← Сира

Сира · id 9784

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

الديار بكري

Полный текст (908 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

نخل به علامات ظاهرة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوّة فان استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ثم مات ومكث سلمان بعمورية ما شاء الله ثم مرّ به نفر من بنى بكر أو بنى كلب فقال لهم أتحملوننى الى أرض العرب أعطيكم بقراتى هذه وغنيماتى قالوا نعم فأعطاهم اياها فحملوه حتى اذا قدموا به وادى القرى باعوه من يهودى فأقام سلمان عنده ورأى بها النخل فرجا أن يكون البلد الذى وصف له صاحبه بعمورية فبينما هو عنده اذ قدم عليه ابن عم له من المدينة من بنى قريظة فاشتراه منه فاحتمله الى المدينة فقال سلمان فو الله لما رأيتها عرفتها بوصف صاحبى بعمورية فأقام بها سلمان فبعث الله رسوله بمكة فأقام بها ما أقام لم يسمع له سلمان ذكرا مع ما به من شغل سيده وخدمته ثم هاجر رسول الله ﷺ الى المدينة فبينما كان سلمان فى رأس نخل لسيده يعمل فيه بعض العمل وسيده جالس تحت النخل اذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بنى قيلة يعنى الانصار والله انهم الآن مجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون انه نبىّ قال سلمان فلما سمعتها أخذتنى العرواء أى الرعدة حتى ظننت انى ساقط على سيدى فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة ثم قال مالك ولهذا أقبل على عملك قلت لا شىء انما أردت أن استبثه عما قال وقد كان عند سلمان شىء من الرطب قد جمعه فلما أمسى اخذه ثم ذهب به الى رسول الله ﷺ وهو بقباء ثم دخل عليه فقال له انه قد بلغنى أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذو حاجة وهذا شىء كان عندى للصدقة فرأيتكم احق به من غيركم فقرّبه منه فقال رسول الله ﷺ لاصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل فقال سلمان فى نفسه هذه واحدة ثم انصرف عنه وجمع شيئا وتحوّل رسول الله ﷺ من قباء الى المدينة فجاءه سلمان به فقال انى رأيتك لا تأكل صدقة وهذه هدية اكرمتك بها فأكل وأمر اصحابه فأكلوا منها فقال سلمان فى نفسه هاتان اثنتان ثم جاء رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد وقد تبع جنازة رجل من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس فى أصحابه فسلم عليه ثم استدار خلفه ينظر الى ظهره هل يرى الخاتم الذى وصفه له صاحبه بعمورية فلما رآه رسول الله ﷺ استدبر عرف انه يستثبت فى شىء وصف له فألقى رداءه عن ظهره فنظر الى الخاتم فانكب عليه يقبله ويبكى فقال له رسول الله ﷺ تحوّل فتحوّل فقص عليه قصته فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه فأسلم سلمان* وفى شواهد النبوّة لما جاء سلمان الى النبىّ ﷺ ليسلم لم يفهم النبىّ ﷺ كلامه فطلب ترجمانا فأتى بتاجر من اليهود كان يعلم الفارسية والعربية فمدح سلمان النبىّ ﷺ وذمّ اليهود فغضب اليهودى وحرّف الترجمة فقال ان سلمان يشتمك فقال النبىّ ﷺ هذا الفارسى جاء ليؤذينا فنزل جبريل وترجم كلام سلمان فقال النبىّ ﷺ ذلك لليهودى فقال يا محمد اذا كنت تعرف الفارسية فما حاجتك الىّ قال ما كنت أعلمها قبل فالآن علمنى جبريل أو كما قال فقال اليهودى يا محمد قد كنت قبل هذا أتهمك فالآن تحقق عندى أنك رسول الله فقال أشهد أن لا اله الا الله وأشهد انك رسول الله ثم قال النبىّ لجبريل علم سلمان العربية قال قل له ليغمض عينيه وليفتح فاه ففعل سلمان فتفل جبريل فى فيه فشرع سلمان يتكلم بالعربى الفصيح* قال ثم شغل سلمان الرق حتى فاته بدر وأحد حتى عتق فى السنة الخامسة من الهجرة كما سيجىء فى الموطن الخامس* ذكر المواخاة بين المهاجرين والانصار وفى هذه السنة بعد قدوم النبىّ ﷺ المدينة بخمسة أشهر وهو يبنى المسجد وقيل بعده وقيل قبله* وفى أسد الغابة بعد ثمانية أشهر آخى بين المهاجرين والانصار فقعدوا عقد المواخاة والمعاونة

стр. 352

والمواساة وقيل كتبوا فيه كتابا وكان ذلك فى دار أنس* وفى رواية كان فى المسجد على ان يتوارثوا بعد الممات دون ذوى الارحام وكانوا تسعين رجلا خمسة وأربعون من المهاجرين وخمسة وأربعون من الانصار والتأم شمل الحيين الاوس والخزرج ببركة النبىّ ﷺ بعد ما كان بينهما أمور عظام ومخالفات كثيرة وما وجدنا فى الكتب من أساميهم هذه أبو بكر بن أبى قحافة مع خارجة ابن زيد الانصارى اخى الحارث بن الخزرج وعمر بن الخطاب مع عتبان بن مالك الانصارى الخزرجى وعثمان بن عفان مع أوس بن ثابت الانصارى وابو عبيدة بن الجراح اسمه عامر بن عبد الله مع سعد بن معاذ سيد الاوس الانصارى الاشهلى والزبير بن العوام مع سلمة بن سلام الانصارى الاشهلى وطلحة ابن عبيد الله مع كعب بن مالك الانصارى اخى بنى سلمة وعبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع الانصارى اخى الحارث بن الخزرج وسلمان الفارسى مع ابى الدرداء عويمر بن ثعلبة الانصارى اخى بلحارث بن الخزرج* وقال ابن هشام عويمر بن عامر ويقال عويمر بن زيد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل مع أبى بن كعب الانصارى أخى بنى النجار ومصعب بن عمير بن هاشم مع أبى أيوب خالد بن زيد الانصارى النجارى وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع عباد بن بشر الانصارى الاشهلى وعمار بن ياسر مع حذيفة بن النجار الانصارى اخى بنى عبس ويقال بل عمار بن ياسر مع ثابت بن قيس بن شماس الانصارى أخى بلحارث بن الخزرج وأبوذر وقد اختلف فى اسمه ونسبه اختلافا كثيرا فقيل جندب ابن جنادة ويقال بريد بن جندب ويقال برير ويقال بر بن جنادة كذا قاله ابن اسحاق وقيل بريد بن جندب أيضا عن ابن اسحاق ويقال جندب بن عبد الله ويقال جندب بن سكن ويقال غير ذلك والمشهور المحفوظ جندب بن جنادة الغفارى كذا فى الاستيعاب وأسد الغابة وقال ابن هشام سمعت غير واحد من العلماء يقول أبو ذرّ جندب بن جنادة انتهى مع المنذر بن عمرو الانصارى أخى بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج قاله ابن اسحاق وحاطب بن أبى بلتعة اللخمى حليف بنى أسد بن عبد العزى مع عويمر بن ساعدة أخى بنى عمرو بن عوف وجعفر بن أبى طالب مع معاذ بن جبل اخى بنى سلمة قاله ابن اسحاق وقال ابن هشام وكان جعفر بن أبى طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة وبلال المؤذن مولى أبى بكر مع أبى رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمى هذا هو المشهور بين المؤرّخين* ونقل الشيخ ابن حجر فى شرح صحيح البخارى عن ابن عبد البر أنه كانت المؤاخاة مرّتين الاولى قبل الهجرة بمكة بين المهاجرين خاصة روى الحاكم ابن عبد الله النيسابورى حديثا يدل على ما قاله ابن حجر وهو حديث أبى عمرو قال آخى النبىّ ﵊ بين أبى بكر وعمر وبين طلحة والزبير وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف وفى رواية بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة فقال على يا رسول الله آخيت بين أصحابك فمن أخى قال أنا أخوك وفى رواية أنت أخى فى الدنيا والآخرة وهؤلاء كلهم من المهاجرين والثانية ما تقدّم من المؤاخاة بين المهاجرين والانصار وكانت هذه المؤاخاة قبل وقعة بدر ولما وقعت وقعة بدر أنزل الله تعالى وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطعت المؤاخاة فى الميراث ورجع كل انسان الى نسبه وورثه ذوو رحمه* ذكر موادعة اليهود وفى هذه السنة بعد ما قدم رسول الله ﷺ المدينة بخمسة أشهر وادع اليهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم أن لا يعينوا عليه أحدا وان دهمه بها عدوّ نصروه موت العاص بن وائل من مشركى مكة وفى هذه السنة مات من مشركى مكة بمكة العاص بن وائل السهمى والوليد بن المغيرة روى عن الشعبى لما احتضر الوليد بن المغيرة جزع فقال له أبو جهل يا عم ما يجزعك قال والله ما بى من جزع من الموت ولكنى أخاف أن يظهر دين ابن أبى كبشة بمكة قال أبو سفيان لا تخف أنا ضامن أن لا يظهر وفى هذه السنة ولد زياد بن

стр. 353

أبية وقتل كسرى النعمان بن المنذر وتوفى أبو لهب وولد المسور بن مخرمة كذا فى سيرة مغلطاى بعت زيد بن حارثة الى مكة وفى هذه السنة بعث رسول الله زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين فقد ما عليه بفاطمة وأمّ كلثوم بنتيه وسودة زوجته وأمّ أيمن زوج زيد بن حارثة واسامة بن زيد وخرج عبد الله بن ابى بكر معهم بعيال ابى بكر وهم عائشة وامّها امّ رومان واختها اسماء زوج الزبير وهى حامل بعبد الله ابن الزبير فولدته بقباء قبل نزولهم المدينة فكان اوّل مولود ولد من المهاجرين بالمدينة كما سيجىء وقال رزين ان ابا بكر ارسل عبد الله بن اريقط مع زيد بن حارثة ليأتيه بعائشة وامّ رومان أمّها وعبد الرحمن وقال بعضهم ووجدوا طلحة بن عبيد الله على خروج فخرج معهم فقدموا كلهم فلما قدموا المدينة انزلهم فى بيت حارثة بن النعمان* ولادة النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير وفى هذه السنة ولد النعمان بن بشير وهو اوّل مولود ولد فى الاسلام من الانصار وفى هذه السنة ولد عبد الله بن الزبير* وفى الوفاء جاءت امّه اسماء بنت ابى بكر بعد الهجرة فنفست به بقباء فى شوّال فى السنة الاولى من الهجرة* وقال الذهيى تبعا للواقدى انه ولد فى شوّال سنة اثنتين كذا اورد فى المواهب اللدنية وتاريخ اليافعى* وفى اسد الغابة ولد عبد الله بن الزبير بالمدينة على رأس عشرين شهرا من الهجرة وقيل فى السنة الاولى وسيجىء قتله فى الخاتمة* وقال الحافظ ابن حجر المعتمد انه ولد فى السنة الاولى للحديث المتفق عليه* وفى بعض الكتب ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا وهو أوّل مولود ولد للمهاجرين بالمدينة بعد الهجرة أذن أبو بكر فى أذنه وكبر رسول الله ﷺ والمسلمون وكانوا قد تحدّثوا فيما بينهم بأنّ اليهود قد سحرتهم وقيل انّ اليهود قالت انا سحرناهم فلا يولد لهم مولود فكذبهم الله ففرح المسلمون بولادته وكان تكبيرهم حين الولادة للفرح* وفى الرياض النضرة ان أسماء لما هاجرت الى المدينة كانت حبلى به فنزلت بقباء فولدته هناك ثم خرجت حتى أتت به النبىّ ﷺ وهو جالس فوضعته فى حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل فى فيه ثم حنكه بها ودعا له بالبركة وكان أوّل ما دخل فى جوفه ريق رسول الله ﷺ كذا فى المشكاة* وعن عائشة أنّ أمّه أسماء لما ولدته أتت به رسول الله ﷺ ليحنكه فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه فى حجره قالت عائشة فمكثنا ساعة نلتمسها يعنى تمرة قبل أن نجدها فمضغها ثم بصقها فى فيه فأوّل شىء دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ قالت أسماء ثم مسحه رسول الله ﷺ وسماه عبد الله ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان ليبايع رسول الله ﷺ وأمره بذلك الزبير فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلا ثم بايعه أخرجه البخارى كذا فى الرياض النضرة* وفى حياة الحيوان روى السهيلى انه لما ولد عبد الله بن الزبير نظر اليه رسول الله ﷺ فقال هو هو فلما سمعت بذلك أسماء أمسكت عن ارضاعه فقال لها النبىّ ﷺ أرضعيه ولو بماء عينيك كبش بين الذئاب ذئاب عليها ثياب ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه* وذكر الدار قطنى وغيره أعطى النبىّ ﷺ ابن الزبير وهو غلام دم محاجمه ليدفنه فشربه فقال له النبىّ ﷺ من خالط دمه دمى لم تمسه النار ويل لك من الناس وويل للناس منك* أورده فى النجم الوهاج والقاضى عياض فى الشفاء* وفى المواهب اللدنية عن ابن الزبير قال احتجم رسول الله ﷺ فقال اذهب فغيبه فذهبت به فشربته فأتيته فقال ما صنعت قلت غيبته قال لعلك شربته قلت نعم قال ويل لك من الناس وويل للناس منك وفيه دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ * وفى الرياض النضرة لا تمسك النار الاقسم اليمين وكان أطلس عديم اللحية ولا شعر فى وجهه وكان صوّاما قوّاما طويل الصلاة وصولا للرحم عظيم المجاهدة والشجاعة ومن مجاهدته المنقولة انه كان يحيى الدهر أجمع ليلة قائما

стр. 354

حتى الصباح وليلة راكعا حتى الصباح وليلة ساجدا حتى الصباح وكان يواصل الصوم سبعا ويصوم يوم الجمعة فلا يفطر الا ليلة الجمعة الاخرى ويصوم بالمدينة ولا يفطر الا بمكة ويصوم بمكة ولا يفطر الا بالمدينة وبينهما مائتا ميل كذا فى معجم ما استعجم وكان أوّل ما يفطر عليه لبن لقحة بسمن بقر وصبر كذا فى الصفوة* شجاعة عبد الله بن الزبير ومن شجاعته المنقولة ما ذكره الذهبى فى دول الاسلام انّ عثمان فى خلافته لما عزل نائب مصر عمرو بن العاص واستعمل عليها عبد الله بن أبى سرح سار عبد الله بالجيوش الى المغرب فالتقى هو والكفار وهم نحو مائتى ألف وملكهم جرجير وكان المصاف بسيطلة بقرب مدينة القيروان فقتل جرجير ونزل النصر وكانت وقعة هائلة عظيمة بحيث طلع سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار من الغنيمة وكيفيتها ما قال مصعب بن الزبير حدّثنى أبى والزبير بن حبيب قالا قال عبد الله بن الزبير هجم علينا جرجير فى مائة وعشرين ألفا واختلف الجند على ابن أبى سرح وخافوا كثرة العدد وأحاط بنا العدوّ وكنا عشرين ألفا فرأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف جيوشه على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس بينه وبين عسكره فلاة من الارض فأتيت أميرنا ابن أبى سرح فندب لى فرسانا فاخترت منهم ثلاثين وقلت لهم اثبتوا هنا وحملت على جرجير وقلت احمو الى ظهرى وخرجت الى جرجير وهو يظن انى رسول اليه فلما دنوت منه عرف الشر فوثب على برذونه وساق موليا فأدركته فطعنته فسقط ثم ضربته بالسيف ونصبت رأسه على رمحى وكبرت وقد كبر المسلمون فحملوا وركينا أكتاف العدوّ وتمزقوا وذلك بشجاعة عبد الله بن الزبير رضى الله عنه وسيجىء خلافته فى الخاتمة فى سنة أربع وستين وقتله فى سنة ثلاث وسبعين* قصة فاطمة بنت النعمان وفى هذه السنة ما روى انه كانت امرأة من بنى النجار يقال لها فاطمة بنت النعمان كان لها تابع من الجنّ وكان يأتيها فأتاها بعد ما هاجر النبىّ ﵊ الى المدينة فانقض على الحائط فقالت له ما لك لا تأتى كما كنت تأتى قال جاء النبىّ الذى يحرم الزنا والحرام* تكلم الذئب وفى هذه السنة تكلم ذئب خارج المدينة ينذر برسول الله ﵊* عن أبى هريرة أنه قال جاء ذئب الى غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعى حتى انتزعها منه فصعد الذئب على تل فاقعى واستنفر وقال عمدت الى رزق رزقنيه الله انتزعته منى فقال الرجل بالله ان رأيت كاليوم ذئب يتكلم قال الذئب أعجب من هذا رجل فى النخلات بين الحرّتين يخبركم بما مضى وما هو كائن عندكم وكان الراعى يهوديا فجاء الى النبىّ ﵊ فأخبره خبره وصدّقه النبىّ ﵊ وقال انها أمارة من أمارات بين يدى الساعة أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده* وفى حياة الحيوان قال ابن عبد البركام الذئب من الصحابة ثلاثة رافع بن عمير وسلمة بن الاكوع واهبان بن أوس* ابتداء الغزوات وفى هذه السنة ابتداء الغزوات* اعلم انه جرت عادة المحدّثين وأهل السير واصطلاحاتهم غالبا بأن يسموا كل عسكر حضره النبىّ ﷺ بنفسه الكريمة غزوة وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه الى العدوّ سرية وبعثا* وأفاد فى فتح البارى أن السرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية هى التى تخرج بالليل والسارية التى تخرج بالنهار وقيل سميت بذلك يعنى السرية لانها تخفى ذهابها وهذا يقتضى انها أخذت من السر ولا يصح لاختلاف المادّة وهى قطعة من الجيش تخرج منه وتعود اليه كذا فى المواهب اللدنية* وفى القاموس السرية من خمسة أنفس الى ثلثمائة أو أربعمائة* وفى المواهب اللدنية من مائة الى خمسمائة فما زاد على خمسمائة يقال له منسر بالنون ثم المهملة وفى السامى فى الاسامى المنسر والمقنب من الثلاثين الى الاربعين* وفى المواهب اللدنية فان زاد على ثمانمائة يسمى جيشا فان زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلا والخميس الجيش العظيم الكثير وكذا المجر والمدهم والعرمرم كذا

стр. 355

فى سامى الاسامى وفى المواهب اللدنية وما افترق من السرية يسمى بعثا والكثيبة والفيلق ما اجتمع ولم ينتشر* وفى سر الادب فى ترتيب العساكر عن أبى بكر الخوارزمى عن ابن خالويه أقل العساكر الجريدة وهى قطعة جردت من سائرها لوجه مّا ثم السرية أكثر منها وهى من خمسين الى أربعمائة ثم الكثيبة وهى من مائة الى ألف ثم الجيش وهو من ألف الى أربعة آلاف وكذلك العريق والجحفل ثم الخميس وهو من أربعة آلاف الى اثنى عشر ألفا والعسكر يجمعها* وجملة غزواته التى غزاها ﵇ بنفسه مختلف فيها ففى سيرة اليعمرى وابن هشام والاكتفاء والمواهب اللدنية سبع وعشرون كما قاله ابن اسحاق غزوة ودان وهى غزوة الابواء ثم غزوة بواط من ناحية رضوى ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الصغرى الاولى بطلب كرز بن جابر ثم غزوة بدر الكبرى القتال ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ الكدر ثم غزوة السويق لطلب أبى سفيان بن حرب ثم غزوة غطفان وهى غزوة ذى أمر ثم غزوة بحران معدان بالحجاز ثم غزوة أحد ثم غزوة حمراء الاسد ثم غزوة بنى النضير ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ثم غزوة بدر الأخرى ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بنى قريظة ثم غزوة بنى لحيان من هذيل ثم غزوة ذى قرد ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة وهى غزوة المرييسع ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصدّه المشركون ثم غزوة خيبر ثم غزوة عمرة القضاء ثم غزوة الفتح ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك قاتل ﷺ فى تسع غزوات منها بدر وأحد والخندق وبنى قريظة وبنى المصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف وهذا الترتيب عن ابن اسحاق وخالفه ابن عقبة فى بعضه كذا فى الاكتفاء وسيرة ابن هشام وسيجىء بالتفصيل ان شاء الله تعالى* وقيل جميع غزواته أربع وعشرون وقيل احدى وعشرون وقيل تسع عشرة غزوة* وفى خلاصة السير للمحب الطبرى وجملة المشهور منها اثنتان وعشرون غزوة* وقال ابن اسحاق وأبو معشر وموسى بن عقبة وغيرهم المشهور انه غزا خمسا وعشرين غزوة بنفسه* وفى عمدة المعانى وأسد الغابة وكانت جملة غزواته ستا وعشرين غزوة وقاتل فى تسع منها أوفى اثنتى عشرة وهى بدر وأحد والمريسيع والخندق وبنو قريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف هذا على قول من قال فتحت مكة عنوة* وفى سيرة اليعمرى قاتل منها فى سبع وعدّ ما عدا خيبر وفتح مكة* وفى الصفوة قاتل أيضا بوادى القرى وبنى النضير* وفى خلاصة الوفاء البعوث والسرايا خمسون أو نحوها وكذلك فى سيرة اليعمرى* وفى المواهب اللدنية وكانت سراياه التى بعث بها سبعا وأربعين سرية وفى موضع آخر منه فجميع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون* وفى الاكتفاء وسيرة ابن هشام وكانت بعوثه وسراياه ثمانية وثلاثين ما بين بعث وسرية* وفى أسد الغابة لابن الاثير خمسة وثلاثين واختلف أيضا فى أوّل الغزوات فمحمد بن اسحاق وجماعة على ان أوّلها غزوة الابواء ثم بواط ثم العشيرة* وروى البخارى أيضا فى صحيحه عن ابن اسحاق بهذا الترتيب ورجحه الحافظ ابن حجر فى فتح البارى شرح صحيح البخارى وقيل أوّل ما غزا العشيرة* بعث حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر وفى رمضان هذه السنة على رأس سبعة أشهر من الهجرة وقيل فى ربيع الاوّل سنة ثنتين بعث حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر وكان أوّل بعوثه ﵇ قال ابن اسحاق بعث رسول الله حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر من ناحية العيص فى ثلاثين راكبا من المهاجرين قيل ومن الانصار وفيه نظر لانه لم يبعث من الانصار حتى غزابهم بدرا ليتعرّض عير قريش فلقى أبا جهل بالساحل فى ثلثمائة راكب من أهل مكة فلما تصافوا حجز بينهما مجدى بن عمرو الجهنى وكان موادعا للفريقين حليفا لهما ثم انصرفوا من غير قتال وكان حامل لواء حمزة أبو مرثد الغنوى* وفى المواهب اللدنية وكان ﵇ قد عقد له لواء أبيض واللواء هو

стр. 356

العلم الذى يحمل فى الحرب يعرف به موضع صاحب الجيش وقد يحمله أمير الجيش وقد يدفعه الى مقدم العسكر وقد صرّح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية لكن روى أحمد والترمذى عن ابن عباس كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض ومثله عن الطبرانى عن بريدة وعن ابن عدى عن أبى هريرة وزاد مكتوب فيه لا اله الا الله محمد رسول الله وهو ظاهر فى التغاير ولعل التفرقة بينهما عرفية* وذكر ابن اسحاق وكذا أبو الاسود عن عروة أنّ أوّل ما حدثت الرايات يوم خيبر وما كانوا يعرفون قبل ذلك الا الاولوية انتهى وهكذا قدم بعضهم سرية حمزة هذه على سرية عبيدة وقال لواء حمزة أوّل لواء عقد فى الاسلام* وقال المداينى أوّل سرية بعثها رسول الله ﷺ سرية حمزة بن عبد المطلب فى ربيع الاوّل من سنة اثنتين الى سيف البحر من أرض جهينة خرجه أبو عمرو وصاحب الصفوة ولفظه أوّل لواء عقد رسول الله ﷺ لحمزة حين قدم المدينة* وقال ابن اسحاق ان ذلك لعبيدة بن الحارث واليه أشار ابن هشام فى سيرته وانما اشتبه ذلك على الناس لان بعثه وبعث عبيدة كانا معا والنبىّ ﷺ شيعهما جميعا فأشكل أمرهما فكل من قال ذلك فى واحد منهما فهو صادق كذا فى ذخائر العقبى وهذا يشكل بقوله ان بعث عبيدة كان على رأس ثمانية أشهر لكن يحتمل أن يكون ﷺ عقد رايتهما معا ثم تأخر خروج عبيدة الى رأس الثمانية لامر اقتضاه والله أعلم* وقال أبو عمرو ان أوّل راية عقدت لعبد الله بن جحش* وفى شوّال هذه السنة على رأس ثمانية أشهر كانت سرية عبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف بن قصى الى بطن رابغ بالغين المعجمة ويعرف بودّان* سرية عبيدة بن الحارث الى بطن رابغ روى انّ النبىّ ﷺ عقد لواء أبيض لابن عم عبد المطلب عبيدة بن الحارث بن المطلب وأمره على ستين رجلا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار واحد وقد مرّ الخلاف فى انه أوّل راية راية حمزة وكان حامل اللواء مسطح بن اثاثة ورمى فيها سعد بن أبى وقاص بسهم فكان أوّل سهم رمى به فى الاسلام وكان ذلك قبل غزوة الابواء على القول الراجح وأوردها ابن هشام فى سيرته والكلاعى فى الكتفاء بعد غزوة الابواء فى السنة الثانية فى ربيع الاوّل حيث قال ثم رجع رسول الله ﷺ أى من غزوة الابواء الى المدينة فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاوّل وبعث فى مقامه ذلك عبيدة ابن الحارث وقيل بعثه من الابواء وذكر أبو الاسود فى مغازيه عن عروة انّ النبىّ ﷺ لما وصل الى الابواء بعث عبيدة بن الحارث فى ستين رجلا وذكر القصة فيكون ذلك فى السنة الثانية وبه صرّح بعض أهل السير* وفى سيرة ابن هشام بعثه حين أقبل من غزوة الابواء قبل أن يصل الى المدينة فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرّة فلقى جمعا عظيما من قريش وكان أميرا على المشركين أبو سفيان بن حرب وقيل عكرمة بن أبى جهل وقيل مكرز بن حفص فترموا بالنبل وكان أوّل من رمى فى وجوه المشركين بسهم سعد بن أبى وقاص كما مرّ ولم يقع بينهم ضرب السيوف فظنّ المشركون ان للمسلمين مددا فخافوا وانهزموا ولم يتبعهم المسلمون فانحاز من المشركين الى المسلمين رجلان المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان المازنى وكانا مسلمين لكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار الى المسلمين* بناؤه ﵇ بعائشة وفى هذه السنة بنى رسول الله ﷺ بعائشة بنت أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما وسنذكر تمام نسبها فى الخاتمة فى خلافة أبى بكر ان شاء الله تعالى وأمّها أمّ رومان بنت عامر بن عويمر وكنيتها أمّ عبد الله كناها النبىّ ﷺ باسم ابن أختها عبد الله بن الزبير وكان البناء بها على رأس تسعة أشهر وقيل ثمانية عشر شهرا فى شوّال كذا فى المواهب اللدنية وتاريخ اليافعى وكذا فى الوفاء من غير لفظ شوّال* وفى أسد الغابة وبنى بها فى المدينة سنة اثنتين* وفى المشكاة عن عائشة

стр. 357

أنها قالت تزوّجنى رسول الله ﷺ فى شوّال وبنى بى فى شوّال فأى نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده منى* وعن عائشة ان النبىّ ﷺ تزوّجها وهى بنت سبع سنين وزفت اليه وهى بنت تسع سنين ولعبها معها ومات عنها وهى بنت ثمانى عشرة سنة وقيل البناء بها فى الثامن والعشرين من ذى الحجة وقيل زفافها وقع فى السنة الثانية والاوّل أصح وكان البناء بها يوم الاربعاء ضحى فى منزل أبى بكر بالسنخ* وخرج الشيخان عن عائشة أنها قالت تزوّجنى رسول الله ﷺ وأنا ابنة ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا فى بنى الحارث بن الخزرج فوعكت فتمزق شعرى فأتتنى أمى أم رومان وانى لفى أرجوحة مع صواحب لى فصرخت بى فأتيتها ما أدرى ما تريد منى فأخذت بيدى حتى أو قفتنى على باب الدار وأنا أنهج حتى سكن بعض نفسى ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهى ورأسى ثم أدخلتنى الدار فاذا نسوة من الانصار فى البيت فقلن على الخير والبركة فأسلمتنى اليهنّ فأصلحن من شأنى فلم يرعنى الا رسول الله ﷺ ضحى فأسلمتنى اليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين كذا فى المواهب اللدنية* وفى المواهب اللدنية أيضا بنى بعائشة فى البيت الذى يليه شارعا الى المسجد وجعل سودة بنت زمعة فى البيت الآخر الذى يليه الى الباب الذى يلى آل عثمان ثم تحوّل ﵇ من دار أبى أيوب الى مساكنه التى بناها* روى انه ﵇ ما أولم على عائشة بشىء غير أن قدحا من لبن أهدى اليه من بيت سعد بن عبادة فشرب النبىّ ﷺ بعضه وشربت عائشة منه* وروى أن النبىّ ﷺ أرى عائشة فى المنام مرتين أو ثلاثا فى سرقة من حرير يجىء بها الملك فيقول هذه امرأتك وللترمذى جاء جبريل بصورتها فى سرقة حرير خضراء فقال هذه زوجتك فى الدنيا والآخرة* وفى البخارى عن عائشة أنها قالت قال رسول الله ﷺ أريتك فى المنام مرّتين اذا رجل يحملك فى سرقة حرير فيقول هذه امرأتك فاكشفها فاذا هى أنت فأقول ان يكن هذا من عند الله يمضه* وروى انه ﷺ قال يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام فقالت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته وكانت من خير مفتى الصحابة وفقهائهم وفصحائهم وبلغائهم حتى نقل عن بعض السلف ان ربع الاحكام الشرعية علم منها* وفى الاخبار خذوا ثلثى دينكم من هذه الحميراء* وروى عن عروة بن الزبير أنه قال ما رأيت أحدا أعلم بمعانى القرآن وبالفريضة وأحكام الحلال والحرام وشعر العرب وعلم النسب من عائشة وهذان البيتان من أشعارها قالتهما فى مدح النبىّ ﷺ فلو سمعوا فى مصر أوصاف خدّه ... لما بذلوا فى سوم يوسف من نقد لوامى زليخا لو رأين جبينه ... لآثرن بالقطع القلوب على الايدى ومن كلماتها ينبغى للاخ أن يكون خيرا لاخيه منه لنفسه ألا ترى ان موسى سأل لهارون ﵉ النبوّة وروى ان رجلا سألها متى أعلم انى محسن قالت اذا علمت انك مسىء فقال متى أعلم انى مسىء قالت اذا علمت انك محسن وقالت أديموا قرع باب الملك يفتح لكم قيل كيف نديمه قالت بالجوع والظمأ ومن كلماتها النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع عتيقه وروى أنها كانت تقرأ القرآن فلما بلغت هذه الآية لقد أنزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون قالت والله أطلب ذكرى وصفتى فى القرآن فلم تزل تختم القرآن وتتفكر فى معانى الآيات حتى قالت انّ الله قد أطلعنى على ذكرى وصفتى فى القرآن قيل وما هو قالت هو وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ولم يتزوّج النبىّ ﷺ بكرا غيرها فمكثت عنده تسع سنين ولم يولد منها ولد وما قيل انها أسقطت من النبىّ ﷺ سقطا فسماه عبد الله وكناها بأم

стр. 358

عبد الله فغير ثابت وتوفى النبىّ ﷺ عنها ولها ثمانى عشرة سنة وعاشت بعده سبعا وأربعين سنة قال الواقدى وتوفيت عائشة بالمدينة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين وقال غيره سبع وخمسين من الهجرة فى أيام معاوية وسيجىء ومدّة عمرها ثلاث وستون سنة وهو الصحيح وقيل ست وستون كذا فى الصفوة والمنتقى وحضر جنازتها أكثر أهل المدينة وصلّى عليها أبو هريرة وكان خليفة مروان بالمدينة* وفى شواهد النبوّة عن عائشة أنها قالت يا رسول الله ائذن لى أن أدفن بعد وفاتك بجنبك فقال كيف تدفنين هناك وما فيه الا موضع قبرى وقبر أبى بكر وقبر عمر وقبر عيسى ابن مريم ودفنت بالبقيع مع صاحباتها بمقتضى وصيتها ودخل فى قبرها قاسم بن محمد بن أبى بكر وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر مروياتها فى الكتب المتداولة ألفان ومائتان وعشرة أحاديث المتفق عليها منها مائة وأربعة وستون حديثا وفرد البخارى أربعة وخمسون حديثا وفرد مسلم ثمانية وستون حديثا والباقية فى سائر الكتب* بعث سعد بن أبى وقاص الى الخرار وفى ذى القعدة من هذه السنة على رأس سبعة أشهر بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبى وقاص فى عشرين رجلا الى الخرار بخاء معجمة وراءين مهملتين واد بالحجاز يصب فى الجحفة* وقال أبو عمرو وكانت بعد بدر* وقال ابن حزم نحوه كذا فى سيرة مغلطاى يعترض عيرا لقريش وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو فخرجوا على أقدامهم يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى انتهوا اليه صبح خامسه فلم يجدوا شيئا وقد سبقتهم العير بيوم* وفى رواية قد مرّت بالامس فرجعوا الى المدينة* ابتداء الاذان وفى هذه السنة شرع الاذان قال ابن المنذر ان النبىّ ﷺ كان يصلى بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة الى أن هاجر الى المدينة وكان الناس بها كما فى السير وغيرها انما يجتمعون الى الصلاة لتحين مواقيتها من غير دعوة* وأخرج ابن سعدان بلالا كان ينادى للصلاة بقوله الصلاة جامعة وشاور النبىّ ﷺ أصحابه فيما يجمعهم للصلاة وكان ذلك فيما قيل فى السنة الثانية فأرى عبد الله بن ثعلبة بن عبد ربه الخزرجى الاذان والاقامة على الوجه المتعارف قال عبد الله لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالناقوس لجمع الناس للصلاة وهو له كاره لموافقته النصارى رأيت فى المنام رجلا عليه ثوبان أخضران وفى يده ناقوس يحمله قلت له يا عبد الله تبيع هذا الناقوس قال ما تصنع به قلت ندعو به للصلاة قال أفلا أدلك على خير من ذلك فقلت بلى قال تقول الله أكبر الله أكبر الى آخره ثم استأخر غير بعيد فقال تقول اذا أقيمت الصلاة الله أكبر الله أكبر الى آخرها وزاد فيها بعد الفلاح قد قامت الصلاة مرّتين فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال ان هذه لرؤيا حق ان شاء الله ثم أمر بالتأذين وكان بلال يؤذن بذلك ويدعو رسول الله ﷺ الى الصلاة فجاءه ذات غداة ودعا الى صلاة الفجر فقيل انّ رسول الله ﷺ نائم فصرخ بلال بأعلى صوته الصلاة خير من النوم فأدخلت هذه الكلمة فى التأذين لصلاة الفجر* وفى رواية لما صرفت القبلة الى الكعبة أمر بالاذان وذلك ان الناس كانوا لا يدرون كيف يفعلون لتجتمع الناس للصلاة فذكر بعضهم البوق وبعضهم الناقوس وبعضهم النار فبيناهم على ذلك رأى عبد الله بن زيد الخزرجى فى المنام كيفية الاذان والاقامة على الوجه الذى ذكر فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما رأى فقال له قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك فليؤذن بذلك ففعل وجاء عمر بن الخطاب فقال قد رأيت مثل الذى رأى عبد الله فقال النبىّ ﷺ فلله الحمد فعلى هذه الرواية يكون الاذان قد وقع فى السنة الثانية من الهجرة لانه قيل فيها لما صرفت القبلة وقد صح ان رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 359

وأصحابه صلوا الى بيت المقدس ستة عشر شهرا* وذكر ابن شهاب عن عبيد بن عمير ان عمر بن الخطاب بينا هو يريد أن يشترى خشبتين للناقوس عند ما ائتمر به النبىّ ﷺ وأصحابه اذ رأى فى المنام أن لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا بالصلاة فذهب عمر الى النبىّ ﷺ ليخبره بالذى رأى فما راعه الا بلال يؤذن وقد جاء النبىّ ﷺ الوحى بذلك فقال رسول الله ﷺ حين أخبره سبقك بذلك الوحى كذا فى الاكتفاء* وفى المواهب اللدنية فان قلت هل أذن ﵇ بنفسه قط أجاب السهيلى بأنه روى الترمذى ورفعه الى أبى هريرة أنه ﷺ أذن مرّة فى سفر وصلّى بهم على رواحلهم الحديث قال فنزع بعض الناس بهذا الحديث الى أنه ﵇ أذن بنفسه وكذا جزم النووى بأنه أذن مرّة فى سفر والله أعلم * (الموطن الثانى فى حوادث السنة الثانية من الهجرة من صوم عاشوراء وتزوّج علىّ بفاطمة وغزوة ودّان وهى الابواء وغزوة بواط وغزوة العشيرة وتكنية علىّ بابى تراب وسرية عبد الله بن جحش الى بطن نخلة وتحويل القبلة وتجديد بناء مسجد قباء ونزول فرض رمضان وغزوة بدر وغلبة الروم على فارس ووفاة رقية وقتل عمير بن عدى العصماء وزكاة الفطر وصلاته وفرض زكاة الاموال وغزوة قرقرة الكدر وسرية سالم بن عمير وغزوة بنى قينقاع وغزوة السويق وموت عثمان بن مظعون وصلاة العيد والتضحبة وبناء علىّ بفاطمة وموت أمية ابن أبى الصلت صوم عاشوراء وفى هذه السنة صام رسول الله ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه* روى عن ابن عباس أن النبىّ ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود صائمين يوم عاشوراء فقال لهم ما هذا اليوم الذى تصومونه قالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله ﷺ فنحن أحق وأولى باحياء سنة أخى موسى منكم فصامه وأمر بصيامه أخرجاه فى الصحيحين* وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية وكان يصومه النبىّ ﷺ بمكة فلما قدم المدينة فرض صيام شهر رمضان فمن شاء صامه ومن شاء تركه كذا فى التنبيه لابى الليث السمرقندى* وعن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من صام يوم عاشوراء من المحرم أعطى ثواب عشرة آلاف ملك وعشرة آلاف حاج ومعتمر وعشرة آلاف شهيد ومن مسح بيده رأس يتيم فى يوم عاشوراء رفع الله له بكل شعرة درجة فى الجنة ومن فطر مؤمنا ليلة عاشوراء فكانما أفطر عنده جميع أمّة محمد ﷺ وأشبع بطونهم قالوا يا رسول الله لقد فضل يوم عاشوراء على سائر الايام قال نعم. خلق الله السموات يوم عاشوراء وخلق الجبال يوم عاشوراء وخلق النجوم يوم عاشوراء وخلق القلم يوم عاشوراء وخلق اللوح يوم عاشوراء وخلق آدم يوم عاشوراء وخلق حوّاء يوم عاشوراء وأدخل آدم الجنة يوم عاشوراء وولد ابراهيم يوم عاشوراء وأنجاه الله من النار يوم عاشوراء وفدى ابنه الذبيح يوم عاشوراء وأغرق فرعون وفلق البحر لبنى اسرائيل يوم عاشوراء وكشف الله البلاء عن أيوب يوم عاشوراء وولد عيسى يوم عاشوراء وغفر ذنب داود يوم عاشوراء وردّ ملك سليمان يوم عاشوراء وتاب الله على آدم يوم عاشوراء ورفع الله عيسى يوم عاشوراء ويوم القيامة يوم عاشوراء* وعن ابراهيم بن محمد المنتشر بلغه أنّ من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه انعمة سائر السنة* قال سفيان بن عيينة جربناه ثلاثين سنة فوجدناه كذلك أورد هذه الثلاثة أبو الليث السمرقندى فى التنبيه وعن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ كان الله تعالى فرض على بنى اسرائيل

стр. 360

صوم يوم فى السنة وهو يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من المحرّم فصوموا فيه ووسعوا على أهاليكم فيه فانه اليوم الذى تاب الله فيه على آدم وكانت عاشوراء حينئذ يوم الجمعة وهو اليوم الذى رفع الله فيه ادريس وهو اليوم الذى أخرج فيه نوحا ومن معه من السفينة فصامه شكرا لله وهو اليوم الذى ردّ الله فيه على يعقوب بصره وهو اليوم الذى أخرج الله فيه يوسف من السجن وهو اليوم الذى كشف الله فيه العذاب عن قوم يونس وأخرج الله فيه يونس من بطن الحوت وغفر الله فيه لمحمد ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وهاجر فيه رسول الله ﷺ الى المدينة والمشهور ان هجرته كانت فى ربيع الاوّل وفى رواية ابن مسعود وفيه ولد نوح وابراهيم وفى رواية عبد الله بن سلام واسماعيل واسحاق ويحيى ويونس وعيسى ومحمد ﵈ والمشهور ان ولادته كانت فى ربيع الاوّل انتهى وكذلك فاطمة والحسن والحسين وابتداء ابراهيم واسماعيل بناء الكعبة فيه وتاب الله فيه على اخوة يوسف وعلى داود وعلى قوم يونس وأهلك نمرود وخسف بقوم لوط وقتل داود جالوت وفى حديث غيره وهلك شدّاد ابن عاد وفرعون وهامان وقارون والعمالقة وعاد وثمود وقوم ابراهيم وفى حديث وهب بن منبه ولد موسى بن عمران يوم الاثنين يوم عاشوراء وخلق فيه العرش والكرسى واللوح والقلم والجنة وغرس شجرة طوبى والبحار والبراق وفيه تقوم الساعة وفى حديث ابن عباس فيه خلق جبريل وميكائيل والنجوم وفيه كانت شهادة الحسين بن علىّ وهى كرامة له وذلك كله فى بحر العلوم* وفى حديث انّ أوّل رحمة نزلت من السماء نزلت يوم عاشوراء لانّ جبريل نزل علىّ يوم عاشوراء وخلق الله السموات والارض يوم عاشوراء وخلق البراق والحور العين يوم عاشوراء وزوّج الله ابراهيم سارة يوم عاشوراء وأخرج الله سارة من يد ملك حران الطاغى وأعطاها هاجر يوم عاشوراء واتخذ الله ابراهيم خليلا يوم عاشوراء وتزوّج يوسف ﵇ زليخا يوم عاشوراء وتزوّج محمد ﷺ خديجة يوم عاشوراء وكلم الله موسى يوم عاشوراء ووقع فى بطن أمّه ليلة عاشوراء* تزوّج على بفاطمة رضى الله عنها وفى هذه السنة تزوّج علىّ بفاطمة رضى الله عنها وفى الصفوة تزوّجها فى السنة الثانية من الهجرة فى رمضان وبنى بها فى ذى الحجة وفى الوفاء كان ذلك قبل بدر فى رجب على الاصح بعد مقدم رسول الله ﷺ المدينة بخمسة أشهر وبنى بها مرجعه من بدر وقيل فى صفر* وفى ذخائر العقبى عن جعفر بن محمد قال تزوّج علىّ فاطمة فى ليال بقين منه وبنى بها فى ذى الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من التاريخ قال أبو عمرو بعد وقعة أحد وقال غيره بعد بناء النبىّ ﷺ بعائشة بأربعة أشهر ونصف وبنى بها بعد تزوّجها بسبعة أشهر ونصف وتزوّجها علىّ وهى ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر أو ستة أشهر ونصفا وقيل بنت ثمان عشرة سنة* وقال ابن الجوزى ولدت قبل النبوّة بخمس سنين أيام بناء البيت كذا فى سيرة مغلطاى وسنّ علىّ يومئذ احدى وعشرون سنة وخمسة أشهر ولم يتزوّج عليها حتى ماتت كذا فى المواهب اللدنية والذى كان لها من الجهاز بردان وعليها دملجان من فضة وكانت معها خميلة ووسادة أدم حشوها ليف ومنخل وقدح ورحى وسقاية وجرّتان* وفى ذخائر العقبى أمرهم النبىّ ﷺ أن يجهزوها فجعل لها سرير مشرط ووسادة من أدم حشوها ليف* روى أن أبا بكر خطب فاطمة فقال له النبىّ ﷺ يا أبا بكر أنتظر بها القضاء ثم خطبها عمر فقال له مثل ما قال لابى بكر ثم أهلّ علىّ فقالوا يا على اخطب فاطمة قال أخطب بعد أبى بكر وعمر وقد منعهما* وفى رواية قال كيف والنبىّ ﷺ لم يعطها أشراف قريش فذكروا له قرابته من النبىّ ﷺ فخطبها فزوّجها النبىّ ﷺ على أربعمائة وثمانين درهما فباع علىّ بعيرا له وبعض متاعه فبلغ أربعمائة وثمانين درهما فأمره النبىّ ﷺ أن يجعل

стр. 361

ثلثيها فى الطيب وثلثها فى المتاع* وفى رواية جعل ثلثها فى الطيب وثلثيها فى الثياب* وروى انّ عليا خطب فاطمة فقال لها رسول الله ﷺ ان عليا يذكرك فسكتت فزوّجها اياه* وعن عكرمة ان عليا خطب فاطمة فقال له النبىّ ﷺ ما تصدقها قال ليس عندى ما أصدقها قال فأين درعك الحطمية قال لدىّ قال أصدقها اياه فأصدقها اياه فتزوّجها* وفى ذخائر العقبى عن علىّ قال وهل عندك من شىء تستحلها به قلت لا والله يا رسول الله فقال ما فعلت الدرع التى سلحتكها فقلت عندى والذى نفس علىّ بيده انها لحطمية ما ثمنها أربعمائة درهم قال قد زوّجتكها فابعث بها فان كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله ﷺ خرجه أبو اسحاق وخرجه الدولابى أيضا* وفى ذخائر العقبى قال سمرة فى تفسير الحطمية هى العريضة الثقيلة* وقال بعضهم هى التى تكسر السيوف ويقال هى منسوبة الى بطن من عبد القيس يقال له حطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع* وقال ابن عيينة هى شرّ الدروع وهذا أمس بالحديث لان عليا ذكرها فى معرض الذم لها وتقليل ثمنها قيل انه باع الدرع باثنتى عشرة أوقية والا وقية أربعون درهما وكان ذلك مهر فاطمة من علىّ* وفى المواهب اللدنية عن أنس قال جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة الى النبىّ ﷺ فسكت ولم يرجع اليهما شيئا فانطلقا الى علىّ يأمر انه بطلب فاطمة قال علىّ فنبهانى لامر كنت عنه غافلا فقمت أجرّ ردائى حتى أتيت النبىّ ﷺ فقلت تزوّجنى فاطمة قال أو عندك شىء قلت فرسى وبدنى قال امّا فرسك فلا بدّ لك منها وامّا بدنك فبعها فبعتها بأربعمائة وثمانين درهما فجئته بها فوضعتها فى حجره فقبض منها قبضة فقال أى بلال ابتع لنا بها طيبا وأمرهم أن يجهزوها فجعل لها سرير مشرّط ووسادة من أدم حشوها ليف الى آخر ما سيجى فى زفافه* وفى بعض الروايات جعل صداقها درعه فباعها من عثمان بن عفان بأربعمائة وثمانين درهما ثم انّ عثمان ردّ الدرع الى علىّ فجاء علىّ بالدرع والدراهم الى رسول الله ﷺ فدعا لعثمان بدعوات* روى بريدة قال أتى علىّ رسول الله ﷺ فقال ما حاجة ابن أبى طالب فقال ذكرت فاطمة فقال مرحبا وأهلا ثم لم يزد عليهما فخرج علىّ على رهط من الانصار فقالوا ما وراءك يا علىّ قال ما أدرى غير انه قال لى مرحبا وأهلا قالوا يكفيك من رسول الله ﷺ احداهما أعطاك الاهل وأعطاك الرحب فلما زوّجه قال له رسول الله ﷺ يا على انه لا بدّ للعرس من وليمة فقال سعد عندى كبش وجمع له رهط من الانصار آصعا من ذرّة وكان ذلك وليمة عرسه* ذكر خطبة النبى فى نكاح فاطمة وروى أنّ النبىّ ﷺ خطب حين النكاح هذه الخطبة* الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه المرغوب اليه فيما عنده النافذ أمره فى سمائه وأرضه الذى خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته وأحكمهم بعزته وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد ثم انّ الله تعالى جعل المصاهرة نسبا لا حقا وأمرا مفترضا نسخ بها الآثام* وفى رواية أو شج بها الارحام وألزمها الانام فقال وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا فأمر الله يجرى الى قضائه وقضاؤه يجرى الى قدره وقدره يجرى الى أجله فلكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ثم انّ الله تعالى أمرنى أن أزوّج فاطمة من على وقد زوّجته على أربعمائة مثقال فضة أرضيت يا على فقال على رضيت عن الله وعن رسوله فقال جمع الله شملكما وأسعد جدّكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيرا طيبا* وفى رواية لما أراد النبىّ ﷺ أن يزوّج علىّ بن أبى طالب فاطمة قال يا على اخطب لنفسك فقال علىّ* الحمد لله شكرا لانعمه وأياديه واشهد أن لا اله الا الله شهادة تبلغه وترضيه وصلّى الله على محمد صلاة تزلفه وترضيه والنكاح

стр. 362

مما أمر الله به ورضيه واجتماعنا مما قدّر الله وأذن فيه وقد زوّجنى رسول الله ﵊ فاطمة ابنته على ثنتى عشرة أوقية فسلوه واشهدوا فلما تمّ النكاح دعا بطبق من بسر فوضعه بين يديه ثم قال انتهبوا وسيجىء الزفاف فى آخر هذه السنة فى ذى الحجة على القول الاصح ان شاء الله تعالى * غزوة الابواء وفى صفر هذه السنة وقعت غزوة الابواء وهو جبل بين مكة والمدينة ويقال له ودان كذا فى سيرة مغلطاى أى على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة كما ذكره ابن اسحاق وقيل لسنة وشهرين وعشرة أيام وقيل فى أواخر السنة الاولى* قال ابن اسحاق قدم رسول الله ﵊ المدينة لاثنتى عشرة ليلة مضت من ربيع الاوّل فأقام بقية شهر ربيع الاوّل وربيع الآخر وجمادين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوّالا وذا القعدة وذا الحجة وولى تلك الحجة المشركون والمحرّم ثم خرج غازيا فى صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة وهى أوّل مغازيه كما ذكره ابن اسحاق وهى من ودّان على ستة أميال أو ثمانية مما يلى المدينة ولتقاربهما أطلق عليهما غزوة ودّان أيضا كذا فى الوفاء وودّان قرية من أمّهات القرى وقيل واد فى الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة روى أنه ﵊ استخلف على المدينة سعد بن عبادة فيما قاله ابن هشام وخرج فى ستين رجلا من أصحابه يريد قريشا وبنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فلما بلغ الابواء تلقاه سيد بنى ضمرة مجشى بن عمرو الضمرى فصالحه ثم رجع الى المدينة* وفى الوفاء فانصرف بعد ما وادع مجدى بن عمرو الضمرى* وفى المواهب اللدنية فكانت الموادعة أى المصالحة على ان بنى ضمرة لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا ولا يعينون عليه عدوّا ولم يلق كيدا أى حربا* قال ابن الاثير الكيد الاحتيال والاجتهاد وبه سمى الحرب كيدا* غزوة بواط وفى ربيع الاوّل من هذه السنة وقعت غزوة بواط جبل لجهينة من ناحية رضوى بينه وبين المدينة أربعة برد فى ربيع الاوّل وقيل الآخر كذا فى سيرة مغلطاى* وفى المواهب اللدنية بواط بفتح الباء الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو آخره طاء مهملة وهى الغزوة الثانية غزاها النبىّ ﵊ فى شهر ربيع الاوّل على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة فسار حتى بلغ موضعا يقال له بواط من ناحية رضوى بفتح الواو وسكون المعجمة مقصورا* وفى مزيل الخفاء بواط جبل من جبال جهينة* وفى خلاصة الوفاء رضوى كسكرى جبل على يوم من ينبع وأربعة أيام من المدينة ذو شعاب وأودية وبه مياه وأشجار وهذا هو المعروف فى المسافة بينهما ومنه تقطع أحجار المسانّ قال عرام هو أوّل تهامة وذكر أنّ رضوى مما وقع بالمدينة من الجبل الذى تجلى الله له وصار لهيبته ستة أجبل وان رضوى من جبال الجنة* وفى رواية من الجبال التى بنى منها البيت وفى الحديث رضوى رضى الله عنه وقدس قدّسه الله وأحد جبل يحبنا ونحبه وتزعم الكيسانية ان محمد بن الحنفية مقيم برضوى حىّ يرزق* روى ان النبىّ ﵊ عقد لواء أبيض ودفعه الى سعد بن أبى وقاص واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون قاله ابن هشام ويقال استخلف سعد بن معاذ وخرج فى مائتى رجل من أصحابه المهاجرين يعترض عيرا لقريش فيهم أمية ابن خلف الجمحى وكانوا زها مائتى رجل من قريش وكان فيها ألفان وخمسمائة تعير فسار النبىّ ﵊ حتى بلغ بواط فلم يلق كيدا فرجع الى المدينة* غزوة العشيرة وفى جمادى الاولى من هذه السنة وقعت غزوة العشيرة بالشين المعجمة والتصغير وآخره هاء لم يختلف أهل المغازى فى ذلك وفى القاموس العشيرة موضع بناحية ينبع وكانت بعد بواط بأيام قلائل* وفى البخارى العشيرا والعسيرة بالتصغير والاولى بالمعجمة بلا هاء والثانية بالمهملة وبالهاء وأمّا غزوة العسرة بالمهملة بغير تصغير فهى غزوة تبوك وستأتى ونسبت هذه الغزوة الى المكان الذى وصلوا اليه وهو موضع لبنى مدلج بينبع

стр. 363

وسببها انه سمع بخروج عير لقريش من مكة الى الشأم للتجارة وفيها أبو سفيان فى جمع من قريش فخرج اليها النبىّ ﵊ فى جمادى الاولى وقيل فى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا من الهجرة فى خمسين ومائة رجل وقيل مائتين ومعه ثلاثون بعيرا يعتقبونها وجمل اللواء حمزة وكان لواء أبيض* قال ابن هشام واستعمل ﵊ على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد فسلك على نقب بنى دينار ثم فيفاء الخبار فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده ﵇ وصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه فموضع أثافى البرمة معلومة هناك واستقى له من ماء يقال له المشرب ثم ارتحل رسول الله ﵊ فترك الخلائق بيسار وسلك شعبة يقال لها شعبة عبد الله وذلك اسمها اليوم حتى هبط يليل فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة واستقى من بئر بالضبوعة ثم سلك فرش ملك حتى لقى الطريق بصخيرات اليمام ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة ببطن ينبع فأقام بها جمادى الاولى وليالى من جمادى الآخرة ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع الى المدينة ولم يلق كيدا* تكنية علىّ بأبى تراب وفى تلك الغزوة كنى على بن أبى طالب بابى تراب* قال ابن اسحاق فحدّثنى يزيد بن محمد بن خيثم المحاربى عن محمد بن كعب القرظى عن محمد بن خيثم ابى يزيد عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلى بن أبى طالب رفيقين فى غزوة العشيرة فلما نزل بها رسول الله ﵊ وأقام بها رأينا أناسا من بنى مدلج يعملون فى عين لهم ونخل فقال لى علىّ يا أبا اليقظان هل لك فى أن نأتى هؤلاء فننظر كيف يعملون قال قلت ان شئت قال فجئناهم فنظرنا الى عملهم ساعة ثم غشينا النوم فانطلقت أنا وعلى حتى اضطجعنا على صور من النخل وفى دقعاء من التراب فنمنا فو الله ما أهبنا الا رسول الله ﵊ يحرّ كنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء التى نمنا فيها فيومئذ قال رسول الله ﵊ لعلىّ بن أبى طالب مالك يا أبا تراب لما يرى عليه من التراب ثم قال ألا أحدّثكما بأشقى الناس رجلين قلنا بلى يا رسول الله قال أحيمر ثمود الذى عقر الناقة والذى يضربك يا على على هذه ووضع يده على قرنه حتى تبل منها هذه وأخذ بلحيته خرجه أحمد كذا فى الرياض النضرة* وفى المدارك قال أشقى الاوّلين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك (قوله) الصور هو بفتح الصاد وتسكين الواو النخل المجتمع الصغار والدقعاء التراب ودقع بالكسر أى لصق بالتراب وأحيمر تصغير أحمر لقب قدار بن سالف عاقر ناقة صالح ﵇ كذا فى الرياض النضرة* قال ابن اسحاق وقد حدّثنى بعض أهل العلم ان رسول الله ﵊ انما سمى عليا أبا تراب انه كان اذا عتب على فاطمة فى شىء لم يكلمها ولم يقل لها شيئا تكرهه الا انه يأخذ ترابا فيضعه على رأسه قال فكان رسول الله ﵊ اذا رأى عليه التراب عرف انه عاتب على فاطمة فيقول مالك يا أبا تراب فالله أعلم أى ذلك كان* وفى الشفاء يدخل أولياءه يعنى عليا الجنة وأعداءه النار وكان ممن عاداه الخوارج والناصبية وطائفة ممن ينسب اليه من الروافض كفروه* وفى عقائد الفيروزابادى أخبر عليا بموته فقال له ابن ملجم يقتلك فكان علىّ اذا لقى ابن ملجم يقول متى تخضب هذه من هذه واذا دخل الحرب ولاقى الخصم يعلم ان ذلك الخصم لا يقتله* وفى رواية سهل بن سعد قال جاء رسول الله ﵊ بيت فاطمة فلم يجد عليا فى البيت فقال لها أين ابن عمك قالت كان بينى وبينه شىء فغاضبنى فخرج فلم يقل عندى فقال رسول الله ﵊ لانسان أنظر أين هو فجاء فقال يا رسول الله هو فى المسجد راقد فجاء رسول الله ﵊ وهو مضطجع وقد سقط رداؤه عن ظهره وأصابه تراب فجعل رسول الله ﵊ يمسحه عنه ويقول قم يا أبا تراب أخرجه الشيخان كذا فى الرياض النضرة* قال ابن اسحاق وقد كان بعث رسول الله

стр. 364

عليه الصلاة والسلام فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبى وقاص فى ثمانية رهط من المهاجرين فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز ثم رجع ولم يلق كيدا* قال ابن هشام وذكر بعض أهل العلم ان بعث سعد هذا كان بعد حمزة فى السنة الاولى كما مرّ* غزوة بدر الاولى وفى هذه السنة وقعت غزوة بدر الاولى قال ابن اسحاق ولما رجع رسول الله ﵊ من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة الاليال قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح المدينة من شفر* وقال ابن حزم بعد العشيرة بعشرة أيام فخرج رسول الله ﵊ فى طلبه واستعمل على المدينة زيد بن حارثة قاله ابن هشام* وفى خلاصة الوفاء شفر كزفر جمع شفير الوادى جبل بأصل جما أمّ خالد يهبط الى بطن العقيق وكان يرعى بها السرح ولما جاء الخبر الى النبىّ ﵊ عقد لواء ودفعه الى على وسار حتى بلغ واديا يقال له سفوان بفتح المهملة والفاء* وفى خلاصة الوفاء سفوان بفتحات من ناحية بدر ولذا سميت هذه الغزوة بدر الاولى وفانه كرز بن جابر فلم يدركه فرجع الى المدينة وذكر فى الوفاء اغارة كرز قبل العشيرة وقال ذكر ذلك ابن اسحاق بعد العشيرة بليال والله أعلم* بعث عبد الله بن جحش الى بطن نخلة وفى رجب أو فى جمادى الآخرة من هذه السنة بعث عبد الله بن جحش بن رباب الاسدى قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة الى بطن نخلة على ليلة من مكة* وفى هذه السرية لقب عبد الله بأمير المؤمنين وفى معجم ما استعجم نخلة بلفظ واحدة النخل موضع على يوم وليلة من مكة وهى التى ينسب اليها بطن النخلة وهى التى ورد فيها حديث ليلة الجنّ قيل هما نخلتان نخلة شامية ونخلة يمانية فالشامة تنصب من الغمير واليمانية من بطن قرن المنازل وهى طريق اليمن الى مكة فاذا اجتمعا وكانا واحدا فهو المسدّ ثم يضمهما بطن مرو وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد وقيل اثنى عشر رجلا سعد بن أبى وقاص الزهرى وعكاشة بن محصن بن حرثان الاسندى وعتبة بن غزوان ابن جابر السلمى وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وسهيل بن بيضاء الحارثى وعامر بن ربيعة الوائلى العنزى وواقد بن عبد الله بن عبد مناف التميمى وخالد بن بكير الليثى كل اثنين منهم يعتقبان بعيرا وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه على المسير معه فلما سار عبد الله يومين فتح الكتاب ونظر فيه فاذا فيه اذا نظرت فى كتابى هذا امض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم* وفى رواية فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منها بخبر فلما نظر فى الكتاب قال سمعا وطاعة ثم قال لاصحابه قد أمرنى رسول الله ﷺ أن امضى الى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر وقد نهانى أن استكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لامر رسول الله ﷺ فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى اذا كان بمكان فوق الفرع يقال له بحران أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة ابن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا فى طلبه وحبسهما ابتغاؤه ومضى عبد الله وبقية أصحابه* وفى الوفاء مضى العشرة حتى نزلوا نخلة فمرت بهم عير قريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيهم عمرو بن الحضرمى واسم الحضرمى عبد الله والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فقال عبد الله ابن جحش ان القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرّض لهم فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فلما رأوه أمنوا وقالوا قوم عمار لا بأس عليكم منهم وتشاور القوم فيهم وذلك فى آخر يوم

стр. 365

من رجب فقالوا لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام* وفى سيرة مغلطاى فتشاور المسلمون وقالوا نحن فى آخر يوم من رجب فان نحن قاتلنا انتهكنا حرمة الشهر وان تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة* وفى الكشاف وكان ذلك أوّل يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة فتردّد القوم وهابوا الاقدام ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت من القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والاسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة وقد عزل عبد الله ابن جحش لرسول الله ﷺ خمس تلك الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من الغنائم فلما أحل الله الفئ بعد ذلك وأمر بقسمه وفرض الخمس فيه وقع على ما كان عبد الله صنع فى تلك العير فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام فوقف العير والاسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله ﷺ شقط فى أيدى القوم وظنوا انهم قد هلكوا وعنفهم اخوانهم من المسلمين فيما صنعوا وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الاموال وأسروا فيه الرجال* وفى رواية غير ابن اسحاق قالت قريش قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف وينتشر فيه الناس الى معائشهم وعير بذلك أهل مكة من بها من المسلمين وقالوا يا معشر الصاة قد استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه وكتبوا فى ذلك تشنيعا وتعييرا قال ابن اسحاق فقال من يردّ عليهم من المسلمين ممن كان بمكة انما أصابوا ما أصابوا فى شعبان وقالت اليهود تفاءل بذلك على رسول الله ﷺ عمرو بن الحضرمى قتله واقد بن عبد الله عمرو عمرت الحرب والحضرمى حضرت الحرب وواقد بن عبد الله وقدت الحرب فجعل الله عليهم ذلك لا لهم فلما أكثر الناس فى ذلك أنزل الله تعالى على رسوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدّعن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل أى ان كنتم قتلتم فى الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام واخراجكم منه وانتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منه والفتنة أكبر من القتل أى قد كانوا يفتنون المسلم فى دينه حتى يردّوه الى الكفر بعد ايمانه فذلك أكبر عند الله من القتل فلما نزل القرآن بهذا من الامر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشقق قبض رسول الله ﷺ العير والاسيرين وبعثت اليه قريش فى فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان فانا نخشاكم عليهما فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله ﷺ منهم فأما الحكم ابن كيسان فأسلم وحسن اسلامه وأقام عند النبىّ ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا* وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات كافرا فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا فى الاجر فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين فأنزل الله فيهم انّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء قال ابن هشام وهى أوّل غنيمة غنمها المسلمون وعمرو بن الحضرمى أوّل من قتله المسلمون وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أوّل من أسر المسلمون قال ابن اسحاق قال أبو بكر الصدّيق فى غزوة عبد الله بن جحش هذه الابيات وقال ابن

стр. 366

هشام بل قالها عبد الله بن جحش تعدّون قتلى فى الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عنا بقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد واخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله فى البيت ساجد فانا وان عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالاسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمى رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غلّ من القدّ عاند تحويل القبلة وفى نصف شعبان هذه السنة يوم الثلاثاء كما قاله ابن حبيب الهاشمى حوّلت القبلة من بيت المقدس الى الكعبة وقيل فى رجب وكان ﵇ يصلى الى بيت المقدس بالمدينة ستة عشر شهرا وقيل سبعة عشر وقيل ثمانية عشر* وقال الحربى قدم ﵇ المدينة فى ربيع الاوّل فصلى الى بيت المقدس الى تمام السنة وصلّى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة ثم فرض صوم رمضان بعد ما حوّلت القبلة الى الكعبة بشهر بل بنصف شهر روى أن النبىّ ﷺ كان يصلى بمكة الى الكعبة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشىّ فلما عرج به الى السماء أمر بالصلوات الخمس فصارت ركعتين فى الاوقات غير المغرب للمسافر والمقيم وبعد ما هاجر الى المدينة زيد فى صلاة الحضر وأمر أن يصلى نحو بيت المقدس لئلا تكذبه اليهود لان نعته فى التوراة انه صاحب قبلتين وكانت الكعبة أحب القبلتين اليه فأمره الله تعالى أن يصلى الى الكعبة قال الله تعالى قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام كذا عن ابن عباس* وفى الكشاف وأنوار التنزيل أن رسول الله ﷺ كان يصلى بمكة الى الكعبة ثم أمر بالصلاة الى بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود* وعن ابن عباس كانت قبلته بمكة بيت المقدس الا انه كان يجعل الكعبة بينه وبيته انتهى وفى زبدة الاعمال أقام ﷺ بمكة بعد نزول جبريل ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة وقيل عشرا والصحيح الاوّل وكان يصلى الى بيت المقدس مدّة اقامته بمكة ولا يستدبر الكعبة ويجعلها بين يديه وقال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى ظاهر حديث ابن عباس يدل على أن استقبال بيت المقدس انما وقع بعد الهجرة الى المدينة لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس كان النبىّ ﷺ يصلى بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس وأخرج الطبرى أيضا من طريق ابن جريج انه أوّل ما صلّى النبىّ ﷺ الى الكعبة ثم صرف الى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر وصلّى بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه الله الى الكعبة وقوله فى حديث ابن عباس الاوّل أمره الله يردّ من قال انه صلّى الى بيت المقدس باجتهاد وعن أبى العالية انه صلّى الى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب وهذا لا ينفى أن يكون بتوقيف كذا فى المواهب اللدنية وعن محمد بن شهاب الزهرى قال لم يبعث الله منذ هبط آدم الى الدنيا نبيا الاجعل قبلته صخرة بيت المقدس ولقد صلّى اليها نبينا ﵇ ستة عشر شهرا* وأورد الغزالى فى الوسيط ان رسول الله ﷺ كان يستقبل الصخرة من بيت المقدس مدّة مقامه بمكة وهى قبلة الانبياء واياها كانت اليهود تستقبل وكان ﵇ لا يؤثره بأن يستدبر الكعبة فلا يقف الابين الركنين اليمانيين ويستقبل جنوب الصخرة فلما هاجر الى المدينة لم يمكنه استقبالها الا باستدبار الكعبة فشق ذلك عليه فنزلت فولّ وجهك الآية فيكون بعد التحويل وجهه الى موضع الحجر لانه فى مقابل الجدار الذى فيه الركنان اليمانيان ذكره

стр. 367

القاضى البيضاوى فى حواشى أنوار التنزيل روى أن رسول الله ﷺ زار بشر بن البراء ابن معرور فى بنى سلمة فتغدّى هو وأصحابه وجاءت الظهر فصلى بأصحابه فى مسجد القبلتين ركعتين من الظهر نحو الشأم ثم أمر أن يستقبل الكعبة وهو راكع فى الركعة الثانية فاستدار الى الكعبة ودارت الصفوف خلفه ثم أتم الصلاة فسمى مسجد القبلتين* وفى المواهب اللدنية وقع عند النسائى انها الظهر وظاهر حديث البراء فى البخارى انها كانت صلاة العصر وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر الى صلاة الفجر من اليوم الثانى كما فى الصحيحين وفى هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه الا بعد العلم به وان تقدّم نزوله لانهم لم يؤمروا باعادة العصر والمغرب والعشاء والله أعلم قال الواقدىّ كان هذا يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا وعن البراء على رأس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا على اختلاف الاقوال* وفى الكشاف وأنوار التنزيل والاستيعاب روى أن النبىّ ﷺ قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه الى الكعبة فى رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين وقد صلّى بأصحابه فى مسجد بنى سلمة ركعتين من الظهر فتحوّل فى الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم فسمى المسجد مسجد القبلتين وفى تبصير الرحمن نزلت الفاتحة بمكة حين فرضت الصلاة وبالمدينة حين حوّلت القبلة لدلالتها على أنه رب الجهات كلها وقد اختار أفضلها فله الحمد* تجديد بناء مسجد قباء وفى هذه السنة كان تجديد بناء مسجد قباء روى عن أبى سعيد الخدرى قال لما صرفت القبلة الى الكعبة اتى رسول الله ﷺ مسجد قباء فقدم جدار المسجد الى موضعه اليوم وأسسه بيده وحوّل قبلته الى جهة الكعبة وكانت الى جهة بيت المقدس ونقل رسول الله ﷺ وأصحابه الحجارة لبنائه وقد مرّت فضيلة لصلاة فيه فى أوّل مقدمه قباء* نزول فرض رمضان وفى شعبان هذه السنة نزلت فريضة رمضان* وفى معالم التنزيل ويقال انزل فرض شهر رمضان قبل رمضان بشهر وأيام على ما روى عن أبى سعيد الخدرى قال نزل فرض شهر رمضان بعد ما صرفت القبلة الى الكعبة فى شعبان بشهر على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة فلما فرض رمضان لم يأمرهم بصيام عاشوراء ولانهاهم عنه* غزوة بدر الكبرى وفى هذه السنة وقعت غزوة بدر الكبرى فى معالم التنزيل وسيرة ابن هشام قال ابن اسحاق كانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة السابع عشر من رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة وقيل التاسع عشر من رمضان والاوّل أصبح وكذا فى المنتقى* وفى المواهب اللدنية بعد الهجرة بتسعة عشر شهرا وكان خروج المسلمين من المدينة لاثنتى عشرة ليلة مضت من رمضان وقال ابن هشام لثمان ليال خلون من رمضان وفى الاستيعاب وكانت غزوة بدر فى السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وليس فى غزواته ما يعدل بها فى الفضل ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كان فيها بيعة الرضوان وذلك سنة ست وقال ابن اسحاق فى ليال مضت من رمضان وبدر بالفتح والسكون بئر حفرها رجل من غفار اسمه بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة وقيل بدر رجل من بنى ضمرة سكن ذلك الموضع فنسب اليه ثم غلب اسمه ويقال بدر اسم البئر التى بها سميت لاستدارتها أو لصفاء مائها فكان البدر يرى فيها وحكى الواقدىّ انكار ذلك كله من غير واحد من شيوخ بنى غفار قالوا انما هى ماؤنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر وانما هى علم عليها كغيرها من البلاد* وفى معجم ما استعجم بدر ماء على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة فى طريق مكة وبدر مذكر ولا يؤنث جعلوه اسم ماء* قال ابن كثير وهو يوم الفرقان الذى أمدّ الله فيه نبيه والمسلمين بالملائكة وفى الوفاء وهو يوم الفرقان الذى أعز الله فيه الاسلام وأهله ودمغ فيه الشرك وخرب محله هذا مع قلة عدد المسلمين وكثرة

стр. 368

العدوّ مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد والعدّة الكاملة والخيول المسوّمة والخيلاء الزائد فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله وبيض وجه النبىّ ﷺ وأخزى الشيطان وجبله ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة أى قليل عددكم فقد كانت هذه أعظم غزوات الاسلام اذ منها كان ظهوره وبعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره ومن حين وقوعها أذل الله الكفار وأعز من حضرها من المسلمين فهم عند الله من الابرار* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق انّ رسول الله ﷺ سمع بأبى سفيان بن حرب مقبلا من الشأم فى عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تحاراتهم وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو اربعون منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام* وقال غيره كانت العير زها ألف بعير وفى أحمالها من التمر والشعير والبرّ والزبيب وغير ذلك كذا فى الينابيع وهى العير التى كان فيها أبو سفيان بن حرب مع جمع من قريش خرجوا من مكة الى الشأم وكان ﷺ خرج اليها وسار الى العشيرة فلم يدركها فرجع الى المدينة فأخبر جبريل بقفول العير من الشأم فأخبر النبى ﷺ المسلمين فأعجبهم تلقى العير لكثرة الخير وقلة القوم* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق لما سمع رسول الله ﷺ بأبى سفيان مقبلا من الشأم ندب المسلمين اليهم وقال هذه عير قريش فيها أموال فاخرجوا اليها لعل الله ينفلكموها فانتدب المسلمون فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك انهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا وكان أبو سفيان بن حرب حين دنا من الحجاز يتجسس الاخبار ويسأل من لقى من الركبان تخوّفا عن أمر الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى فبعثه الى مكة وأمره أن يأتى قريشا فيستنفرهم الى أموالهم ويخبرهم أنّ محمدا قد عرض لها فى أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا الى مكة قال ابن اسحاق وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رؤيا أفزعتها فبعثت الى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخى والله لقد رأيت البارحة رؤيا أفزعتنى وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرّ ومصيبة فاكتم عنى ما أحدّثك وما رأيت فقال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لصارعكم فى ثلاث فأرى الناس اجتمعوا اليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم فى ثلاث ثم مثل به بعيره على أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى اذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار الا دخلها منها فلقة قال العباس والله ان هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لاحد ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه اياها فذكرها الوليد لابيه عتبة ففشا الحديث بمكة حتى تحدّثت به قريش قال العباس فغدوت لاطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام فى رهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة فلما رآنى أبو جهل قال يا أبا الفضل اذا فرغت من طوافك فأقبل الينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست بينهم فقال لى أبو جهل يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال تلك الرؤيا التى رأت عاتكة قال قلت وما رأت فقال يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة فى رؤياها انه قال انفروا لمصارعكم فى ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون وان تمض الثلاث ولم يكن شىء من ذلك نكتب عليكم كتابا انكم أكذب اهل بيت فى العرب قال ثم تفرّقنا فلما أمسينا لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب الا أتتنى

стр. 369

فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم ثم تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشئ مما سمعت قال قلت وايم الله لا تعرضنّ له فان عاد لا كفيكنه قال فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب فدخلت المسجد فرأيته فو الله انى لا مشى نحوه لا تعرضه ليعود لبعض ما قال فأوقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر اذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ قال فقلت فى نفسى ماله لعنه الله أكل هذا فرقا منى أن اشاتمه قال فاذا هو قد سمع ما لم أسمعه صوت ضمضم بن عمرو الغفارى وهو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحوّل رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه لا أرى ان تدركوها الغوث الغوث قال فشغلنى عنه وشغله عنى ما جاء من الامر* وفى رواية فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا اهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول عيركم وأموالكم ان أصابها محمد لن تفلحوا اذا أبدا فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى كلا والله ليعلمنّ غير ذلك فكانوا بين رجلين اما خارج واما باعث مكانه رجلا وأرعبت قريش ولم يتخلف من أشرافها أحد الا ان أبا لهب بن عبد المطلب قد تخلف وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة وكان قد لأط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على أن يجزئ عنه فخرج عنه وتخلف ابو لهب قال ابن اسحاق وحدّثنى عبد الله بن ابى نجيح ان أمية بن خلف كان قد أجمع على القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة بن ابى معيط وهو جالس فى المسجد بين ظهرى قومه بمجمرة يحملها فيها نار حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا على استجمر فانما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز فخرج مع الناس* وفى رواية كان أمية قد سمع من سعد بن معاذ أن النبى ﷺ قال سأقتله فقال أمية والله ان محمد الا يكذب ولم يزل يخاف من ذلك فعزم للقعود فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان انك سيد أهل الوادى فسربنا يوما أو يومين فوسوس اليه حتى خرج وفى سيرة ابن هشام ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب والعداوة قالوا نخشى أن يأتونا من خلفنا وكاد ذلك أن يثبطهم ويثنيهم فتبدّى لهم ابليس فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى وكان سراقة من أشراف بنى كنانة فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء تكرهونه فخرجوا سراعا* وفى رواية ولما التقى الجمعان كان ابليس فى صف المشركين على صورة سراقة بن مالك بن جعشم آخذا بيد الحارث بن هشام* وفى رواية بيد أبى جهل ورأى الملائكة نزلت من السماء ورأى جبريل معتجرا ببرد يمشى بين يدى رسول الله ﷺ وفى يده اللجام يقود الفرس وما ركب بعد وعلم انه لا طاقة له بهم نكص على عقبيه موليا هاربا فقال له الحارث الى أين أفرارا من غير قتال وحول بمكة أتخذ لنا فى هذه الحالة قال انى أرى ما لا ترون ودفع فى صدر الحارث فانطلق فانهزم الناس ولما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال بلغنى انكم تقولون انى هزمت الناس فو الله ما شعرت بمسيركم حتى بلغنى هزيمتكم فقالوا ما أتيتنا يوم كذا فحلف لهم فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان كذا فى معالم التنزيل* وفى الاكتفاء ذكر انهم كانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة لا ينكرونه حتى اذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم* روى عن السدّى والكلبى انهما قالا كان المشركون حين خرجوا الى النبى ﷺ من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا اللهمّ انصر أهدى الفئتين وأعلى الجندين وأكرم الحزبين وأفضل الدين ففيه نزلت ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح فخرجت قريش من مكة سراعا معها القيان والدفوف* قال ابن اسحاق وخرج رسول الله صلّى الله

стр. 370

عليه وسلم من المدينة لليال مضت من شهر رمضان فى أصحابه* وقال ابن هشام خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان واستعمل على المدينة عمرو بن أم مكتوم ويقال اسمه عبد الله ابن أم مكتوم أخا بنى عامر بن لؤى على الصلاة بالناس ثم ردّ أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة وفى رواية خرج معه قوم من الانصار لطلب الغنيمة وقعد آخرون ولم تكن الانصار خرجت قبل ذلك الى عدوّ ولم يظنوا أنه ﵇ يلقى عدوّا فلم يلهم لانه لم يخرج للقتال ولم يكن غزا بأحد قبلها وضرب عسكره على بئر أبى عنبة بلفظ واحد العنب على ميل من المدينة كذا فى الوفاء وعرض أصحابه وردّ من استصغره وكان ممن استصغره براء بن عازب وعبد الله بن عمرو كان الخيل فرسين فرس للمقداد وفرس لمرثد بن أبى مرثد* وفى رواية للزبير وفى المواهب اللدنية والوفاء معهم ثلاثة أفراس برجة فرس المقداد واليعسوب فرس الزبير وفرس لابى مرثد الغنوى يقال له السيل ولم يكن لهم يومئذ خيل غير هذه الثلاثة* وفى الكشاف وما كان معهم الا فرس واحد انتهى وكانت الدروع تسعا* وفى رواية ستا والسيف ثمانية والمسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا على عدد أصحاب طالوت يوم جالوت الذين جاوزوا معه النهر وفى الحديث قال ﵇ لاصحابه يوم بدر أنتم اليوم كعدد المرسلين وأصحاب طالوت يوم عبروا النهر كذا فى العمدة* منهم سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الانصار* وفى رواية منهم ثمانون من المهاجرين وباقيهم من الانصار ولابى داود والذين كانوا معه ﵇ يوم بدر ثلثمائة وخمسة عشر رجلا وكذا فى شواهد النبوّة وفى صحيح البخارى والكشاف والوفاء ثلثمائة وبضعة عشر رجلا وقد ذكرهم الامام البخارى فى صحيحه وسيجىء ذكرهم فى هذا الكتاب بالتفصيل ان شاء الله تعالى* قال العلامة الدوانى فى شرح العقائد العضدية سمعنا من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم فى البخارى مستجاب وقد جرب ذلك* وفى المواهب اللدنية وكان عدّة من خرج ثلثمائة وخمسة ثمانية منهم لم يحضروها بعذر انما ضرب لهم بسهمهم وأجرهم وكانوا كمن حضرها ثلاثة منهم من المهاجرين أحدهم عثمان بن عفان خلفه النبىّ ﷺ على ابنته رقية زوجة عثمان وكانت مريضة فقال له النبىّ ﷺ ان لك لاجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه رواه البخارى والثانى والثالث طلحة وسعيد عينا النبىّ ﷺ بعثهما لتجسس العير فسارا حتى بلغا الخرار فكمنا هناك فمرت بهما العير فبلغ رسول الله ﷺ الخبر فخرج ورجعا يريد ان المدينة ولم يعلما بخروج النبىّ ﷺ فقدما المدينة بخبر العير وقد كان ﷺ قبل مجيئهما خرج منها بقصد العير* وفى رواية فقد ما المدينة فى اليوم الذى لاقى فيه رسول الله ﷺ المشركين فخرجا يعترضان رسول الله فلقياه منصرفا من بدر فضرب لهما بسهامهما وأجرهما فكانا كمن شهدها وخمسة من الانصار أحدهم أبو لبابة ردّه من الطريق لخلافة المدينة والثانى عاصم بن عدى العجلانى استعمله على أهل العوالى والثالث حارثة بن حاطب بعثه من الروحاء الى بنى عمرو بن عوف والرابع والخامس الحارث بن الصمة وخوات بن جبير سقطا من الابل فأصابهما بعض الكسر فردّهما من الطريق* وفى المواهب اللدنية كان عدد المشركين ألفا ويقال تسعمائة وخمسين رجلا معهم مائة فرس وسبعمائة بعير ولما نظر ﵇ الى أصحابه ورأى قلة عددهم وعدتهم قال اللهم انهم حفاة فاحملهم اللهم انهم عراة فاكسهم اللهم انهم جياع فأشبعهم اللهم انهم عالة فأغنهم من فضلك فاستجيبت دعوته ففتح الله له ذلك وما من رجل منهم الا رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق ودفع ﵇ اللواء الى مصعب ابن عمير بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار قال ابن هشام وكان أبيض وكان أمام رسول الله صلّى الله

стр. 371

عليه وسلم رايتان سوداوان احداهما مع علىّ بن أبى طالب يقال لها العقاب والاخرى مع بعض الانصار وكانت ابل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرا فاعتقبوها وكان رسول الله ﷺ وعلىّ بن أبى طالب ومرثد بن أبى مرثد يعتقبون بعيرا* وفى الكشاف يعتقب النفر منهم على البعير الواحد* وفى رواية كان زميلى رسول الله ﷺ فى ذلك السفر علىّ بن أبى طالب وأبو لبابة أوّلا وزيد بن حارثة آخرا* وفى الحديث اذا كان عقبة النبىّ ﷺ قالوا اركب يا رسول الله حتى نمشى عنك فيقول ما أنتما بأقوى على السير منى وما أنا بأغنى عن الاجر منكما* وقال ابن اسحاق وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة موالى رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرا وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا* قال ابن اسحاق وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار وكانت راية الانصار مع سعد بن معاذ فيما قال ابن هشام قال ابن اسحاق فسلك طريقه من المدينة الى مكة على نقب المدينة ثم على العقيق ثم على ذى الحليفة ثم على آلات الجيش قال ابن هشام ذات الجيش قال ابن اسحاق ثم مر على تربان ثم على ملل ثم على عميس الحمائم من مرتين ثم على صخيرات اليمام ثم على السيالة ثم على فج الروحاء ثم على شنوكة وهى الطريق المعتدلة حتى اذا كان بعرق الظبية قال ابن هشام عن غير ابن اسحاق لقوا رجلا من الاعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا فقال له الناس سلم على رسول الله ﷺ قال أوفيكم رسول الله فقالوا نعم فسلم عليه ثم قال ان كنت رسول الله فاخبرنى عما فى بطن ناقتى هذه قال له سلمة بن سلامة بن وقش لا تسأل رسول الله ﷺ أقبل علىّ أنا أخبرك عن ذلك نزوت عليها ففى بطنها منك سخلة فقال له رسول الله ﷺ مه فحشت على الرجل ثم أعرض عن سلمة ونزل رسول الله ﷺ سجسج وهى بئر الروحاء* وفى معالم التنزيل أخذ رسول الله ﷺ بالروحاء عينا للقوم فأخبره بهم فبعث ﷺ عينا له من جهينة حليفا للانصار يدعى ابن الاريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله ﷺ ثم ارتحل من الروحاء حتى اذا كان بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا فسلك فى ناحية منها حتى جزع واديا يقال له رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم علا المضيق ثم انصب به حتى اذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنى حليف بنى ساعدة وعدىّ بن أبى الزغباء الجهنى حليف بنى النجار الى بدر يتجسسان له الاخبار عن أبى سفيان وغيره* وفى خلاصة الوفاء الصفراء تأنيث الاصفر واد كثير العيون والنخل سلكه النبى ﷺ مرجعه من بدر الكبرى وقال محمد سلك غير مرّة فمضى العينان حتى نزلا بدرا فأناخا الى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه ومجدى بن عمرو الجهنى على الماء فسمع جاريتين من جوارى الحاضر وهما يتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها انما ترد العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذى لك فقال مجدى بن عمرو وكان على الماء صدقت ثم خلص بينهما فلما سمع بذلك عدى وبسبس جلسا على بعيريهما ثم انطلقا فأتيا رسول الله ﷺ فأخبراه ثم تقدّم أبو سفيان العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدى هل احسست أحدا قال ما رأيت أحدا أنكره الا انى قد رأيت راكبين أناخا الى هذا التل ثم استقيا فى شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فاذا فيه كسيرات النوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع الى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق حتى أسرع قال ابن اسحاق ثم ارتحل رسول الله ﷺ وقد قدّم العينين فلما استقبل الصفراء وهى قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما أسماؤهما

стр. 372

فقالوا لاحدهما هذا مسلح وللآخر هذا محزى وسأل عن أهلهما فقالوا بنو النار وبنو حراق بطنان من غفار فكرههما رسول الله ﷺ والمرور بينهما وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما فتركهما رسول الله ﷺ والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له دفران وجزع فيه ثم نزل* وفى خلاصة الوفاء دفران واد معروف قبل الصفراء بيسير يصب سيله فيها من المغرب يسلكه الحاج المصرى فى رجوعه الى ينبع فيأخذ ذات اليمين كما فعله النبىّ ﷺ فى ذهابه الى غزوة بدر وبه مسجد يتبرّك به على يسار السالك الى ينبع وأظنه مسجد دفران* وفى القاموس دفران بكسر الفاء واد قرب الصفراء* قال ابن اسحاق ثم نزل دفران فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش* وفى الكشاف وكان رسول الله ﷺ بوادى دفران فنزل جبريل وقال يا محمد ان الله وعدك احدى الطائفتين اما العير واما قريشا فاستشار النبىّ ﷺ أصحابه وقال ما تقولون ان القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب اليكم أم النفير قالوا بل العير أحب الينا من لقاء العدوّ فتغير وجه رسول الله ثم ردّ عليهم فقال ان البعير قد مضت من ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل قالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ فقام عند غضب النبىّ ﷺ أبو بكر فقال وأحسن ثم قام عمر فقال وأحسن ثم قام سعد بن عبادة فقال انظر أمرك فامض فو الله لو سرت الى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الانصار* وفى معجم ما استعجم ابين بكسر أوّله واسكان ثانيه وبعده ياء معجمة باثنتين من تحتها مفتوحة ثم نون اسم رجل كان فى الزمن القديم وهذا الذى ينسب اليه عدن ابين من بلاد اليمن انتهى ثم قام مقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك فو الله ما نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ما دام مناعين نطرف نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك فو الذى بعثك بالحق لو سرّت بنا الى برك الغماد يعنى مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فضحك رسول الله ﷺ وقال له خيرا وفى رواية أشرق وجه رسول الله ﷺ وسر بذلك* وقال ابن هشام ثم قال رسول الله ﷺ أشيروا علىّ انما يريد الانصار وذلك انهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله انا برآء من ذمامك حتى تصل الى ديارنا فاذا وصلت الينا فأنت فى ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله ﷺ يتخوّف أن لا تكون الانصار ترى عليها نصرة الا ممن دهمه بالمدينة من عدوّه وان ليس عليهم أن يسير بهم الى عدوّ من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله فقال أجل قال قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك مواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا انا لصبر فى الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقرّبه عينك فسربنا على بركة الله فسرّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك وقال سيروا وأبشروا فان الله قد وعدنى احدى الطائفتين والله لكأنى الآن انظر الى مصارع القوم ثم ارتحل رسول الله ﷺ من دفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انحط منها الى بلد يقال لها الدبة فى الوفاء الدبة بفتح أوّله وتشديد الموحدة من تحت كدبة الدهن معناه مجتمع الرمل موضع بين أصافر وبدر اجتاز به النبىّ ﷺ بعد ارتحاله من دفران يريد بدرا* وفى القاموس الدبة بالضم موضع قرب بدر قال ابن اسحاق

стр. 373

وترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه قال ابن هشام الرجل أبو بكر الصدّيق قال ابن اسحاق حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبر كما حتى تخبرانى ممن أنتما فقال له رسول الله ﷺ اذا أخبرتنا أخبرناك قال أو ذاك بذاك قال نعم فقال الشيخ فانه قد بلغنى ان محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدقنى الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به قرّ رسول الله ﷺ وبلغنى أن قريشا خرجوا من يوم كذا وكذا فان كان الذى أخبرنى صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما قال له رسول الله ﷺ نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ماء من ماء أمن ماء العراق* وفى المنتقى أراد ﷺ أن يوهمه انه من العراق وكان العراق يسمى ماء لكثرة الماء فيه وانما أراد انه خلق من نطفة ماء* قال ابن هشام يقال الشيخ سفيان الضمرى قال ابن اسحاق ثم رجع رسول الله الى أصحابه فلما أمسى بعث علىّ بن أبى طالب والزبير بن العوّام وسعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحابه الى ماء بدر يلتمسون الخبر فأصابوا راوية لقريش فيها غلام اسود لبنى الحجاج اسمه أسلم وغلام لبنى العاص بن سعد اسمه عريض أبو يسار وفرّ الباقون وكانوا كثيرا وأوّل من بلغ مشركى قريش من الفرّار رجل اسمه عجير فبلغهم خبر رسول الله ﷺ وقال يا آل غالب هذا ابن أبى كبشة مع أصحابه قد أخذوا راويتكم مع غلامين فوقع فى جيشهم انزعاج واضطراب وخوف فلما أتوا رسول الله ﷺ بالغلامين سألوهما ورسول الله ﷺ قائم يصلى فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا ان يكونا لابى سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لابى سفيان فتركوهما وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه ثم سلم وقال اذا صدقاكم ضربتموهما واذا كذباكم تركتموهما صدقا والله انهما لقريش أخبرانى عن قريش قالاهم والله وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال كم القوم فقالا كثير قال ما عدّتهم قالا لا ندرى قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا فقال رسول الله ﷺ القوم فيما بين التسعمائة والالف ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البخترى بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدى بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الاسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبدودّ فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال هذه مكة قد ألقت اليكم أفلاذ كبدها قال ابن اسحاق ولما أقبلت قريش ونزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال انى أرى فيما يرى النائم وانى لبين النائم واليقظان اذ نظرت الى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدّ رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ثم رأيته ضرب فى لبة بعيره ثم أرسله فى العسكر فما بقى خباء من أخبية العسكر الا أصابه نضح من دمه فبلغت أبا جهل فقال وهذا أيضا نبى آخر من بنى المطلب سيعلم غدا من المقتول ان نحن التقينا قال ابن اسحاق ولما رأى أبو سفيان انه قد أحرز عيره أرسل الى قريش انكم انما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق فى كل عام فنقيم عليه ثلاثا فنخر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع

стр. 374

بنا العرب وبسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها فامضوا فوافوها فسقوا كؤس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان وقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى وكان حليفا لبنى زهرة وهم بالجحفة يا بنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة ابن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلونى جبنها وارجعوا فانه لا حاجة لكم بأن تخرجوا فى ضيعة لا تسمعوا ما يقول هذا يعنى أبا جهل فرجعوا فلم يشهدها زهرى واحد وأطاعوه وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقى من قريش بطن الا وقد نفر منهم ناس الا بنى عدى بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد فرجعت بنو زهرة مع الاخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد* روى أن أبا سفيان صادفهم فقال يا بنى زهرة لا فى العير ولا فى النفير وهو أوّل من قال هذا قالوا أنت أرسلت الى قريش أن ترجع وفى بعض التفاسير قال أخنس بن شريق يا قوم اذا حصل مرادنا الذى هو نجاة أموالنا فلنرجع فقال له أبو جهل أخنس فرجع فى ثلثمائة من بنى زهرة فسمى أخنس لاختزاله من الحرب ولما بلغ أبا سفيان قول أبى جهل قال وا قوماه هذا عمل عمرو بن هشام يعنى أبا جهل روى ان أبا سفيان لما بلغ العير الى مكة رجع ولحق بجيش قريش فمضى معهم الى بدر فجرح يومئذ جراحات وأفلت هاربا ولحق بمكة راجلا قال ابن اسحاق ومضى القوم وكان بين طالب بن أبى طالب وكان فى القوم وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله لقد عرفنا يا بنى هاشم وان خرجتم معنا أن هواكم لمع محمد فرجع طالب الى مكة مع من رجع قال طالب بن أبى طالب لاهمّ اما يغنزونّ طالب ... فى عصبة محالف محارب فى مقنب من هذه المقانب ... فليكن المسلوب غير السالب وليكن المغلوب غير الغالب قال ابن اسحاق ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادى خلف العقنقل وبطن الوادى وهو يليل بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذى خلفه قريش والقليب ببدر فى العدوة الدنيا من بطن يليل الى المدينة وبعث الله السماء وكان الوادى دهسا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه منها ما لبدلهم الارض ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم الى الماء حتى اذا جاء أدنى ماء ببدر نزل به* وفى الكشاف وغيره من التفاسير مضت قريش حتى أناخت بالعدوة القصوى أى البعدى عن المدينة خلف العقنقل العدوة شط الوادى وكان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس بها للمشى فيها ونزل المسلمون بالعدوة الدنيا أى القربى الى جهة المدينة ولا ماء فيها وكانت كثيبا أعفر رخوا تسوخ فيه الاقدام وحوافر الدواب ولا يمشى فيها الّا بتعب وكانت الركب أى العير وقوّادها بمكان أسفل من مكان المسلمين بثلاثة أميال الى جهة وراء ظهر العدوّ يعنى الساحل وكذا فى أنوار التنزيل والمدارك* وفى شواهد النبوّة روى أنه فى الليلة السابقة على يوم الحرب غلب النوم والامنة على المسلمين بحيث لم يقدروا أن يكونوا أيقاظا* وعن الزبير أنه قال سلط علىّ النوم بحيث كلما أردت أن أجلس لم أقدر فيلقينى النوم على الارض وكذا كان حال النبىّ ﷺ وأصحابه* قال سعد بن أبى وقاص رأيتنى تقع ذقنى بين ثديىّ فلما أنتبه أسقط على جنبى قال رفاعة غلب علىّ النوم حتى احتلمت وتغسلت وكان مشركو قريش بقرب منهم وقد غلب عليهم الخوف فبعث النبىّ ﷺ اليهم عمار بن ياسر وابن مسعود فرجعا وقالا يا رسول الله غلب على المشركين الخوف حتى اذا صهل خيلهم يضربون وجوهها من شدّة الخوف* روى ان المسلمين ناموا فاحتلم أكثرهم وأجنوا وقد غلب المشركون على الماء فتمثل

стр. 375

لهم الشيطان فوسوس اليهم فقال كيف تنصرون وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون محدثين مجنبين وآية التيمم لم تنزل بعد وتزعمون انكم أولياء الله وفيكم رسوله فأشفقوا فأرسل الله عليهم السماء ليلا حتى سال منها الوادى فاتخذوا الحياض على عدوة الوادى وشربوا وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وملؤا الاسقية وانطفأ للغبار وتلبدت لهم الارض حتى تثبت عليها الاقدام ولم تمنعهم من المسير وزالت عنهم الوسوسة وطابت النفوس كما قال تعالى اذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام وقيل يثبت به الاقدام بالصبر وقوّة القلب فحصل بذلك للمسلمين اطمئنان وزال عنهم الخوف ولما كانت العدوة القصوى مناخ قريش أرضا سهلا لينا لم تبلغ أن تكون رملا وليس هو بتراب أصابهم ما لم يقدروا ان يرتحلوا معه فخرج رسول الله ﷺ يبادر الى الماء حتى اذا أتى أدنى ماء من بدر نزل به قال ابن اسحاق حدثت عن رجال من بنى سلمة انهم ذكروا ان الخباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأى والحرب والمكيدة قال بل الزأى والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزل ثم نغوّر ما وراءه من القلب ثم نبنى عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله ﷺ لقد أشرت بالرأى* وفى رواية فنزل جبريل فقال الرأى ما أشار اليه الخباب كذا فى المنتقى فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين فسار حتى اذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فغوّرت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية وكان نزوله بدرا عشاء ليلة الجمعة السابعة عشر من رمضان كما مرّ ولما نزل قام مع جماعة من أصحابه يسير فى عرصة بدر ويضع يده على الارض ويقول هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان يرى أصحابه مصارع صناديد قريش فو الله ما تجاوز أحد منهم عن الموضع الذى عين له بل قتل فيه* قال ابن اسحاق فحدثنى عبد الله بن أبى بكر أنه حدث أن سعد بن معاذ قال يا نبىّ الله ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ونعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدوّنا فان أعزنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا وان كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبىّ الله ما نحن لك بأشدّ حبا منهم ولو ظنوا انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير ثم بنى لرسول الله ﷺ عريش فكان فيه* وفى خلاصة الوفاء مسجد بدر كان العريش الذى بنى لرسول الله ﷺ يوم بدر عنده وهو معروف عند النخيل والعين قريبة منه وبقربه فى جهة القبلة مسجد آخر تسميه أهل بدر مسجد النصر ولم أقف فيه على شىء* قال ابن اسحاق وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى جاؤا منه الى الوادى قال اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك اللهمّ فنصرك الذى وعدتنى اللهمّ أحنهم الغداة وقد قال رسول الله ﷺ ورأى عتبة بن ربيعة فى القوم على جمل له أحمران يك فى أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمران يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف ابن ايماء بن رحضة الغفارى أو أبوه ايماء بن رحضة الغفارى بعث الى قريش حين مروان ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال ان أحببتم ان نمدّكم بسلاح ورجال فعلنا قال فأرسلوا اليه ان وصلتك رسم وقد قضيت الذى عليك فلعمرى لئن كنا انما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم ولئن كنا انما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله

стр. 376

صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام فقال رسول الله ﷺ دعوهم فما شرب منه يومئذ رجل الا قتل الا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن اسلامه فكان اذا اجتهد فى يمينه قال والذى نجانى يوم بدر ولما اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا احرز لنا أصحاب محمد فدار بفرسه حول العسكر ثم رجع اليهم فقال ثلثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه ولكن أمهلونى حتى أنظر للقوم كمين أو مدد فضرب فى الوادى حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع اليهم فقال ما رأيت شيئا ولكنى قد رأيت يا معشر قريش البلايا* وفى رواية الولايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع* وفى المنتقى السم الناقع أى القاتل قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل رجل منكم فاذا أصابوا منكم أعدادهم فلا خير فى العيش بعد ذلك فروا رأيكم* روى انّ النبىّ ﷺ رأى المشركين فى وقعة بدر فى المنام قليلا فأخبر بذلك أصحابه وكان تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوّهم ولو أراه اياهم كثيرا لفشلوا وجبنوا وهابوا الاقدام عليهم وتنازعوا فى أمر القتال وتردّدوا بين الثبات والفرار فقلل الله الكافرين فى أعين المؤمنين حتى قال ابن مسعود لمن الى جنبه أتراهم سبعين فقال أراهم مائة وكانوا ألفا تثبيتا وتصديقا لرؤيا رسول الله ﷺ وليجترئوا عليهم وقلل المؤمنين فى أعين الكافرين قبل التحام القتال حتى قال أبو جهل انّ محمدا وأصحابه أكلة جزور ليجترئؤا عليهم ولئلا يرجعوا عن قتالهم ولئلا يستعدوا لهم ثم كثرهم فى أعينهم حتى يروهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة فان البصر وان كان قديرى الكثير قليلا والقليل كثيرا لكن لا على هذا الوجه ولا الى هذا الحد وانما يتصوّر ذلك بصدّ الله تعالى الابصار عن ابصار بعض دون بعض مع التساوى فى الشرط كذا فى أنوار التنزيل* فلما سمع حكيم بن حزام قول عمير تمشى فى الناس فأتى عتبة فقال يا أبا الوليد انك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك الى أن لا تزال تذكر منها بخير الى آخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى قال قد فعلت أنت علىّ بذلك انما هو حليفى فعلىّ عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية يعنى أبا جهل والحنظلية أم أبى جهل وهى أسماء بنت مخرمة أحد بنى نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة فانى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره ثم قام عتبة خطيبا فقال يا معشر قريش انكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبتموهم لا يزال الرجل ينظر فى وجه رجل يكره النظر اليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فان أصابوه فذلك الذى أردتم وان كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون وقد كان رسول الله ﷺ رأى عتبة فى القوم على جمل له أحمر الى آخر الحديث كما مرّ قال حكيم فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها فقلت له يا أبا الحكم ان عتبة أرسلنى اليك بكذا وكذا الذى قال فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما يعتبة ما قال ولكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه قد تخوّفكم عليه يعنى أبا حذيفة بن عتبة وكان قد أسلم* وفى المنتقى قال عتبة فى جواب حكيم قد فعلت يعنى قال أنا أتحمل بدم حليفى فاذهب الى ابن الحنظلية يعنى أبا جهل فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك فجئته فاذا هو فى جماعة من بين يديه ومن ورائه فاذا بابن الحضرمى واقف على رأسه وهو يقول قد فسخت عقدى من بنى عبد شمس وعقدى الى بنى مخزوم فقلت له يقول لك عتبة هل لك أن ترجع بالناس عن ابن عمك قال أما وجد رسولا غيرك* قال حكيم فخرجت أبادر الى عتبة وهو متكىء على ايماء بن رحضة وقد أهدى الى المشركين عشر جزائر فطلع

стр. 377

أبو جهل والشرّ فى وجهه فقال لعتبة* انتفخ سحرك* وهذا الكلام تقوله العرب للجبان فقال له عتبة ستعلم غدا من انتفخ سحره أنا أم أنت* وفى رواية قال له عتبة اياى تعيريا صفرا سته انما قال هذا لانّ أبا جهل كان به برص فى ألبته وكان يردعها بالزعفران فغضب أبو جهل وسل سيفه وضرب به متن فرسه فقال له ايماء بن رحضة بئس الفأل* قال ابن هشام ثم بعث أبو جهل الى عامر بن الحضرمى فقال هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثارك بعينك فقم وانشد حفرتك ومقتل أخيك فقام عامر بن الحضرمى فاكتشف ثم صرخ واعمرواه وا عمرواه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم اليه عتبة ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها فى رأسه فما وجد فى الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له وعقد رسول الله ﷺ ثلاثة ألوية وكان لواؤه الاعظم لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير ولواء الخزرج مع الخباب بن المنذر ولواء الاوس مع سعد بن معاذ وجعل شعار المهاجرين يا بنى عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بنى عبد الله وشعار الاوس يا بنى عبيد الله وقيل كان شعار الكل يا منصور أمت وفى اكتفاء الكلاعى كان شعار أصحاب رسول الله ﷺ أحد أحد وكان مع المشركين ثلاثة ألوية لواء مع عبد العزيز بن عمير ولواء مع النضر بن الحارث ولواء مع طلحة بن أبى طلحة كلهم من بنى عبد الدار وخرج الاسود بن عبد الاسد المخزومى وكان رجلا شرساسيئ الخلق فقال أعاهد الله لاشر بن من حوضهم أو لاهد منه أولا موتن دونه فخرج اليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما ثم حبا الى الحوض حتى اقتحم فيه يريد بزعمه أن تبرّ يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله فى الحوض ثم خرج بعده عتبة ابن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى اذا فصل من الصف دعا الى المبارزة فخرج اليه فتية من الانصار ثلاثة وهم عوف ومعاذا بنا الحارث وأمهما عفراء ورجل آخر يقال هو عبد الله بن رواحة فقالوا من أنتم قالوا رهط من الانصار قالوا ما لنا بكم من حاجة* قال ابن اسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة انّ عتبة بن ربيعة قال للفتية من الانصار حين انتسبوا أكفاء كرام انما نريد قومنا قال فنادى مناديهم يا محمد أخرج الينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا على فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علىّ علىّ قالوا نعم اكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علىّ الوليد بن عتبة فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة ان قتله وأما علىّ فلم يمهل الوليد أن قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكرّ حمزة وعلىّ بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه الى أصحابه* وقال موسى بن عقبة وقد صح ان قوله تعالى هذان خصمان اختصموا فى ربهم الآية نزل فى هؤلاء الستة* وفى رواية قتل علىّ الوليد ثم قام شيبة بن ربيعة فقام اليه عبيدة بن الحارث فاختلفا ضربتين فضربه عبيدة فصرعه وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها أسفل من الركبتين وصرعا جميعا وقام عتبة فقام اليه حمزة فاختلفا ضربتين فلم يصنع سيفاهما شيئا فاعتنق كل واحد منهما صاحبه فأهوى عبيدة بن الحارث وهو صريع فضرب عتبة فقطع ساقه فقام اليه حمزة فضربه حتى برد واحتمل علىّ وحمزة عبيدة فجاءا به الى أصحابه وقد قطعت رجله ومخ ساقه يسيل فلما أتوا بعبيدة الى رسول الله ﷺ قال ألست شهيدا يا رسول الله قال بلى فقال عبيدة لو كان أبو طالب حيا لعلم انى أحق منه حيث يقول ونسلمه حتى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

стр. 378

وفى رواية أنشأ عبيدة هذين البيتين فان يقطعوا رجلى فانى مسلم ... وأرجوبه عيشا من الله عاليا فألبسنى الرحمن من فضل منه ... لباسا من الاسلام غطى المساويا ومات فدفنه رسول الله ﷺ بالصفراء وهو ابن ثلاث وستين سنة وقيل عاش أياما ثم مات بالروحاء كذا فى المنتقى* وفى ذخائر العقبى قيل ان حمزة قتل يوم بدر عتبة بن ربيعة مبارزه قاله موسى بن عقبة وقيل بل قتل شيبة بن ربيعة مبارزه قاله ابن اسحاق وغيره وقتل يومئذ طعيمة بن عدى أخا مطعم بن عدى وقتل الاسود بن عبد الاسد المخزومى يومئذ فى الحوض وقتل سباعا الخزاعى وقيل بل قتله يوم أحد قبل أن يقتل* وفى اكتفاء الكلاعى ذكر ابن عقبة انه لما طلب القوم المبارزة فقام اليه ثلاثة نفر من الانصار استحيى النبىّ ﷺ من ذلك لانه كان أوّل قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله ﷺ شاهد معهم فأحب النبىّ ﷺ أن تكون الشوكة لبنى عمه فناداهم أن ارجعوا الى مصافكم وليقم اليهم بنو عمهم فعند ذلك قام حمزة وعلىّ وعبيدة* قال ابن اسحاق ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يحملوا على المشركين حتى يأمرهم وقال ان كبتكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل ورسول الله ﷺ فى العريش ومعه أبو بكر الصدّيق وعدّل رسول الله ﷺ يومئذ صفوف أصحابه وفى يده قدح يعدّل به القوم فمرّ بسواد بن غزية حليف بنى عدى بن النجار وهو مستنثل من الصف أى بارز فطعن فى بطنه بالقدح وقال استويا سواد فقال يا رسول الله أوجعتنى وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال استقد فاعتنقه فقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد قال يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك فدعا رسول الله ﷺ له بخير ثم عدّل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع الى العريش فدخله ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد فى الارض أبدا وأبو بكر يقول يا نبىّ الله يكفيك بعض مناشدتك ربك فانّ الله منجز لك ما وعدك* روى النسائى والحاكم عن علىّ أنه قال قاتلت يوم بدر شيئا من قتال ثم جئت فاذا رسول الله ﷺ يقول فى سجوده يا حىّ يا قيوم فرجعت فقاتلت ثم جئت فوجدته كذلك* وفى المواهب اللدنية فى صحيح مسلم عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ الى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وبضعة عشر دخل العريش فاستقبل القبلة ومدّيده وجعل يهتف بربه اللهم أنجزلى ما وعدتنى فما زال يهتف بربه مدّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبىّ الله كفاك مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تعالى اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم مرسل اليكم مددا لكم بألف من الملائكة مردفين متتابعين بعضهم فى اثر بعض وعلى قراءة فتح الدال معناه أردف الله المسلمين وجاءهم بهم مددا وفى الآية الاخرى بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فقيل فى معناه ان الالف أردفهم بثلاثة آلاف فكان الاكثر مدد اللاقل وكان الالف مردفين لمن وراءهم والالف هم الذين قاتلوا مع المؤمنين وهم الذين قال الله لهم فثبتوا الذين آمنوا وكانوا فى صورة الرجال ويقولون للمؤمنين اثبتوا فان عدوّكم قليل وانّ الله معكم* وقال الربيع ابن أنس أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف قال ابن اسحاق وقد خفق رسول الله خفقة

стр. 379

وهو فى العريش ثم انتبه* وفى رواية البخارى أخذته ﷺ سنة من النوم ثم استيقظ متبسما فقال ابشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع يريد الغبار وقد رمى مهجع مولى عمر بسهم فقتل فكان أوّل قتيل من المسلمين ثم رمى حارثة بن سراقة أحد بنى عدى ابن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتل ثم خرج رسول الله ﷺ الى الناس وهو يثب فى الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر فحرّضهم ونفل كل امرئ ما أصاب وقال والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبرا لا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام أخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهنّ بخ بخ فما بينى وبين أدخل الجنة الا أن يقتلنى هؤلاء فقذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول ركضا الى الله بغير الزاد ... الا التقى والعمل المفاد والصبر فى الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد وفى المشكاة فقال رسول الله ﷺ قوموا الى جنة عرضها السموات والارض قال عمير ابن الحمام بخ بخ فقال رسول الله ﷺ ما يحملك على قولك بخ بخ قال لا والله يا رسول الله الارجاء أن أكون من أهلها قال فانك من أهلها فأخرج تمرات من كرزه أى جعبته فجعل يأكل منهنّ ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى انها الحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمرات ثم قاتلهم حتى قتل رواه مسلم قال والتقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل اللهمّ من كان أقطعنا رحما فأتى بمالا يعرف فأحنه الغداة وكان هو المستفتح على نفسه وقال يومئذ عوف بن الحارث وهو ابن عفراء يا رسول الله ماذا يضحك الرب من عبده قال غمسة يده فى العدوّ حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل لطيفة انقلاب العصا سيفا وقاتل عكاشة بن محصن الاسدى حليف بنى عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع فى يده فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه هزه فعاد فى يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده حتى قتل فى الردّة وهو عنده قتله طليحة الاسدى ثم انّ رسول الله ﷺ أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها ثم أمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة وجعل الله تلك الحصباء عظيما شأنها لم تترك من المشركين رجلا الاملأت عينيه واستولى عليهم المسلمون معهم الله وملائكته يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم مكب على وجهه لا يدرى أين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر من أشرافهم* قال قتادة وابو زيد ذكر لنا ان رسول الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة فى ميمنة القوم وبحصاة فى ميسرة القوم وبحصاة فى أظهرهم وقال شاهت الوجوه فانهزموا فذلك قوله تعالى وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى* وفى معالم التنزيل تناول كفا من حصى عليه تراب فرمى فى وجوه القوم وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك الا دخل فى عينيه وفى فمه ومنخره منها شىء فانهزموا ورد فهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم* وقال حكيم بن حزام لما كان يوم بدر سمعنا صوتا من السماء الى الارض كأنه صوت حصاة وقعت فى طست حين رمى رسول الله ﷺ تلك الحصيات فانهزمنا فذلك قوله تعالى وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى وقال نوفل بن معاوية انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصاة فى الطساس فى أفئدتنا من خلفنا وكان ذلك أشدّ الرعب علينا فلما وضع القوم أيديهم يأسرون وسعد بن معاذ

стр. 380

قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله ﷺ متوشحا السيف فى نفر من الانصار يحرسون رسول الله ﷺ يخافون عليه كرة العدوّ رأى رسول الله ﷺ فى وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس فقال له رسول الله ﷺ لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت أوّل وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكان الاثخان فى القتل أحب الىّ من استبقاء الرجال وقال النبىّ ﷺ يومئذ لاصحابه انى قد عرفت ان رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ولا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله ومن لقى أبا البخترى بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله واسم أبى البخترى العاصى بن هشام ومن لقى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فلا يقتله فانه انما خرج مستكرها قال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص قال عمر والله انه لاوّل يوم كنانى فيه رسول الله ﷺ بأبى حفص أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعنى فلاضربن عنقه بالسيف فو الله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا الا أن تكفرها عنى الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا وانما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبى البخترى لانه كان أكف القوم عنه بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شىء يكرهه وكان ممن قام فى نقض الصحيفة التى كتبتها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب فلقيه المجذر بن زياد البلوى حليف الانصار يوم بدر فقال له ان رسول الله ﷺ قد نهانا عن قتلك ومع أبى البخترى زميل له خرج معه من مكة وهو رجل من بنى ليث اسمه جنادة بن مليحة بنت زهير قال وزميلى فقال له المجذر لا والله ما نحن بتاركى زميلك ما أمرنا رسول الله ﷺ الا بك وحدك قال لا والله اذا لا موتن أنا وهو جميعا لا تحدّث عنى نساء مكة أنى تركت زميلى حرصا على الحياة وقال يرتجز لن يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا فقتله المجذر ثم أتى المجذر رسول الله ﷺ فقال والذى بعثك بالحق انى جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى الا أن يقاتلنى فقاتلته فقتلته* وقال موسى بن عقبة يزعم ناس ان أبا اليسر قتل أبا البخترى ويأبى معظم الناس الا أن المجذر هو الذى قتله ثم أضرب ابن عقبة عن القولين وقال بل قتله بغير شك أبو داود المازنى وسلبه سيفه فكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض بنى أبى البخترى وكان المجذر قد ناشده أن يستأسر وأخبره بنهى النبى ﷺ عن قتله فأبى أبو البخترى أن يستأسر وشدّ عليه المجذر بالسيف وطعنه الانصارى يعنى أبا داود المازنى بين ثدييه فأجهز عليه فقتله كذا فى الاكتفاء* قال ابن هشام حدّثنى أبو عبيدة وغيره ان عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاصى انى أراك كانّ فى نفسك شيئا اراك تظنّ أنى قتلت أباك انى لو قتلته لم أعتذر اليك من قتله ولكنى قتلت خالى العاصى بن هشام بن المغيرة فأما أبوك فانى مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فجزت عنه وقصد له ابن عمه علىّ فقتله* وقال عبد الرحمن بن عوف كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة وكان اسمى عبد عمرو فلما أسلمت تسميت عبد الرحمن فكان يلقانى فيقول لى يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك فأقول نعم فيقول فانى لا أعرف الرحمن فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبنى باسمك الاوّل وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف فقلت يا أبا علىّ اجعل ما شئت قال فأنت عبد الاله فقلت نعم حتى اذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علىّ بن أمية آخذا بيده ومعى أدراع لى قد استلبتها فأنا أحملها فلما رآنى قال يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الا له فقلت نعم فقال

стр. 381

هل لك فىّ فأنا خير لك من هذه الا دراع التى معك قال قلت نعم فطرحت الا دراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه علىّ وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أمالكم حاجة فى اللبن يريد الفداء ثم خرجت أمشى بهما قال عبد الرحمن قال أمية فأنا بينه وبين ابنه علىّ آخذا بأيديهما فقال يا عبد الا له من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة فى صدره قلت ذلك حمزة بن عبد المطلب قال ذلك الذى فعل بنا الافاعيل* قال عبد الرحمن فو الله انى لاقودهما اذ رآه بلال وكان هو الذى يعذبه بمكة على ترك الاسلام فيخرجه الى رمضاء مكة اذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد فلما رآه بلال قال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت ان نجوت قال قلت أى بلال أبأسيرى قال لا نجوت ان نجا قلت أتسمع يا ابن السوداء قال لا نجوت ان نجا ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت ان نجا فأحاطوا بنا حتى جعلونا فى مثل الشبكة وأنا اذب عنه فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط فقلت انج بنفسك ولا نجاء به فو الله ما أغنى عنك شيئا فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما فكان عبد الرحمن يقول رحم الله بلا لا ذهبت أدراعى وفجعنى بأسيرى* وقاتلت الملائكة يوم بدر قال ابن عباس ولم تقاتل فى يوم سواه وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون وقيل لم تقاتل الملائكة لا فى يوم بدر ولا فى غيره وانما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين والا فملك واحد يكفى فى اهلاك أهل الدنيا فان جبريل أهلك بريشة واحدة من جناحه مدائن قوم لوط وأهلك ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة وكانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها فى ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا* وذكر ابن هشام عن علىّ فى سيماء الملائكة يوم بدر مثل ما قال ابن عباس الا جبريل فان فى حديث علىّ أنه كانت عليه عمامة صفراء* قال ابن عباس حدّثنى رجل من غفار قال أقبلت أنا وابن عمّ لى حتى أصعدنا فى جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر لمن تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب فبينا نحن فى الجبل اذ دتت مناسحابة فسمعنا منها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم فأما ابن عمى فانكشف قناع قبله فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت* وقال أبو سعيد الساعدى بعد أن ذهب بصره وكان شهد بدرا لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى* وقال أبو داود المازنى انى لا تبع رجلا من المشركين يوم بدر لا ضربه اذ وقع رأسه قبل أن يصل اليه سيفى فعرفت انه قد قتله غيرى* روى انه جاءت يوم بدر ريح شديدة لم ير مثلها ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى ثم ذهبت وجاءت ريح أخرى فكانت الاولى جبريل فى ألف من الملائكة مع رسول الله ﷺ والثانية ميكائيل فى ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله ﷺ والثالثة اسرافيل فى ألف من الملائكة عن ميسرته* وفى الكشاف نزل جبريل فى خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر وميكائيل فى خمسمائة ملك على الميسرة وفيها علىّ بن أبى طالب قال الله تعالى انى ممدّكم بألف من الملائكة* وفى أنوار التنزيل قيل أمدّ الله يوم بدر أوّلا بألف من الملائكة ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف وكانت سيماء الملائكة يوم بدر انهم على صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم قد أرخوا أذنابها بين اكتافهم خضر وصفر وحمر وبيض* وفى الصفوة ان الزبير بن العوام كان عليه يوم بدر ريطة صفراء معتجرا بها وكان على الميمنة فنزلت الملائكة على سيماه* وفى الحديث ان النبىّ ﷺ قال لاصحابه يوم بدر تسوّموا فان الملائكة قد تسوّمت بالصوف الابيض فى قلانسهم ومغافرهم كذا فى معالم التنزيل والصوف فى خيلهم وكانت خيلا بلقا وكان المشركون يسمعون صهيل خيلهم ولا يرونها وقال قتادة

стр. 382

والضحاك كانت الملائكة قد أعلموا بالعهن فى نواصى الخيل وأذنابها* وفى خلاصة الوفاء عن حكيم بن حزام قال رأيت يوم بدر قد وقع بوادى خليص بجاد من السماء قد سدّ الافق فاد الوادى يسيل نملا فوقع فى نفسى أنه شىء من السماء أيد به محمد ﷺ فما كانت الا الهزيمة* وعن أبى أمامة بن سهل بن حنيف قال قال لى أبى يا بنى لقد رأيتنا يوم بدر وان أحدنا ليشير بسيفه الى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل اليه السيف* وقال عكرمة كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدرى من ضربه ويندريد الرجل لا يدرى من ضربه روى ان رجلا من الانصار اتبع كافرا ليقتله فقبل أن يصل اليه سمع صوتا يقول أقدم حيزوم فرأى الكافر الذى قدّامه وقع صريعا وقد شق وجرح وجهه وانكسر أنفسه فجاء الانصارى الى النبىّ ﷺ فأخبره بما رآه فقال ﵇ صدقت فهو من مدد السماء* وفى المواهب اللدنية قال ابن الانبارى كانت الملائكة لا تعلم كيف تقتل الآدميون فعلمهم الله تعالى بقوله فاضربوا فوق الاعناق أى الرؤس واضربوا منهم كل بنان قال عطية كل مفصل وقال السهيلى جاء فى التفسير انه ما وقعت ضربة يوم بدر الا فى رأس أو مفصل وكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم بآثار سود فى الاعناق وفى البنان* وفى خلاصة الوفاء قال المرجانى شهد رسول الله ﷺ بدرا بسيفه الذى يدعى العضب وضربت طبلخانة النصر ببدر فهى تضرب الى يوم القيامة* لطيفة فى استماع الطبل ببدر كطبل الملوك قال القسطلانى فى المواهب اللدنية يقال انها تسمع ببدر كهيئة طبل ملوك الوقت ويرون ان ذلك لنصر أهل الايمان وقال أنا جرّبتها فسمعت صوت طبل سماعا محققا لا شك انه صوت طبل ثم نزلنا ببدر فظللت أسمع ذلك الصوت يومى أجمع المرّة بعد المرّة قال ولقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس* وقال مؤلف الكتاب حسين بن محمد الديار بكرى عفا الله عنهما وأنا جرّبتها فى سنة ست وثلاثين وتسعمائة وقت اجتيازى ببدر قافلا من المدينة المشرّفة الى مكة المكرّمة فنزلنا بدرا وأقمنا فيه يوما ولما صليت الفجر يوم الاربعاء من أوائل شعبان ابتكرت نحو ذلك الصوت وكان يجىء من كثيب ضخم طويل مرتفع كالجبل شمالى بدر فطلعت على الكثيب ثم تتابع الناس لسماع ذلك الصوت وكانوازها مائة انسان من الرجال والنساء فى الشقادف وغيرها وما سمعت شيئا من أعلا الكثيب فنزلت أسفل فسمعت من سفح ذلك الكثيب صوتا كهيئة الطبل الكبير سماعا محققا بلا شك مرارا متعدّدة وكذلك سائر الناس كانوا يسمعونه مثل ما سمعت بلا شبهة ومكثنا فيه زمانا طويلا وكان الصوت يجىء تارة من تحتنا ثم ينقطع وتارة من خلفنا ثم ينقطع وتارة من قدّامنا وتارة عن يميننا وتارة عن شمالنا وعلى كل الهيئات كنا نسمع الصوت قائما وقاعدا ومتكئا سماعا محققا بلا شبهة وكان الوقت صحوا راكدا لا ريح فيه* قال ابن اسحاق وأقبل أبو جهل يوم بدر يرتجز وهو يقاتل ويقول ما تنقم الحرب العوان منى ... بازل عامين حديث سنّ لمثل هذا ولدتنى أمى وكان أوّل من لقيه فيما ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة قال سمعت القوم وأبو جهل فى مثل الحرجة يقولون أبو الحكم لا يخلص اليه فلما سمعتها جعلته من شأنى فصمدت نحوه فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فو الله ما شبهتها حين طاحت الا بالنواة حين نطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها وضربنى ابنه عكرمة على عاتقى فطرح يدى فتعلقت بجلدة من جنبى وأجهضنى القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومى وانى لا سحبها خلفى فلما آذتنى وضعت عليها قدمى ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها وعاش بعد ذلك معاذ هذا الى زمان عثمان كذا فى الاكتفاء* وفى المواهب اللدنية جاء النبىّ ﷺ يومئذ فيما ذكره القاضى عياض عن ابن وهب معاذ بن عمرو يحمل

стр. 383

يده ضربه عكرمة عليها فتعلقت بجلدة فبصق ﷺ عليها فلصقت وهو مخالف لما قال طرحتها كما مرّ آنفا قال ابن اسحاق ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ثم مرّ بأبى جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمرّ عبد الله بن مسعود بأبى جهل حين أمر رسول الله ﷺ بالتماسه فى القتلى وقد قال ﷺ أنظروا ان خفى عليكم فى القتلى الى أثر جرح فى ركبته فانى ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحشته فى احداهما جحشا لم يزل أثره بها قال عبد الله بن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه قال وقد كان ضبث بى مرّة بمكة فآذانى ولكزنى ثم قلت له هل أخزاك الله يا عدوّ الله قال بماذا أخزانى أعمد من رجل قتلتموه وفى الصحاح قال أبو جهل أعمد من سيد قتله قومه أى هل زاد على هذا قال ابن هشام ويقال أعار على رجل قتلتموه أخبرنى لمن الدبرة اليوم قلت لله ولرسوله قال ابن اسحاق وزعم رجال من بنى مخزوم ان ابن مسعود كان يقول قال لى لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله هذا رأس عدوّ الله أبى جهل فقال آلله الذى لا اله غيره وكانت يمين رسول الله ﷺ قلت نعم والله الذى لا اله غيره ثم ألقيت رأسه بين يديه فحمد الله وخرج مسلم فى صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف قال بينا أنا واقف فى الصف يوم بدر فنظرت عن يمينى وشمالى فاذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما فتمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزنى أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل قلت نعم وما حاجتك اليه يا ابن أخى قال أخبرت انه يسب رسول الله ﷺ والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الاعجل منا قال فتعجبت لذلك فغمزنى الآخر فقال مثلها قال فتعجبت لذلك فما سرّنى انى بين رجلين مكانهما فلم انشب ان نظرت الى أبى جهل يجول فى الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكما الذى تسألانى عنه فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا الى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر فى السيفين فقال كلا كما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء متفق عليه كذا فى الاكتفاء والمشكاة* وفيه ذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ وقف يوم بدر على القتلى فالتمس أبا جهل فلم يجده حتى عرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ فقال اللهمّ لا يعجزن فرعون هذه الامة فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعا بينه وبين المعركة غير كثير مقنعا بالحديد واضعا سيفه على فخذيه ليس به جرح ولا يستطيع أن يحرّك منه عضوا وهو مكب ينظر الى الارض فلما رآه ابن مسعود طاف حوله ليقتله وهو خائف ان ينوء اليه فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن انه مثبت جراحا فأراد أن يضربه بسيفه فخاف أن لا يغنى شيئا فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبى جهل فاستله وهو مكب لا يتحرك ثم رفع سابغة البيضة عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه فلما نظر اليه فاذا هو ليس به جراح وأبصر فى عنقه جدرا وفى بدنه وكتفه مثل آثار السياط فأتى ابن مسعود النبىّ ﷺ فأخبره بقتله والذى رأى به فقال النبىّ ﷺ ذلك ضرب الملائكة* وفى المنتقى فى رواية عن عبد الله بن مسعود قال انتهيت الى أبى جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو صريع وهو يذب الناس عنه بسيف له فقلت الحمد لله الذى أخزاك يا عدوّ الله قال هل أنا الارجل قتله قومه فجعلت أتناوله بسيف لى غير طائل وأصبت يده فندر سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته ثم خرجت حتى أتيت النبىّ ﷺ كأنما أقلّ من الارض فأخبرته فقال

стр. 384

الله الذى لا اله الا هو فردّدها قال قلت الله الذى لا اله الا هو قال فخرج يمشى معى حتى قام عليه فقال الحمد لله الذى أخزاك يا عدوّ الله هذا كان فرعون هذه الامة* وفى الينابيع بينما أبو جهل يجول على فرسه فى المعركة اذ أصابه رمح ملك فى صدره ويقال كان رمح ميكائيل فصرع عن فرسه فرآه عبد الله بن مسعود صريعا فبادر اليه وجلس على صدره ففتح أبو جهل عينه فرآه فقال يا رويعى الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا وقال لمن الدبرة أى الغلبة قال لله ولرسوله يا عدوّ الله قال أنت تقتلنى انما قتلنى الذى لم يصل سنانى سنبك دابته وان اجتهدت فسل عبد الله سيفه ليحتز به رأسه فلم يصنع شيئا وكان سيفا غير طائل فقال أبو جهل خذ سيفى هذا فاحتز به فأخذ سيفه فاجتهد فى سله فلم يقدر عليه فقال أبو جهل ناولنى مقبضه وامسك بجفنه ففعل فلما جرّ بقى الجفن فى يد عبد الله والسيف فى يد أبى جهل صلتا فأهوى به الى رجل عبد الله فجرحه وفى رواية لما قال أبو جهل ناولنى المقبض قال عبد الله يا عدوّ الله تريد بى المكر فناول أبا جهل الجفن وقبض هو بمقبضه فلما جرّد السيف قال له أبو جهل يا عبد الله اذا حززت رأسى فاحتز من أصل العنق ليرى عظيما مهيبا فى عين محمد وقل له ما زلت عدوّ الى سائر الدهر واليوم اشدّ عداوة فلما أتى رسول الله ﷺ عبد الله برأس أبى جهل وأخبره بما قاله أبو جهل قال ﷺ كما انى أكرم النبيين على الله وأمّتى أكرم الامم عند الله كذلك فرعون هذه الامّة أشدّوا غلظ من فراعنة سائر الامم اذ فرعون موسى حين غرق قال آمنت أنه لا اله الا الذى آمنت به بنو اسرائيل وفرعون هذه الامّة ازداد عداوة وكفرا أو كما قال* وفى كنز العباد روى أن رسول الله ﷺ لما أتى برأس أبى جهل يوم بدر وألقى بين يديه سجد لله خمس سجدات شكر الله ولهذا قال الفقهاء يستحب للعبد أن يسجد للشكر اذا اندفعت عنه بلية أو أصابته نعمة وأيضا يعلم من هذا جواز تعدّد السجدة وفى كنز العباد أيضا روى أنه ﷺ قرأ آية السجدة فى سورة انشقت فسجد لله عشر سجدات للشكر لما فيه من الخضوع والتعبد وعليه الفتوى* قال ابن هشام فى سيرته ونادى أبو بكر الصدّيق ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين أين مالى يا خبيث فقال عبد الرحمن عند ذلك لم يبق غير شكة ويعبوب ... وصارم يقتل ضلال الشيب وفى الكشاف دعا أبو بكر ابنه يوم بدر الى البراز وقال لرسول الله ﷺ دعنى أكن فى الرعلة الاولى قال متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم انك عندى بمنزلة سمعى وبصرى وأمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا فى القليب فطرحوا فيه الا ما كان من أمية بن خلف فانه انتفخ فى درعه فملأها فذهبوا ليحرّكوه فتزايل لحمه وتقطعت أوصاله فأقرّوه فى مكانه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة ويقال لما ألقوهم فى القليب وقف عليهم رسول الله ﷺ فقال يا أهل القليب بئس عشيرة النبىّ كنتم لنبيكم كذبتمونى وصدّقنى الناس وأخرجتمونى وآوانى الناس وقاتلتمونى ونصرنى الناس يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فانى قد وجدت ما وعدنى ربى حقا قال له أصحابه يا رسول الله أتكلم أقواما موتى فقال لهم لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وانما قال رسول الله لقد علموا وفى حديث أنس ان المسلمين قالوا لرسول الله ﷺ حين نادى أهل القليب يا رسول الله أتنادى قوما قد جيفوا فقال ما أنتم بأسمع منهم لما أقول ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبونى* وذكر ابن عقبة نحوا من ذلك عن نافع عن عبد الله بن عمر وفى المنتقى باسناد صاحبه الى البخارى أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا فى طوى من أطواء بدر خبيث مخبث وكان اذا

стр. 385

ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه قالوا ما نراه ينطلق الا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركى فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فقال رسول الله ﷺ والذى نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم وفى رواية ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون متفق عليه وزاد البخارى قال قتادة أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما ولله درّ العلامة ابن جابر لقد أحسن حيث قال بدا يوم بدر وهو كالبدر حوله ... كواكب فى أفق الكواكب تنجلى وجبريل فى جند الملائك دونه ... فلم تغن أعداد العدوّ المخذل رمى بالحصى فى أوجه القوم رمية ... فشرّدهم مثل النعام المجفل وجادلهم بالمشرفىّ فسلموا ... فجاد له بالنفس كل مجدّل عبيدة سل عنهم وحمزة فاستمع ... حديثهم فى ذلك اليوم من على هم عتبوا بالسيف عتبة اذ عدا ... فذاق الوليد الموت ليس له ولى وشيبة لما شاب خوفا تبادرت ... اليه العوالى بالخضاب المعجل وجال أبو جهل فحقق جهله ... غداة تردّى بالردى عن تذلل فأضحى قليبا فى القليب وقومه ... يؤمّونه فيها الى شرّ منهل وجاءهم خير الانام موبخا ... ففتح من أسماعهم كل مقفل وأخبر ما أنتم بأسمع منهم ... ولكنهم لا يهتدون لمقول سلا عنهم يوم السلا اذ تضاحكوا ... فعاد بكاء عاجلا لم يؤجل ألم يعلموا علم اليقين بصدقه ... ولكنهم لا يرجعون بمعقل فيا خير خلق الله جاهك ملجئى ... وحبك ذخرى فى الحساب وموئلى عليك صلاة يشمل الآل عرفها ... وأصحابك الاخيار أهل التفضل وفى الاكتفاء ولما أمر رسول الله ﷺ بهم أن يلقوا فى القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب الى القليب فنظر رسول الله ﷺ فى وجه أبى حذيفة بن عتبة فاذا هو كئيب قد تغير فقال يا أبا حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شىء أو كما قال قال لا والله يا رسول الله ما شككت فى أبى ولا فى مصرعه ولكن كنت أعرف من أبى رأيا وعلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجو له أحزننى ذلك فدعا له رسول الله ﷺ وقال له خيرا وكان فى قريش فتية أسلموا ورسول الله ﷺ بمكة فلما هاجر الى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا ثم ساروا مع قومهم الى بدر فأصيبوا بها جميعا فنزل فيهم من القرآن فيما ذكر ان الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأوام جهنم وساءت مصيرا وأولئك الفتية الحارث بن زمعة بن الاسود وأبو قيس بن الفاكه وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وعلىّ بن أمية بن خلف والعاصى بن منبه بن الحجاج ثم ان رسول الله ﷺ أمر بما فى العسكر مما جمع الناس فجمع* واختلف فيه المسلمون فقال من جمعه فهو لنا وقال الذين كانوا يقاتلون العدوّ ويطلبونه والله لولا نحن ما أصبتموه ولنحن شغلنا عنكم العدوّ حتى أصبتم ما أصبتم وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلّى الله

стр. 386

عليه وسلم مخافة أن يخالف العدوّ اليه والله ما أنتم بأحق به منا لقد رأينا أن نقتل العدوّ اذ منحنا الله أكتافهم ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله ﷺ كرّة العدوّ فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا فكان عبادة بن الصامت اذا سئل عن الانفال قال فينا معاشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا فى النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله الى رسول الله ﷺ فقسمه بيننا على بهاء يقول على السواء فكان فى ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله وصلاح ذات البين* وفى الكشاف روى أنه قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر عليك بالعير ليس دونها شىء فناداه العباس وهو فى وثاقه لا يصلح فقال له النبىّ ﷺ لم قال لان الله تعالى وعدك احدى الطائفين وقد أعطاك ما وعدك* قال ابن اسحاق ثم بعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا الى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين وبعث زيد بن حارثة الى أهل السافلة* وفى المواهب اللدنية ولما فرغ رسول الله ﷺ من بدر فى آخر رمضان وأوّل يوم من شوّال بعث زيد بن حارثة بشيرا فوصل المدينة ضحى وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوّينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ خلفنى عليها مع زوجها عثمان وان زيد بن حارثة قد قدم قال فجئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل ابن هشام وزمعة بن الاسود وأبو البخترى بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قلت يا أبت أحق هذا قال نعم والله يا بنىّ ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا الى المدينة ومعه الاسارى من المشركين وهم أربعة وأربعون وفيهم عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث وجعل على النفل عبد الله ابن كعب من بنى مازن ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى اذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سيركجبل كذا فى القاموس فقسم هناك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السوية وتنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار وكان لمنبه بن الحجاج وغنم جمل أبى جهل وكان يغزو عليه وكان يضرب فى لقاحه حتى نحره بالحديبية وفى أنفه برة فضة كما سيجىء ثم ارتحل حتى اذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش ما الذى تهنوننا به فو الله ان لقينا الاعجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال أى ابن أخى أولئك الملأ وحين كان رسول الله ﷺ بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علىّ بن أبى طالب ثم خرج حتى اذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبى معيط* قال ابن اسحاق والذى أسر عقبة عبد الله بن سلمة أحد بنى العجلان وكان كثيرا ما يؤذى رسول الله ﷺ ومن أذيته انه وضع مشيمة جزور وسلاه بين كتفيه حين كان فى الصلاة كما مرّ وحين أمر بقتله قال فمن للصبية يا محمد قال النار فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الافلح فى قول ابن عقبة وابن اسحاق* وقال ابن هشام قتله علىّ بن أبى طالب فيما ذكر ابن شهاب الزهرى وغيره قال ابن اسحاق ولقى رسول الله ﷺ بذلك الموضع أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضى بحميت مملوء حيسا وكان قد تخلف عن بدر ثم شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ كلها وهو كان حجام رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ انما أبو هند امرؤ من الانصار فانكحوه وانكحوا اليه ففعلوا ثم مضى رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم وقد كان فرّقهم بين أصحابه قال استوصوا بالاسارى خيرا وكان أبو عزيز ابن عمير أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه فى الاسارى قال وكنت فى رهط من الانصار حين أقبلوا بى

стр. 387

من بدر فكانوا اذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصونى بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ اياهم بنا ما تقع فى يد رجل منهم كسرة من الخبز الا وقد نفحنى بها قال فأستحيى فأردّها عليه فيردّها علىّ ما يمسها قال ومرّ بى أخى مصعب بن عمير ورجل من الانصار يأسرنى فقال له شدّ يديك به فان أمه ذات متاع لعلها تفديه منك قال ابن هشام وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث فلما قال أخوه مصعب لابى اليسر وهو الذى أسره ما قال قال له أبو عزيز يا أخى هذه وصايتك بى قال انه أخى دونك فسألت أمه عن أعلى ما فدى به قرشى فقيل لها أربعة آلاف درهم فبعثت أربعة آلاف درهم ففدته بها* وذكر قاسم بن ثابت فى دلائله ان قريشا لما توجهت الى بدر مرّ هاتف من الجنّ على مكة فى اليوم الذى وقع بهم المسلمون وهو ينشد بأنفذ صوت ولا يرى شخصه يقول ازار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالا من لؤى وأبرزت ... خرائد يضر بن الترائب حسرا فيا ويح من أمسى عدوّ محمد ... لقد حاد عن قصد الهدى وتحيرا فقال قائلهم من الحنيفيون فقال محمد وأصحابه يزعمون انهم على دين ابراهيم الحنيف ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين وكان أوّل من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعى فقالوا ما وراءك قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وزمعة بن الاسود ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأبو البخترى بن هشام فلما جعل يعدّد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد فى الحجر والله ان يعقل هذا فسلوه عنى قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال ها هو ذاك جالس فى الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ كنت غلاما للعباس ابن عبد المطلب وكان الاسلام قد دخلنا اهل البيت فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم اسلامه وكان ذا مال كثير متفرّق فى قومه وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة كما مرّ فلما جاءه الخبر عن مصاب أهل بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا فى أنفسنا قوّة وعزة وكنت أعمل الاقداح فى حجرة زمزم فو الله انى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أمّ الفضل جالسة وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر اذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ حتى جلس الى طنب الحجرة ظهره الى ظهرى فبينا هو جالس اذ قال الناس هذا ابو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب قد قدم مكة فقال أبو لهب هلم الىّ فعندك لعمرى الخبر فجلس اليه والناس قيام عليه فقال يا ابن أخى اخبرنى كيف كان أمر الناس قال والله ما هو الا أن لقينا القوم فمنحناهم اكتافنا يقتلوننا كيف شاؤا ويأسروننا كيف شاؤا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض والله ما تبقى شيئا ولا يقوم لها شىء قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده وضرب وجهى ضربة شديدة فثاورته فاحتملنى وضرب بى الارض ثم برك علىّ يضربنى وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل الى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فلقت فى رأسه شجة منكرة وقالت أتستضعفه أن غاب عنه سيده فقام موليا فو الله ما عاش الا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته* وذكر محمد بن جرير الطبرى فى تاريخه ان العدسة قرحة كانت العرب تتشاء بها ويرون انها تعدى أشدّ العدوى فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه وبقى بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه فلما خافوا السبة فى تركه حفروا له ثم دفعوه فى حفرته بعود وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه وقال ابن اسحاق فى رواية يونس بن بكير عنه انهم لم يحفروا له ولكن أسندوه الى حائط وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط حتى واروه* وفى رواية بقى بعد

стр. 388

موته ثلاثا لا يحوم حوله أحد حتى أنتن وبعد ذلك استأجروا حمالين سود حتى أخرجوه من مكة وألقوه فى مكان وقاموا يرمونه بالحجارة حتى ملؤه كذا فى المنتقى* ويروى انّ عائشة كانت اذا مرّت بموضعه ذلك غطت وجهها وخرج البخارى فى صحيحه انّ أبا لهب رآه بعض أهله فى المنام بشرخيبة أى حالة فقال ما لقيت بعدكم راحة غير انى سقيت فى مثل هذه وأشار الى النقرة بين السبابة والابهام بعتقى ثويبة وقد مرّ فى الركن الاوّل فى ارضاع ثويبة* فائدة روى عن الفقيه اسماعيل الحضرمى أنه لما حج الى مكة سأل الشيخ محب الدين الطبرى عن القبرين اللذين يرجمان فى أسفل مكة عند جبل البكاء فأجاب الشيخ محب الدين بأن القبرين المرجومين قصتهما أنه أصبح البيت يوما فى دولة بنى العباس ملطخا بالعذرة فرصدوا الفاعل لذلك فمسكوهما بعد أيام فبعث أمير مكة الى أمير المؤمنين فى شأنهما فأمر بصلبهما فصلبا فى هذا الموضع فصارا يرجمان الى الآن كذا فى البحر العميق فما هو المشهور عند أهل مكة من أنهم يقولون انه قبر أبى لهب ليس له أصل* قال ابن اسحاق ناحت قريش على قتلاهم شهرا ثم قالوا لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا فى أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه فى الفداء قال وكان الاسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة وعقيل ابناه والحارث بن زمعة وهو ابن ابنه وكان يحب أن يبكى عليهم فسمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره انظر هل أحل النحب وهل بكت قريش على قتلاها لعلى أبكى على أبى حكيمة يعنى زمعة فان جوفى قد احترق فلما رجع اليه الغلام قال انما هى امرأة تبكى على بعير لها أضلته قال فذاك حين يقول الاسود أتبكى أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود فلا تبكى على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود وقد كان رسول الله ﷺ دعا على الاسود بن المطلب هذا بأن يعمى الله بصره ويثكله ولده فاستجيب له وفق دعائه سيق العمى الى بصره أوّلا ثم أصيب يوم بدر بمن سمى آنفا من ولده فتمت اجابة الله سبحانه رسوله فيه وكان فى الاسارى أبو وداعة بن صبيرة السهمى فقال رسول الله ﷺ ان له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال فكأنكم به قد جاء فى طلب فداء أبيه فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن ابى وداعة وهو الذى كان رسول الله ﷺ عنى صدقتم لا تعجلوا وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم ثم بعثت قريش فى فداء الاسارى فقدم مكرز بن حفص بن الاحنف فى فداء سهيل بن عمرو وكان الذى أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم بن عوف فلما قاولهم فيه مكرز فانتهى الى رضاهم قالوا هات الذى لنا قال اجعلوا رجلى مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث اليكم بفدائه فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرز امكانه عندهم وكان سهيل قد قام فى قريش خطيبا عند ما استنفرهم أبو سفيان فقال يا آل غالب أتاركون أنتم محمدا والصبأة من أهل يثرب يأخذون عيرانكم وأموالكم من أراد مالا فهذا مالى ومن أراد قوّة فهذه قوّة فيروى أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله ﷺ لما أسر سهيل يوم بدر يا رسول الله انزع ثنيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا فى موطن أبدا فقال رسول الله ﷺ لا أمثل به فيمثل الله بى وان كنت نبيا وانه عسى أن يقوم مقاما لا نذمه فصدق الله رسوله وكان لسهيل بعد وفاته ﵇ فى تثبيت أهل مكة على الايمان مقام وكان عمرو بن أبى سفيان بن حرب أسيرا فى يدى رسول الله ﷺ من أسارى بدر قال ابن هشام أسره على بن أبى طالب فقيل لابى سفيان بن حرب افد عمرا ابنك فقال أيجمع على

стр. 389

دمى ومالى قتلوا حنظلة وأفدى عمروا دعوه فى أيديهم يمسكونه ما بدا لهم فبينا هو كذلك محبوس فى المدينة عند رسول الله ﷺ اذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بنى عمرو بن عوف معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا مسلما فى غنم له بالبقيع فخرج من هناك معتمرا ولا يخشى الذى صنع به لم يظنّ أنه يحبس بمكة انما جاء معتمرا وقد كان فى عهد قريش لا يتعرّضون لاحد جاء حاجا أو معتمرا الا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو ومشى بنو عمرو بن عوف الى رسول الله ﷺ فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفكوا به صاحبهم ففعل رسول الله ﷺ فبعثوا به الى أبى سفيان فخلى سبيل سعد وكان فى الاسارى العباس ابن عبد المطلب أسره أبو اليسر كعب بن عمرو الانصارى وكان رجلا صغير الجثة وكان العباس رجلا عظيما جسيما قويا فقال النبىّ ﷺ لابى اليسر كيف أسرته قال أعاننى عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده فقال لقد أعانك عليه ملك كريم* وفى الصفوة لما كانت أسارى بدر كان فيهم العباس فسهر النبىّ ﷺ ليلته فقال له بعض أصحابه ما يسهرك يا نبىّ الله قال أنين العباس فقام رجل من المقوم فأرخى من وثاقه فقال رسول الله ما بالى ما أسمع أنين العباس فقال رجل من القوم انى أرخيت من وثاقه شيئا قال فافعل ذلك بالاسارى كلهم* فقال النبىّ ﷺ للعباس افد نفسك وابنى أخيك عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن جحدم فانك ذو مال قال انى كنت مسلما ولكن القوم استكرهونى قال الله أعلم باسلامك ان يك ما ذكرت حقا فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا وكان العباس أحد العشرة الذين ضمنوا اطعام أهل بدر ونحر كل منهم يوم نوبته عشرة من الابل وكان حمل معه عشر بن أوقية من الذهب ليطعم بها الناس وكان يوم بدر نوبته فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية معه فأخذت منه حين أخذ وأسر فى الحرب فكلم النبىّ ﷺ أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال أما شىء خرجت لتستعين به علينا فلا أتركه لك* وفى رواية لما قال العباس احسبها فى فدائى قال ﷺ لا فان ذلك شىء أعطاناه الله منك وكلفه فداء ابنى أخيه وحليفه قال تركتنى أتكفف قريشا ما بقيت فقال رسول الله ﷺ فأين الذهب الذى دفعته الى امّ الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها انى لا أدرى ما يصيبنى فى وجهى هذا فان حدث بى حدث فهذه لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل ولقثم يعنى بنيه فقال له العباس وما يدريك قال أخبرنى به ربى ﷻ فقال له العباس أشهد أنك صادق وأن لا اله الا الله وانك عبده ورسوله كذا فى معالم التنزيل* وفى المنتقى لما كلفه ﵇ بالفداء ولم يحسب الذهب المأخوذ منه قال العباس فليس لى مال قال فأين مالك الذى وضعته عند امّ الفضل بمكة حين خرجت وليس معكما أحد ثم قلت ان أصبت فى سفرى هذا فالفضل كذا وكذا ولعبد الله كذا وكذا ولقثم كذا وكذا ولعبيد الله كذا وكذا قال والذى بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيرى وغيرها وانى لاعلم انك رسول الله ففدى نفسه وابنى أخيه وحليفه وفى العباس نزلت يأيها النبىّ قل لمن فى أيديكم من الاسرى ان يعلم الله فى قلوبكم خيرا أى ايمانا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم من الفداء ويغفر لكم والله غفور رحيم قال العباس فأبدلنى الله عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير وأدناهم بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية وأعطانى زمزم وما أحب أن لى بها جميع أموال مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربى* وفى المواهب اللدنية ذكر موسى ابن عقبة أن فداءهم كان أربعين أوقية ذهب وعند أبى نعيم فى الدلائل باسناد حسن من حديث ابن عباس أنه جعل على العباس مائة أوقية وعلى عقيل ثمانين اوقية فقال له العباس أللقرابة صنعت هذا

стр. 390

فأنزل الله تعالى يأيها النبىّ قل لمن فى أيديكم من الاسرى الآية قال العباس وددت ان كنت أخذ منى اضعافها لقوله يؤتكم خيرا مما اخذ منكم وكان فى الاسارى أيضا أبو العاصى بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله ﷺ زوج ابنته زينب وكان ﵇ يثنى عليه فى صهره خيرا وكان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة وهو ابن اخت خديجة هالة بنت خويلد وخديجة سألت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحى أن يزوّجه وكان لا يخالفها فزوّجه وكانت تعده بمنزلة ولدها فلما أكرم الله رسوله ﷺ بنبوّته آمنت به خديجة وبناته فصدّقنه ودنّ بدينه وشهدن ان الذى جاء به هو الحق وثبت أبو العاصى على شركه فلما بادى رسول الله ﷺ قريشا بأمر الله وبالعداوة قالوا انكم قد فرّغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهنّ فمشوا الى أبى العاصى فقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوجك أية امرأة من قريش شئت قال لاها الله اذا لا أفارق صاحبتى وما أحب ان لى بها امرأة من قريش ثم مشوا الى عتبة بن أبى لهب وكان رسول الله قد زوّجه رقية أو امّ كلثوم كذا فى سيرة ابن هشام واكتفاء الكلاعى وهو مخالف لما فى ذخائر العقبى للطبرى وغير ذلك من كتب السير من أن رقية كانت عند عتبة وامّ كلثوم كانت عند عتيبة ابنى أبى لهب فقالوا لعتبة طلق ابنة محمد ونحن ننكحك أية امرأة من قريش شئت فقال ان زوّجتمونى ابنة أبان بن سعيد بن العاصى أو ابنة سعيد بن العاصى فارقتها ففعلوا وفعل ولم يكن دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها وهو اناله وخلف عليها عثمان بن عفان وكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الاسلام قد فرق بين زينب ابنته وبين أبى العاصى الا أنه كان لا يقدر ان يفرّق بينهما فأقامت معه على اسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله ﷺ فلما سارت قريش الى بدر سار فيهم أبو العاصى فاصيب فى الاسارى فكان فى المدينة عمد رسول الله ﷺ فلما بعث أهل مكة فى فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فى فداء أبى العاصى بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاصى حين بنى بها فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة وقال ان رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذى لها فافعلوا قالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردّوا عليها مالها وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أن يخلى سبيل زينب اليه أو وعده أبو العاصى بذلك أو شرطه عليه رسول الله ﷺ فى اطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله ﷺ فيعلم ما هو الا انه لما خرج أبو العاصى الى مكة وخلى سبيله بعث رسول الله ﷺ خلفه زيد بن حارثة ورجلا من الانصار فقال كونا ببطن يأجج حتى تمرّ بكما زينب فتصحباها حتى تأتيانى بها فخرجا وذلك بعد بدر بشهر أو سبعة فلما قدم أبو العاصى أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز حالها قالت زينب بينا أنا أتجهز بمكة لقيتنى هند ابنة عتبة فقالت يا ابنة محمد ألم يبلغنى انك تريدين اللحوق بأبيك قلت ما أردت ذلك قالت أى ابنة عمّ لا تفعلى ان كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك فى سفرك أو بمال تتبلغين به الى أبيك فان عندى حاجتك فلا تخفين منى فانه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال قالت زينب فو الله ما أراها قالت ذلك الا لتفعل ولكنى خفتها فأنكرت أن أكون اريد ذلك ولما فرغت بنت رسول الله ﷺ من جهازها قدّم اليها حموها كنانة ابن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهى فى هودج لها وتحدث بذلك رجال قريش فخرجوا فى طلبها حتى أدركوها بذى طوى فكان أوّل من سبق اليها هبار بن الاسود بن المطلب الفهرى فروّعها هبار بالرمح وهى فى هودجها وكانت حاملا فلمّا
следующие страницы →