← Сира

Сира · id 9784

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

الديار بكري

Полный текст (908 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

اليه فقالوا يا رسول الله ما كان لنا ان نخالفك فاصنع ما بدا لك* وفى الوفاء امكث كما امرتنا فقال ما ينبغى لنبى اذا اخذ لأمة الحرب ان يرجع حتى يقاتل* وفى رواية أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل أو قال يحكم الله بينه وبين اعدائه فامضوا على اسم الله فلكم النصران صبرتم فدعا بثلاثة ارماح فعقد ثلاثة ألوية فدفع لواء الاوس الى أسيد بن حضير ولواء الخزرج الى حباب بن المنذر بن الجموح وقيل الى سعد بن عبادة ولواء المهاجرين الى علىّ بن ابى طالب وفى رواية الى مصعب بن عمير واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم للصلاة كذا فى سيرة ابن هشام وقيل ابن أبى مكرز ثم ركب فرسه السكب وتوجه الى أحد* وفى الوفاء فخرج بهم وهم الف رجل ويقال تسعمائة ليس معهم فرس* وفى الوفاء أيضا عن الاقشهرى مع النبى ﷺ فرسه وفرس لابى بردة بن نيار وكان المشركون ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة كما مر* وقال المطرى خرج النبى ﷺ مع الناس على الحرة الشرقية حرة واقم وبات بالشيخين موضع بين المدينة وأحد على الطريق الشرقى مع الحرة الى جبل أحد وغد اصبح يوم السبت الى أحد* وفى خلاصة الوفاء شيخان بلفظ تثنية شيخ أطمان بجهة الوالج سميا بشيخ وشيخة كانا هناك بفضائها مسجد رسول الله ﷺ صلّى به فى مسيره لاحد وعسكر هناك تلك الليلة* ويؤخذ مما نقل ابن سيد الناس عن ابن اسحاق ومما رواه الطبرى أنهم خرجوا من ثنية الوداع شامى المدينة* وفى الوفاء روى الطبرانى فى الكبير والاوسط برجال ثقات عن ابى حميد الساعدى ان النبى ﷺ خرج يوم احد حتى اذا جاوز ثنية الوداع فاذا هو بكتيبة خشناء فقال من هؤلاء قالوا عبد الله بن أبىّ ابن سلول فى ستمائة من مواليه اليهود فقال وقد أسلموا قالوا لا يا رسول الله قال مروهم فليرجعوا فانا لا نستعين بالمشركين على المشركين* وفى الكشاف ومعالم التنزيل خرج رسول الله ﷺ فى الف وقيل فى تسعمائة وخمسين وفيهم مائة دارع وخرج السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة مسلحين أمامه يعدوان والناس عن يمينه وعن يساره فمضى حتى اذا كان بالشيخين وهما أطمان التفت فنظر الى كتيبة خشنة لها زجل فقال ما هذه قالوا حلفاء ابن ابىّ من يهود فقال ﵇ لا تستنصروا بأهل الشرك وفى ذلك الموضع أى بالشيخين عرض عسكره وردّ من استصغره مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت واسامة بن زيد وزيد بن الارقم والبراء بن عازب وعمرو بن حزم واسيد بن ظهير وعرابة بن أوس وابى سعيد الخدرى اسمه سعد بن مالك بن سنان الخدرى وسمرة بن جندب ورافع بن خديج ردّهم يوم أحدوهم أبناء اربع عشرة سنة ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة ولما امر بردّ هؤلاء الى المدينة لصغر سنهم قال خديج يا رسول الله ان ابنى رافعا رام وكان رافع يومئذ يتطاول من الشغف على الخروج فأذن له فيه فقال سمرة بن جندب لزوج أمه مرّة بن سنان أذن لرافع وردّنى وانا أصرعه فأمرهما رسول الله ﷺ بالمصارعة فصرع سمرة رافعا فأذن له أيضا فى الخروج ولما غربت الشمس أذن بلال المغرب فصلوها بالجماعة وباتوا ليلتئذ بالشيخين وعين لحراسة الجيش تلك الليلة محمد بن مسلمة فى خمسين رجلا يطوفون بالجيش وعين المشركون لحراسة جيشهم عكرمة بن ابى جهل فى جماعة يحرسونهم* روى ان رسول الله ﷺ بعد ما صلّى العشاء قال من يحرسنا الليلة فقام رجل وقال أنا يا رسول الله قال من أنت قال ذكوان قال اجلس فجلس ثم قال من يحرسنا الليلة فقام رجل وقال أنا يا رسول الله قال من أنت قال أبو سبع قال اجلس فجلس ثم قال من يحرسنا الليلة فقام الرجل وقال أنا يا رسول الله فقال له من أنت قال ابن عبد القيس قال اجلس فجلس فمكث غير بعيد حتى أمر بقيام هؤلاء الثلاثة فقام ذكوان وحده

стр. 422

فسأله عن صاحبيه فقال يا رسول الله أنا كنت المجيب فى كل مرة قال اذهب حفظك الله فلبس ذكوان لأمته واخذ قوسه وحمل سلاحه وترسه فكان يطوف بالعسكر ويحرس خيمة رسول الله ﷺ ولما كان السحر استيقظ رسول الله ﷺ وقال من رجل يخرج بنا على القوم من كثب أى من قرب ومن طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة أنا يا رسول الله فركب رسول الله ﷺ فرسه فأدلج فى السحر وسلك فى حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلب سيف فاستله ويقال كلاب سيف فقال رسول الله ﷺ وكان يحب الفال ولا يعتاف يا صاحب السيف شم سيفك فانى أرى السيوف ستسل اليوم ثم نفذ به دليله أبو خيثمة فى حرة بنى حارثة وبين اموالهم حتى سلك فى مال لمربع بن قبطى وكان منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله ﷺ ومن معه قام يحثى فى وجوهم التراب ويقول ان كنت رسول الله فانى لا أحل لك حائطى* وذكر انه أخذ حفنة من تراب ثم قال والله لو أعلم انى لا اصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدر اليه القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ لا تقتلوه فهذا الاعمى أعمى القلب واعمى البصر ومضى رسول الله ﷺ * وفى الكشاف ولما بلغ الشوط اختزل ابن أبىّ فى ثلثمائة من أهل النفاق* وفى رواية أمرهم بالانصراف لكفرهم بمكان يقال له الشوط* وفى رواية اعتزل ابن أبى من الشيخين ورجع فقال محمد عصانى وأطاع الولدان ما ندرى علام نقتل أنفسناها هنا أيها الناس ارجعوا فرجع بمن تبعه من قومه من أهل النفاق والريب* وفى معالم التنزيل اعتزل بثلث الناس وقال علام نقتل أنفسنا واولادنا* وفى سيرة ابن هشام وتبعهم عمرو بن حزم الانصارى أحد بنى سلمة وقال أنشدكم الله فى نبيكم وأنفسكم فقال ابن أبىّ لو نعلم قتالا لا تبعناكم ولو أطعتنا لرجعت معنا* وفى سيرة ابن هشام يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوّهم قالوا لو نعلم انكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبوا الا الانصراف قال أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى الله عنكم نبيه فبقى رسول الله ﷺ فى سبعمائة من أصحابه* وفى الوفاء فلما رجع عبد الله بن أبىّ سقط فى أيدى طائفتين من المؤمنين وهما بنو حارثة وبنو سلمة قال الله تعالى اذهمت طائفتان منكم أن تفشلا الآية* وفى الكشاف وأصبح بشعب أحد يوم السبت ونزل فى عدوة الوادى وفى معالم التنزيل للنصف من شوّال سنة ثلاث من الهجرة* وفى الوفاء لما انتهى ﷺ الى موضع القنطرة حانت الصلاة فصلى بهم الصبح صفوفا عليهم سلاحهم* قال مجاهد والكلبى والواقدى غدا رسول الله من منزل عائشة على رجليه الى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوّم القدح* وفى الاكتفاء مضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد فجعل ظهره وعسكره الى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع فى زروع كانت للمسلمين فقال رجل من الانصار أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب* وتعبى رسول الله ﷺ للقتال وهو فى سبعمائة رجل فجعل عكاشة بن محصن الاسدى على الميمنة وأبا سلمة بن عبد الاسد على الميسرة وأبا عبيدة عامر بن الجرّاح وسعد بن أبى وقاص على المقدّمة ومقداد بن عمرو على الساقة فجعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين وهو جبل على شفير قناة قبلى مشهد حمزة عن يساره وكانت فيه ثغرة فأقام عليها خمسين رجلا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف وهو معلم بثياب بيض فقال انضح الخيل عنا لا يأتونا من خلفنا ان كانت لنا أو علينا فاثبت فى مكانك لا نؤتين من قبلك* وفى رواية قال لهم ان رأيتمونا تختطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل اليكم وان رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل اليكم كذا فى البخارى

стр. 423

من حديث البراء* وفى حديث ابن عباس عند الطبرانى والحاكم انه ﷺ أقامهم فى موضع ثم قال احموا ظهورنا فان رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وان رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وظاهر رسول الله بين درعين ودفع اللواء الى مصعب بن عمير من بنى عبد الدار وكان شعار رسول الله ﷺ يوم أحد أمت أمت فيما قاله ابن هشام وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل وأمروا على الخيل صفوان بن أمية وعمرو بن العاص وعلى الرماة عبد الله بن ربيعة وكانوا مائة رام ودفعوا اللواء الى طلحة ابن أبى طلحة وكان معه يوم بدر وجعلوا شعارهم يالعزى يالهبل ونقل الاقشهرى أن ابا سفيان بن حرب قال يومئذ لبنى عبد الدار انكم ضيعتم اللواء يوم بدر فأصابنا ما رأيتم فادفعوا اللواء الينا نكفكم وانما أراد تحريضهم على القتال والثبات فغضبوا وأغلظوا له* وفى الاكتفاء قال لهم يا بنى عبد الدار انكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وانما يؤتى الناس من قبل راياتهم اذا زالت زالوا فاما أن تكفونا لواءنا واما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوا وقالوا أنحن نسلم اليك لواءنا ستعلم غدا اذا التقينا كيف نصنع وذلك ما أراد أبو سفيان* وفى المواهب اللدنية ثم صف المسلمون بأصل احد وصف المشركون بالسبخة قاله ابن عقبة فسأل رسول الله ﷺ عمن يحمل لواء المشركين قيل عبد الدار قال نحن احق بالوفاء منهم أين مصعب بن عمير فقال ها أنا قال خذ اللواء فأخذه وكان يمشى أمام رسول الله* وفى معالم التنزيل فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل ومعهم النساء يضر بن بالدفوف والاكبار ويحرّضن ويرتجزن ويقلن نحن بنات طارق ... نمشى على النمارق مشى القطا النوانق ... الدرّ فى المخانق والمسك فى المفارق ... ان تقبلوا نعانق ونفرش النمارق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة فى النسوة اللاتى معها وأخذن الدفؤف يضر بن بها خلف الرجال ويحرّضنهم فقالت هند فيما تقول ويها بنى عبد الدار ... ويها حماة الادبار ضربا بكل بتار وتقول ان تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق وفى المنتقى وكان اوّل من أنشب الحرب ورمى بالسهم فى وجوه المسلمين ابو عامر الراهب طلع فى خمسين رجلا من قومه فنادى أنا أبو عامر فقال المسلمون لامر حبابك ولا أهلا يا فاسق فتراموا حتى ولى مدبرا* وفى الوفاء كان أبو عامر الراهب من الاوس خرج عن قومه الى مكة مباعدا لرسول الله ﷺ وكان يعد قريشا أن لو لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان فلما التقى الناس كان اوّل من لقيهم هو فى الاحابيش وعبدان أهل مكة فنادى يا معشر الاوس أنا ابو عامر قالوا فلا انعم الله بك عينا يا فاسق وبذلك سماه رسول الله وكان يسمى فى الجاهلية الراهب فلما سمع ردّهم عليه قال لقد أصاب قومى بعدى شرّ ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم بالحجارة* وفى الاكتفاء فاقتتل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة حتى أمعن فى الناس وقد كان رسول الله ﷺ أخذ سيفا بيده وكان مكتوبا فى احدى صفحتيه فى الجبن عار وفى الاقبال مكرمة ... والمرء بالجبن لا ينجو من القدر وقال من يأخذ هذا السيف بحقه فطلبه ناس فلم يعطهم اياه* وفى الينابيع طلبه أبو بكر وعمر وعلى فلم يعطهم اياه فقال أبو دجانة ما حقه يا رسول الله قال أن تضرب به فى العدوّ حتى ينحنى فقال أنا آخذه

стр. 424

بحقه فأخذه ثم أهوى الى ساق حفه فأخرج منها عصابة حمراء وعصب بها رأسه وكان مكتوبا فى أحد طرفيها نصر من الله وفتح قريب وفى طرفها الآخر الجبانة فى الحرب عار ومن فرّ لم ينج من النار وفى الاكتفاء قام اليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام اليه أبو دجانة سماك بن خرشة الانصارى وقال ما حقه يا رسول الله قال ان تضرب به فى العدوّ حتى تثخن* وفى رواية ينحنى قال يا رسول الله أنا آخذه بحقه فأعطاه اياه وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان اذا علم بعصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس انه سيقاتل فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه وجعل يتبختر بين الصفين فقال رسول الله حين رآه يتبختر انها المشية يبغضها الله الا فى مثل هذا الموطن وكان الزبير بن العوام قد سأل رسول الله ذلك السيف مع من سأله ومنعه اياه قال وجدت فى نفسى حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه وأعطاه ابا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت اليه وسألته اياه قبله فأعطاه اياه وتركنى والله لا نظرن ما يصنع أبو دجانة فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الانصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كانت تقول له اذا تعصب بها فخرج وهو يقول أنا الذى عاهدنى خليلى ... ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا اقوم الدهر فى الكبول ... اضرب بسيف الله والرسول الكيول بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية مؤخر الصفوف وهو فيعول من كال الزند كيلا اذا كبا ولم يخرج نارا فشبه مؤخر الصفوف به لان من فيه لا يقاتل قال أبو عبيدة لم يسمع الا فى هذا الحديث فجعل لا يلقى أحدا من المشركين الا قتله* وفى سح السحابة وقاتل به حتى انقطع فى يده انتهى وكان فى المشركين رجل لا يدع جريجا الا ذفف عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتفاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته قد حمل على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها قال الزبير قلت الله أعلم ورسوله قال أبو دجانة رأيت انسانا يحمش الناس حمشا شديدا فصمدت اليه فلما حملت عليه السيف ولول فاذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله ﷺ ان اضرب به امرأة* وفى الوفاء عن الزبير بن العوّام أنه قال خرج أبو دجانة بعد ما أخذ السيف فاتبعته فجعل لا يمرّ بشىء الا أفراه وهتكه حتى أتى لنسوة فى سفح الجبل ومعهنّ هند وهى تقول نحن بنات طارق الى آخر ما ذكرنا تغنى وتحرّض المشركين بذلك فحمل عليها فنادت بالصحرات فلم يجبها أحد فانصرف عنها قال الزبير فقلت له كلّ سيفك رأيته فأعجبنى غير انك لم تقتل المرأة قال فانها نادت فلم يجبها أحد فكرهت أن أضرب بسيف رسول الله ﷺ امرأة لا ناصر لها قال وغلب رماة المسلمين على المشركين ورشقوا خيلهم بالنبل حتى ولوا هاربين من خيلهم فصاح طلحة بن أبى طلحة وهو صاحب لواء قريش فقال من يبارزنى فبرز له على بن أبى طالب فلما التقيا بين الصفين ضربه علىّ بالسيف على هامته ففلقها الى المخ* وفى رواية قتله مصعب بن عمير وهو كبش الكتيبة فسر بذلك رسول الله ﷺ وكبر المسلمون ثم شدّوا على المشركين فحمل لواءهم أخو طلحة عثمان بن أبى طلحة فضربه حمزة بالسيف على عاتقه فقطع يده وكتفه حتى انتهى الى مؤتزره فرجع حمزة وهو يقول أنا ابن ساقى الحجيج* وفى سيرة ابن هشام وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاه بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ثم مرّ به سباع ابن عبد العزى الغبشانى وكان يكنى بأبى نيار فقال له حمزة هلم الىّ يا ابن مقطعة البظور وكانت أمّه

стр. 425

أمّ انمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفى ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله قال وحشى غلام جبير بن مطعم والله انى لا نظر الى حمزة يهد الناس بسيف ما يبقى شيئا مثل الجمل الاورق اذ تقدّمنى اليه سباع فقال حمزة هلم الىّ يا ابن مقطعة البظور فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه وهززت حربتى حتى اذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فى ثنته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوى فغلب فوقع فأمهلته حتى اذا مات جئت فأخذت حربتى ثم تنحيت الى العسكر ولم يكن لى بشىء حاجة غيره* وفى الاكتفاء وكان جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيا بالعتق ان قتل حمزة بعمه طعيمة بن عدى المقتول يوم بدر وكان وحشى يحسن قذف الحربة قذف الحبشة وقلما يخطئ بها شيئا واستتر يومئذ وحشى بشجرة أو حجر حتى مرّ عليه حمزة بعد قتله سباع بن عبد العزى الخزاعى الغبشانى فرماه وحشى بالحربة فقتله وتركه حتى مات ثم أتاه وأخذ حربته وشق بطنه وأخرج كبده وذهب بها الى هند بنت عتبة وقال لها هذه كبد حمزة قاتل أبيك فأخذتها ومضغتها فلم تقدر أن تسيغها فلفظتها وأعطته ثوبها وحليها ووعدته عشرة دنانير بمكة ثم قالت له أرنى مصرعه فأراها اياه فمثلت به وقطعت مذاكيره وذهبت بها الى مكة فلما قدم وحشى مكة عتق ثم أقام بمكة حتى اذا افتتح رسول الله ﷺ مكة هرب الى الطائف فكان بها فلما خرج وفد الطائف الى رسول الله ليسلموا تغيبت عليه المذاهب فقال له رجل ويحك انه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل دينه فخرج مع وفدهم حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة فشهد شهادة الحق فلما رآه قال أوحشى قال نعم يا رسول الله قال اقعد فحدّثتى كيف قتلت حمزة فحدّثه فلما فرغ قال ويحك غيب عنى وجهك فكان ﵇ يتنكبه حيث كان لئلا يراه حتى قبضه الله فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب خرج معهم قال وأخذت حربتى التى قتلت بها حمزة فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما فى يده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الانصار من الناحية الاخرى كلانا نريده فهززت حربتى حتى اذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه فشدّ عليه الانصارى فضربه بالسيف فالله أعلم أينا قتله فان كنت قتلته وقد قتلت خير الناس بعد رسول الله فقد قتلت شرّ الناس* ذكر ابن اسحاق باسناده الى عبد الله بن عمر وكان شهد اليمامة قال سمعت يومئذ صارخا يقول قتله العبد الاسود* قال ابن اسحاق فبلغنى ان وحشيا لم يزل يحد فى الخمر حتى خلع عن الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول قد علمت انّ الله لم يكن ليدع قاتل حمزة* وعن الزهرى عن شيبة بن عثمان بن أبى طلحة انّ طلحة بن عثمان أخا شيبة أيضا قتل فى أحد كذا فى معالم التنزيل* وفى الوفاء قال ابن عقبة وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار فبارز طلحة بن عثمان من بنى عبد الدار فقتله* قال ابن اسحاق وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل وكان الذى قتله ابن قمئة الليثى وهو يظنّ انه رسول الله* وفى الكشاف أقبل ابن قمئة يريد قتل رسول الله فذب عنه مصعب بن عمير فقتله ابن قمئة* وفى المنتقى كان لواء رسول الله ﷺ الاعظم لواء المهاجرين معه يوم بدر ويوم أحد أيضا ولما جال المسلمون أقبل ابن قمئة وهو فارس فضرب يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل فأخذ اللواء بيده اليسرى فقطعها ابن قمئة فحنى على اللواء وضمه بعضديه الى صدره وهو يقول وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل وما كانت هذه الآية نازلة بعد فنزلت ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه فاندق الرمح ووقع مصعب صريعا فابتدر اليه رجلان من بنى عبد الدار سويبط ابن سعد وأبو الروم بن عمير أخو مصعب فأخذه أبو الروم فلم يزل فى يده حتى دخل المدينة* وفى رواية لما قتل مصعب أخذ اللواء ملك فى صورة مصعب فجعل رسول الله ﷺ يقول له فى آخر

стр. 426

النهار تقدم يا مصعب فالتفت اليه الملك وقال لست بمصعب فعرف رسول الله انه ملك أيد به فوقف رسول الله ﷺ على مصعب فقرأ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وقتل مصعب وهو ابن أربعين سنة* وفى سيرة ابن هشام قال محمد ابن اسحاق لما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواء على بن أبى طالب وقاتل علىّ فى رجال من المسلمين* وقال ابن هشام حدّثنى سلمة بن علقمة المازنى قال لما اشتدّ القتال يوم أحد جلس رسول الله ﷺ تحت راية الانصار وأرسل الى علىّ بن أبى طالب ان قدّم الراية فتقدّم علىّ فقال أنا أبو القصم ويقال الفصم بالقاف والفاء فيما قاله ابن هشام فناداه ابو سعيد بن أبى طلحة وهو صاحب لواء المشركين ان هل لك يا أبا القصم فى البراز من حاجة فقال نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه علىّ فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه فقال له أصحابه أفلا أجهزت عليه قال انه استقبلنى بعورته فعطفتنى عليه الرحم فعرفت انّ الله قتله ويقال ان ابا سعيد خرج من بين الصفين وطلب من يبارزه مرارا فلم يخرج اليه أحد فقال يا أصحاب محمد زعمتم ان قتلاكم فى الجنة وقتلانا فى النار كذبتم واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج الىّ بعضكم فخرج اليه علىّ فاختلفا ضربتين فقتله علىّ* قال ابن اسحاق ان سعد بن أبى وقاص هو الذى قتل أبا سعيد هذا كذا فى سيرة ابن هشام والاكتفاء والمنتقى وفى بعض الكتب كيفية قتله ان سعد بن ابى وقاص رماه بسهم فلم يخطئ حنجرته حتى خرج لسانه فمات ثم حمل لواءهم مسافع بن أبى طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبى الافلح فقتله وأخاه الجلاس بن طلحة كلاهما يشعره سهما وأرثت مسافع الى أمّه سلافة بنت سعد وكانت فى العسكر فوضع رأسه فى حجرها فقالت يا بنىّ من اصابك قال لا أدرى الا أنى سمعت رجلا يقول حين رمانى خذها وأنا ابن أبى الافلح فنذرت ان أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب الخمر فى قحفه وجعلت لمن يأتيها برأسه مائة ناقة وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا فتمم الله له ذلك حيا وميتا كما سيجىء ثم حمل لواءهم الحارث بن ابى طلحة فرماه عاصم أيضا فقتله كذا فى المنتقى* وفى سيرة ابن هشام انّ عاصم بن ثابت قتل مسافعا وأخاه الجلاس كما سبق* وفى المنتقى قتل الجلاس طلحة بن عبيد الله ثم حمل لواءهم كلاب بن طلحة فقتله الزبير بن العوّام ثم حمل اللواء أرطاه بن شرحبيل بن هاشم ابن عبد مناف فقتله حمزة وقيل علىّ ثم حمل اللواء شريح بن فارض فقتله بعض المسلمين ثم حمل اللواء صواب غلام حبشى لبنى طلحة فقتله سعد بن أبى وقاص وقيل علىّ بن أبى طالب وقيل قزمان وهو أثبت الاقوال* وفى رواية حملت اللواء عمرة بنت علقمة كما سيجىء* قال ابن اسحاق قتل اصحاب لواء المشركين وهم سبعة يأخذه واحد بعد واحد وقال غيره وهم أحد عشر آخرهم غلام حبشى لبنى طلحة اسمه صواب قال ابن اسحاق والتقى يومئذ حنظلة بن ابى عامر غسيل الملائكة وابو سفيان بن حرب فلما استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الاسود بن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شدّاد فقتله فقال رسول الله ﷺ ان صاحبكم يعنى حنظلة لتغسله الملائكة فسلوا اهله ما شأنه فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حسين سمع الهائعة فقال رسول الله لذلك غسلته الملائكة* وفى الصفوة ان حنظلة ابن ابى عامر الراهب كان من خيار المسلمين استأذن رسول الله ﷺ أن يقتل أباه فنهاه عن قتله وتزوّج جميلة بنت عبد الله بن ابى بن سلول فأدخلت عليه فى الليلة التى فى صبيحتها كان قتال أحد وكان قد استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت عندها فأذن له فلما صلّى الصبح غدا يريد النبىّ بأحد ثم مال الى جميلة فأجنب منها وكانت قد ارسلت الى اربعة من قومها فأشهدتهم انه قد دخل بها فقيل لها فى ذلك فقالت رأيت كأن السماء فرجت له فدخل فيها ثم اطبقت فقلت هذه

стр. 427

الشهادة وقد علقت بعبد الله بن حنظلة فأخذ حنظلة سلاحه فلحق بالنبىّ ﷺ وهو يسوّى الصفوف فلما انكشف المسلمون اعترض حنظلة ابا سفيان بن حرب فضرب عرقوب فرسه فوقع ابو سفيان ثم تحمل رجل منهم على حنظلة قأنفذه بالرمح فقال رسول الله رأيت الملائكة تغسل حنظلة ابن ابى عامر بين السماء والارض بماء المزن فى صحاف الفضة* قال ابو سعيد الساعدى فذهبنا اليه فنظرنا فاذا رأسه يقطر ماء فرجعت الى رسول الله فأخبرته انه خرج وهو جنب فأعجله الحال عن الغسل فولده يقال لهم بنو غسيل الملائكة* وفى رواية قالت كان جنبا فلما غسل أحد شقيه سمع الهيعة وأعجله الحال عن الغسل فخرج ولم يغسل الشق الآخر قال رسول الله هو ذاك فانى رأيته قد غسلته الملائكة فسمى غسيل الملائكة وبذلك تمسك من قال من العلماء ان الشهيد يغسل اذا كان جنبا كذا فى المواهب اللدنية فلما قتل اصحاب اللواء وانتكست رايتهم انكشف المشركون وانهزموا* قال ابن اسحاق ثم انزل الله نصره على المؤمنين واصدقهم وعده فحسوا الكفار بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها* وفى المواهب اللدنية فولى الكفار لا يلوون على شىء ونساؤهم يدعون بالويل والثبور وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم ووقعوا يتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم* وفى الكشاف فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربون بالسيف حتى انهزموا وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح وصرخت نساؤهم يدعون بالويل والثبور وألقين الدفوف ويشتددن الى الجبل رافعات ثيابهنّ وقد بدت خلاخلهنّ وسوقهنّ ولما نظر الرماة الى المشركين قد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون ويأخذون الغنائم قالوا الغنيمة يا قوم الغنيمة قد ظهر أصحابكم فما تنتظرون فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ قالوا انا والله لنأتينهم فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم وأقبلوا منهزمين كذا رواه البخارى عن البراء بن عازب* وفى الكشاف اختلف الرماة حين انهزم المشركون قال بعضهم قد انهزم القوم فما موقفنا وأقبلوا على الغنيمة* وقال بعضهم لا نخالف أمر رسول الله* وفى معالم التنزيل تركوا المركز للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول النبىّ ﷺ من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر فتركوا المركز ووقعوا فى الغنائم ثم قال لهم النبىّ ألم أعهد اليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمرى قالوا تركنا بقية اخواننا وقوفا فقال النبىّ بل ظننتم انا نغل فلا نقسم لكم فأنزل الله تعالى وما كان لنبىّ أن يغلّ ومن يغلل يأت بما غلّ الآية ولما ترك الرماة مركزهم ثبت أميرهم عبد الله بن جبير فى مكانه فى نفر يسير دون العشرة فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة وخلاء الجبل واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح فى خيله من المشركين فكربهم وتبعه عكرمة بن أبى جهل فى جماعة من المشركين فحملوا على من بقى من الرماة فقتلوهم وقتل أميرهم عبد الله بن جبير ثم حملوا على المسلمين من خلفهم وحالت الريح دبورا بعد ما كانت صبا* وفى الاكتفاء كشف المسلمون المشركين عن العسكر ونهكوهم قتلا وقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرّات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة فلما أبصر الرماة الخمسون انّ الله قد فتح لاخوانهم قالوا والله ما نجلس هناك لشىء قد أهلك الله العدوّ واخواننا فى عسكر المشركين فتركوا منازلهم التى عهد اليهم رسول الله ﷺ أن لا يتركوها وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول فأوجفت الخيل فيهم قتلا ولم يكن نبل ينضحها ووجدت مدخلا عليهم فكان ذلك سبب الهزيمة على المسلمين* وفى سيرة ابن هشام قال الزبير بن العوّام والله لقد رأيتنى أنظر الى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات منكشفات هوارب ما دون أخذهنّ قليل ولا كثير اذ مالت الرماة الى

стр. 428

العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل وأوتينا من خلفنا وصرخ صارخ ألا انّ محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد ان أصبنا اصحاب اللواء حتى ما يدنو منه احد من القوم* قال ابن هشام والصارخ أزب العقبة* قال ابن اسحاق حدّثنى بعض أهل العلم انّ اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلا ثوابه وكان اللواء مع صواب غلام حبشى لبنى طلحة وكان آخر من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول اللهم هل أعذرت يعنى أعذرت* وفى الينابيع وكانت فى المشركين امرأة كافرة اسمها عفراء فأخذت لواء قريش ورفعتها فلما رأى المشركون لواءهم مرفوعا كروا راجعين فجعلوا يضربون المسلمين من قدامهم ومن خلفهم حتى قتلوا منهم سبعين وجرحوا سبعين وكسروا يد علىّ وجرحوا أبا بكر وعمر وانهزم عثمان مع جماعة* قال ابن اسحاق وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدوّ وصرخ صارخ ألا انّ محمدا قد قتل وفى رواية تصوّر الشيطان بصورة جعال بن سراقة الضمرى وصرخ ان محمدا قد قتل وقال قائل أى عباد الله أخراكم أى احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون كذا فى المواهب اللدنية* ووثب الناس على جعال بن سراقة ليقتلوه لانّ الشيطان تمثل بصورته وصاح بخبر القتل فشهد خوات بن جبير وأبو بردة بن نيار بأنّ الصارخ غير جعال وجعال كان عندهما وبجنبهما حين صرخ ذلك الصارخ وجرح أسيد بن حضير يومئذ جراحتين من أيدى المسلمين احداهما من ضربة أبى بردة بن نيار وجرح أبو بردة أيضا من يد أنصارى ولم يعرفه* وفى الصحيح عن عائشة قالت كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة فصاح ابليس أى عباد الله أخراكم فرجعت أولاهم فاجتلدت مع اخراهم فنظر حذيفة فاذا هو بأبيه اليمان فنادى أى عباد الله أبى أبى قالت فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه فقال حذيفة يغفر الله لكم وعند أحمد والحاكم عن ابن عباس انهم لما رجعوا اختلطوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا فوقع القتل فى المسلمين بعضهم من بعض* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق لما خرج رسول الله ﷺ الى أحد رفع حسبل بن جابر وهو اليمان ابو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش فى الآطام مع النساء والصبيان وهما شيخان كبيران فقال أحدهما لصاحبه لا أبا لك ما تنتظر فو الله ان بقى لواحد منا من عمر الاظمئ حمار انما نحن هامة اليوم أو غدا أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا فى الناس ولم يعلم بهما فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسبل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة أبى قالوا والله ان عرفناه وصدقوا قال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فأراد رسول الله أن يديه فتصدّق بديته على المسلمين فزاده عند رسول الله خيرا* قال ابن اسحاق وكان يوم احد يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة حتى خلص العدوّ الى رسول الله ﷺ فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج فى وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل ﷺ يمسحه وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم الى ربهم فأنزل الله تعالى ليس لك من الامر شىء أو يتوب عليهم او يعذبهم فانهم ظالمون ورواه احمد والترمذى والنسائى من طريق حميد الطويل عن انس وقيل همّ أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه بأنّ فيهم من يؤمن* وفى المواهب اللدنية قيل كان سبب الهزيمة ان ابن قميئة الحارثى قتل مصعب بن عمير وكان مصعب اذا لبس لأمنه يشبه النبىّ ﷺ فلما قتله ظنه رسول الله فرجع الى قريش وقال قد قتلت محمدا فازداد واجراءة وصاح ابليس من العقبة قتل محمد فلما سمع المسلمون ذلك وهم

стр. 429

متفرّقون كانت الهزيمة فلم يلو أحد على احد والصواب ان السبب مخالفة الرماة لامر النبىّ ﷺ والاصل فى ذلك مع ما أراده الله ما اتفق ببدر من اخذ الفداء فقد خرج الترمذى والنسائى عن علىّ ان جبريل هبط فقال خيرهم فى اسارى بدر القتل والفداء على أن يقتل منهم فى القابل مثلهم قالوا الفداء ويقتل منا مثلهم قال الترمذى حديث حسن وذكر غيره له شواهد تقوّيه ولهذا جاء فى الصحيح انّ النبىّ ﷺ واصحابه اصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة قتلوا سبعين وأسروا سبعين وفيه ايضا ان المشركين اصابوا يوم احد من المسلمين سبعين ووقع عند مسلم من طريق ابن عباس عن عمر فى قصة بدر قال فلما كان يوم أحد قتل منهم سبعون وفروا وكسرت رباعية النبىّ ﷺ وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه فأنزل الله تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا والمراد بكسر الرباعية وهى السن التى بين الثنية والناب انها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها وقوله فروا أى بعضهم أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم والواقع بهم انهم صاروا ثلاث فرق فرقة استمروا فى الهزيمة الى قرب المدينة فما رجعوا حتى انقضى القتال وهم قليل وهم الذين نزل فيهم انّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان الآية وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا انّ النبىّ قتل فصار غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه ويستمرّ فى القتال الى أن يقتل وهم أكثرهم وفرقة بقيت مع النبىّ ﷺ ثم تراجع اليهم الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا انه حى وما ورد فى الاختلاف فى العدد فمحمول على تعدّد المواطن فى القصة* ووقع عند أبى يعلى فى حديث عمر المتقدّم فلما كان عام أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون* قال ابن هشام فى سيرته عن أبى سعيد الخدرى ان عتبة بن أبى وقاص رمى النبىّ ﷺ يومئذ فكسر رباعيته السفلى وجرح شفته السفلى وانّ عبد الله بن شهاب الزهرى شجه فى جبهته وانّ ابن قميئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى وجنته ووقع رسول الله ﷺ فى حفرة من الحفر التى عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ علىّ بن أبى طالب بيد رسول الله ورفعه طلحة حتى استوى قائما* وفى الاكتفاء فقال ﷺ من أحب أن ينظر الى شهيد يمشى على وجه الارض فلينظر الى طلحة* قال ابن هشام ومص مالك بن سنان والد أبى سعيد الخدرى الدم عن وجه رسول الله ﷺ ثم ازدرده فقال رسول الله ﷺ من مس دمه دمى لم تصبه النار* وفى الرياض النضرة لم تمسه النار أخرجه ابن اسحاق وفى رواية غيره من أحب أن ينظر الى من خالط دمه دمى فلينظر الى مالك بن سنان* وعن عائشة عن أبى بكر الصدّيق ان أبا عبيدة بن الجراح نزع احدى الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ فسقطت ثنيته ثم نزع الاخرى فسقطت ثنيته الاخرى فكان ساقط الثنيتين* وفى الصفوة نزع بفيه الحلقتين اللتين دخلتا فى وجنته من حلق المغفر فوقعت ثنيتاه وكان أحسن الناس هتما وفى رواية ولذلك يقال له الاهتم* وفى المواهب اللدنية وهشموا البيضة على رأسه أى كسروا الخودة ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه فى حفرة من الحفر التى حفرها أبو عامر فأخذ علىّ بيده واحتضنه طلحة ابن عبيد الله ورفعه حتى استوى قائما ونشبت حلقتان من المغفر فى وجهه فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدّة غوصهما فى وجهه* وفى الاكتفاء وكان الذى كسر رباعيته وجرح شفته عتبة بن أبى وقاص أخو سعد بن أبى وقاص وكذا قاله السهيلى وغيره ومن ثمة لم يولد من نسله ولد فبلغ الحنث الا وهو ابحر واهتم أى عطشان لا يروى وساقط مقدم أسنانه يعرف ذلك فى عقبه* وفى القاموس البحر العطش فلا يروى من الماء ويقال أهتم فاه ألقى مقدّم أسنانه

стр. 430

وروى ابن الجوزى عن محمد بن يوسف الغريانى قال بلغنى ان الذين كسروا رباعية النبىّ ﷺ لم يولد لهم صبى فنبتت له رباعية* وفى الاكتفاء وكان سعد بن أبى وقاص يقول والله ما حرصت على قتل رجل قط حرصى على قتل عتبة بن أبى وقاص وهو أخوه وان كان ما علمت لسيئ الخلق مبغضا فى قومه ولقد كفانى منه قول رسول الله ﷺ اشتدّ غضب الله على من أدمى وجه رسول الله* وفى مستدرك الحاكم لما فعل عتبة ما فعل جاء حاطب بن أبى بلتعة فقال يا رسول الله من فعل هذا بك فأشار الى عتبة فتبعه حاطب حتى قتله وجاء بفرسه الى رسول الله ﷺ قيل قد اختلف فى اسلامه والصحيح انه لم يسلم* وفى المنتقى فى الذى كسر رباعيته وكلمه فى وجهه قولان* أحدهما نه عتبة بن أبى وقاص كما سبق والثانى انه ابن قميئة فانه علا رسول الله بالسيف فضربه على الايمن فاتقاه طلحة بيده وردّ بسيفه عنه فشلت يده ويبست وأصيبت ختصره حين رمى مالك بن زهير الجشمى رسول الله بسهم وكان لا يخطئ سهمه فجعل طلحة يده وقاية له فأصاب خنصره وضرب رجل من المشركين على رأس طلحة بالسيف ضربتين فنزف الدم على وجهه فخرّ مغشيا عليه* وروى عن أبى بكر الصدّيق أنه قال أتيت رسول الله ﷺ يوم أحد بالماء فقال اذهب به الى طلحة فذهبت به اليه فرأيته قد وقع صريعا وينزف الدم من جراحاته فرششت عليه من الماء حتى حصل له بعض الافاقة فقال ما فعل برسول الله قلت هو بالعافية وهو أرسلنى اليك قال الحمد لله فكل مصيبة بعده هين* وفى الصفوة عن أبى بكر الصدّيق قال كنت أوّل من جاء يوم أحد فقال لى رسول الله ﷺ ولابى عبيدة بن الجراح عليكما به يريد طلحة وقد نزف دمه يعنى رسول الله ﷺ وأصلحنا من شأنه ثم أتينا طلحة فوجدناه فى بعض تلك الحفار فاذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من بين طعنة وضربة ورمية فاذا قطعت أصبعه فأصلحنا من شأنه* وأخرج أبو حاتم معناه ولفظه قال قال أبو بكر لما صرف الناس يوم أحد عن رسول الله كنت أوّل من جاء النبىّ ﷺ فجعلت انظر الى رجل خلفى بين يديه يقاتل عنه ويحميه فجعلت أقول كن طلحة فداك أبى وأمى مرّتين قال ونظرت الى رجل خلفى كأنه طائر فلم أنشب ان أدركنى فاذا هو أبو عبيدة بن الجراح فاندفعنا الى النبىّ فاذا طلحة بين يديه صريعا فقال النبىّ ﷺ دونكم أخاكم فقد أوجب قال وقد رمى فى جبهة رسول الله ووجنته فأهويت الى السهم لا نزعه فقال أبو عبيدة نشدتك بالله يا أبا بكر الا تركتنى قال فتركته فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه فجعل ينضنضه ويكره أن يؤذى رسول الله ﷺ ثم استله بفيه ثم أهويت الى السهم الذى فى وجنته لانزعه فقال أبو عبيدة نشدتك بالله يا أبا بكر الا تركتنى فأخذ السهم بفيه وجعل ينصنصه ويكره أن يؤذى رسول الله ﷺ ثم استله وكان طلحة أشدّ نهكة من رسول الله وكان رسول الله أشدّ نهكة منه وكان قد أصاب طلحة بضعة وثلاثون ما بين طعنة وضربة ورمية* قوله ينضنضه بالصاد والضاد يحركه* قوله أشدّ نهكة أى جراحة وجهدا وألما وكان أبو عبيدة أثرم الثنيتين من انتزاع السهمين* ويروى ان المنتزع حلقتى الدرع أبو بكر ويجوز أن يكون السهمان أثبتا حلقتى الدرع فانتزع الجميع فسقطتا لذلك* وعن أبى هريرة ان طلحة لما جرح يوم أحد مسح رسول الله ﷺ بيده على جسده وقال اللهمّ اشفه وقوّه فقام صحيحا ورجع الى مبارزة العدوّ أخرجه الملاذكر ذلك كله فى الرياض النضرة* وعن قيس قال رأيت طلحة يده شلاء وقى بها رسول الله ﷺ يوم أحد انفرد به البخارى* وفى الصفوة شهد طلحة أحدا وثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ ووقاه بيده فشلت أصبعاه وجرح يومئذ اربعا وعشرين جراحة قال وكانت فيه خمس وسبعون ما بين طعنة وضربة ورمية سماه

стр. 431

رسول الله يوم أحد طلحة الخير ويوم غزوة ذات العشيرة طلحة الفياض ويوم حنين طلحة الجود وسيجىء موته فى الخانمة فى خلافة علىّ بن ابى طالب* قال السدى رضى الله عنهما ابن قميئة هو الذى رمى رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشج فى وجهه* وقال ابو بشير المازنى حضرت يوم أحد وأنا غلام فرأيت ابن قميئة علا رسول الله بالسيف فرأيت رسول الله ﷺ وقع على كتفه فى حفرة أمامه حتى توارى فجعلت أصيح وأنا غلام حتى رأيت الناس ثابوا اليه فانظر الى طلحة بن عبيد الله آخذ يحضنه حتى قام* وفى الينابيع غلب رسول الله ﷺ ضعف من الجراحات حتى وقع عن فرسه وجرحت ركبتاه وكسرت جبهته* وفى الطبرانى من حديث ابى أمامة قال لما رمى عبد الله بن قميئة يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته قال خذها وأنا ابن قميئة فقال رسول الله ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه مالك أقأك الله وفى رواية وأذلك فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة* وعند ابن عائذ من طريق الاوزاعى بلغنا انه لما جرح رسول الله ﷺ يوم أحد اخذ شيئا فجعل ينشف به دمه وقال لو وقع منه شىء على الارض لنزل عليهم العذاب من السماء ثم قال اللهمّ اغفر لقومى فانهم لا يعلمون وفى الينابيع وكان ﷺ يأخذ قطرات الدم ويرمى بها الى السماء ولم يقع شىء منها على الارض ويقول لو وقع شىء منها على الارض لم ينبت عليها نبات وفى الينابيع أيضا لما كسرت جبهته وانخضب وجهه ولحيته جعل سالم مولى ابى حذيفة يسلت الدم عن وجهه وهو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وفى شمائل الترمذى عن جندب بن سفيان البجلى قال اصاب حجرا صبع رسول الله ﷺ فدميت فقال هل أنت الا اصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت وكان ذلك فى غزوة أحد وروى انّ عبد الله ابن حميد الاسدى لما رأى رسول الله ﷺ قد جرح جعل يركض فرسه ويقول أرونى محمدا والله انى لا قتله فاعترضه ابو دجانة فضربه بالسيف فقتله فقال رسول الله اللهمّ ارض عن ابن خرشة كما أنا عنه راض وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال ضرب وجه النبىّ ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة وقاه الله من شرّها كلها قال فى فتح البارى وهذا مرسل قوى ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة* قال ابن اسحاق وقال رسول الله ﷺ حين غشيه القوم من رجل يشرى لنا نفسه فقام زياد بن السكن فى خمسة نفر من الانصار وبعض الناس يقولون انما هو عمارة بن زياد بن السكن فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلا ثم رجلا يقتلون دونه حتى كان آخرهم زيادا أو عمارة فقاتل حتى أثبتته الجراحة ثم جاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه فقال رسول الله ادنوه منى فأدنوه منه فوسده قدمه فمات وخدّه على قدم رسول الله ﷺ وقاتلت امّ عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يومئذ فيما قاله ابن هشام قالت خرجت أوّل النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء فانتهيت الى رسول الله ﷺ وهو فى اصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت الى رسول الله فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وارمى عن القوس حتى خلصت الجراحة الىّ قالت امّ سعد بنت سعد بن الربيع فرأيت على عاتقها جرحا اجوف له غور فقلت من أصابك بهذا قالت ابن قميئة اقماه الله لما ولى الناس عن رسول الله اقبل يقول دلونى على محمد فلا نجوت ان نجا فاعترضته انا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربنى هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدوّ الله عليه درعان* وتترس دون رسول الله ﷺ ابو دجانة بنفسه

стр. 432

تقع النبل فى ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل وفى المواهب اللدنية وهو لا يتحرّك وفى المنتقى كانت النبل تتابع فى ظهره وهو منحن عليه ورمى سعد بن ابى وقاص دون رسول الله قال سعد فلقد رأيته يناولنى النبل وهو يقول ارم فداك ابى وامى حتى انه ليناولنى السهم بلا نصل فيقول ارم به وفى رواية ورمى سعد بن ابى وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له النبىّ ﷺ كنانته فقال له ارم فداك أبى وامى وفى المشكاة عن علىّ قال ما سمعت النبىّ ﷺ جمع ابويه لاحد الا لسعد بن مالك فانى سمعته يقول يوم أحد يا سعد ارم فداك ابى وامى متفق عليه* وروى ان بعض المشركين يوم احد كانوا يرمون بالنبل فى وجوه المسلمين منهم حبان بن قيس بن عرفة اخو بنى عامر وابو أسامة الجشمى فأمر النبىّ ﷺ سعد بن ابى وقاص أن يرمى فى وجوههم فيقول ارم يا سعد فداك ابى وامى فرمى ابن عرفة فأصاب ذيل امّ ايمن وكانت فى العسكر فانكشف ذيلها فضحك ابن عرفة ضحكا شديدا فثقل ذلك على النبىّ ﷺ فناول سعد اسهما وامره أن يرميه فرماه سعد فلم يخطئ ثغرة نحره فوقع لظهره وانكشفت عورته فضحك النبىّ ﷺ حتى بدت نواجذه وقال استعاض لها سعد ودعا لسعد فقال اللهم سدّد رميته وأجب دعوته رواه فى شرح السنة فصار سعد مجاب الدعوة حتى يتبرّك بدعائه وظاهر هذا مخالف لما سيجىء فى غزوة الخندق فى الموطن الخامس من ان حبان بن عرفة هو الذى رمى سعد بن معاذ فى أكحله* وعن أنس أنه قال لما كان يوم أحد انهزم الناس عن رسول الله ﷺ وأبو طلحة كان قائما بين يديه يترس معه بترس واحد وكان أبو طلحة راميا شديد الرمى والنزع فكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا وكان الرجل يمر بجعبته من النبل فيقول النبىّ ﷺ انثرها لابى طلحة وكان اذا رمى يشرف النبى لينظر الى موضع نبله فيقول أبو طلحة بأبى أنت وأمى يا رسول الله لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم نحرى دون نحرك* معجزة فى انقلاب العود سهما والعصا سيفا وفى الصفوة وكان رسول الله يرفع رأسه من خلفه ينظر الى مواقع نبله فتطاول أبو طلحة بصدره يقى به رسول الله ﷺ ويقول يا رسول الله نحرى دون نحرك انتهى وكان قد جعل نفسه وقاية له ونثر سهامه كلها على الارض وكان رجلا شديد النزع صيتا وكان فى كنانته يومئذ خمسون سهما وكان كلما رمى بسهم يصيح ويقول يا رسول الله نفسى دون نفسك جعلنى الله فداك والنبىّ ﷺ واقف خلف ظهره ينظر الى مواقع نبله حتى فنيت سهامه فيناوله العود ويقول ارم يا أبا طلحة فأى عود يضعه فى كبد القوس يعود سهما جيدا يرمى به فى وجوه المشركين ويصيح فقال النبىّ ﷺ لصوت أبى طلحة فى الجيش خير من فئة كذا فى الصفوة وكان رسول الله لا يزال يرمى عن قوسه حتى صارت شظايا* قال ابن اسحاق حدّثنى عاصم بن عمر عن قتادة ان رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان وكانت عنده وكان يرمى بالحجارة* وفى الشفاء رمى رسول الله ﷺ عن قوسه يوم أحد حتى اندقت سيتها ويقال اسم هذه القوس كتوم وانقطع يومئذ سيف عبد الله بن جحش فأعطاه ﵇ عرجونا فعاد فى يده سيفا فقاتل به وكان ذلك السيف يسمى العرجون ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركى من أمراء المعتصم بالله فى بغداد بمائتى دينار وهذا نحو حديث عكاشة السابق فى غزوة بدر الا ان سيف عكاشة يسمى العون ورمى كلثوم بن الحصين بسهم فى نحره رماه أبورهم الغفارى فبصق عليه ﷺ فبرأ* وعن أبى طلحة انه قال غشينا النعاس يوم أحد ونحن فى مصافنا فجعل سيفى يسقط من يدى فآخذه ويسقط فآخذه* وعنه أنه قال رفعت رأسى يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم الا وهو يميل تحت حجفته من النعاس وذلك قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغمّ أمنة نعاسا الآية

стр. 433

واصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدّهما كذا فى سيرة ابن هشام* وفى الوفاء فأتى بها الى رسول الله ﷺ فأخذها رسول الله بيده وردّها الى موضعها وقال اللهمّ اكسها جمالا فكانت أحسن عينيه وأحدّهما نظرا رواه الدار قطنى بنحوه* وفى الصفوة عن عدى قال أصيبت عين قتادة بن النعمان يوم أحد يقال أصابها رمح حتى وقعت على وجنته فأتى بها النبىّ ﷺ وهى فى يده قال ما هذه يا قتادة قال هذا ما ترى يا رسول الله قال ان شئت صبرت ولك الجنة وان شئت رددتها ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئا فقال يا رسول الله ان الجنة لجزاء جزيل وعطاء جليل ولكنى رجل مبتلى بحب النساء وأخاف أن يقلن أعور فلا يردننى ولكن تردّها الىّ وتسأل الله لى الجنة فقال أفعل يا قتادة ثم أخذها رسول الله بيده وأعادها الى موضعها فكانت أحسن عينيه الى ان مات ودعا له بالجنة وسيجىء وفاته فى الخاتمة فى خلافة عمر وروى أنه دخل ابن قتادة على عمر بن عبد العزيز فقال له من أنت يافتى فقال أنا ابن الذى سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكف المصطفى أيمارد فعادت كما كانت لا حسن حالها ... فيا حسن ما عين ويا طيب مارد فقال عمر بمثل هذا فليتوسل الينا المتوسلون ثم قال تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وفى الرياض النضرة عن علىّ قال كسرت يده يوم أحد فسقط اللواء من يده فقال رسول الله ﷺ دعوه فى يده اليسرى فانه صاحب لوائى فى الدنيا والآخرة أخرجه الحضرمى* وفى الاكتفاء وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر وأصابه بعضها فى رجله فعرج* وفى شواهد النبوّة عن الحارث بن الصمة قال رأيت عبد الرحمن بن عوف يوم أحد بين سبعة قتلى من المشركين فقلت هنيئا لك أنت قتلت هؤلاء كلهم فأشار الى قتيلين وقال هذان قتلتهما وأما الآخرون فقتلهم من لم أره* قال ابن اسحاق حدّثنى القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنى عدى بن النجار قال انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك الى عمر بن الخطاب وطلحة ابن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والانصار وقد ألقوا بأيديهم فقال ما يحبسكم قالوا قتل رسول الله قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على مثل ما مات عليه رسول الله ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل* وعن أنس بن مالك قال لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة وقد مثلوا به فما عرفه الا اخته عرفته بينانه كذا فى سيرة ابن هشام* وفى المنتقى عن أنس بن مالك ان عمه أنس بن النضر غاب عن بدر قال غبت عن أوّل قتال قاتله رسول الله ولئن أشهدنى الله مع النبىّ ﷺ ليرين ما أفعل فلقى يوم أحد فهزم الناس فقال اللهم انى أعتذر اليك مما صنع هؤلاء يعنى المسلمين وأبرأ اليك مما جاء به هؤلاء يعنى المشركين فتقدّم بسيفه فلقى سعد بن معاذ فقال أين يا سعدانى أجد ريح الجنة دون أحد فمضى فقتل فما عرف حتى عرفته اخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من بين طعنة وضربة ورمية بسهم* وفى رواية لما صرخ صارخ وفشا فى الناس ان محمدا قد قتل قال بعض المسلمين ليت لنا رسولا الى عبد الله بن أبى فيأخذ لنا أمانا من أبى سفيان وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم وقال ناس من المنافقين لو كان نبيا لما قتل ارجعوا الى اخوانكم والى دينكم الاوّل فقال أنس بن النضر يا قوم ان كان قتل محمد فان رب محمد حى لا يموت ما تصنعون بالحياة بعد رسول الله فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ثم قال اللهم انى أعتذر اليك مما يقول هؤلاء

стр. 434

يعنى المسلمين وأبرأ اليك مما جاء به هؤلاء يعنى المنافقين ثم قاتل حتى قتل الى آخر ما ذكر* وفى المنتقى لما فشافى الناس خبر قتل رسول الله صاح ثابت بن الدحداح وقال يا معشر الانصار ان كان محمد قد قتل فان الله حى لا يموت فقاتلوا عن دينكم فهض اليه نفر من الانصار وقد وقعت له كثيبة خشناء فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبى جهل فحمل عليه خالد بالرمح فأنفذه فوقع ميتا وقتل من كان معه وقيل انه برأ من جراحاته ومات على فراشه من جرح كان أصابه ثم انتقض عليه ومات مرجع النبىّ ﷺ من الحديبية كذا فى الصفوة وان رسول الله تبع جنازته وقتل عبد الله بن عمر وأبو جابر يوم أحد فما عرف الا ببنانه أى أصابعه وقيل أطرافها واحدتها بنانة* وفى المواهب اللدنية ثبت رسول الله ﷺ حين انكشفوا عنه وثبت معه أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصدّيق وسبعة من الانصار* وفى معالم التنزيل ثلاثة عشر رجلا ستة من المهاجرين وهم أبو بكر وعمر وعلى وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص والباقى من الانصار وفى البخارى لم يبق معه ﵇ الا اثنا عشر* روى أن الملائكة حضرت يوم أحد لكن فى قتالهم خلاف وروى احمد بن سعد بن ابى وقاص انه قال رأيت عن يمير رسول الله ﷺ وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشدّ القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد وقد أخرجه الشيخان* وفى رواية مسلم يعنى جبريل وميكائيل كذا فى الوفاء* وعن على بن أبى طالب لما غلب المشركون واختلط الناس غاب النبىّ ﷺ عن نظرى فذهبت أطلبه فى القتلى فما وجدته فقلت فى نفسى ان رسول الله لا يفرّ فى القتال وليس فهو فى القتلى فما أظنّ الا ان الله تعالى قد غضب علينا بسوء فعلنا فرفع نبيه من بيننا فالاولى أن اقاتل المشركين حتى أقتل فسللت سيفى وحملت على جماعة من المشركين فانكشفوا فاذا برسول الله ﷺ حيا سويا فعرفت ان الله تعالى حفظه بملائكته الكرام* قال ابن اسحاق لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله ﷺ وبقى سعد بن مالك يرمى وفتى شاب ينبل له فلما فنى النبل أتاه به فنثره فقال ارم أبا اسحاق ارم أبا اسحاق مرّتين فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الفتى فلم يعرف فقول مجاهد لم تقاتل الملائكة فى معركة لا فى أحد ولا فى غيره الا فى بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون وانما يكونون عددا ومددا قال البيهقى أراد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به* وعن عروة بن الزبير كان الله تعالى وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وكان قد فعل فلما عصوا ما أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركت الرماة عهده اليهم وأرادوا الدنيا رفع عنهم مدد الملائكة وأنزل الله ولقد صدقكم الله وعده اذ تحسونهم باذنه فصدق الله وعده وأراهم الفتح فلما عصوا عقبهم البلاء كذا فى الوفاء وقيل معنى لم تقاتل الملائكة انها لم تقاتل على سبيل العموم أى غير جبريل وميكائيل وأماهما فكانا على صورة رجلين عليهما ثياب بيض عن يمين رسول الله وعن يساره يحفظانه ويقاتلان الكفار قال ابن اسحاق وكان أوّل من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وتحدّث الناس بقتله كعب بن مالك الانصارى قال عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتى يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول الله* وفى رواية مسلم حيا سالما سويا فأشار الىّ أن انصت فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين فلما أسند رسول الله فى الشعب أدركه أبى ابن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت ان نجا فقال القوم يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا قال دعوه

стр. 435

فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة يقول بعض القوم فلما أخذها رسول الله انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء من ظهر البعير اذا انتفض بها ثم استقبله فطعته فى عتقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا وكان أبى بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول يا محمد ان عندى العود فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه فيقول رسول الله ﷺ أنا أقتلك ان شاء الله تعالى فلما رجع الى قريش وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلنى والله محمد قالوا له ذهب والله فؤادك والله ان بك من بأس قال انه قد كان قال لى بمكة أنا أقتلك فو الله لو بصق علىّ لقتلنى فمات عدوّ الله بسرف وهم قافلون به الى مكة رواه البيهقى وأبو نعيم وقال رسول الله ﷺ فيما قاله يومئذ اشتدّ غضب الله على رجل قتله رسول الله فسحقا لاصحاب السعير وفى رواية أو قتل رسول الله قال الواقدى وكان عبد الله بن عمر يقول مات أبى بن خلف ببطن رابغ فانى لا سير ببطن رابغ بعد هوى من الليل اذ نار تأجج لى فهبتها فاذا رجل يخرج منها فى سلسلة يجتذبها يصيح العطش فاذا رجل يقول لا تسقه فان هذا قتيل رسول الله ﷺ أبى بن خلف رواه البيهقى* وفى الشفاء لما طلع أبى بن خلف اعترضه رجال من المسلمين قال النبىّ هكذا خلوا سبيله وفى رواية اشتدّ عليه الزبير ومعه حربة قال ﷺ دعه فلما دنا منه أخذ الحربة من الزبير وفى رواية من طلحة بن عبيد الله وفى رواية من سهل بن حنيف وشدّ عليه فطعنه بها فدق ترقوته وخرّ صريعا وأدركه المشركون وارتثوه وفى رواية رماه بها وضرب تحت ابطه وكسر ضلعا من اضلاعه فرجع الى قريش يركض فرسه حتى بلغ قومه وهو يخور كخوار الثور ويقول قتلنى محمد ويقول أصحابه ليس عليك بأس قال بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم* وفى رواية لو كان ما بى بجميع الناس لقتلهم* وفى رواية قال له أبو سفيان ويلك ما بك الاخدشة قال ويلك يا ابن حرب ما تعلم من ضربها أما ضربها محمد وانه قد قال لى سأقتلك فعلمت انه قاتلى ولا أنجو منه ولو بصق علىّ بعد تلك المقالة لقتلنى وانى لاجد من هذه الطعنة ألما واللات والعزى لو قسم على جميع أهل الحجاز لهلكوا وكان يصرخ ويخور حتى مات بسرف أو بمر الظهران على أميال من مكة كذا فى الشفاء ومعالم التنزيل وفى الينابيع ولما نادى ابليس ثلاث مرّات ألا ان محمدا قد قتل سمعوا صوته فى جوانب العسكر فبلغ الصوت أبا بكر وعمرو عليا فنسوا ما بهم من جراحاتهم وبكوا حتى أتاهم رجل فرآهم جلوسا محزونين فقال لهم ما لكم قالوا سمعنا خبر قتل رسول الله ﷺ فتحيرنا فقال الرجل انى مررت الآن على القتلى فنظرت اليهم فرأيت النبى فى موضع كذا حيا سالما يتهلل وجهه كالقمر ليلة البدر فقاموا اليه مع الجراحات واجتمعوا لديه ورفعوه من مكانه فاعتنق عليا ووضع يده على منكبه حتى ركبوه على فرسه مرّة اخرى فلما رأى المشركون انه حىّ حملوا عليه فاعترضهم سماك بن خرشة وحمل عليهم حتى هزمهم وفرّقهم* وفى صح السحابة أفرد النبىّ ﷺ يوم أحد فى سبعة من الانصار ورجلين من قريش فلما رهقوه قال من يردّهم عنا وله الجنة أو هو رفيقى فى الجنة فتقدّم رجل من الانصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضا فقال من يردّهم عنا وله الجنة أو هو رفيقى فى الجنة فتقدّم رجل من الانصار فقاتل حتى قتل فلم يزالوا كذلك حتى قتل سبعة فقال رسول الله لصاحبيه ما أنصفنا أصحابنا* قوله أفرد أى أفرز وعزل ونحى عن الجمع وقوله رهقوه أى دنوا منه وكان سلمان جعل نفسه وقاية له من وراء ظهره من سهام الكفار وأذاهم ويقول نفسى فداء لرسول الله ﷺ والعباس بن عبد المطلب ممسك بعنان فرسه يقوده وعلى بن أبى طالب مع انه مجروح مكسور اليد حمل على الكفار فهزمهم فجاء جبريل وقال يا محمد من ذا الذى بارز الكفار آنفا فان الله

стр. 436

باهى به الملائكة قال هو علىّ فانحازوا به الى أحد فلم يقدر أن يصعده بالفرس فحوّل رجله الى الجانب الآخر واعتمد على منكب علىّ فنزل عن الفرس وصعد الجبل فجلس وجلس أصحابه حوله وكان ﷺ يلتفت الى الجوانب فقالوا من تريد يا رسول الله فأقبل على علىّ وقال هل عندك خبر من عمك فأخبره علىّ بما وقع فبكى رسول الله ﷺ والاصحاب هذا ما فى الينابيع وفيه بعض المخالفة لما هو المشهور* قال ابن اسحاق فلما انتهى رسول الله ﷺ الى فم الشعب خرج علىّ بن أبى طالب حتى ملأ درقته من المهراس* فى المواهب اللدنية المهراس صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء وقيل هو اسم ماء بأحد* وفى خلاصة الوفاء هو ماء بأقصى شعب أحد يجتمع من المطر فى نقرة هناك فجاء به الى رسول الله ﷺ ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول اشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيه فبينا رسول الله ﷺ فى الشعب معه أولئك النفر من أصحابه اذ علت عالية من قريش الجبل* قال ابن هشام كان على تلك الخيل خالد بن الوليد فقال رسول الله اللهمّ انه لا ينبغى لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ونهض رسول الله الى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع وقد كان بدن وظاهر يومئذ بين درعين فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فقال ﷺ أوجب طلحة كذا رواه الترمذى وأورده فى الرياض النضرة بتغيير يسير عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ يوم احد عليه درعان فذهب لينهض على صخرة فلم يستطع فبرك طلحة بن عبيد الله تحته وصعد رسول الله على ظهره حتى صعد فى الصخرة قال الزبير سمعت رسول الله ﷺ يقول أوجب طلحة أخرجه احمد والترمذى وقال حسن صحيح كذا قاله أبو حاتم واللفظ للترمذى عن عائشة بنت طلحة قالت لما كان يوم أحد كسرت رباعية النبىّ ﷺ وشج وجهه وعلاه الغشى فجعل طلحة يحمله ويرجع القهقرى وكلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده الى الشعب أخرجه الفضائلى وفى رواية قيل وما أوجب قال الجنة* قال ابن هشام وبلغنى عن عكرمة عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ لم يبلغ الدرجة النبية من الشعب وصلّى رسول الله الظهر يومئذ قاعدا من الجراح التى أصابته وصلّى المسلمون خلفه قعودا* وفى معالم التنزيل ولما انتهى ﷺ الى أصحاب الصخرة فرأوه وضع رجل من أصحابه سهما فى قوسه وأراد أن يرميه فقال أنا رسول الله فلما سمعوا ذلك فرحوا به وفرح بهم حين رأى فى أصحابه من يمتنع به واجتمعوا حوله وتراجع الناس فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب فلما نظر المسلمون اليهم همهم ذلك فظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم فرفع رسول الله ﷺ يده وقال اللهم ليس لهم أن يعلونا اللهم ان تقتل هذه العصابة لا تعبد فى الارض ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم وفى رواية قذف الله فى قلوبهم الرعب حتى وقفوا مكانهم* قال ابن اسحاق وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله ﷺ حتى انتهى بعضهم الى المنقى دون الاعوص وقال ابن اسحاق حدّثنى عاصم بن عمرو بن قتادة أن رجلا منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب أصابته جراحة يوم أحد فأتى به الى دار قومه وهو بالموت فاجتمع اليه أهل الدار فجعل المسلمون من الرجال والنساء يقولون ابشريا ابن حاطب بالجنة وكان أبوه حاطب شيخا قد عاش فى الجاهلية فنجم يومئذ نفاقه فقال بأى شىء تبشرون يزيد لقد غررتم والله هذا الغلام من نفسه* وقال ابن اسحاق حدّثنى عاصم بن عمرو بن قتادة قال كان فينا رجل لا ندرى ممن هو يقال له قزمان

стр. 437

وكان رسول الله يقول اذا ذكر انه لمن أهل النار فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل الى دار بنى ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون له والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فابشر قال بماذا أبشر فو الله ان قاتلت الا عن أحساب قومى ولولا ذلك لما قاتلت فلما اشتدّت عليه جراحته أخرج سهما من كنانته فقتل به نفسه وقال ابن اسحاق وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق من أحبار يهود وكان أحد بنى ثعلبة بن الطيفون قال لما كان يوم أحد قال يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق قالوا ان اليوم يوم السبت قال لا سبت فأخذ سيفه وعدته وقال ان أصبت فما لى لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا الى رسول الله فقاتل معه حتى قتل فقال رسول الله ﷺ مخيريق خير يهود* وقال ابن اسحاق وكان ممن قتل يوم أحد المجدر بن زياد البلوى قتله الحارث بن سويد بن صامت بن عطية* وفى المنتقى روى محمد بن سعد عن أشياخه قالوا كان سويد بن الصامت قد قتل زيادا أبا المجدر فى وقعة التقوا فيها فلما كان بعد ذلك لقى المجدر سويدا خاليا فى مكان وهو سكران ولا سلاح معه فقال له قد أمكننى الله منك قال وما تريد قال قتلك فقتله فهيج قتله وقعة بعاث وذلك قبل الاسلام فلما قدم النبىّ ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد ومجدر ابن زياد فجعل الحارث يطلب مجدرا ليقتله بأبيه فلا يقدر عليه فلما كان يوم أحد وجال الناس تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه فلما رجع النبىّ ﷺ أتاه جبريل فأخبره أن الحارث قتل مجدرا غيلة وأمره أن يقتله به فركب رسول الله ﷺ الى قباء ذلك اليوم فى يوم حارّ فدخل مسجد قباء فصلى فيه وسمعت به الانصار فجاءت تسلم عليه وأنكروا اتيانه فى تلك الساعة حتى طلع الحارث بن سويد فى ملحفة مورسة فلما رآه رسول الله دعا عويمر بن ساعدة فقال قدّم الحارث بن سويد الى باب المسجد فاضرب عنقه بمجدر بن زياد فانه قتله غيلة فقال الحارث قد والله قتلته وما كان قتلى اياه رجوعا عن الاسلام ولا ارتيابا فيه ولكنه حمية الشيطان وأمر وكلت فيه الى نفسى وأتوب الى الله والى رسوله وجعل يمسك بركاب رسول الله ورجل رسول الله فيه ورجل فى الارض وبنو مجدر حضور ولا يقول لهم رسول الله شيئا فلما استوعب كلامه قال قدّمه يا عويمر فاضرب عنقه وركب رسول الله ﷺ وقدّمه عويمر وضرب عنقه* وكان عمرو بن ثابت بن وقش أصيرم بنى عبد الاشهل يأبى الاسلام على قومه فلما كان يوم أحد بدا له فى الاسلام فأسلم ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل فى عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة فبينا رجال من بنى عبد الاشهل يلتمسون قتلاهم فى المعركة اذا هم به فقالوا والله ان هذا للاصيرم ما جاء به لقد تركناه وانه لمنكر لهذا الحديث فسألوه ما جاءك يا عمرو أحرب على قومك أم رغبة فى الاسلام قال بل رغبة فى الاسلام آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفى فغدوت مع رسول الله ثم قاتلت حتى أصابنى ما أصابنى ثم لم يلبث أن مات فى أيديهم فذكروه لرسول الله ﷺ فقال انه لمن أهل الجنة وكان أبو هريرة يحدّث عن رجل دخل الجنة لم يصل قطوهو أصيرم بنى عبد الاشهل عمرو بن ثابت بن وقش قال ابن اسحاق ان عمرو بن الجموح كان رجلا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الاسد يشهدون مع رسول الله المشاهد فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له ان الله قد عذرك فأتى رسول الله ﷺ وقال أى نبىّ الله ان بنىّ يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه والخروج معك فيه فو الله انى لا رجو أن أطأبعر حتى هذه فى الجنة فقال رسول الله أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك وقال لبنيه ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه شهادة فخرج معه فقتل يوم أحد * تمثيل النسوة بقتلى أحد ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجد عن الآذان والانوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم

стр. 438

خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطيها وحشيا قاتل حمزة وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فضرخت بأعلى صوتها فقالت نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان من عتبة لى من صبر ... ولا أخى وعمه وبكر شفيت نفسى وقضيت نذرى ... شفيت وحشىّ غليل صدرى فشكر وحشىّ علىّ عمرى ... حتى ترم أعظمى فى قبرى فأجابتها هند بنت اثاثة بنت عباد بن المطلب فقالت خزيت فى بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر ... بالهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفرى ... حمزة ليثى وعلىّ صقرى اذرام شيب وأبوك غدرى ... فخضبا منه ضواحى النحر ونذرك الشر فشر نذر وقالت هند بنت عتبة أيضا شفيت من حمزة نفسى بأحد ... حين بقرت بطنه عن الكبد أذهب عنى ذاك ما كنت أجد ... من لوعة الحزن الشديد المتقد والحرب تعلوكم بشؤبوب برد ... تقدم اقداما عليكم كالاسد وقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد رجعت وفى نفسى بلا بل جمة ... وقد فاتنى بعض الذى كان مطلبى من اصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بنى هاشم منهم ومن آل يثرب ولكننى قد نلت شيئا ولم يكن ... كما كنت أرجو فى مسيرى ومركبى وهند هذه أمّ معاوية بن أبى سفيان وكانت امرأة فيها مكارة وذكورة ولها نفس آنفة وكان المسلمون قد أصابوا يوم بدر أباها عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد فأصابها من ذلك ما يصيب النفوس الشهمة والقلوب الكافرة فخرجت الى أحد مع زوجها ابى سفيان تبغى الانتصار وتطلب الاوتار فهذا قولها يرحمها الله والوتر يقلقها والكفر يخنقها والحزن يحرقها والشيطان ينطقها ثم انّ الله سبحانه هداها الى الاسلام وعبادة الله وترك الاصنام وأخذ بحجزتها عن سواء النار ودلها على دار السلام فصلحت حالها وتبدّلت أقوالها حتى قالت لرسول الله ﷺ فبما قالت والله يا رسول الله ما كان على وجه الارض أهل خباء أحب الىّ أن يذلوا من أهل خبائك وما أصبح اليوم على الارض اهل خباء احب الىّ ان يعزوا من أهل خبائك أو نحو هذا من القول* فالحمد لله الذى هدانا برسوله اجمعين واياه نسأل أن يميتنا على خير ما هدانا اليه لا مبدّلين ولا مغيرين هذا كله فى الاكتفاء* قال ابن اسحاق وقد كان الجليس بن زيان أخو بنى الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الاجابيش قد مر بأبى سفيان وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول ذق عقق فقال الجليس يا بنى كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما فقال ويحك اكتمها عنى فانها كانت زلة ثم ان أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته أنعمت فعال ان الحرب سجال يوم بيوم بدر أعل هبل أى أظهر دينك كذا فى الاكتفاء* وفى المواهب اللدنية وكان أبو سفيان حين أراد الخروج من مكة الى أحد كتب على سهم نعم وعلى الآخر لا وأجالهما عند هبل فخرج سهم نعم فخرج

стр. 439

الى أحد فلما قال أعل هبل أى زد علوّا قال رسول الله ﷺ قم يا عمر فأجبه فقل الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان انعمت فعال أى اترك ذكرها فقد صدقت فى فتواها وأنعمت أى أجابت ينعم فقال عمر لا سواء قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار* وفى الصحيح من حديث البراء ان أبا سفيان قال ان لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبىّ ﷺ أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم وفى الصحيح أيضا ان أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال أفى القوم محمد ثلاث مرّات فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه فقال أفى القوم ابن أبى قحافة ثلاث مرّات قال لا تجيبوه فقال أفى القوم ابن الخطاب ثلاث مرّات فنهاهم أن يجيبوه فلما لم يجبه أحد رجع الى أصحابه فقال أما ان هؤلاء قد قتلوا وقد كفيتموهم ولو كانوا أحياء لاجابوا فعند ذلك لم يملك عمر نفسه فقال كذبت يا عدوّ الله ان الذين عددتهم لاحياء كلهم وقد أبقى الله لك ما يخزيك وفى المنتقى ما يسوءك* قال ابن اسحاق فلما اجاب عمر أبا سفيان قال له هلم الىّ يا عمر فقال رسول الله لعمرائته فانظر ما شأنه فجاء فقال له أبو سفيان أنشدك بالله يا عمر أقتلنا محمدا فقال عمر اللهم لا وانه ليسمع كلامك الآن قال أنت أصدق عندى من ابن قميئة وأبرّ لقول ابن قميئة لهم انى قتلت محمدا ثم نادى أبو سفيان انه قد كان فى قتلاكم مثل والله ما رضيت وما سخطت وما أمرت وما نهيت ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى ان موعدكم بدر العام القابل فقال رسول الله لرجل من أصحابه قل نعم هو بيننا وبينكم موعد وفى المنتقى هو بيننا ميعاد وفى الكشاف روى أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر القابل ان شئت فقال ﷺ ان شاء الله وفى الكشاف قذف الله فى قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا الى مكة من غير سبب ولهم القوّة والغلبة ثم بعث رسول الله علىّ بن أبى طالب قال اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فان كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فهم يريدون مكة وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة والذى نفسى بيده لئن أرادوها لاسيرن اليهم فيها ثم لأناجزنهم فيها فخرج علىّ فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا الى مكة* وفى رواية تخوف المسلمون أن تكون قريش تذهب الى المدينة للغارة فبعث عليا أو سعد بن أبى وقاص أو هما وباقى الحديث على حاله* وفى الينابيع ثم بعث عليا الى المدينة يخبر أهلها ان النبىّ ﷺ حىّ سالم وفزع الناس الى قتلاهم وانتشروا يبغونهم فلم يجدوا قتيلا الا وقد مثلوا به الا حنظلة بن أبى عامر فان أباه كان مع المشركين فتركوه له وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره بقدمه وقال قد تقدّمت اليك فى مصرعك ولعمر الله ان كنت لو اصلا للرحم برّا بالوالدة وقال رسول الله ﷺ من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع أفى الاحياء هو أم فى الاموات* وفى الصفوة وأرسل ﵊ محمد بن مسلمة كما ذكره الواقدى ينادى فى القتلى يا سعد بن الربيع مرّة بعد أخرى فلم يجبه حتى قال ان رسول الله أرسلنى أنظر ماذا صنعت فأجاب بصوت ضعيف فوجده صريعا فى القتلى وبه رمق فقال أبلغ رسول الله ﷺ عنى السلام وقل له يقول لك سعد بن الربيع جزاك الله عنا خير ما جزى به نبيا عن أمّته وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم ان سعد بن الربيع يقول لكم انه لا عذر لكم عند الله أن يخلص الى نبيكم وفيكم عين تطرف ثم مات عن جراحاته* وفى الاكتفاء قال ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره* وذكر الطبرانى انه لما انصرف المشركون خرج النساء الى الصحابة يعنهم* وفى المواهب اللدنية خرجت أربع عشرة امرأة من أهل البيت وغيرها وخرجت عائشة وفاطمة* وفى البخارى روى أن عائشة بنت أبى بكر وأمّ سليم لمشمرتان يرى خدم سوقهما ينقلان القرب على متونهما يفرغان فى أفواه القوم ثم ترجعان وتملآنها ثم تجيئان وتفرغان فى أفواه القوم وفى البخارى عن عمر

стр. 440

ابن الخطاب ان امّ سليط وهى من نساء الانصار بايعت رسول الله ﷺ كانت تزفر لنا القرب يوم أحد وكانت فاطمة فيمن خرج فلما لقيت النبىّ اعتنقته وزاد فى رواية وبكت ورق النبى ﷺ رقة شديدة وجعل علىّ يجىء بالماء من المهراس فى درقته وفاطمة تغسل جراحاته فيزداد الدم فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير أحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم كذا فى المواهب اللدنية* وفى رواية أخرى فحشى به رواهما البخارى وكان ﷺ يداوى جراحه بالعظام الرميم حتى لم يبق أثر* وروى ان النبىّ ﷺ سأل عن حمزة يوم أحد فذهب الحارث بن الضمة ثم علىّ بن أبى طالب يلتمسانه فوجداه قد بقر بطنه وأخذ كبده ومثل به فرجعا وأخبراه بذلك قال ابن اسحاق وخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه فقال رسول الله حين رأى ما رأى لولا ان تحزن صفية وتكون سنة من بعدى لتركته حتى يكون فى بطون السباع وحواصل الطير* وفى الصفوة لسرّنى أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى ولئن أظهرنى الله على قريش يوما من الدهر فى موطن من المواطن لا مثلنّ بثلاثين رجلا منهم فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا والله لئن أظهرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب* وفى الصفوة فنظر الى شىء لم ينظر الى شىء قط أوجع لقلبه منه* وفى الاكتفاء لما وقف على حمزة قال لن أصاب بمثلك أبدا ما وقفت موقفا قط أغيظ لى من هذا* وفى ذخائر العقبى عن جابر بن عبد الله قال لما رأى النبىّ ﷺ حمزة قتيلا بكى ولما رأى ما مثل به شهق انتهى وكان يحبه حبا شديدا لانّ حمزة كان عمه وأخاه من الرضاعة فقال رحمة الله عليك لقد كنت فعولا للخير وصولا للرحم أم والله لامثلن بسبعين منهم مكانك وكذا فى المواهب اللدنية فنزل جبريل والنبى ﷺ واقف بعد بخواتيم سورة النحل* وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين فعفا رسول الله وصبر* وفى رواية قال أصبر ونهى عن المثلة* وفى رواية وكفر عن يمينه واستغفر لحمزة سبعين مرّة عوضا عنها قال ابن اسحاق ثم قال ﷺ جاءنى جبريل فأخبرنى ان حمزة مكتوب فى أهل السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ثم أمر به رسول الله فسجى ببرد وأقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر الى حمزة وكان أخاها لابيها وأمّها فقال ﷺ لابنها الزبير بن العوّام القها فارجعها لا ترى ما بأخيها فقال لها يا أمه ان رسول الله يأمرك أن ترجعى قالت ولم وقد بلغنى أن قد مثل بأخى وذلك فى الله قليل فما أرضانا بما كان من ذلك لاحتسبن ولا صبرنّ ان شاء الله فلما أخبر الزبير بذلك رسول الله ﷺ قال له خل سبيلها قأتته فنظرت اليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له كذا فى الاكتفاء* وفى الصفوة عن عروة بن الزبير عن الزبير قال لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى اذا كادت تشرف على القتلى قال فكره النبىّ ﷺ أن تراه فقال المرأة المرأة قال الزبير فتوسمت أنها أمى صفية فخرجت أسعى اليها فأدركتها قبل أن تنتهى الى القتلى قال فلدمت فى صدرى وكانت امرأة جلدة وقالت اليك لا أرض لك فقلت ان رسول الله ﷺ عزم عليك فوقفت وأخرجت ثوبين معها فقالت هذان جئت بهما لاخى حمزة فقد بلغنى مقتله فكفنوه بهما فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة فاذا الى جنبه رجل من الانصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة فى ثوبين والانصارى لا كفن له فقلنا لحمزة ثوب وللانصارى ثوب فقدّرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقر عنا بينهما فكفنا كل واحد منهما فى الثوب الذى طار له* وفى ذخائر العقبى فأصاب

стр. 441

الانصارى واسمه سهيل أكبر الثوبين فكفن رسول الله حمزة بالصغير وكان اذا مدّه على وجهه خرجت قدماه واذا مدّه على قدميه خرج وجهه فغطى النبىّ ﷺ وجهه ولف على قدميه ليفا واذ خرا ووضعه فى القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشغ من البكاء يقول يا حمزة يا عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات يا حمزة يا ذاب عن وجه رسول الله قال فطال بكاؤه* والانتحاب رفع الصوت بالبكاء والنشغ الشهيق حتى يبلغ به الغشى* قتل حمزة رضى الله عنه على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة وكان يوم قتل له تسع وخمسون سنة ثم صلّى عليه سبع تكبيرات ثم يؤتى بالقتلى يوضعون الى جنب حمزة فيصلى عليهم وعليه معهم حتى صلّى عليه ثنتين وسبعين صلاة كذا فى الطيبى* دعاء عبد الله بن جحش وسعد بن أبى وقاص وفى الاكتفاء ثم أمر به رسول الله فدفن وزعم آل عبد الله بن جحش ان رسول الله ﷺ دفن عبد الله بن جحش مع حمزة فى قبره قاله الواقدى وعبد الله بن اخته أميمة بنت عبد المطلب وكان قد مثل به كما مثل بخاله حمزة الا انه لم يبقر عن كبده وجدع أنفه وأذناه فلذلك يقال له المجدع فى الله وكان أوّل النهار قد لقى سعد بن أبى وقاص فقال له عبد الله هلم يا سعد فلندع الله وليذكر كل واحد منا حاجته فى دعائه وليؤمّن الآخر فخلوا فى ناحية فقال سعد يا رب اذا لقيت العدوّ غدا فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ثم ارزقنى الظفر عليه حتى أقتله وأسلبه أو قال آخذ سلبه فأمّن عبد الله بن جحش على دعائه ثم قال اللهم ارزقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى فيقتلنى ثم يجدع أنفى وأذنى فاذا لقيتك غدا قلت لى يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذناك فأقول فيك يا رب وفى رسولك فتقول لى صدقت فأمّن سعد على دعوته قال سعد كانت دعوة عبد الله خيرا من دعوتى لقد رأيته آخر النهار وان أذنيه وأنفه معلقان فى خيط ولقيت انا فلانا من المشركين فقتلته وأخذت سلبه قال الواقدى قتل عبد الله بن جحش يوم احد قتله ابو الحكم بن الاخنس ابن شريق وكان له يوم قتل بضع وأربعون سنة وولى رسول الله تركته وأخذ منها سيفه العرجون فاشترى لولده مالا بخيبر قال أجمع العلماء على ان شهداء أحد لم يغلوا وقال ﵇ زملوهم بثيابهم ودمائهم فانه ليس من يكلم كلمة فى الله الا وهو يأتى يوم القيامة يسيل منها الدم اللون لون الدم والريح ريح المسك* وفى المواهب اللدنية ولما أشرف ﵇ على القتلى قال أنا شهيد على هؤلاء وما من جريح يجرح فى الله الا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون الدم والريح ريح المسك* وروى عن بعض أئمة الحديث أن النبىّ ﷺ لم يصل على شهداء أحد والائمة الشافعية اخذوا بهذه الرواية وعن بعض ائمة الحديث انه ﷺ صلّى على شهداء احد وعن ابن عباس انه ﷺ جعل يضع تسعة وحمزة ويصلى عليهم وعلى حمزة فترفع التسعة ويترك حمزة وهكذا حتى فرغ منهم وعن ابن مسعود وضع حمزة فصلى عليه وجىء برجل من الشهداء فوضع الى جنبه فصلى عليهما فرفع ذلك الرجل وترك حمزة حتى صلّى عليه سبعين أو اثنتين وسبعين صلاة كما سبق والائمة الحنفية أخذوا بهذه الرواية* قال ابن اسحاق وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم الى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صرعوا كذا فى الاكتفاء* وفى المشكاة عن جابر قال لما كان يوم أحد جاءت عمتى بأبى لتدفنه فى مقابرنا فنادى منادى رسول الله ردّوا القتلى الى مضاجعهم رواه أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى والدارمى ولفظه للترمذى* وفى المنتقى انّ الناس حملوا قتلاهم الى المدينة ودفنوهم بها فنادى منادى رسول الله ردّوا القتلى الى مضاجعهم فأدرك المنادى رجلا لم يكن دفن فردّ وهو شماس بن عثمان المخزومى* وفى المشكاة ان النبىّ ﷺ قال يوم أحد احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة فى قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآنا رواه

стр. 442

أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى رواه ابن ماجه الى قوله وأحسنوا* وفى الاكتفاء وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة فى القبر الواحد فدفنوا حمزة وعبد الله بن جحش فى قبر كما مرّ ونزل فى قبرهما أبو بكر وعمرو على والزبير ورسول الله ﷺ جالس على حفرته ودفن خارجة بن زيد وسعد بن الربيع فى قبر واحد ودفن نعمان بن مالك وعبد الله بن جحاش ومجدر بن زياد الثلاثة فى قبر واحد قال ابن اسحاق ان رسول الله ﷺ قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام فانهما كانا متصافيين فى الدنيا فاجعلوهما فى قبر واحد* كرامة فى عدم تغير أجساد الشهداء وذكر مالك بن أنس فى موطائه ان السيل حفر قبرهما بعد زمان فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما مانا بالامس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جراحته فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين يوم احد وبين يوم حفر عنهما ست واربعون سنة* غريبة فى أمر معاوية بنبش قبور الشهداء بأحد وفى الصفوة عن جابر بن عبد الله الانصارى قال لما أراد معاوية ان يجرى عينه التى بأحد كتب الى عامله بالمدينة بذلك فكتبوا اليه انا لا نستطيع أن نخرجها الاعلى قبور الشهداء فكتب معاوية ابشوهم قال جابر فلقد رأيتهم يحملون على أعناق الرجال كأنهم قوم نيام وأصابت المسحاة طرف رجل حمزة فانبعثت دما وفى المنتقى مثله* وفى معالم التنزيل عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ لما اصيب اخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت وتأوى الى قناديل من ذهب فى ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا يا ليت اخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب قال الله ﵎ فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على رسوله هذه الآيات ولا تحسبنّ الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا الى آخرها رواه أحمد* وقال رسول الله ﷺ الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فى قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا وفى حديث ابن مسعود فى شهداء أحد قال فيطلع الله عليهم اطلاعة فيقول يا عبادى ما تشتهون فأزيدكم فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث نشاء ثم بطلع عليهم اطلاعة فيقول يا عبادى ما تشتهون فأزيدكم فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث نشاء ثم يطلع عليهم اطلاعة فيقول يا عبادى ما تشتهون فأزيدكم فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث نشاء الا أنا نحب أن تردّ أرواحنا فى أجسادنا ثم نردّ الى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل مرّة أخرى وقال رسول الله ﷺ لجابر بن عبد الله ألا أبشرك يا جابر قال بلى يا نبىّ الله قال ان أباك حيث اصيب بأحد احياه الله ثم قال ما تحب يا عبد الله بن عمر وأن أفعل بك قال أى رب أحب أن تردّنى الى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرّة أخرى وفى رواية ابى بكر بن مردويه يا جابر الا اخبرك ما كلم الله احدا قط الا من وراء حجاب وانه كلم أباك كفاحا قال فسلنى أعطك قال اسألك أن اردّ الى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب انه سبق منى انهم لا يرجعون الى الدنيا قال اى رب فأبلغ من ورائى فأنزل الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا الآية كذا فى المواهب اللدنية* وفى الاكتفاء قال رسول الله والذى نفسى بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع اليها ساعة من النهار وان له الدنيا وما فيها الا الشهيد فانه يحب أن يردّ الى الدنيا فيقاتل فى الله فيقتل مرّة أخرى قال ابن اسحاق ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا الى المدينة* وفى رواية فى آخر النهار فلقيته حمنة بنت جحش فلما لقيت الناس نعى لها أخوها عبد الله ابن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت قال رسول الله ان زوج المرأة منها لبمكان لما

стр. 443

رأى من تنبتها عند اخيها وخالها وصياحها على زوجها ومرّ رسول الله ﷺ بدور من دور الانصار من بنى عبد الاشهل فاستقبلته كبشة بنت رافع أمّ سعد بن معاذ وكان على فرسه وسعد ممسك بعنانه فقال يا رسول الله هذه أمى أقبلت اليك قال مرحبا بها فجاءت حتى نظرت الى وجهه الكريم قالت بأبى انت وأمى يا رسول الله هانت علىّ كل مصيبة اذ سلمت فعزاها رسول الله ﷺ بابنها عمرو بن معاذ ودعا لبنى عبد الاشهل فقال اللهم أذهب حزن قلوبهم وأجرهم فى مصيبتهم وامر أن يأوى كل جريح منزله فنادى سعد لا يتبع رسول الله جريح من بنى عبد الاشهل وكان فيهم زها ثلاثين جريحا قال ابن اسحاق ومرّ رسول الله ﷺ بدور من دور الانصار من بنى عبد الاشهل وبنى ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله ثم قال لكن حمزة لابواكى له فلما رجع سعد وأسيد بن حضير الى دار بنى عبد الاشهل امر نساءهم ان يتحز من ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله فلما سمع رسول الله ﷺ بكاء هنّ على حمزة خرج عليهنّ وهنّ على باب مسجده يبكين عليه فقال ارجعن رحمكنّ الله فقد واسيتن بأنفسكنّ قال ابن هشام ونهى يومئذ عن النوح وحدّثنا أبو عبيدة ان رسول الله لما سمع بكاء هنّ قال رحم الله الانصار فان المواساة منهم ما علمت لقديمة مروهنّ فلينصرفن* وفى رواية لما قال رسول الله ﷺ لكن حمزة لابواكى له اليوم سمعه قوم من الانصار فأتوا نساءهم فأقسموا عليهنّ بالله لا يبكين أنصار يا الليلة حتى يأتين نبىّ الله فيبكين عنده ففعلن فسمع رسول الله ﷺ صياح النساء فى دار حمزة فسأل ما هذا فأخبر بالذى فعلت الانصار بنسائهم فقال لهم معروفا ونهى يومئذ عن النوح فبكرت اليه نساء الانصار وقلن بلغنا يا رسول الله انك نهيت عن النوح وانما هو شىء نندب به موتانا ونجد بعض الراحة فائذن لنا فيه فقال ﷺ ان فعلتن فلا تلطمن ولا تخمشن ولا تحلقن شعرا ولا تسلقن ولا تشققن جيبا كذا فى المنتقى قال ابن اسحاق مرّ رسول الله ﷺ بامرأة من الانصار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله بأحد فلما نعوا اليها قالت ما فعل رسول الله قالوا خيرا يا أمّ فلان وهو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه حتى أنظر اليه فأشير لها اليه حتى اذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل تريد صغيرة وعبارة المنتقى عن أنس خرجت امرأة من الانصار فاستقبلت بأخيها وأبيها وابنها وزوجها أمواتا قالت من هؤلاء قالوا أخوك وأبوك وابنك وزوجك قالت ما فعل النبىّ ﷺ فيقولون امامك فمشت حتى ذهبت الى رسول الله فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول بأبى أنت وأمى يا رسول الله لا أبالى اذ سلمت من عطب* ودخل رسول الله ﷺ والمسلمون المدينة ممسين وليس فيها دار الا وفيها باكية قال ابن اسحاق لما انتهى رسول الله الى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلى عن هذا دمه يا بنية فو الله لقد صدقنى اليوم وناولها علىّ بن أبى طالب سيفه فقال وهذا اغسلى عنه دمه فو الله لقد صدقنى اليوم فقال رسول الله ﷺ لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة* وفى سح السحابة روى أن رسول الله ﷺ رأى عليا عند رجوعه من أحد يعطى سيفه فاطمة ويقول خذيه حميدا فقال النبىّ ﷺ لئن كان سيفك حميدا فسيف أبى دجانة غير ذميم وان صدقت القتال فقد صدق معك أبو دجانة قال ابن هشام وكان يقال لسيف رسول الله ذو الفقار* وقال بعض أهل العلم ان ابن أبى نجيح قال نادى مناد يوم أحد لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علىّ* وفى روضة الاحباب هكذا أورد هذا الحديث بعض المحدّثين وأهل السير فى كتبهم لكن الذهبى وهو محك الرجال ضعف راويه وكذبه فى كتاب ميزان الاعتدال قال ابن هشام وحدّثنى بعض أهل العلم ان رسول الله ﷺ قال لعلىّ بن أبى طالب

стр. 444

لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا وبات جماعة من الصحابة تلك الليلة على باب مسجد رسول الله خوفا من رجوع قريش ومكرهم ولما بكى المسلمون على قتلاهم سرّ بذلك المنافقون وظهر غش اليهود* وذكر القاضى عياض فى الشفاء عن القاضى أبى عبد الله بن المرابط من المالكية أنه قال من قال انّ النبىّ ﷺ هزم يستتاب فان تاب والا قتل لانه تنقيص اذ لا يجوز ذلك عليه فى خاصته اذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته كذا فى المواهب اللدنية * بيان الحكم الربانية فى ابتلاء المسلمين قال ابن اسحاق وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحق به المنافقين ممن كان يظهر الاسلام بلسانه وهو مستخف بالكفر فى قلبه ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته وقد كان فى قصة أحد وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهى لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذى أمرهم رسول الله أن لا يبرحوا منه* ومنها ان عادة الرسل تبتلى وتكون لهم العاقبة والحكمة فى ذلك لو انتصروا دائما لدخل فى المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الامرين ليتميز الصادق من الكاذب وذلك ان نفاق المنافقين كان مخفيا على المسلمين فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من القول والفعل عاد التلويح تصريحا وعرف المسلمون انّ لهم عدوّا فى دورهم وبين أظهرهم واستعدّوا لهم وتحرزوا عنهم* ومنها انّ فى تأخير النصر فى بعض المواطن هضما للنفس وكسر الشماختها فلما ابتلى المسلمون صبروا وجزع المنافقون* ومنها انّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل فى دار كرامته لا تبلغها أعمالهم فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا اليها* ومنها انّ الشهادة من أعلى مراتب الاولياء فساقهم اليها بين يدى الرسول ليكون شهيدا عليهم* ومنها انه أراد اهلاك أعدائه فقيض لهم الاسباب التى يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم فى أذى أوليائه فمحص ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين* قال ابن اسحاق وفى شأن أحد أنزل الله تعالى ستين آية من آل عمران* وعن عبد الرحمن بن عوف أنزل الله فى شأن يوم أحد عشرين ومائة آية من آل عمران واذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال الى قوله أمنة نعاسا* (ذكر شهداء أحد) * قال ابن اسحاق استشهد يوم أحد من المسلمين مع رسول الله ﷺ من المهاجرين ثم من بنى هاشم بن عبد مناف* حمزة ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف قتله وحشى غلام جبير بن مطعم ومن بنى أمية بن عبد شمس* عبد الله بن جحش حليف لهم من بنى أسد بن خزيمة ومن بنى عبد الدار بن قصى مصعب بن عمير قتله عبد الله بن قميئة الليثى ومن بنى مخزوم بن يقظة شماس بن عثمان أربعة نفر* ومن الانصار من بنى عبد الاشهل عمرو بن معاذ بن النعمان والحارث بن أنس بن رافع وعمارة بن زياد بن السكن وسلمة ابن ثابت بن وقش وعمرو بن ثابت بن وقش وقد زعم عاصم بن عمرو بن قتادة ان أباهما ثابتا قتل يومئذ ورفاعة بن وقش وحسبل بن جابر أبو حذيفة وهو اليمان أصابه المسلمون فى المعركة ولا يدرون فتصدّق حذيفة بدينه على من أصابه وصيفى بن قيظى وخباب بن قيظى وعباد بن سهل والحارث بن أوس بن معاذ اثنا عشر رجلا* ومن أهل رابح اياس بن أوس بن عتيك الاشهلى وعبيد بن التيهان قال ابن هشام ويقال عتيك بن التيهان وحبيب بن زيد بن تيم ثلاثة نفر* ومن بنى ظفر يزيد بن حاطب ابن أمية بن رافع رجل ومن بنى عمرو بن عوف ثم من بنى ضبيعة بن زيد أبو سفيان بن الحارث بن وقشر بن زيد وحنظلة بن أبى عامر بن صيفى بن نعمان وهو غسيل الملائكة قتله شدّاد بن الاسود بن شعوب اللبثى رجلان ومن بنى عبيد بن زيد أنيس بن قتادة رجل ومن بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف

стр. 445

أبو حبة وهو أخو سعد بن خيثمة لامه قال ابن هشام أبو حبة بن عمرو بن ثابت قال ابن اسحاق وعبد الله بن جبير بن النعمان وهو أمير الرماة رجلان ومن بنى السلم بن امرئ القيس بن مالك بن أوس خيثمة بن سعد بن خيثمة رجل ومن حلفائهم من بنى العجلان عبد الله بن سلمة رجل ومن بنى معاوية ابن مالك سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة رجل* ومن بنى النجار ثم من بنى سواد ابن مالك بن غنم عمرو بن قيس وابنه قيس بن عمرو* وثابت بن عمرو بن زيد* وعامر بن مخلد أربعة نفر* ومن بنى مبذول أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن ثقف بن مالك بن مبذول* وعمرو بن مطرف بن علقمة رجلان ومن بنى عمرو بن مالك* أوس بن ثابت بن المنذر رجل وهو أخو حسان بن ثابت* ومن بنى عدى بن النجار أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد النجارى رجل* ومن بنى مازن بن النجار* قيس بن مخلد وكيسان عبد لهم رجلان* ومن بنى مازن بن النجار أيضا سليم بن الحارث ونعمان بن عبد عمرو رجلان* ومن بنى الحارث بن الخزرج خارجة بن زيد بن أبى زهير وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير دفنا فى قبر واحد وأوس بن الارقم بن زيد بن قيس ثلاثة نفر* ومن بنى الابجر وهم بنو خدرة مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الابجر وهو والد أبى سعيد الخدرى قال ابن هشام اسم أبى سعيد سنان ويقال سعد قال ابن اسحاق وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الابجر وعتبة بن ربيع بن رافع بن معاوية ثلاثة نفر* ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج ثعلبة بن سعد بن مالك الساعدى وثقف بن فروة بن اليدى رجلان ومن بنى ظريف رهط سعد بن عبادة عبد الله بن عمرو بن وهب بن ثعلبة وضمرة حليف لهم من جهينة رجلان ومن بنى عمرو بن عوف بن الخزرج ثم من بنى سالم ثم من بنى مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم نوفل بن عبد الله وعامر بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ونعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر والمجدر بن زياد حليف لهم من بلى وعبادة بن الحسحاس* دفن نعان بن مالك والمجدر وعبادة فى قبر واحد خمسة نفر* ومن بنى الحبلى زفاعة بن عمرو رجل ومن بنى سلمة ثم من بنى حرام عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام دفنا فى قبر واحد وخلاد بن عمرو بن الجموح وأبو أيمن مولى عمرو بن الجموح أربعة نفر ومن بنى سواد بن غنم سليم بن عمرو بن حديدة ومولاه عنترة وسهل بن قيس بن أبى بن كعب ابن القين ثلاثة نفر ومن بنى زريق بن عامر ذكوان بن عبد قيس وعبيد بن المعلى بن لوذان رجلان قال ابن هشام عبيد بن المعلى من بنى حبيب* عدّة الشهداء بأحد قال ابن اسحاق فجميع من استشهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ من المهاجرين والانصار خمسة وستون رجلا وفى المشكاة عن أنس قتل من الانصار يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة على عهد أبى بكر سبعون رواه البخارى وفى المواهب اللدنية قد استشهد يوم أحد من المسلمين سبعون فيما قاله مغلطاى وغيره وقيل خمسة وستون أربعة من المهاجرين وروى ابن منده من حديث أبى بن كعب قال استشهد من الانصار يوم أحد أربعة وستون ومن المهاجرين ستة وصححه ابن حبان وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا وقتل النبىّ ﷺ بيده أبى بن خلف قال ابن هشام وممن لم يذكر ابن اسحاق من السبعين الشهداء الذين ذكرنا من الاوس ثم من بنى معاوية بن مالك مالك بن نميلة حليف لهم من مزينة ومن بنى خطمة واسم خطمة عبد الله بن جشم بن مالك بن الاوس الحارث ابن عدى بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة ومن بنى الخزرج ثم من بنى سواد بن مالك مالك بن اياس ومن بنى عمرو بن النجار اياس بن عدى ومن بنى سالم بن عوف عمرو بن اياس* قال ابن اسحاق وقتل من المشركين يوم أحد من قريش ثم من بنى عبد الدار بن قصى بن أصحاب اللواء طلحة بن أبى

стр. 446

طلحة واسم أبى طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار قتله على بن أبى طالب قال ابن اسحاق وعثمان بن أبى طلحة قتله حمزة وأبو سعيد بن أبى طلحة قتله علىّ وقيل سعد بن أبى وقاص ومسافع بن طلحة والجلاس بن طلحة قتلهما عاصم بن ثابت بن أبى الافلح وكلاب بن طلحة والحارث بن طلحة قتلهما قزمان حليف لبنى ظفر قال ابن هشام ويقال قتل كلابا عبد الرحمن بن عوف* قال ابن اسحاق وأرطاه بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله حمزة بن عبد المطلب وأبو يزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله قزمان وشريح بن فارض قتله بعض المسلمين كذا فى المنتقى وصواب غلام لهم حبشى قتله قزمان* قال ابن هشام ويقال قتله على بن أبى طالب ويقال سعد بن أبى وقاص ويقال أبو دجانة قال ابن اسحاق والقاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله قزمان أحد عشر رجلا ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد قتله على بن أبى طالب وسباع بن عبد العزى بن نضلة الخزاعى حليف لهم قتله حمزة بن عبد المطلب رجلان ومن بنى مخزوم بن يقظة هشام بن أبى أمية بن المغيرة قتله قزمان والوليد بن العاص بن هشام ابن المغيرة قتله قزمان أربعة نفر ومن بنى جمح بن عمرو عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح وهو أبو عزة الشاعر قتله رسول الله ﷺ صبرا وأبى بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح قتله رسول الله ﷺ رجلان ومن بنى عامر بن لؤى عبيدة بن جابر وشيبة بن مالك بن المضرب قتلهما قزمان رجلان قال ابن هشام ويقال قتل عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود* قال ابن اسحاق فجميع من قتله الله تعالى يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلا* وفى المواهب اللدنية ثلاثة وعشرون رجلا* غزوة حمراء الاسد وفى هذه السنة وقعت غزوة حمراء الاسد قال ابن اسحاق كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوّال السنة الثالثة من الهجرة فلما كان يوم الاحد من الغد من يوم أحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة خرج رسول الله ﷺ الى حمراء الاسد وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة كذا فى سيرة ابن هشام وقيل عشرة* وفى معجم ما استعجم هى على يسار الطريق اذا أردت ذا الحليفة واليها انتهى رسول الله ﷺ اليوم الثانى من أحد لما بلغه ان قريشا منصرفون الى المدينة* قال أهل السير لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من قتال أحد وبلغوا الروحاء بالفتح ثم السكون ثم حاء مهملة أكثر ما قيل فى المسافة بينها وبين المدينة اثنان وأربعون ميلا* وفى صحيح مسلم ست وثلاثون وفى القاموس على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا بئس ما صنعتم لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى اذا لم يبق منهم الا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوّة وشوكة* وفى الكشاف ولما عزموا على الرجوع ألقى الله الرعب فى قلوبهم فامسكوا وفى رواية منعهم صفوان بن أمية ويقول لا تفعلوا فانّ القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان فارجعوا فرجعوا وفى المنتقى قال يا قوم لا ترجعوا فانّ محمدا وأصحابه الآن فى حنق شديد مما أصابهم فو الله ما أمنت ان رجعتم أن يجتمع جميع من كان تخلف عن أحد من الاوس والخزرج ويطؤكم ويغلبوا عليكم والآن لكم الغلبة فلا يكون الا أن ينعكس الامر فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يقذف فى قلوبهم الرعب ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة وانّ الذى أصابهم لم يوهنهم من عدوّهم فندب أصحابه للخروج فى طلب أبى سفيان وأصحابه فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجراح والقرح الذى أصابهم يوم أحد ففى اليوم الثانى من وقعة أحد نادى منادى رسول الله بالخروج فى طلب العدوّ وأن لا يخرجنّ معنا أحد الا من حضر يومنا بالامس فكلمه جابر بن عبد الله ابن عمرو

стр. 447

فقال يا رسول الله انّ أبى كان قد خلفنى على أخوات لى سبع وقال يا بنى انه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهنّ ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله على نفسى فتخلف على اخوتك فتخلفت عليهنّ فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه ولم يخرج ممن لم يشهد قتال أحد غيره فلما سمعوا النداء تسارعوا الى الخروج ولم يشتغلوا بالتداوى فخرجوا مع الجراحات المتعدّدة واستعمل النبىّ ﷺ على المدينة ابن أمّ مكتوم فيما قاله ابن هشام وخرج وهو مجروح مشجوج مكسور الرباعية مكلوم الشفة متوهن المنكب الايمن من ضرب ابن قميئة وفى المنتقى وشفته العليا قد كلمت من باطنها وخرج لابسا سلاحه ووقف على الطريق راكبا حتى لحق به أصحابه فأنزل فيهم الذين استجابو الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ودفع لواءه وهو معقود لم يحلّ بعد الى على بن أبى طالب وقيل الى أبى بكر الصدّيق ونزل اليه أهل العوالى وقدّم ثلاثة نفر من أسلم طليعة فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الاسد وللقوم زجل وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم كما مرّ فبصروا بالرجلين فرجعوا اليهما فقتلوهما ومضى رسول الله وأصحابه حتى نزلوا بحمراء الاسد وعسكروا هناك ودفنوا الرجلين فى قبر واحد فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء وأمر حتى أوقدوا تلك الليالى خمسمائة نار فذهب صيت عسكرهم ونارهم الى كل جانب فكبت الله بذلك عدوّهم فمرّ برسول الله معبد بن أبى معبد الخزاعى بحمراء الاسد وهو يريد مكة وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ كان مشركا فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك فى أصحابك ولوددنا انّ الله عافاك فيهم ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الاسد حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة الى رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا أصبنا أحدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم فمنعهم صفوان ابن أمية عن ذلك فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط يتحرّفون عليكم تحرّفا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه فى يومكم وندموا على ما صنعوا وفيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط قال ويلك ما تقول قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصى الخيل قال فو الله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل قال فانى أنهاك عن ذلك والله لقد حملنى ما رأيت ان قلت فيه أبياتا من شعر قال وما قلت قال قلت كادت تهد من الاصوات راحلتى ... اذ سالت الارض بالجرد الابابيل وذكر أبياتا فتر ذلك أبا سفيان ومن معه فقذف الله فى قلوبهم الرعب والتزلزل حتى رجعوا عما هموا به فارتحلوا سراعا وذلك قوله تعالى سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب* ومرّ به ركب من عبد القيس فقال أين تريدون قالوا نريد المدينة قال ولم قالوا نريد الميرة قال فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها اليه وأحمل لكم بهذه غدا زبيبا بعكاظ اذا وافيتمونا قالوا نعم قال فاذا وافيتموه فأخبروه انا قد أجمعنا الرجعة والسير اليه والى أصحابه لنستأصل بقيتهم فبعث معبد الى النبىّ ﷺ من يخبره بما وقع من استخبار أبى سفيان عنه وجوابه ومنع صفوان اياه عن الرجعة واندفاعهم الى مكة فقال النبىّ ﷺ أرشدهم صفوان وما كان برشيد وقال ﷺ وهو بحمراء الاسد حين بلغه انهم هموا بالرجعة والذى نفسى بيده لقد سوّمت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب كذا فى سيرة ابن هشام والاكتفاء* فمرّ الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الاسد فأخبروه بالذى قال أبو سفيان وأصحابه فقال رسول الله ﷺ وأصحابه

стр. 448

حسبنا الله ونعم الوكيل هذا قول أكثر المفسرين وقال مجاهد وعكرمة نزلت هذه الآية فى غزوة بدر الصغرى الموعد وستجىء وأخذ رسول الله فى وجهه ذلك قبل رجوعه الى المدينة رجلين أحدهما معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس جدّ عبد الملك بن مروان أبو أمّه عائشة بنت معاوية والثانى أبو عزة الجمحى اسمه عمرو بن عبد الله بن عثمان وكان رسول الله ﷺ أسره يبدر ثم منّ عليه وأطلقه لبناته الخمس وأخذ عليه العهد أن لا يعود الى حرب المسلمين وأن لا يظاهر عليهم أحدا وقد نقض العهد وحضر أحدا كما مرّ فى غزوة أحد فلما جىء به الى النبىّ ﷺ قال يا رسول الله أقلنى فقال رسول الله والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها تقول خدعت محمدا مرّتين اضرب عنقه يا زبير فضرب عنقه كذا فى سيرة ابن هشام وفى رواية لا تمسح لحيتك بمكة تجلس فى الحجر وتقول خدعت محمدا مرّتين* قال ابن هشام وبلغنى عن سعيد بن المسيب أنه قال قال رسول الله ﷺ انّ المؤمن لا يلدغ من حجر مرّتين اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه وانصرف ﵇ الى المدينة ودخلها يوم الجمعة وكانت غيبته خمس ليال وأمّا معاوية بن المغيرة فاستأمن له عثمان بن عفان رسول الله فأمّنه على انه ان وجده بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعث النبىّ ﷺ زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال انكما ستجدانه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه* سرقة طعمة وفى هذه السنة سرق طعمة بن أبيريق من بنى ظفر بن الحارث بفتح الفاء بطن من الانصار درعا لقتادة بن النعمان وهو جار له وكانت الدرع فى جراب فيه دقيق ينتثر من خرق فى الجراب حتى انتهى الى دار طعمة ثم خبأها عند يهودى يقال له زيد السمين فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف والله ما أخذها ولا له بها من علم فقال أصحاب الدرع لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق فانتهوا الى منزل اليهودى فأخذوها فقال دفعها الىّ طعمة فقال قوم طعمة وهم بنو ظفر انطلقوا الى رسول الله ليجادل عن صاحبنا وأخبروه بخلاف الحق قالوا ان لم نفعل افتضح صاحبنا وبرئ اليهودى ففعلوا وصدّقهم النبىّ ﷺ وهمّ أن يعاقب اليهودى فأنزل الله تعالى انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما فلما ظهرت السرقة على طعمة خاف على نفسه من قطع اليد وهرب الى مكة وارتدّ عن الدين فنزل على رجل من أهل مكة يقال له الحجاج بن علاط من بنى سليم فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع أن يدخل ولا أن يخرج حتى أصبح فأخذ ليقتل فقال بعضهم دعوه فانه قد لجأ اليكم فتركوه وأخرجوه من مكة فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشأم فنزل منزلا فسرق بعض متاعهم فطلبوه فأخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه فصار قبره تلك الحجارة وقيل انه ركب سفينة الى جدّة فسرق فيها كبسا فيه دنانير فألقى فى البحر وقيل انه نزل حرة بنى سليم وكان يعبد صنما لهم الى أن مات فأنزل الله انّ الله لا يغفر أن يشرك به الآية* وفى ذى القعدة من هذه السنة علقت فاطمة بالحسين وكان بين ولادة الحسن وعلوقها بالحسين خمسون ليلة وستجىء ولادة الحسين فى الموطن الرابع * (الموطن الرابع فى حوادث السنة الرابعة من الهجرة من سرية أبى سلمة الى قطن ووفاته وسرية عبد الله بن أنيس الى عرنة لقتل سفيان بن خالد وسرية المنذر الى بئر معونة وسرية عاصم وقصة الرجيع وسرية عمرو بن أمية الضمرى الى مكة لقتل أبى سفيان وغزوة بنى النضير ووفاة زينب بنت خزيمة وغزوة ذات الرقاع وصلاة الخوف فيها ووفاة عبد الله بن عثمان وولادة الحسين بن علىّ وتعلم زيد بن ثابت كتاب اليهود وغزوة بدر الصغرى الموعد وتزوّج أمّ سلمة ورجم اليهوديين ووفاة فاطمة بنت أسد أمّ علىّ وتحريم الخمر عند البعض) *

стр. 449

* سرية أبى سلمة الى قطن وفى هذه السنة لهلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة كانت سرية أبى سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم معه مائة وخمسون رجلا من المهاجرين والانصار لطلب طليحة وسلمة ابنى خويلد الاسديين الى قطن بفتح أوّله وثانيه جبل بناحية فيد كذا فى المواهب اللدنية وفى غيره ببلاد بنى أسد على يمينك اذا فارقت الحجاز وأنت صادر من النقرة* قال ابن اسحاق قطن ماء من مياه بنى أسد بنجد بعث اليه رسول الله ﷺ أبا سلمة بن عبد الاسد فى سرية فقتل مسعود بن عروة كذا فى معجم ما استعجم روى ان النبىّ ﷺ فى آخر السنة الثالثة أو فى أوّل السنة الرابعة بعث أبا سلمة بن عبد الاسد المخزومى الى بنى أسد وسببه انه أخبر النبىّ ﷺ انّ طليحة وسلمة ابنى خويلد يحرضان جماة من قومهما ومن تبعهما على قتال النبىّ ﷺ ويريدان اغارة المواشى من أرجاء المدينة وفى رواية جمعوا وتوجهوا الى المدينة ثم بدا لهم الرجوع فرجعوا الى منازلهم فدعا النبىّ أبا سلمة وعقد له لواء وأمّره على مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار منهم أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبى وقاص وأسيد ابن حضير وأبو نائلة وأبو سبرة بن أبى رهم الغفارى وعبد الله بن سهل وأرقم بن أبى الارقم وأمر أبا سلمة بالمسير اليهم والاغارة عليهم بغتة قبل أن يعلموا ويجمعوا الجيش فخرج أبو سلمة من المدينة ودليله الوليد ابن الزبير الطائى ويسير معتسفا الى أن وصل الى قطن وأغار على سرحهم ودوابهم وأصابوا ثلاثة أعبد كانوا رعاة وهرب الباقون ولحقوا بقومهم وأخبروهم بمجىء أبى سلمة وكثرة جيشه فخافوا وهربوا عن منازلهم ثم نزلها أبو سلمة وأغاروا وجمعوا ما قدروا عليه من الاموال ورجعوا الى المدينة وأعطى الدليل الطائى ما رضى به من الاموال وعزل من الغنيمة عبد اللنبى ﷺ صفى المغنم ثم خمسها وقسم الباقى على أهل السرية فبلغ سهم كل واحد منهم سبعة أبعرة وأغناما ومدّة غيبته فى تلك السرية عشرة أيام وفى هذه السنة توفى أبو سلمة* وفى المواهب اللدنية مات أبو سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة انتهى وكان أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الارقم وهاجر الى الحبشة الهجرتين ومعه امرأته أمّ سلمة* قال سهل بن حنيف أوّل من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ أبو سلمة وكذا أورد فى المنتقى وانه توفى فى السنة الرابعة من الهجرة* وقال فى الصفوة شهد بدرا وجرح بأحد فمكث شهرا يداوى جراحه ثم بعثه رسول الله فى سرية فلما قدم انتقض جرحه ثم توفى سنة ثلاث من الهجرة فحضره رسول الله ﷺ وأغمضه بيده* سرية عبد الله بن أنيس الى قتل سفيان بن خالد وفى هذه السنة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس وحده الى قتل سفيان بن خالد بن نبيح الهذلى اللحيانى وفى الاكتفاء خالد بن سفيان ببطن عرنة وادى عرفة وفى القاموس بطن عرنة كهمزة بعرفات وليس من الموقف* وفى الاكتفاء وهو بنخلة أو بعرنة يجمع لحرب رسول الله الناس قال عبد الله بن أنيس دعانى رسول الله ﷺ وقال انه قد بلغنى ان سفيان بن نبيح الهذلى يجمع لى الناس قال انك اذا رأيته أدركك الشيطان وآية ما بينك وبينه انك اذا رأيته وجدت له قشعريرة قال فخرجت متوشحا سيفى حتى دفعت اليه وهو فى ظعن يرتاد لهنّ منزلا وكان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما قال لى رسول الله ﷺ من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بينى وبينه مجادلة تشغلنى عن الصلاة فصليت وأنا أمشى نحوه أومئ برأسى فلما انتهيت اليه قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك قال أجل أنا فى ذلك قال فمشيت معه شيئا حتى اذا أمكننى حملت عليه بالسيف فقتلته ثم خرجت وتركت ظعائنه مكيات عليه فلما قدمت على رسول الله صلّى الله عليه

стр. 450

وسلم فرآنى قال أفلح الوجه قلت قد قتلته يا رسول الله قال صدقت ثم قام بى وأدخلنى بيته وأعطانى عصا فقال امسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه العصا قلت أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرنى أن أمسكها عندى قالوا أفلا ترجع اليه فتسأله لم ذلك فرجعت فقلت يا رسول الله لم أعطيتنى هذه العصا قال آية بينى وبينك يوم القيامة ان أقل الناس المتخصرون يومئذ فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل معه حتى مات ثم أمر بها فضمت فى كفنه ثم دفنا جميعا* وفى المواهب اللدنية أوردها فى السنة الرابعة وأوردها فى الوفاء فى السنة الخامسة بعد غزوة بنى قريظة وأوردها بعض أهل السير بعد سرية عاصم بن ثابت قال انه يعنى سفيان بن خالد كان سببا لقصة الرجيع وقتل عاصم وأصحابه فتكون سرية عبد الله بن أنيس بعد الرجيع* وفى بعض السير فلما قتله أخذ رأسه وكان يسير بالليل ويتوارى بالنهار فدخل غارا فبعث الله العنكبوت حتى نسجت على فم الغار وأخبر قومه فخرحوا فى طلبه فلم يجدوا فرجعوا فخرج عبد الله حتى قدم المدينة يوم السبت لسبع بقين من المحرم كذا فى المواهب اللدنية والوفاء فقال النبىّ ﷺ أفلح الوجه قال أفلح الله وجهك يا رسول الله ووضع رأسه بين يديه وكانت مدة غيبته ثمانية عشر يوما روى ان النبىّ ﷺ أعطاه مخصرة وقال تخصر بهذه فى الجنة وكانت المخصرة عنده الى وقت وفاته فلما دنا موته وصى بها أهله حتى لفوها فى كفنه ودفنوها معه وفى القاموس وذو المخصرة عبد الله بن أنيس لانّ النبىّ ﷺ أعطاه مخصرة وقال تلقانى بها فى الجنة والمخصرة كالمكنسة ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه وما يأخذه الملك بيده يشير به اذا خاطب والخطيب اذا خطب* سرية المنذر بن عمرو الى بئر معونة وفى هذه السنة كانت سرية المنذر بن عمرو الى بئر معونة أوّلها فى المحرم كذا قاله فى الوفاء وقدّمها على سرية الرجيع كما فى المنتقى وأمّا فى المواهب اللدنية فقدّم سرية الرجيع على بئر معونة كما قاله ابن اسحاق والله أعلم وأورد كلتاهما فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد* وفي المواهب اللدنية بئر معونة بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان وفى معجم ما استعجم ماء لبنى عامر بن صعصعة وفى الاكتفاء وهى بين أرض بنى عامر وحرّة بنى سليم كلا البلدين منها قريب وهى الى حرّة بنى سليم أقرب* وفى الوفاء فى الصحيح من رواية أنس قال انّ النبىّ ﷺ أتاه رعل فزعموا انهم قد أسلموا واستمدّوه على قومهم فأمدّهم النبىّ بسبعين من الانصار قال أنس كنا نسميهم القراء وبعث معهم المطلب السلمى ليدلهم على الطريق فانطلقوا بهم حتى اذا بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم فقنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وبنى لحيان* رعل بكسر الراء وسكون المهملة بطن من سليم ينسبون الى رعل بن عوف بن مالك وذكوان بطن من سليم أيضا ينسبون الى ذكوان بن ثعلبة فنسبت اليها الغزوة وهذه الغزوة تعرف بسرية القراء وفى رواية لما أخبره جبريل وجد وجدا شديدا فقنت شهرا وقيل أربعين يوما فى صلاة الغداة وذلك بدء القنوت يدعو على رعل وذكوان وعصية وسائر القبائل فيقول اللهمّ اشدد وطأتك على مضروا جعل عليهم ستين كسنى يوسف اللهم عليك ببنى لحيان ورعل وذكوان وعصية فانهم عصوا الله ورسوله اللهم عليك ببنى لحيان وعضل والقارة وفى بعض الروايات ما يقتضى انّ الذين استمدّوا لم يظهروا الاسلام بل كان بينهم وبين النبىّ عهد وانهم غير الذين قتلوا القراء لكنهم من قومهم وهو الذى فى كتب السير وقد بين ابن اسحاق فى المغازى وكذلك موسى ابن عقبة عن ابن شهاب أسماء الطائفتين وانّ أصحاب العهد هم بنو عامر ورأسهم أبو براء عامر بن مالك ابن جعفر المعروف بملاعب الا سنة والطائفة الاخرى من بنى سليم وان عامر بن أخى ملاعب الاسنة

стр. 451

أراد الغدر بأصحاب النبىّ ﷺ فدعا بنى عامر الى قتالهم فامتنعوا وقالوا لا نخفر ذمّة أبى براء فاستصرخ عليهم عصية وذكوان من بنى سليم فأطاعوه وقتلوهم قالوا ومات أبو براء بعد ذلك أسفا على ما صنع به عامر بن الطفيل بن أخيه وقيل أسلم أبو براء عند ذلك وقاتل حتى قتل وعاش عامر بن الطفيل حتى مات كافرا بدعاء النبىّ ﷺ أصابته غدّة كغدّة البعير ولم يكن القراء المذكورون كلهم من الانصار بل كان بعضهم من المهاجرين مثل عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصدّيق ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى وغيرهما* وفى بعض كتب السير قصة بئر معونة أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر المشهور بملاعب الا سنة وكان سيد بنى عامر بن صعصعة من أهل نجد قدم على رسول الله المدينة وأهدى له هدية فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلها وقال لا أقبل هدية مشرك وعرض عليه الاسلام وأخبر بماله فيه وما وعد الله المؤمنين وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد انّ الذى تدعو اليه حسن جميل ولو بعثت رجالا من أصحابك الى أهل نجد فيدعوهم الى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله ﷺ انى أخشى عليهم أهل نجد قال أبو براء أنالهم جاران تعرّض لهم أحد فابعثهم فليدعوا الناس الى أمرك فبعث سبعين رجلا على الرواية الاكثرية الصحيحة وأربعين رجلا على رواية البعض وثلاثين راكبا على رواية الآخرين يقال لهم قراء الصحابة وكان أكثرهم من الانصار وأربعة من المهاجرين المنذر ابن عمر والساعدى وحرام وسليم ابنا ملحان وحارث بن الصمة وعامر بن فهيرة والحكم بن كيسان وسهل بن عامر وطفيل بن أسعد وأنس بن معاوية ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى وعطية بن عبد عمرو ومالك بن ثابت وسفيان بن ثابت وعمرو بن أمية الضمرى وكعب بن زيد والمنذر بن محمد بن عقبة بن الجلاح فى رجال مسمين من خيار المسلمين كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل وأمر عليهم فى صفر المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة وهو أحد نقباء ليلة العقبة وكتب كتابا الى رؤساء نجد وبنى عامر ودفعه اليهم فساوا حتى نزلوا بئر معونة وبعثوا رواحلهم الى المرعى مع عمرو بن أمية الضمرى ورجل آخر من الانصار أحد بنى عمرو بن عوف* وفى رواية حارث ابن الصمة بدل الانصارى* وقال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ هذا الماء فقال حرام بن ملحان أنا فخرج بكتاب رسول الله الى عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام وقال أتؤمنونى أن أبلغ رسالة رسول الله ﷺ لم ينظر عامر بن الطفيل فى كتاب رسول الله ﷺ فقال حرام بن ملحان يا أهل ماء بئر معونة انى رسول رسول الله ﷺ انى أشهد أن لا اله الا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج اليه رجل من كسر البيت فطعنه بالرمح فى حنبه حتى خرج من الشق الآخر* وفى رواية فأومؤا الى رجل حتى أتاه من خلفه فطعنه بالرمح حتى أنفذ فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة وقال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه ثم استصرخ عامر بن الطفيل بنى عامر على المسلمين فامتنعوا وقالوا لا نخفر ذمّة أبى براء عمك وقد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم عصية ورعلا وذكوان من سليم فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم وأحاطوا بهم فى رحالهم فلما رآهم المسلمون أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم الا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فانهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق* وفى رواية لما استبطأ المسلمون حراما أقبلوا فى أثره فلقيهم القوم فأحاطوا بهم وكاثروهم فقال المسلمون اللهمّ انا لم نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك فاقرئه منا السلام فبلغ جبريل رسول الله سلامهم فقال وعليهم السلام وكان فى سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى

стр. 452

ورجل آخر من الانصار من بنى عمرو بن عوف وقيل انه المنذر بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح فلم ينبههما بمصاب أصحابهما الا الطير تحوم على العسكر فقالا والله انّ لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا فاذا القوم فى دمائهم والخيل التى أصابتهم واقفة فقال الانصارى لعمرو بن أمية الضمرى ماذا ترى قال أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فقال الانصارى لكنى ما كنت أرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو الساعدى ثم قاتل القوم* وفى رواية قتل أربعة من المشركين حتى قتل وأسر عمرو بن أمية فأتى به الى عامر بن الطفيل فقام ودخل به فى القتلى يستبرئهم ويسأل عن اسم كل واحد ونسبه ثم قال هل من أصحابك من ليس فيهم قال نعم ما رأيت فيهم عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصدّيق وكان قد قتله رجل من بنى كلاب قال أى رجل هو فيكم قال من أفضلنا وأوّل المسلمين من أصحاب رسول الله قال لما قتل رأيته رفع الى السماء* وعن عروة انّ عامر بن الطفيل كان يقول من رجل منهم لما قتل وفى أسد الغابة قال عامر بن الطفيل لرسول الله ﷺ لما قدم عليه من الرجل الذى لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء دونه قال هو عامر بن فهيرة كذا فى معالم التنزيل* وفى شرح صحيح البخارى للكرمانى قال عروة طلب عامر يومئذ فى القتلى فلم يوجد قال ويرون أن الملائكة دفنته أو رفعته* وروى عن جبار بن سلمى قاتل عامر بن فهيرة أنه قال لما طعنته بالرمح وأنفذته سمعته قال فزت والله ورأيته رفع الى السماء* وفى معجم ما استعجم أنه أخذ من رمحى وصعد به فانطلقت الى ضحاك بن سفيان الكلابى وحكيت له قول عامر بن فهيرة فزت والله قال ضحاك ان مقصوده انك فزت بالجنة فعرض ضحاك علىّ الاسلام فأسلمت وكان ما رأيته سببا لاسلامى* وفى الاكتفاء وكان جبار بن سلمى يقول انّ مما دعانى الى الاسلام انى طعنت رجلا منهم بالرمح بين كتفيه فنظرت الى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول فزت والله فقلت فى نفسى ما فاز ألست قد قتلت الرجل حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا الشهادة فقلت فاز لعمر الله* ونقل انّ الضحاك بن سفيان كتب الى رسول الله ﷺ يخبره باسلام جبار وبما رآه من رفع عامر ابن فهيرة الى السماء قال دفنته ملائكة الجنة ورفع روحه الى عليين* وفى صحيح مسلم عن أنس دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا وفى المنتقى أربعين يدعو على رعل وذكوان وبنى لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله* قال أنس أنزل الله فى الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنا قرأناه ثم نسخ بعد أى نسخت تلاوته وهو بلغوا عنا قومنا انا قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه* وفى رواية عنه وأرضانا انتهى كذا وقع فى هذه الرواية وهو يوهم ان بنى لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك وانما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم وأمّا بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع وانما أتى الخبر الى رسول الله ﷺ عنهم كلهم فى وقت واحد فدعا على الذين أصابوا أصحابه فى الموضعين دعاء واحدا والله أعلم كذا فى المواهب اللدنية* روى انهم لما أسروا عمرو بن أمية وأتوا به الى عامر بن الطفيل وأخبر انه من ضمرة أطلقه وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم انها كانت على أمّه فقدم عمرو على النبىّ ﷺ فأخبره الخبر قال هذا عمل أبى براء قد كنت لهذا كارها متخوّفا* روى ان ربيعة بن أبى براء بعد موت أبيه طعن عامر بن الطفيل فقتله كذا فى معالم التنزيل* وفى رواية طعنه فى نادى قومه حتى أشرف على الهلاك فقال ان عشت فلا أبالى بذلك وان مت فدمى لعمى فعاش بعد ذلك حتى ابتلى بغدة كغدة البعير ومات كافرا ويجىء فى الموطن العاشر* وفى معالم التنزيل قتل المنذر بن عمرو وأصحابه الا ثلاثة نفر كانوا فى طلب ضالة لهم أحدهم عمرو بن أمية الضمرى فلم يرعهم الا الطير تحوم فى السماء يسقط من بين

стр. 453

خراطيمها علق الدم فقال أحد النفر الثلاثة قتل أصحابنا ثم تولى يشتد حتى لقى رجلا فاختلفا ضربتين فلما خالطه الضربة رفع طرفه الى السماء وفتح عينيه وقال الله أكبر الجنة ورب العالمين ورجع صاحباه فلقيا رجلين من بنى سليم وكان بين النبىّ ﷺ وبين قومهما موادعة فانتسبا الى بنى عامر فقتلاهما* وفى الاكتفاء فخرج عمرو بن أمية حتى اذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه فى ظلّ هو فيه فسألهما ممن أنتما فقالا من بنى عامر فأمهلهما حتى اذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى انه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر فيما أصابوه من أصحاب رسول الله ﷺ وكان مع العامريين عقد من رسول الله ﷺ وجوار ولم يعلم به عمرو بن أمية ولما قدم المدينة وأخبر النبىّ خبر أصحابه وخبر قتل الرجلين لامه النبىّ ﷺ وقال قتلت قتيلين كان لهما منى جوار لأدينهما فقدم الى النبىّ ﷺ قومهما فى ديتهما فخرج فيها الى بنى النضير وستجىء غزوة بنى النضير بعد وقعة الرجيع* سرية عاصم بن ثابت الى الرجيع وفى صفر هذه السنة وقعت وقعة الرجيع وهى سرية عاصم بن ثابت* الرجيع بفتح الراء وكسر الجيم ماء لهذيل ولبنى لحيان ببلاد هذيل بين مكة وعسفان بناحية الحجاز على سبعة أميال من الهدة كانت الوقعة بقرب منه فسميت به كذا فى المواهب اللدنية* وفى الصفوة كان يوم الرجيع على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة وذكرها فى الوفاء فى السنة الرابعة بعد بئر معونة كما فى هذا الكتاب وقال ثم كانت غزوة الرجيع فى صفر وكانت بئر معونة أوّلها فى المحرم على ما ذكرو الله أعلم* (ذكر عضل والقارة) * عضل بفتح المهملة والمعجمة بعدها لام بطن من بنى الهون بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر ينسبون الى عضل بن الديش والقارة بالقاف وتخفيف الراء بطن من الهون أيضا ينسبون الى الديش المذكور* قال ابن دريد القارة أكمة سوداء فيها حجارة كأنهم نزلوا عندها فسموا بها كذا فى المواهب اللدنية وقصة عضل والقارة كانت فى بعث الرجيع لا فى سرية بئر معونة وقد فصل بينهما ابن اسحاق فذكر بعث الرجيع فى أواخر سنة ثلاث وبئر معونة فى أوائل سنة أربع* وذكر الواقدى ان خبر بئر معونة وخبر اصحاب الرجيع جاء الى النبىّ ﷺ فى ليلة واحدة وسياق ترجمة البخارى يوهم ان بعث الرجيع وبئر معونة شئ واحد وليس كذلك لانّ بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب واصحابهما وهى مع عضل والقارة وبئر معونة كانت سرية القراء وهى مع رعل وذكوان وكانّ البخارى أدمجها معها لقربها منها ويدل على قربها منها ما فى حديث أنس من تشريك النبىّ ﷺ بين بنى لحيان وبين بنى عصية وغيرهم فى الدعاء ولم يرد البخارى انهما قصة واحدة ولم يقع ذكر عضل والقارة عنده صريحا وانما وقع ذلك عند ابن اسحاق فانه بعد أن استوفى قصة أحد قال ذكر يوم الرجيع حدّثنى عاصم بن عمرو بن قتادة قال قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله انّ فينا اسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فبعث معهم ستة من اصحابه* وفى رواية بعث معهم عشرة من اصحابه أسامى سبعة منهم معلومة فى كتب الاحاديث والسير وهم عاصم بن ثابت ومرثد بن ابى مرثد الغنوى وخبيب بن عدى وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق وخالد بن أبى البكير ومعتب بن عبيد وأمّا الثلاثة الاخر فكأنهم لم يكونوا من مشاهير القوم وأعيانهم وأصولهم ولذا لم يكن الاهتمام بضبط أسمائهم وأمر عليهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى كذا فى بعض كتب السير* وفى الصحيح وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو اصح فخرجوا مع القوم حتى اذا اتوا على الرجيع ماء لهذيل غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم فى رحالهم الا الرجال بأيديهم السيوف وقد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم انا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله

стр. 454

وميثاقه أن لا نقتلكم فأبوا وأمّا مرثد وخالد وعاصم بن ثابت فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا وقاتلوا حتى قتلوا* وفى البخارى وأمر عليهم عاصم بن ثابت حتى اذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة يقال منها الى عسفان سبعة أميال ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائتى رجل وعند بعضهم فتبعوا لهم بقريب من مائة رام والجمع بينهما واضح وهو أن تكون المائة الاخرى غير رماة* وفى رواية ابى معشر فى مغازيه فنزلوا بالرجيع سحرا فاكلوا تمر عجوة فسقط نواه بالارض وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما فرأت النوى فأنكرت صغرهنّ وقالت هذا تمر يثرب فصاحت فى قومها أتيتم فجاؤا فى طلبهم فوجدوهم كمنوا فى الجبل فاتبعوا آثارهم حتى لحقوهم* وفى رواية ابن سعد فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤا الى فدفد بفاءين مفتوحتين ومهملتين الاولى ساكنة وهى الرابية المشرفة فأحاط بهم القوم فقالوا لكم العهد والميثاق ان نزلتم الينا أن لا نقتل منكم رجلا فقال عاصم بن ثابت أيها القوم امّا أنا فلا أنزل فى ذمّة كافر ولا أقبل جوار مشرك ولا أضع يدى فى يد مشرك نذرت بذلك وأشهدت الله عليه ثم قال اللهمّ أخبر عنا رسولك فاستجاب الله لعاصم فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا فرماهم بالنبل وجعل يقاتل ويقول ما علتى وأنا جلدنا بل ... والقوس فيها وترعنا بل تزل عن صفحتها المعابل ... ان لم أقاتلكم فأمى هابل الموت حق والحياة باطل ... وكل ما حمّ الاله نازل بالمرء والمرء اليه آيل فرماهم بالنبل حتى فنيت نبله* كرامة عاصم فى حفظ جثته بعد استشهاده وفى رواية نثر عاصم كنانته فيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم رجلا من عظماء المشركين ثم طاعنهم حتى انكسر رمحه ثم سل سيفه وقال اللهمّ انى حميت دينك صدر النهار فاحم لحمى آخره* وفى الصفوة فجرح رجلين وقتل واحدا وقتلوه بالنبل فقالوا هذا الذى آلت فيه المكية وهى سلافة فأرادوا أن يحتزوا رأسه ليذهبوا به اليها فبعث الله مثل الظلة من الدبر بفتح المهملة وسكون الموحدة أى الزنابير فحمته فلم يستطيعوا أن يحتزوا رأسه فقالوا أمهلوه حتى يمسى فتذهب عنه فلما أمسى أرسل الله سيلا فحمله الى حيث أراد الله فسمى حمى الدبر وذلك يوم الرجيع* وفى معالم التنزيل فاحتمل السيل عاصما فذهب به الى الجنة وحمل خمسين من المشركين الى النار* وفى حياة الحيوان ان المشركين لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به فحماه الله بالدبر فارتدعوا عنه حتى أخذه المسلمون فدفنوه* وعن عمر بن الخطاب قال ان عاصما نذر أن لا يمس مشركا فلما وفى بنذره عصمه الله تعالى عن مساس المشركين اياه فصار عاصم معصوما* روى ان قريشا بعثت الى عاصم ليؤتوا بشىء من جسده يعرفونه فلم يظفروا منه على شىء وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر ولعلّ العظيم المذكور عقبة بن أبى معيط فانّ عاصما قتله صبرا بأمر رسول الله ﷺ بعد ان انصرفوا من بدر ووقع عند ابن اسحاق وكذا فى رواية يزيد بن أبى سفيان انّ عاصما لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعيد وهى أمّ مسافع وجلاس ابنى طلحة العبدرى وكان عاصم قتلهما يوم أحد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر فى قحفه* قال الطيرى وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة فمنعه الدبر أى الزنابير فلم يقدروا منه على شىء وكان عاصم قد أعطى الله العهد أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا وكان عمر لما بلغه خبره يقول يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه فى حياته وانما استجاب الله له فى حماية لحمه من المشركين ولم يمنعه من قتله لما أراد الله من اكرامه بالشهادة ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمة* وأمّا الستة الاخر فاقتدوا بعاصم فقاتلوا

стр. 455

حتى قتلوا بالنبل ونزل ثلاثة منهم على العهد والميثاق ولم يف الكفار بعهدهم وهم خبيب بن عدى وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وفتح النون المشدّدة فأسروا فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها* قال عبد الله هذا أوّل الغدر والله لاصبحتكم انّ لى بهؤلاء أسوة يعنى القتلى فجروه وعالحوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه كذا فى الصفوة والمنتقى* وفى رواية خرجوا بالنفر الثلاثة حتى اذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله يده من رباطه وأخذ سيفه وجعل يشتدّ فيهم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بمر الظهران كذا ذكره فى الصفوة فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة أمّا خبيب فاشتراه بنو الحارث بن عامر بن نفيل بمائة ابل وقيل اشتروه بأمة سوداء وقيل فادوا به أسيرين من هذيل كانا بمكة وكان خبيب قتل الحارث يوم بدر* وفى المنتقى اشترى خبيبا حجير بن أبى اهاب لابن أخته عقبة بن الحارث ليقتله بأبيه* وأمّا زيد بن الدثنة فاشتراه صفوان بن أمية بخمسين رأسا ليقتله بأبيه وكان قتل يوم بدر وقيل اشترك جماعة فى ابتياعه وقيل حين أتوابهما الى مكة كان ذا القعدة فحبسوا كل واحد منهما فى مكان على حدة حتى تخرج الاشهر الحرم فيقتلوهما فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله وتخرج الاشهر الحرم فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدّبها يعنى يحلق عانته فأعارته فدرج بنى لها وهى غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه* وفى رواية فغفلت عن ابن لها صغير فأقبل اليه الصبىّ فأجلسه عنده والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال أتخشين أن أقتله ما كنت لا فعل ذلك قالت والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب فى يده مثل رأس الرحل وانه لموثق بالحديد وما بمكة ثمرة وما كان الارزق رزقه الله خبيبا وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب وآية على الكفار وبرهان لنبيه لتصحيح رسالته* دقيقة فى أنّ الكرامة ثابتة للاولياء والكرامة للاولياء ثابتة مطلقا عند أهل السنة ولكن استثنى بعض المحققين منهم كالعالم الربانى أبى القاسم القشيرى ما وقع به التحدى لبعض الانبياء قال ولا يصلون الى مثل ايجاد ولد من غير أب ونحو ذلك وهذا أعدل المذاهب فى ذلك وان اجابة الدعوة فى الحال وتكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين والاخبار بما سيأتى ونحو ذلك قد كثر جدّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب الى الصلاح كالعادة فانحصر الخارق الآن فى نحو ما قاله القشيرى وتعين تقييد ما أطلق بان كل معجزة وجدت لنبىّ تجوز أن تقع كرامة لولى ووراء ذلك ان الذى استقرّ عند العامّة ان خرق العادة يدل على ان من وقع له ذلك يكون من أولياء الله وهو غلط فانّ الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب فيحتاج من يستدلّ بذلك على ولاية أولياء الله الى فارق وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له فان كان متمسكا بالاوامر الشرعية والنواهى كان علامة على ولايته ومن لا فلا والله أعلم وقد مرّ نحوه فى أوائل الكتاب* ولما انسلخ الاشهر الحرم أخرجوا خبييا وزيدا من الحرم الى التنعيم ليقتلوهما فى الحل ونصبوا خشبة وحضر أكثر أهل مكة واجتمع خبيب وزيد فى الطريق فتواصوا بالصبر والثبات على ما يلحقهما من المكاره قال لهم خبيب دعونى أركع ركعتين فتركوه فركع ركعتين وقال والله لولا أن تحسبوا أن ما بى جزع لزدت وعند موسى بن عقبة انه صلاهما فى موضع مسجد التنعيم وقال اللهمّ أحصهم عددا واقتلهم بددا يعنى متفرّقين ولا تبق منهم أحدا فلم يحل الحول ومنهم أحد حىّ كذا فى المواهب اللدنية* قال معاوية بن أبى سفيان كنت فيمن حضر قتل خبيب ولقد رأيت أبا سفيان حين دعا خبيب اللهمّ أحصهم عددا يلقينى الى الارض فرقا من دعوته وكانوا يقولون ان الرجل اذا دعا عليه أحد فاضطجع زلت عنه الدعوة* وقال حويطب بن عبد العزى جعلت اصبعى فى أذنى وهربت من ذلك المكان* وقال حكيم بن حزام تخبأت وراء شجرة أو قال بأصل شجرة

стр. 456

وعن ابن اسحاق أنه قال أكثر الذين حضروا قتل خبيب ابتلوا ببلاء وكان ممن حضره يومئذ سعد بن عامر بن جذيم الجمحى ثم اسلم واستعمله عمر بن الخطاب على بعض الشأم ويروى على حمص وكان تصيبه غشية بين ظهرى القوم فذكر ذلك لعمر وقيل ان الرجل مصاب فسأله عمر فى قدمة قدمها عليه فقال يا سعد ما هذا الذى يصيبك قال والله يا امير المؤمنين ما بى من بأس ولكننى كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل وسمعت دعوته فو الله ما خطرت على قلبى وأنا فى مجلس قط الا وغشى علىّ فزادته عند عمر خيرا* وفى رواية بريدة بن سفيان قال خبيب اللهم انى لا اجد من يبلغ رسولك منى السلام فبلغه* وفى رواية أبى الاسود عن عروة جاء جبريل الى النبىّ ﷺ فأخبره بذلك الحديث ثم أنشأ خبيب يقول فلست أبالى حين اقتل مسلما ... على اىّ شق كان لله مصرعى وذلك فى ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع الى الله أشكو غربتى بعد كربتى ... وما أرصد الاحزاب لى عند مصرعى وساق ابن اسحاق هذه الابيات ثلاثة عشر بيتا قال ابن هشام ومن الناس من ينكرها لخبيب والاوصال جمع وصل وهو العضو والشلو بكسر المعجمة الجسد ويطلق على العضو لكن المراد به هاهنا الجسد كذا فى المواهب اللدنية قال أبو هريرة كان خبيب أوّل من سنّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرا لانه فعله فى حياته ﷺ فاستحسن ذلك من فعله وقررها واستحسن المسلمون فبقى سنة والصلاة خير ما ختم به عمل العبد دعاء زيد بن حارثة واستجابته وقد صلّى هاتين الركعتين زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وذلك فى حياته ﵇ كما روى السهيلى بسنده الى الليث بن سعد قال بلغنى أن زيد ابن حارثة اكترى بغلا من رجل بالطائف اشترط عليه المكرى أن ينزله حيث شاء قال فمال به الى خربة فقال له انزل فنزل فاذا فى الخربة قتلى كثيرة قال فلما أراد أن يقتله قال له دعنى أصلّ ركعتين قال صلّ فقد صلّى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا قال فلما صليت أتانى ليقتلنى فقلت يا ارحم الراحمين قال فسمعت صوتا لا تقتله فهاب ذلك فخرج يطلب فلم ير شيئا فرجع الىّ فناديت يا ارحم الراحمين فعل ذلك ثلاثا فاذا بفارس على فرس فى يده حربة من حديد وفى رأسها شعلة نار فطعنه بها فأنفذ من ظهره فوقع ميتا ثم قال لما دعوت المرّة الاولى يا أرحم الراحمين كنت فى السماء السابعة فلما دعوت الثانية يا ارحم الراحمين كنت فى السماء الدنيا فلما دعوت الثالثة أتيتك انتهى* وفى سيرة مغلطاى ذكر بعضهم ان هذه القصة وقعت لاسامة بن زيد والصواب زيد بن حارثة والد أسامة ووقع فى رواية أبى الاسود عن عروة فلما وضعوا السلاح فى خبيب وهو مصلوب نادوه وناشدوه أتحب ان محمدا مكانك قال لا والله ما احب أن يفدينى بشوكة فى قدمه وسيجىء مثل هذا لزيد بن الدثنة ولا مانع من التعدّد قال سعيد بن عامر بن جذيم قد بضعت قريش لحم خبيب ثم حملوه على جذعة بحيث كان وجهه الى المدينة قال لا يضرّنى صرف وجهى عن الكعبة فان الله تعالى قال فأينما تولوا فثمّ وجه الله فقالوا له ارجع عن دين محمد فقال لا ارجع أبدا قالوا واللات والعزى ان لم ترجع نقتلك قال ان قتلى فى الله لقليل ثم قال اللهم انك تعلم انه ليس أحد حوالىّ أن يبلغ رسولك سلامى فابلغه سلامى قال زيد بن أسلم كنت فى جماعة عند رسول الله ﷺ اذ ظهر عليه أثر الوحى فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ان قريشا قتلوا خبيبا وهذا جبريل أتى بسلامه* وفى الاكتفاء زعموا أن رسول الله ﷺ قال وهو جالس فى ذلك اليوم الذى قتلا فيه وعليكما أو وعليك السلام خبيب قتلته قريش لا ندرى أذكر ابن الدثنة معه أم لا ثم ان قريشا طلبوا جماعة ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم ببدر فاجتمع اربعون منهم بأيديهم الرماح

стр. 457

والحراب وقالوا لهم ان هذا الرجل قتل آباءكم فطعنوه بالحراب والرماح فتحرّك خبيب على الخشبة فانقلب وجهه الى الكعبة فقال الحمد لله الذى جعل وجهى نحو قبلته التى رضى لنفسه ولنبيه وللمؤمنين* وفى الكشاف صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه الى المدينة فقال اللهم ان كان لى عندك خير فحوّل وجهى نحو قبلتك فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله فقام اليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فطعنه فى صدره حتى أنفذ من ظهره فعاش ساعة وبه رمق فأقر فيها بالتوحيد وبنبوّة محمد ﷺ ثم مات رضى الله عنه وله كرامات كثيرة يطول الكتاب بذكرها ثم أسلم أبو سروعة وروى الحديث وله فى صحيح البخارى ثلاثة أحاديث ثم أتى بزيد بن الدثنة الى الخشبة فاقتدى بخبيب فصلى ركعتين فحملوه على الخشبة وقالوا له مثل ما قالوا لخبيب من الرجوع عن الدين والتخويف بالقتل فأجابهم بمثل ما أجابهم خبيب* وفى الصفوة وحضر نفر من قريش فيهم أبو سفيان فقال قائل يا زيد أنشدك الله أتحب أنك الآن فى أهلك ومالك وأن محمدا عندنا مكانك ويقال ان الذى قال ذلك لزيد أبو سفيان قال والله ما أحب أن محمدا يشاك فى مكانه شوكة تؤذيه وأنا جالس فى أهلى فقال ابو سفيان والله ما رأيت من قوم قط أشدّ حبا لصاحبهم من أصحاب محمد له* وفى رواية قال ابو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا فقتله نسطاس بكسر النون عبد صفوان بن أمية وقد مرّ مثل هذا الخبيب* روى ان اللحيانيين ذهبوا الى سلافة بنت سعيد لطلب الابل المائة التى جعلتها على قتل عاصم فأبت وقالت جعلتها لمن يأتينى برأسه أو رأس واحد ممن قتل ابنى وما أتيتم به فرجعوا خائبين خاسرين وروى أن المشركين تركوا خبيبا على الخشبة ليراه الوارد والصادر فيذهب بخبره الى الاطراف ولما بلغ النبى ﷺ الخبر قال أيكم يختزل خبيبا عن خشبته وله الجنة قال الزبير بن العوّام أنا يا رسول الله وصاحبى المقداد بن الاسود فخرجا من المدينة يمشيان ويسيران بالليل ويكمنان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلا واذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام نشاوى فأنزلاه فاذا هو رطب يتثنى لم يتغير منه شئ بعد أربعين يوما ويده على جراحته وهى تبض دما اللون لون الدم والريح ريح المسك فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيبا فأخبروا قريشا فركب منهم سبعون رجلا فلما لحقوا بهما قذف الزبير خبيبا فابتلعته الارض فسمى بليع الارض فقال الزبير ما جرّأكم علينا يا معشر قريش ثم رفع العمامة عن رأسه فقال أنا الزبير بن العوام وأمى صفية بنت عبد المطلب وصاحبى المقداد بن الاسود أسدان رابضان حاميان حافظان يدفعان عن شبلهما فان شئتم ناضلتكم وان شئتم نازلتكم وان شئتم انصرفتم فانصرفوا الى مكة وقدما على رسول الله ﷺ وجبريل عنده فقال يا محمد ان الملائكة تباهى بهذين من أصحابك فنزل فيهما ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله الآية وقيل نزلت فى علىّ حين نام على فراش رسول الله ﷺ ليلة الغار كما مرّ فى معالم التنزيل* وقال الاكثرون نزلت فى صهيب بن سنان الرومى أخذه المشركون فى رهط من المؤمنين يعذبونه فقال لهم صهيب انى شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أو من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالى وتذرونى ودينى ففعلوا* وفى الصفوة عن عمرو بن امية الضمرى ان رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا الى قريش قال فجئت الى خشبة خبيب وأنا أتخوّف العيون فرقيت فيها فحللت خبيبا فوقع الى الارض فانتبذت عنه بعيدا ثم التفت فلم أرخبيبا ولكأنما ابتلعته الارض فلم ير لخبيب أثر حتى الساعة* بعث عمرو بن أمية الى أبى سفيان بن حرب وفى هذه السنة كان بعث عمرو بن أمية الضمرى الى أبى سفيان بن حرب بمكة* فى الاكتفاء بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمرى بعد مقتل خبيب وأصحابه الى مكة وأورد فى المواهب اللدنية وسيرة مغلطاى بعث عمرو بن أمية فى السنة السادسة

стр. 458

بعد سرية كرز بن جابر وقبل الحديبية كما سيجىء وأمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب وبعث معه جبار ابن صخر الانصارى أو سلمة بن أسلم فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمر ولو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين فقال عمرو ان القوم اذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فقال كلاهما ان شاء الله قال عمرو فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان فو الله انا لنمشى بمكة اذ نظر الىّ رجل من أهل مكة فعرفنى فقال عمرو بن أمية والله ان قدومهما الا لشرّ فقلت لصاحبى النجاء فخرجنا نشتدّ حتى صعدنا فى الجبل وخرجوا فى طلبنا حتى اذا علونا الجبل يئسوا منا فرجعوا فدخلنا كهفا فى الجبل فبتنا وقد أخذنا حجارة فرضمنا هادوننا فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يسوق فرسا ويخلى عليها فغشينا ونحن فى الغار فقلت ان رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا قال ومعى خنجر أعددته لابى سفيان فخرجت اليه فضربته على ثديه فصاح صيحة أسمع أهل مكة ورجعت ودخلت مكانى وجاءه الناس يشتدّون وهو بآخر رمق فقالوا من ضربك فقال عمرو بن أمية الضمرى وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا فاحتملوه فقلت لصاحبى لما أمسينا النجاء فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدى فقال أحدهم والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو ابن أمية الضمرى لولا انه بالمدينة لقلت انه عمرو بن أمية فلما حاذى عمرو الخشبة شدّ عليها فاحتملها وخرج هو وصاحبه يشتدّان وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط ياجج فرمى بالخشبة فغيبه الله عنهم فلم يقدروا عليه قال عمرو بن امية وقلت لصاحبى النجاء حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه فانى شاغل عنك القوم وكان الانصارى لا راحلة له قال ومضيت حتى خرجت على صجنان ثم أويت الى جبل فدخلت كهفا فبينا أنا فيه دخل علىّ شيخ من بنى الديل أعور فى غنيمة فقال من الرجل قلت من بنى بكر فمن أنت قال من بنى بكر قلت مرحبا فاضطجع ثم رفع عقيرته فقال ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولا دان لدين المسلمينا فقلت فى نفسى ستعلم فأمهلته حتى اذا نام أخذت قوسى فجعلت سيتها فى عينه الصحيحة ثم تحاملت علميه حتى بلغت العظم ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج ثم سلكت ركونة حتى اذا هبطت البقيع اذا رجلان من قريش من المشركين كانت قريش بعثتهما عينا الى المدينة ينظران ويتجسسان فقلت استأسرا فأبيا فرميت أحدهما بسهم فقتلته واستأسرت الآخر فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة هذا ما فى الاكتفاء* وقد مرّ أن القسطلانى أورد فى المواهب اللدنية بعث عمرو بن أمية الضمرى الى أبى سفيان فى السنة السادسة بعد سرية كرز بن جابر وقبل الحديبية وقال بعد ذكر سرية كرز بن جابر ثم سرية عمرو بن أمية الضمرى الى أبى سفيان بن حرب بمكة لانه أرسل الى النبىّ ﷺ من يقتله من العرب غدرا فأقبل الرجل ومعه خنجر ليغتاله فلما رآه النبىّ ﷺ قال ان هذا ليريد غدرا فلما دنا قال أين ابن عبد المطلب قال النبىّ ﷺ أنا ابن عبد المطلب فأقبل اليه كأنه يسارّه فجذبه أسيد بن حضير بداخلة ازاره فاذا بالخنجر فسقط فى يده فقال النبىّ ﷺ أصدقنى ما أنت قال وأنا آمن قال نعم فأخبره بخبره فخلى عنه النبىّ ﷺ فأسلم الرجل وأقام بالمدينة أياما ثم استأذن وذهب الى بلاده ولم يعرف بعد ذلك خبره وبعث رسول الله عمرو بن أمية ومعه سلمة بن أسلم ويقال جبار بن صخر الى أبى سفيان وقال ان أصبتما منه غرة فاقتلاه فمضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا فرآه معاوية بن أبى سفيان فأحبر قريشا بمكانه فخافوه وطلبوه وكان فاتكا فى الجاهلية فحشد له أهل مكة وتجمعوا فهرب عمرو وسلمة فلقى عمرو عبيد الله بن مالك التيمى فقتله وقتل آخر ولقى رسولين لقريش بعثتهما يتجسسان الخبر فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم به المدينة فجعل عمر ويخبر رسول الله

стр. 459

خبره وهو ﷺ يضحك* غزوة بنى النضير وفى هذه السنة وقعت غزوة بنى النضير بفتح النون وكسر الضاد المعجمة قبيلة كبيرة من اليهود فى ربيع الاوّل سنة أربع وذكر ابن اسحاق هناك* قال السهيلى وكان ينبغى أن يذكرها بعد بدر لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهرى قال كانت غزوة بنى النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد ورجح الداودى ما قاله ابن اسحاق من أن غزوة بنى النضير بعد بئر معونة كذا فى المواهب اللدنية وكانت منازلهم بناحية الفرع وما يقربها بقرية يقال لها زهرة وكان النبىّ ﷺ حين قدم المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه* ولما غزا رسول الله ﷺ بدرا وظهر على المشركين قالت بنو النضير والله انه النبىّ الذى وجدنا نعته فى التوراة لا تردّ له راية فلما غزا أحدا وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله ﷺ والمسلمين ونقضوا العهد الذى كان بينهم وبين رسول الله وركب كعب بن الاشرف فى أربعين من اليهود فأتوا قريشا* ودخل أبو سفيان المسجد الحرام فى أربعين من قريش وكعب فى أربعين من اليهود وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الاستار والكعبة ثم رجع كعب وأصحابه الى المدينة فنزل جبريل وأخبر النبىّ بما عاقد عليه كعب وأبو سفيان فأمر النبىّ ﷺ بقتل كعب بن الاشرف فقتله محمد بن مسلمة* وكان النبىّ ﷺ اطلع منهم على خيانة حين اتاهم يستعينهم فى دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى فى منصرفه من بئر معونة فهموا بطرح حجر عليه من فوق الحصن فعصمه الله وأخبره بذلك جبريل كما سيجىء الآن كذا فى المدارك ومعالم التنزيل واللفظ له* وفى المنتقى ثم ان رسول الله ﷺ خرج يوم السبت وصلّى فى مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه منهم أبو بكر وعمرو على والزبير وطلحة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة ثم أتى منازل بنى النضير وكلمهم فى دية الرجلين من بنى سليم اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى ويستعينهم فى عقلهما وكانوا قد عاهدوا النبى ﷺ على ترك القتال وعلى أن يعينوه فى الديات كما مرّ وكان لهم حلف مع بنى عامر قالوا نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذى تسألنا فجلس رسول الله الى حدار يهودى وجلس أصحابه فهمّ اليهودى بالغدر فخلا بعض الى بعض قالوا انكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت ويطرح عليه صخرة فيريحنا منه فقال عمرو بن جحاش انا قيل كان ذلك باشارة من حيى بن أخطب فقال سلام بن مشكم لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به فجاء عمرو بن جحاش الى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده وعصمه وجاء جبريل فأخبره فخرج رسول الله ﷺ راجعا الى المدينة ثم دعا عليا وقال لا تبرح مقامك فمن خرج عليك من أصحابى فسألك عنى فقل توجه الى المدينة ففعل ذلك علىّ حتى انصبوا اليه ثم تبعوه ولحقوا به كذا فى المنتقى* وفى الاكتفاء خرج راجعا الى المدينة وترك أصحابه فى مجلسهم فلما استلبث النبى أصحابه قاموا فى طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال لقيته داخلا المدينة فأقبلوا حتى انتهوا اليه فقالوا قمت ولم تشعرنا يا رسول الله فقال همت يهود بالغدر فأخبرنى الله بذلك فقمت* وبعث اليهم رسول الله محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدتى ولا تساكنونى وقد هممتم بما هممتم به وقد أجلتكم عشرا فمن رؤى منكم بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا أياما يتجهزون وتكاروا من اناس ابلا وأرسل اليهم عبد الله بن أبىّ ابن سلول لا تخرجوا وأقيموا فان معى ألفين من قومى وغيرهم يدخلون حصونكم فيموتون عن آخرهم معكم وتمدّكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيى بن أخطب فيما قاله ابن أبىّ ابن سلول فأرسلوا الى رسول الله ﷺ انا لا نخرج فاصنع ما بدا لك فكبر رسول الله ﷺ وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت

стр. 460

يهود فسار اليهم النبىّ ﷺ فى أصحابه فصلوا العصر بفضاء بنى النضير* وروى أيضا من طريق عكرمة ان غزوتهم كانت صبيحة قتل كعب بن الاشرف كذا فى الوفاء* وفى المدارك مشى المسلمون اليهم على أرجلهم لانه على ميلين من المدينة وكان رسول الله ﷺ على حمار فحسب وعلىّ رضى الله عنه يحمل رايته واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم* وفى معالم التنزيل فلما صار اليهم النبىّ ﷺ وجدهم ينوحون على كعب بن الاشرف وقالوا يا محمد واعية على اثر واعية وباكية على اثر باكية قال نعم قالوا ذرنا نبك على شجونا ثم نأتمر أمرك فقال النبىّ اخرجوا من المدينة* وفى المنتقى ولما رأوا رسول الله قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة واعتزلتهم قريظة وخفر لهم ابن أبىّ وحلفاؤهم من غطفان وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسة عشر يوما* وفى الوفاء وسيرة ابن هشام حاصرهم ست ليال وفى معالم التنزيل ولما نزل رسول الله ﷺ بنى النضير وكانوا أهل حصون وعقار ونخل كثيرة وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم واحراقها فلما رأى أعداء الله ان المسلمين يقطعونها شق عليهم فجزعوا عند ذلك وقالوا يا محمد زعمت انك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل وهل وجدت فيما زعمت انه انزل عليك الفساد فى الارض وقالوا للمؤمنين انكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون دعوا أصول النخل فانما هى لمن غلب عليها فوجد المسلمون فى أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا فاختلفوا فى ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فانه ما أفاء الله علينا* وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعها فأخبر الله تعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله واختلفوا فى اللينة فقال قوم النخل كلها لينة ما خلا العجوة وهو قول عكرمة وقتادة* وفى رواية بازان عن ابن عباس قال كان النبىّ ﷺ أمر بقطع نخلهم الا العجوة وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الالوان واحدها لون ولينة* وقال الزهرى هى ألوان النخل كلها الا العجوة* وقال مجاهد وعطية هى النخل كلها من غير استثناء* وقال العوفى عن ابن عباس هى لون من النخل* وقال سفيان هى كرام النخل* وقال مقاتل هى ضرب من النخل يقال لتمرها اللون وهى شديدة الصفرة يرى نواها من خارج تغيب فيها الاصراس وكانت من أجود تمرهم وأحبها اليهم وكانت النخلة الواحدة منها ثمن وصيف وأحب اليهم من وصيف فلما رأوهم بقطعونها شق عليهم وقيل قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة وقيل كان جميع ما قطعوا وأحرقوا ست نخلات* وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبىّ ﷺ حرق نخل بنى النضير ولها يقول حسان بن ثابت وهان على سراة بنى لؤىّ ... حريق بالبويرة مستطير وأجاب سفيان ولم يكن أسلم حينئذ أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق فى نواحيها السعير ستعلم أينا منها بنزه ... وتعلم أى أرضينا نضير وفى روضة الاحباب أن النبىّ ﷺ أمر أبا ليلى المازنى وعبد الله بن سلام بقطع نخيلهم أما أبو ليلى فكان يقطع أجود أنواع التمر وهى العجوة ويقول قطع العجوة أشدّ عليهم وأما عبد الله بن سلام فكان يقطع أردأ أنواع التمر وهو تمر يقال له اللون ويقول انى أعلم ان الله سيجعلها للمسلمين فأترك الاجود لهم فأنزل الله تعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله وليخزى الفاسقين فلم يغث بنى النضير أحد ولم يقدر ابن أبى أن يصنع شيئا فجهدهم الحصار وضاقت عليهم الاحوال وقذف الله فى قلوبهم الرعب حتى أرسلوا الى النبىّ ﷺ انا نخرج من بلادك فقال لهم رسول الله اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الابل الا الحلقة وولى اخراجهم محمد بن مسلمة فاحتملوا أبواب
следующие страницы →