فى القرآن والبحر يرى من أعلا هذا الجبل وفيه من كل نبات الحجاز وشجره وفيه شجرة البان وفيه شجرة من حمل منها شيئا لم تلدغه الهامة انتهى* ولما كانت العتمة اجتمع المشركون بمكة على باب النبىّ ﷺ ثم ترصدوه متى ينام فيثبون عليه فيهلكونه* وفى الوفاء اجتمعت قريش الى باب الدار فقال أبو جهل لا تقتلوه حتى تجتمعوا يعنى الخمسة من القبائل الخمس وجعل يقول لهم هذا محمد كان يزعم لكم انكم ان تابعتموه كنتم ملوك العرب والعجم ويكون لكم فى الآخرة جنات تأكلون منها وان لم تتابعوه يكون له فيكم ذبح فى الدنيا ويوم القيامة نار تحرقون فيها فقال رسول الله ﷺ نعم والله كذا أقول وكذا يكون وأنت أحدهما فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم واجتماعهم قال لعلىّ نم على فراشى واتشح ببردى الحضرمى الاخضر فانه لا يخلص اليك شئ تكرهه منهم وكان رسول الله ﷺ ينام فى برده ذلك اذا نام* وفى خلاصة الوفاء فلن يخلص اليك منهم أمر فردّ هذه الودائع الى أهلها وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق ان رسول الله ﷺ فيما بلغنى أخبر عليا بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدّى عن رسول الله ﷺ الودائع التى عنده وليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه الاوضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته فبات علىّ على فراش النبىّ ﷺ تلك الليلة وخرج رسول الله ﷺ الى الغار ولما خرج قام على رؤسهم وقد ضرب الله على أبصارهم* وفى رواية أخذ الله أبصارهم عنه ونزل تلك الليلة أوّل سورة يس فأخذ قبضة من تراب وجعل ينثره على رؤسهم وهو يقرأ انا جعلنا فى أعناقهم أغلالا الى قوله فهم لا يبصرون وتلا واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ثم أتى منزل ابى بكر فخرجا من خوخة كانت له فى ظهر البيت وعمدا الى غار ثور* وفى الاستيعاب أذن الله له فى الهجرة الى المدينة يوم الاثنين وكانت هجرته فى ربيع الاوّل وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وقدم المدينة يوم الاثنين قريبا من نصف النهار فى الضحى الاعلى لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاوّل هذا قول ابن اسحاق وكذا قال غيره الا أنه قال كان مخرجه الى المدينة لهلال ربيع الاوّل وقال أبو عمرو وقد يروى عن ابن شهاب أنه قدم المدينة لهلال ربيع الاوّل وقال عبد الرحمن ابن المغيرة قدم المدينة يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الاوّل* وقال الكلبى خرج من الغار ليلة الاثنين أوّل يوم من ربيع الاوّل وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت منه قال أبو عمرو

стр. 324

وهو قول ابن اسحاق الا فى تسمية اليوم فان ابن اسحاق يقول يوم الاثنين والكلبى يقول يوم الجمعة واتفقا لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاوّل وغيرهما يقول لثمان خلت منه فالاختلاف أيضا فى تاريخ قدومه المدينة كما ترى* وفى الصفوة قال يزيد بن حبيب خرج رسول الله ﷺ من مكة فى صفر وقدم المدينة فى ربيع الاوّل* وفى الوفاء ذكر موسى بن عقبة عن الزهرى أن الخروج كان فى بقية تلك الليلة وكان ذلك بعد العقبة بشهرين وليال وقال الحاكم بثلاثة أشهر أو قريبا منها ويرجح الاوّل ما جزم به ابن اسحاق من انه خرج أوّل يوم من ربيع الاوّل فيكون بعد العقبة بشهرين وبضعة عشر يوما وكذا جزم به الاموى فقال خرج لهلال ربيع الاوّل وقدم المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت منه قال فى فتح البارى وعلى هذا كان خروجه يوم الخميس وهو الذى ذكره محمد بن موسى الخوارزمى لكن قال الحاكم تواترت الاخبار بأن الخروج كان يوم الاثنين والدخول يوم الاثنين وجمع الحافظ ابن حجر بينهما بأنّ خروجه من مكة كان يوم الخميس أىّ فى أثناء ليلته لما قدمناه وخروجه من الغار يعنى غار ثور ليلة الاثنين لانه أقام فيه ثلاث ليال ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الاحد وخرج فى أثناء ليلة الاثنين كذا فى المواهب اللدنية ومن روى لليلتين لعله لم يحسب أوّل ليلة وكانت مدّة اقامته ﷺ بمكة بعد النبوّة بضع عشرة سنة ويدل عليه قول صرمة ثوى فى قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو ألفى صديقا مؤاتيا وقال عروة عشرا وقال ابن عباس خمس عشرة سنة* وفى رواية عنه عشر سنين ولم يعلم بخروجه الا علىّ وآل أبى بكر* وفى سيرة اليعمرى ولما بلغ ثلاثا وخمسين سنة هاجر من مكة الى المدينة يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الاوّل وأقام المشركون ساعة فجعلوا يتحدّثون فأتاهم آت وقال ما تنتظرون قالوا ننتظر أن نصبح فنقتل محمدا قال قبحكم الله وخيبكم أو ليس قد خرج عليكم وجعل على رؤسكم التراب قال أبو جهل أو ليس ذاك مسجى ببرده والآن كلمنا فلما أصبحوا قام علىّ عن الفراش فقال أبو جهل صدقنا ذلك المخبر فاجتمعت قريش وأخذت الطرق وجعلت الجعائل لمن جاء به فانصرفت عيونهم ولم يجدوا شيئا وفى رواية لما قال القائل قد خرج ونثر على رؤسكم التراب فما ترون ما بكم وضع كل رجل منهم يده على رأسه فاذا فيه التراب ثم جعلوا يتطلعون وينظرون من شق الباب فيرون عليا على الفراش متسج ببرد رسول الله ﷺ يحسبونه النبىّ ﷺ فيحرسونه ويقولون ان هذا المحمد تائم عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فوثبوا عليه فقام علىّ من الفراش فقالوا له أين صاحبك قال لا علم لى قيل انهم ضربوا عليا وحبسوه ساعة ثم تركوه واقتصوا أثر النبىّ ﷺ فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم وروى أنه لم يبق أحد من الذين وضع على رؤسهم التراب الا قتل يوم بدر وأنشأ علىّ فى بيوتته فى بيت النبىّ ﷺ هذه الابيات وقيت بنفسى خير من وطئ الثرى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول اله خاف أن يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الاله من المكر وبات رسول الله فى الغار آمنا ... موقى وفى حفظ الاله وفى ستر وبت أراعيهم وما يثبتوننى ... وقد وطنت نفسى على القتل والاسر قال الغزالى فى الاحياء ان ليلة بات علىّ بن أبى طالب على فراش رسول الله ﷺ أوحى الله تعالى الى جبريل وميكائيل انى آخيت بينكما وجعلت عمر أحد كما أطول من عمر الاخر فأيكما يؤثر صاحبه بحياة فاختار كلاهما الحياة وأحباها فأوحى الله اليهما أفلا كنتما مثل علىّ بن أبى طالب آخيت بينه وبين محمد فبات علىّ على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة اهبطا الى الارض

стр. 325

فاحفظاه من عدوّه فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ينادى بخ بخ من مثلك يا ابن أبى طالب تباهى بك الملائكة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد* وفى عمدة المعانى الاية نزلت فى الزبير والمقداد وقيل فى صهيب وخباب وعمار ابن ياسر وقيل فى علىّ حين نام على فراش رسول الله ﷺ ليلة الغار* وروى أن أبا بكر حين خرج الى الغار احتمل ماله كله وكان ذا مال وهو خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم فانطلق بها معه* وفى الاستيعاب روى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا أنفقها كلها على رسول الله ﷺ وفى سبيل الله وقال رسول الله ﷺ ما نفعنى مال الا مال أبى بكر* وفى معالم التنزيل ان أبا بكر حين انطلق مع رسول الله ﷺ الى الغار جعل يمشى ساعة بين يديه وساعة خلفه فقال رسول الله ﷺ مالك يا أبا بكر قال أذكر الطلب فأمشى خلفك ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك وفى دلائل النبوّة فجعل مرّة يمشى أمامه ومرّة خلفه ومرّة عن يمينه ومرة عن يساره فقال رسول الله ﷺ ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك فقال يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك وكان رسول الله ﷺ قد خلع نعليه فى طريق الغار وكان يمشى على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثرهما على الارض حتى حفيت رجلاه فلما رآه أبو بكر وقد حفيت رجلاه حمله على كاهله وجعل يشتدّ حتى أتى الغار كذا فى دلائل النبوّة (قوله) حفيت رجلاه أى رقتا من كثرة المشى ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل وكان حافيا والا فلا يحتمل بعد المكان ذلك أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة ويدل عليه قوله فمشى رسول الله ﷺ ليلته ولا يحتمل ذلك مشى ليلة الا تقدير ذلك أو سلوك غير الطريق تعمية على الطلب كذا فى الرياض النضرة وأما ما وقع فى رواية ابن هشام عن عروة عند ابن حبان انهما ركبا حتى أتيا المغار فتواريا فلا ينافى مواعدتهما الدليل الديلى بأن يأتى بالراحلتين بعد ثلاث لاحتمال أن يكون ما ركبا غير راحلتيهما أو اياهما ثم ذهب بهما عامر بن فهيرة الى الدليل كذا فى الوفاء وأيضا لا ينافى ذلك ما ذكر من نقب القدم وحمل أبى بكر اياه لاحتمال أن يكون كل واحد منهم فى بعض الطريق وروى عن أبى بكر أنه قال لعائشة لو رأيتنى ورسول الله ﷺ اذ صعدنا الغار فأما قدما رسول الله ﷺ فتفطرتا وأما قدماى فعادتا كأنهما صفوان قالت عائشة ان رسول الله ﷺ لم يتعوّد الحفية ولا الرعية وروى عن أبى بكر أنه قال نظرت الى قدمى رسول الله ﷺ فى الغار وقد قطرتا دما فاستبكيت فعلمت أنه ﷺ لم يتعوّد الحفاء والجفوة قال ابن هشام وحدّثنى بعض أهل العلم أن الحسن البصرى قال انتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر الى الغار ليلا فدخل أبو بكر الى الغار قبل رسول الله ﷺ فلمس الغار لينظر أفيه سبع أوحية ليقى رسول الله ﷺ بنفسه* وفى معالم التنزيل قال أبو بكر يا رسول الله مكانك حتى استبرئ الغار وكان ذلك الغار مشهورا بكونه مسكن الهوام والوحش قال ادخل فدخل فرأى غارا مظلما فجلس وجعل يلتمس بيده كلما وجد حجرا أدخل فيه اصبعه حتى انتهى الى حجر كبير فأدخل رجله الى فخذه فأخرجه* وفى رواية كلما وجد حجرا شق ثوبه فألقمه اياه حتى فعل ذلك بثوبه كله فبقى حجر فألقمه عقبه* وفى الرياض النضرة فجعل الحيات والافاعى يضربنه ويلسعنه انتهى وعلى كلا التقديرين لدغته الحية تلك الليلة قال أبو بكر فلما ألقمت عقبى الجحر لدغتنى الحية وان كانت اللدغة أحب الىّ من أن يلدغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 326

انتهى ثم قال أبو بكر ادخل يا رسول الله فانى سوّيت لك مكانا فدخل فاضطجع رسول الله ﷺ وأما أبو بكر فكان متألما من لدغة الحية ولما أصبحا رأى النبىّ ﷺ على أبى بكر أثر الورم فسأل عنه فقال من لدغة الحية فقال النبىّ ﷺ هلا أخبرتنى قال كرهت أن أوقظك فسجه النبىّ ﷺ بيده فذهب ما به من الورم والالم ثم قال فأين ثوبك يا أبا بكر فأخبره بما فعل فعند ذلك رفع النبىّ ﷺ يديه فقال اللهم اجعل أبا بكر فى درجتى يوم القيامة فأوحى الله اليه قد استجاب لك كذا فى المنتقى خرجه الحافظ أبو الحسين بن بشر والملا فى سيرته عن ميمون بن مهران عن ضبة بن محصن الغنوى* وعن ابن عباس قال له رسول الله ﷺ رحمك الله صدّقتنى حين كذبنى الناس ونصرتنى حين خذلنى الناس وآمنت بى حين كفر بى الناس وآنستنى فى وحشتى فأى منة لاحد علىّ مثلك خرجه فى فضائله ذكره فى الرياض النضرة* وفى معالم التنزيل قال رسول الله ﷺ لابى بكر أنت صاحبى فى الغار وصاحبى على الحوض* قال الحسن بن الفضل من قال ان أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لانكاره نص القرآن وفى سائر الصحابة اذا أنكر يكون مبتدعا لا كافرا* وفى المشكاة عن عمر بن الخطاب أنه قال لما انتهى رسول الله ﷺ الى الغار قال أبو بكر والله لا تدخله حتى أدخل قبلك فان كان فيه شىء أصابنى دونك فدخل فكسبه فوجد فى جانبه تقبا فشق ازاره فسدّها وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه ثم قال لرسول الله ﷺ ادخل فدخل رسول الله ﷺ ووضع رأسه فى حجر أبى بكر ونام فلدغ أبو بكر فى رجله من الحجر ولم يتحرّك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فانتبه فقالى مالك يا أبا بكر قال لدغت فداك أبى وأمى فتفل فيه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده ثم انتقض عليه وكان سبب موته رواه رزين وفى حديث الخجندى ثم قال أبو بكر بعد سدّ الحجر انزل يا رسول الله دليل على أن باب الغار من أعلاه كذا فى الرياض النضرة* وحكى الواقدى أن رسول الله ﷺ لما دخل الغار دعا بشجرة كانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار فحجبت أعين الكفار* وذكر ثابت بن قاسم فى الدلائل أن رسول الله ﷺ لما دخل الغار وأبو بكر معه أنبت الله على بابه الراءة قال هشام هى شجرة معروفة وهى أمّ غيلان فحجبت عن الغار أعين الكفار وعن أبى حنيفة أنها تكون مثل قامة الانسان لها خيطان وزهر أبيض يحشى به المخاد فيكون كالريش لخفته ولينه لانه كالقطن وخرج أبو بكر البزار فى مسنده من حديث أبى مصعب المكى قال أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك يحدّثون أن النبىّ ﷺ لما كانت ليلة بات فى الغار أمر الله ﵎ شجرة أو قال الراءة فنبتت فى وجه الغار فسترت وجه النبى ﷺ وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار فعششتا على بابه* قال السهيلى وحمام الحرم من نسلهما كذا فى سيرة مغلطاى* وفى معالم التنزيل حتى باضتافى أسفل النقب* وفى القصة أنبت الله ثمامة على فم الغار* وفى المواهب اللدنية أخرج أبو نعيم فى الحلية عن عطاء ابن ميسرة قال نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان طالوت يطلبه ومرّة على النبىّ ﷺ فى الغار انتهى قيل وكذا نسجت على الغار الذى دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه النبىّ ﷺ لقتل سفيان بن خالد بن نبيح الهذلى بالعرنة فقتله ثم احتمل رأسه ودخل فى غار فنسجت عليه العنكبوت وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين* وفى تاريخ ابن عساكران العنكبوت

стр. 327

نسجت أيضا على عورة زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب لما صلب عريانا فى سنة احدى وعشرين ومائة وسيأتى فى الخاتمة أنه قتل بالكوفة فى المصاف وكان قد خرج وبايعه خلق فحاربه نائب العراق يوسف بن عمر وظفر به يوسف فقتله وصلبه عريانا وبقى جسده مصلوبا أربع سنين* روى أن المشركين كانوا يعلمون محبة النبىّ ﷺ لابى بكر رضى الله عنه فذهبوا لطلبه فوقفوا على بابه وفيهم أبو جهل فخرجت اليهم أسماء بنت أبى بكر فقالوا لها أين أبوك قالت لا أدرى فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدّها لطمة خرج منها قرطها فسقط ثم انصرفوا فوقعوا فى طلبهما* وفى الاكتفاء ولما فقدت قريش رسول الله ﷺ طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها وبعثوا القافة يتبعون أثره فى كل وجه فوجد الذى ذهب قبل ثور أثره هناك فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انتهى الى ثور وشق على قريش خروج رسول الله ﷺ وجزعوا لذلك فطفقوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم ويرسلون من يطلبه فيما بعد عنهم وجعلوا مائة بعير لمن ردّه عليهم ولما انتهوا الى فم الغار وقد كانت العنكبوت ضربت على بابه بعشاش بعضها على بعض بعد أن دخله رسول الله ﷺ قال قائل منهم ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف ما أربكم فى الغار ان عليه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد* وفى الشفاء وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يولد محمد قالوا فنهى رسول الله ﷺ عن قتل العنكبوت وقال انها جند من جنود الله* وفى رواية أقبل فتيان من مشركى قريش من كل بطن رجل بعصيهم وسيوفهم ومعهم قائف من قافة بنى مدلج وهم المشهورون بالقيافة بين العرب فالتمسوا أثرهما فوجدوه وقصوه الى أن بلغ قرب جبل ثور ففقدوه هناك فقال القائف ما أدرى أين وضعا أقدامهما بعد هذا ولما دنوا من الغار قال القائف والله ما جاوز مطلوبكم من هذا الغار فعند ذلك حزن أبو بكر فقال له رسول الله ﷺ لا تحزن ان الله معنا قال يا رسول الله لو نظر فى موضع قدميه لرآنا* وفى رواية لا بصرنا تحت قدميه* وفى الرياض النضرة فيه دلالة على أن باب الغار كان من أعلاه فقال له النبىّ ﷺ يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما* وفى تفسير الكورانى قد روى أنه ﵇ لما رآى بالصدّيق اضطرابا قال له انظر الى جانب الغار فنظر فرأى بحرا على ساحله سفينة* وفى معالم التنزيل لم يكن حزن أبى بكر جبنا منه وانما كان اشفاقا على رسول الله ﷺ قال ان أقتل فأنا رجل واحد وان قتلت هلكت الامّة* وفى معالم التنزيل أيضا فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون لو دخلا الغار انكسر بيضة الحمام وتفسخ بيت العنكبوت* وفى الشفاء وقعت حمامتان على فم الغار فقالت قريش لو كان فيه أحد لما كان هناك الحمام روى أن المشركين لما مرّوا على باب الغار طارت الحمامتان فلما رأوا بيضة الحمام ونسج العنكبوت قالوا ذلك فلما سمع النبىّ ﷺ حديثهم علم أن الله قد حمى حماهما بالحمام وصرف عنهما كيدهم بالعنكبوت وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكل طرف من الكفار عنه عمى فالصدق فى الغار والصدّيق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خيرا لبرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم ولله در القائل والعنكبوت أجادت حوك حلتها ... فما تخال خلال النسج من خلل وما أحسن قول النقيب

стр. 328

ودود القزان نسجت حريرا ... يجمل لبسه فى كل شى فان العنكبوت أجل منها ... بما نسجت على رأس النبى ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك كذا فى المواهب اللدنية* روى ابن وهب أن حمام مكة أظلت النبىّ ﷺ يوم فتحها فدعا لها بالبركة ونهى عن قتل العنكبوت وقال هى جند من جنود الله* وفى العمدة روى عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال لا أزال أحب العنكبوت منذ رايت النبىّ ﷺ أحبها ويقول جزى الله العنكبوت عنا خيرا فانها نسجت علىّ وعليك يا أبا بكر فى الغار حتى لم يرنا المشركون الا أن البيوت تطهر من نسجها لما روى عن علىّ أنه قال طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فان تركه فى البيت يورث الفقر* وفى الاكتفاء وأتى المشركون من كل بطن حتى اذا كانوا من النبىّ ﷺ على قدر أربعين ذراعا معهم قسيهم وعصيهم تقدّم أحدهم فنظر فرآى حمامتين فرجع فقال لاصحابه ليس فى الغار شىء رأيت حمامتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد فسمع قوله النبىّ ﷺ فعلم أن الله قد دارأ بهما عنه فأثنى عليهما وفرض جزاءهما وانحدرن فى حرم الله ففرّخن أحسبه قال فأضل كل حمام فى الحرم من فراخهما وفى حياة الحيوان ان حمام الحرم من نسل تلك الحمامتين* روى أيضا أن أبا بكر لما رآى القائف اشتدّ حزنه على رسول الله ﷺ وقال ان قتلت فانما أنا رجل واحد الى آخر ما سبق فعند ذلك قال رسول الله ﷺ لا تحزن ان الله معنا يعنى بالنصرة فأنزل الله سكينته أى أمنه الذى يسكن عنده القلوب عليه أى على النبىّ ﷺ أو على أبى بكر وهو الاظهر لانه كان منزعجا وأيده يعنى النبىّ ﷺ بجنود لم تروها يعنى الملائكة أنزلهم يحرسونه فى الغار وليصرفوا وليضربوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته وألقوا الرعب فى قلوبهم حتى انصرفوا خائبين كذا فى معالم التنزيل* أنظر لما رأى رسول الله ﷺ حزن الصدّيق قد اشتدّ لكن لا على نفسه قوّى قلبه ببشارة لا تحزن ان الله معنا وكانت تحفة ثانى اثنين مدخرة له فهو الثانى فى الاسلام والثانى فى بذل النفس والعمر وسبب الموت ولما وقى رسول الله ﷺ بماله ونفسه جوزى بمواراته معه فى رمسه وقام مؤذن التشريف ينادى على منائر الامصار ثانى اثنين اذهما فى الغار ولقد أحسن حسان بن ثابت حيث قال وثانى اثنين فى الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به اذ صاعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا ... من الخلائق لم يعدل به بدلا وتأمّل فى قول موسى ﵇ لبنى اسرائيل كلا ان معى ربى سيهدين وقول النبىّ ﷺ للصدّيق ان الله معنا فموسى خص بشهود المعية ولم يتعدّ منه الى أتباعه ونبينا ﷺ تعدّى منه الى الصدّيق لم يقل معى لانه أمدّ أبا بكر بنوره فشهد سرّ المعية ومن ثم سرى سر السكينة الى أبى بكر والا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلى والشهود وأين معية الربوبية فى قصة موسى ﵇ من معية الالهية فى قصة نبينا ﷺ قاله العارف شمس الدين بن اللبان كذا فى المواهب اللدنية عن ابن عباس رضى الله عنهما قال كان أبو بكر مع النبىّ ﷺ فى الغار فعطش عطشا شديدا فشكى الى النبىّ ﷺ فقال له النبى ﷺ اذهب الى صدر الغار فاشرب قال أبو بكر فانطلقت الى صدر الغار فشربت ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأزكى رائحة من المسك ثم عدت الى النبىّ ﷺ فقال شربت فقلت نعم قال ألا أبشرك يا أبا بكر قلت بلى يا رسول الله قال ان الله ﵎ أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن اخرق نهرا من جنة

стр. 329

الفردوس الى صدر الغار ليشرب أبو بكر فقلت يا رسول الله ولى عند الله هذه المنزلة فقال النبىّ ﷺ نعم وأفضل والذى بعثنى بالحق لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان له عمل سبعين نبيا خرجه الملا فى سيرته كذا فى الرياض النضرة ثم أمر أبو جهل مناديا ينادى فى أعلا مكة وأسفلها من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير أو جاء بابن أبى قحافة أو دل عليه فله مائة بعير فلم يزل المشركون يطوفون على جبال مكة يطلبونهما وكان مكثهما فى الغار ثلاث ليال وقيل بضعة عشر يوما والاوّل هو المشهور كذا فى المواهب اللدنية وكان عبد الله بن أبى بكر وفى معالم التنزيل عبد الرحمن ابن أبى بكر وهو مخالف لرواية غيره شابا خفيفا ثقفا لقنا يختلف عليهما فيبيت عندهما بالغار ويدلج من عندهما بالسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكاد ان به الاوعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من مكة اذا أمست بما يصلحهما وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى عليهما منحة من غنم كانت لابى بكر فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان فى رسل وهو لبن المنحة فيرجع عنهما بغلس فيرعاها فلا يتفطن له أحد من الرعيان ففعل ذلك كل ليلة من الليالى الثلاث* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق كان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى فى رعيان أهل مكة فاذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا فاذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما تبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفى عليه فخرج معهما حتى قدم المدينة فاستشهد يوم بئر معونة كما سيجىء فى الموطن الرابع* وفى الاستيعاب وأسد الغابة عامر بن فهيرة مولى أبى بكر كان مولدا من مولدى الازد أسود اللون مملوكا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة أخى عائشة لامّها وكان من السابقين الى الاسلام أسلم وهو مملوك وكان حسن الاسلام عذب فى الله اشتراه أبو بكر فأعتقه وكان يرعى فى ثور فى رعيان أهل مكة الى آخر ما ذكر فى رواية ابن هشام آنفا* فلما سار النبى ﷺ وأبو بكر من الغار الى المدينة هاجر معه فأردفه أبو بكر خلفه وشهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة وهو ابن أربعين سنة قتله عامر بن الطفيل ذكر ذلك كله موسى بن عقبة وابن اسحاق عن ابن شهاب ويقال قتله جبار بن سلمى كما سيجىء فى الموطن الرابع فى سرية المنذر الى بئر معونة ان شاء الله تعالى* (ذكر خروجهما من الغار وتوجههما الى المدينة وما وقع لهما فى الطريق) * ولما مضت ثلاث ليال وسكن عنهما الناس جاء الدليل بالراحلتين صبح ثلاث بالسحر الى باب الغار كما وعده* قال أبو الحسن بن البراء خرج رسول الله ﷺ من الغار ليلة الاثنين لغرة شهر ربيع الاوّل* وذكر محمد بن سعد أنه خرج من الغار ليلة الاثنين لا ربع ليال خلون من ربيع الاوّل كما مرّ كذا فى سيرة مغلطاى ودلائل النبوّة* وفى سيرة ابن هشام أتاهما صاحبهما الذى استأجراه ببعيريهما وبعير له وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصا ما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فاذا ليس فيها عصام فحلت نطاقها فجعلته عصا ما علقتها به فكان يقال لاسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين لذلك* قال ابن هشام سمعت غير واحد من أهل العلم يقول ذات النطاقين وتفسيره انها لما أرادت تعليق السفرة شقت نطاقها باثنتين فعلقت السفرة بواحدة وانتطقت بالاخرى كما مرّ فى أوائل الفصل الاوّل وجاء عامر بن فهيرة ليخدمهما فى الطريق* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق فلما قرب أبو بكر الراحلتين الى رسول الله ﷺ قدّم له أفضلهما ثم قال اركب فداك أبى وأمى فقال رسول الله ﷺ انى لا أركب بعيرا ليس لى قال فهى لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى قال لا ولكن بالثمن الذى ابتعتها به قال أخذتها بكذا وكذا قال قد أخذتها بذلك قال هى لك يا رسول الله وقد مرّ أن ثمنها ثمانمائة درهم* قيل الحكمة فيه انه ﷺ أحب أن لا تكون هجرته الا بمال نفسه فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه

стр. 330

ليخدمهما فى الطريق* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقد وكان ماهرا بالطريق فسلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل من عسفان ثم سلك بهما على أسفل أمج* وفى رواية ثم عارض الطريق على أمج ثم نزل من قديد خيام أمّ معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية من بنى كعب* قال ابن اسحاق ثم اجتاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الحرار ثم سلك بهما ثنية المرة ثم سلك بهما لقفا* قال ابن هشام لفتا قال ابن اسحاق ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ويقال لجاج فيما قال ابن هشام ثم سلك بهما مزجج مجاج ثم تبطن بهما مزجج من ذى العضوين بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة ويقال بسكون الصاد المهملة فيما قاله ابن هشام ثم بطن بهما ذى كشد ثم أخذ بهما على الجد اجد ثم على الاجرد ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعدا مدلجة بعمين ثم على الغبا بيد قال ابن هشام ويقال الغبابيب ويقال العشبانة قال ابن هشام ثم أجاز بهما الفاجة ويقال الفاخة فيما قال ابن هشام ثم هبط بهما المعرج وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله ﷺ رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل وقيل يقال له ابن الرداة وفى نسخة ابن الرداح الى المدينة وبعث معه غلاما له يقال له مسعود بن هنيدة ثم خرج بهما دليلهما من المعرج فسلك بهما ثنية العائر عن يمين ركونة ويقال ثنية القاير فيما قال ابن هشام حتى هبط بهما على بطن ديم ثم قدم بهما قباء على بنى عمرو بن عوف لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاوّل يوم الاثنين حين اشتدّ الضحى وكادت الشمس تعتدل كما سيجىء واتفق فى مسيرة قصة سراقة عارضهم يوم الثلاثاء بقديد ذكره ابن سعد كما سيجىء* قال أبو بكر فأدلجنا يعنى من الغار فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت ببصرى هل أرى ظلا نأوى اليه فاذا أنا بصخرة فأهويت اليها فاذا بقبة ظلها مديد فدخلت اليها فسوّيته لرسول الله ﷺ وفرشت فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فاذا أنا براعى غنم لرجل من قريش كنت أعرفه فحلب شيئا من اللبن ثم أتيت به رسول الله ﷺ فشرب حتى رضيت* وفى المواهب اللدنية واجتاز ﷺ فى وجهه ذلك بعبد يرعى غنما فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقى بسنده عن قيس بن النعمان قال فلما انطلق النبىّ ﷺ وأبو بكر مستخفين مرّا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال ما عندى شاة تحلب غير أن ههنا عناقا حملت أوّل وما بقى لها لبن فقال ادع بها فاعتقلها ﷺ ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت وجاء أبو بكر بمجن فسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعى ثم حلب فشرب فقال الراعى بالله من أنت فو الله ما رأيت مثلك فقال أو تراك تكتم علىّ حتى أخبرك قال نعم قال فانى محمد رسول الله قال فأنت الذى تزعم قريش أنه صابئ قال انهم ليقولون ذلك قال فأشهد انك نبىّ وانّ ما جئت به حق وانه لا يفعل ما فعلت الا نبىّ وأنا متبعك قال انك لن تستطيع ذلك يومك فاذا بلغك انى قد ظهرت فأتنا أورد فى المواهب اللدنية قصة العبد الراعى بعد قصة أم معبد قال أبو بكر ثم قلت آن الرحيل فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم الا سراقة بن مالك بن جعشم فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا قال لا تحزن ان الله معنا حتى اذا دنا منا وكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال لم تبكى قلت أما والله ما على نفسى أبكى ولكنى أبكى عليك فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال اللهم اكفناه بما شئت فساخت قوائم فرسه الى بطنها فى أرض صلد فوثب عنها وقال يا محمد قد علمت ان هذا عملك فادع الله أن ينجينى مما أنا فيه فو الله لا عمين على من ورائى من الطلب وهذه كنانتى فخذ منها سهما فانك ستمرّ بابلى وغنمى فى موضع

стр. 331

كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله ﷺ لا حاجة لى بها فأطلق فرجع الى أصحابه وجعل لا يلقى أحدا الا قال كفيتم ماههنا ولا يلقى أحد الا ردّه كذا فى المنتقى* وفى رواية دعا عليه فقال اللهم اصرعه فصرعت فرسه ثم قامت تحمحم وفى مزيل الخفاء اسم هذه الفرس العود وقيل كانت أنثى* وفى سيرة مغلطاى فلما راحوا من قديد تعرض لهما سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى* وفى المواهب اللدنية ثم تعرض لهما بقديد سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى وفى رواية عن سراقة أنه قال جاءنا رسل قريش انهم جعلوا فى رسول الله ﷺ وأبى بكر دية فى كل واحد منهما مائة ابل لمن قتله أو أسره فبينا أنا جالس فى مجلس من مجالس قومى أقبل رجل حتى قام علينا فقال يا سراقة انى قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أظنها محمدا وأصحابه* وفى سيرة ابن هشام قال والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مرّوا علىّ آنفا انى لأراهم محمدا وأصحابه قال فأو مأت اليه بعينى أن اسكت انتهى قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت انهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت فى المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتى أن تخرج بفرسى وهى من وراء أكمة فتحبسها علىّ وأخذت رمحى فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الارض وخفضت عالية الرمح حتى أتيت فرسى* وفى سيرة ابن هشام قال سراقة وكنت أرجو أن أردّه على قريش وآخذ المائة قال فركبتها فرفعتها تقرب بى حتى دنوت منهم فعثرت بى فخررت عنها فقمت فأهويت يدى الى كنانتى فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذى أكره فركبت فرسى وعصيت الازلام ولم أزل أجدّ فى الطلب تقرب بى حتى سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر كثير الالتفات ساخت يدا فرسى فى الارض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة ظهر لاثر يديها غبار ساطع الى السماء مثل الدخان* وفى سيرة ابن هشام كالاعصار فاستقسمت بالازلام فخرج الذى أكره فناديت بالامان فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر محمدا ﷺ فقلت له ان قومك قد جعلوا فيك الدية فأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآنى ولم يسألانى شيئا الا أن قال أخف عنا فسألت أن يكتب لى كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب فى رقعة من أدم ثم مضى رسول الله ﷺ كذا فى المنتقى* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق قال سراقة عرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع منى وانه ظاهر قال فناديت القوم فقلت أنا سراقة بن جعشم أنظرونى أكلمكم فو الله لا أريبكم ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه فقال رسول الله ﷺ لابى بكر قل له ما تبتغى منا قال فقال لى ذلك أبو بكر فقلت تكتب لى كتابا يكون آية بينى وبينكم قال اكتب له يا أبا بكر قال فكتب لى كتابا فى عظم أو فى رقعة أو فى حزقة ثم ألقاه الىّ فأخذته فجعلته فى كنانتى ثم رجعت فسكت فلم أذكر شيئا مما كان حتى اذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ وفرغ من حنين والطائف خرجت ومعى الكتاب لالقاه فلقيته بالجعرانة قال فدخلت فى كتيبة من خيل الانصار فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون اليك اليك ماذا تريد قال فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته والله لكأنى أنظر الى ساقه فى غرزه فكأنما جمارة قال فرفعت يدى بالكتاب ثم قلت يا رسول الله هذا كتابك لى أنا سراقة ابن جعشم فقال رسول الله ﷺ يوم وفاء وبرّادن منى قال فدنوت منه وأسلمت وأورد فى المواهب اللدنية قصة سراقة بعد قصة أم معبد روى ان أبا جهل لما سمع قصة سراقة أنشأ هذين البيتين وبعث بهما اليه

стр. 332

بنى مدلج انى أخاف سفهيكم ... سراقة يستغوى بنصر محمد عليكم به أن لا يفرق جمعكم ... فيصبح شتى بعد عز وسودد وسراقة أيضا أنشأ هذين البيتين وبعث بهما الى أبى جهل أبا حكم واللات ان كنت شاهدا ... لامر جوادى اذ تسيح قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا ... نبى ببرهان فمن ذا يكاتمه معجزة وفى الاكتفاء وسراقة بن مالك هذا الذى أظهر الله فيه أثرا من الآثار الشاهدة له ﵊ بأن الله أطلعه من الغيب فى حياته على ما ظهر مصداقه بعد وفاته وذلك انه روى سفيان بن عيينة عن أبى موسى عن الحسن ان رسول الله ﷺ قال لسراقة بن مالك كيف بك اذا لبست سوارى كسرى قال فلما أتى عمر بسوارى كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه اياهما وكان سراقة رجلا ازب كثير شعر الساعدين فقال له ارفع يديك فقل الله أكبر الحمد لله الذى سلبهما كسرى بن هرمز الذى كان يقول أنا رب الناس وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم اعرابيا من بنى مدلج ورفع عمر بها صوته* قصة أم معبد ومما وقع لهم فى الطريق مرورهم بخيمتى أمّ معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية* وفى المشكاة ان النبىّ ﷺ لما خرج من مكة مهاجرا الى المدينة هو وأبو بكر ومولى أبى بكر عامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله الليثى مروا على خيمتى أمّ معبد الخزاعية انتهى وكانت بقديد وفى معجم ما استعجم من قديد الى المشلل ثلاثة أميال بينهما خيمتى امّ معبد* وفى خلاصة الوفاء قديد كزبير قرية جامعة بطريق مكة كثيرة المياه وكانت أمّ معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة تسقى وتطعم فسألوها تمرا ولحما ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك وكان القوم مرملين مسنتين فقالت والله لو كان عندنا ما أعوزتكم القرى فنظر رسول الله ﷺ الى شاة فى كسر الخيمة فقال ما هذه الشاة يا امّ معبد قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم قال هل بها من لبن قالت هى أجهد من ذلك قال اتأذنين لى أن أحلبها قالت نعم بأبى أنت وأمى ان رأيت بها حلبا فاحلبها فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده المباركة ضرعها وسمى الله ودعا لها فى شانها فتفاجت عليه ودرّت واجترت ودعا باناء يريض الرهط فحلب ثجا حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ثم شرب رسول الله ﷺ آخرهم ثم أراضوا ثم حلب ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الاناء ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا كذا ذكره البغوى فى شرح السنة وابن عبد البرّ فى الاستيعاب وقال ابن الجوزى فى الوفاء قال لها هات قدحا فجاءت بقدح فحلب فيه حتى امتلأ فأمر أبا بكر ان يشرب فقال ابو بكر بل أنت اشرب يا رسول الله قال ساقى القوم آخرهم شربا فشرب أبو بكر ثم حلب فشرب رسول الله ﷺ ثم حلب فشربت امّ معبد ثم حلب فقال ارفعى هذا لابى معبد اذا جاءك ثم ركبوا وساروا وقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هز الاضحى مخهنّ قليل فلما رأى ابو معبد اللبن عجب وقال من أين لك هذا اللبن يا امّ معبد والشاء عازب حيال لا حلوب بالبيت قالت لا والله الا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال صفيه لى يا امّ معبد قالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة ابلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة وفى رواية نحلة ولم تزربه صعلة وفى رواية صقلة وسيم قسيم فى عينيه دعج وفى أشفاره عطف وفى صوته صحل وفى عنقه سطع وفى لحيته كثاثة أزج أقرن ان صمت فعليه الوقار وان تكلم سما وعلاه البهاء أكمل الناس وابهاه من بعيد وأحسنه واعلاه من قريب حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كانّ منطقه خرزات نظمن يتحدّرن ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه

стр. 333

العين من قصر غصن بين غصنين وهو انضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفونه ان قال أنصتبوا لقوله وان أمر تبادروا لامره محفود محشود لا عابس ولا مفند* قال أبو معبد هذا والله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ولقد هممت أن أصحبه ولا فعلنّ ان وجدت الى ذلك سبيلا ثم هاجرت هى وزوجها فأسلما وكان أهلها يؤرّخون بيوم الرجل المبارك كذا فى شرح السنة لمحيى السنة* وفى خلاصة الوفاء فخرج أبو معبد فى أثرهم ليسلم فيقال أدركهم ببطن ريم فبايعه وانصرف* وفى الصفوة قال عبد الملك فبلغنا ان أمّ معبد هاجرت الى النبىّ ﷺ وأسلمت* قال رزين أقامت قريش أياما ما يدرون أن رسول الله ﷺ الى أىّ جهة توجه وأىّ طريق سلك حتى سمعوا بعد ذهابهما من مكة بأيام فى صباح هاتفا أقبل من أسفل مكة بأبيات ويغنى بغناء العرب عاليا بين السماء والارض والناس يسمعون الصوت ويتبعونه ولا يدرون صاحبه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتى أمّ معبد هما نزلا بالهدى ثم اهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمّة من محمد فيا لقصى ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسودد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا اختكم عن شاتها وانائها ... فانكم ان تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحا ضرّة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب ... يردّدها فى مصدر ثم مورد وقيل سمعوا هاتفا على أبى قبيس بصوت جهورى يقول هذه الابيات ولما سمع حسان بن ثابت قال فى جوابه هذه الابيات لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى اليه ويغتدى ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدّد هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوى ضلال قوم تسفهوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتد لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبىّ يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله فى كل مشهد وان قال فى يوم مقالة غائب ... فتصديقها فى اليوم أو فى ضحى غد ليهن أبا بكر سعادة جدّه ... بصحبته من يسعد الله يسعد وفى رواية عن أمّ معبد أنها قالت طلعت علينا أربعة على راحلتين فنزلوا بى فجئت رسول الله ﷺ بشاة اريد ذبحها فاذا هى ذات درّ فأذيتها منه فلمس ضرعها وقال لا تذبحيها فأرسلتها وجئت بأخرى فذبحتها وطبختها لهم فأكل هو وأصحابه وملأت سفرتهم منها ما وسعت وبقى عندنا لحمها أو أكثر وبقيت الشاة التى لمس رسول الله ﷺ ضرعها عندنا الى زمان عمر وهى السنة الثامنة عشر من الهجرة وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا وما فى الارض لبن* قصة العوسجة وروى الزمخشرى فى ربيع الابرار عن هند بنت الجون نزل رسول الله ﷺ خيمة خالتها أمّ معبد فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومج فى عوسجة الى جانب الخيمة فأصبحنا وهى كأعظم دوحة وجاءت بثمر كأعظم

стр. 334

ما يكون فى لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد ما أكل منها جائع الاشبع ولا ظمآن الا روى ولا سقيم الا برئ ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة الا درّ لبنها فكنا نسميها المباركة وينتابنا من البوادى من يستشفى بها ويتزوّد منها حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها وصغر ورقها ففزعنا فما راعنا الا نعى رسول الله ﷺ ثم انها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أسفلها الى أعلاها وتساقط ثمرها وذهبت نضرتها فما شعرنا الا بقتل أمير المؤمنين علىّ رضى الله عنه فما أثمرت بعد ذلك وكنا ننتفع بورقها ثم أصبحنا واذا بها قد نبع من ساقها دم غبيط وقد ذبل ورقها فبينا نحن فزعون مهمومون اذ أتانا خبر مقتل الحسين بن على ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت والعجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما شهر أمر الشاة فى قصة هى أعلى القصص* ومما وقع لهم فى الطريق انه أقبل النبىّ ﷺ الى المدينة وهو مردف أبا بكر وهو شيخ يعرف والنبىّ ﷺ شاب لا يعرف فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا بين يديك فيقول هذا الذى يهدينى السبيل فيحسب السائل أنه يعنى به الطريق وانما يعنى سبيل الخيبر وفى نهاية ابن الاثير لقيهما فى الهجرة رجل بكراع فقال من أنتم فقال أبو بكر باغ وهاد عرّض ببغاء الابل أى طلبه وهداية الطريق وهو يريد طلب الدين والهداية من الضلالة* ومما وقع لهم فى الطريق انه لقيهم بريدة بن الخصيب الاسلمى* وفى الوفاء روى ابن الجوزى فى شرف المصطفى من طريق البيهقى موصولا الى بريدة انه لما جعلت قريش مائة من الابل ان أخذ النبىّ ﷺ ويردّه عليهم حين توجه الى المدينة سمع بريدة بذلك فحمله الطمع على الخروج لقصده ﷺ فركب فى سبعين من أهل بيته من بنى سهم فتلقى رسول الله وكان رسول الله ﷺ لا يتطير وكان يتفاءل فقال من أنت فقال أنا بريدة بن الخصيب فالتفت النبىّ ﷺ الى أبى بكر فقال يا أبا بكر برد أمرنا وصلح ثم قال ممن أنت قال من أسلم قال ﷺ سلمنا قال ممن قال من بنى سهم قال خرج سهمك يا أبا بكر فقال بريدة للنبىّ ﷺ من أنت قال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله فقال بريدة أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا قال بريدة الحمد لله أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين فلما أصبح قال بريدة يا رسول الله لا تدخل المدينة الا معك لواء فحل عمامته ثم شدّها فى رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة فقال يا نبىّ الله ننزل على من فقال رسول الله ﷺ ان ناقتى هذه مأمورة أين تنزل كذا فى شرف المصطفى لابن الجوزى* خبر بريدة بن الحصيب وفى شواهد النبوّة أخبر النبىّ ﷺ بنزوله بعده بخراسان بمدينة بناها ذو القرنين يقال لها مرو وبموته بها وبكونه يوم الحشر قائدا لاهل المشرق فكان كما قال رسول الله ﷺ فنزل بريدة فى بعض الغزوات بمرو وتوفى بها بعد الهجرة بستين سنة وقبره هناك معروف قريب من قبر حكم بن عمرو الغفارى وهو أيضا من أصحاب النبىّ ﷺ وكان حاكما وقاضيا بمرو وتوفى بها بعد الهجرة بخمسين سنة قال بعض أصحاب الحديث الاحاديث التى وردت فى شأن البلدان لم يتحقق صحتها الا حديث بريدة بن الخصيب* ومما وقع لهم فى الطريق ما روى عن عروة أن رسول الله ﷺ لقى طلحة بن عبيد الله والزبير فى الطريق فى ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشأم فكسا طلحة أو الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابا بيضا* قال الحافظ ابن حجر ويحتمل ان كلامن طلحة والزبير أهدى لهما والذى فى السير هو طلحة والاولى الجمع وعند ابن أبى شيبة ما يؤيده والا فما فى الصحيح أصح كذا فى الوفاء* وفى هذه السنة قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة بشهر مات البراء بن معرور وهو أحد النقباء وأوّل من تكلم ليلة العقبة فلما قدم رسول الله انطلق

стр. 335

بأصحابه فصلى على قبره وقال اللهمّ اغفر له وارحمه وارض عنه وقد فعلت وهو أوّل من مات من النقباء وأوّل صلاة على الميت* (ذكر استقبال أهل المدينة رسول الله ﷺ ومكثه بقباء فى بنى عمرو بن عوف وتأسيس مسجد قباء) * عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة الى الحرّة فينتظرون حتى يردّهم حرّ الظهيرة* قال ابن اسحاق وذلك فى أيام حارّة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا الى بيوتهم أو فى رجل من اليهود على أطم من الآطام لامر ينظر اليه فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب وفى رواية يا بنى قيلة يعنى الانصار هذا جدّكم يعنى حظكم* وفى رواية صاحبكم الذى تنتظرونه* وفى رواية بعث النبىّ ﷺ الى الانصار من يخبرهم بقدومه كما سيجىء فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين نحو قباء حتى نزل أعلا المدينة فى حىّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف وهم أهل قباء* وفى الوفاء قباء معدود من العالية وكانّ حكمته التفاؤل له ولدينه بالعلو وذلك يوم الاثنين من ربيع الاوّل نهارا عند الاكثر* وفى سيرة أبى محمد عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن اسحاق المطلبى قال قدم علينا رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين حين أشتدّ الضحى وكادت الشمس تعتدل لاثنتى عشرة ليلة مضت من ربيع الاوّل وهو التاريخ فيما قال ابن هشام قال ابن اسحاق ورسول الله ﷺ ابن ثلاث وخمسين سنة وذلك بعد أن بعثه الله بثلاث عشرة سنة* وفى أسد الغابة كان مقامه بمكة عشر سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة والاكثر ثلاث عشرة سنة وقال ابن الكلبى خرج من الغار أوّل ربيع الاوّل وقدم المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت منه يوم الجمعة* وفى المنتقى تنازع القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله ﷺ أنزل الليلة على بنى النجار أخوال عبد المطلب لاكرمهم بذلك فلما أصبح غدا حيث أمر* وفى الوفاء روى رزين عن أنس قال كنت اذ قدم رسول الله المدينة ابن تسع سنين فأسمع الغلمان والولائد يقولون جاء رسول الله ﷺ فنذهب فلا نرى شيئا حتى جاء رسول الله ﷺ وأبو بكر فمكثا فى خرب فى طرف المدينة* وفى رواية فنزلا جانب الحرة فأرسلا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زها خمسمائة من الانصار حتى انتهوا اليهما* وفى خلاصة الوفاء فنزل فى بنى عمرو بن عوف بقباء على كلثوم ابن الهدم وكان يومئذ مشركا وبه جزم ابن زبالة ولرزين نزل فى ظل نخلة ثم انتقل الى دار كلثوم أخى بنى عمرو بن عوف* وفى رواية نزل على سعد بن خيثمة وجه الجمع بين الروايتين أن يقال انه كان نزل على كلثوم بن الهدم ولكن عينوا له مسكنا فى دار سعد بن خيثمة يكون للناس فيه وذلك لان سعدا كان عزبالا أهل له ويسمى منزله منزل الغرباء* قال المطرى وبيت سعد بن خيثمة أحد الدور التى قبلى مسجد قباء وهى التى تلى المسجد فى قبلته يدخلها الناس اذا زاروا مسجد قباء ويصلون فيها وهناك أيضا دار كلثوم بن الهدم وفى تلك العرصة كان رسول الله ﷺ نازلا قبل خروجه الى المدينة وكذلك أهله وأهل أبى بكر حين قدموا بعد خروج رسول الله ﷺ من مكة وهنّ سودة وعائشة وأمّها أمّ رومان واختها أسماء وهى حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بقباء قبل نزولهم المدينة انتهى ونزل أبو بكر بالسنخ على حبيب بن أساف أحد بنى الحارث بن الخزرج وقيل على خارجة بن زيد بن أبى زهير روى مجمع بن يعقوب عن أبيه وعن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش عن عبد الرحمن بن زيد بن حارثة قالا نزل النبىّ ﷺ بظهر حرتنا ثم ركب

стр. 336

فأناخ على عذق عند بئر غرس قبل أن تبزغ الشمس (قوله) عند بئر غرس الظاهر أنه تصحيف ولعله بئر غدق لبعد بئر غرس عن منزله ﷺ بقباء بخلاف بئر غدق قيل كان أوّل ما سمع من النبىّ ﷺ أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الارحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام وأكثر أهل السير على أن ذلك اليوم كان يوم الاثنين وشذ من قال يوم الجمعة من ربيع الاوّل فى الضحوة الكبرى قريبا من نصف النهار* وفى نسخة طاهر بن يحيى ان قدومه كان قبل أن تبزغ الشمس وما يعرف رسول الله ﷺ من أبى بكر عليهما ثياب بيض متشابهة فجعل الناس يقفون عليهم حتى بزغت الشمس من ناحية أطمهم الذى يقال له شنف فأمهل أبو بكر ساعة ثم قام فستر رسول الله ﷺ بردائه فعرف القوم رسول الله ﷺ * قال محمد بن معاذ قلت لمجمع بن يعقوب ان الناس يرون أنه جاء بعد ما ارتفع النهار وأحرقتهم الشمس قال مجمع هكذا أخبرنى أبى وسعيد بن عبد الرحمن يريد أنهما قالا ما بزغت الشمس الا وهو فى منزله ﷺ * وفى مسلم ان قدومهم كان ليلا والذى قاله الاكثرون نهارا* وفى الصفوة قال ابن اسحاق دخلها حين ارتفع الضحى وكادت الشمس تعتدل كما مرّ فى قول ابن هشام حيث قال وهو التاريخ وفى الصحيح انهم لما قدموا جليس النبىّ ﷺ تحت شجرة صامتا وقام أبو بكر لامر الناس أى يتلقاهم فطفق من جاء من الانصار ممن لم يكن رأى رسول الله ﷺ يحيى أبا بكر ويرحبه يحسب أنه النبىّ ﷺ حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله* ذكر تاريخ الهجرة واختلفوا فى أن يوم نزوله أى يوم من الشهر فبعضهم على أنه أوّل الشهر على ما روى موسى بن عقبة عن ابن شهاب وقيل لليلتين خلتا من شهر ربيع الاوّل ونحوه عن أبى معشر لكن قال ليلة الاثنين ومثله عن ابن البرقى وثبت ذلك فى أواخر صحيح مسلم وقيل لاثنتى عشرة ليلة خلت منه حكاه ابن الجوزى فى شرف المصطفى عن الزهرى فقال قال الزهرى قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاوّل وبه جزم النووى وكذا ابن النجار* وفى شرف المصطفى لابن الجوزى عن ابن عباس ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر يوم الاثنين وخرج مهاجرا يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين* وفى روضة الاقشهرى قال ابن الكلبى خرج من الغار يوم الاثنين أوّل يوم من ربيع الاوّل وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت منه قال أبو عمر وهو قول ابن اسحاق الا فى تسمية اليوم وعن أبى بكر بن حزم لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الاوّل ويجمع بين هذا وبين الذى قبله بالحمل على الاختلاف فى رؤية الهلال ونقل ابن زبالة عن ابن شهاب ان نزوله على بنى عمرو بن عوف كان فى النصف من ربيع الاوّل وقيل كان قدومه فى سابعه ولما نزل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعامر ابن فهيرة على كلثوم قال لمولى له يا نجيح اطعمنا رطبا فلما سمع رسول الله ﷺ اسم نجيح التفت الى أبى بكر وقال أنجحت أو أنجحنا فأتوا بقنو من أمّ جردان فيه رطب منصف وفيه زهو فقال ما هذا فقال عذق أمّ جردان فقال ﷺ اللهمّ بارك فى أمّ جردان* واختلف فى أنه ﷺ كم يوما أقام فى بنى عمرو بن عوف فعن قوم من بنى عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يوما حكاه ابن زبالة* وفى البخارى من حديث أنس أقام فيهم أربع عشرة ليلة وهو المراد بما فى رواية عائشة بقولها بضع عشرة ليلة* وقال موسى بن عقبة ثلاثا* وقال عروة ثلاث ليال الثلاثاء والاربعاء والخميس كما جزم به ابن حبان* وقال ابن اسحاق أقام فيهم خمسا* وفى ذخائر العقبى لم يقم بقباء الا ليلة أو ليلتين* قال الحافظ ابن حجر أنس ليس من بنى عمرو بن عوف فانه من الخزرج وقد جزم

стр. 337

بأربع عشرة ليلة فهو أولى بالقبول وأمر النبىّ ﷺ بالتاريخ فكتب من حين الهجرة فى ربيع الاوّل رواه الحاكم فى الاكليل قال ابن الجزار وتعرف بعام الاذن وهو معضل والمشهور ان ذلك كان فى خلافة عمرو أن عمر قال الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخ بها وابتدأ من المحرم بعد اشارة على وعثمان بذلك وأفاد السهيلى انّ الصحابة أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم* وفى الاستيعاب ومن مقدمه الى المدينة أرخ التاريخ فى زمان عمرو أقام علىّ بمكة بعد مخرجه ﵇ ثلاث ليال وأيامها حتى أدّى للناس ودائعهم التى كانت عند النبىّ ﷺ وخلفه لردّها ثم خرج فلحق النبىّ ﷺ بقباء فنزل على كلثوم بن الهدم وانما كانت اقامة علىّ بقباء مع النبىّ ليلة أو ليلتين* وفى روضة الاحباب وكان علىّ يسير بالليل ويختفى بالنهار وقد نقبت قدماه فمسحهما النبىّ ﷺ ودعا له بالشفاء فبرئتا فى الحال وما اشتكاهما بعد اليوم قط* وفى الوفاء وكان لكلثوم بن الهدم بقباء مربد والمربد الموضع الذى يبسط فيه التمر لييبس فأخذه منه رسول الله ﷺ فأسسه وبناه مسجدا كما رواه ابن زباله وغيره* وفى الصحيح عن عروة فلبث فى بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة واسس المسجد الذى أسس على التقوى* وفى رواية عبد الرزاق قال الذين بنى فيهم المسجد الذى أسس على التقوى هم بنو عمر بن عوف وكذا فى حديث ابن عباس عند ابن عائذ ولفظه ومكث فى بنى عمرو بن عوف ثلاث ليال واتخذ مكانه مسجدا وكان يصلى فيه ثم بناه بنو عمرو بن عوف فهو المسجد الذى أسس على التقوى وروى ابن أبى شيبة عن جابر قال لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله ﷺ سنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة ولذا قيل المتقدّمون فى الهجرة من أصحاب رسول الله ﷺ والانصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلون فيه يعنى هذا المسجد فلما هاجر رسول الله ﷺ وورد قباء صلّى بهم فيه الى بيت المقدس ولم يحدث فيه شيئا أى فى مبدأ الامر لان ابن أبى شيبة روى ذلك ثم روى أنه ﷺ بنى مسجد قباء وقدّم القبلة الى موضعها اليوم وقال جبريل بؤم بى البيت* وقد اختلف فى المراد بقوله تعالى لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء ولا ينافيه قوله ﷺ لمسجد المدينة هو مسجدكم هذا اذ كل منهما أسس على التقوى* وفى الكبير عن جابر بن سمرة قال لما سأل أهل قباء النبىّ ﷺ ان بينى لهم مسجدا قال رسول الله ﷺ ليقم بعضكم فليركب الناقة فقام أبو بكر فركبها فحركها فلم تنبعث فرجع فقعد فقام عمر فركبها فلم تنبعث فرجع فقعد فقال رسول الله ﷺ ليقم بعضكم فيركب الناقة فقام علىّ فلما وضع رجله فى غرز الركاب وثبت به فقال رسول الله ﷺ ارخ زمامها وابتنوا على مدارها فانها مأمورة وروى الطبرى عن جابر قال لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال لاصحابه انطلقوا الى أهل قباء نسلم عليهم فرحبوا به ثم قال يا أهل قباء ائتونى بأحجار من الحرّة فجمعت عنده أحجار كثيرة ومعه عنزة فحط قبلتهم فأخذ حجرا فوضعه ثم قال يا أبا بكر خذ حجرا فضعه الى جنب حجرى ثم قال يا عمر خذ حجرا فضعه الى جنب حجر أبى بكر ثم قال يا عثمان خذ حجرا فضعه الى جنب حجر عمر كأنه أشار الى ترتيب الخلافة كما سيجىء فى بناء مسجد المدينة ثم التفت الى الناس فقال وضع رجل حجره حيث أحب على ذلك الخط وروى الترمذى عن أسيد بن ظهير عن النبىّ ﷺ قال الصلاة فى مسجد قباء كعمرة وعن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص قالت سمعت أبى يقول لأن أصلى فى مسجد قباء ركعتين أحب الىّ من أن آتى بيت المقدس مرّتين لو يعلمون ما فى قباء لضربوا اليه أكاد الابل

стр. 338

وورد فى الصحيحين عن ابن عمر أنه قال كان رسول الله ﷺ يزور قباء أو يأتى قباء راكبار أو ماشيا وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من صلّى فيه كان كعدل عمرة* وعن سهل بن حنيف قال قال رسول الله ﷺ من تطهر فى بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة أخرجه ابن ماجة وعن عمرو بن شيبة بسند جيد ورواه أحمد والحاكم وقال صحيح الاسناد وللبخارى والنسائى ان رسول الله ﷺ كان يأتى مسجد قباء كل سبت راكبا أو ماشيا وكان عبد الله يفعله وروى ابن زبالة أن النبىّ ﷺ صلى الى الاسطوانة الثالثة فى مسجد قباء التى فى الرحبة وعن سعيد بن عبد الرحمن قال كان المسجد فى موضع الاسطوانة المخلفة الخارجة فى رحبة المسجد* قال ابن رقيش حدّثنى نافع ان ابن عمر كان اذا جاء مسجد قباء صلّى الى الاسطوانة المخلفة يقصد بذلك مسجد النبىّ ﷺ الاوّل* وروى ابن زبالة عن عبد الملك بن بكير عن ابن أبى ليلى عن أبيه أن رسول الله صلّى فى مسجد قباء الى الاسطوانة الثالثة فى الرحبة اذا دخلت من الباب الذى بفناء دار سعد بن أبى خيثمة* قلت الباب المذكور هو المسدود اليوم يظهر رسمه من خارج المسجد فى جهة المغرب وكان شارعا فى الرواق الذى يلى الرحبة من السقف القبلى فالاسطوانة الثالثة فى الرحبة هى الاسطوانة التى عندها اليوم محراب فى رحبة المسجد لانطباق الوصف المذكور عليها فهى المرادة بقول الواقدى كان المسجد فى موضع الاسطوانة المخلفة الخارجة فى رحبة المسجد وهى التى كان ابن عمر يصلى اليها ذكر ذلك كله فى الوفاء * (الفصل الثانى فى انتقاله من قباء الى باطن المدينة وأوّل جمعة صليت فى الاسلام قبل قدومه المدينة ونزوله على أبى أيوب وسكناه بداره وبناء المسجد وموت كلثوم بن الهدم واسلام عبد الله بن سلام وموت أسعد بن زرارة وابتداء خدمة أنس والزيادة فى صلاة الحضر ووعك أبى بكر والاصحاب واسلام سلمان والمواخاة بين المهاجرين والانصار وموادعته اليهود وموت العاص بن وائل من مشركى مكة وبعث زيد بن حارثة الى مكة للاتيان بعياله وولادة النعمان بن بشير وولادة عبد الله بن الزبير وذكر فاطمة بنت النعمان وتكلم الذئب وابتداء الغزوات وبعث حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر وسرية عبيدة بن الحارث الى بطن رابغ وبناء عائشة وبعث سعد بن أبى وقاص الى الخرار وابتداء الاذان والاقامة) * فى الصحيح عن أنس بعد ما ذكر من اقامته ببنى عمرو بن عوف ثم أرسل الى بنى النجار فجاؤا متقلدين السيوف وكانوا اخواله يعنى أخوال جدّه عبد المطلب* وفى رواية فجاؤا فسلموا على النبىّ ﷺ وعلى أبى بكر وقالوا اركبا آمنين مطاعين فركب يوم الجمعة حتى نزل جانب دار أبى أيوب وسيجىء أنه ﷺ لما شخص أى خرج من قباء اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا أخرجت ملالا منا أم تريد دارا خيرا من دارنا قال انى أمرت بقرية تأكل القرى فخلوها أى ناقته فانها مأمورة حتى أدركته الجمعة فى بنى سالم فصلاها فى بطن الوادى وادى ذى صلت* أول خطبة فى الاسلام وفى سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق وادى رانونا وفى غيرها كانوا أربعين وقيل مائة وكانت هذه أوّل جمعة جمعها فى الاسلام حين قدم المدينة وخطب يومئذ خطبة بليغة وهى أوّل خطبة فى الاسلام وقيل انه كان يصلى الجمعة فى مسجد قباء فى اقامته هناك والله أعلم (ذكر تلك الخطبة) روى عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحى أنه بلغه عن خطبة رسول الله ﷺ فى أوّل جمعة صلاها فى المدينة فى بنى سالم بن عوف* الحمد لله أحمده واستعينه واستغفره وأستهديه وأو من به ولا اكفره واعادى من يكفره واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله ارسله بالهدى والنور

стр. 339

والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنوّ من الساعة وقرب من الاجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضلّ ضلالا بعيدا أوصيكم بتقوى الله فانّ خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وان يأمره بتقوى الله فاحذر واما حذركم الله من نفسه ولا افضل من ذلك ذكر وان تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمره فى السرّ والعلانية لا ينوى بذلك الا وجه الله يكن له ذكرا فى عاجل امره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدّم وما كان سوى ذلك يودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد والذى صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فانه يقول ما يبدّل القول لدىّ وما أنا بظلام للعبيد فاتقوا الله فى عاجل أمركم وآجله فى السرّ والعلانية فانه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وان تقوى الله توقى مقته وعقوبته وسخطه وتبيض الوجوه وترضى الرب وترفع الدرجة خذوا بحظكم ولا تفرّطوا فى جنب الله فقد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فاحسنوا كما أحسن الله اليكم وعادوا اعداءه وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حىّ عن بينة ولا قوّة الا بالله واكثر واذكر الله واعلموا أنه خير من الدنيا وما فيها واعملوا لما بعد الموت فانه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضى الحق على الناس ولا يقضون عليه ويملك من الناس ولا يملكون عليه ولا قوّة الا بالله العلىّ العظيم* كذا أوردها فى المنتقى وفى خلاصة الوفاء وليحيى عن عمارة بن خزيمة أنه ﷺ دعا براحلته يوم الجمعة وحشد المسلمون ولبسوا السلاح وركب ﷺ ناقته القصوى والناس عن يمينه وشماله وخلفه منهم الماشى والراكب فاعترضت الانصار فما يمرّ بدار الا قالوا هلم الى العز والمنعة والثروة فيقول لهم خيرا ويدعو ويقول انها مأمورة خلوا سبيلها فمر ببنى سالم فقام اليه عتبان بن مالك ونوفل بن عبد الله بن مالك العجلانى وهو آخذ بزمام راحلته يقول يا رسول الله انزل فينا فان فينا العدد والعدّة والحلقة ونحن أصحاب الفضاء والحدائق والدرك يا رسول الله كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا فيلجأ الينا فنقول له قوقل حيث شئت فجعل يتبسم ويقول خلوا سبيلها فانها مأمورة وقام اليه عبادة ابن الصامت وعباس بن الصامت بن نضلة بن العجلان فجعلا يقولان يا رسول الله انزل فينا فيقول انها مأمورة ثم أخذ عن يمين الطريق حتى جاء بنى الحبلى وأراد أن ينزل على عبد الله بن أبى بن سلول فلما رآه وهو عند مزاحم أى الاطم محتبيا قال اذهب الى الذين دعوك فانزل عليهم فقال سعد بن عبادة لا تجد يا رسول الله فى نفسك من قوله فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملكه عليها ولكن هذه دارى فمرّ ببنى ساعدة فقال له سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة هلم يا رسول الله الى العز والثروة والقوّة والجلد وسعد يقول يا رسول الله ليس فى قومى أكثر عذقا ولا فم بئر منى مع الثروة والجلد والعدد والحلقة فيقول ﷺ بارك الله عليكم ويقول يا أبا ثابت خل سبيلها فانها مأمورة فمضى واعترضه سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وبشير بن سعد أى من بنى الحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول الله لا تجاوزنا فانا أهل عدد وثروة وحلقة فقال بارك الله فيكم خلوا سبيلها فانها مأمورة واعترضه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو أى من بنى بياضة يقولان يا رسول الله هلم الى المواساة والعز والثروة والعدد والقوّة نحن أهل الدرك فقال خلوا سبيلها فانها مأمورة ثم مرّ ببنى عدى بن النجار وهم اخواله فقام اليه أبو سليط وصرمة بن أبى انيس فى قومهما فقالا يا رسول الله نحن اخوالك هلم

стр. 340

الى العدد والمنعة والقوّة مع القرابة لا تجاوزنا الى غيرنا ليس أحد من قومنا اولى بك منا لقرابتنا لك فقال خلوا سبيلها فانها مأمورة أو يقال أوّل الانصار اعترضه بنو بياضة ثم بنو سالم ثم مال الى ابن أبى ثم مرّ على بنى عدى بن النجار حتى انتهى الى بنى مالك بن النجار ولابن اسحاق اعترض بنى سالم أوّلا ثم وازت راحلته بنى بياضة واعترضوه ثم وازت دار الحارث كذلك ثم مرّت بدار بنى عدى وهم أخواله لانّ سلمى بنت عمرو احدى بنى عدى بن النجار كانت أمّ جدّة عبد المطلب وبنو مالك بن النجار اخوتهم ومنزله ﷺ بدار بنى غنم منهم وجاء فى رواية ان القوم لما تنازعوا أنه ﷺ على أيهم ينزل وكل منهم على أن يكون داره له المنزل قال انى أنزل على أخوال عبد المطلب وأكرمهم بذلك قيل يشبه أن يكون هذا فى أوّل قدومه من مكة قبل نزوله قباء لا فى قدومه باطن المدينة* وعن أنس أنه ﷺ قال دعوا الناقة فانها مأمورة فبركت على باب أبى أيوب* وفى سيرة مغلطاى نزل برحله على أبى أيوب لكونه من أحوال عبد المطلب وعند البعض ان الناقة استناخت به أوّلا فجاءه ناس فقالوا المنزل يا رسول الله فقال دعوها فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد ثم تحلحلت فنزل عنها فأتاه أبو أيوب فقال منزلى أقرب المنازل فائذن لى أن أنقل رحلك قال نعم فنقل رحله وأناخ الناقة فى منزله* وقال الواقدى أخذ أسعد بن زرارة بزمامها فكانت عنده* وعن مالك بن أنس أن الناقة لما أتت موضع المسجد بركت وهو عليها وأخذه ﷺ الذى كان يأخذه عند الوحى ثم ثارت من غير أن تزجر وسارت غير بعيد ثم التفتت فعادت الى المكان الذى بركت فيه أوّل مرّة فبركت فيه فسرى عنه فأمر أن يحط رحله* وفى رواية كان رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ من بنى النجار حوله حتى ألقى بفناء أبى أيوب وهو موضع مسجده اليوم وهو يومئذ مربد للتمر لغلامين يتيمين من بنى النجار كانا فى حجر معاذ بن عفراء أو أبى أيوب أو أسعد بن زرارة والاخير هو الاصح اسمهما سهل وسهيل ابنا عمرو ابن عمارة* وفى رواية رافع بن عمرو فبركت عند باب المسجد فلم ينزل عنها النبىّ ﷺ ثم انبعثت وسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ مرخ لها زمامها ثم التفتت خلفها ثم رجعت الى مبركها الاوّل وبركت فيه ووضعت جرانها على الارض ونزل عنها رسول الله ﷺ وقال هذا ان شاء الله المنزل فاحتمل أبو أيوب رحله ووضعه فى بيته بعد ما استأذنه ﷺ فدعته الانصار الى النزول عليهم فقال ﷺ المرء مع رحله* وفى الوفاء فنزل رسول الله ﷺ فقال أى الدور أقرب فقال أبو أيوب دارى هذا بابى وقد حططنا رحلك فيها فقال المرء مع رجله فمضت مثلا فنزل على أبى أيوب خالد بن زيد وسأل عن المربد فقال معاذ هو ليتيمين لى وسأرضيهما فاشتراه النبىّ ﷺ * وفى شرف المصطفى لما بركت الناقة على باب أبى أيوب خرج جوار من بنى النجار يضربن بالدف ويقلن* نحن جوار من بنى النجار* يا حبذا محمد من جار* فقال النبىّ ﵊ أتحببننى قلن نعم يا رسول الله فقال والله وأنا أحبكن قالها ثلاثا وفى رواية يعلم الله انى أحبكن* وفى رواية الطبرى فى الصغير فقال ﵇ الله يعلم ان قلبى يحبكن* وفى المواهب اللدنية فرح أهل المدينة بقدومه ﵊ وأشرقت المدينة بحلوله فيها وسرى السرور الى القلوب* قال أنس بن مالك لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﵊ المدينة أضاء منها كل شىء ولما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شىء رواه ابن ماجه قال رزين صعدت ذوات الخدور على الاجاجير يعنى السطوح عند قدومه ﷺ يقلن* وفى الرياض النضرة لما قدم النبىّ ﷺ المدينة جعل الصبيان والنساء

стр. 341

والولائد يقولون * طلع البدر علينا* من ثنيات الوداع* وجب الشكر علينا* ما دعا لله داعى* وفى رواية* أيها المبعوث فينا* جئت بالامر المطاع* قال الطبرى تفرّق الغلمان والخدم فى الطرق ينادون جاء محمد جاء رسول الله* وفى الرياض النضرة خرج أهل المدينة حتى ان العواتق لفوق البيوت يقلن أيهم هو أيهم هو* وفى خلاصة الوفاء ثنية الوداع بفتح الواو معروف شامى المدينة خلف سوقها القديمة بين مسجد الراية ومشهد النفس الزكية قرب سلع* وقال عياض هى موضع بالمدينة بطريق مكة وقيل واد بمكة والاوّل أصح* وفى المواهب اللدنية أنشىء هذا الشعر عند قدومه رواه البيهقى فى الدلائل وأبو الحسن بن مقرى فى كتاب الشمائل له عن ابن عائشة وذكره الطبرى فى الرياض النضرة عن الفضل بن الجمحى قال سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه فذكر وقال خرجه الحلوانى على شرط الشيخين وسميت ثنية الوداع لانّ المسافر من المدينة كان يشيع اليها ويودّع عندها قديما* وصحح القاضى عياض هذا واستدل عليه بقول نساء الانصار حين قدم ﵊* طلع البدر علينا* من ثنيات الوداع* فدل على انه اسم قديم وقال شيخ الاسلام الولى ابن العراقى ففى صحيح البخارى وسنن أبى داود والترمذى عن السائب بن يزيد قال لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع قال وهذا صريح بأنها من جهة الشأم* وقال ابن القيم فى الهدى النبوى هذا وهم من بعض الرواة فان ثنية الوداع انما هى من جهة الشأم لا يراها القادم من مكة ولا يمرّ بها الا اذا توجه الى الشأم وانما وقع ذلك عند قدومه من تبوك انتهى لكن قال زين الدين العراقى يحتمل أن تكون الثنية التى من كل جهة يصل اليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع انتهى* قال مؤلف الكتاب يشبه أن يكون هذا هو الحق ويؤيده جمع الثنيات اذ لو كان المراد بها الموضع الذى هو من جهة الشأم لم يجمع ولا مانع من تعدّد وقوع هذا الشعر مرّة عند قدومه ﵊ من مكة ومرّة عند قدومه من تبوك فلا ينافى ما فى صحيح البخارى وغيره ولا ما قاله ابن القيم عن جابر أنه كان لا يدخل أحد المدينة الا من ثنية الوداع فان لم يعشر بها مات قبل أن يخرج فاذا وقف على الثنية قيل قد ودّع فسميت ثنية الوداع حتى قدم عروة بن الورد فلم يعشر ثم دخل فقال يا معشر يهود ما لكم وللتعشير قالوا لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر بها الا مات ولا يدخلها أحد من ثنية الوداع الا قتله الهزال فلما ترك عروة التعشير تركه الناس ودخلوا من كل ناحية كذا فى الوفاء* وعن أنس لما قدم رسول الله ﷺ لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه ﷺ ولابن اسحاق عن أبى أيوب الانصارى لما نزل علىّ رسول الله ﷺ فى بيتى نزل فى السفل وأنا وأمّ أيوب فى العلو فقلت يا نبىّ الله بأبى أنت وأمّى انى أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى فاظهر أنت فكن فى العلو وننزل نحن ونكون فى السفل فقال يا أبا أيوب ان الارفق بنا وبمن يغشانا أن نكون فى سفل البيت قال فكان رسول الله ﷺ فى سفله وكنا فوقه فى المسكن فلقد انكسر حب لنا فيه ماء فقمت أنا وأمّ أيوب يقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوّفا أن يقطر على رأس رسول الله ﷺ منه شىء فيؤذيه وذكر غيره ان أبا أيوب لم يزل يتضرع للنبىّ ﵊ حتى تحوّل الى العلو وأبو أيوب فى السفل* وفى الصفوة عن أفلج مولى أبى أيوب انّ رسول الله ﵊ لما نزل عليه نزل أسفل وأبو أيوب فى العلو فانتبه ابو أيوب ذات ليلة فقال نمشى فوق رأس رسول الله ﵊ فتحوّل فباتوا فى جانب فلما أصبح ذكر ذلك للنبىّ ﵊ فقال النبىّ ﵊ الاسفل أرفق بى فقال أبو أيوب

стр. 342

لا أعلو سقيفة أنت تحتها فتحوّل أبو أيوب فى السفل والنبىّ ﵊ فى العلو وسيجىء وفاته فى الخاتمة فى خلافة معاوية وأفاد ابن سعد أن اقامته ﵊ بهذه الدار سبعة أشهر بتقديم السين وقيل الى صفر من السنة الثانية* وقال الدولابى شهرا كذا فى سيرة مغلطاى وقد ابتاع داره هذه وبيته المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث من ابن ابى أفلح مولى أبى أيوب الانصارى بألف دينار فتصدّق بها وهو فى شرقى المسجد المقدّس ثم بيعت فاشتراها الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب بن شادى أى عرصة دار أبى أيوب هذه وبناها مدرسة للمذاهب الاربعة تعرف اليوم بالمدرسة الشهابية وفى ايوان قاعتها الصغرى الغربى خزانة صغيرة جدّا مما يلى القبلة فيها محراب يقال انها مبرك ناقته ﵊* قال ابن اسحاق ان هذا البيت بناه تبع الاوّل لما مرّ بالمدينة للنبىّ ﵊ ينزله اذا قدم المدينة وترك فيها أربعمائة عالم وكتب كتابا للنبىّ ﵊ ودفعه الى كبيرهم وسأله أن يدفعه للنبىّ ﵊ فتداول البيت الملاك الى أن صار الى أبى أيوب وان أبا أيوب من ذرّية الحبر الذى أسلمة تبع كتابه* وفى رواية أرسل رسول الله ﵊ الى ملأ بنى النجار فقال يا بنى النجار ثامنونى بحائطكم قالوا والله لا نطلب ثمنه الا من الله * وفى خلاصة الوفاء قال الغلامان بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله ﵊ أن يقبله هبة حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير ذهبا ودفعها أبو بكر الصدّيق* وفى رواية أدّاها من مال أبى بكر وكان قد خرج من مكة بماله كله كذا فى المواهب اللدنية* وعن النوار بنت مالك أمّ زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله ﵊ يصلى بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم فى مسجد ابناه فى مربد سهل وسهيل ابنى رافع بن عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار قالت فأنظر الى رسول الله ﵊ لما قدم صلّى بهم فى ذلك المسجد وبناه فهو مسجده اليوم ونقل ابن سيد الناس عن ابن اسحاق ان الناقة بركت على باب مسجده ﵊ وهو يومئذ ليتيمين من بنى مالك بن النجار فى حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابنى عمرو* وقال أحمد بن يحيى البلادرى فنزل رسول الله ﵊ عند أبى أيوب ووهبت له الانصار كل فضل كان فى خططها وقالوا يا نبىّ الله ان شئت فخذ منازلنا فقال لهم خيرا وكان أبو امامة أسعد بن زرارة يجمع بمن يليه فى مسجد له فكان رسول الله ﵊ يصلى بهم ثم انه سأل أسعد أن يبيع أرضا متصلة بذلك المسجد كانت فى يده ليتيمين فى حجره يقال لهما سهل وسهيل ابنا رافع* (ذكر بناء المسجد) * قال المجد ذكر البيهقى المسجد فقال كان جدارا مجدّر اليس عليه سقف وقبلته الى بيت المقدس وكان أسعد بن زرارة بناه وكان يصلى بأصحابه فيه ويجمع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ بالنخل التى فى الحديقة وبالغرقد أن يقطع وكان قبور جاهلية فأمر بها فنبشت وأمر بالعظام أن تغيب وكان فى المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب والمستنجل ممشى ماء المطر* وفى الصحيحين أن النبىّ ﵊ لما أخذه كان موضع نخل وقبور للمشركين وخرب فأمر بالنخل فقطعت وبالقبور فتبشت وبالخرب فسويت وصفوا النخل قبلة المسجد أى جعلوها سوارى فى جهة القبلة ليسقف عليها وجعلوا عضادتيه حجارة وأسند ابن زبالة عن حسن بن محمد الثقفى قال بينا رسول الله ﵊ يبنى أساس مسجد المدينة ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ فمرّ بهم رجل فقال يا رسول الله ما معك الا هؤلاء الرهط فقال رسول الله ﵊ هؤلاء ولاة الامر من بعدى وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة قالت لما أسس

стр. 343

رسول الله ﷺ مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه وجاء أبو بكر بحجر فوضعه وجاء عمر بحجر فوضعه وجاء عثمان بحجر فوضعه قالت فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال أمر الخلافة من بعدى وتقدّم فى تأسيس مسجد قباء نحوه من غير ذكر أمر الخلافة* وقال الاقشهرى فى روضته ان جبريل أتى النبىّ ﷺ وقال يا محمد انّ الله يأمرك أن تبنى له بيتا وأن ترفع بنيانه بالرهص والحجارة والرهص الطين الذى يتخذ منه الجدار وفى القاموس الرهص بكسر الراء العرق الاسفل من الحائط والطين الذى يبنى به بعض على بعض فقال كم أرفعه يا جبريل قال سبعة أذرع وقيل خمسة أذرع ولما ابتدأ فى بنائه أمر بالحجارة فأخذ حجرا فوضعه بيده أوّلا ثم أمر أبا بكر فجاء بحجر فوضعه الى جنب حجر النبىّ ﷺ ثم عمر كذلك ثم عثمان كذلك ثم عليا روى البيهقى فى دلائل النبوّة عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال لما بنى النبى ﷺ المسجد وضع حجرا ثم قال ليضع أبو بكر حجره الى جنب حجرى ثم ليضع عمر حجره الى جنب حجر أبى بكر ثم ليضع عثمان حجره الى جنب حجر عمر فقال رسول الله ﷺ هؤلاء الخلفاء من بعدى وفى الشفاء رفعت له الكعبة حين بنى مسجده وعن مكحول قال لما كثر أصحاب رسول الله ﵊ قالوا اجعل لنا مسجدا فقال وثمامات عريش كعريش أخى موسى صلوات الله عليه والامر أعجل من ذلك وفى الصحيح كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن وسقفه جريد وعمده خشب النخل فضرب اللبن وعجن الطين نقل المجد عن رواية محمد بن أسعد قال جاء رجل يحسن عمل الطين وكان من حضر موت فقال رسول الله ﷺ رحم الله امرأ أحسن صنعته وقال له الزم أنت هذا الشغل فانى أراك تحسنه وفى كتاب يحيى من طريق ابن زبالة عن الزهرى كان رجل من أهل اليمامة يقال له طلق من بنى حنيفة يقول قدمت على النبىّ ﵊ وهو يبنى مسجده والمسلمون يعملون فيه معه وكنت صاحب علاج وخلط طين فأخذت المسحاة أخلط الطين والنبىّ ﵊ ينظر الىّ ويقول انّ هذا الحنفى لصاحب طين وروى أحمد عن طلق بن على قال بنيت المسجد مع رسول الله ﵊ فكان يقول قربوا اليمامى من الطين فانه أحسنكم له مسكا وأشدّكم منكبا وعنه أيضا قال جئت الى النبىّ ﵊ وأصحابه يبنون المسجد قال فكأنه لم يعجبه عملهم قال فأخذت المسحاة فخلطت بها الطين فكانه أعجبه أخذى المسحاة وعملى فقال دعوا الحنفى فانه من أصنعكم للطين* وأسند ابن زبالة فى خبر ابن شهاب فى أخذ المربد قال فبناه مسجدا وضرب لبنه من بقيع الخبجبة بخاء معجمة وجيم وباءين تحت كل منهما نقطة واحدة موضع يسار بقيع الغرقد ناحية بئر أبى أيوب بالمناصع وهى مبرز النساء فى المدينة ليلا قبل اتخاذ الكنف والخبجبة شجرة تنبت هناك وبقيع الغرقد هو بقيع المقبرة قال الاصمعى قطعت غرقدات فى هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون فسمى بقيع الغرقد لهذا والغرقد شجرة وفى الوفاء بقيع الخبجبة ما كان الخارج من المدينة الى البقيع اذا مشى فى البقيع فجهة مشهد أمير المؤمنين عثمان وجعل مشهد ابراهيم ابن النبىّ ﵊ على يمينه يكون على يساره طريق تمرّ بطرف الكومة تنتهى بعد رأس العطفة التى على يمينه الى حديقة تعرف قديما بأولاد الصيفى بها بئر ينزل اليها بدرج تعرف ببئر أيوب قديما وحديثا وقيل بقيع الخبجبة غير ما ذكر وعن أمّ سلمة قالت بنى رسول الله ﵊ مسجده فقرب اللبن وما يحتاجون اليه فقام رسول الله ﵊ فوضع رداءه فلما رأى ذلك المهاجرون الاوّلون والانصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون

стр. 344

لئن قعدنا والنبىّ يعمل* ذاك اذا للعمل المضلل* وينقلون الصخرة ويحملون اللبنة والنبىّ ﵊ معهم ينقل اللين ويقول* هذا الجمال لا جمال خيبر* هذا أبرّ ربنا وأطهر* ويقول اللهم ان الاجر أجر الآخرة* فارحم الانصار والمهاجرة* وفى رواية الصحيح فجعلوا ينقلون الصخرة وهم يرتجزون والنبىّ ﵊ معهم يقول* اللهمّ لا خير الاخير الآخرة* فانصر الانصار والمهاجرة* ويذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة وعن الزهرى بلغنى ان الصحابة كانوا يرتجزون به وكان النبىّ ﵊ ينقل معهم ويقول* اللهم لا خير الا خير الآخرة* فارحم المهاجرين والانصار* وكان لا يقيم الشعر قال الله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغى له وفعل ذلك احتسابا وترغيبا فى الخير ليعمل الناس كلهم ولا يرغب أحد بنفسه عن نفس رسول الله ﷺ وكان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا وكان يحمل اللبنة فيجا فى بها عن ثوبه فاذا وضعها نفض كمه ونظر الى ثوبه فان أصابه شىء من التراب نفضه فنظر اليه على بن أبى طالب فأنشأ يقول لا يستوى من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن التراب حائدا فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها وهو لا يدرى من يعنى بها فمرّ بعثمان فقال يا ابن سمية بمن تعرّض ومعه جريدة فقال لتكفنّ أو لاعترضنّ بها وجهك فسمعه النبىّ ﷺ وهو جالس فى ظل بيت أمّ سلمة* وفى كتاب يحيى فى ظل بيته فغضب ﷺ ثم قال ان عمار بن ياسر جلدة ما بين عينى وأنفى فاذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ ووضع يده بين عينيه فكف الناس عن ذلك ثم قالوا لعمار انّ النبىّ ﷺ قد غضب فيك ونخاف أن ينزل فينا القرآن فقال أنا أرضيه كما غضب فقال يا رسول الله مالى ولاصحابك قال مالك ولهم قال يريدون قتلى يحملون لبنة لبنة ويحملون علىّ اللبنتين والثلاث فأخذ بيده فطاف فى المسجد وجعل يمسح وفرته بيده من التراب ويقول يا ابن سمية لا يقتلك أصحابى ولكن تقتلك الفئة الباغية وقد ذكر ابن اسحاق بنحوه كما فى تهذيب ابن هشام قال وسألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز فقالوا بلغنا أنّ علىّ بن أبى طالب ارتجز به فلا ندرى أهو قائله أم غيره وانما قال ذلك على مطايبة ومباسطة كما هو عادة الجماعة اذا اجتمعوا على عمل وليس ذلك طعنا وأخرج ابن أبى شيبة من مرسل أبى جعفر الخطمى قال كان رسول الله ﷺ يبنى فى المسجد وعبد الله بن رواحة يقول* أفلح من يعمر المساجدا* فيقولها رسول الله ﷺ فيقول ابن رواحة* يتلو القران قائما وقاعدا* فيقولها رسول الله ﷺ * وفى الصحيح فى ذكر بناء المسجد كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبىّ ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار ويقول عمار أعوذ بالله من الفتن فقتل عمار فى حرب معاوية بصفين تحت راية علىّ كذا فى شرح المقاصد وسيجىء فى الخاتمة فى خلافة علىّ* وفى خلاصة الوفاء روى يحيى فى خبر عن أسامة بن زيد عن أبيه قال كان الذين أسسوا المسجد جعلوا طوله مما يلى القبلة الى مؤخره مائة ذراع وفى الجانبين الآخرين أى العرض مثل ذلك فكان مربعا ويقال انه كان أقل من مائة ذراع* وفى كتاب رزين ما لفظه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان بناء مسجد النبى ﷺ بالسميط لبنة لبنة ثم بالسعيدة لبنة ونصف أخرى ثم كثروا فقالوا يا رسول الله لو زيد فيه ففعل فبنى بالذكر والانثى وهما لبنتان مختلفتان وكانوا رفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة وجعلوا طوله مما يلى القبلة الى مؤخره مائة ذراع وكذا فى العرض وكان مربعا* وفى رواية جعفر ولم يسطح فشكوا الحرّ وجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوا بالجريد ثم بالخصف فلما وكف عليهم طينوه بالطين وجعلوا وسطه رحبة وكان جداره قبل أن يظلل قامة وشيئا

стр. 345

وذكر ابن زبالة ويحيى أن النبىّ ﷺ كان يبنى مسجده بالسميط لبنة لبنة ثم ان المسلمين كثروا فبناه بالسعيدة فقالوا يا رسول الله لو أمرت من يزيد فيه قال نعم فأمر به فزيد فيه وبنى جداره بالانثى والذكر ثم اشتدّ عليهم الحرّ فقالوا يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل قال نعم فأمر به فأقيمت فيه سوارى من جذوع النخل ثم طرحت عليها العوارض والخصف والاذخر فعاشوا فيه وأصابتهم الامطار فجعل المسجد يكف عليهم قالوا يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين فقال لا عريش كعريش موسى وروى البيهقى عن الحسن فى بيان عريش موسى قال اذا رفع يده بلغ العريش يعنى السقف وأورد رزين قال ابنو الى عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والامر أعجل من ذلك قيل وما ظلة موسى قال اذا قام فيه أصاب رأسه السقف فلم يزل المسجد كذلك حتى قبض رسول الله ﷺ وكان جداره قبل أن يظلل قامة فكان اذا فاء الفىء ذراعا وهو قدمان يصلى الظهر فاذا كان ضعف ذلك صلّى العصر* وفى الاحياء لما أراد ﷺ أن يبنى مسجد المدينة أتاه جبريل فقال ابنه سبعة أذرع طولا فى السماء ولا تزخرفه ولا تنقشه وقد نقل الاقشهرى فى ارتفاعه سبعة أذرع وقيل خمسة وجعل قبلته الى بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب باب فى مؤخره أى جهة القبلة اليوم ويدخل منه عامة أصحابه وباب يدعى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة وباب يدخل منه النبىّ ﷺ وهو باب آل عثمان اليوم أى المعروف اليوم بباب جبريل وهذان البابان لم يغيرا بعد صرف القبلة ولما صرفت سدّ الباب الذى كان خلفه وفتح هذا الباب حذاءه أى محاذاة المسدود خلف المسجد أى تجاهه فأقام عند أبى أيوب سبعة أشهر حتى أتمّ مسجده ومكنه ثم انتقل اليه* وفى خلاصة الوفاء روى يحيى عن خارجة بن زيد بن ثابت وهو أحد سبعة فقهاء المدينة وقد نظمهم البعض فى بيت واحد ألا كل من لا يقتدى بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه أنه قال بنى رسول الله ﷺ سبعين ذراعا فى ستين ذراعا ولبن لبنه من بقيع الخبجبة وجعل له جدارا وجعل سواريه شقة شقة وجعل وسطه رحبة وبنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودة على نعت بناء المسجد من لبن وجريد النخل وكان باب عائشة مواجه الثنأم وكان بمصراع واحد من عرعر أوساج كذا ذكره ابن زبالة عن محمد بن هلال ولما تزوّج رسول الله ﷺ نساءه بنى لهنّ حجرا وهى تسعة أبيات قال أهل السير ضرب النبىّ ﷺ الحجرات ما بين بيت عائشة وبين القبلة والشرق الى الشأم ولم يضربها فى غربيه وكانت خارجة من المسجد مديرة به الا من الغرب وكانت أبوابها شارعة فى المسجد* وعن محمد بن هلال قال أدركت بيوت أزواج النبىّ ﷺ كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر مستطيرة الى القبلة والى الشرق والشأم ليس فى غربى المسجد شىء منها وفى دلائل النبوّة قال عطاء الخراسانى أدركت حجر أزواج النبىّ ﷺ من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود* وفى شرف المصطفى لابن الجوزى أن منازل أزواج النبىّ ﷺ كانت كلها فى الشق الايسر الى وجه الامام فى وجه المنبر أى الى جهة الشأم وفى دلائل النبوّة قال محمد بن عمر كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد حوله وكلما أحدث رسول الله ﷺ أهلا تحول له حارثة عن منزله حتى صارت منازله كلها لرسول الله ﷺ قال ابن سعد أوصت سودة بيتها لعائشة وباع أولياء صفية بنت حيى بيتها من معاوية بمائة ألف وثمانين ألف درهم واشترى معاوية من عائشة منزلها بمائة ألف وثمانين ألفا وقيل ثمانية آلاف وشرطت سكناها

стр. 346

حياتها وحمل اليها المال فما قامت من مجلسها حتى فرقته وقيل اشتراه ابن الزبير من عائشة وبعث اليها خمسة أجمال تحمل المال وشرط لها سكناها فى حياتها ففرقت المال فقيل لها لو خبأت منه درهما فقالت لو ذكرتمونى فعلت وتركت حفصة بيتها فورثه ابن عمر فلم يأخذ ثمنا فأدخل فى المسجد وأسند يحيى عن عيسى بن عبد الله عن أبيه أن بيت فاطمة رضى الله عنها فى الزور الذى فى المقبرة بينه وبين بيت النبىّ ﷺ خوخة وذكر يحيى قال كان بيت فاطمة فى موضع مخرج النبىّ ﷺ وكانت فيه كوّة الى بيت عائشة وكان رسول الله ﷺ اذا قام الى المخزج اطلع من الكوّة الى فاطمة فعلم خبرهم وأن فاطمة قالت لعلىّ ان ابنىّ أمسيا عليلين فلو نظرت لنا اذ ما نستصبح به فخرج علىّ الى السوق فاشترى لهم أدما وجاء به الى فاطمة فاستصبحت به فدخلت عائشة المخرج فى جوف الليل فأبصرت المصباح عندهم فذكر الراوى كلاما وقع بينهما فلما أصبحوا سألت فاطمة النبىّ ﷺ أن يسدّ الكوّة فسدّها رسول الله ﷺ وأسند يحيى عقب ذلك قالت عائشة يا رسول الله تدخل الكنيف فلا نرى شيئا من الاذى فقال الارض تبلع ما يخرج من الانبياء من الاذى فلا يرى منه شىء أفاد يحيى أن المراد من المخرج موضع الكنيف وأفهم ذلك أن المخرج المذكور كان خلف حجرة عائشة بينها وبين بيت فاطمة وذلك يقتضى أن يكون محله فى الزوراء أعنى الموضع المزور شبيه المثلث فى بناء عمر بن عبد العزيز فى جهة الشأم وكان بابه فى المربعة التى فى القبر وعن سليمان قال مسلم لا تنس حظك من الصلاة اليها فانه باب فاطمة الذى كان علىّ يدخل اليها منه قال ابن النجار وبيت فاطمة اليوم حوله مقصورة وفيه محراب وهو خلف حجرة النبىّ ﷺ قال السيد السمهودى المقصورة اليوم دائرة على بيت فاطمة وعلى حجرة عائشة والمحراب الذى ذكره خلف حجرة عائشة من جهة الزوراء بينه وبين موضع يحترمه الناس ولا يدوسونه بأرجلهم يذكر أنه موضع قبر فاطمة رضى الله عنها على أحد الاقوال* وأما الصفة بضم الصاد وتشديد الفاء فظلة فى مؤخر مسجد النبىّ ﷺ يأوى اليها المساكين على أشهر الاقوال كذا قاله القاضى عياض وقال الحافظ الذهبى ان القبلة قبل أن تحوّل كانت فى شمالى المسجد فلما حولت القبلة بقى حائط المسجد الاوّل مكان أهل الصفة وقال الحافظ ابن حجر الصفة مكان فى مؤخر المسجد النبوى مظلل أعدّ لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوّج منهم أو يموت أو يسافر وقد سرد أسماءهم أبو نعيم فى الحلية فزادوا على المائة* وروى البيهقى عن عثمان بن اليمان قال لما كثر المهاجرون بالمدينة ولم يكن لهم دار ولا مأوى أنزلهم رسول الله ﷺ المسجد وسماهم أصحاب الصفة وكان يجالسهم ويؤانسهم وكان المسجد على هذه الهيئة فى عهد رسول الله ﷺ ولم يزد فيه أبو بكر شيئا ولما كان زمان خلافة عمر وكثر الناس وضاق المسجد عنهم وسعه عمر وزاد فيه ولم يغير فى جنس الآلة فبناه على ما بنى فى عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا* وفى تاريخ اليافعى أن زيادته كانت فى سنة سبع عشرة وذكر غيره أنه زاد فى هذه السنة فى المسجد الحرام ولم يتعرّض لتاريخ زيادة فى مسجد المدينة روى أن عمر جعل له ستة أبواب ثم غير عثمان فيه ووسعه وزاد فيه زيادات كثيرة وكان أوّل عمله فى شهر ربيع الاوّل سنة تسع وعشرين وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال محرم سنة ثلاثين فكان مدّة عمله عشرة أشهر قال أهل السير جعل عثمان طول المسجد مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين ذراعا وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجص وجعل عمده من حجارة منقوشة وجعل سقفه من خشب الساج وجعل أبوابه ستة كما كانت فى زمن عمر ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك بن مروان فى أيام خلافته وجعله

стр. 347

أوسع فجعل طوله مائتى ذراع وعرضه فى مقدّمه مائتين وفى مؤخره مائة وثمانين ذراعا وأدخل فيه بيوت أزواج النبى ﷺ المتصلة بالمسجد* قالوا هدم المسجد نائب الوليد على المدينة عمر بن عبد العزيز سنة احدى وتسعين وبناه بالحجارة المنقوشة ومكث فى بنائه ثلاث سنين وقد فرغ منه سنة ثلاث وتسعين وهى السنة التى عزل فيها عمر عن المدينة ثم زاد فيه المهدى العباسى مائة دراع من جهة الشأم فقط دون الجهات الثلاث الأخر وكان ابتداء زيادته سنة احدى وستين ومائة* قال ابن زبالة ويحيى فرغ من بنيان المسجد سنة خمس وستين ومائة ثم جدّده المأمون وزاد فيه واتفق بنيانه أيضا فى سنة ثنتين ومائتين والى يومنا هذا ابناء المأمون وللمسجد اليوم أربعة أبواب باب جبريل وباب النساء وأوّل من أحدثه فى المسجد عمر بن الخطاب حين زاد فيه وباب الرحمة وباب السلام واذا عرفت حال المسجد والزيادات والتغييرات الواقعة فيه فينبغى أن تعتنى على محافظة الصلوات فيما كان فى عهد رسول الله ﷺ فان الحديث الوارد فى فضيلة الصلاة فيه وهو صلاة فى مسجدى هذا أفضل أو خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام انما يتناول ما كان فى زمن النبىّ ﷺ لكن اذا صليت بالجماعة فالتقدّم الى الصف الاوّل ثم ما يليه أفضل كذا فى ايضاح المناسك للنووى وسيجىء قصة قصد الافرنج قبر النبىّ ﷺ فى الخاتمة فى خلافة المستنجد بالله فى سنة سبع وخمسين وخمسمائة ونذكر فى خلافة المستنجد بالله قصة قصد الروافض قبر صاحبيه لتناسب القصتين وان لم يذكر المحب الطبرى تاريخ الثانية ونذكر قصة احتراق المسجد النبوى مرّتين فى الخاتمة فى خلافة المعتصم بالله فى سنة أربع وخمسين وستماسة* موت كلثوم بن الهدم وفى هذه السنة مات كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة بزمان قليل قبل موت أسعد بن زرارة فهو أوّل من مات من الانصار بعد قدوم النبىّ ﷺ وكان شريفا كبير السنّ كان أسلم قبل قدومه ﷺ وهاجر ولما هاجر النبىّ ﷺ الى المدينة نزل عليه هو وجماعة منهم أبو عبيدة عامر بن الجراح والمنذرين الاسود والخباب بن الارت* اسلام عبد الله بن سلام وفى هذه السنة فى أوّل قدومه ﷺ المدينة أسلم عبد الله بن سلام ويكنى أبا يوسف وكان اسمه فى الجاهلية الحصين فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵉* وفى البخارى من حديث عائشة التصريح بأنه جاء قبل دخوله ﷺ دار أبى أيوب لما سمع بقدومه ﷺ ثم رجع الى أهله ثم قال ﵇ لابى أيوب اذهب فهيئ لنا مقيلا فقال قوما على بركة الله أى هو وأبو بكر قالت فلما جاء نبىّ الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال أشهد أنك رسول الله فأسلم وسيجىء وفاته فى الخاتمة فى خلافة معاوية فى سنة ثلاث وأربعين* وفى الاكتفاء كان من حديث عبد الله بن سلام واسلامه وكان حبرا عالما انه قال لما سمعت برسول الله ﷺ عرفت صفته واسمه وزمانه الذى كنا نتوكف له فكنت مسرّا لذلك صامتا عليه حتى قدم المدينة فلما نزل بقباء فى بنى عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا فى رأس نخلة لى أعمل فيها وعمتى خالدة بنت الحارث تحتى جالسة فلما سمعت بقدوم رسول الله ﷺ كبرت فقالت لى عمتى حين سمعت تكبيرتى خيبك الله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت فقلت لها أى عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به فقالت أى ابن أخى هو النبىّ الذى كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة فقلت لها نعم قالت فذاك اذا ثم رحت الى رسول الله ﷺ فأسلمت ثم رجعت الى أهلى فأمرتهم فأسلموا وكتمت اسلامى من يهود الى آخر ما يجىء من الحديث* قال أنس لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخبر عبد الله بن سلام بقدومه وهو بأرض يخترف فأتاه فقال انى سائلك عن أشياء لا يعلمها

стр. 348

الا نبىّ فان أخبرتنى بها آمنت بك وان لم تعلمهنّ عرفت أنك لست بنبىّ قال وما هنّ فسأله عن الشبه وعن أوّل شىء يأكله أهل الجنة وعن أوّل شىء يحشر الناس فقال رسول الله ﷺ أخبرنى بهنّ جبريل آنفا قال عبد الله ذاك عدوّ اليهود وسيجىء سبب عداوته فقال النبىّ ﷺ أما الشبه فاذا سبق ماء الرجل ماء المرأة ذهب بالشبه واذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ذهبت بالشبه وأما أوّل شىء يأكله أهل الجنة فزائدة كبد الحوت وأما أوّل شىء يحشر الناس فنار تجىء من قبل المشرق فتحشرهم الى المغرب فأمسك عبد الله وقال أشهد أنك لرسول الله وانك قد جئت بالحق وقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عنى قبل أن يعلموا أنى أسلمت فانهم ان يعلموا أنى قد أسلمت قالوا فىّ ما ليس فىّ فأرسل رسول الله ﷺ اليهم فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فو الذى لا اله الا هو انكم لتعلمون أنى رسول الله حقا وانى قد جئتكم بحق فأسلموا قالوا ما نعلمه قال فأىّ رجل فيكم عبد الله بن سلام وفى الاكتفاء قال عبد الله بن سلام فأدخلنى رسول الله ﷺ فى بعض بيوته ودخلوا عليه فكلموه وسألوه ثم قال لهم أى رجل حصين بن سلام فيكم قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا* وفى المشكاة خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا قال أفرأيتم ان أسلم قالوا حاشا الله ما كان ليسلم وفى المشكاة أعاذه الله من ذلك قال أفرأيتم ان أسلم قالوا حاشا الله ما كان ليسلم كرّر عليهم ثلاثا فيقولون له ذلك قال يا ابن سلام اخرج عليهم فخرج فقال يا معشر اليهود اتقوا الله فو الذى لا اله الا هو انكم لتعلمون انه لرسول الله وانه لجاء بحق فقالوا كذبت* وفى رواية قالوا هو شرّنا وابن شرنا فأخرجهم رسول الله ﷺ فقال عبد الله هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وفى الاكتفاء قال فأظهرت اسلامى واسلام أهل بيتى وأسلمت عمتى خالدة فحسن اسلامها انتهى ونصبت أحبار اليهود العداوة للنبىّ ﷺ بغيا وحسدا منهم حيى بن أخطب وأبو رافع الاعور وكعب بن الاشرف وعبد الله بن صوريا والزبير بن باطا وشمويل ولبيد بن الاعصم وغيرهم ودخل منهم جماعة فى الاسلام نفاقا وانضاف اليهم من الاوس والخزرج منافقون* وفى الكشاف روى أن عبد الله بن صوريا من أحبار فدك حاج رسول الله ﷺ وسأله عمن يهبط عليه بالوحى قال جبريل قال ذاك عدوّنا ولو كان غيره لآمنا بك وقد عادانا مرارا وأشدّها انه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخر به بخت نصر فبعثنا من يقتله وهو رجل من أقوياء بنى اسرائيل فلقيه ببابل غلاما مسكينا فدفعه عنه جبريل وقال ان كان ربكم أمره بهلاككم فانه لا يسلطكم عليه وان لم يكن اياه فعلى أى حق تقتلونه فصدّقه صاحبنا ورجع الينا وكبر بخت نصر وقوى وغزانا وحرق بيت المقدس وفى رواية قال أمره الله أن يجعل النبوّة فينا فجعلها فى غيرنا وفى رواية قال بعث جبريل الى أولاد اسرائيل فأدى الى أولاد اسماعيل* وفى القاموس عبد الله بن صوريا كبوريا من أحبار الشأم أسلم ثم كفر* وفى الحدائق عن أبى هريرة قال أتى رسول الله ﷺ بيت المدراس فقال أخرجوا الىّ أعلمكم فقام عبد الله بن صوريا فخلا به رسول الله ﷺ فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المنّ والسلوى وظللهم به من الغمام أتعلم انى رسول الله قال اللهم نعم وان القوم يعرفون ما أعرف فان صفتك ونعتك لمبين فى التوراة ولكنهم حسدوك قال فما يمنعك أنت قال أكره خلاف قومى وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم* موت أسعد بن زرارة وفى هذه السنة وقيل فى السنة الثانية مات أسعد بن زرارة بالذبحة وهو أحد النقباء الاثنى عشر فى ليلة العقبة وبيعتها مات قبل أن يفرغ رسول الله ﷺ من بناء مسجده ودفن بالبقيع والانصار يقولون هو أوّل من دفن بالبقيع والمهاجرون

стр. 349

يقولون أوّل من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون وكان عثمان رضيع رسول الله ﷺ توفى فى شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة وقبل رسول الله ﷺ خدّه وسماه السلف الصالح وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهوميت قالت فرأيت دموع رسول الله ﷺ تسيل على خدّ عثمان بن مظعون كذا فى الصفوة ويمكن الجمع بأن أوّل من دفن بالبقيع من الانصار أسعد بن زرارة ومن المهاجرين عثمان بن مظعون* ابتداء خدمة أنس وفى هذه السنة كان ابتداء خدمة أنس لرسول الله ﷺ فى الوفاء كانت الانصار يتقرّبون الى رسول الله ﷺ بالهدايا رجالهم ونساؤهم وكانت أمّ سليم تتأسف على ذلك وما كان لها شىء فجاءت بابنها أنس وقالت يخدمك أنس يا رسول الله قال نعم والذى فى الصحيح عن أنس قال قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم وأخذ أبو طلحة بيدى فانطلق بى الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ان أنسا غلام كيس فليخدمك قال فخدمته عشر سنين الحديث وقد يجمع بأنّ أمّ سليم جاءت به أوّلا وانطلق به ابو طلحة ثانيا لانه وليه وعصبته وهذا غير مجيئه به لخدمته فى غزوة خيبر كما يفهمه لفظ الحديث* الزيادة فى صلاة الحضر وفى هذه السنة بعد شهر من مقدمه ﷺ لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاوّل وفى سيرة مغلطاى من ربيع الآخر قال الدولابى يوم الثلاثاء وقال السهيلى بعد الهجرة بعام أو نحوه زيد فى صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها وصلاة المغرب لانها وتر النهار وأقرت صلاة السفر وتركت على الفريضة الاولى* وفى سيرة مغلطاى وكانت الصلاة قبل الاسراء صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها انتهى وقيل انما فرضت أربعا ثم خففت عن المسافر ويدل عليه حديث ان الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وقيل انما فرضت فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين وهو قول ابن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين رواه مسلم وغيره كذا فى المواهب اللدنية وفى الوفاء الذى عليه الاكثرون ان الصلاة نزلت بتمامها من بدء الامر والله أعلم* وعك أبى بكر والصحابة وفى هذه السنة وعك ابو بكر وغيره من الصحابة* فى المواهب اللدنية أورد وعك أبى بكر قبل بناء المسجد روى ان هواء المدينة كان عفنا وخما يكون فيها الوباء وكانت مشهورة بالوباء فى الجاهلية فادا دخلها غريب فى الجاهلية يقال له ان أردت أن تسلم من الوعك والوباء فانهق نهق الحمار فادا فعل سلم فاستوخم المهاجرون هواء المدينة ولم يوافق أمزجتهم فمرض كثير من الغرباء وضعفوا حتى لم يقدروا على الصلاة قياما وكان المشركون والمنافقون يقولون أضناهم حمى يثرب* وفى سنن النسائى وسيرة ابن هشام ان الصدّيق لما قدم المدينة أخذته الحمى وعامر بن فهيرة وبلالا قالت عائشة فدخلت عليهم وهم فى بيت واحد قبل أن يضرب علينا الحجاب فقلت يا أبت كيف أصبحت فقال* كل امرئ مصبح فى أهله* والموت أدنى من شراك نعله* ففلت انالله ان أبى ليهذى فقلت لعامر كيف تجدك فقال* لقد وجدت الموت قبل ذوقه* والمرء يأتى موته من فوقه* وفى رواية ان الجبان موته من فوقه* كل امرئ مجاهد بطوقه* كالثور يحمى أنفه بروقه* الطوق الطاقة والروق القرن قالت فقلت هذا والله لا يدرى ما يقول ثم قلت لبلال كيف أصبحت وكان بلال اذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى اذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل ثم يقول اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا الى أرض الوباء المراد بالوادى وادى مكة وفى رواية بفخ بتشديد الخاء المعجمة واد بمكة ومجنة سوق بأسفل مكة وجليل نبت

стр. 350

ضعيف وشامة وطفيل بكسر الفاء جبلان مشرفان على مجنة* وفى المواهب اللدنية شامة وطفيل عينان بقرب مكة قالت عائشة فدخلت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ حبا وصححها وبارك لنا فى صاعها ومدّها وانقل حماها الى مهيعة وهى الجحفة وفى هذا وقولها قبل أن يضرب علينا الحجاب اشعار بأن وعك أبى بكر وصاحبيه كان بعد بناء المسجد انتهى فأجاب الله لنبيه دعاءه فجعل هواءها صحيحا موافقا لامزجة الغرباء ونقل وباءها وحماها وعفونة هوائها الى جحفة وهى يومئذ كانت دار اليهود ولم يكن بها مسلم يقال كانت لا يدخلها أحد الاحمّ وفى الصفوة كان المولود يولد بالجحفة فما يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى كذا فى الصحيحين ولهذا عدلوا الطريق الى رابغ* وعن عبد الله بن عمر أن النبىّ ﷺ قال رأيت امرأة وفى رواية كانّ امرأة ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت* وفى رواية حتى أقامت بمهيعة فأوّلتها ان وباء المدينة نقل الى مهيعة وهى الجحفة* وفى القاموس مهيعة كمرحلة ويقال مهيعة كمعيشة كلتاهما بالمثناة التحتية اسم للجحفة* وفى تشويق الساجد الجحفة بضم الجيم واسكان الحاء قرية خربة تسمى مهيعة على نحو خمس مراحل من مكة وهى ميقات أهل الشأم ومصر والمغرب وهى بقرب رابغ بالغين المعجمة ومحاذية له على يسار الذاهب الى مكة* وفى معجم ما استعجم بين الجحفة والبحر نحو ستة أميال وغدير خم على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق وهذا الغدير تصب فيه عين ماء وحوله شجر كثير ملتف وهى الغيضة التى تسمى خم وبغدير خم قال النبىّ ﷺ لعلىّ من كنت مولاه فعلىّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وكان ذلك منصرفه من حجة الوداع * اسلام سلمان الفارسى وفى هذه السنة أسلم سلمان الفارسى وفى رواية فى جمادى الاولى منها روى أن سلمان كان رجلا فارسيا من أهل أصفهان من قرية يقال لها خبى وكان أبوه مجوسيا دهقان قريته وكان يحبه وكان يحبسه فى بيته كما تحبس الجارية فى بيتها فوّض اليه أمرا يقاد النار وتعهدها وكانت لابيه ضيعة عظيمة فشغل يوما فى بنيان له عن أمر الضيعة وأرسل سلمان اليها فأمره فيها ببعض ما يريد فخرج سلمان يريد الضيعة فمرّ بكنيسة من كنائس النصارى فسمع أصواتهم فيها وهم يصلون فدخل عليهم ينظر ما يصنعون فلما رآهم أعجبته صلاتهم ورغب فى أمرهم فقال هذا والله خير من الذى نحن عليه فمكث عندهم حتى غربت الشمس وترك ضيعة أبيه فسألهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشأم ثم رجع الى أبيه فسأله أبوه أين كنت يا بنى قال مررت بقوم يصلون فى كنيسة لهم أعجبنى ما رأيته من دينهم قال أى بنى ليس ذاك الدين خيرا من دينك ودين آبائك قال كلا والله انه لخير من ديننا فخافه فجعل فى رجله قيدا ثم حبسه فى بيته فبعث سلمان دسيسا الى النصارى فقال لهم اذا قدم عليكم من الشام ركب تجار من النصارى فأخبرونى بهم فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروه بقدوم التجار وارادتهم الرجوع الى الشأم فألقى سلمان الحديد من رجله ثم خرج معهم حتى قدم الشأم وسأل من أفضل أهل هذا الدين فقالوا الأسقف فى الكنيسة فجاء فأقام عنده فخدمه حتى مات وكان رجل سوء فلما مات هو نصبوا مكانه رجلا آخر فأقام سلمان عنده فلما حضرته الوفاة أوصى به الى رجل بالموصل فلحق سلمان بصاحب الموصل فأقام عنده وخدمه ولما حضرته الوفاة أوصى به الى رجل من نصيبين فلحق سلمان بصاحب نصيبين وأقام عنده وخدمه ولما حضرته الوفاة أوصى به الى رجل بعمورية فلحق سلمان بصاحب عمورية وأقام عنده واكتسب بها فحصل له بقرات وغنيمات فلما حضرته الوفاة استوصاه سلمان فقال له يا بنى والله ما أعلم أحدا من الناس فيه خير ومعرفة بهذا الدين آمرك أن تأتيه ولكن أظلك زمان نبىّ هو مبعوث بدين ابراهيم ﵇ يخرج بأرض العرب يهاجر الى أرض بين حرّتين بينهما

стр. 351

نخل به علامات ظاهرة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوّة فان استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ثم مات ومكث سلمان بعمورية ما شاء الله ثم مرّ به نفر من بنى بكر أو بنى كلب فقال لهم أتحملوننى الى أرض العرب أعطيكم بقراتى هذه وغنيماتى قالوا نعم فأعطاهم اياها فحملوه حتى اذا قدموا به وادى القرى باعوه من يهودى فأقام سلمان عنده ورأى بها النخل فرجا أن يكون البلد الذى وصف له صاحبه بعمورية فبينما هو عنده اذ قدم عليه ابن عم له من المدينة من بنى قريظة فاشتراه منه فاحتمله الى المدينة فقال سلمان فو الله لما رأيتها عرفتها بوصف صاحبى بعمورية فأقام بها سلمان فبعث الله رسوله بمكة فأقام بها ما أقام لم يسمع له سلمان ذكرا مع ما به من شغل سيده وخدمته ثم هاجر رسول الله ﷺ الى المدينة فبينما كان سلمان فى رأس نخل لسيده يعمل فيه بعض العمل وسيده جالس تحت النخل اذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بنى قيلة يعنى الانصار والله انهم الآن مجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون انه نبىّ قال سلمان فلما سمعتها أخذتنى العرواء أى الرعدة حتى ظننت انى ساقط على سيدى فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة ثم قال مالك ولهذا أقبل على عملك قلت لا شىء انما أردت أن استبثه عما قال وقد كان عند سلمان شىء من الرطب قد جمعه فلما أمسى اخذه ثم ذهب به الى رسول الله ﷺ وهو بقباء ثم دخل عليه فقال له انه قد بلغنى أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذو حاجة وهذا شىء كان عندى للصدقة فرأيتكم احق به من غيركم فقرّبه منه فقال رسول الله ﷺ لاصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل فقال سلمان فى نفسه هذه واحدة ثم انصرف عنه وجمع شيئا وتحوّل رسول الله ﷺ من قباء الى المدينة فجاءه سلمان به فقال انى رأيتك لا تأكل صدقة وهذه هدية اكرمتك بها فأكل وأمر اصحابه فأكلوا منها فقال سلمان فى نفسه هاتان اثنتان ثم جاء رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد وقد تبع جنازة رجل من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس فى أصحابه فسلم عليه ثم استدار خلفه ينظر الى ظهره هل يرى الخاتم الذى وصفه له صاحبه بعمورية فلما رآه رسول الله ﷺ استدبر عرف انه يستثبت فى شىء وصف له فألقى رداءه عن ظهره فنظر الى الخاتم فانكب عليه يقبله ويبكى فقال له رسول الله ﷺ تحوّل فتحوّل فقص عليه قصته فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه فأسلم سلمان* وفى شواهد النبوّة لما جاء سلمان الى النبىّ ﷺ ليسلم لم يفهم النبىّ ﷺ كلامه فطلب ترجمانا فأتى بتاجر من اليهود كان يعلم الفارسية والعربية فمدح سلمان النبىّ ﷺ وذمّ اليهود فغضب اليهودى وحرّف الترجمة فقال ان سلمان يشتمك فقال النبىّ ﷺ هذا الفارسى جاء ليؤذينا فنزل جبريل وترجم كلام سلمان فقال النبىّ ﷺ ذلك لليهودى فقال يا محمد اذا كنت تعرف الفارسية فما حاجتك الىّ قال ما كنت أعلمها قبل فالآن علمنى جبريل أو كما قال فقال اليهودى يا محمد قد كنت قبل هذا أتهمك فالآن تحقق عندى أنك رسول الله فقال أشهد أن لا اله الا الله وأشهد انك رسول الله ثم قال النبىّ لجبريل علم سلمان العربية قال قل له ليغمض عينيه وليفتح فاه ففعل سلمان فتفل جبريل فى فيه فشرع سلمان يتكلم بالعربى الفصيح* قال ثم شغل سلمان الرق حتى فاته بدر وأحد حتى عتق فى السنة الخامسة من الهجرة كما سيجىء فى الموطن الخامس* ذكر المواخاة بين المهاجرين والانصار وفى هذه السنة بعد قدوم النبىّ ﷺ المدينة بخمسة أشهر وهو يبنى المسجد وقيل بعده وقيل قبله* وفى أسد الغابة بعد ثمانية أشهر آخى بين المهاجرين والانصار فقعدوا عقد المواخاة والمعاونة

стр. 352

والمواساة وقيل كتبوا فيه كتابا وكان ذلك فى دار أنس* وفى رواية كان فى المسجد على ان يتوارثوا بعد الممات دون ذوى الارحام وكانوا تسعين رجلا خمسة وأربعون من المهاجرين وخمسة وأربعون من الانصار والتأم شمل الحيين الاوس والخزرج ببركة النبىّ ﷺ بعد ما كان بينهما أمور عظام ومخالفات كثيرة وما وجدنا فى الكتب من أساميهم هذه أبو بكر بن أبى قحافة مع خارجة ابن زيد الانصارى اخى الحارث بن الخزرج وعمر بن الخطاب مع عتبان بن مالك الانصارى الخزرجى وعثمان بن عفان مع أوس بن ثابت الانصارى وابو عبيدة بن الجراح اسمه عامر بن عبد الله مع سعد بن معاذ سيد الاوس الانصارى الاشهلى والزبير بن العوام مع سلمة بن سلام الانصارى الاشهلى وطلحة ابن عبيد الله مع كعب بن مالك الانصارى اخى بنى سلمة وعبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع الانصارى اخى الحارث بن الخزرج وسلمان الفارسى مع ابى الدرداء عويمر بن ثعلبة الانصارى اخى بلحارث بن الخزرج* وقال ابن هشام عويمر بن عامر ويقال عويمر بن زيد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل مع أبى بن كعب الانصارى أخى بنى النجار ومصعب بن عمير بن هاشم مع أبى أيوب خالد بن زيد الانصارى النجارى وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع عباد بن بشر الانصارى الاشهلى وعمار بن ياسر مع حذيفة بن النجار الانصارى اخى بنى عبس ويقال بل عمار بن ياسر مع ثابت بن قيس بن شماس الانصارى أخى بلحارث بن الخزرج وأبوذر وقد اختلف فى اسمه ونسبه اختلافا كثيرا فقيل جندب ابن جنادة ويقال بريد بن جندب ويقال برير ويقال بر بن جنادة كذا قاله ابن اسحاق وقيل بريد بن جندب أيضا عن ابن اسحاق ويقال جندب بن عبد الله ويقال جندب بن سكن ويقال غير ذلك والمشهور المحفوظ جندب بن جنادة الغفارى كذا فى الاستيعاب وأسد الغابة وقال ابن هشام سمعت غير واحد من العلماء يقول أبو ذرّ جندب بن جنادة انتهى مع المنذر بن عمرو الانصارى أخى بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج قاله ابن اسحاق وحاطب بن أبى بلتعة اللخمى حليف بنى أسد بن عبد العزى مع عويمر بن ساعدة أخى بنى عمرو بن عوف وجعفر بن أبى طالب مع معاذ بن جبل اخى بنى سلمة قاله ابن اسحاق وقال ابن هشام وكان جعفر بن أبى طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة وبلال المؤذن مولى أبى بكر مع أبى رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمى هذا هو المشهور بين المؤرّخين* ونقل الشيخ ابن حجر فى شرح صحيح البخارى عن ابن عبد البر أنه كانت المؤاخاة مرّتين الاولى قبل الهجرة بمكة بين المهاجرين خاصة روى الحاكم ابن عبد الله النيسابورى حديثا يدل على ما قاله ابن حجر وهو حديث أبى عمرو قال آخى النبىّ ﵊ بين أبى بكر وعمر وبين طلحة والزبير وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف وفى رواية بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة فقال على يا رسول الله آخيت بين أصحابك فمن أخى قال أنا أخوك وفى رواية أنت أخى فى الدنيا والآخرة وهؤلاء كلهم من المهاجرين والثانية ما تقدّم من المؤاخاة بين المهاجرين والانصار وكانت هذه المؤاخاة قبل وقعة بدر ولما وقعت وقعة بدر أنزل الله تعالى وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطعت المؤاخاة فى الميراث ورجع كل انسان الى نسبه وورثه ذوو رحمه* ذكر موادعة اليهود وفى هذه السنة بعد ما قدم رسول الله ﷺ المدينة بخمسة أشهر وادع اليهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم أن لا يعينوا عليه أحدا وان دهمه بها عدوّ نصروه موت العاص بن وائل من مشركى مكة وفى هذه السنة مات من مشركى مكة بمكة العاص بن وائل السهمى والوليد بن المغيرة روى عن الشعبى لما احتضر الوليد بن المغيرة جزع فقال له أبو جهل يا عم ما يجزعك قال والله ما بى من جزع من الموت ولكنى أخاف أن يظهر دين ابن أبى كبشة بمكة قال أبو سفيان لا تخف أنا ضامن أن لا يظهر وفى هذه السنة ولد زياد بن

стр. 353

أبية وقتل كسرى النعمان بن المنذر وتوفى أبو لهب وولد المسور بن مخرمة كذا فى سيرة مغلطاى بعت زيد بن حارثة الى مكة وفى هذه السنة بعث رسول الله زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين فقد ما عليه بفاطمة وأمّ كلثوم بنتيه وسودة زوجته وأمّ أيمن زوج زيد بن حارثة واسامة بن زيد وخرج عبد الله بن ابى بكر معهم بعيال ابى بكر وهم عائشة وامّها امّ رومان واختها اسماء زوج الزبير وهى حامل بعبد الله ابن الزبير فولدته بقباء قبل نزولهم المدينة فكان اوّل مولود ولد من المهاجرين بالمدينة كما سيجىء وقال رزين ان ابا بكر ارسل عبد الله بن اريقط مع زيد بن حارثة ليأتيه بعائشة وامّ رومان أمّها وعبد الرحمن وقال بعضهم ووجدوا طلحة بن عبيد الله على خروج فخرج معهم فقدموا كلهم فلما قدموا المدينة انزلهم فى بيت حارثة بن النعمان* ولادة النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير وفى هذه السنة ولد النعمان بن بشير وهو اوّل مولود ولد فى الاسلام من الانصار وفى هذه السنة ولد عبد الله بن الزبير* وفى الوفاء جاءت امّه اسماء بنت ابى بكر بعد الهجرة فنفست به بقباء فى شوّال فى السنة الاولى من الهجرة* وقال الذهيى تبعا للواقدى انه ولد فى شوّال سنة اثنتين كذا اورد فى المواهب اللدنية وتاريخ اليافعى* وفى اسد الغابة ولد عبد الله بن الزبير بالمدينة على رأس عشرين شهرا من الهجرة وقيل فى السنة الاولى وسيجىء قتله فى الخاتمة* وقال الحافظ ابن حجر المعتمد انه ولد فى السنة الاولى للحديث المتفق عليه* وفى بعض الكتب ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا وهو أوّل مولود ولد للمهاجرين بالمدينة بعد الهجرة أذن أبو بكر فى أذنه وكبر رسول الله ﷺ والمسلمون وكانوا قد تحدّثوا فيما بينهم بأنّ اليهود قد سحرتهم وقيل انّ اليهود قالت انا سحرناهم فلا يولد لهم مولود فكذبهم الله ففرح المسلمون بولادته وكان تكبيرهم حين الولادة للفرح* وفى الرياض النضرة ان أسماء لما هاجرت الى المدينة كانت حبلى به فنزلت بقباء فولدته هناك ثم خرجت حتى أتت به النبىّ ﷺ وهو جالس فوضعته فى حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل فى فيه ثم حنكه بها ودعا له بالبركة وكان أوّل ما دخل فى جوفه ريق رسول الله ﷺ كذا فى المشكاة* وعن عائشة أنّ أمّه أسماء لما ولدته أتت به رسول الله ﷺ ليحنكه فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه فى حجره قالت عائشة فمكثنا ساعة نلتمسها يعنى تمرة قبل أن نجدها فمضغها ثم بصقها فى فيه فأوّل شىء دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ قالت أسماء ثم مسحه رسول الله ﷺ وسماه عبد الله ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان ليبايع رسول الله ﷺ وأمره بذلك الزبير فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلا ثم بايعه أخرجه البخارى كذا فى الرياض النضرة* وفى حياة الحيوان روى السهيلى انه لما ولد عبد الله بن الزبير نظر اليه رسول الله ﷺ فقال هو هو فلما سمعت بذلك أسماء أمسكت عن ارضاعه فقال لها النبىّ ﷺ أرضعيه ولو بماء عينيك كبش بين الذئاب ذئاب عليها ثياب ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه* وذكر الدار قطنى وغيره أعطى النبىّ ﷺ ابن الزبير وهو غلام دم محاجمه ليدفنه فشربه فقال له النبىّ ﷺ من خالط دمه دمى لم تمسه النار ويل لك من الناس وويل للناس منك* أورده فى النجم الوهاج والقاضى عياض فى الشفاء* وفى المواهب اللدنية عن ابن الزبير قال احتجم رسول الله ﷺ فقال اذهب فغيبه فذهبت به فشربته فأتيته فقال ما صنعت قلت غيبته قال لعلك شربته قلت نعم قال ويل لك من الناس وويل للناس منك وفيه دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ * وفى الرياض النضرة لا تمسك النار الاقسم اليمين وكان أطلس عديم اللحية ولا شعر فى وجهه وكان صوّاما قوّاما طويل الصلاة وصولا للرحم عظيم المجاهدة والشجاعة ومن مجاهدته المنقولة انه كان يحيى الدهر أجمع ليلة قائما

стр. 354

حتى الصباح وليلة راكعا حتى الصباح وليلة ساجدا حتى الصباح وكان يواصل الصوم سبعا ويصوم يوم الجمعة فلا يفطر الا ليلة الجمعة الاخرى ويصوم بالمدينة ولا يفطر الا بمكة ويصوم بمكة ولا يفطر الا بالمدينة وبينهما مائتا ميل كذا فى معجم ما استعجم وكان أوّل ما يفطر عليه لبن لقحة بسمن بقر وصبر كذا فى الصفوة* شجاعة عبد الله بن الزبير ومن شجاعته المنقولة ما ذكره الذهبى فى دول الاسلام انّ عثمان فى خلافته لما عزل نائب مصر عمرو بن العاص واستعمل عليها عبد الله بن أبى سرح سار عبد الله بالجيوش الى المغرب فالتقى هو والكفار وهم نحو مائتى ألف وملكهم جرجير وكان المصاف بسيطلة بقرب مدينة القيروان فقتل جرجير ونزل النصر وكانت وقعة هائلة عظيمة بحيث طلع سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار من الغنيمة وكيفيتها ما قال مصعب بن الزبير حدّثنى أبى والزبير بن حبيب قالا قال عبد الله بن الزبير هجم علينا جرجير فى مائة وعشرين ألفا واختلف الجند على ابن أبى سرح وخافوا كثرة العدد وأحاط بنا العدوّ وكنا عشرين ألفا فرأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف جيوشه على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس بينه وبين عسكره فلاة من الارض فأتيت أميرنا ابن أبى سرح فندب لى فرسانا فاخترت منهم ثلاثين وقلت لهم اثبتوا هنا وحملت على جرجير وقلت احمو الى ظهرى وخرجت الى جرجير وهو يظن انى رسول اليه فلما دنوت منه عرف الشر فوثب على برذونه وساق موليا فأدركته فطعنته فسقط ثم ضربته بالسيف ونصبت رأسه على رمحى وكبرت وقد كبر المسلمون فحملوا وركينا أكتاف العدوّ وتمزقوا وذلك بشجاعة عبد الله بن الزبير رضى الله عنه وسيجىء خلافته فى الخاتمة فى سنة أربع وستين وقتله فى سنة ثلاث وسبعين* قصة فاطمة بنت النعمان وفى هذه السنة ما روى انه كانت امرأة من بنى النجار يقال لها فاطمة بنت النعمان كان لها تابع من الجنّ وكان يأتيها فأتاها بعد ما هاجر النبىّ ﵊ الى المدينة فانقض على الحائط فقالت له ما لك لا تأتى كما كنت تأتى قال جاء النبىّ الذى يحرم الزنا والحرام* تكلم الذئب وفى هذه السنة تكلم ذئب خارج المدينة ينذر برسول الله ﵊* عن أبى هريرة أنه قال جاء ذئب الى غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعى حتى انتزعها منه فصعد الذئب على تل فاقعى واستنفر وقال عمدت الى رزق رزقنيه الله انتزعته منى فقال الرجل بالله ان رأيت كاليوم ذئب يتكلم قال الذئب أعجب من هذا رجل فى النخلات بين الحرّتين يخبركم بما مضى وما هو كائن عندكم وكان الراعى يهوديا فجاء الى النبىّ ﵊ فأخبره خبره وصدّقه النبىّ ﵊ وقال انها أمارة من أمارات بين يدى الساعة أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده* وفى حياة الحيوان قال ابن عبد البركام الذئب من الصحابة ثلاثة رافع بن عمير وسلمة بن الاكوع واهبان بن أوس* ابتداء الغزوات وفى هذه السنة ابتداء الغزوات* اعلم انه جرت عادة المحدّثين وأهل السير واصطلاحاتهم غالبا بأن يسموا كل عسكر حضره النبىّ ﷺ بنفسه الكريمة غزوة وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه الى العدوّ سرية وبعثا* وأفاد فى فتح البارى أن السرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية هى التى تخرج بالليل والسارية التى تخرج بالنهار وقيل سميت بذلك يعنى السرية لانها تخفى ذهابها وهذا يقتضى انها أخذت من السر ولا يصح لاختلاف المادّة وهى قطعة من الجيش تخرج منه وتعود اليه كذا فى المواهب اللدنية* وفى القاموس السرية من خمسة أنفس الى ثلثمائة أو أربعمائة* وفى المواهب اللدنية من مائة الى خمسمائة فما زاد على خمسمائة يقال له منسر بالنون ثم المهملة وفى السامى فى الاسامى المنسر والمقنب من الثلاثين الى الاربعين* وفى المواهب اللدنية فان زاد على ثمانمائة يسمى جيشا فان زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلا والخميس الجيش العظيم الكثير وكذا المجر والمدهم والعرمرم كذا

стр. 355

فى سامى الاسامى وفى المواهب اللدنية وما افترق من السرية يسمى بعثا والكثيبة والفيلق ما اجتمع ولم ينتشر* وفى سر الادب فى ترتيب العساكر عن أبى بكر الخوارزمى عن ابن خالويه أقل العساكر الجريدة وهى قطعة جردت من سائرها لوجه مّا ثم السرية أكثر منها وهى من خمسين الى أربعمائة ثم الكثيبة وهى من مائة الى ألف ثم الجيش وهو من ألف الى أربعة آلاف وكذلك العريق والجحفل ثم الخميس وهو من أربعة آلاف الى اثنى عشر ألفا والعسكر يجمعها* وجملة غزواته التى غزاها ﵇ بنفسه مختلف فيها ففى سيرة اليعمرى وابن هشام والاكتفاء والمواهب اللدنية سبع وعشرون كما قاله ابن اسحاق غزوة ودان وهى غزوة الابواء ثم غزوة بواط من ناحية رضوى ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الصغرى الاولى بطلب كرز بن جابر ثم غزوة بدر الكبرى القتال ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ الكدر ثم غزوة السويق لطلب أبى سفيان بن حرب ثم غزوة غطفان وهى غزوة ذى أمر ثم غزوة بحران معدان بالحجاز ثم غزوة أحد ثم غزوة حمراء الاسد ثم غزوة بنى النضير ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ثم غزوة بدر الأخرى ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بنى قريظة ثم غزوة بنى لحيان من هذيل ثم غزوة ذى قرد ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة وهى غزوة المرييسع ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصدّه المشركون ثم غزوة خيبر ثم غزوة عمرة القضاء ثم غزوة الفتح ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك قاتل ﷺ فى تسع غزوات منها بدر وأحد والخندق وبنى قريظة وبنى المصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف وهذا الترتيب عن ابن اسحاق وخالفه ابن عقبة فى بعضه كذا فى الاكتفاء وسيرة ابن هشام وسيجىء بالتفصيل ان شاء الله تعالى* وقيل جميع غزواته أربع وعشرون وقيل احدى وعشرون وقيل تسع عشرة غزوة* وفى خلاصة السير للمحب الطبرى وجملة المشهور منها اثنتان وعشرون غزوة* وقال ابن اسحاق وأبو معشر وموسى بن عقبة وغيرهم المشهور انه غزا خمسا وعشرين غزوة بنفسه* وفى عمدة المعانى وأسد الغابة وكانت جملة غزواته ستا وعشرين غزوة وقاتل فى تسع منها أوفى اثنتى عشرة وهى بدر وأحد والمريسيع والخندق وبنو قريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف هذا على قول من قال فتحت مكة عنوة* وفى سيرة اليعمرى قاتل منها فى سبع وعدّ ما عدا خيبر وفتح مكة* وفى الصفوة قاتل أيضا بوادى القرى وبنى النضير* وفى خلاصة الوفاء البعوث والسرايا خمسون أو نحوها وكذلك فى سيرة اليعمرى* وفى المواهب اللدنية وكانت سراياه التى بعث بها سبعا وأربعين سرية وفى موضع آخر منه فجميع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون* وفى الاكتفاء وسيرة ابن هشام وكانت بعوثه وسراياه ثمانية وثلاثين ما بين بعث وسرية* وفى أسد الغابة لابن الاثير خمسة وثلاثين واختلف أيضا فى أوّل الغزوات فمحمد بن اسحاق وجماعة على ان أوّلها غزوة الابواء ثم بواط ثم العشيرة* وروى البخارى أيضا فى صحيحه عن ابن اسحاق بهذا الترتيب ورجحه الحافظ ابن حجر فى فتح البارى شرح صحيح البخارى وقيل أوّل ما غزا العشيرة* بعث حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر وفى رمضان هذه السنة على رأس سبعة أشهر من الهجرة وقيل فى ربيع الاوّل سنة ثنتين بعث حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر وكان أوّل بعوثه ﵇ قال ابن اسحاق بعث رسول الله حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر من ناحية العيص فى ثلاثين راكبا من المهاجرين قيل ومن الانصار وفيه نظر لانه لم يبعث من الانصار حتى غزابهم بدرا ليتعرّض عير قريش فلقى أبا جهل بالساحل فى ثلثمائة راكب من أهل مكة فلما تصافوا حجز بينهما مجدى بن عمرو الجهنى وكان موادعا للفريقين حليفا لهما ثم انصرفوا من غير قتال وكان حامل لواء حمزة أبو مرثد الغنوى* وفى المواهب اللدنية وكان ﵇ قد عقد له لواء أبيض واللواء هو
следующие страницы →