Полный текст (908 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل وكان رسول الله ﷺ قد حاز الاموال كلها والشق والنطاة والكثيبة وجميع حصونهم الا ما كان من ذينك الحصنين الوطيح والسلالم فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا الى رسول الله ﷺ أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم وأن يخلوا له الاموال ففعل فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم فى الاموال على النصف وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله ﷺ على انا اذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم* وفى رواية قال نقرّكم على ذلك ما شئنا فصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكان خيبر فيئا للمسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لانهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب*
سم رسول الله ﷺ فى الشاة
وفى هذه الغزوة سمّ رسول الله ﷺ بخيبر بعد فتحها سمته زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم أخت مرحب اليهودى قاله ابن اسحاق وذلك بعد ما دخل النبىّ ﷺ حصن القموص واطمأنّ أهدت له زينب شاة مصلية أى مشوية مسمومة كلها لكن جعلت السمّ فى الذراع أكثر مما فى باقى الاعضاء لانها سألت أى عضو من الشاة أحب الى محمد فقيل لها الذراع كذا فى معالم التنزيل* وفى الاكتفاء فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ فأمّا بشر فأساغها وأمّا رسول الله ﷺ فلفظها ومات بشر بن البراء من أكلته التى أكلها من تلك الشاة* وفى المنتقى فلاكها رسول الله ﷺ فلفظها فأخذها بشر بن البراء فمات من ساعته وقيل بعد سنة* وفى الاكتفاء فلفظها رسول الله ﷺ ثم قال انّ هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم ثم دعا بها فاعترفت فقال ما حملك على ذلك قالت بلغت من قومى ما لم يخف عليك فقلت ان كان ملكا استرحت منه وان كان نبيا فسيخبر فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ومات بشر بن البراء من أكلته* وفى مغازى سليمان التيمى أنها قالت ان كنت كاذبا أرحت الناس منك وقد استبان لى الان أنك صادق وأنى أشهدك ومن حضر أنى على دينك وأن لا اله الا الله وأنّ محمدا رسول الله فانصرف عنها حين أسلمت وفيه موافقة الزهرى على اسلامها* وفى المواهب اللدنية عمدت زينب الى عنزلها فذبحتها وصلتها ثم عمدت الى سمّ لا يطنى يعنى لا يلبث أن يقتل من ساعته وقد شاورت يهود فى سموم فاجتمعوا لها فى هذا السمّ بعينه فسمت الشاة وأكثرت فى الذراعين والكتف فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه وفيهم بشر بن البراء فتناول ﷺ الذراع فانتهش منها وتناول بشر بن البراء عظما آخر فلما ازدرد ﷺ لقمته ازدرد بشر بن البراء ما فى فيه وأكل القوم فقال ﷺ ارفعوا أيديكم فانّ هذه الذراع تخبرنى أنها مسمومة وفيه أن بشر بن البراء مات فيه وفيه دفعها رسول الله ﷺ الى أولياء بشر فقتلوها رواه الدمياطى* وفى سيرة مغلطاى لم يقتلها وأمر بلحم الشاة فأحرق* وفى حديث جابر عن أبى داود توفى أصحابه الذين أكلوا من الشاة واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذى أكله من الشاة كذا فى المواهب اللدنية* وفى الاكتفاء ذكر ابن عقبة أنّ رسول الله ﷺ تناول الكتف من تلك الشاة فانتهش منها وتناول بشر عظما فانتهش منه فلما استرط رسول الله ﷺ لقمته استرط بشر ما فى فيه فقال رسول الله ﷺ ارفعوا أيديكم فانّ كتف هذه الشاة تخبرنى انى بغيت فيها فقال بشر بن البراء والذى أكرمك لقد وجدت ذلك فى أكلتى التى أكلت فما منعنى أن ألفظها الا انّى أعظمت أن أبغضك طعامك فلما أسغت ما فى فيك لم أكن لأرغب بنفسى عن نفسك ورجوت أن لا تكون
стр. 562
استرطتها وفيها بغى فلم يقم بشر من مكانه حتى عادلونه مثل الطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحوّل الا ما حوّل قال جابر بن عبد الله واحتجم رسول الله ﷺ يومئذ على الكاهل حجمه أبو طيبة مولى بنى بياضة* وفى المشكاة احتجم رسول الله ﷺ من الذى أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبنى بياضة من الانصار رواه أبو داود والدارمى وبقى رسول الله ﷺ بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذى توفى منه فدخلت عليه أمّ بشر بنت البراء بن معرور تعوذه فيما ذكره ابن اسحاق فقال لها يا أمّ بشر انّ هذا الاوان وجدت انقطاع أبهرى من الاكلة التى أكلت مع أخيك بخيبر* وفى نهاية ابن الاثير قال ﷺ ما زالت اكلة خيبر تعاودنى فهذا أو ان قطعت أبهرى والابهر عرق فى الظهر وهما أبهران وقيل هما الا كحلان اللذات فى الذراعين وقيل هو عرق مستبطن القلب فاذا انقطع لم تبق بعده حياة وقيل الابهر عرق منشأه من الرأس ويمتدّ الى القدم وله شرايين تتصل بأكثر أطراف البدن فالذى فى الرأس منه يسمى النامة ومنه قولهم أسكت الله نامته أى أماته ويمتدّ الى الحلق ويسمى فيه الوريد ويمتدّ الى الصدر فيسمى الابهر ويمتدّ الى الظهر فيسمى الوتين والفؤاد معلق به ويمتدّ الى الفخذين فيسمى النسا ويمتدّ الى الساق فيسمى الصافن والهمزة فى الابهر زائدة ويجوز فى أوان الضم والفتح فالضم لانه خبر لمبتدا والفتح على البناء لاضافته الى مبنى* قال فان كان المسلمون ليرون أنّ رسول الله الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوّة وفى قتلها اختلاف فقيل قتلها وقيل بل عفا عنها* وفى رواية أنس دفعها الى أولياء بشر بن البراء فقتلوها كما مرّ وقال الدميرى فى حياة الحيوان جمع البيهقى بينهما بأنه لم يقتلها فى الابتداء فلما مات بشر أمر بقتلها وكذلك اختلف فى قتل من سحره ولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف الى وادى القرى فحاصر أهله ليالى ثم انصرف راجعا الى المدينة وخرج مسلم فى صحيحه من حديث عمر بن الخطاب قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبىّ ﷺ فقالوا فلان شهيد وفلان شهيد حتى مرّوا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ كلا انى رأيته فى النار فى بردة غلها أو عباءة ثم قال يا ابن الخطاب اذهب فناد فى الناس أنه لا يدخل الجنة الا المؤمنون قال فخرجت فناديت ألا انه لا يدخل الجنة الا المؤمنون* وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء من النساء المسلمات فرضخ لهنّ ﵇ من الفئ ولم يضرب لهنّ بسهم وقيل ضرب لهنّ أيضا بسهم كامل وكانت قد خرجت معهم عشرون امرأة وفى حديث ابن أبى الصلت عن امرأة غفارية سماها قالت أتيت رسول الله ﷺ فى نسوة من غفار وهو يسير الى خيبر فقلنا يا رسول الله قد أردنا الخروج معك الى وجهك هذا فنداوى الجرحى ونعين المسلمين ما استطعنا فقال على بركة الله قالت فخرجنا معه فلما افتتح خيبر رضخ لنا من الفئ وأخذ هذه القلادة التى ترين فى عنقى فأعطانيها وعلقها بيده فى عنقى فو الله لا تفارقنى أبدا قالت فكانت فى عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها واستشهد بخيبر من المسلمين نحو من عشرين رجلا منهم عامر بن الاكوع عمّ سلمة بن الاكوع وقد كان رسول الله ﷺ قال له فى مسيره الى خيبر انزل يا ابن الاكوع فاحد لنا من هناتك فنزل يرتجز برسول الله ﷺ فقال* والله لولا الله ما اهتدينا* ولا تصدّقنا ولا صلينا* الى آخر ما ذكر فى أوّل مسيره الى خيبر من قوله ﵇ لعامر يرحمك الله وقول عمر وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به فقتل يوم خيبر شهيدا بسيف نفسه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه وكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا انما قتله سلاحه حتى سأل ابن أخيه سلمة رسول
الله ﷺ عن ذلك
стр. 563
وأخبره بقول الناس فقال رسول الله ﷺ انه لشهيد وصلى عليه فصلى عليه المسلمون وقد مرّ ومنهم الاسود الراعى من أهل خيبر وكان من حديثه أنه أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم وكان فيها أجيرا لرجل يهودى فقال يا رسول الله اعرض علىّ الاسلام فعرضه عليه فأسلم وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحدا أن يدعوه الى الاسلام فيعرضه عليه فلما أسلم قال يا رسول الله انى كنت أجير الصاحب هذه الغنم وهى أمانة عندى فكيف أصنع بها قال اضرب فى وجوهها فانها سترجع الى ربها أو كما قال فقام الاسود فأخذ حفنة من الحصباء فرمى بها فى وجوهها وقال ارجعى الى صاحبك فو الله لا أصحبك وخرجت مجتمعة كأنّ سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن ثم تقدّم الاسود الى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله وما صلى لله صلاة قط فأتى به رسول الله ﷺ فوضع خلفه وسجى بشملة كانت عليه فالتفت اليه رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا يا رسول الله لم أعرضت عنه قال انّ معه الان زوجتيه من الحور العين* وذكر ابن اسحاق عن عبد الله بن نجيح أنّ الشهيد اذا أصيب نزلت زوجتاه من الحور العين عليه ينفضان التراب عن وجهه ويقولان ترّب الله وجه من ترّبك وقتل من قتلك قال ولما افتتحت خيبر كلم رسول الله ﷺ الحجاج بن علاط السلمى ثم البهزى فقال يا رسول الله انّ لى بمكة مالا عند صاحبتى أمّ شيبة بنت أبى طلحة ومالا متفرّقا فى تجار أهل مكة فائذن لى يا رسول الله فأذن له قال لا بدّ لى يا رسول الله من أن أقول قال قل قال الحجاج فخرجت حتى اذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الاخبار ويسألون عن أمر رسول الله ﷺ وقد بلغهم أنه سار الى خيبر وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا فهم يتجسون الاخبار من الركبان فلما رأونى ولم يكونوا علموا باسلامى قالوا الحجاج بن علاط عنده والله الخبر أخبرنا يا أبا محمد فانه قد بلغنا أنّ القاطع سار الى خيبر وهى بلد يهود وريف الحجاز قلت قد بلغنى ذلك وعندى من الخبر ما يسرّكم قال فالتبطوا بجنبى ناقتى يقولون ايه يا حجاج قلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا وقالوا لا نقتله حتى نبعث به الى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا قد جاءكم الخبر وهذا محمد انما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم قال قلت أعينونى على جمع مالى بمكة على غرمائى فانى اريد أن أقدم خيبر فاصيب من فلّ محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار الى ما هنا لك فقاموا فجمعوا لى مالى كأحث جمع سمعت به وجئت صاحبتى فقلت مالى وقد كان لى عندها مال موضوع لعلى ألحق بخيبر فاصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى التجار قال فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أو جاءه عنى أقبل حتى وقف الى جنبى وأنا فى خيمة من خيام التجار فقال يا حجاج ما هذا الذى جئت به قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك قال نعم قلت فاستأخر عنى حتى ألقاك على خلاء فانى فى جمع مالى كما ترى فانصرف عنى حتى أفرغ قال حتى اذا فرغت من جمع كل شئ كان لى بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علىّ حديثى يا أبا الفضل فانى أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال افعل قال فانى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم يعنى صفية بنت حيى ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولاصحابه قال ما تقول يا حجاج قلت اى والله فاكتم عنى ولقد أسلمت وما جئت الا لاخذ مالى فرقا من أن أغلب عليه فاذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب قال حتى اذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا
يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحرّ المصيبة قال كلا والله
стр. 564
الذى حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولاصحابه قالوا من جاء بهذا الخبر قال الذى جاءكم بما جاءكم ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه قالوا يا لعباد الله انفلت عدوّ الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك* ذكر ابن عقبة أنّ بنى فزارة قدموا على خيبر فى أوّل أمرهم ليعينوهم فراسلهم رسول الله ﷺ أن لا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم على أن يعطيهم من خيبر شيئا سماه لهم فأبوا عليه وقالوا جيراننا وحلفاؤنا فلما افتتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بنى فزارة فقالوا الذى وعدتنا فقال لكم ذو الرقيبة لجبل من جبال خيبر قالوا اذا نقاتلك قال موعدكم جنفاء فلما سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ خرجوا هاربين*
قسمة غنائم خيبر
وروى أنّ النبىّ ﷺ أمر فروة بن عمرو البياضى أن يجمع غنائم خيبر فى حصن نطاة فجمع وكان فى أثناء الغنائم صحائف متعدّدة من التوراة فجاءت يهود تطلبها فأمر النبىّ ﷺ بدفعها اليهم ويوم جمع غنائم خيبر وأخذ سباياها أمر النبىّ ﷺ مناديا ينادى أن من آمن بالله واليوم الاخر لا يسق بمائه زرع الغير ولا يطأ امرأة حتى تنقضى عدتها وأمر فروة ببيع الغنائم ودعا لها فقال اللهم ألق عليها النفاق وقال فروة فلما عرضناها على البيع رغب فيها الناس رغبة تامّة حتى بيعت كلها فى يومين وكنا نقدر الفراغ عنها بمدة مديدة وذلك ببركة دعاء النبىّ ﷺ * وفى معجم ما استعجم لما أفاء الله خيبر قسمها رسول الله ﷺ على ستة وثلاثين سهما عزل نصفها لنوائبه وما ينزل به وقسم النصف الباقى بين المسلمين وسهم النبىّ ﷺ فيها قسم نطاة والشق وما حيز معهما وكان فيما وقف الكثيبة والوطيحة والسلالم ولما أراد القسمة أمر زيد بن ثابت حتى أحصى أهل العسكر وأفراسهم وقسم الشق ونطاة الى ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما ثم قسم كل قسم من هذه الثمانية عشر الى مائة سهم لكل رجل سهم ولكل فرس سهمان وكانت عدّة الذين قسمت عليهم ألف رجل وأربعمائة رجل ومائتى فرس فذلك ألف وثمانمائة سهم* قال ابن اسحاق وكانت المقاسم فى أموال خيبر على الشق ونطاة والكثيبة وكان الشق ونطاة فى سهمان المسلمين وكانت الكثيبة خمس الله وسهم النبىّ ﷺ وسهم ذوى القربى والمساكين وطعم أزواج النبىّ ﷺ وطعم رجال مشوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فدك بالصلح وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر لا من غاب عنها الا جابر ابن عبد الله بن عمرو بن حرام فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضرها* وفى هذه الغزوة بين رسول الله ﷺ سهمان الخيل والرجال فجعل للفرس سهمين ولفارسه سهما وللرّاجل سهما فجرت المقاسم فيما بعد على ذلك ويومئذ عرّب العربى من الخيل وهجن الهجين وذكر ابن عقبة أنه قدم على رسول الله ﷺ بخيبر نفر من الاشعريين فيهم أبو عامر الاشعرى قدموا المدينة مع مهاجرة الحبشة ورسول الله ﷺ بخيبر فمضوا اليه وفيهم أبان بن سعيد ابن العاص والطفيل بن عمر والدوسى وذو النون وأبو هريرة ونفر من دوس فرأى النبىّ ﷺ ورأيه الحق أن لا يخيب مسيرهم ولا يبطل سفرهم فشركهم فى مقاسم خيبر وسأل أصحابه ذلك فطابوا به نفسا ولم يذكر ابن عقبة جعفر بن أبى طالب فى هؤلاء القادمين على رسول الله ﷺ بخيبر من أرض الحبشة وهو أوّلهم وأفضلهم وما مثل جعفر يتخطى ذكره ومن البعيد أن يغيب عن ابن عقبة فالله أعلم بعذره* وفى سح السحابة عن أبى موسى أنه قال بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين اليه فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا الى النجاشى
стр. 565
بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبى طالب وأصحابه فقال جعفر انّ رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا وأمرنا بالاقامة فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا* وقد ذكر ابن اسحاق أنّ رسول الله ﷺ كان بعث عمرو بن أمية الضمرى الى النجاشى فيمن كان أقام بأرض الحبشة من أصحابه فحملهم فى سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية فذكر جعفرا أوّلهم وذكر معه ستة عشر رجلا قدموا فى السفينتين صحبته وذكر ابن هشام عن الشعبى أنّ جعفرا قدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر فقبل رسول الله ﷺ ما بين عينيه والتزمه وقال ما أدرى بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ولما جرت المقاسم فى أموال خيبر أشبع فيها المسلمون ووجدوا بها مرفقا لم يكونوا وجدوه قبل حتى قال عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما فيما خرج له البخارى فى صحيحه ما شبعنا حتى فتحنا خيبر وأقرّ رسول الله ﷺ يهود خيبر فى أموالهم يعملون فيها للمسلمين على النصف مما يخرج منها كما تقدّم* قال ابن اسحاق وكان رسول الله ﷺ يبعث الى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين وبين يهود خيبر فيخرص عليهم فاذا قالوا تعدّيت علينا قال ان شئتم فلكم وان شئتم فلنا فيقول يهود خيبر بهذا قامت السموات والارض قال وانما خرص عليهم عبد الله عاما واحدا ثم أصيب بمؤتة ﵀ فكان جبار بن صخر أخو بنى سلمة هو الذى يخرص عليهم بعده فأقامت اليهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسافى معاملتهم حتى عدوا فى عهد رسول الله ﷺ على عبد الله بن سهل أخى بنى حارثة فقتلوه فاتهمهم رسول الله ﷺ والمسلمون عليه وكتب اليهم أن يدوه أو يأذنوا بحرب فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله ﷺ من عنده وأقرّهم على ما سبق من معاملته اياهم فلما توفى رسول الله ﷺ أقرّهم أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه على مثل ذلك حتى توفى ثم أقرّهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه صدرا من امارته ثم بلغ عمر أنّ رسول الله ﷺ قال فى وجعه الذى قبضه الله فيه لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت فارسل الى يهود فقال انّ الله قد أذن فى اجلائكم قد بلغنى أنّ رسول الله ﷺ قال لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان فمن كان عنده عهد من رسول الله ﷺ فليأتنى به أنفذه له ومن لم يكن له عهد من رسول الله ﷺ فليتجهز للجلاء فأجلى عمر رضى الله عنه منهم من لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ وقال عبد الله بن عمر خرجت أنا والزبير والمقداد بن الاسود الى أموالنا بخيبر نتعاهدها فلما قدمنا تفرّقنا فى أموالنا فعدى علىّ تحت الليل ففدعت يداى من مرفقىّ فلما أصبحت استصرخ علىّ صاحباى فأتيانى فأصالحا من يدى ثم قدما بى على عمر فقال هذا عمل يهود ثم قام فى الناس خطيبا فقال أيها الناس ان رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على انا نخرجهم اذا شئنا وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الانصار قبله قد لا نشك انهم أصحابه ليس لنا هناك عدوّ غيرهم فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فانى مخرج يهود فأخرجهم ولما أخرج عمر يهود خيبر ركب فى المهاجرين والانصار وخرج معه بجبار بن صخر وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم وبزيد بن ثابت فهما قسما خيبر على أصحاب السهمان التى كانت عليها كما قسمت فى الاصل على عهد رسول الله ﷺ كما مرّ*
استصفاء صفية
وفى هذه الغزوة استصفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيى ابن أخطب بن يحيى بن كعب بن الخزرج النضرى من بنى اسرائيل من سبط هرون بن عمران وتزوّجها فى مقفله من خيبر وكانت من جملة سبايا خيبر فاصطفاها لنفسه فأسلمت فأعتقها وجعل
стр. 566
عتقها صداقها وقيل وقعت فى سهم دحية الكلبى فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس كذا فى الصفوة ودفعها الى أمّ سلمة تصيغها وتهيؤها وكانت أوّلا زوجة سلام بن مشكم ثم وقعت الفرقة بينهما فتزوّجها كنانة بن ربيعة بن أبى الحقيق وكانت عروسا به حين نزل رسول الله ﷺ خيبر فرأت فى المنام كأنّ الشمس قد نزلت حتى وقعت على صدرها فقصت ذلك على زوجها فقال والله ما تتمنين الا هذا الملك الذى نزل بنا ففتحها رسول الله ﷺ وضرب عنق زوجها كما مرّ* وفى رواية انّ صفية رأت فى المنام وهى عروس بكنانة أنّ القمر قد وقع فى حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا الا انك تتمنين ملك الحجاز فلطم وجهها لطمة اخضرّت عينها منها فاتى بها رسول الله ﷺ وبها أثر منها فسألها ما هو فأخبرت بهذا الخبر وأتى بزوجها كنانة وسأله عن الكنز فجحده فأمر الزبير بتعذيبه ثم دفعه الى محمد بن مسلمة الاوسى فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة وقد قتل فى خيبر كما مرّ* وفى الصفوة عن جابر انّ رسول الله ﷺ أتى بصفية يوم خيبر فاخذ بيدها فمرّ بها بين القتلى فكره ذلك رسول الله ﷺ حتى رئى فى وجهه ثم قام ﷺ فدخل عليها فنزعت شيئا كانت عليه جالسة فألقته للنبىّ ﷺ ثم خيرها بين أن يعتقها فترجع الى من بقى من أهلها أو تسلم فيتخذها لنفسه فقالت اختار الله ورسوله فلما كان عند رواحه أحقب بعيره ثم خرجت معه تمشى حتى ثنى لها ركبته فوضعت ركبتها على فخذه فركبت ثم ركب النبىّ ﷺ فألقى عليها كساء ثم سار حتى اذا كانا على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها فأبت صفية فوجد النبىّ ﷺ عليها فى نفسه ولما كان بالصهباء مال الى دومة هناك فطاوعته فقال ما حملك على ابائك حين أردت المنزل الاوّل قالت يا رسول الله خشيت عليك قرب يهود فأعرس رسول الله ﷺ بالصهباء* وفى الاكتفاء أعرس بها رسول الله ﷺ بخيبر أو ببعض الطرق وبات بها فى قبلة له انتهى وبات أبو أيوب ليلة متوشحا بالسيف يحرس رسول الله ﷺ يدور حول خبائه فلما سمع رسول الله ﷺ الوطء قال من هذا قال خالد بن يزيد فقال مالك قال ما نمت هذه الليلة مخافة هذه الجارية عليك فأمره رسول الله ﷺ فرجع كذا فى الصفوة* وفى الاكتفاء قال أبو أيوب يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك فزعموا انّ رسول الله ﷺ قال اللهمّ احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى* وعن أنس انّ النبىّ ﷺ قال لابى طلحة التمس لى غلاما من غلمانكم يخدمنى حتى أخرج الى خيبر فخرج بى أبو طلحة مردفى وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم النبىّ ﷺ اذا نزل ثم قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيى بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسا واصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه فخرج حتى بلغنا سد الصهباء بين خيبر والمدينة أقام ثلاثة أيام يا بنى عليه بصفية ثم صنع حيسا فى نطع صغير ثم قال لى رسول الله ﷺ آذن من حولك فدعوت الناس الى وليمته على صفية وما كان فيها خبز ولا لحم وما كان فيها الا أن أمر بلالا بالانطاع فبسطت فألقى عليها التمر والاقط والسمن وهو الحيس فقال المسلمون احدى امهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه فقالوا ان حجبها فهى احدى امهات المؤمنين والا فهى مما ملكت يمينه فلما ارتحلت ثم خرجنا الى المدينة فرأيت النبىّ ﷺ يحوى لها وراءه بعباءة وطاء لها خلفه ثم جلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته وقد مدّ الحجاب بينها وبين الناس* وفى رواية ابن عباس
لما أراد أن يركب أدلى رسول الله صلى الله
стр. 567
عليه وسلم فخذه منها لتركب عليها فأبت ووضعت ركبتها على فخذه ثم حملها كما سبق قال أنس فسرنا حتى اذا أشرفنا على المدينة نظر الى احد فقال هذا جبل يجبنا ونحبه ثم نظر الى المدينة فقال اللهمّ انى احرم ما بين لا بيتها بمثل ما حرم ابراهيم* وفى رواية كتحريم ابراهيم اللهمّ بارك لهم فى مدّهم وصاعهم* وفى رواية ولما أشرف على المدينة قال آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة وكانت صفية عند النبىّ ﷺ ثلاث سنين وأشهر او توفيت سنة خمسين ومروياتها فى الكتب عشرة أحاديث المتفق عليه منها حديث واحد والباقى فى سائر الكتب وقيل اثنين وخمسين ودفنت بالبقيع كذا فى الصفوة*
فتح فدك
وفى هذه السنة فتح فدك وهى قرية بينها وبين مدينة النبىّ ﷺ مرحلتان وقيل ثلاث مراحل وفى شرح المواقف وهى قرية بخيبر كانت للنبى ﷺ قال أهل السير لما أتى النبى ﷺ حوالى خيبر بعث محيصة بن مسعود الحارثى الى فدك يدعو أهلها الى الاسلام فدعاهم اليه فخوّفهم انّ رسول الله ﷺ جاء الى حربهم كما أتى الى حرب أهل خيبر وقالوا انّ عامر او ياسر او حارثا وسيد اليهود مرحبا فى حصن نطاة ومعهم ألف مقاتل وما نظنّ أن يقاومهم محمد فمكث محيصة فيهم يومين ولما رأى ان لا ميل لهم فى الصلح أراد أن يرجع فقالوا له اصبر حتى نستشير أكابر قومنا ونبعث معك من يصالح محمدا وبينماهم فى ذلك الرأى اذ أتاهم خبر حصن الناعم انّ رسول الله ﷺ فتحه فوقع فى قلوبهم خوف عظيم فأرسلوا جماعة من يهود فدك الى النبى ﷺ حتى يصالحوه فبعد القيل والقال الكثير استقرّ الامر على أن يعطوا النبى ﷺ نصف أرض فدك ولهم نصفها فرضى النبى ﷺ فصالحهم على ذلك وكانوا يعملون على ذلك حتى أخرجهم عمر وأهل خيبر الى الشام واشترى منهم حصتهم النصف بمال بيت المال* وفى رواية ولما سمع أهل فدك ان المسلمين قد صنعوا ما صنعوا بأهل خيبر بعثوا الى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيرهم أيضا ويتركوا له الاموال ففعل*
طلوع الشمس بعد غروبها لعلى رضى الله عنه
وفى هذه السنة طلعت الشمس بعد ما غربت لعلىّ رضى الله عنه على ما أورده الطحاوى فى مشكلات الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين ان النبى ﷺ كان يوحى اليه ورأسه فى حجر على رضى الله عنه ولم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال له رسول الله ﷺ أصليت يا على قال لا فقال رسول الله ﷺ اللهم انه كان فى طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقعت على الجبل والارض وذلك فى الصهباء فى خيبر وهذا حديث ثابت الرواية عن ثقات* وحكى الطحاوى ان أحمد بن صالح كان يقول لا ينبغى لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لانه من علامات النبوّة كذا فى المنتقى قال ابن الجوزى فى الموضوعات حديث ردّ الشمس فى قصة علىّ موضوع بلا شك*
فتح وادى القرى
وفى هذه السنة فتح وادى القرى* وفى المواهب اللدنية ثم فتح وادى القرى فى جمادى الاخرة بعد ما أقام بها اربعا فحاصرهم ويقال أكثر من ذلك* وفى الوفاء فى جمادى الاخرة قال أصحاب السير لما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف الى وادى القرى فلما سمع أهل وادى القرى بمجيئه تهيئوا للحرب وخرجوا الى القتال فسوّى رسول الله ﷺ صفوف أصحابه للقتال ودفع لواءه الى سعد بن عبادة وقيل الى حباب بن المنذر وقيل الى سهل بن حنيف وقيل الى عباد بن بشر ثم دعاهم الى الاسلام وأعلمهم انهم ان أسلموا تبق دماؤهم مصونة وأموالهم محفوظة مضمومة وحسابهم على الله فأبوا وقاتلوا ذلك اليوم الى الليل فقتل من اليهود عشرة رجال* وفى الوفاء حاصر أهل وادى القرى ليالى وأصاب غلامه مدعما سهم غرب فقتله
стр. 568
قال أبو هريرة لما انصرفنا مع رسول الله ﷺ عن خيبر الى وادى القرى نزلناها أصلا مع غروب الشمس ومع رسول الله ﷺ غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامى ثم الضبى فو الله انه ليضع رحل رسول الله ﷺ اذ أتاه سهم غرب فقتله فقلنا هنيئا له الجنة فقال رسول الله ﷺ كلا والذى نفسى بيده ان شملته الان لتحترق عليه فى النار كان غلها من فىء المسلمين يوم خيبر فسمعها رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فأتاه فقال له يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لى فقال لقد قدّ لك مثلهما فى النار كذا فى الاكتفاء* وفى رواية وفتح صبيحة اليوم الثانى وغلبهم المسلمون وأصابوا أموالا كثيرة وأثاثا وأمتعة وفيرة ومنّ رسول الله ﷺ على اليهود وترك فى أيديهم أراضى وادى القرى والبساتين والحدائق حتى يعملوا فيها ويأخذوا الاجرة ولما بلغ خبر يهود خيبر وفدك ووادى القرى يهود تيماء خافوا وصالحوا وقبلوا الجزية قاله الحافظ مغلطاى فرجع النبىّ ﷺ الى المدينة كذا فى المواهب اللدنية
*
نوم الرسول عن صلاة الصبح
وفى هذا السفر فى الرجوع الى المدينة نام رسول الله ﷺ عن صلاة الصبح الى الشمس وعن أبى هريرة أن النبىّ ﷺ حين قفل عن غزوة خيبر سار من أوّل الليل حتى اذا أدركه الكرى عرس وقال لبلال اكلأ لنا الليل فنام رسول الله ﷺ وأسند بلال قريب الفجر الى راحلته مواجه الفجر فغلبته عيناه ونام فلم يستيقظ أحد حتى ضربتهم الشمس وكان رسول الله ﷺ أوّلهم استيقاظا ففزع وقال أى بلال فقال بلال أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك بأبى أنت وأمى يا رسول الله فاقتادوا رواحلهم من ذلك المكان شيئا ثم توضأ فأمر بلالا فأقام الصلاة وصلى بهم الصبح فلما قضى الصلاة قال من نسى الصلاة فليصلها اذا ذكرها فان الله تعالى قال أقم الصلاة لذكرى* وروى انه كان فى الرجوع من غزوة تبوك كذا فى المواهب اللدنية*
بناء الرسول ﵇ بأم حبيبة
وفى هذه السنة بنى رسول الله ﷺ بأمّ حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش ووقع التزوّج فى السنة السادسة من الهجرة* وفى هذه السنة وقع الزفاف كما مرّ وقصتها انها كانت قد خرجت مهاجرة الى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فى الهجرة الثانية ثم ارتدّ عن الاسلام وتنصر ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الاسلام قالت رأيت فى المنام كأن آتيا يقول يا أمّ المؤمنين ففزعت فأوّلها بأن رسول الله ﷺ يتزوّجنى فلما انقضت عدّتى فما شعرت الا برسول النحاشى على بابى يستأذن فاذا بجارية له يقال لها ابرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علىّ فقالت ان الملك يقول لك ان رسول الله ﷺ كتب الىّ أن أزوّجك منه قلت بشرك الله بالخير قالت يقول الملك وكلى من يزوّجك فأرسلت الى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وفى سيرة اليعمرى ولى نكاح أم حبيبة عثمان بن عفان وقيل خالد بن سعيد بن العاص فأعطت ابرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا فى رجليها وخواتم من فضة فى أصابع رجليها سرورا بما بشرت به فلما كان العشىّ أمر النجاشى جعفر بن أبى طالب ومن كان هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشى فقال الحمد لله الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار وأشهد أن لا اله الا الله وحده وأن محمدا عبده ورسوله وانه الذى بشر به عيسى ابن مريم* أما بعد فان رسول الله ﷺ كتب الىّ أن أزوّجه أمّ حبيبة بنت أبى سفيان فأجبت الى ما دعا اليه رسول الله ﷺ وقد أصدقتها أربعمائة دينار* وفى روضة الاحباب أربعمائة مثقال من الذهب ثم سكب الدنانير بين يدى القوم فتكلم خالد بن سعيد بن العاص فقال الحمد لله أحمده واستعنه واستغفره وأشهد أن
стр. 569
لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أما بعد فقد أجبت الى ما دعا اليه رسول الله ﷺ وزوجته أمّ حبيبة بنت أبى سفيان فبارك الله لرسوله ودفع النجاشى الدنانير الى خالد بن سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال النجاشى اجلسوا فان من سنن الانبياء اذا تزوّجوا أن يؤكل طعام على التزويج فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرّقوا وذلك سنة سبع من الهجرة كذا فى الصفوة قالت أمّ حبيبة لما أتانى المال أرسلت الى ابرهة التى بشرتنى فقلت لها انى كنت أعطيتك ما أعطيتك ولا مال بيدى فهذه خمسون مثقالا فخذيها واستعينى بها* وفى معالم التنزيل أنفذ اليها النجاشى أربعمائة دينار على يد ابرهة فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا انتهى قالت فأخرجت ابرهة كل ما كنت أعطيتها فردّته علىّ وقالت عزم على الملك أن لا أرزأك وأنا التى أقوم على ثيابه ودهنه وقد اتبعت دين محمد رسول الله وأسلمت لله وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن اليك بكل ما عندهن من العطر* فلما كان من الغد جاءتنى بعداد ورس وعنبر وزباد كثير فقدمت بكله على النبىّ ﷺ وكان يراه علىّ وعندى ولا ينكره ثم قالت ابرهة حاجتى اليك أن تقرئى على محمد رسول الله ﷺ منى السلام وتعلميه انى اتبعت دينه قالت وكانت هى التى جهزتنى وكانت كلما دخلت علىّ تقول لا تنسى حاجتى اليك فلما قدمت على رسول الله ﷺ أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بى ابرهة فتبسم رسول الله ﷺ وأقرأته منها السلام فقال وعليها السلام ورحمة الله وبركاته وبعث النجاشى أمّ حبيبة الى النبىّ ﷺ مع شرحبيل بن حسنة ولما بلغ أبا سفيان خبر تزوّج رسول الله ﷺ بأمّ حبيبة قال ذاك الفحل لا يقرع أنفه وكان لامّ حبيبة حين قدم بها الى المدينة بضع وثلاثون سنة ومكثت عند النبىّ ﷺ قريبا من أربع سنين وتوفيت فى زمان معاوية سنة ثنتين أو أربع وأربعين من الهجرة فى المدينة على القول الصحيح وصلى عليها مروان بن الحكم وقيل توفيت بالشام ومروياتها فى الكتب المتداولة خمسة وستون حديثا المتفق عليه حديثان وفرد مسلم حديث واحد والبقية فى سائر الكتب*
سرية عمر بن الخطاب الى تربة
وفى شعبان هذه السنة كانت سرية عمر بن الخطاب الى تربة ومعه ثلاثون رجلا ومعه دليل من بنى هلال فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار فأتى الخبر الى هوازن فهربوا وجاء عمر الى محلهم فلم يلق منهم أحدا فانصرف راجعا الى المدينة* ثم فى شعبان هذه السنة بعث أبا بكر الصدّيق الى بنى كلاب فى ناحية ضرية ويقال الى فزارة كما فى صحيح مسلم وهو الصواب وكان سلمة بن الاكوع فى تلك السرية فساروا اليهم وقاتلوهم وكان شعارهم أمت أمت فقتلوا طائفة وأسروا طائفة ولقى سلمة جماعة يهربون الى الجبل مع ذراريهم فخشى أن يسبقوه الى الجبل فرمى بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فأتى بهم الى أبى بكر يسوقهم وفيهم امرأة من بنى فزارة مع ابنة لها من أحسن العرب فأخذ أبو بكر ابنتها وقدموا المدينة وما كشف لها ثوبا فلقيه رسول الله ﷺ فى السوق مرّتين فى يومين فقال يا سلمة هب لى المرأة فقال هى لك يا رسول الله فبعث الى مكة ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسرى بمكة*
سرية بشر بن سعد الى بنى مرّة
وفى شعبان هذه السنة بعث بشر بن سعد الانصارى فى ثلاثين رجلا الى بنى مرّة بفدك فسار بشر الى ذلك الموضع ولقى الرعاة واستخبرهم عن القوم قالواهم فى الوادى فساقوا دوابهم ومواشيهم فأخبروا القوم فتعاقبوا المسلمين فأدركوهم فوقع بينهم قتال عظيم وقتل كثير من الصحابة وجرح بشر وضرب كعبه فوقع فى القتلى وقيل قد مات فرجعوا عنه وقدم ابن زيد الحارثى بخبرهم على رسول الله ﷺ فارتث بشر وانسل من بين القوم ولحق بفدك فمكث هناك حتى برأت جراحته ثم قدم المدينة وذكر ذلك للنبىّ صلى الله عليه وسلم
стр. 570
وكان النبىّ ﷺ قبل قدوم بشر أخبر الناس بتلك القصة*
بعث غالب الليثى الى الميفعة
وفى رمضان هذه السنة بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الليثى فى مائة وثلاثين رجلا الى الميفعة بناحية نجد من المدينة على ثمانية برد على جمع من بنى عوال وبنى عبد بن ثعلبة فهجموا عليهم فى وسط محالهم فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا نعما وشاء الى المدينة* قالوا وفى هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرداس بعد أن قال لا اله الا الله فقال رسول الله ﷺ ألا شققت قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب فقال أسامة لا أقاتل أحدا يشهد أن لا اله الا الله* وفى الاكليل فعل ذلك أسامة فى سرية كان هو أميرا عليها سنة ثمان وفى البخارى عن أبى ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يقول بعثنا رسول الله ﷺ الى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا اله الا الله فكف الانصارى عنه وطعنته برمحى حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبىّ ﷺ فقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا اله الا الله قلت كان متعوّذا فما زال يكرّرها حتى تمنيت انى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم أورده فى المواهب اللدنية وستجىء هذه القصة فى الموطن الثامن فى سرية غالب بن عبد الله الليثى الى فدك*
سرية بشر بن سعد الى يمن وجبار
وفى شوّال هذه السنة كانت سرية بشر بن سعد الانصارى الى يمن وجبار بفتح الجيم وهى أرض لغطفان ويقال لفزارة وعذرة وبعث معه ثلثمائة رجل لجمع تجمعوا للاغارة على المدينة فساروا الليل وكمنوا النهار فلما بلغهم مسير بشر هربوا وأصاب لهم نعما كثيرة فغنمها وأسر رجلين وقدم بهما المدينة الى رسول الله ﷺ فأسلما
سرية ابن عمر الى قبل نجد
وبعث ﷺ سرية قبل نجد وفيها ابن عمر رضى الله عنهما قال فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيرا ونفلنا بعيرا فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا يحتمل ان تكون هذه السرية هى سرية ابان بن سعيد المذكورة وأن تكون غيرها*
كتابه الى جبلة بن الايهم
وفى هذه السنة كتب رسول الله ﷺ الى جبلة بن الايهم آخر ملوك غسان ودعاه الى الاسلام قال فلما وصل اليه الكتاب أسلم وكتب جواب كتاب رسول الله ﷺ وأعلمه باسلامه وأرسل الهدية وكان ثابتا على اسلامه الى زمان عمر بن الخطاب* وفى خلافته قدم مكة للحج وحين كان يطوف فى المطاف وطئ رجل من فزارة ازاره فانحلّ فلطم الفزارى لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه فشكا الفزارى الى عمر واستغاثه فطلب عمر جبلة وحكم بأحد الامرين امّا العفو وامّا القصاص قال جبلة أتقتص له منى سواء وأنا ملك وهو سوقى قال عمر الاسلام سوّى بينكما ولا فضل لك عليه الا بالتقوى قال فان كنت أنا وهذا الرجل سواء فى هذا الدين فسأتنصر قال عمر اذا أضرب عنقك قال فأمهلنى الليلة حتى أنظر فى أمرى فلما كان الليل ركب فى بنى عمه وهرب الى قسطنطينية وتنصر هناك ومات مرتدّا نعوذ بالله من ادراك الشقاوة وسوء الخاتمة قيل اليه أشار الشاعر بقوله
أخذت بالجمة رأسا أزعرا ... وبالثنايا الواضحات الدردرا
وبالطويل العمر عمرا جيذرا ... كما اشترى المسلم اذ تنصرا
وبعض أهل الاسلام على أنّ جبلة عاد الى الاسلام ومات مسلما والله أعلم وقد مرّ فى هذا الموطن فى ذكر كتابه الى الحارث بعض ما يخالف هذا*
قتل شيرويه اباه
وفى هذه السنة قتل شيرويه اباه على ما سبق ذكره قال الواقدى كان قتله ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الاخرة أو جمادى الاولى سنة سبع من الهجرة لست أو سبع ساعات مضين* روى أنه لما قتل أباه كان الملك لا يستقرّ عليه حتى قتل سبعة عشر أخاله ذوى أدب وشجاعة فابتلى بالاسقام فبقى بعده ثمانية أشهر وقيل ستة أشهر ثم مات ويقال مدّة عمر شيرويه اثنان وعشرون سنة*
هدية المقوقس
وفى هذه السنة وصلت هدية المقوقس ملك الاسكندرية
стр. 571
ومصر واسمه جريج بن مينا وهى مارية وسيرين أختها وجاريتان أخريان وخصى يقال له مأبور وقدح من قوارير وثياب من قباطى مصر وألف مثقال من الذهب وعسل وفرس يقال له لزاز وبغلة يقال لها الدلدل وحمار يقال له يعفور كما مرّ فى الموطن السادس وبعث المقوقس كل ذلك مع حاطب بن أبى بلتعة فعرض حاطب الاسلام على مارية ورغبها فيه فأسلمت هى وأختها وأقام الخصى على دينه حتى أسلم بالمدينة فى عهد رسول الله ﷺ وقيل لم يسلم وقد مرّ فى الموطن السادس*
الكلام فى عمرة القضاء
وفى ذى القعدة من هذه السنة وقعت عمرة القضاء ويقال لها عمرة القضية وغزوة الا من أيضا أما تسميتها عمرة القضاء فلانها قضاء عن العمرة التى صدّ عنها بالحديبية فانها فسدت بالتحلل عنها وانما عدوّها عمرة لثبوت الاجر فيها لانها كملت كما هو مذهب الحنفية وذكر ابن هشام أنها يقال لها عمرة القضاء لانهم صدّوا رسول الله ﷺ عن العمرة فى ذى القعدة فى الشهر الحرام من سنة ست فاقتص منهم رسول الله ﷺ ودخل مكة فى ذى القعدة فى الشهر الحرام الذى صدّوا فيه من سنة سبع قال موسى بن عقبة وذكر انّ الله تعالى أنزل فى تلك العمرة الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص وأمّا تسميتها عمرة القضية فلانه ﵇ قاضى قريشا فيها لا لانها قضاء عن العمرة التى صدّ عنها لانها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها بل كانت عمرة تامة كما هو مذهب الشافعية ولذا عدّوا عمر النبىّ ﷺ أربعا وهذا الخلاف مبنى على الاختلاف فى وجوب القضاء أو الهدى على من أحرم معتمرا وصدّ عن البيت فعند أبى حنيفة يجب القضاء عليه لا الهدى وعند الشافعية يجب عليه الهدى لا القضاء وكانت عمرة القضاء بعد غزوة خيبر بستة أشهر وعشرة أيام وذلك أنّ رسول الله ﷺ لما رجع من خيبر الى المدينة أقام بها شهرى ربيع وما بعده الى شوّال وهو يبعث فيما بين ذلك سرايا ثم خرج فى ذى القعدة فى الشهر الذى صدّه فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التى صدّوه عنها وخرج معه المسلمون ممن كان صدّ معه فى عمرته تلك وهى سنة سبع فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنها كذا فى الاكتفاء وقال غيره انّ رسول الله ﷺ أمر أصحابه حين رأوا هلال ذى القعدة أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التى صدّهم المشركون عنها بالحديبية وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية فلم يتخلف منهم أحد الا من استشهد منهم بخيبر ومن مات وخرج معه ﷺ قوم من المسلمين عمارا غير الذين شهدوا الحديبية وكانوا فى عمرة القضاء ألفين واستخلف على المدينة أبارهم الغفارى* وفى القاموس عويف بن الاضبط وأحرم من ذى الحليفة وساق ﷺ ستين بدنة وجعل على هديه ناجية ابن جندب الاسلمى وحمل رسول الله ﷺ معه السلاح والدروع والرماح وقاد مائة فرس* وفى المواهب اللدنية فلما انتهى الى ذى الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة وقدّم السلاح واستعمل عليه بشر بن سعد وأحرم ﷺ ولبى والمسلمون يلبون معه ومضى محمد ابن مسلمة فى الخيل الى مرّ الظهران فوجد بها نفرا من قريش فسألوه فقال هذا رسول الله ﷺ يصح هذا المنزل غدا ان شاء الله تعالى فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا ونزل رسول الله ﷺ بمرّ الظهران وقدّم السلاح الى بطن يأجج كيسمع وينصر ويضرب موضع بمكة حيث ينظر الى أنصاب الحرم وخلف عليه أوس بن خولى الانصارى فى مائتى رجل وخرج قريش من مكة الى رؤس الجبال وأخلوا مكة ثلاثة أيام* وفى الاكتفاء قال ابن عقبة وتغيب رجال من أشرافهم وخرجوا الى بوادى مكة كراهية أن ينظروا الى رسول الله ﷺ غيظا وحنفا ونفاسة وحسدا انتهى وقدّم رسول الله ﷺ الهدى أمامه فحبس بذى طوى
стр. 572
وخرج رسول الله ﷺ على راحلته القصوى والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله ﷺ يلبون فدخل النبىّ ﷺ من ثنية كداء بفتح أوّله والمدّ وهى طلعة الحجون التى بأعلى مكة ينحدر منها الى المقابر على درب المعلاة على طريق الابطح ومنى وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته وهو يمشى بين يديه ويقول
خلوا بنى الكفار عن سبيله ... اليوم نضر بكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
* فقال له عمر يا ابن رواحة بين يدى رسول الله ﷺ وفى حرم الله تقول شعرا* فقال له النبىّ ﷺ خل عنه يا عمر فلهى أسرع فيهم من نصح النبل رواه الترمذى ورواه عبد الرزاق من وجهين بلفظ
خلوا بنى الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن فى تنزيله
بأنّ خير القتل فى سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله
وفى الاكتفاء
خلوا بنى الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير فى رسوله
يا رب انى مؤمن بقيله ... أعرف حق الله فى قبوله
فلم يزل رسول الله ﷺ يلبى حتى استلم الركن بمعجنه مضطبعا بثوبه وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم وأمر النبىّ ﷺ بلالا فأذن على ظهر الكعبة* وفى البخارى عن ابن عباس قال المشركون انهم يقدمون عليكم وقد أوهنتهم حمى يثرب فأمر النبى ﷺ أن يرملوا فى الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين ولم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها الا الابقاء شفقة عليهم أى لم يمنعه من أمرهم بالرمل فى جميع الطوفات الا الرفق بهم والاشفاق عليهم* وفى رواية قال ارملوا ايرى المشركون قوّتكم والمشركون من قبل قيقعان* وفى أسد الغابة اضطبع رسول الله ﷺ والمسلمون ورملوا وهو أوّل اضطباع ورمل فى الاسلام* وفى الاكتفاء تحدّثت قريش بينها فيما ذكره ابن اسحاق أنّ محمدا وأصحابه فى عسرة وجهد وشدّة فصفوا له عند دار الندوة لينظروا اليه والى أصحابه فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال رحم الله امرآ أراهم اليوم من نفسه قوّة ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى اذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليمانى مشى حتى يستلم الاسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول كان الناس يظنون أنها ليست سنة عليهم وأنّ رسول الله ﷺ انما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فدل أنها سنة ثم طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة قال هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون وأمر رسول الله ﷺ ناسا من أصحابه أن يقيموا على السلاح ببطن يأجج ويأتى آخرون فقضوا نسكهم ففعلوا كذا فى المواهب اللدنية وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى فقالا قد انقضى أجلك فاخرج عنا* وفى رواية أتوا عليا فقالوا له قل لصاحبك يخرج عنا فقد انقضى الاجل فخرج رسول الله ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادى
стр. 573
يا عمّ يا عمّ فتناولها علىّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك فحملتها فاختصم فيها علىّ وزيد وجعفر فقال علىّ أنا أحذتها وهى ابنة عمى وقال جعفر بنت عمى وخالتها تحتى وقال زيد بنت أخى فقضى بها النبىّ ﷺ لخالتها وقال الخالة بمنزلة الامّ قال وركب رسول الله ﷺ حتى نزل بسرف بفتح أوّله وكسر ثانيه بعده فاء على عشرة أميال من مكة أو سبعة* وفى شفاء الغرام فى سرف أربعة أقوال ستة أميال وسبعة بتقديم السين وتسعة بتقديم التاء على السين واثنا عشر ميلا وهو الموضع الذى بنى النبىّ ﷺ بميمونة فيه حين تزوّجها* وفى معجم ما استعجم قال ابن وفد بلغنى أنّ رسول الله ﷺ غربت عليه الشمس بسرف وصلى المغرب بمكة وبينهما سبعة أميال وفى موضع آخر منه على ستة أميال من مكة وليس بجامع اليوم*
تزوّجه ﵇ بميمونة رضى الله عنها
وفى هذه السنة تزوّج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث بن حرب بن بجير بن هدن بن رؤبة بن عبد الله بن هلال ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان الهلالية* قال أبو عمر وقال أبو عبيدة لما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر توجه الى مكة معتمرا سنة سبع وقدم عليه جعفر بن أبى طالب من أرض الحبشة فبعثه بين يديه فخطب عليه ميمونة بنت الحارث الهلالية وكانت أختها لامها أسماء بنت عميس تحت جعفر وسلمى بنت عميس تحت حمزة وأم الفضل بنت الحارث تحت العباس فجعلت أمرها الى العباس فأنكحها النبىّ ﷺ وهو محرم وقيل جعلت أمرها الى أم الفضل فجعلت أمّ الفضل أمرها الى العباس فزوّجها العباس من رسول الله ﷺ وأصدقها عنه أربعمائة درهم وقضى رسول الله ﷺ نسكه وأقام بمكة ثلاث ليال وكان ذلك أجل القضية يوم الحديبية فلما أصبح رسول الله ﷺ من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وهو يخالف ما مرّ من أنهما أتياه عند الظهر من اليوم الرابع انتهى ورسول الله ﷺ فى مجلس الانصار يتحدّث مع سعد بن عبادة فصاح حويطب نناشدك الله والعقد الا خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاثة فقال سعد كذبت لا أم لك انها ليست بأرضك ولا بأرض أبيك والله لا يخرج الا راضيا فقال رسول الله ﷺ وهو يضحك يا سعد لا تؤذ قوما زارونا فى رحالنا ثم قال رسول الله ﷺ لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه قالوا لا حاجة لنا بطعامك فاخرج فأمر رسول الله ﷺ أبا رافع مولاه فاذن بالرحيل وخلف أبا رافع على ميمونة حتى أتاه بسرف ولقد لقيت هى ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين وصبيانهم كذا فى الاكتفاء* وروى فى تزويجها أنّ العباس لقى النبىّ ﷺ بالجحفة حين اعتمر عمرة القضية فقال له العباس يا رسول الله أيمت ميمونة بنت الحارث بن أبى رهم بن عبد العزى هل لك فى تزويجها فتزوّجها ﷺ وهو محرم فلما قدم مكة أقام ثلاثا فجاء سهيل بن عمرو فى نفر من أصحابه من أهل مكة فقال يا محمدا خرج عنا فقال له سعديا عاضّ بظر أمه أهى أرضك وأرض أمّك دونه لا يخرج رسول الله ﷺ الا أن يشاء فقال له رسول الله ﷺ دعهم فخرج فبنى بها بسرف حلالا أخرجه أبو عمرو وكذا رواه ابن عباس أنّ النبى ﷺ تزوّجها وهو محرم أخرجه الشيخان والنساءى وروت ميمونة أنه ﷺ تزوّجها بسرف وهو حلال أخرجه أبو داود* وقد روى أنه ﷺ لما فرغ من عمرته أقام بمكة ثلاثة أيام التى اشترطها على أهل مكة ثم بعث بها عثمان وقال ان شئتم أقمت عندكم ثلاثا أخر وعرست بأهلى وأولمت لكم وكان ﷺ تزوّج ميمونة الهلالية قبل عمرته ولم يدخل بها فقالوا لا حاجة لنا فى وليمتك اخرج عنا وهذا يعضد قول من قال
стр. 574
انه ﷺ تزوّج ميمونة وهو محرم وكانت ميمونة رضى الله عنها قبل النبىّ ﷺ عند أبى رهم بن عبد العزى ويقال عند عبد الله بن أبى رهم وقيل بل عند حويطب بن عبد العزى وقيل فروة بن عبد العزى وقيل أبى سبرة العامرى* قال ابن اسحاق ويقال انها رضى الله عنها وهبت نفسها للنبىّ ﷺ وذلك أنّ خطبة النبىّ ﷺ انتهت اليها وهى على بعيرها فقالت البعير وما عليه لله تعالى ولرسوله ﷺ فأنزل الله تعالى وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبىّ ويقال التى وهبت نفسها للنبىّ ﷺ زينب بنت جحش ويقال أمّ شريك غزية بنت جابر بن وهب ويقال غيرها والله أعلم ذكره ابن اسحاق وقد سبق فى الباب الثالث فى حوادث السنة الخامسة والعشرين من مولده ﷺ وكانت ميمونة آخر امرأة تزوّج بها النبىّ ﷺ وآخر من توفيت منهنّ حكاه المنذرى صاحب الترغيب والترهيب توفيت سنة ثلاث وستين* وفى معجم ما استعجم أنها ماتت بسرف لانها اعتلت بمكة وقالت أخرجونى من مكة لان رسول الله ﷺ أخبرنى أنى لا أموت بها فحملوها حتى أتوابها سرف الى الشجرة التى بنى بها رسول الله تحتها فى موضع القبة فماتت هناك سنة ثمان وثلاثين وهناك عند قبرها سقاية* وفى خلاصة الوفاء تزوّجها بسرف وبنى بها فيه وماتت فيه ودفنت فيه* ومروياتها ستة وسبعون حديثا المتفق عليه منها سبعة أحاديث وأفرد البخارى بحديث واحد وأفرد مسلم بخمسة أحاديث والباقية فى سائر الكتب* وفى ذى الحجة من هذه السنة كانت سرية ابن أبى العوجاء السلمى واسمه أحزم الى بنى سليم فى خمسين رجلا فأحدق بهم الكفار من كل ناحية وقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبى العوجاء وصار جريحا مع القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ فى أوّل صفر سنة ثمان والله تعالى أعلم تمّ الموطن السابع بحمد الله
*
(الموطن الثامن فى وقائع السنة الثامنة من الهجرة
من اسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وتزوّج فاطمة بنت الضحاك وسرية غالب بن عبد الله الليثى الى بنى الملوّح وسرية غالب بن عبد الله الى مصاب أصحاب بشر بن سعد بفدك واتخاذ المنبر والقصاص وسرية شجاع بن وهب الى بنى عامر بالسىء وسرية كعب بن عمير الغفارى الى ذات اطلاح وسرية مؤتة وسرية عمرو بن العاص الى ذات السلاسل وسرية أبى عبيدة بن الجرّاح الى سيف البحر وسرية أبى قتادة الى خضرة وسرية أبى قتادة الى بطن اضم وسرية عبد الله بن أبى حدرد الى الغابة وغزوة فتح مكة واسلام ابى سفيان بن حرب واسلام أبى قحافة واسلام حكيم بن حزام واسلام عكرمة بن أبى جهل وسرية خالد بن الوليد عقب فتح مكة الى العزى بنخلة وسرية عمرو بن العاص الى سواع صنم هذيل وسرية سعد بن زيد الاشهل الى مناة صنم للأوس وسرية خالد بن الوليد الى بنى جذيمة وغزوة حنين وسرية أبى عامر الى أوطاس وسرية الطفيل الى ذى الكفين وغزوة الطائف واسلام مالك بن عوف النضرى واسلام صفوان بن أمية وتزوّج المليكة الكندية وبعث عمرو بن العاص الى حيفر وعبد بعمان وبعث العلاء الحضرمى الى المنذر بن الساوى وانصرافه الى المدينة واسلام عروة بن مسعود الثقفى وقتله وبعث قيس بن سعد بن عبادة الى ناحية اليمن وطلاق سودة وولادة ابراهيم وقدوم أوّل الوفود وفد هوازن ووفاة زينب بنت رسول الله ﷺ
*
اسلام خالد وعمرو بن العاص وعثمان الحجبى
وفى صفر هذه السنة قدم المدينة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجبى فأسلموا فى أسد الغابة اختلفوا فى وقت اسلام خالد بن الوليد وهجرته قيل كان اسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله ﷺ من بنى قريظة وقيل كان اسلامه بين الحديبية وخيبر وقيل بل كان اسلامه
стр. 575
وهجرته سنة ثمان وقد قيل فى أوّل سنة ثمان مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فلما رآهم رسول الله ﷺ قال رمتكم مكة بافلاذ كبدها قال أبو عمرو ولم يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول الله ﷺ قبل الفتح* وفى المواهب اللدنية كان قدومه المدينة واسلامه سنة خمس قاله ابن أبى خيثمة وقال الحاكم سنة سبع وكذا فى الوفاء وفى كون اسلام خالد سنة خمس أو سبع نظر لما ورد فى صحيح البخارى عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنّ النبىّ ﷺ قال انّ خالد بن الوليد بالغميم فى خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين قاله زمن الحديبية سنة ست كذا فى المشارق وهذا ينافى اسلامه سنة خمس أو سبع* وفى الصفوة خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم يكنى أبا سليمان وأمّه أسماء وهى لبابة الصغرى بنت الحارث أخت أمّ الفضل امرأة عباس قال خالد لما أراد الله بى ما أراد من الخير قذف فى قلبى حب الاسلام وحضرنى رشدى وأرى فى المنام كأنى فى بلاد ضيقة جدب فخرجت الى بلاد احسن وأوسع فقلت انّ هذه لرؤيا فذكرتها لابى بكر فقال هو مخرجك الذى هداك الله فيه للاسلام والضيق هو الشرك فاجمعت الخروج الى رسول الله ﷺ وطلبت من أصحابه فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذى أريد فأسرع الى الاجابة وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا فلما كان بالهدة اذا عمرو بن العاص فقال مرحبا بالقوم فقلنا له وبك قال أين مسيركم فأخبرناه وأخبرنا أيضا أنه يريد النبىّ ﷺ فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أوّل يوم من صفر سنة ثمان فلما طلعت على رسول الله ﷺ سلمت عليه بالنبوّة فردّ علىّ السلام بوجه طلق فقال ﷺ قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك الا لخير وبايعت رسول الله ﷺ فقلت استغفر لى كل ما أوضعته من صدّعن سبيل الله قال انّ الاسلام يجب ما كان قبله ثم استغفر لى وتقدّم عمرو وعثمان بن طلحة فأسلما فو الله ما كان رسول الله ﷺ من يوم أسلمت يعدل بى أحدا من أصحابه فيما يحزبه* وفى أسد الغابة فلم يزل خالد من حين أسلم يوليه رسول الله ﷺ أعنة الخيل فيكون فى مقدمتها فى محاربة العرب وكان فى مقدمة رسول الله ﷺ يوم حنين فى بنى سليم وجرح يومئذ فأتاه رسول الله ﷺ فى رحله بعد ما هزم من هوازن ليعرف خبره ويعوده فنفث فى جرحه فانطلق وسيجىء وفاة خالد فى الخاتمة فى خلافة عمر بن الخطاب* وفى المنتقى روى أنّ عمرو بن العاص كان أسلم بالحبشة على يد النجاشى ولكن كان يكتم اسلامه من أصحابه فخرج متوجها الى المدينة فلما كان ببعض الطريق عند الهدة اذ لقى خالد بن الوليد وهو يريد المدينة وذلك قبل الفتح فقال عمرو يا أبا سليمان أين تريد فقال خالد والله لقد استقام الميسم أى تبينت الطريق وظهر الامر وانّ هذا الرجل لنبىّ فاذهب فأسلم فحتى متى قال عمرو والله ما جئت الا لأسلم فقد ما المدينة فتقدّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم عمرو بن العاص فبايعه ثم انصرف قال ابن اسحق وحدّثنى من لا أتهم أنّ عثمان بن طلحة بن أبى طلحة العبدرى الحجبى كان معهما حين أسلما قال عثمان بن طلحة لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام عمرة القضاء غير الله قلبى عما كان عليه ودخلنى الاسلام وجعلت أفكر فيما نحن عليه وما نعبد من حجر لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرّ وأنظر الى رسول الله ﷺ وأصحابه وظلف أنفسهم عن الدنيا فيقع ذلك فأقول ما عمل القوم الاعلى الثواب ليكون بعد الموت وجعلت أحب النظر الى رسول الله ﷺ الى أن رأيته خارجا من باب بنى شيبة يريد منزله بالابطح فأردت أن آتيه وآخذ بيده وأسلم فلم يعزم لى ذلك فانصرف رسول الله صلى الله عليه
وسلم راجعا الى المدينة ثم عزم لى على الخروج اليه فأدلجت الى بطن يأجج فألقى خالد بن الوليد فاصطحبنا حتى نزلنا الهدة فما شعرنا
стр. 576
الا بعمرو بن العاص فانقمعنا منه وانقمع منا ثم قال اين يريد الرجلان فأخبرناه فقال وأنا والله أريد الذى تريدان فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة على رسول الله ﷺ فبايعته على الاسلام وأقمت حتى خرجت معه فى غزوة الفتح ودخل مكة فقال لى يا عثمان ايت بالمفتاح فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه الىّ وقال خذوها تالدة خالدة ولا ينزعها منكم أحد الا ظالم يا عثمان ان الله استأمنكم فكلوا مما يصل اليكم من هذا البيت بالمعروف وسيجىء* قال الواقدى هذا أثبت الوجوه فى اسلام عثمان* فى الاستيعاب وأسد الغابة عثمان بن طلحة بن أبى طلحة واسم أبى طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب بن مرّة القرشى العبدرى الحجبى أمه أم سعيد سلافة بنت سعد من بنى عمرو بن عوف قتل أبوه طلحة وعمه عثمان بن أبى طلحة جميعا يوم أحد كافرين قتل حمزة عثمان وقتل علىّ طلحة مبارزة وقتل يوم أحد منهم أيضا مسافع والجلاس والحارث وكلاب بنو طلحة كلهم اخوة عثمان بن طلحة هذا قتلوا كفارا قتل عاصم بن ثابت بن أبى الافلح رجلين منهم مسافعا والجلاس وقتل الزبير كلابا وقتل قزمان الحارث وقد مرّ فى الموطن الثالث فى غزوة أحد وهاجر عثمان بن طلحة الى رسول الله ﷺ فى هدنة الحديبية مع خالد فلقيا عمرو بن العاص قد أتى من عند النجاشى يريد الهجرة فاصطحبوا جميعا حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فقال رسول الله ﷺ حين رآهم ألقت اليكم مكة أفلاذ كبدها كذا فى الاستيعاب كما مرّ* وفى أسد الغابة رمتكم مكة بأفلاذ كبدها يعنى انهم وجوه أهل مكة فأسلموا وأقام عثمان مع النبىّ ﷺ بالمدينة وشهد معه فتح مكة ودفع رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة اليه والى شيبة بن عثمان بن أبى طلحة وقال خذوها يا بنى طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم الا ظالم ثم نزل عثمان بن طلحة المدينة وأقام بها الى وفاة رسول الله ﷺ وانتقل الى مكة فسكنها حتى مات بها فى أوّل خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين وقيل انه قتل يوم اجنادين* وفى هذه السنة تزوّج ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية وقد سبق فى الباب الثالث*
بعث غالب بن عبد الله الى فدك
وفى صفر هذه السنة كانت سرية غالب بن عبد الله الليثى الى بنى الملوّح بالكديد بفتح الكاف فغنم* وفى صفر هذه السنة بعث غالب بن عبد الله أيضا* وفى معالم التنزيل غالب بن فضالة الليثى مع جماعة الى فدك لينتقموا من الذين قتلوا أصحاب بشر بن سعد روى ان رسول الله ﷺ عقد لواء للزبير بن العوّام وأمره على مائتى رجل وأمره أن يأتى مصارع أصحاب بشر بن سعد ويستأصلهم ان ظفر بهم فبينما هو على ذلك اذ قدم غالب بن عبد الله الليثى من الكديد فدفع اليه النبىّ ﷺ اللواء المعقود للزبير وأمره على تلك السرية وبعثه الى فدك وكان ابو مسعود الثقفى وعقبة بن عامر الانصارى وكعب بن عجرة وأسامة بن زيد فى تلك السرية فلما انتهوا الى فدك أغاروا عليهم مع الصبح وقاتلوا قتالا شديدا وقتل كثير من المشركين وأخذ المسلمون كثيرا من الاسارى والابل والغنم* روى ان أسامة بن زيد اتبع رجلا من الكفار يقال له نهيك بن مرداس ولما لحقه وسل السيف ليضربه قال نهيك لا اله الا الله فقتله أسامة فلما رجع الى غالب وذكر له ما جرى بينه وبين نهيك لامه غالب وقال لم قتلته ولما قدموا المدينة ذكر للنبىّ ﷺ ذلك فقال يا أسامة أقتلته بعد ان قال لا اله الا الله فقال يا رسول الله كان متعوّذا بها من السيف قال أفلا شققت قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب قال أسامة لن أقاتل من قال لا اله الا الله أبدا كذا فى روضة الاحباب* وفى معالم التنزيل غير هذا ظاهرا وهو ما روى عن ابن عباس أنه قال نزلت هذه الاية* يا أيها الذين آمنوا اذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا الاية فى رجل
стр. 577
من بنى مرّة بن عوف يقال له نهيك بن مرداس وكان من أهل فدك وكان مسلما لم يسلم من قومه غيره فسمعوا بأن سرية لرسول الله ﷺ تريدهم وكان على السرية غالب بن فضالة الليثى فهربوا وأقام الرجل لانه كان على دين الاسلام فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبىّ ﷺ فألجأ غنمه الى عال من الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فعرف انهم من أصحاب رسول الله ﷺ فكبر ونزل وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة واستاق غنمه ثم رجعوا الى رسول الله ﷺ فأخبروه فوجد رسول الله ﷺ وجدا شديدا وكان قبل ذلك قد سبق ذلك الخبر فقال رسول الله ﷺ أقتلتموه ارادة ما معه ثم قرأ هذه الاية على أسامة بن زيد فقال يا رسول الله استغفر لى فقال فكيف بلا اله الا الله قالها رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال أسامة فما زال رسول الله يكررها ويعيدها حتى وددت انى لم أكن أسلمت الا يومئذ ثم ان رسول الله ﷺ استغفر لى بعد ثلاث مرات وقال اعتق رقبة* وروى أبو ظبيان عن أسامة بن زيد قال مرّ رجل من بنى سليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه غنم له فسلم عليهم فقالوا ما سلم عليكم الا ليتعوّذ منكم فقاموا وقتلوه وأخذوا غنمه وأتوا بها الى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا* وفى رواية بعث رسول الله ﷺ أسامة بن زيد مع جماعة الى الحرقات من جهينة فصبحوهم فهزموهم وقتل أسامة رجلا ظنه متعوّذا بقول لا اله الا الله فكرر رسول الله ﷺ له أقتلته بعد ما قال لا اله الا الله حتى قال تمنيت انى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم وقد مرت هذه القصة فى الموطن السابع فى سرية غالب بن عبد الله الليثى الى الميفعة بناحية نجد*
اتخاذ المنبر
وفى هذه السنة على ما فى أسد الغابة أو السابعة أو التاسعة من الهجرة اتخذ المنبر لرسول الله ﷺ من أثل الغابة* وفى رواية من طرفاء الغابة روى انه ﷺ بنى مسجده مسقوفا على جذوع النخل وكان اذا خطب يقوم الى جذع من جذوعه فصنع له منبر* وفى خلاصة الوفاء أشهر الاقوال ان الذى صنع المنبر باقوم بموحدة وقاف وهو بانى الكعبة لقريش وقيل باقول باللام بدل الميم وأشبه الاقوال بالصواب ما قاله الحافظ ابن حجرانه ميمون وقيل صباح غلام العباس وقيل غلامه كلاب وقيل مينا غلام امرأة من الانصار ونقل ابن النجار عن الواقدى انه درجتان ومجلس وللدارمى فى صحيحه عن أنس فصنع له منبر له درجتان ويقعد على الثالثة* وفى رواية الدارمى هذه المراقى الثلاث أو الاربع على الشك* وفى صحيح مسلم هذه الثلاث درجات من غير شك فأطلق على المجلس درجة* وليحيى عن ابن أبى الزناد ان النبىّ ﷺ كان يجلس على المجلس ويضع رجليه على الدرجة الثانية فلما ولى أبو بكر قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة السفلى فلما ولى عمر قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الارض فلما ولى عثمان فعل ذلك ست سنين من حلافته ثم علا الى موضع النبىّ ﷺ ولما استخلف معاوية زاد فى المنبر فجعل له ست درجات وكان عثمان أوّل من كسا المنبر قطيفة وعن أبى الزناد قال فسرقت الكسوة امرأة فأتى بها عثمان فقال لها هل سرقت قولى الحق فاعترفت فقطعها قالوا فلما قدم معاوية عام حج حرك المنبر وأراد أن يخرجه الى الشام الى دمشق فكسفت الشمس يومئذ حتى رؤيت النجوم فاعتذر معاوية الى الناس وقال أردت أن أنظر الى ما تحته وخشيت عليه من الارضة قال بعضهم كساه يومئذ قطيفة أولينة* وفى رواية ان معاوية كتب الى مروان بذلك فقلعه فأصابتهم ريح مظلمة بدت فيها النجوم نهارا ويلقى الرجل الرجل يصكه ولا يعرفه فقال مروان انما كتب
стр. 578
الىّ أن أصلحه فدعا النجارين فعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها وهى يعنى الدرجات التى زادها ست درجات ولم يزد فيه أحد قبله ولا بعده* وفى تاريخ الواقدى أراد معاوية سنة خمسين تحويل منبر رسول الله ﷺ الى دمشق بالشام فكسفت الشمس يومئذ وكلمه أبو هريرة فيه فتركه فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمه قبيصة فتركه فلما كان الوليد أراد ذلك فأرسل سعيد بن المسيب الى عمر بن عبد العزيز فكلمه فتركه فلما كان سليمان قيل له فى تحويله فقال لاها الله أخذنا الدنيا ونعمد الى علم من أعلام الاسلام نريد تحويله ذاك شىء لا أفعله وما كنت أحب ان يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد وما لنا ولهذا قال ابن النجار فيما رواه عن ابن أبى الزناد انه صار بما زاد فيه مروان تسع درجات بالمجلس فلما قدم المهدى قال لمالك أريد أن أعيده على حاله فقال له مالك انما هو من طرفاء الغابة وقد سمر الى هذه العيدان وشدّ فمتى نزعته خفت أن تتهافت فانصرف المهدى عن ذلك* قال ابن زياد وطول منبر النبىّ ﷺ خاصة ذراعان فى السماء وعرضه أى عرض مقعده ذراع فى ذراع وتربيعه سواء وعرض درجه شبران لان كل درجة شبر وان طول المنبر فى السماء بعد ما زاد فيه أربعة أذرع وصار امتداده فى الارض سبعة أذرع بتقديم السين باضافة عتبة الدكة الرخام التى المنبر فوقها وتلك العتبة ذراع فامتداد المنبر بدونها ستة أذرع انتهى وعن جابر بن عبد الله الانصارى أنه قال كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل وكان النبىّ ﷺ اذا خطب يقوم الى جذع منها كما مرّ وكانت امرأة من الانصار اسمها عائشة وكان لها غلام نجار اسمه باقوم الرومى قالت يا رسول الله ان لى غلاما نجارا أفلا آمره يتخذ لك منبرا تخطب عليه قال بلى فأمرته فاتخذ له منبرا* وفى رواية سأله رجل عن اتخاذ المنبر فأجابه اليه وفى هذه الرواية صنع له ثلاث درجات فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر قال جابر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار*
حنين الجذع
وفى خلاصة الوفاء اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج أى التى انتزع ولدها قال عياض حديث حنين الجذع مشهور والخبر به متواتر أخرجه أهل الصحيح ورواه من الصحابة بضع عشر وفى رواية أنس حتى ارتح المسجد لخواره وفى رواية أنّ كأنين الصبىّ وفى رواية سهل وكثر بكاء الناس لما رأوا به* وفى رواية المطلب حتى تصدع وانشق حتى جاءه النبىّ ﷺ فوضع يده عليه فسكت* وفى رواية فنزل النبىّ ﷺ يمسحه بيده حتى سكن أو سكت كالصبى الذى يسكت ثم رجع الى المنبر وزاد غيره فقال قال النبىّ ﷺ هذا بكى لما فقد من الذكر وزاد غيره والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا الى يوم القيامة تحزنا على رسول الله ﷺ فأمر به رسول الله ﷺ فدفن تحت المنبر هكذا فى حديث المطلب* وفى حديث أبى بن كعب فكان اذا صلى النبىّ ﷺ صلى اليه فلما هدم المسجد وغير أخذ ذلك الجذع أبى وكان عنده فى تلك الدار الى أن بلى وأكلته الارضة وعادر فاتا وذكر الاسفراينى ان النبىّ ﷺ دعاه الى نفسه فجاءه يحرق الارض فالتزمه ثم أمره فعاد الى مكانه* وفى حديث بريدة قال النبىّ ﷺ ان شئت أردّك الى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدّد لك خوصك وثمرك وان شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك ثم أصغى له النبىّ ﷺ بسمع ما يقول فقال بل تغرسنى فى الجنة فيأكل منى أولياء الله فأكون فى مكان لا أبلى فيه يعنى فى الجنة فسمعه من يليه فقال النبىّ ﷺ قد فعلت ثم قال قد اختار دار البقاء على دار الفناء أورده فى الشفا* وفى خلاصة الوفا اعتمد المطرى فى بيان محل الجذع على ما روى ابن زبالة فقال وكان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول الله ﷺ لاصقا بجدار المسجد القبلى فى موضع
стр. 579
كرسى الشمعة اليمنى التى توضع عن يمين الامام المصلى فى مقام النبىّ ﷺ والاسطوانة التى قبلى الكرسى متقدّمة على موضع الجذع فلا يعتمد على قول من جعلها فى موضع الجذع*
أوّل قود فى الاسلام
وفى هذه السنة أقاد رسول الله ﷺ رجلا من هذيل برجل من بنى ليث وهو أوّل قود كان فى الاسلام*
سرية شجاع بن وهب الى بنى عامر
وفى ربيع الاوّل من هذه السنة كانت سرية شجاع بن وهب الى بنى عامر بالسىء ماء من ذات عرق الى وجرة على ثلاث مراحل من مكة الى البصرة وخمس من المدينة ومعه أربعة وعشرون رجلا الى جمع من هوازن وأمره أن يغير عليهم فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار حتى صبحهم فأصابوا نعما وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدّلوا البعير بعشر من الغنم*
سرية كعب بن عمير الى ذات اطلاح
وفى ربيع الاوّل من هذه السنة كانت سرية كعب بن عمير الغفارى الى ذات اطلاح وراء ذات القرى فى خمسة عشر رجلا فساروا حتى انتهوا الى ذات اطلاح فوجدوا فيها جمعا كثيرا فقاتلهم الصحابة أشدّ القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح فى القتلى* قال مغلطاى قيل هو الامير فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى النبىّ ﷺ فأخبره الخبر فشق ذلك عليه فهم بالبعث اليهم فبلغه انهم ساروا الى موضع آخر فتركهم*
سرية مؤتة
وفى جمادى الاولى من هذه السنة كانت سرية مؤتة وهى بضم أوّله واسكان ثانيه بعده تاء مثناة فوقية* وفى المواهب اللدنية بضم الميم وسكون الواو بغير همز لاكثر الرواة وبه جزم المبرد وجزم ثعلب والجوهرى وابن فارس بالهمز* وحكى غيرهم الوجهين وهى موضع من أرض الشام من عمل البلقاء والبلقاء دون دمشق وكان لقاؤهم الروم بقرية يقال لها مشارف من تخوم البلقاء ثم انحاز المسلمون الى مؤتة كذا فى معجم ما استعجم* وفى مورد اللطافة وكانت وقعة مؤتة بالكرك* وقال فى الاكتفاء ولما صدر رسول الله ﷺ من عمرة القضاء الى المدينة أقام بها نحوا من ستة أشهر ثم بعث الى الشام فى جمادى الاولى من سنة ثمان بعث الذين أصيبوا بمؤتة* روى انه ﷺ بعث الحارث بن عمير الازدى الى ملك بصرى بكتاب فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى وهو من أمراء قيصر فقتله ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره فشق ذلك على رسول الله ﷺ وأخبر عن قتل الحارث وقاتله ودعا الناس وعسكر بالجرف وهم ثلاثة آلاف فقال النبىّ ﷺ أمير الناس زيد بن حارثة فان قتل أو قال أصيب فجعفر بن أبى طالب فان قتل أو قال أصيب فعبد الله بن رواحة فان قتل أو قال أصيب فيتربص المسلمون بينهم رجلا* روى ان رسول الله ﷺ حين عين أمراء السرية كان يهودى عنده فقال ان كان محمد نبيا فيقتل هؤلاء الذين عينهم للامارة فانّ أنبياء بنى اسرائيل كانوا اذا عينوا الامراء مثل ما عينه يقتلون البتة ثم قال لزيد ودّع أبا القاسم فانك مقتول ثم عقد النبىّ ﷺ لواء أبيض ودفعه الى زيد بن حارثة وخرج مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودّعهم وأمرهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك الى الاسلام فان أجابوا والا فقاتلوهم* وفى الصفوة عن محمد بن جعفر بن الزبير قال فلما تجهز الناس وتهيؤا للخروج الى مؤتة قال المسلمون صحبكم الله ودفع عنكم السوء وردّكم سالمين غانمين فقال عبد الله بن رواحة عند ذلك شعرا
لكننى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدى حران مجهزة ... بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا
حتى يقولوا اذا مرّوا على جدثى ... أرشدك الله من غاز وقد رشدا
فلما فصلوا من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم فجمعوا لهم وتهيؤا لحربهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع
стр. 580
أكثر من مائة ألف وقدّم الطلائع أمامه* قال ابن اسحاق لما نزل المسلمون معان وهو حصن كبير بين الحجاز والشام على خمسة أيام من دمشق بطريق مكة* وفى الصفوة لما نزلوا معان من أرض الشام بلغهم ان هرقل قد نزل ماب من أرض البلقاء فى مائة ألف من الروم وانضمت اليه المستعربة من لخم وجذام والقين وبلى وبهراء ووائل فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون فى أمرهم وقالوا نكتب الى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدوّنا فاما أن يمدّنا بالرجال واما أن يأمرنا بأمر فنمضى له فشجعهم عبد الله بن رواحة فقال والله يا قوم ان الذى تكرهونه للذى خرجتم له تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدّة ولا قوّة ولا كثرة وما نقاتلهم الا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فانطلقوا فانما هى احدى الحسنيين اما الظهور واما الشهادة قال الناس قد والله صدق ابن رواحة فمضوا لوجوههم* وفى الاكتفاء ثم مضى الناس حتى اذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف وانحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبى لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الانصار يقال له عباية بن مالك ويقال عبادة ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد براية رسول الله ﷺ حتى شاط فى رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل حتى اذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء ثم عرقبها ثم قاتل القوم حتى قتل رحمه الله تعالى وهو يقول
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم روم قددنا عذابها ... علىّ اذ لاقيتها ضرابها
وكان جعفر أوّل من عقر فى الاسلام وفى رواية فأخذ اللواء زيد بن حارثة فوقع بين الجمعين قتال فقتل سدوم أخو شرحبيل وهرب أصحابه وخاف شرحبيل ودخل حصنا وبعث أخاه الاخر الى هرقل يستمدّه فبعث هرقل زها مائتى ألف ولما التقى الجمعان أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل بطعنة رمح ثم أخذ اللواء جعفر فنزل عن فرسه فعرقبها وكان أوّل فرس عرقبت فى الاسلام فقاتل حتى قطعت يده اليمنى فأخذ اللواء بيده اليسرى فقطعت فضمه بعضديه أو قال احتضنه فضربه رجل من الروم فقطعه نصفين* وفى الاكتفاء قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين يطير بهما فى الجنة حيث يشاء قال ابن عمر كنت فى تلك الغزوة فالتمسنا جعفرا فوجدناه فى القتلى ووجدنا فيما أقبل من بدنه ما بين منكبينه تسعين ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف* وفى رواية قال عددت خمسين جراحة من قدامه وفى رواية وجدت فى أحد نصفيه بضعا وثلاثين جراحة* ذكر عبد الله بن رواحة عن النعمان بن بشير أن جعفر بن أبى طالب حين قتل دعا الناس يا عبد الله بن رواحة وهو فى جانب العسكر ومعه ضلع جمل ينتهشه ولم يكن ذاق طعاما منذ ثلاث فرمى الضلع وجعل يلوم نفسه فقال قتل جعفر وأنت مع الدنيا ثم تقدّم وأخذ اللواء فقاتل فأصيبت اصبعه فنزل عن فرسه وجعلها تحت رجله ومدّ حتى طرحها عنه وجعل يرتجز ويقول
هل أنت الا اصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت
فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردّد ثم قال يا نفس الى أىّ شئ تتوقين الى فلانة امرأة له فهى طالقة ثلاثا أو الى فلان وفلان غلامان له فهما حرّان أو الى معجف حائط له فهو لله ولرسوله ثم قال
أقسم يا نفس لتنزلته ... طائعة لى أو لتكرهنه
قد طال ما كنت مطمئنة ... هل أنت الا نطفة فى شنه
قد أجلب الناس وشدّوا الرنة ... مالى أراك تكرهين الجنة
стр. 581
* وفى الاكتفاء قال
يا نفس ان لا تقتلى تموتى ... هذى حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... ان تفعلى فعلهما هديت
وان تأخرت فقد شقيت
يعنى صاحبيه زيدا وجعفرا ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شدّ بها صلبك فانك قد لقيت أيامك فأخذه من يده فانتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة فى ناحية الناس فقال وأنت فى الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدّم فقاتل حتى قتل فبادر ثابت بن قيس بن الارقم الانصارى أخو بنى العجلان وأخذ الراية فجعل يصيح يا آل الانصار فجعل الناس يثوبون اليه فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم فقالوا أنت قال ما أنا بفاعل فنظر الى خالد بن الوليد فقال يا أبا سليمان خذ اللواء قال لا آخذه أنت أحق به منى لك سن قد شهدت بدرا قال ثابت خذ أيها الرجل فو الله ما أخذته الا لك وقال ثابت للناس اصطلحتم على خالد قالوا نعم فأخذ خالد اللواء وحمل بأصحابه ففض جمعا من جمع المشركين كذا فى الصفوة وقد جاء فى بعض الروايات اصطلح الناس على خالد بن الوليد وأخذ اللواء وانكشف المسلمون وكانت الهزيمة فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم فجعلوا يحثون فى وجوههم التراب ويقولون يا فرار أفررتم فى سبيل الله فقال النبىّ ﷺ ليسوا بفرار ولكنهم كرار ان شاء الله تعالى* وفى الاكتفاء فلما أخذ خالد الراية دافع القوم وحاشى بهم ثم انحازوا حتى انصرف الناس قافلا ودنوا من المدينة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون ولقيهم الصبيان يشتدّون ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة فقال خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطونى ابن جعفر فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار فررتم فى سبيل الله فيقول رسول الله ﷺ ليسوا بالفرار ولكنهم بالكرار ان شاء الله تعالى* وقالت أمّ سلمة زوج النبىّ ﷺ لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة مالى لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ قالت انه والله لا يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم فى سبيل الله حتى قعد فى بيته* وعن أبى هريرة أنه قال لما قتل ابن رواحة انهزم المسلمون فجعل خالد يدعوهم فى أخراهم ويمنعهم عن الفرار وهم لا يسمعون حتى نادى قطبة ابن عامر أيها الناس لان يقتل الرجل فى حرب الكفار خير من ان يقتل حال الفرار فلما سمعوا كلام قطبة تراجعوا* وروى ان خالدا لما أصبح أخذ اللواء فبعد ما صفوا للقتال غير صفوف جيشه فجعل المقدمة مكان الساقة والساقة مكان المقدمة والميمنة مكان الميسرة والميسرة مكان الميمنة فوقع الكفار من ذلك فى غلط فحسبوا أن لحق المسلمين مدد فوقع فى قلوبهم من ذلك الرعب فانهزموا فتعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاؤا فغنم المسلمون من أموالهم فرجعوا الى المدينة وفى مقفلهم مروا بمدينة لها حصن وقد كان أهل الحصن قتلوا رجلا من المسلمين فى مرورهم الى مؤتة فحاصروهم وفتحوا حصنهم وقتل خالد كثيرا منهم* وعن أنس ان النبىّ ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليهم* وفى معجم ما استعجم فأصيبوا متتابعين وخرج الى الظهر من ذلك اليوم تعرف الكابة فى وجهه فخطب الناس بما كان من أمرهم وقال أخذ اللواء سيف من سيوف الله يعنى خالد بن الوليد فقاتل حتى فتح الله عليه فيومئذ سمى خالد سيف الله* وفى الاكتفاء لما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ أخذ
стр. 582
الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم صمت؟؟؟ رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الانصار وظنوا انه قد كان فى عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون ثم قال أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم قال لقد رفعوا الى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت فى سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريرى صاحبيه قلت عمّ هذا فقيل لى مضيا وتردّد عبد الله بعض التردّد ثم مضى* وروى انه لما قدم يعلى بن أمية بخبر أهل مؤتة قال له رسول الله ﷺ ان شئت فاخبرنى وان شئت فأخبرتك قال فأخبرنى يا رسول الله فأخبره ﷺ بخبرهم كله ووصفه له فقال يعلى والذى بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وان أمرهم لكما ذكرت فقال رسول الله ﷺ رفع لى الارض حتى رأيت معركتهم كذا رواه البخارى* وفى الصحيح عن خالد بن الوليد أنه قال انقطع فى يدى يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقى فى يدى الا صفيحة يمانية* وفى الصفوة صبرت فى يدى صفيحة يمانية وفيها أيضا عن أبى عبيدة بن الجراح قال سمعت رسول الله ﷺ يقول خالد بن الوليد سيف من سيوف الله نعم فتى العشيرة قال العلماء بالسير بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فى السرايا وخرج معه فى غزاة الفتح والى حنين وتبوك وحجة الوداع فلما حلق رسول الله ﷺ رأسه أعطاه ناصيته وكانت فى مقدمة قلنسوته وكان لا يلقى أحدا الا هزمه ولما خرج أبو بكر الى أهل الردّة كان خالد بن الوليد يحمل لواءه فلما تلاحق الناس به استعمل خالدا ورجع الى المدينة وستجىء وفاة خالد بن الوليد فى الخاتمة فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنهم*
(ذكر زيد بن حارثة بن شرحبيل بن عبد العزى بن امرىء القيس)
ويقال له زيد الحب وأمه سعدى ابنة ثعلبة بن عبد عمرو وعن أسامة بن زيد قال كان بين رسول الله ﷺ وبين زيد عشر سنين ورسول الله ﷺ أكبر منه* ذكر صفته* وكان زيد رجلا قصيرا آدم شديد الادمة فى أنفه فطس وكان يكنى أبا أسامة وكان فى ابتداء حاله مع أمه وقد خرجت به تزور قومها فأغارت خيل لبنى القين فى الجاهلية فمروا على أبيات بنى معن فاحتملوه وهو يومئذ غلام يفعة فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم فلما تزوّجها النبىّ ﷺ وهبته له فقبضه اليه وكان أبوه حارثة حين فقده قال
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحىّ فيرجى أم أتى دونه الاجل
فو الله ما أدرى وان كنت سائلا ... أغالك سهل الارض أم غالك الجبل
فياليت شعرى هل لك الدهر رجعة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى علل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه اذا قارب الطفل
وان هبت الارواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس فى الارض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الابل
حياتى أو تأتى علىّ منيتى ... فكل امرئ فان وان غرّه الامل
وأوصى به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصى يزيدا ثم من بعده جبل
يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد ويزيد أخوه لامه فحج ناس من كعب فرأوا زيدا فعرفوه وعرفهم فقال أبلغوا أهلى هذه الابيات
أكنى الى قوم وان كنت نائيا ... بأنى قطين البيت عند المشاعر
فكفوا عن الوجد الذى قد شجاكم ... ولا تعملوا فى الارض نص الاباعر
стр. 583
فانى بحمد الله فى خير أسرة ... كرام معدّ كابرا بعد كابر
فانطلقوا وأعلموا أباه ووصفوا له مكانه وعند من هو فخرج حارثة وكعب ابنا شرحبيل بفدائه فقد ما مكة وسألا عن النبىّ ﷺ فقيل هو فى المسجد فدخلا عليه فقالا يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العانى وتطعمون الاسير جئناك فى ابننا عندك فامنن علينا وأحسن الينا فى فدائه فاننا سنرفع لك فى الفداء قال ما هو قالوا زيد بن حارثة فقال ﷺ هلا غير ذلك فقالوا ما هو قال ادعوه وخيروه فان اختاركم فهو لكما بغير فداء وان اختارنى فو الله ما أنا بالذى أختار على من اختارنى أحدا قالوا لقد زدتنا على النصفة وأحسنت فدعاه فقال له هل تعرف هؤلاء فقال نعم هذا أبى وهذا عمى فقال النبىّ ﷺ فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتى لك فاخترنى أو اخترهما فقال زيد ما أنا بالذى اختار عليك أحدا أبدا أنت منى بمكان الاب والعم فقالا ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك قال نعم انى قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه الى الحجر فقال يا من حضر اشهدوا انّ زيدا ابنى أرثه ويرثنى فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا فدعى بزيد بن محمد حتى أتى الله بالاسلام فزوّجه النبىّ ﷺ زينب بنت جحش فلما طلقها تزوّجها النبىّ ﷺ فتكلم المنافقون فى ذلك وقالوا تزوّج امرأة ابنه فنزلت هذه الاية قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم الاية وقال ادعوهم لابائهم فدعى يومئذ بزيد بن حارثة كذا فى الصفوة* روى ان زيدا تزوّج أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط فولدت له ثم طلقها وتزوّج درّة ابنة أبى لهب ثم طلقها وتزوّج هند بنت العوّام أخت الزبير ثم زوّجه النبىّ ﷺ أمّ أيمن فولدت له أسامة* قال الزهرى أوّل من أسلم زيد قال أهل السير شهد زيد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة حين خرج الى المريسيع وخرج أميرا فى سبع سرايا ولم يسم أحد من أصحابه ﷺ باسمه فى القرآن غيره وكان له من الولد زيد فهلك صغيرا ورقية أمّها أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وأسامة وأمه أمّ أيمن حاضنة رسول الله ﷺ وقتل زيد فى غزوة مؤتة فى جمادى الاولى سنة ثمان من الهجرة وهو ابن خمس وخمسين سنة وعن خالد بن الوليد قال لما أصيب زيد بن حارثة أتاهم النبى ﷺ فجهشت بنت زيد فى وجه رسول الله ﷺ فبكى رسول الله ﷺ حتى انتحب* النحيب رفع الصوت بالبكاء كذا فى الصحاح فقال له سعد بن عبادة يا رسول الله ما هذا قال هذا شوق الحبيب الى حبيبه كذا فى الصفوة*
(ذكر جعفر بن أبى طالب)
* كان أسن من علىّ بعشر سنين وكان أسلم قديما بمكة قبل دخول رسول الله ﷺ دار الارقم وهاجر الى الحبشة فى الهجرة الثانية مع امرأته أسماء بنت عميس فولدت له هناك عبد الله وبه كان يكنى ومحمدا وعونا فلم يزل هناك حتى قدم على النبىّ ﷺ وهو بخيبر سنة سبع فقال النبىّ ﷺ ما أدرى بأيهما أفرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر كذا فى الصفوة* وفى ذخائر العقبى أشدّ فرحا بدل أفرح وقال ثم التزمه وقبله بين عينيه خرجه البغوى فى معجمه* وعن جابر قال لما قدم جعفر بن أبى طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله ﷺ فلما نظر جعفر الى رسول الله ﷺ حجل وقال سفين أى مشى على رجل واحدة اعظاما منه لرسول الله ﷺ فقبله النبىّ ﷺ بين عينيه وأعطاه وامرأته أسماء بنت عميس من غنائم خيبر وقال له أشبهت خلقى وخلقى* وعن أبى هريرة قال كان جعفر يحب المساكين ويجلس اليهم ويحدّثهم ويحدّثونه وكان
стр. 584
رسول الله ﷺ يسميه أبا المساكين ولما قتل بمؤتة أمهل النبىّ ﷺ آل جعفر أن يأتيهم ثلاثة أيام فندبوا ثم قال لا تبكوا على أخى بعد اليوم وقال ان له جناحين يطير بهما حيث شاء من الجنة* وروى عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال أدخلت الجنة البارحة فنظرت فيها فاذا جعفر يطير مع الملائكة* وفى الاكتفاء استشهد يوم مؤتة من المسلمين سوى الامراء الثلاثة رضى الله عنهم من قريش من بنى عدى بن كعب مسعود بن الاسود بن حارثة ومن بنى مالك بن جبل وهب بن سعد بن أبى سرح ومن الانصار عباد بن قيس من بنى الحارث بن الخزرج والحارث بن النعمان بن أساف من بنى غنم بن مالك بن النجار وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء من بنى مازن بن النجار وأبو كليب ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول وهما لاب وأمّ وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد من بنى مالك بن أقصى وهؤلاء الاربعة عن ابن هشام
* سرية عمرو بن العاص الى ذات السلاسل
وفى جمادى الاخرة من هذه السنة كانت سرية عمرو بن العاص الى ذات السلاسل وسميت بذلك لان المشركين ارتبط بعضهم الى بعض مخافة أن يفروا وقيل لان بها ماء يقال له السلسل وراء ذات القرى من المدينة على عشرة أيام* قال اسماعيل بن أبى خالد هى غزوة لخم وجذام وقال عروة هى بلاد بلى وعذره وبنى القين أو بنى العنبر وقال بعضهم هى موضع معروف بناحية الشام فى أرض بنى عذرة وفى سيرة ابن هشام انه ماء بأرض جذام وبذلك سميت الغزوة ذات السلاسل وكانت فى جمادى الاخرة سنة ثمان وقيل سنة سبع وبه جزم ابن أبى خالد فى كتاب صحيح التاريخ ونقل ابن عساكر الاتفاق على انها كانت بعد غزوة مؤتة الا ان ابن اسحاق قال قبلها* وسببها انه بلغه ﷺ ان جمعا من قضاعة تجمعوا للاغارة فعقد لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه فى ثلثمائة من سراة المهاجرين والانصار ومعهم ثلاثون فرسا فسار الليل وكمن النهار فلما قرب منهم بلغه ان لهم جمعا كثيرا فبعث رافع بن مكيث الجهنى الى رسول الله ﷺ يستمدّه فبعث اليه أبا عبيدة بن الجراح وعقد له لواء وبعث معه مائتين من سراة المهاجرين والانصار فيهم أبو بكر وعمر وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعا ولا يختلفا فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو انما قدمت علىّ مددا وأنا الامير فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلى بالناس حتى وصل الى العدوّ بلى وعذرة فحمل عليهم المسلمون فهربوا فى البلاد وتفرّقوا*
سرية أبى عبيدة الى سيف البحر
وفى رجب هذه السنة كانت سرية أبى عبيدة الى سيف البحر وهى سرية الخبط وسماها البخارى غزوة سيف البحر قال شيخ الاسلام ابن العراقى فى شرح التقريب قالوا وكانت هذه السرية فى شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وذلك بعد ان نكثت قريش العهد وقبل الفتح فان النكث كان فى رمضان من السنة المذكورة* فى استقامة هذا الكلام نظر فليتأمل أو تكون هذه السرية فى سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية كما قاله ابن سعد وكان فيها ثلثمائة من المهاجرين والانصار الى ساحل البحر وكان فيها عمر بن الخطاب وقيس بن سعد بن عبادة* وعن جابر بن عبد الله الانصارى أنه قال بعثنا النبىّ ﷺ فى ثلثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة ابن الجراح فى طلب عير قريش وترصدها فأقمنا على الساحل حتى فنى زادنا وأكلنا الخبط حتى تقرّحت أشداقنا ثم انّ البحر ألقى الينا دابة يقال لها العنبر فأكلنا منها نصف شهر حتى صحت أجسامنا* وفى رواية عنه فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناها فاذا هى دابة تدعى العنبر فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلثمائة حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقطع منه القدر كالثور ولقد أخذمنا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فاقعدهم فى وقب عينها وأخذ ضلعا من أضلاعها وأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا ثم ركبه أطول رجل منا فجاز من تحتها وتزوّدنا من لحمه
стр. 585
الوسائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شئ فتطعمونا فأرسلنا الى رسول الله ﷺ منه فأكله
* سرية أبى قتادة الانصارى الى خضرة
وفى شعبان هذه السنة كانت سرية أبى قتادة بن ربعى الانصارى الى خضرة وهى أرض محارب وبعث معه خمسة عشر رجلا الى غطفان فقتل من أشرافهم وسبى سبيا كثيرا واستاق النعم فكانت الابل مائتى بعير والغنم ألفى شاة وكانت غيبته خمس عشرة ليلة*
سرية أبى قتادة الى بطن اضم
وفى أوّل رمضان هذه السنة كانت سرية أبى قتادة أيضا الى بطن اضم فيما بين ذى خشب وذى المروة على ثلاثة برد من المدينة لما هم رسول الله ﷺ أن يغزو أهل مكة بعث أبا قتادة فى ثمانية نفر سرية الى بطن اضم ليظنّ ظانّ أنه ﷺ توجه الى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الاخبار فلقوا عامر بن الاضبط فحياهم بتحية الاسلام يعنى السلام فقتله محكم بن جثامة ولم يلقوا العدوّ فرجعوا الى المدينة فلما بلغوا موضعا يقال له ذو خشب سمعوا بخروج النبىّ ﷺ من المدينة نحو مكة فساروا فى أثره حتى لحقوا به فى السقيا بالضم بين المدينة ووادى الصفراء وكذا فى القاموس* فأنزل الله ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا الاية وهو عند ابن جرير من حديث ابن عمر بنحوه وزاد فجاء محكم بن جثامة فى بردين فجلس بين يدى رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال له رسول الله ﷺ لا غفر الله لك فقام وهو يتلقى دموعه بردائه فما مضت له سابعة حتى مات فلفظته الارض وعند غيره ثم عادوا به فلفظته فلما غلب قومه عمدوا الى صدين فسطحوه ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه* وفى القاموس الصد الجبل وناحية الوادى والرضم وضع الحجر بعضه على بعض وفى رواية ابن جرير ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال ان الارض لتطابق على من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم ونسب ابن اسحاق هذه السرية لابن أبى حدرد كذا فى الاكتفاء*
سرية عبد الله بن أبى حدرد الى الغابة
وفى هذه السنة كانت سرية عبد الله بن أبى حدرد الاسلمى أيضا ومعه رجلان الى الغابة لما بلغه ﷺ ان رفاعة بن قيس يجمع لحربه فقتلوا رفاعة وهزموا عسكره وغنموا غنيمة عظيمة حكاه مغلطاى وعن عبد الله بن أبى حدرد أنه قال أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة فى بطن عظيم من بنى جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع جيشا على حرب رسول الله ﷺ وكان ذا اسم فى جشم وشرف فدعانى رسول الله ﷺ ورجلين معى من المسلمين فقال اخرجوا الى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم قال فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى اذا جئنا قريبا من الحاضر عشية مع غروب الشمس كنت فى ناحية وأمرت صاحبىّ فكمنا فى ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما اذا سمعتمانى قد كبرت وشددت فى ناحية العسكر فكبرا وشدّا معى فو الله انا لذلك ننتظر غرّة القوم أو أن نصيب منهم شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وكان لهم راعى سرح فى ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوّفوا عليه فقام صاحبهم ذلك فأخذ سيفه فجعله فى عنقه ثم قال والله لأتبعنّ أثر راعينا هذا ولقد أصابه شرّ فقال نفر ممن كان معه والله لا تذهب أنت نحن نذهب نكفيك قال والله لا يذهب الا أنا قالوا فنحن معك قال والله لا يتبعنى أحد منكم وخرج حتى مرّ بى فلما أمكننى نفحته بسهم فوضعته فى فؤاده فو الله ما تكلم ووثبت عليه فاحتززت رأسه وشددت فى ناحية العسكر وكبرت وشدّ صاحباى فكبرا فو الله ما كان الا النجا ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا ابلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها الى رسول الله ﷺ وجئت برأسه أحمله معى فأعاننى رسول الله ﷺ من تلك الابل بثلاثة
стр. 586
عشر بعيرا فى صداق امرأة تزوّجتها من قومى على مائتى درهم فجئت بها الى أهلى كذا فى الاكتفاء
*
غزوة فتح مكة
وفى عشرين من رمضان هذه السنة يوم الجمعة وقيل فى سادس عشر منه وقعت غزوة فتح مكة* وفى البخارى على رأس ثمان ونصف من مقدمه المدينة* وفى خلاصة السير لسبع ستين وثمانية أشهر واحد عشر يوما* وفى الاكتفاء أقام رسول الله ﷺ بعد بعثه الى مؤتة جمادى الاخرة ورجبا ثم عدت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة على خزاعة قال أصحاب الاخبار ان رسول الله ﷺ لما صالح قريشا عام الحديبية واصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر ستين يأمن فيهنّ الناس ويكف بعضهم عن بعض وانه من أحب أن يدخل فى عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه كما مرّ فدخلت بنو بكر فى عقد قريش ودخلت خزاعة فى عقد رسول الله ﷺ وكان بينهما شرّ قديم ولما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية عدت بنو بكر على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير فخرج نوفل بن معاوية الديلى فى بنى ديل من بنى بكر وليس كل بنى بكر تابعه كذا فى معالم التنزيل* وفى المنتقى كلمت بنو نفاثة وهم من بنى بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح فوعدوهم ووافوهم وكان ممن أعان بنى بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ متنكرين صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو وحويطب ومكرز مع عبيدهم فبيتوا خزاعة ليلا وهم غارّون فقتلوا منهم عشرين رجلا ثم ندمت قريش على ما صنعت وعلموا ان هذا نقض للعهد الذى بينهم وبين رسول الله ﷺ وخرج عمرو بن سالم الخزاعى فى أربعين راكبا حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة وكان ذلك مما هاج فتح مكة* وروى عن ميمونة بنت الحارث زوج النبىّ ﷺ أن رسول الله ﷺ بات عندها فى ليلتها ثم قام وتوضأ للصلاة فسمعته يقول لبيك لبيك ثلاثا فلما خرج من متوضئه قلت له يا رسول الله بأبى أنت وأمى انى سمعتك تكلم انسانا فهل كان معك أحد قال هذا راجز بنى كعب يستصرخنى ويزعم ان قريشا أعانت عليهم بنى بكر قال فأقمنا ثلاثة أيام ثم صلى الصبح بالناس فسمعت راجزا ينشد على رسول الله ﷺ وهو فى المسجد جالس بين ظهرانى الناس وهو يقول
لاهمّ انى ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الا تلدا
انا ولدناك وكنت الولدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
ان قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا
وجعلوا لى فى كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... فانصر هداك الله نصرا أبدا
وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا
فى فيلق كالبحر يجرى مزبدا ... أبيض كالبدر ينمى صعدا
ان سيم خسفا وجهه تربدا
فقال رسول الله ﷺ قد نصرت يا عمرو بن سالم* وفى المنتقى نصرت نصرت ثلاثا أو لبيك لبيك ثلاثا ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال ان هذه السحابة لتستهل لنصر بنى كعب وهم رهط عمرو بن سالم* وفى المنتقى فلما كان بالروحاء نظر الى سحاب منصب فقال ان هذا السحاب لنصب لنصر بنى كعب ثم خرج يديل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من خزاعة حتى قدموا
стр. 587
على رسول الله ﷺ فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين الى مكة وقد كان رسول الله ﷺ قال للناس كأنكم بأبى سفيان قد جاء ليشدّد العقد ويزيد فى المدّة ومضى بديل بن ورقاء فلقى أبا سفيان بعسفان قد بعثه قريش الى رسول الله ﷺ ليشدد العقد ويزيد فى المدّة وقد رهبوا الذى صنعوا فلما لقى أبو سفيان بديلا قال من أين أقبلت يا بديل فظن أنه أتى رسول الله ﷺ قال سرت الى خزاعة فى هذا الساحل وفى بطن هذا الوادى قال أو ما أتيت محمدا قال لا فلما راح بديل مكة قال أبو سفيان لئن كان بالمدينة لقد علف بها فعمد الى منزل ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ فدخل البيت وهو بيت ابنته أم حبيبة ابنة أبى سفيان فأتى ليجلس على فراش رسول الله ﷺ فطوته عنه قال يا بنية أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى قالت بلى هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس وما أحب ان تجلس على فراش رسول الله ﷺ فقال والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يردّ عليه شيئا ثم ذهب الى أبى بكر وكلمه أن يكلم رسول الله ﷺ فقال ما أنا بفاعل ثم أتى عمر بن الخطاب فأبى ثم أتى على بن أبى طالب فأبى ثم قال لفاطمة ان تأمر ابنها الحسين وهو غلام يدب بين يدى أبويه حتى يجير له فأبت فقال يا أبا حسن انى أرى الامور قد اشتدّت علىّ فانصحنى قال والله ما أعلم شيئا يغنى عنك ولكنك سيد بنى كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال وترى ذلك مغنيا شيئا قال لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك فقام أبو سفيان فى المسجد فقال أيها الناس انى قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره فانطلق فلما أن قدم على قريش قالوا ما وراءك قال جئت محمدا فكلمته فو الله ما ردّ علىّ بشئ ثم جئت ابن أبى قحافة فلم أجد عنده خيرا وجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم ثم أتيت علىّ بن أبى طالب فوجدته ألين الناس فقد أشار علىّ بشئ صنعته فو الله ما أدرى هل يغنينى شيئا أم لا قالوا وماذا أمرك قال أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا والله ان زاد علىّ الا أن لعب بك الناس فما يغنى عنا ما قلت قال لا والله ما وجدت غير ذلك وأمر رسول الله ﷺ بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه ولم يعلموا به أحدا فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضى الله عنها وهى تصلح بعض جهاز رسول الله ﷺ فقال يا بنية ما هذا الجهاز قالت لا أدرى قال أمركم رسول الله ﷺ بأن تجهزوه قالت نعم فنجهزه قال فأين ترينه يريد قالت ما أدرى قال ما هذا زمان غزوة بنى الاصفر فأين يريد قالت لا علم لى ثم ان رسول الله ﷺ أعلم الناس انه سائر الى مكة وقال اللهمّ خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نسبقها فى بلادها* وفى رواية قال اللهم عمّ عليهم خبرنا حتى نأخذهم بغتة فتجهز الناس فكتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا الى أهل مكة وبعثه مع سارة مولاة بنى المطلب* وفى معالم التنزيل والمدارك ان مولاة لابى عمرو بن صيفى بن هاشم بن عبد مناف يقال لها سارة أتت المدينة من مكة ورسول الله ﷺ يتجهز لفتح مكة فقال لها أمسلمة جئت قالت لا فال أفمهاجرة قالت لا قال فما جاء بك قالت قد ذهبت الموالى وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطونى وتكسونى وتحملونى فقال لها وأين أنت من شباب مكة وكانت مغنية نائحة قالت ما طلب منى شئ بعد وقعة بدر فحث عليها رسول الله
ﷺ بنى عبد المطلب وبنى المطلب فاعطوها نفقة وكسوة وحملوها* وفى شفاء الغرام حامل كتاب حاطب بن أبى بلتعة أم سارة مولاة لقريش وفيه أيضا أم سارة هى التى أمر النبىّ صلى الله
стр. 588
عليه وسلم بقتلها يوم فتح مكة وانها كانت مولاة لقريش وبين الحافظ مغلطاى اسم المرأة وقال كتب حاطب كتابا وأرسله مع أم سارة كنود المزنية انتهى* ولما علم حاطب بن أبى بلتعة حليف بنى أسد أن رسول الله ﷺ يغزو أهل مكة كتب اليهم كتابا ودفعه الى سارة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا على ان توصل الكتاب الى أهل مكة وكتب فى الكتاب وفى المدارك واستحملها كتابا نسخته* من حاطب بن أبى بلتعة الى أهل مكة اعلموا ان رسول الله ﷺ يريدكم فخذوا حذركم* وفى رواية كتب فيه ان رسول الله ﷺ قد توجه اليكم بجيش كالليل يسير كالسيل واقسم بالله لو سار اليكم وحده لنصره الله عليكم فانه منجز له وعده* وفى رواية كتب فيه ان محمدا قد نفر فاما اليكم واما الى غيركم فعليكم الحذر ذكرهما السهيلى فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الاسود وأبا مرثد فرسانا فقال لهم انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فان بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبى بلتعة الى المشركين أو الى أهل مكة فخذوه منها وخلوا سبيلها فان لم تدفعه اليكم أو قال فان أبت فاضربوا عنقها* قال الواقدى روضة خاخ بقرب ذى الحليفة على بريد من المدينة فانطلقوا تعادى بهم خيلهم حتى أتوا الروضة فأدركوها فى ذلك المكان الذى قال رسول الله ﷺ فقالوا لها أين الكتاب فحلفت بالله ما معها كتاب فبحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع فقال علىّ والله ما كذبنا ولا كذبنا وسل سيفه وقال أخرجى الكتاب والا لا جردنك أو لا ضربن عنقك* وفى المدارك اخرجى الكتاب أو تضعى رأسك* وفى رواية لتخرجن الكتاب أو لتلقنّ الثياب فلما رأت الجد أخرجته من عقيصتها قد خبأته فى شعرها فخلوا سبيلها ولم يتعرّضوا لها ولا لما معها فرجعوا بالكتاب الى رسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ الى حاطب فأتاه فقال هل تعرف الكتاب قال نعم قال ما حملك على ما صنعت قال يا رسول الله لا تعجل علىّ والله يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ صحبتك أو قال نصحتك ولا أجبتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من المهاجرين الا وله بمكة من يمنع عشيرته* وفى رواية وكان لمن معك من المهاجرين بمكة قرابات يحمون أهلهم وأموالهم وكنت غريبا فيهم* وفى رواية كنت امرأ ملصقا فى قريش بقول حليفا ولم أكن من أنفسها وليس فيهم من يحمى أهلى وكان أهلى بين ظهرانيهم فخشيت على أهلى فأحببت اذ فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتى وقد علمت بأن الله ينزل بهم بأسه وان كتابى لا يغنى عنهم شيئا ولم أفعل ذلك ارتدادا عن دينى ولا رضا بالكفر بعد الاسلام فصدّقه رسول الله ﷺ وعذره فقال أما انه قد صدقكم فقام عمر بن الخطاب فقال دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال انه شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر فأنزل الله فى حاطب يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّى وعدوّكم أولياء تلقون اليهم بالمودّة الاية وبعث رسول الله ﷺ الى من حوله من الاعراب فجلبهم وهم أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفارى* وفى المنتقى عبد الله بن أم مكتوم وخرج عامدا الى مكة يوم الاربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة فصام ﷺ وصام الناس حتى اذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمج* وعن ابن عباس الكديد الماء الذى بين قديد وعسفان* وفى القاموس الكديد ماء بين الحرمين أفطر فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر وقدّم أمامه الزبير وقد كان ابن عمته*
وأخوه من رضاع حليمة السعدية أبو سفيان بن
стр. 589
الحارث بن عبد المطلب ومعه ولده جعفر بن أبى سفيان وكان أبو سفيان يألف رسول الله فلما بعث عاداه وهجاه وابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة لقياه بنبق العقاب فيما بين مكة والمدينة* وفى المواهب اللدنية كان لقاؤهما له ﵇ بالابواء وقيل بين السقيا والعرج فالتمسا الدخول عليه فأعرض ﷺ عنهما لما كان يلقى منهما من شدّة الاذى والهجو وكلمته أم سلمة وهى أخت عبد الله فيهما فقالت يا رسول الله لا يكن ابن عمك وابن عمتك وصهرك أشقى الناس بك قال لا حاجة لى فيهما أما ابن عمى فهتك عرضى وأما ابن عمتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال فلما خرج الخبر اليهما بذلك قال أبو سفيان ومعه بنى له اسمه جعفر بن أبى سفيان والله ليأذنن لى أو لاخذنّ بيد بنى هذا ثم لنذهبن فى الارض حتى نموت عطشا وجوعا فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما* وفى المواهب اللدنية قال علىّ لابى سفيان فيما حكاه ابو عمرو وصاحب ذخائر العقبى ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل ما قال اخوة يوسف تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين فانه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا ففعل ذلك أبو سفيان فقال له ﷺ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين* وقد مرّ فى أولاد عبد المطلب فى النسب ويقال ان أبا سفيان ما رفع رأسه الى رسول الله ﷺ حياء منه قالوا ثم سار رسول الله ﷺ فلما كان بقديد عقد الالوية والرايات ودفعها الى القبائل ثم سار حتى نزل مرّ الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين لم يتخلف عنه من المهاجرين والانصار أحد* وفى القاموس ظهران واد بقرب مكة يضاف اليه مر ومرّ الظهران موضع على مرحلة من مكة وقال بعضهم ومنه الى مكة أربعة فراسخ قال ابن سعد نزل رسول الله ﷺ مرّ الظهران عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار وجعل على الحرس عمر بن الخطاب وقد عميت الاخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو فاعل وهم مغتمون لما يخافون من غزوه اياهم وقد كان عباس بن عبد المطلب لقى رسول الله ﷺ ببعض الطريق فخرج فى تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسون الاخبار هل يجدون خبرا وقد قال العباس ليلتئذ واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوا انه لهلاك قريش الى آخر الدهر فخرج على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء وقال اخرج الى الاراك لعلى ألقى بعض الخطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتى مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة قال فخرجت وانى لا طوف فى الاراك التمس ما خرجت له اذ سمعت صوت أبى سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان فأبو سفيان يقول والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا فقال بديل والله هذه نيران خزاعة حشتها الحرب فقال أبو سفيان خزاعة والله ألأم وأذل من ان تكون هذه نيرانها وعسكرها فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتى فقال أبو الفضل فقلت نعم قال مالك فداك أبى وأمى فقلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ قد جاءكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين واصباح قريش قال فما الحيلة فداك أبى وأمى قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب فى عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله ﷺ فاستأمنه لك فردفنى ورجع صاحباه فحرّكت به بغلة رسول الله ﷺ فكاه امررت بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا فاذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا هذا عم رسول الله ﷺ على
بغلة رسول الله ﷺ حتى مررت بنار عمر
стр. 590
فقال من هذا وقام الىّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة قال أبو سفيان عدوّ الله الحمد لله الذى أمكننى منك بغير عقد ولا عهد ثم اشتدّ نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطىء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدوّ الله قد أمكن الله تعالى منه بغير عقد ولا عهد فدعنى أضرب عنقه فقلت يا رسول الله انى قد أجرته ثم جلست الى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه قال قال النبىّ ﷺ للعباس بعد تنازع وتراجع فى الكلام بينه وبين عمر اذهب به يا عباس الى رحلك فاذا أصبحت فأتنى به قال فذهبت به الى رحلى فبات عندى فلما أصبحت غدوت به الى رسول الله ﷺ فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا اله الا الله قال بأبى أنت وأمى ما أحلمك وما اكرمك وأوصلك والله لقد ظننت ان لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئا قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم انى رسول الله قال بأبى أنت وأمى ما أحلمك وما أكرمك وأوصلك أما هذه والله كان فى النفس حتى الان منها شئ قال العباس قلت ويحك يا أبا سفيان أسلم واشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن يضرب عنقك فشهد شهادة الحق وأسلم وفى رواية عروة لما دخل أبو سفيان مع العباس على رسول الله ﷺ صبيحة أسلم* قال أبو سفيان يا محمد انى قد استنصرت الهى واستنصرت الهك فو الله ما لقيتك من مرة الا ظهرت علىّ فلو كان الهى محقا والهك مبطلا لظهرت عليك فشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فقال العباس يا رسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ يا عباس احبسه بمضيق الوادى عند حطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها قال فخرجت به حتى حبسته حيث أمرنى رسول الله ﷺ ومرّت به القبائل على راياتها كلما مرّت قبيلة قال من هؤلاء يا عباس فأقول سليم فيقول مالى ولسليم ثم تمرّ القبيلة قال من هؤلاء فأقول مزينة فيقول مالى ولمزينة حتى نفدت القبائل لا تمرّ قبيلة الا سألنى عنها فاذا أخبرته فيقول مالى ولبنى فلان حتى مرّ رسول الله ﷺ فى الخضراء كتيبة رسول الله ﷺ فيها المهاجرون والانصار لا يرى منهم الا الحدق قال سبحان الله من هؤلاء يا عباس قلت هذا رسول الله ﷺ فى المهاجرين والانصار قال ما لأحد بهؤلاء من قبل والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن اخيك عظيما قلت ويحك يا أبا سفيان انها النبوّة قال فنعم اذا قلت الحق بقومك فحذرهم* وفى الاكتفاء التجئ الى قومك فخرج سريعا حتى اذا جاءهم فصرخ باعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به قالوا فه قال فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن فقامت اليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به فقالت اقتلوا الحميت الدسم الاحمس قبح من طليعة قوم قال ويحكم لا تغرّن هذه من أنفسكم فانه قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن قالوا قاتلك الله وما تغنى دارك عنا شيئا قال فمن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن* وفى رواية نادى أبو سفيان أسلموا تسلموا فتفرق الناس الى دورهم والى المسجد* وروى ان حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قدما على رسول الله ﷺ بمرّ الظهر ان فأسلما فبايعاه فبعثهما رسول الله ﷺ بين يديه الى قريش يدعو انهم الى الاسلام ولما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبىّ ﷺ
راجعين الى مكة بعث فى أثرهما الزبير بن العوّام وأعطاه الراية وأمره على خيل المهاجرين والانصار وأمره أن يسير من طريق كداء وأن يركز رايته باعلى الحجون
стр. 591
وقال له لا تبرح من حيث أمرتك أن تركز رايتى حتى آتيك* وفى الاكتفاء وأمر رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذى طوى الزبير بن العوّام أن يدخل فى بعض الناس من كداء وكان على المجنبة اليسرى وأمر سعد بن عبادة ان يدخل فى بعض الناس من كدى فذكروا ان سعدا حين وجه داخلا قال اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل من المهاجرين قيل هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال يا رسول الله أتسمع ما قال سعد ما نأمن أن يكون له فى قريش صولة وصدمة فقال رسول الله ﷺ لعلىّ بن أبى طالب أدركه فخذ الراية فكن أنت الذى تدخل بها ويقال أخذت الراية من سعد ودفعت الى ابنه قيس بن سعد ويقال أمر الزبير بأخذ الراية وجعله مكان سعد على الانصار مع المهاجرين* وفى المواهب اللدنية هذه ثلاثة أقوال فيمن دفعت اليه الراية التى نزعت من سعد والذى يظهر من الجميع ان عليا أرسل لينزعها من سعد ويدخل بها ثم خشى من تغير خاطر سعد فأمر بدفعها الى ابنه قيس ثم ان سعدا خشى أن يقع من ابنه شئ ينكره النبىّ ﷺ فسأل النبىّ ﷺ أن يأخذها من قيس فحينئذ أخذها الزبير وجعل أبا عبيدة بن الجراح على الحسر والبيادق كذا فى المواهب اللدنية والمنتقى* فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون وغرز هناك راية رسول الله ﷺ وأمر خالد بن الوليد وكان على المجنبة اليمنى أن يدخل فيمن أسلم من قضاعة وبنى سليم وأسلم وغفار وجهينة ومزينة وسائر القبائل فدخل من الليط أسفل مكة وبها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناة والاحابيش الذين استنفرتهم واستنصرتهم قريش وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة وأمر النبىّ ﷺ خالدا أن يركز رايته عند منتهى البيوت وأدناها وكان ذلك أوّل امارة خالد وقال النبىّ ﷺ لخالد والزبير حين بعثهما لا تقاتلوا الا من قاتلكم ولما انتهى رسول الله ﷺ الى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حمراء وانه ليضع رأسه تواضعا لله وشكرا له حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى ان عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل* العثنون بالعين المهملة والثاء المثلثة والنونين بينهما واو اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين أو نبت على الذقن وتحته سفلا أو هو طولها وشعيرات طوال تحت حنك الابل كذا فى القاموس* ولما وقف ﷺ هناك قال أبو قحافة وقد كف بصره لابنة له من أصغر ولده وهو على أبى قبيس مشرفا عليه أى بنية ماذا ترين قالت أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل قالت وأرى رجلا يسعى بين يدى ذلك السواد مقبلا ومدبرا قال أى بنية ذاك الوازع يعنى الذى يأمر الخيل ويتقدّم اليها ثم قالت قد والله انتشر السواد فقال قد والله اذا دفعت الخيل فأسرعى بى الى بيتى فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل الى بيته وفى عنق الجارية طوق من ورق فتلقاها رجل فقطعه من عنقها قال فلما دخل رسول الله ﷺ أتاه أبو بكر بأبيه يقوده فلما رآه رسول الله ﷺ قال هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه فيه فقال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشى اليك من ان تمشى أنت اليه قال فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له أسلم فأسلم ورآه رسول الله ﷺ وكانّ رأسه ثغامة فقال غيروا هذا من شعره وسيجىء ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال انشد الله والاسلام طوق أختى فلم يجبه أحد فقال أى أخية احتسبى طوقك فو الله ان الامانة اليوم فى الناس قليل ولم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال وأما خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة فلقيه قريش وبنو بكر والاحابيش فقاتلوه فقتل منهم قريبا من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد وهرب فضيضهم حتى دخلوا الدور
وارتفعت طائفة منهم على الجبال واتبعهم
стр. 592
المسلمون بالسيوف وهربت طائفة منهم الى البحر والى صوب اليمن وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ من أواخر المهاجرين حتى نزل بأعلى مكة وضربت له هناك قبة* وروى مسلم من حديث جابر دخل النبىّ ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء من غيرا حرام* وروى ابن ابى شيبة باسناد صحيح عن طاوس لم يدخل النبىّ ﷺ مكة الا محرما الا يوم فتح مكة وقد اختلف العلماء هل يجب على من دخل مكة الاحرام أم لا فالمشهور من مذهب الشافعىّ عدم الوجوب مطلقا وفى قول يجب مطلقا وفيمن يتكرّر دخوله خلاف مرتب فاولى بعدم الوجوب والمشهور عن الائمة الثلاثة الوجوب كذا فى المواهب اللدنية* ولما علا رسول الله ﷺ ثنية كداء نظر الى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال ما هذا وقد نهيت عن القتال فقال المهاجرون نظنّ ان خالدا قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن بد أن يقاتل من قاتله وما كان يا رسول الله ليعصيك ولا ليخالف أمرك فهبط رسول الله ﷺ من الثنية فأجاز على الحجون واندفع الزبير بن العوّام حتى وقف بباب الكعبة* وفى الاكتفاء وكان رسول الله ﷺ قد عهد الى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا الا من قاتلهم الا انه قد عهد فى نفر قد سماهم أمر بقتلهم وان وجدوا تحت أستار الكعبة وسيجىء ذكرهم وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا ناسا بالحندمة ليقاتلوا فيهم حماس ابن قيس بن خالد اخو بنى بكر وقد كان أعدّ سلاحا وأصلح منها فقالت له امرأته لم تعدّ سلاحك هذا قال لمحمد وأصحابه قالت والله ما أراه يقوم لمحمد شئ قال والله انى لأرجو أن أخدمك بعضهم ثم قال
ان يقتلوا اليوم فما لى علة ... هذا سلاح كامل وألة
وذو غرارين سريع السلة
ثم شهد الحندمة فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر الفهرى وخنيس بن خالد بن الاشقر كانا فى خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقاتلا جميعا وأصيب سلمة بن الميلاء الجهنى من خيل خالد وأصيب من المشركين ناس ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته وقال لامرأته أغلقى علىّ بابى قالت فأين ما كنت تقول فقال
انك لو شهدت يوم الخندمة ... اذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
واستقبلتهم بالسيوف المسلمة ... يقطعن كل ساعد وجمجمة
ضربا فلا تسمع الا غمغمة ... لهم نهيت خلفنا وهمهمة
لم تنطقى فى اللوم أدنى كلمة
وقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد بعد أن اطمأنّ لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال قال هم يدؤنا ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا النبل وقد كففت يدى ما استطعت فقال رسول الله ﷺ قضاء الله خير وفرّ يومئذ صفوان بن أمية عامد اللبحر وعكرمة بن أبى جهل عامد الليمن وستجىء قصتهما* وفى المنتقى وكل الجنود لم يلقوا جنودا غير خالد فانه لقى صفوان بن أمية وسهيل ابن عمرو وعكرمة ابن أبى جهل فى جمع من قريش فمنعوه من الدخول وشهروا السلاح ورموا بالنبل فصاح خالد فى أصحابه فقاتلهم فقتل أربعة وعشرون من قريش وأربعة من هذيل فلما ظهر النبى ﷺ قال لخالد ألم أنه عن القتال فقيل قوتل خالد فقاتل كما مرّ* وفى شفاء الغرام عن عطاء ابن السائب قال حدّثنى طاوس وعامر قالا دخل رسول الله ﷺ وقدم خالد بن الوليد
стр. 593
فانا لهم شيئا من قتل فجاء رجل من قريش فقال يا رسول الله هذا خالد بن الوليد قد أسرع فى القتل فقال النبىّ ﷺ لرجل من الانصار عنده يا فلان قال لبيك يا رسول الله قال ائت خالد بن الوليد قل له ان رسول الله ﷺ يأمرك أن لا تقتل بمكة أحدا فجاء الانصارى فقال يا خالد ان رسول الله ﷺ يأمرك أن تقتل من لقيت فاندفع خالد فقتل سبعين رجلا من مكة فجاء الى النبىّ ﷺ رجل من قريش فقال يا رسول الله هلكت قريش لا قريش بعد اليوم قال ولم قال هذا خالد لا يلقى أحدا من الناس الا قتله فقال النبىّ ﷺ ادع لى خالدا فلما أتى اليه خالد قال يا خالد ألم أرسل اليك أن لا تقتل أحدا قال بل أرسلت الىّ أن أقتل من قدرت عليه قال ادع لى الانصارى فدعاه له فقال ألا آمرك أن تأمر خالدا أن لا يقتل أحدا قال بلى ولكنك أردت أمرا وأراد الله غيره فكان ما أراد الله فسكت ﷺ ولم يقل للانصارى شيئا وقال يا خالد قال لبيك يا رسول الله قال لا تقتل أحدا قال لا* وفى المواهب اللدنية والمنتقى روى أحمد ومسلم والنسائى عن أبى هريرة قال أقبل رسول الله ﷺ وقد بعث على احدى المجنبتين خالد بن الوليد وبعث الزبير على الآخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر بضم المهملة وتشديد السين المهملة أى الذين بغير سلاح فقال لى يا أبا هريرة اهتف لى بالانصار فهتفت بهم فجاؤا فأطافوا فقال لهم أترون الى أوباش قريش وأتباعهم ثم قال باحدى يديه على الآخرى احصدوهم حصدا حتى توافونى بالصفا قال أبو هريرة فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدا منهم الا قتلناه فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله ابحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم فقال ﷺ من أغلق بابه فهو آمن* وفى الاكتفاء قالت أمّ هانئ بنت أبى طالب وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومى لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة فرّ الىّ رجلان من أحمائى من بنى مخزوم فدخل علىّ أخى على بن أبى طالب فقال والله لاقتلنهما فأغلقت عليهما بيتى ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة كان فيها أثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوبه فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثمان ركعات من الضحى ثم انصرف الىّ فقال مرحبا وأهلا بأمّ هانئ ما جاء بك فأخبرته خبر الرجلين وخبر علىّ فقال قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانئ وأمّنا من أمّنت فلا يقتلنهما* قال ابن هشام هما الحارث بن هشام وزهير بن أمية بن المغيرة* وفى رواية للبخارى انه ﷺ يوم فتح مكة اغتسل فى بيت أم هانئ ثم صلى الضحى ثمان ركعات فقالت لم أره صلى صلاة أخف منها غير انه يتم الركوع والسجود وذكره فى المواهب اللدنية* وفى رواية دخل رسول الله ﷺ مكة حين ارتفعت الشمس على ناقته القصوى بين أبى بكر وأسيد بن حضير وقد أردف أسامة بن زيد وقد طأطأ رأسه تواضعا لله وهو يقرأ سورة الفتح* وفى الاكتفاء ولما نزل رسول الله ﷺ واطمأنّ الناس خرج حتى أتى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن فى يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة وأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة فقال لا اله الا الله صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ألاكل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمىّ هاتين الاسدانة البيت وسقاية الحاج يا معشر قريش ان الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالاباء الناس لادم وآدم خلق من تراب ثم تلاهذه الاية فقال يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى الاية ثم قال يا معشر قريش أو يا أهل مكة ماذا ترون أنى فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء
стр. 594
فأعتقهم رسول الله ﷺ وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة فلذلك تسمى اهل مكة الطلقاء أى الذين أطلقوا فلم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق هو الاسير اذا أطلق قال ثم جلس رسول الله ﷺ فى المسجد فقام اليه علىّ بن أبى طالب ومفتاح الكعبة فى يده فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول الله ﷺ أين عثمان بن طلحة فدعى له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم برّ ووفاء وقال لعلىّ فيما حكى ابن هشام انما أعطيكم ما تزرؤن لا ما ترزؤن* وفى البحر العميق دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب والحجابة من عثمان بن طلحة فقام العباس بن عبد المطلب فبسط يده وقال يا رسول الله بأبى أنت وأمى اجمع لى الحجابة مع السقاية فقال رسول الله ﷺ أعطيكم ما تزرؤن فيه لا ما ترزؤن منه قال أبو على معناه أنا أعطيكم ما تتموّنون على السقاية التى تحتاج الى مؤن أى فأنتم ترزؤن بضم التاء وسكون الراء المهملة قبل الزاى المعجمة المفتوحة من الرزء بالضم وهو النقص أى يرزؤكم الناس أى ينقصونكم بالاخذ لتموينكم اياهم بتموين السقاية المعدّة لهم وأما السدانة فيرزؤ بها الناس بالبعث اليها أى بعث كسوة البيت أى لا يليق أن ترزؤا بفتح التاء وسكون الراء المهملة قبل المعجمة أى تنقصوا الناس بأخذ أموالهم والتعرّض لذلك لشرفكم وقيل معنى ترزؤن فيه بضم المثناة أى تصيبون فيه الخير بصرف أموالكم فى موّنات زمزم ومعنى ما تزرؤن منه بفتح المثناة أى تستجلبون به الاموال أى تأخذون منه أموال الناس كالحجابة فقام رسول الله ﷺ بين عضادتى باب الكعبة فقال ألا ان كل دم أو مأثرة كانت فى الجاهلية فهى تحت قدمىّ هاتين الا السقاية وسدانة الكعبة فانى قد أمضيتهما لاهلهما على ما كانت فى الجاهلية فقبضها العباس وكانت فى يده حتى توفى فوليها بعده عبد الله بن عباس فكان يفعل فيها كفعله دون بنى عبد المطلب وكان محمد بن الحنفية قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس مالك ولها نحن أولى بها فى الجاهلية والاسلام وقد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة طلحة بن عبيد الله وعامر بن ربيعة وأزهر ابن عبد عوف ومخرمة بن نوفل ان العباس بن عبد المطلب كان يليها فى الجاهلية بعد عبد المطلب وجدك أبو طالب فى ابله فى باديته بعرفة وان رسول الله ﷺ أعطاها العباس يوم الفتح دون بنى عبد المطلب فعرف ذلك من حضر وكانت بيد عبد الله بن عباس بتولية رسول الله ﷺ دون غيره لا ينازعه فيها منازع ولا يتكلم فيها متكلم حتى توفى فكانت فى يد علىّ بن عبد الله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه وجدّه ويأتيه الزبيب من ماله بالطائف وينبذه حتى توفى فكانت فى يد ولده حتى الان قال الازرقى كان لزمزم حوضان حوض بينها وبين الركن يشرب منه وحوض من ورائها للوضوء له سرب يذهب فيه الماء* وذكر ابن عقبة ان رسول الله ﷺ لما قضى طوافه نزل فأخرجت الراحلة فركع ركعتين ثم انصرف الى زمزم فاطلع فيها وقال لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت منها بيدى تم انصرف الى ناحية المسجد قريبا من مقام ابراهيم وكان المقام لا صقا بالكعبة فأخره رسول الله ﷺ ودعا ﷺ بسجل من ماء فشرب وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه ويصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون اليهم ويتعجبون ويقولون ما رأينا ملكا قط بلغ هذا ولا سمعنا به*
ذكر الاصنام التى كانت فى البيت
وذكر ابن هشام أيضا ان رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم فرأى ابراهيم مصورا فى يده الازلام يستقسم بها فقال قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالازلام ما شأن ابراهيم والازلام ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست
стр. 595
* وعن ابن عباس ان رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الالهة فأمر بها فأخرجت وأخرجوا صورة ابراهيم واسماعيل فى أيديهما الازلام فقال قاتلهم الله لقد علموا انهما ما استقسما بها قط ثم دخل البيت فكبر فى نواحى البيت ولم يصل وفى رواية صلى فيه* وفى الاكتفاء عن ابن عباس قال دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص فجعل النبىّ ﷺ يشير بقضيب فى يده الى الاصنام وهو يقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فما أشار الى صنم منها فى وجهه الا وقع ذلك الصنم لقفاه ولا أشار لقفاه الا وقع لوجهه حتى ما بقى منها صنم الا وقع* وفى رواية يشير الى الصنم بقوس فى يده وهو آخذ بسيتها وهو يقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً وقل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد فيقع الصنم لوجهه وكان أعظمها هبل وهو وجاه الكعبة حذاء مقام ابراهيم لاصقا بها وقال تميم بن أسد الخزاعى
وفى الاصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
* وفى المواهب اللدنية وكان حول البيت ثلثمائة وستون صنما فكلما مرّ ﷺ بصنم أشار اليه الخ رواه البيهقى* وفى رواية أبى نعيم قد أوثقها الشياطين بالرصاص والنحاس* وفى تفسير العلامة ابن النقيب المقدسى ان الله تعالى أعلمه انه قد أنجزه وعده بالنصر على أعدائه وفتح له مكة وأعلى كلمته ودينه وأمره اذا دخل مكة أن يقول جاء الحق وزهق الباطل فصار ﷺ يطعن الاصنام التى حول الكعبة بمحجنه ويقول جاء الحق وزهق الباطل فيخر الصنم ساقطا مع انها كلها كانت مثبتة بالحديد والرصاص وكانت ثلثمائة وستين صنما بعدد أيام السنة قال ابن عباس ولما نزلت الاية يوم الفتح قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ خذ مخصرتك ثم ألقها فجعل يأتى صنما صنما ويطعن فى عينه أو بطنه بمخصرته ويقول جاء الحق وزهق الباطل فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا وبقى صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير أو صفر وقال يا على ارم به فحمله ﵇ حتى صعد ورمى به وكسره فجعل أهل مكة يتعجبون انتهى كلام المواهب اللدنية* وفى الرياض النضرة روى عن علىّ أنه قال حين أتينا الكعبة قال لى رسول الله ﷺ اجلس فجلست الى جنب الكعبة فصعد على منكبى فذهبت لا نهض به فرأى ضعفا منى تحته قال لى اجلس فجلست فنزل عنى وجلس لى رسول الله ﷺ وقال لى اصعد على منكبى فصعدت على منكبيه فنهض بى وانه يخيل الىّ انى لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت البيت* وفى شواهد النبوّة سأل رسول الله ﷺ عليا حين صعد منكبه كيف تراك قال علىّ أرانى كأن الحجب قد ارتفعت ويخيل الىّ انى لو شئت لنلت أفق السماء فقال رسول الله طوبى لك تعمل للحق وطوبى لى أحمل للحق أو كما قال انتهى قال فصعدت البيت وكان عليه تمثال صفر أو نحاس وهو أكبر أصنامهم وتنحى رسول الله فقال لى ألق صنمهم الاكبر وكان موتدا على البيت بأوتاد حديد الى الارض فقال رسول الله ﷺ ايه ايه عالجه جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فجعلت أزاوله أو قال أعالجه عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتى اذا استمكنت منه قال لى رسول الله اقذف به فقذفت به فتكسر كما يتكسر القوارير ثم نزلت وزاد الحاكم فما صعدت حتى الساعة* ويروى انه كان من قوارير رواه الطبرانى وقال خرجه أحمد ورواه الزرندى والصالحانى ثم ان عليا أراد أن ينزل فألقى نفسه من صوب الميزاب تأدبا وشفقة على النبىّ ﷺ ولما وقع على الارض تبسم فسأله النبىّ ﷺ عن تبسمه قال لأنى
стр. 596
ألقيت نفسى من هذا المكان الرفيع وما أصابنى ألم قال كيف يصيبك ألم وقد رفعك محمد وأنزلك جبريل* ويقال ان واحدا من الشعراء أشار الى هذه القصة فى هذه الابيات فقال
قيل لى قل فى علىّ مدحا ... ذكره يخمد نارا مؤصده
قلت لا أقدم فى مدح امرئ ... ضل ذو اللب الى أن عبده
والنبىّ المصطفى قال لنا ... ليلة المعراج لما صعده
وضع الله بظهرى يده ... فأحس القلب أن قد برده
وعلىّ واضع أقدامه ... فى محل وضع الله يده
روى ان الزبير بن العوّام قال لأبى سفيان ان هبل الذى كنت تفتخر به يوم أحد قد كسر قال دعنى ولا توبخنى لو كان مع اله محمد اله آخر لكان الامر غير ذلك كذا وجد فى روضة الاحباب* وفى رواية فجاء النبىّ ﷺ الى مقام ابراهيم فصلى ركعتين ثم جلس ناحية فبعث عليا الى عثمان بن طلحة الحجبى فى طلب مفتاح الكعبة فأبى دفعه اليه وقال لو علمت انه رسول الله لم أمنعه منه فلوى علىّ يده وأخذ المفتاح منه قهرا وفتح الباب* وفى شفاء الغرام كلام الواحدى ان عثمان لم يكن حين أخذ ذلك منه مسلما يخالف ما ذكره العلماء من انه كان مسلما* قال ابن ظفر فى ينبوع الحياة قوله لو أعلم انه رسول الله لم أمنعه هذا وهم لانه كان ممن أسلم فلو قال هذا لكان مرتدا* وعن الكلبى لما طلب ﵊ المفتاح من عثمان بن طلحة مدّيده اليه فقال العباس يا رسول الله اجعلها مع السقاية فقبض عثمان يده بالمفتاح فقال له رسول الله ﷺ ان كنت يا عثمان تؤمن بالله واليوم الاخر فهاته فقال عثمان فهاكه بالامانة فأعطاه اياه ونزلت الاية قال ابن ظفر وهذا أولى بالقبول* وعن عبد الله بن عمر انّ رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلا مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد ومعه بلال وعثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ بالمسجد فأمره أن يأتى بمفتاح البيت ففتح ودخل معه أسامة بن زيد وبلال وعثمان ابن طلحة* وفى شفاء الغرام ان النبىّ ﷺ دخل الكعبة بعد هجرته أربع مرّات يوم الفتح ويوم ثانى الفتح وفى حجة الوداع وفى عمرة القضاء وفى كل هذه الدخلات خلاف الا الدخول الذى يوم فتح مكة* وفى شفاء الغرام طاف النبىّ ﷺ بالبيت يوم الفتح يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وفى الاكتفاء وأراد فضالة ابن عمير بن الملوح الليثى قتل النبىّ ﷺ وهو بالبيت عام الفتح فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ أفضالة قال نعم يا رسول الله قال ماذا كنت تحدّث نفسك قال لا شئ كنت أذكر الله فضحك النبىّ ﷺ ثم قال استغفر الله ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان يقول والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما خلق الله شيئا أحب الىّ منه قال فضالة فرجعت الى أهلى فمررت بامرأة كنت أتحدّث اليها
قالت هلم الى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والاسلام
لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الاصنام
لرأيت دين الله أضحى بيننا ... والشرك يغشى وجهه الاظلام
وأمر رسول الله ﷺ لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن وكان دخل معه وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه فقال الحارث أما والله لو أعلم انه محق لا تبعته وقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرته عنى هذه الحصاة فخرج عليهم النبىّ ﷺ فقال
стр. 597
لقد علمت الذى قلتم ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب نشهد انك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك* وفى المواهب اللدنية عن ابن عمر قال أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح على ناقته القصوى وهو مردف أسامة بن زيد حتى أناخ بفناء الكعبة ثم دعا عثمان بن طلحة فقال له ائتنى بالمفتاح فذهب الى أمه فأبت أن تعطيه فقال والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبى فأعطته اياه فجاء به الى النبىّ ﷺ ففتح به الباب رواه مسلم* وروى الفاكهانى من طريق ضعيف عن ابن عمر أيضا قال كان بنو طلحة يزعمون انه لا يستطيع فتح الكعبة أحد غيرهم فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح ففتحها وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة وعثمان هذا لا ولد له وله صحبة ورواية واسم أمّ عثمان سلافة بضم السين المهملة وتخفيف الفاء* وفى الطبقات لابن سعد عن عثمان بن طلحة قال كنا نفتح الكعبة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل النبىّ ﷺ يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه فحلم عنى ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت فقال بل عمرت وعزت يومئذ ودخل الكعبة فوقعت كلمته منى موقعا ظننت يومئذ الامر سيصير الى ما قال فلما كان يوم الفتح قال ائتنى بالمفتاح يا عثمان فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه الىّ وقال خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم الا ظالم يا عثمان ان الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل اليكم من هذا البيت بالمعروف كذا فى شفاء الغرام* قال فلما وليت نادانى فرجعت اليه فقال ألم يكن الذى قلت لك قال فذكرت قوله لى بمكة قبل الهجرة لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت قلت بلى أشهد انك رسول الله* وفى التفسير ان هذه الاية ان الله يأمركم أن تؤدّوا الامانات الى أهلها نزلت فى عثمان بن طلحة الحجبى أمره ﵇ أن يأتى بمفتاح الكعبة فأبى عليه وأغلق عليه الباب وصعد البيت وقال لو علمت انه رسول الله ﷺ لم أمنعه منه فلوى علىّ يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل ﷺ ولما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله اجمع لى السدانة مع السقاية وكان النبىّ ﷺ يريد أن يدفعها الى العباس فانزل الله تعالى ان الله يأمركم أن تؤدّوا الامانات الى أهلها أى سادنها وهو عثمان بن طلحة كذا فى معالم التنزيل فأمر النبىّ ﷺ عليا أن يردّه الى عثمان ويعتذر اليه وقال قل له خذوها يا بنى طلحة بأمانة الله فاعملوا فيها بالمعروف خالدة تالدة لا ينزعها منكم أو من أيديكم أو لا يأخذها منكم الا ظالم فردّها علىّ فلما ردّها قال أكرهت وآذيت ثم حئت ترفق قال علىّ لان الله أمرنا بردّه عليك كذا فى معالم التنزيل* وفى المواهب اللدنية قال علىّ لقد أنزل الله فى شأنك وقرأ عليه ان الله يأمركم أن تؤدّوا الامانات الى أهلها فأتى النبىّ ﷺ فأسلم كذا فى العمدة* وفى المنتقى ان اسلام عثمان بن طلحة كان قبل ذلك بالمدينة مع اسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما مرّ* وفى روضة الاحباب فى هذا الكلام مخالفة بين أهل التفسير وأهل السير لانه ان كان المراد بعثمان سبط عبد الدار بلا واسطة فأبوه أبو طلحة لا طلحة وهو باتفاق أهل السير كان صاحب لواء المشركين يوم أحد فقتل فى ذلك اليوم كما ذكر فى غزوة أحد وان كان المراد به عثمان بن طلحة بن أبى طلحة بن عبد الدار الذى هو ابن أخى عثمان بن طلحة بن عبد الدار فهو أسلم قبل فتح مكة* وفى المواهب اللدنية فجاء جبريل ﵇ فقال ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فان المفتاح والسدانة فى أولاد عثمان وكان المفتاح معه فلما مات دفعه الى أخيه فالمفتاح والسدانة فى أولادهم الى يوم القيامة* وفى رواية مسلم دخل ﷺ يعنى يوم الفتح هو وأسامة
ابن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبى فأغلقوا عليهم الباب قال ابن عمر فلما فنحوا كنت أوّل
стр. 598
من ولج فلقيت بلالا فسألته هل صلى فيه رسول الله ﷺ قال نعم بين العمودين اليمانيين وذهب عنى أن أسأله كم صلى* وفى رواية جعل العمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة وقد بين موسى بن عقبة فى روايته عن نافع ان بين موقفه ﷺ وبين الجدار الذى استقبله قريبا من ثلاثة أذرع وجزم برفع هذه الزيادة مالك عن نافع فقال أخرجه الدار قطنى فى الغرائب ولفظه وصلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع وفى رواية ابن عباس قال أخبرنى أسامة أنه ﵇ لما دخل البيت دعا فى نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج فلما خرج ركع فى قبل البيت ركعتين فقال هذه القبلة رواه مسلم* وأفاد الازرقى فى تاريخ مكة ان خالد بن الوليد كان على باب الكعبة يذب عنه ﷺ الناس* وفى شفاء الغرام فخرج عثمان بن طلحة الى هجرته مع النبىّ ﷺ الى المدينة وأقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبى طلحة مقامه ودفع المفتاح اليه فلم يزل يحجب هو وولده وولد أخيه وهب بن عثمان حتى قدم عثمان بن طلحة بن أبى طلحة وولد مسافع بن طلحة بن أبى طلحة من المدينة وكانوا بها دهرا طويلا فلما قدموا حجبوا مع بنى عمهم* وفى الصفوة قال الواقدى كان عثمان بن طلحة بن أبى طلحة يلى فتح البيت الى أن توفى فدفع ذلك الى شيبة بن عثمان بن أبى طلحة وهو ابن عمه فبقيت الحجابة فى ولد شيبة وبقى شيبة حتى أدرك يزيد بن معاوية ودفع السقاية الى العباس وأذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة وكسرت الاصنام* وفى الاكتفاء وقام رسول الله ﷺ حين افتتح مكة على الصفا يدعو وقد أحدقت به الانصار فقالوا فيما بينهم أترون رسول الله ﷺ اذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شئ يا رسول الله فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم ثم اجتمع الناس للبيعة فجلس لهم رسول الله ﷺ على الصفا يبايع الناس وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا* وفى المدارك روى ان رسول الله ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ فى بيعة النساء وهو على الصفا وعمر جالس أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه فجاءت هند ابنة عتبة امرأة أبى سفيان وهى متنكرة خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها لما صنعت بحمزة فقال رسول الله ﷺ أبا يعكن على أن لا تشركن بالله شيئا فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله ﷺ ولا يسرقن فقالت هند ان أبا سفيان رجل شحيح فان أصبت من ماله هناة فقال أبو سفيان ما أصبت فهو لك حلال فضحك النبىّ ﷺ وعرفها وقال لها وانك لهند فقالت نعم فاعف عما سلف يا نبىّ الله عفا الله عنك فقال ولا يزنين فقالت أتزنى الحرّة فقال ولا يقتلن أولادهنّ فقالت ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم وهم أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله ﷺ فقال ولا يأتين ببهتان فقالت والله ان البهتان أمر قبيح وما تأمرنا الا بالرشد ومكارم الاخلاق فقال ولا يعصينك فى معروف فقالت والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فلما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول كنا منك فى غرور وستجىء وفاة هند فى الخاتمة فى اوائل خلافة عمرو فى معالم التنزيل قال ابن اسحاق وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف* وفى شفاء الغرام عن ابن عباس من بنى سليم سبعمائة وقيل ألف ومن غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة ومن مزينة ألف وثلاثة نفر وسائرهم من قريش والانصار وحلفائهم وطوائف العرب من
بنى تميم وقيس وأسد وفى الاكتفاء وعدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له ابن الابوع فقتلوه وهو
стр. 599
مشرك برجل من أسلم يقال له احمر باسا وكان رجلا شجاعا قتله خراش بن أمية الخزاعى ولما بلغ رسول الله ﷺ ما صنع خراش بن أمية قال ان خراشا لقتال يعنفه بذلك وقام ﷺ فى الناس خطيبا وقال يا أيها الناس ان الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والارض فهى حرام بحرمة الله الى يوم القيامة فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الاخر أن يسفك فيها دما وأن يعضد فيها شجرة لم تحل لاحد كان قبلى ولا تحلّ لاحد يكون بعدى ولم تحلّ لى الا هذه الساعة غضبا على أهلها ألا قد رجعت كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم ان رسول الله ﷺ قد قاتل فيها فقولوا له ان الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامى هذا فأهله بخير النظرين ان شاؤا فدم قاتله وان شاؤا فعقله ثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة* وفى المواهب اللدنية فان ترخص أحد فيها بقتال رسول الله ﷺ فقولوا ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما احلت لى ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد الغائب* وفى معالم التنزيل وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة وأقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة كذا فى البخارى وفى رواية تسع عشرة* وفى رواية أبى داود سبع عشرة وعند الترمذى ثمان عشرة ليلة يصلى ركعتين* وفى الاكليل بضع عشرة يقصر الصلاة* قال ابن عباس ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة فاذا زدنا أتممنا وفى رواية أقام بمكة بقية الشهر وستة أيام من شوّال ثم خرج الى هوازن وثقيف وقد نزلوا حنينا وسيجئ*
ذكر الرجال الاحد عشر الذين أهدر دمهم يوم فتح مكة
الاوّل عبد الله بن خطل
روى ان النبى ﷺ عهد الى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا الا من قاتلهم الا أحد عشر رجلا وست نسوة فانه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحلّ والحرم وان وجدوا تحت أستار الكعبة* وفى المواهب اللدنية وقد جمع الواقدى عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس ستة رجال وأربع نسوة انتهى* اما الرجال الاحد عشر فواحد منهم عبد الله بن خطل رجل من تيم بن غالب بن فهر وقد كان قدم المدينة قبل فتح مكة وأسلم وكان اسمه عبد العزى فغير النبىّ ﷺ اسمه وسماه عبد الله وبعثه الى قبيلة مصدّقا وكان معه رجل من أسلم وفى رواية من خزاعة أو من الروم* وكان يخدمه وأمره أن يصنع له طعاما* وفى المواهب اللدنية كان معه مولى يخدمه وكان مسلما ونزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام ثم استيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتدّ وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فأمر بقتلهما معه كذا فى معالم التنزيل ففى يوم فتح مكة استعاذ بالكعبة وتعلق بأستارها واختفى تحتها وحين كان ﷺ يطوف بالبيت قيل له يا رسول الله هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه فقتلوه فى ذلك المكان وهو آخذ بثياب الكعبة يتعوّذ بها وفى قاتله اختلاف والصحيح انه أبو برزة الاسلمى وسعيد بن حريث المخزومى اشتركا فى قتله كذا فى شفاء الغرام*
والثانى عبد الله بن سعد بن أبى سرح
وكان أخا لعثمان بن عفان من الرضاعة وكان أسلم قبل الفتح وكتب لرسول الله ﷺ وكان اذا أملى عليه سميعا بصيرا كتب عليما حكيما واذا قال عليما حكيما كتب غفورا رحيما وكان يفعل أمثال هذه الخيانات حتى صدر عنه أن قال ان محمد الّا يعلم ما يقول فلما ظهرت خيانته لم يستطع أن يقيم بالمدينة فارتدّ وهرب الى مكة* وفى شفاء الغرام ارتدّ مشركا الى قريش بمكة فقال لهم انى كنت أصرف محمدا حيث أريد كان يملى علىّ عزيز حكيم فأقول عليم كريم فيقول نعم كل صواب* وفى الكشاف ومعالم التنزيل
стр. 600
روى أنّ عبد الله بن أبى سرح كان يكتب لرسول الله ﷺ يعنى فى سورة المؤمنين ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين الى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر فتعجب عبد الله من تفصيل خلق الانسان فنطق بقوله فتبارك الله أحسن الخالقين قبل املائه فقال له رسول الله ﷺ اكتب هكذا نزلت فقال عبد الله ان كان محمد نبيا يوحى اليه فأنا نبىّ يوحى الىّ فلحق بمكة كافرا ثم أسلم يوم الفتح* وفى شفاء الغرام يوم فتح مكة فزع الى عثمان بن عفان فقال يا أخى استأمن لى النبىّ ﷺ فانه ان رآنى بغتة يضرب عنقى فانّ جرمى عظيم وأنا الان تائب الى الله فأدخله عثمان فى منزله حتى هدأ الناس واطمأنوا فاستأمن له ثم أتى به رسول الله ﷺ يشفع له عنده وكان رجل من الانصار نذر ان رأى عبد الله بن سعد بن أبى سرح قتله فلما بصر به الانصارى احتمل السيف على عاتقه وخرج فى طلبه فوجده فى حلقة النبىّ ﷺ فهاب قتله فجعل يتردّد ويكره أن يقدم على قتله فى حلقة النبى ﷺ فبالغ عثمان فى شفاعته ثم قال بعد ما أعرض عنه النبىّ ﷺ مرارا يا رسول الله أمّته فصبر رسول الله ﷺ وصمت طويلا ثم قال نعم فبسط يده فبايعه فلما خرج عثمان وعبد الله قال النبىّ ﷺ لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم اليه بعضكم ويضرب عنقه ثم قال للانصارى انتظرتك أن توفى بنذرك قال يا رسول الله هبتك أفلا أو مضت الىّ قال انه ليس لنبىّ أن يومض* وفى رواية لا ينبغى لنبىّ أن تكون له خائنة الاعين قيل انّ ذلك الانصارى عباد بن بشر* وفى معالم التنزيل رجع عبد الله الى الاسلام قبل فتح مكة اذ نزل النبىّ ﷺ بمرّ الظهران وكان عبد الله اذا رأى النبىّ ﷺ يختفى فأخبر النبى ﷺ بذلك عثمان فتبسم وقال أما بايعته وأمنته قال بلى ولكن يذكر جرمه العظيم فيستحيى منك قال الاسلام يجب ما كان قبله فأخبر عثمان عبد الله بن أبى سرح بقول النبىّ ﷺ فبعد ذلك اذا جاءته ﷺ جماعة يجىء عبد الله فيهم ويسلم عليه* وفى شفاء الغرام وكان عبد الله بن أبى سرح فارس بنى عامر بن لؤى معدودا فيهم وهو أحد النجباء العقلاء الكرام من قريش وكان مجاب الدعوة وله فى ذلك خبر غريب وذلك أنّ عبد الله لما عاد من المدينة من عند عثمان مضى الى عسقلان وقيل الى الرملة ودعا ربه أن يجعل خاتمة عمله صلاة الصبح فتوضأ ثم صلى وقرأ فى الركعة الاولى بأمّ القرآن والعاديات وفى الركعة الثانية بأمّ القرآن وسورة ثم سلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه على ما ذكر يزيد ابن حبيب وغيره فيما حكاه ابن عبد البرّ فى الاستيعاب وذكر ابن عبد البرّ انه لم يبايع لعلىّ ولا لمعاوية وانه توفى سنة ست أو سبع وثلاثين*
الثالث عكرمة بن أبى جهل
واسم أبى جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم* وفى الصفوة عن أبى مليكة قال لما كان يوم الفتح ركب عكرمة بن أبى جهل الى البحر هاربا فخب بهم فجعل الصرارى والملاحون ومن فى السفينة يدعون الله ويوحدونه قال ما هذا قالوا هذا مكان لا ينفع فيه الا الله* وفى رواية جاء ملاح الى عكرمة وقال له أخلص العمل قال ماذا أقول قال قل لا اله الا الله فانّ هذا مكان لا ينفع فيه الا الله قال عكرمة فهذا اله محمد الذى يدعونا اليه فارجعوا بنا فرجع فأسلم وقيل وقع بصره على دفة السفينة فرأى عليها مكتوبا وكذب به قومك وهو الحق وكان معه محك فأراد أن يمحو به تلك الكنابة فلم يستطع فعلم أنه كلام الحق جلّ وعلا فوقع فى باطنه تغير وقد كانت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عاقلة أسلمت قبله وفى المشكاة وهرب زوجها من الاسلام حتى قدم اليمن فسافرت أمّ حكيم حتى قدمت عليه اليمن فدعته الى الاسلام فأسلم وثبتا على نكاحهما رواه مالك عن ابن شهاب مرسلا انتهى فاستأمنت له
следующие страницы →