← Сира

Сира · id 9784

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

الديار بكري

Полный текст (908 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ألقيت نفسى من هذا المكان الرفيع وما أصابنى ألم قال كيف يصيبك ألم وقد رفعك محمد وأنزلك جبريل* ويقال ان واحدا من الشعراء أشار الى هذه القصة فى هذه الابيات فقال قيل لى قل فى علىّ مدحا ... ذكره يخمد نارا مؤصده قلت لا أقدم فى مدح امرئ ... ضل ذو اللب الى أن عبده والنبىّ المصطفى قال لنا ... ليلة المعراج لما صعده وضع الله بظهرى يده ... فأحس القلب أن قد برده وعلىّ واضع أقدامه ... فى محل وضع الله يده روى ان الزبير بن العوّام قال لأبى سفيان ان هبل الذى كنت تفتخر به يوم أحد قد كسر قال دعنى ولا توبخنى لو كان مع اله محمد اله آخر لكان الامر غير ذلك كذا وجد فى روضة الاحباب* وفى رواية فجاء النبىّ ﷺ الى مقام ابراهيم فصلى ركعتين ثم جلس ناحية فبعث عليا الى عثمان بن طلحة الحجبى فى طلب مفتاح الكعبة فأبى دفعه اليه وقال لو علمت انه رسول الله لم أمنعه منه فلوى علىّ يده وأخذ المفتاح منه قهرا وفتح الباب* وفى شفاء الغرام كلام الواحدى ان عثمان لم يكن حين أخذ ذلك منه مسلما يخالف ما ذكره العلماء من انه كان مسلما* قال ابن ظفر فى ينبوع الحياة قوله لو أعلم انه رسول الله لم أمنعه هذا وهم لانه كان ممن أسلم فلو قال هذا لكان مرتدا* وعن الكلبى لما طلب ﵊ المفتاح من عثمان بن طلحة مدّيده اليه فقال العباس يا رسول الله اجعلها مع السقاية فقبض عثمان يده بالمفتاح فقال له رسول الله ﷺ ان كنت يا عثمان تؤمن بالله واليوم الاخر فهاته فقال عثمان فهاكه بالامانة فأعطاه اياه ونزلت الاية قال ابن ظفر وهذا أولى بالقبول* وعن عبد الله بن عمر انّ رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلا مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد ومعه بلال وعثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ بالمسجد فأمره أن يأتى بمفتاح البيت ففتح ودخل معه أسامة بن زيد وبلال وعثمان ابن طلحة* وفى شفاء الغرام ان النبىّ ﷺ دخل الكعبة بعد هجرته أربع مرّات يوم الفتح ويوم ثانى الفتح وفى حجة الوداع وفى عمرة القضاء وفى كل هذه الدخلات خلاف الا الدخول الذى يوم فتح مكة* وفى شفاء الغرام طاف النبىّ ﷺ بالبيت يوم الفتح يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وفى الاكتفاء وأراد فضالة ابن عمير بن الملوح الليثى قتل النبىّ ﷺ وهو بالبيت عام الفتح فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ أفضالة قال نعم يا رسول الله قال ماذا كنت تحدّث نفسك قال لا شئ كنت أذكر الله فضحك النبىّ ﷺ ثم قال استغفر الله ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان يقول والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما خلق الله شيئا أحب الىّ منه قال فضالة فرجعت الى أهلى فمررت بامرأة كنت أتحدّث اليها قالت هلم الى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والاسلام لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الاصنام لرأيت دين الله أضحى بيننا ... والشرك يغشى وجهه الاظلام وأمر رسول الله ﷺ لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن وكان دخل معه وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه فقال الحارث أما والله لو أعلم انه محق لا تبعته وقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرته عنى هذه الحصاة فخرج عليهم النبىّ ﷺ فقال

стр. 597

لقد علمت الذى قلتم ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب نشهد انك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك* وفى المواهب اللدنية عن ابن عمر قال أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح على ناقته القصوى وهو مردف أسامة بن زيد حتى أناخ بفناء الكعبة ثم دعا عثمان بن طلحة فقال له ائتنى بالمفتاح فذهب الى أمه فأبت أن تعطيه فقال والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبى فأعطته اياه فجاء به الى النبىّ ﷺ ففتح به الباب رواه مسلم* وروى الفاكهانى من طريق ضعيف عن ابن عمر أيضا قال كان بنو طلحة يزعمون انه لا يستطيع فتح الكعبة أحد غيرهم فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح ففتحها وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة وعثمان هذا لا ولد له وله صحبة ورواية واسم أمّ عثمان سلافة بضم السين المهملة وتخفيف الفاء* وفى الطبقات لابن سعد عن عثمان بن طلحة قال كنا نفتح الكعبة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل النبىّ ﷺ يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه فحلم عنى ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت فقال بل عمرت وعزت يومئذ ودخل الكعبة فوقعت كلمته منى موقعا ظننت يومئذ الامر سيصير الى ما قال فلما كان يوم الفتح قال ائتنى بالمفتاح يا عثمان فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه الىّ وقال خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم الا ظالم يا عثمان ان الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل اليكم من هذا البيت بالمعروف كذا فى شفاء الغرام* قال فلما وليت نادانى فرجعت اليه فقال ألم يكن الذى قلت لك قال فذكرت قوله لى بمكة قبل الهجرة لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت قلت بلى أشهد انك رسول الله* وفى التفسير ان هذه الاية ان الله يأمركم أن تؤدّوا الامانات الى أهلها نزلت فى عثمان بن طلحة الحجبى أمره ﵇ أن يأتى بمفتاح الكعبة فأبى عليه وأغلق عليه الباب وصعد البيت وقال لو علمت انه رسول الله ﷺ لم أمنعه منه فلوى علىّ يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل ﷺ ولما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله اجمع لى السدانة مع السقاية وكان النبىّ ﷺ يريد أن يدفعها الى العباس فانزل الله تعالى ان الله يأمركم أن تؤدّوا الامانات الى أهلها أى سادنها وهو عثمان بن طلحة كذا فى معالم التنزيل فأمر النبىّ ﷺ عليا أن يردّه الى عثمان ويعتذر اليه وقال قل له خذوها يا بنى طلحة بأمانة الله فاعملوا فيها بالمعروف خالدة تالدة لا ينزعها منكم أو من أيديكم أو لا يأخذها منكم الا ظالم فردّها علىّ فلما ردّها قال أكرهت وآذيت ثم حئت ترفق قال علىّ لان الله أمرنا بردّه عليك كذا فى معالم التنزيل* وفى المواهب اللدنية قال علىّ لقد أنزل الله فى شأنك وقرأ عليه ان الله يأمركم أن تؤدّوا الامانات الى أهلها فأتى النبىّ ﷺ فأسلم كذا فى العمدة* وفى المنتقى ان اسلام عثمان بن طلحة كان قبل ذلك بالمدينة مع اسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما مرّ* وفى روضة الاحباب فى هذا الكلام مخالفة بين أهل التفسير وأهل السير لانه ان كان المراد بعثمان سبط عبد الدار بلا واسطة فأبوه أبو طلحة لا طلحة وهو باتفاق أهل السير كان صاحب لواء المشركين يوم أحد فقتل فى ذلك اليوم كما ذكر فى غزوة أحد وان كان المراد به عثمان بن طلحة بن أبى طلحة بن عبد الدار الذى هو ابن أخى عثمان بن طلحة بن عبد الدار فهو أسلم قبل فتح مكة* وفى المواهب اللدنية فجاء جبريل ﵇ فقال ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فان المفتاح والسدانة فى أولاد عثمان وكان المفتاح معه فلما مات دفعه الى أخيه فالمفتاح والسدانة فى أولادهم الى يوم القيامة* وفى رواية مسلم دخل ﷺ يعنى يوم الفتح هو وأسامة ابن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبى فأغلقوا عليهم الباب قال ابن عمر فلما فنحوا كنت أوّل

стр. 598

من ولج فلقيت بلالا فسألته هل صلى فيه رسول الله ﷺ قال نعم بين العمودين اليمانيين وذهب عنى أن أسأله كم صلى* وفى رواية جعل العمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة وقد بين موسى بن عقبة فى روايته عن نافع ان بين موقفه ﷺ وبين الجدار الذى استقبله قريبا من ثلاثة أذرع وجزم برفع هذه الزيادة مالك عن نافع فقال أخرجه الدار قطنى فى الغرائب ولفظه وصلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع وفى رواية ابن عباس قال أخبرنى أسامة أنه ﵇ لما دخل البيت دعا فى نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج فلما خرج ركع فى قبل البيت ركعتين فقال هذه القبلة رواه مسلم* وأفاد الازرقى فى تاريخ مكة ان خالد بن الوليد كان على باب الكعبة يذب عنه ﷺ الناس* وفى شفاء الغرام فخرج عثمان بن طلحة الى هجرته مع النبىّ ﷺ الى المدينة وأقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبى طلحة مقامه ودفع المفتاح اليه فلم يزل يحجب هو وولده وولد أخيه وهب بن عثمان حتى قدم عثمان بن طلحة بن أبى طلحة وولد مسافع بن طلحة بن أبى طلحة من المدينة وكانوا بها دهرا طويلا فلما قدموا حجبوا مع بنى عمهم* وفى الصفوة قال الواقدى كان عثمان بن طلحة بن أبى طلحة يلى فتح البيت الى أن توفى فدفع ذلك الى شيبة بن عثمان بن أبى طلحة وهو ابن عمه فبقيت الحجابة فى ولد شيبة وبقى شيبة حتى أدرك يزيد بن معاوية ودفع السقاية الى العباس وأذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة وكسرت الاصنام* وفى الاكتفاء وقام رسول الله ﷺ حين افتتح مكة على الصفا يدعو وقد أحدقت به الانصار فقالوا فيما بينهم أترون رسول الله ﷺ اذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شئ يا رسول الله فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم ثم اجتمع الناس للبيعة فجلس لهم رسول الله ﷺ على الصفا يبايع الناس وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا* وفى المدارك روى ان رسول الله ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ فى بيعة النساء وهو على الصفا وعمر جالس أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه فجاءت هند ابنة عتبة امرأة أبى سفيان وهى متنكرة خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها لما صنعت بحمزة فقال رسول الله ﷺ أبا يعكن على أن لا تشركن بالله شيئا فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله ﷺ ولا يسرقن فقالت هند ان أبا سفيان رجل شحيح فان أصبت من ماله هناة فقال أبو سفيان ما أصبت فهو لك حلال فضحك النبىّ ﷺ وعرفها وقال لها وانك لهند فقالت نعم فاعف عما سلف يا نبىّ الله عفا الله عنك فقال ولا يزنين فقالت أتزنى الحرّة فقال ولا يقتلن أولادهنّ فقالت ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم وهم أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله ﷺ فقال ولا يأتين ببهتان فقالت والله ان البهتان أمر قبيح وما تأمرنا الا بالرشد ومكارم الاخلاق فقال ولا يعصينك فى معروف فقالت والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فلما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول كنا منك فى غرور وستجىء وفاة هند فى الخاتمة فى اوائل خلافة عمرو فى معالم التنزيل قال ابن اسحاق وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف* وفى شفاء الغرام عن ابن عباس من بنى سليم سبعمائة وقيل ألف ومن غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة ومن مزينة ألف وثلاثة نفر وسائرهم من قريش والانصار وحلفائهم وطوائف العرب من بنى تميم وقيس وأسد وفى الاكتفاء وعدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له ابن الابوع فقتلوه وهو

стр. 599

مشرك برجل من أسلم يقال له احمر باسا وكان رجلا شجاعا قتله خراش بن أمية الخزاعى ولما بلغ رسول الله ﷺ ما صنع خراش بن أمية قال ان خراشا لقتال يعنفه بذلك وقام ﷺ فى الناس خطيبا وقال يا أيها الناس ان الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والارض فهى حرام بحرمة الله الى يوم القيامة فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الاخر أن يسفك فيها دما وأن يعضد فيها شجرة لم تحل لاحد كان قبلى ولا تحلّ لاحد يكون بعدى ولم تحلّ لى الا هذه الساعة غضبا على أهلها ألا قد رجعت كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم ان رسول الله ﷺ قد قاتل فيها فقولوا له ان الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامى هذا فأهله بخير النظرين ان شاؤا فدم قاتله وان شاؤا فعقله ثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة* وفى المواهب اللدنية فان ترخص أحد فيها بقتال رسول الله ﷺ فقولوا ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما احلت لى ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد الغائب* وفى معالم التنزيل وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة وأقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة كذا فى البخارى وفى رواية تسع عشرة* وفى رواية أبى داود سبع عشرة وعند الترمذى ثمان عشرة ليلة يصلى ركعتين* وفى الاكليل بضع عشرة يقصر الصلاة* قال ابن عباس ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة فاذا زدنا أتممنا وفى رواية أقام بمكة بقية الشهر وستة أيام من شوّال ثم خرج الى هوازن وثقيف وقد نزلوا حنينا وسيجئ* ذكر الرجال الاحد عشر الذين أهدر دمهم يوم فتح مكة الاوّل عبد الله بن خطل روى ان النبى ﷺ عهد الى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا الا من قاتلهم الا أحد عشر رجلا وست نسوة فانه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحلّ والحرم وان وجدوا تحت أستار الكعبة* وفى المواهب اللدنية وقد جمع الواقدى عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس ستة رجال وأربع نسوة انتهى* اما الرجال الاحد عشر فواحد منهم عبد الله بن خطل رجل من تيم بن غالب بن فهر وقد كان قدم المدينة قبل فتح مكة وأسلم وكان اسمه عبد العزى فغير النبىّ ﷺ اسمه وسماه عبد الله وبعثه الى قبيلة مصدّقا وكان معه رجل من أسلم وفى رواية من خزاعة أو من الروم* وكان يخدمه وأمره أن يصنع له طعاما* وفى المواهب اللدنية كان معه مولى يخدمه وكان مسلما ونزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام ثم استيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتدّ وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فأمر بقتلهما معه كذا فى معالم التنزيل ففى يوم فتح مكة استعاذ بالكعبة وتعلق بأستارها واختفى تحتها وحين كان ﷺ يطوف بالبيت قيل له يا رسول الله هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه فقتلوه فى ذلك المكان وهو آخذ بثياب الكعبة يتعوّذ بها وفى قاتله اختلاف والصحيح انه أبو برزة الاسلمى وسعيد بن حريث المخزومى اشتركا فى قتله كذا فى شفاء الغرام* والثانى عبد الله بن سعد بن أبى سرح وكان أخا لعثمان بن عفان من الرضاعة وكان أسلم قبل الفتح وكتب لرسول الله ﷺ وكان اذا أملى عليه سميعا بصيرا كتب عليما حكيما واذا قال عليما حكيما كتب غفورا رحيما وكان يفعل أمثال هذه الخيانات حتى صدر عنه أن قال ان محمد الّا يعلم ما يقول فلما ظهرت خيانته لم يستطع أن يقيم بالمدينة فارتدّ وهرب الى مكة* وفى شفاء الغرام ارتدّ مشركا الى قريش بمكة فقال لهم انى كنت أصرف محمدا حيث أريد كان يملى علىّ عزيز حكيم فأقول عليم كريم فيقول نعم كل صواب* وفى الكشاف ومعالم التنزيل

стр. 600

روى أنّ عبد الله بن أبى سرح كان يكتب لرسول الله ﷺ يعنى فى سورة المؤمنين ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين الى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر فتعجب عبد الله من تفصيل خلق الانسان فنطق بقوله فتبارك الله أحسن الخالقين قبل املائه فقال له رسول الله ﷺ اكتب هكذا نزلت فقال عبد الله ان كان محمد نبيا يوحى اليه فأنا نبىّ يوحى الىّ فلحق بمكة كافرا ثم أسلم يوم الفتح* وفى شفاء الغرام يوم فتح مكة فزع الى عثمان بن عفان فقال يا أخى استأمن لى النبىّ ﷺ فانه ان رآنى بغتة يضرب عنقى فانّ جرمى عظيم وأنا الان تائب الى الله فأدخله عثمان فى منزله حتى هدأ الناس واطمأنوا فاستأمن له ثم أتى به رسول الله ﷺ يشفع له عنده وكان رجل من الانصار نذر ان رأى عبد الله بن سعد بن أبى سرح قتله فلما بصر به الانصارى احتمل السيف على عاتقه وخرج فى طلبه فوجده فى حلقة النبىّ ﷺ فهاب قتله فجعل يتردّد ويكره أن يقدم على قتله فى حلقة النبى ﷺ فبالغ عثمان فى شفاعته ثم قال بعد ما أعرض عنه النبىّ ﷺ مرارا يا رسول الله أمّته فصبر رسول الله ﷺ وصمت طويلا ثم قال نعم فبسط يده فبايعه فلما خرج عثمان وعبد الله قال النبىّ ﷺ لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم اليه بعضكم ويضرب عنقه ثم قال للانصارى انتظرتك أن توفى بنذرك قال يا رسول الله هبتك أفلا أو مضت الىّ قال انه ليس لنبىّ أن يومض* وفى رواية لا ينبغى لنبىّ أن تكون له خائنة الاعين قيل انّ ذلك الانصارى عباد بن بشر* وفى معالم التنزيل رجع عبد الله الى الاسلام قبل فتح مكة اذ نزل النبىّ ﷺ بمرّ الظهران وكان عبد الله اذا رأى النبىّ ﷺ يختفى فأخبر النبى ﷺ بذلك عثمان فتبسم وقال أما بايعته وأمنته قال بلى ولكن يذكر جرمه العظيم فيستحيى منك قال الاسلام يجب ما كان قبله فأخبر عثمان عبد الله بن أبى سرح بقول النبىّ ﷺ فبعد ذلك اذا جاءته ﷺ جماعة يجىء عبد الله فيهم ويسلم عليه* وفى شفاء الغرام وكان عبد الله بن أبى سرح فارس بنى عامر بن لؤى معدودا فيهم وهو أحد النجباء العقلاء الكرام من قريش وكان مجاب الدعوة وله فى ذلك خبر غريب وذلك أنّ عبد الله لما عاد من المدينة من عند عثمان مضى الى عسقلان وقيل الى الرملة ودعا ربه أن يجعل خاتمة عمله صلاة الصبح فتوضأ ثم صلى وقرأ فى الركعة الاولى بأمّ القرآن والعاديات وفى الركعة الثانية بأمّ القرآن وسورة ثم سلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه على ما ذكر يزيد ابن حبيب وغيره فيما حكاه ابن عبد البرّ فى الاستيعاب وذكر ابن عبد البرّ انه لم يبايع لعلىّ ولا لمعاوية وانه توفى سنة ست أو سبع وثلاثين* الثالث عكرمة بن أبى جهل واسم أبى جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم* وفى الصفوة عن أبى مليكة قال لما كان يوم الفتح ركب عكرمة بن أبى جهل الى البحر هاربا فخب بهم فجعل الصرارى والملاحون ومن فى السفينة يدعون الله ويوحدونه قال ما هذا قالوا هذا مكان لا ينفع فيه الا الله* وفى رواية جاء ملاح الى عكرمة وقال له أخلص العمل قال ماذا أقول قال قل لا اله الا الله فانّ هذا مكان لا ينفع فيه الا الله قال عكرمة فهذا اله محمد الذى يدعونا اليه فارجعوا بنا فرجع فأسلم وقيل وقع بصره على دفة السفينة فرأى عليها مكتوبا وكذب به قومك وهو الحق وكان معه محك فأراد أن يمحو به تلك الكنابة فلم يستطع فعلم أنه كلام الحق جلّ وعلا فوقع فى باطنه تغير وقد كانت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عاقلة أسلمت قبله وفى المشكاة وهرب زوجها من الاسلام حتى قدم اليمن فسافرت أمّ حكيم حتى قدمت عليه اليمن فدعته الى الاسلام فأسلم وثبتا على نكاحهما رواه مالك عن ابن شهاب مرسلا انتهى فاستأمنت له

стр. 601

من رسول الله ﷺ فأمّنه فخرجت فى طلبه لتبلغه خبر الامان فلما بلغت ساحل البحر رأت زوجها عكرمة راكب السفينة فربطت مقنعها على رأس خشب فأرسى أهل السفينة فجلست فى زورق حتى أتت زوجها وقالت يا عكرمة ويا ابن عمّ جئتك من عند أوصل الناس وأبرّ الناس وخير الناس لا تهلك نفسك فقد استأمنته لك فأمّنك فقال أنت فعلت ذلك قالت نعم انا كلمته فأمّنك فرجع عكرمة مع امرأته الى مكة فبينما هما يسيران فى الطريق اذ مال عكرمة اليها وطلب منها الخلوة فأبت أن تمكنه منها وقالت لا حتى تسلم وأمّا أنا الان فمسلمة وأنت كافر والاسلام حائل بينى وبينك فلما بلغا قريبا من مكة قال النبىّ ﷺ لاصحابه يأتيكم عكرمة بن أبى جهل مؤمنا فلا تسبوا أباه فانّ سب الميت يؤذى الحىّ ولا يلحق الميت فانتهى عكرمة مع امرأته الى باب النبىّ ﷺ وامرأته منتقبة فاستأذنت على رسول الله ﷺ فدخلت وأخبرته بقدوم عكرمة فاستبشر النبىّ ﷺ ووثب قائما على قدميه فرحا بقدومه وقال لها أدخليه فدخل فلما رآه قال مرحبا بالراكب المهاجر ثم جلس النبىّ ﷺ وجاء عكرمة حتى وقف بحذائه وقال يا محمد انّ هذه أخبرتنى انك أمنتنى فقال رسول الله ﷺ صدقت فانك آمن* فقال عكرمة أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله وطأطأ رأسه من الحياء وقال أنت أبرّ الناس وأو فى الناس فقال النبىّ ﷺ يا عكرمة ما تسألنى شيئا أقدر عليه الا أعطيتكه قال استغفرلى كل عداوة عاديتكها أو مركب وضعت فيه أريد به اطهار الشرك فقال رسول الله ﷺ اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو منطق تكلم به أو مركب وضع فيه يريد أن يصدّ عن سبيلك فقال يا رسول الله مرنى بخير ما تعلم فأعمله قال قل أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله وجاهد فى سبيله ثم قال عكرمة أما والله ما تركت نفقة كنت أنفقها فى صدّ عن سبيل الله الا أنفقت ضعفيها فى سبيل الله ولا قتالا كنت أقاتل فى صدّعن سبيل الله الا أنكيت ضعفه فى سبيل الله وكان عكرمة وامرأته أمّ حكيم على نكاحهما الاوّل وقد أسلمت امرأته قبله واستعمله رسول الله ﷺ عام حج على هوازن يصدقها ثم اجتهد فى القتال حتى قتل شهيدا يوم اليرموك بأجنادين فى خلافة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه فوجدوا فيه بضعا وسبعين من بين ضربة وطعنة ورمية كذا فى الصفوة* الرابع حويرث بن نقيد ابن وهب بن عبد قصى وهو كثيرا ما كان يؤذى رسول الله ﷺ بمكة ويهجوه* وفى شفاء الغرام الحويرث بن نقيد الذى نخس بزينب بنت رسول الله ﷺ حين أدركها هو وهبار بن الاسود فسقطت عن دابتها وألقت جنينا* وفى الاكتفاء ولما حمل العباس بن عبد المطلب فاطمة وأمّ كلثوم ابنتى رسول الله ﷺ من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث هذا فرمى بهما الى الارض فقتله يوم الفتح على بن أبى طالب انتهى ويوم الفتح لما سمع ان رسول الله ﷺ أهدر دمه أغلق بابه واستتر فى بيته فجاء علىّ بن أبى طالب الى بابه يطلبه ويسأل عنه فقيل له قد خرج الى البادية فعلم حويرث أنّ المسلمين يطلبونه فمكث حتى ذهب علىّ عن بابه فخرج من بيته وأراد أن ينتقل الى مكان آخر متنكرا فصادفه علىّ فضرب عنقه* الخامس المقيس بن صبابة الكندى الخامس المقيس بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة التحتية وآخره سين مهملة هو ابن صبابة الكندى بالصاد المهملة المضمومة وبالموحدتين الاولى خفيفة كذا فى المواهب اللدنية وجرمه انّ أخاه هشام بن صبابة قدم المدينة وأسلم وكان مع النبىّ ﷺ فى غزوة المريسيع فظنّ انصارى من بنى عمرو بن عوف أنه مشرك فقتله خطأ فقدم مقيس المدينة يطلب دم أخيه فأمر النبىّ ﷺ الانصارى بالدية فعقل

стр. 602

دية فأسلم مقيس وبعد ما أخذ الدية قتل الانصارى وارتدّ ورجع الى مكة مشركا كما مرّ وفى يوم الفتح كان يشرب الخمر فى ناحية مع جماعة من المشركين فأخبر نميلة بن عبد الله الليثى وهو رجل من قومه بحاله فذهب اليه فقتله كذا فى معالم التنزيل فى تفسير سورة الفتح وذكر فى موضع آخر منه أنّ مقيس بن صبابة الكندى كان قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد أخاه هشاما قتيلا فى بنى النجار فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأرسل رسول الله ﷺ معه رجلا من بنى فهر الى بنى النجار انّ رسول الله ﷺ يأمركم ان علمتم قاتل هشام بن صبابة ادفعوه الى مقيس فيقتص منه وان لم تعلموا ادفعوا اليه ديته فأبلغهم الفهرى ذلك فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله والله ما نعلم له قاتلا لكنا نعطى ديته فأعطوه مائة من الابل وانصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا فوسوس اليه فقال تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة اقتل الذى معك فتكون نفس بنفس وفضل الدية فتغفل الفهرى فرماه بصخرة فشدخه ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا الى مكة كافرا فنزلت هذه الاية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وهو الذى استثناه رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ممن أمّنه فقتل وهو متعلق باستار الكعبة* وفى شفاء الغرام امّا مقيس فقتل عند الردم وهو ردم بنى جمح الذى قيل انّ النبىّ ﷺ ولد فيه وليس الردم الذى هو بأعلا مكة لانه لم يكن الا فى خلافة عمر عمله صونا للمسجد من السيل حين ذهب بالمقام* السادس هبار بن الاسود وكان كثيرا ما يؤذى رسول الله ﷺ ومن جملة أذيته أنّ أبا العاص بن الربيع حين خلص من الاسر يوم بدر رجع الى مكة وأرسل زينب بنت رسول الله ﷺ كما شرط مع النبىّ ﷺ يوم بدر فعرض هبار مع جماعة لطريق زينب ومنعها وضرب زينب بالرمح فسقطت من الابل وكانت حاملا فألقت حملها ومرضت وماتت بهذا المرض فغضب عليه النبىّ ﷺ غضبا شديدا وأهدر دمه حتى بعث مرّة سرية الى نواحى مكة فقال لاهل السرية ان ظفرتم بهبار فاحرقوه ثم قال انما يعذب بالنار رب النار ان ظفرتم به فاقطعوا يده ورجله ثم اقتلوه وفى يوم الفتح أى فتح مكة اختفى ولم يدر مكانه ولما رجع رسول الله ﷺ الى المدينة جاء هبار رافعا صوته وقال يا محمد أنا جئت مقرّا بالاسلام وقد كنت قبل هذا مخذولا ضالا والان قد هدانى الله للاسلام وأنا أشهد أن لا اله الا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله واعتذر اليه معترفا بذنبه مظهر الحجالته فقبل النبىّ ﷺ اسلامه وقال يا هبار عفوت عنك والاسلام يجب ما كان قبله أو كما قال* السابع صفوان بن أمية ولما علم انّ النبىّ ﷺ أهدر دمه يوم فتح مكة هرب مع عبد له اسمه يسار الى جدّة يريد أن يركب منها الى اليمن فقال عمير بن وهب الجمحى يا نبىّ الله انّ صفوان بن أمية سيد قومى وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه فى البحر فأمنه عليك قال هو آمن قال يا رسول الله أعطنى شيئا يعرف به أمانك فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التى دخل بها مكة وفى المشكاة فبعث اليه ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله ﷺ أمانا لصفوان انتهى* فخرج بها عمير حتى أدركه بجدّة وهو يريد أن يركب البحر فقال يا صفوان فداك أبى وأمى اذكر الله فى نفسك أن تهلكها فهذا أمان رسول الله ﷺ قد جئتك عدة فقال ويلك اعزب عنى فلا يكلمه فقال أى صفوان فداك أبى وأمى أفضل الناس وأبرّ الناس وخير الناس ابن عمك وعزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك قال فانى أخاف على نفسى قال هو أحلم من ذلك وأكرم فرجع معه حتى وقف به على رسول الله ﷺ فقال صفوان هذا يزعم أنك أمنتنى قال صدق قال فاجعلنى فى أمرى بالخيار شهرين قال أنت فيه بالخيار أربعة أشهر كذا فى معالم التنزيل فلما خرج النبىّ ﷺ الى حنين وهوازن كان صفوان مع كفره رفيقه

стр. 603

واستعار منه النبىّ ﷺ مائة درع قال صفوان اغصبايا محمد فقال النبىّ ﷺ بل عارية مضمونة وسيجىء وحين قفل النبىّ ﷺ من الطائف الى الجعرانة مرّ مع صفوان على شعب مملوء من الابل والغنم وسائر أنعام الغنيمة وكان صفوان يحدّ النظر الى تلك الاموال ولم يرفع بصره منها وكان النبىّ ﷺ يلاحظه فقال يا أبا وهب أتعجبك هذه قال نعم قال وهبتها لك كلها فقال صفوان ما طابت نفس أحد بمثل هذا الانفس نبىّ فأسلم هناك* الثامن حارث بن طلاطلة وهو من جملة مؤذى النبىّ ﷺ وفى يوم فتح مكة قتله على بن أبى طالب* التاسع كعب بن زهير بن أبى سلمى المزنى الشاعر صاحب بانت سعاد القصيدة المشهورة وكان يهجو النبىّ ﷺ فجاء وهو جالس فى المسجد فدخل وأسلم وأنشأ قصيدته التى أوّلها بانت سعاد فقلبى اليوم متبول* فلما بلغ الى قوله انّ الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول أنبئت أنّ رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول قال النبىّ ﷺ اسمعوا ما يقول وقيل فرح النبىّ ﷺ وكساه بردا جائزة له وكان اسلام كعب فى السنة التاسعة كما سيجىء فيها* العاشر وحشى بن حرب قاتل حمزة وكان كثير من المسلمين حريصا على قتله ويوم فتح مكة هرب الى الطائف وأقام هناك الى زمان قدوم وفد الطائف الى النبىّ ﷺ فجاء معهم ودخل عليه وقال أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله فقال النبىّ ﷺ أنت وحشىّ قال نعم قال أأنت قتلت حمزة قال قد كان من الامر ما بلغك يا رسول الله قال اجلس واحك لى كيف قتلته ولما قص عليه قصة قتله قال أما تستطيع أن تغيب وجهك عنى وكان وحشى بعد ذلك اذا رأى النبىّ ﷺ يفرّ منه ويختفى* الحادى عشر عبد الله بن الزبعرى وكان من شعراء العرب وكان يهجو أصحاب النبىّ ﷺ ويحرض المشركين على قتالهم ويوم الفتح لما سمع أنّ النبىّ ﷺ أهدر دمه هرب الى نجران وسكنها وبعد مدّة وقع الاسلام فى قلبه فأتى النبىّ ﷺ فلما رآه من بعيد قال هذا ابن الزبعرى ولما دنا منه قال السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أنك رسول الله* ذكر النساء اللاتى أهدر النبىّ دماءهنّ يوم الفتح أولاهنّ هند بنت عتبة امرأة أبى سفيان وأمّا النساء الست اللاتى أهدر النبىّ ﷺ دماءهنّ يوم الفتح فاحداهنّ هند بنت عتبة وهى امراة أبى سفيان أم معاوية وايذاؤها للنبىّ ﷺ مشهور ويوم أحد مثلت بحمزة ومضغت كبده وبعد ما فتحت مكة جاءت الى النبىّ ﷺ متنكرة متنقبة فى النساء حين يبايع النساء على الصفا فأسلمت وقد سبق ذكرها* ! الثانية والثالثة قريبة والفرتنا الرابعة مولاة بنى خطل والخامسة مولاة بنى عبد المطلب الثانية والثالثة قريبة بالقاف والموحدة مصغرا والفرتنا بالفاء المفتوحة والراء المهملة الساكنة والمثناة الفوقية والنون كذا صححه القسطلانى فى المواهب اللدنية وهما فتيتان قينتان أى مغنيتان لابن خطل وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فأمر بقتلهما مع ابن خطل فأمّا قريبة فقتلت مصلوبة وأمّا فرتنا ففرّت حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فأمنها فامنت وذكر السهيلى أنّ اسم قينتى ابن خطل فرتنا وسارة وهذا يخالف ما ذكره ابن سيد الناس اليعمرى من ان اسم احداهما قريبة والآخرى فرتنا كما سبق ذكرهما كذا فى شفاء الغرام* الرابعة مولاة بنى خطل وقتلت يوم الفتح* الخامسة مولاة بنى عبد المطلب* وفى شفاء الغرام مولاة عمرو بنى صيفى بن هاشم انتهى وهى التى حملت كتاب حاطب بن أبى بلتعة من المدينة ذاهبة الى مكة الى قريش وكانت تؤذى رسول الله ﷺ بمكة وتغيبت يوم الفتح حتى استؤمن لها فعاشت حتى أوطأها رجل فرساله فى زمن عمر بن الخطاب بالابطح فقتلها ونقل الحميدى أنها قتلت* وفى فتح البارى فى شرح صحيح البخارى أنها أسلمت والله أعلم* وفى المدارك روى أنّ رسول الله صلى الله عليه

стр. 604

وسلم أمّن جميع الناس يوم الفتح الا أربعة هى أحدهم* السادسة أمّ سعد أرنب فقتلت* وفى رمضان هذه السنة أسلم أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس وكان اسلامه قبيل الفتح بمرّ الظهران حين نزله النبىّ ﷺ وقد مرّ وستجىء وفاته فى الخاتمة فى خلافة عثمان* إسلام أبي قحافة والد أبى بكر وفى رمضان هذه السنة يوم الفتح أسلم أبو قحافة والد أبى بكر رضى الله عنهما روى أنّ أبا بكر لما جاء الى النبىّ ﷺ بأبيه أبى قحافة ليسلم قال له النبىّ ﷺ لم عنيت الشيخ ألا تركته حتى أكون أنا آتيه فى منزله فقال أبو بكر بأبى انت وأمى هو أولى أن يأتى رسول الله ﷺ وقد سبق وكانت امرأة أبى قحافة أمّ الخير أمّ أبى بكر قد أسلمت قديما فى السنة السادسة من النبوّة كما سبق فيها واسم أبى قحافة عثمان بن عامر توفى فى السنة الرابعة عشر من الهجرة فى خلافة عمر بعد وفاة أبى بكر رضى الله عنه بسنة وكان ابن سبع وتسعين سنة وورث حصته السدس من تركة أبى بكر فردّه الى أولاده وليس فى الاسلام والد خليفة تأخرت وفاته عن وفاة ابنه الخليفة وورث منه غير أبى قحافة* وعن جابر قال أتى بأبى قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغام بياضا قال النبىّ ﷺ غيروا هذا بشئ واجتنبوا السواد رواه مسلم* وعن النبىّ ﷺ قال يكون قوم فى آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة رواه أبو داود والنسائى كذا فى المشكاة* إسلام حكيم بن حزام وفى هذه السنة أيام فتح مكة أسلم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ويكنى أبا خالد وعن أمّ مصعب بن عثمان قالت دخلت أمّ حكيم بن حزام الكعبة مع نسوة من قريش وهى حامل متم بحكيم بن حزام فضربها المخاض فى الكعبة فأتيت بنطع حيث أعجلتها الولادة فولدت حكيم بن حزام فى الكعبة على النطع وكان حكيم من سادات قريش ووجوهها فى الجاهلية والاسلام* وعن مصعب بن عبد الله قال جاء الاسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها بعد من معاوية بن أبى سفيان بمائة ألف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش فقال حكيم ذهبت المكارم الا التقوى يا ابن أخى انى اشتريت بها دارا فى الجنة أشهدك انى جعلتها فى سبيل الله * وعن أبى بكر بن ابى سليمان قال حج حكيم بن حزام معه مائة بدنة قد أهداها وجللها الحبرة وكفها عن أعجازها ووقف مائة وصيف يوم عرفة وفى أعناقهم أطواق الفضة نقش فى رؤسها عتقاء الله عن حكيم بن حزام وأعتقهم وأهدى ألف شاة* وعن هشام بن عروة عن أبيه ان حكيم بن حزام أعتق فى الجاهلية مائة رقبة وفى الاسلام مائة رقبة وحمل على مائة بعير قال حكيم نجوت يوم بدر ويوم أحد فلما غزا النبىّ ﷺ مكة خرجت أنا وأبو سفيان نستروح الخبر فلقى العباس أبا سفيان فذهب به الى النبىّ ﷺ فرجعت ودخلت بيتى فأغلقته علىّ ودخل النبىّ ﷺ مكة فأمّن الناس فجئته فأسلمت وخرجت معه الى حنين* وعن محمد بن عمر قال قدم حكيم ابن حزام المدينة ونزلها وبنى بها دارا ومات بها سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة كذا فى الصفوة وسيجىء فى الخاتمة* وفى هذه السنة أسلم عكرمة بن أبى جهل وقد مرّ كيفية اسلامه * سرية خالد بن الوليد الى العزى وفى هذه السنة عقب فتح مكة فى خمس وعشرين ليلة من شهر رمضان بعث خالد بن الوليد فى ثلاثين رجلا الى العزى بنخلة* ذكر منشأ اتخاذ الاصنام وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق ويزعمون ان أوّل ما كانت عبادة الاحجار فى بنى اسماعيل انه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح فى البلاد الاحمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى اشتهر ذلك فيهم الى ان كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين ابراهيم واسماعيل غيره فعبدوا الاوثان وصاروا الى ما كانت عليه

стр. 605

الامم السابقة من الضلالات ومنهم على ذلك بقايا من عهد ابراهيم ﵇ يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة مع ادخالهم فيه ما ليس منه فكانت كنانة وقريش اذا أهلوا قالوا لبيك اللهمّ لبيك لا شريك لك الا شريك هو لك تملكه وما ملك فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده بقول الله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون وقد كان لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها قال الله تعالى لا تذرنّ الهتكم ولا تذرنّ ودّا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا فكان الذين اتخذوا تلك الاصنام من ولد اسماعيل وغيرهم وسموا بأسمائها حين فارقوا دين اسماعيل هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر اتخذوا سواعا فكان لهم برهاط وكلب ابن وبرة من قضاعة اتخذوا ودّا بدومة الجندل وأنعم من طى وأهل جرش من مذحج اتخذوا يغوث بجرش وحيوان بطن من همدان اتخذوا يعوق بأرض همدان من اليمن وذو الكلاع من حمير اتخذوا نسرا بأرض حمير وكانت قريش قد اتخذوا صنما على بئر فى جوف الكعبة يقال له هبل واتخذوا اسافا ونائلة فى موضع زمزم ينحرون عندهما وكان اساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم هو اساف بن بغى ونائلة بنت ديك فوقع اساف على نائلة فى الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها وحجابها بنى معتب من ثقيف وكانت مناة للاوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على البحر من ناحية المشلل بقديد هذا ما فى سيرة ابن هشام* وفى أنوار التنزيل والمدارك العزى سمرة وأصلها تأنيث الاعز* وفى المنتقى العزى كانت بنخلة لقريش وجميع بنى كنانة وكانت أعظم أصنامهم وسدنتها بنو شيبان وقد اختلفوا فى العزى على ثلاثة أقوال أحدها انها كانت شجرة لغطفان يعبدونها قاله مجاهد والثانى انها صنم قاله الضحاك والثالث انها بيت فى الطائف كانت تعبده ثقيف قاله ابن زيد* وفى معالم التنزيل العزى صنم اشتقوا لها اسما من العزيز فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ليقطعها فجعل خالد يضربها بالفأس ويقول يا عزى كفرانك لا سبحانك انى رأيت الله قد أهانك فخرجت منها شيطانه ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها ويقال ان خالد ارجع الى النبىّ ﷺ وقال له قد قلعتها قال هل رأيت شيئا قال لا قال ما قلعت* وفى رواية قال انك لم تهدمها فارجع اليها فاهدمها فعاد اليها خالد متغيظا ومعه المعول فقلعها واستأصلها فخرجت منها امرأة عجوز عريانة سوداء ثائرة الرأس فجعل السادن يصيح فسلّ خالد سيفه فضربها فقتلها وجزها باثنتين ثم رجع الى النبىّ ﷺ فأخبره بذلك فقال نعم تلك العزى ولن تعبد أبدا* وفى رواية وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا وقال الضحاك كان أصل وضع العزى لغطفان أن سعد بن ظالم الغطفانى قدم مكة ورأى الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بينهما فعاد الى بطن نخلة وقال لقومه ان لاهل مكة الصفا والمروة وليسا لكم ولهم اله يعبدونه وليس لكم قالوا فما تأمرنا قال أنا أصنع لكم كذلك فأخذ حجرا من الصفا وحجرا من المروة ونقلهما الى نخلة فوضع الذى اخذ من الصفا فقال هذا الصفا ووضع الذى أخذ من المروة فقال هذه المروة ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها الى شجرة فقال هذا ربكم فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة الثلاثة وسموها العزى حتى افتتح رسول الله ﷺ مكة فأمر برفع الحجارة وبعث خالد بن الوليد الى العزى فقطعها* بعث عمرو بن العاص الى سواع وفى رمضان هذه السنة بعث عمرو بن العاص الى تخريب سواع وهو صنم لهذيل على ثلاثة أميال من مكة قال عمرو فانتهيت اليه وعنده السادن فقال ما تريد فقلت أمرنى رسول الله ﷺ أن أهدمه قال لا تقدر قلت لم قال تمنع قلت ويحك هل يسمع أو يبصر فكسرته فأمرت أصحابى فهدموا بيت خزانته ثم قلت للسادن كيف

стр. 606

رأيت قال أسلمت لله رب العالمين* وفى مزيل الخفا روى انه كان لادم ﵇ خمس بنين يسمون نسرا وودّا وسواعا ويغوث ويعوق وكانوا عبادا فماتوا فحزن أهل عصرهم عليهم فصوّر لهم ابليس أمثالهم من صفر ونحاس ليستأنسوا بهم فجعلوها فى مؤخر المسجد فلما هلك أهل ذلك العصر قال ابليس لاولادهم هذه آلهة آبائكم فعبدوها بعدهم ثم ان الطوفان دفنها فأخرجها اللعين للعرب فكانت ودّ لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل بساحل البحر ويغوث لغطفان من مراد ثم لبنى غطيف بالحوف وفى القاموس غطيف كزبير حىّ من العرب أو قوم بالشام والحوف موضع بأرض مراد ويعوق لهمدان ونسر لذى الكلاع وحمير* وفى المدارك ودّ صنم على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر* ويروى ان سواعا لهمدان ويغوث لمذحج ويعوق لمراد كذا فى معالم التنزيل وأنوار التنزيل والمدارك* وفى معالم التنزيل كانت للعرب أصنام أخر فاللات كانت لثقيف اشتقوا لها اسما من أسماء الله تعالى* قال قتادة كانت اللات بالطائف وقال ابن زيد بيت بنخلة لقريش تعبده قال ابن عباس ومجاهد وأبو صالح بتشديد التاء وقالوا كان رجلا يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه وكان ببطن نخلة* وفى القاموس سمى بالذى يلت السويق بالسمن ثم خفف والعزى لسليم وغطفان وجشم ومناة لخزاعة وكانت بقديد قاله قتادة وقالت عائشة رضى الله عنها فى الانصار من كانوا يهلون لمناة وكانت حذو قديد وقال ابن زيد بيت بالمشلل يعبده بنو بكر وقال الضحاك مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة وقال بعضهم اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة وكانت فى جوف الكعبة يعبدونها واساف ونائلة وهبل لاهل مكة* بعث سعد بن زيد الى مناة وفى رمضان هذه السنة حين فتح مكة بعث سعد ابن زيد الاشهلى الى مناة صنم للاوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على البحر من المشلل بقديد كذا فى سيرة ابن هشام* وفى القاموس مشلل كمعظم جبل يهبط منه الى قديد وفى خلاصة الوفاثنية تشرف على قديد كان بها مناة الطاغية وفى أنوار التنزيل* هى صخرة كانت لهذيل وخزاعة وثقيف وهى فعلة من مناه اذا قطعه فانهم كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه منى فخرج سعد فى عشرين فارسا حتى انتهى اليها قال السادن ما تريد قال هدمها قال أنت وذاك فأقبل سعد يمشى اليها فخرجت منه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فضربها سعد بن زيد فقتلها وانتقل الى الصنم ومعه أصحابه فهدموه وانصرفوا راجعين الى النبىّ ﷺ * بعث خالد بن الوليد الى بنى جذيمة وفى شوّال هذه السنة بعث خالد بن الوليد الى بنى جذيمة وهم قبيلة من عبد القيس أسفل مكة بناحية يلملم وهو يوم الغميصاء بعثه ﵇ لما رجع من هدم العزى وهو ﷺ مقيم بمكة وبعث معه ثلثمائة وخمسين رجلا داعيا الى الاسلام لا مقاتلا فلما انتهى اليهم خالد قال لهم ما أنتم قالوا مسلمون صلينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد فى ساحاتنا* وفى صحيح البخارى بعث النبى ﷺ خالد بن الوليد الى بنى جذيمة فدعاهم الى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم ودفع الى كل رجل ممن كان معه أسيره فأمر يوما أن يقتل كل رجل أسيره فأبى ابن عمرو أصحابه حتى قدموا على النبىّ ﷺ فذكّروا له ذلك فرفع النبىّ ﷺ يديه وقال اللهمّ انى أبرأ اليك مما صنع خالد مرّتين* وفى المواهب اللدنية فقال لهم استأسروا فأسر القوم فأمر بعضهم فكتف بعضا وفرّقهم فى أصحابه فلما كان السحر نادى منادى خالد من كان معه أسير فليقتله فقتلت بنو سليم من كان بأيديهم وأما المهاجرون والانصار فأرسلوا أساراهم فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فقال اللهمّ انى أبرأ اليك من فعل خالد وبعث عليا فودى

стр. 607

لهم قتلاهم قال الخطابى يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم للعدول عن لفظ الاسلام ولم ينقادوا الى الدين فقتلهم متأوّلا وأنكر عليه النبىّ ﷺ العجلة وترك التثبت فى أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا* وفى بعض الكتب كان بنو جذيمة فى الجاهلية قتلوا أبا عبد الرحمن ابن عوف وعم خالد الفاكه بن المغيرة فلما سمعوا بقدوم خالد استقبلوه لا بسى السلاح فقال لهم من أنتم قالوا مسلمون صدّقنا بمحمد وبنينا المساجد فى ساحاتنا وصلينا قال فما بالكم مسلحين قالوا كان بيننا وبين حى من العرب عداوة حسبناكم اياهم فلبسنا السلاح فلم يقبل خالد منهم عذرهم فأمرهم حتى ألقوا سلاحهم الى آخر ما ذكرناه* وفى الاكتفاء لما فتح الله على رسوله مكة بعث السرايا فيما حولها يدعو الى الله تعالى ولم يأمرهم بقتال وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال خالد ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا فقال رجل منهم يقال له جحدم ويلكم يا بنى جذيمة انه خالد والله ما بعد وضع السلاح الا الاسر وما بعد الاسر الا ضرب الاعناق ووالله لا أضع سلاحى أبدا فأخذه رجال من قومه وقالوا يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا ان الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد فلما وضعوه أمرهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم وقال لهم جحدم حين وضعوا سلاحهم ورأى ما يصنع بهم يا بنى جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه فلما انتهى الخبر الى رسول الله ﷺ رفع يديه الى السماء ثم قال اللهمّ انى أبرأ اليك مما صنع خالد ابن الوليد وقال رسول الله ﷺ لرجل انفلت منهم فأتاه بالخبر هل أنكر عليه أحد فقال نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه وأنكر عليه رجل آخر مضطرب فراجعه فاشتدّت مراجعتهما فقال عمر بن الخطاب امّا الاوّل يا رسول الله فابنى عبد الله وأمّا الاخر فسالم مولى أبى حذيفة وذكروا ان رسول الله ﷺ قال رأيت كأنى لقمت لقمة من حيس فالتذذت طعمها فاعترض فى حلقى منها شئ حين ابتلعتها فأدخل علىّ يده فانتزعه فقال أبو بكر هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون فى بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله ثم لما كان من خالد فى بنى جذيمة ما كان دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال يا على اخرج الى هؤلاء القوم فانظر فى أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك فخرج علىّ حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ فودى لهم الدماء وما أصيب من الاموال حتى انه ليدى لهم مبلغة الكلب حتى اذا لم يبق شئ من دم ولا مال الاوداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم علىّ حين فرغ منه هل بقى دم أو مال لم يود لكم قالوا لا قال فانى أعطيتكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا تعلمون ففعل ثم رجع الى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر قال أصبت وأحسنت ثم قام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى انه ليرى ما تحت منكبيه يقول اللهمّ انى أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرّات وقد قال بعض من يعذر خالدا انه قال ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبد الله بن حذافة السهمى وقال ان رسول الله ﷺ أمر أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام وحدّث ابن ابى حدرد الاسلمى قال كنت يومئذ فى خيل خالد بن الوليد فقال لى فتى من بنى جذيمة وهو فى سنى وقد جمعت يداه الى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه يا فتى قلت ما تشاء قال هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدى الى هؤلاء النسوة حتى أقضى اليهنّ حاجة ثم تردّنى بعد فتصنعوا بى ما بدا لكم قال قلت والله ليسير ما طلبت

стр. 608

فأخذته برمته فقدته بها حتى أوقفته عليهنّ فقال اسلمى حبيش على فقد العيش وأنشد أبياتا فقالت وأنت فحبيت سبعا وعشرا ... وشفعا ووترا ثمانين تترى قال ثم انصرفت به فضربت عنقه فحدّث من حضرها انها قامت اليه حين ضربت عنقه فلم تزل تقبله حتى ماتت عنده وخرج النساءى هذه القصبة فى مصنفه فى باب قتل الاسارى من حديث ابن عباس ان النبىّ ﷺ بعث سرية فغنموا وفيهم رجل فقال انى لست منهم عشقت امرأة فلحقتها فدعونى أنظر اليها نظرة ثم اصنعوا بى ما بدا لكم قال فاذا امرأة طويلة أدماء فقال اسلمى حبيش قبل فقد العيش وتكلم بأبيات فقالت نعم فديتك قال فقدّموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر فقال رسول الله ﷺ أما كان فيكم رجل رحيم* غزوة حنين وفى شوّال هذه السنة بعد رجوع خالد من تخريب العزى خرج رسول الله ﷺ الى غزوة حنين بالتصغير وهو واد قرب ذى المجاز وقيل ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف وتسمى غزوة هوازن* وفى شرح مختصر الوقاية حنين واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا وفى القاموس حنين موضع بين مكة والطائف قال أهل السير انّ رسول الله ﷺ فتح مكة يوم الجمعة وقد بقى من رمضان عشرة أيام فأقام بها خمسة عشر يوما أو تسعة عشر أو ثمانية عشر يوما على اختلاف الاقوال كما مرّ ثم خرج الى حنين* وسببها أنّه لما فتح الله على رسوله مكة وأسلم عامة أهلها أطاعت له قبائل العرب الا هوازن وثقيفا فانّ أهلهما كانوا طغاة عتاة مردة مبارزين فاجتمع أشرافهما فقال بعضهم لبعض انّ محمدا قاتل قوما لم يحسنوا القتال ولم يكن لهم علم بالحروب فغلب عليهم فانه سيقصدنا فقبل أن يظهر ذلك منه سيروا اليه فقصدوا محاربة المسلمين وكان على هوازن رئيسهم مالك بن عوف النضرى وعلى ثقيف قائدهم ورئيسهم عبد يا ليل الثقفى كذا فى معالم التنزيل* وقيل قائد ثقيف قارب ابن الاسود واتفق معهما نضر وجشم كلها وسعد بن بكر وأناس من بنى هلال وهم قليل ولم يشهد من قيس عيلان الا هؤلاء فعبوا جيشهم وعددهم أربعة آلاف مقاتل وخرجوا مع أموالهم وأولادهم وذراريهم وتخلف منهم قبيلتان كعب وكلاب وكان دريد بن الصمة فى بنى جشم وكان شيخا كبيرا قد عمى من الكبر وكان له مائة وخمسون سنة وقيل مائة وسبعون سنة وكان صاحب رأى وتدبير وله معرفة بالحروب* وفى الاكتفاء ليس فيه شئ الا التيمن برأيه ومعرفته بالحروب انتهى وكان رأيه أن لا تخرج معهم الاموال والذرارى ولكن غلب على الرأى مالك بن عوف فأخرجوهم معهم فساروا حتى انتهوا الى أوطاس* وفى الاكتفاء فلما نزل بأوطاس اجتمع اليه الناس وفيهم دريد بن الصمة فى شجار له يقاد به فلما نزل قال فى أىّ واد أنتم قالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس قال مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم قال اين مالك فدعى له فقال يا مالك انك أصبحت رئيس قومك وانّ هذا يوم له ما بعده مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قال سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم قال فانقض به ثم قال راعى ضأن والله وهل يردّ المنهزم شىء انها ان كانت لك لن ينفعك الا رجل بسيفه ورمحه وان كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك ثم قال ما فعلت كعب وكلاب قالوا لم يشهدها منهم أحد قال غاب الحدّ والجدّ لو كان يوم علاء ورفعة لم يغب عنه كعب وكلاب ولوددت انكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن شهدها منكم قالوا عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال ذلك الجذعان لا ينفعان ولا يضرّان يا مالك انك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن فى نحور

стр. 609

الخيل شيئا ارفعهم الى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصبا على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من وراءك وان كانت عليك ألقاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك قال والله لا أفعل انك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأى قالوا أطعناك قال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى يا ليتنى فيها جذع ... أخب فيها وأضع أقور وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرّقت أوصالهم فقال ويلكم ما شأنكم قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فو الله ما ردّه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد* ولما سمع بهم نبىّ الله ﷺ بعث اليهم عبد الله بن أبى حدرد الاسلمى فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله ﷺ وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر ولما أجمع رسول الله ﷺ السير الى هوازن ذكر له انّ عند صفوان بن أمية ادراعا له وسلاحا فأرسل اليه وهو يومئذ مشرك فقال يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدوّنا غدا فقال صفوان أغصبا يا محمد فقال بل عارية مضمونة حتى نؤدّيها اليك فقال ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح فزعموا أنّ رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل* وفى شفاء الغرام جعل رسول الله ﷺ فى شوّال هذه السنة عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة أميرا ومعاذ بن جبل اماما بها ومفتيا لمن فيها* وذكر ابن عبد البرّ أنّ عتاب بن أسيد أسلم يوم فتح مكة واستعمله النبىّ ﷺ عليها حين خرج الى حنين فأقام عتاب للناس الحج تلك السنة وهى سنة ثمان ثم قال فلم يزل عتاب أميرا على مكة حتى قبض رسول الله ﷺ وأقرّه أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه وقيل ماتا فى يوم واحد وكذلك كان يقول ولد عتاب وقال محمد بن سلام وغيره جاء نعى أبى بكر الصديق رضى الله عنه الى مكة يوم دفن عتاب بن أسيد بها وقال السهيلى قال أهل التعبير رأى رسول الله ﷺ فى المنام أسيد بن أبى العيص واليا على مكة مسلما فمات على الكفر وكانت الرؤيا لولده عتاب حين أسلم فولاه رسول الله ﷺ على مكة وهو ابن احدى وعشرين سنة* وفى الاكتفاء ثم خرج رسول الله ﷺ عامد الحنين معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله عليهم فكانوا اثنى عشر ألفا وذكر أنّ رسول الله ﷺ قال حين فصل من مكة الى حنين ورأى كثرة من معه من جنود الله لن نغلب اليوم من قلة وزعم بعض الناس أنّ رجلا من بنى بكر قالها* وفى رواية يونس بن بكير عن الربيع قال رجل يوم حنين لن نغلب اليوم فشق ذلك من قلة على رسول الله ﷺ * وفى رواية أنّ أبا بكر قاله للنبىّ ﷺ أو لسلمة بن سلامة بن وقش وقيل قائله سلمة فكره رسول الله ﷺ كلامه فوكلوا الى كلمة الرجل فالهزيمة لجيش الاسلام فى أوّل الحال كانت بسببه* وفى رواية باهى العباس بكثرة العسكر فمنعه النبىّ ﷺ وقال تستنصر بصعاليك الامة* وفى المواهب اللدنية ثم خرج من مكة الى حنين يوم السبت لست ليال خلون من شوّال فى اثنى عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف من أهل المدينة من المهاجرين والانصار وغيرهم والفان ممن أسلم من أهل مكة وهم الطلقاء يعنى الذين خلى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم فلم يسترقهم واحدهم طليق فعيل بمعنى مفعول وهو الاسير اذا أطلق سبيله وخرج معه ثمانون من المشركين منهم صفوان بن أمية وقال عطاء كانوا ستة عشر ألفا وقال الكلبى كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر مما كانوا فى سائر المواطن

стр. 610

وفى المشكاة ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية فجاء فارس فقال يا رسول الله انى اطلعت على جبل كذا وكذا فاذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا على حنين فتبسم رسول الله ﷺ وقال تلك غنيمة للمسلمين غدا ان شاء الله تعالى ثم قال من يحرسنا الليلة قال أنس بن أبى مرثد الغنوى أنا يا رسول الله قال اركب فركب فرساله فقال استقبل هذا الشعب حتى تكون فى أعلاه ففعل فلما أصبح جاء وقال طلعت الشعبين كليهما فلم أر أحدا فقال له رسول الله ﷺ هل نزلت الليلة قال لا الا مصليا أو قاضى حاجة فقال رسول الله ﷺ فلا عليك أن لا تعمل بعد هذا رواه أبو داود وقال ابن عقبة وكان أهل حنين يظنون أنّ رسول الله ﷺ حين دنا منهم فى توجهه الى مكة أنه بادئ بهم وصنع الله لرسوله ما هو أحسن من ذلك فتح له مكة وأقرّ بها عينه وكبت عدوّه فلما خرج رسول الله ﷺ الى حنين خرج معه أهل مكة ركبانا ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين قطارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون ان تكون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه* وحدث أبو واقد الليثى قال خرجنا مع رسول الله ﷺ الى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما قال فرأينا ونحن نسير معه الى حنين سدرة خضراء عظيمة فتنادينا على جنبات الطريق فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط فقال لهم رسول الله ﷺ الله أكبر قلتم والذى نفس محمد بيده كما قال قوم موسى له اجعل لنا الها كما لهم آلهة انكم قوم تجهلون فانها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم قال انتهى النبىّ ﷺ الى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوّال وكان قد سبقهم مالك بن عوف فأدخل جيشه بالليل فى ذلك الوادى وفرّقهم على الطرق والمداخل وحرّضهم على قتال المسلمين وأمرهم أن يكمنوا لهم ويرشقوهم أوّل ما طلعوا ويحملوا عليهم حملة واحدة* وفى الاكتفاء قال مالك للناس اذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدّوا شدّة رجل واحد ولما كان وقت السحر جهز رسول الله ﷺ جيشه وعقد الالوية والرايات وفرّقها على الناس فدفع لواء المهاجرين الى عمر بن الخطاب ولواء الى على بن أبى طالب ولواء الى سعد بن أبى وقاص ولواء الاوس الى أسيد بن حضير ولواء الخزرج الى خباب بن المنذر وآخر الى سعد بن عبادة وقيل كان لكل بطن من الاوس والخزرج لواء فى تلك الغزوة ولكل قبيلة من القبائل التى كانت معه لواء ثم ركب ﷺ بغلته البيضاء دلدل ولبس درعين والمغفر والبيضة واستقبل وادى حنين فى غبش الليل وفى الاكتفاء عن جابر بن عبد الله قال لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا فى واد من أودية تهامة أجوف حطوطا انما ننحدر فيها انحدارا وذلك فى عماية الصبح وكان القوم قد سبقوا الى الوادى فكمنوا لنا فى شعابه وأحنائه ومضائقه واجتمعوا وتهيئوا فو الله ما راعنا ونحن منحطون الا الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد وانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال أيها الناس هلموا الىّ أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله قال فلا شئ حملت الابل بعضها على بعض* وفى رواية كان خالد بن الوليد مع بنى سليم فى مقدمة الجيش وكان أكثرهم حسرا ليس عليه سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوما كمنوا لهم جمع هوازن وبنى النضير وهم قوم رماة لا يكاد يسقط لهم سهم والمسلمون عنهم غافلون فرشقوهم رشقا لا يكادون يخطئون فولى جماعة كفار قريش الذين كانوا فى جيش الاسلام وشبان الاصحاب وأخفاؤهم وتبعهم المسلمون الذين كانوا قريب العهد بالجاهلية ثم انهزم بقية الاصحاب

стр. 611

وكان النبىّ ﷺ على بغلته البيضاء التى أهداها له فروة بن نفاثة الجذامى كذا فى رواية البراء بن عازب وكذا قاله السهيلى* وفى رواية كان مركبه يومئذ الدلدل كما مرّ وكان ينطلق من خلفهم ويقول يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله* وفى رواية الىّ أيها الناس* وفى الاكتفاء انطلق الناس الى أن بقى مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته على بن أبى طالب والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه جعفر والفضل بن عباس وفى رواية وقثم بن عباس بدل ابن أبى سفيان انتهى وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد قتل يومئذ بين يدى رسول الله ﷺ كذا فى معالم التنزيل* وفى رواية وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وعقيل بن أبى طالب* وفى رواية ثبت مع رسول الله ﷺ جماعة فى كمية عددهم وتعيين أشخاصهم وردت روايات مختلفة* ففى رواية الكلبى كان حول رسول الله ﷺ ثلثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس كذا فى معالم التنزيل* وفى رواية لم يبلغوا مائة وفى رواية ثمانون وفى رواية اثنا عشر وفى رواية عشرة* وفى رواية لم يبق معه الا أربعة ثلاثة من بنى هاشم علىّ والعباس وأبو سفيان بن الحارث وواحد من غيرهم وهو عبد الله بن مسعود فعلىّ والعباس يحفظانه من قبل وجهه وأبو سفيان بن الحارث آخذ بعنان بغلته وعبد الله بن مسعود يحفظه من جانبه الا يسر وكان كل من يقبل اليه ﷺ يقتل البتة* وفى رواية بقى رسول الله ﷺ وحده فلعلّ هذه الرواية كناية عن غاية القلة أو محمولة على أوّل الحال وبعد ذلك اجتمعوا اليه* وفى معالم التنزيل ولما تلاقوا اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم المشركون وجلوا عن الذرارى ثم نادوا يا حماة السوء اذكروا الفضائح فتراجعوا وانكشف المسلمون وانهزموا* وفى الاكتفاء كان رجل من هوازن على جمل له أحمر وبيده راية سوداء فى رأس رمح طويل امام هوازن وهم خلفه اذا أدرك طعن برمحه واذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه فبينما ذلك الرجل يصنع ما يصنع اذ هوى له علىّ ابن أبى طالب ورجل من الانصار يريد انه فأتى علىّ من خلفه فضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه فوثب الانصارى على الرجل فضربه ضربة أطنّ قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله قال ابن اسحاق فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما فى أنفسهم من الضغن فقال أحدهم وهو أبو سفيان بن حرب لا تنتهى عزيمتهم دون البحر وانّ الازلام لمعه فى كنانته* وفى رواية قيل لما انهزم المسلمون فى أوّل القتال استبشر أبو سفيان وقال غلبت والله هوازن لا يردّهم شئ الا البحر وكان أبو سفيان أسلم يوم الفتح لكن لم يتصلب فيه بعد وكان هو وابنه معاوية يومئذ من المؤلفة قلوبهم وبعد ذلك حسن اسلامهما ولذا استبشر أبو سفيان وقال غلبت والله هوازن فردّ عليه قوله صفوان بن أمية الجمحى وهو يومئذ مشرك فى المدّة التى جعل له رسول الله ﷺ وقال بفيك الكثكث أى الحجارة والتراب لأن يرينى رجل من قريش أحب الىّ أن يربنى رجل من هوازن أراد صفوان برجل من قريش النبىّ ﷺ وبرجل من هوازن رئيسهم مالك بن عوف كذا قاله الشريف الجرحانى فى حاشية الكشاف* وفى الاكتفاء وصرخ آخر منهم ألابطل السحر اليوم قيل قائله كلدة بن حسل وهو أخو صفوان بن أمية لأمه كذا فى سيرة ابن هشام وقال الاخر لصفوان ابشر فانّ محمدا وأصحابه قد انهزموا قال صفوان فى جواب كل منهم اسكت فض الله فاك فو الله لأن يرينى رجل من قريش أحب الىّ من أن يرينى رجل من هوازن ولما رأى رسول الله ﷺ تفرق أصحابه طفق يركض بغلته قبل الكفار وكان العباس بن عبد المطلب آخذا بلجام بغلته ارادة أن لا تسرع وأبو سفيان بن الحارث آخذا بركابه الايمن* وفى رواية انّ العباس

стр. 612

آخذ بركابه الايمن وأبو سفيان بالايسر يكفانها ارادة أن لا تسرع وهو يقول* أنا النبىّ لا كذب** أنا ابن عبد المطلب* وفى معالم التنزيل وأبو سفيان يقود به بغلته فنزل واستنصر وقال * أنا النبىّ لا كذب* أنا ابن عبد المطلب* وهذا يدل على كمال شجاعته وتمام صولته وقوّته ﷺ اذ فى هذا اليوم الشديد اختار ركوب البغلة التى ليس لها كر ولا فرّ كما يكون للفرس ومع ذلك توجه وحده نحو العدوّ ولم يخف صفته ونسبه وما هذا كله الا لوثوقه بالله وتوكله عليه وجعل ﷺ يقول للعباس ناديا معشر الانصار يا أصحاب السمرة يعنى الشجرة التى بايعوا تحتها بيعة الرضوان يوم الحديبية أن لا يفرّوا عنه ويا أصحاب سورة البقرة فجعل العباس ينادى تارة يا أصحاب السمرة وتارة يا أصحاب سورة البقرة وكان العباس رجلا صيتا* وفى الكشاف قال ﵇ للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين اصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتا* وفى رواية أنّ غارة اتتهم يوما فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته وزعمت رواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع فى جوفه انتهى ولما سمع المسلمون نداء العباس أقبلوا كأنهم الابل اذا حنت على أولادها* وفى رواية مسلم قال العباس فو الله كانت عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها يقولون يا لبيك يا لبيك أو لبيك لبيك* وفى رواية عطفة النحل على يعسو بها فتراجعوا على رسول الله ﷺ حتى ان الرجل منهم اذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه* وفى الاكتفاء فيذهب الرجل ليثنى بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها على عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله ويؤم الصوت حتى ينتهى الى رسول الله ﷺ انتهى* فثاب اليه من كان انهزم أوّلا من المسلمين حتى اذا اجتمع عنده مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا فأشرف رسول الله ﷺ على بغلته فى ركابه فنظر الى مجتلد القوم وقتالهم كالمتطاول عليها فقال الان حمى الوطيس وهو التنور يخبز فيه يضرب مثلا لشدّة الحرب التى يشبه حرّها حرّه وهذه من فصيح الكلام الذى لم يسمع مثله قبل النبىّ ﷺ قال جابر بن عبد الله فى حديثه اجتلد الناس فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ قال فالتفت رسول الله ﷺ الى أبى سفيان بن الحارث وكان قد حسن اسلامه وكان ممن صبر معه يومئذ وهو آخذ شفير بغلته فقال من هذا قال أنا ابن عمك يا رسول الله وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار وكان أبوه قد قتل يوم أحد قلت اليوم أدرك ثارى اليوم أقتل محمدا قال فأردت برسول الله ﷺ لا قتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذلك وعلمت انى ممنوع منه وفى سيرة ابن هشام انه ممنوع منى* وذكر ابن أبى خيثمة حديث شيبة هذا قال لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين أعرى فذكرت أبى وعمى قتلهما حمزة قلت اليوم أدرك ثارى فى محمد فجئته عن يمينه فاذا أنا بالعباس قائما عن يمينه عليه درع بيضاء قلت عمه لن يخذ له فجئته عن يساره فاذا أنا بأبى سفيان بن الحارث قلت ابن عمه لن يخذ له فجئته من خلفه فدنوت منه حتى لم يبق الا أن أسور سورة بالسيف فرفع الىّ شواظ من نار كأنه البرق فنكصت على عقبى القهقرى فالتفت رسول الله ﷺ فقال يا شيبة أدن فدنوت فوضع يده على صدرى فاستخرج الله الشيطان من قلبى فرفعت اليه بصرى فهو أحب الىّ من سمعى وبصرى فقال لى يا شيبة هكذا قاتل الكفار فقاتلت معه ﷺ * وفى الصفوة عن شيبة بن عثمان بن أبى طلحة الحجبى أنه قال لما كان عام الفتح دخل النبىّ ﷺ مكة عنوة قلت أسير مع قريش الى

стр. 613

هوازن بحنين فعسى ان اختلطوا أن أصيب من محمد غرّة فأثار منه فأكون أنا الذى قمت بثار قريش كلها وأقول لو لم يبق من العرب والعجم أحد الا اتبع محمدا ما اتبعته أبدا فلما اختلط الناس واقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته أصلت السيف فدنوت منه أريد منه ما أريد فرفعت سيفى فرفع لى شواظ من نار كالبرق حتى كاد يمتحشنى فوضعت يدى على بصرى خوفا عليه فالتفت الىّ رسول الله ﷺ فنادى يا شيبة ادن منى فدنوت منه فمسح صدرى وقال اللهم أعذه من الشيطان فو الله فهو كان ساعتئذ أحب الىّ من سمعى وبصرى وأذهب الله ما كان عندى ثم قال ادن فقاتل فتقدّمت بين يديه ولو لقيت تلك الساعة أبى أو كان جبلا أوقعت به السيف فلما تراجع المسلمون وكروا كرة رجل واحد قربت بغلته ﷺ فاستوى عليها فخرج فى أثرهم حتى تفرقوا فى كل وجه ورجع معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه فقال يا شيبة الذى أراده الله بك خير مما أردت لنفسك ثم حدّثنى بكل ما أضمرت فى نفسى مما لم أكن أذكره لاحد قط قلت أشهد أن لا اله الا الله وأشهد انك رسول الله وقلت استغفر لى فقال غفر الله لك* وروى ان النبىّ ﷺ تناول حصيات من الارض ثم قال شاهت الوجوه أى قبحت ورمى بها فى وجوه المشركين فما كان انسان منهم الا وقد امتلأت عيناه من تلك القبضة التراب وكذا عن سلمة بن الاكوع وقيل انه أخذ تلك القبضة بأمر جبريل ﵇* وفى رواية مسلم انها قبضة من تراب من الارض فيحتمل أن يكون رمى بهذه مرّة وبالاخرى أخرى ويحتمل أن تكون قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب ولاحمد وأبى داود والدارمى من حديث أبى عبد الرحمن الفهرى فى قصة حنين قال فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فقال رسول الله ﷺ أنا عبد الله ورسوله ثم اقتحم عن مركبه فأخذ كفا من تراب قال فأخبرنى الذى كان أدنى اليه منى أنه ضرب وجوههم فهزمهم الله تعالى قال يعلى بن عطاء رواية عن أبى همام عن أبى عبد الرحمن الفهرى فحدّثنى أبناؤهم عن آبائهم انهم قالوا لم يبق منا أحد الا امتلأت عيناه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة من السماء كامرار الحديد على الطست الجديد بالجيم المعجمة من قبيل امرأة قتيل* ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود فحادت به رسول الله ﷺ بغلته فمال السرج فقلت ارتفع يرحمك الله فقال ناولنى كفا من تراب فضرب فى وجوههم وامتلأت أعينهم ترابا وجاء المهاجرون والانصار وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب فولى المشركون الادبار كذا فى المواهب اللدنية وفى معجم الطبرانى الاوسط قال لما انهزم المسلمون يوم حنين ورسول الله ﷺ على بغلته الشهباء يقال لها الدلدل فقال لها رسول الله ﷺ دلدل البدى فألصقت بطنها بالارض حتى أخذ النبىّ ﷺ حفنة من تراب فرمى بها فى وجوههم وقال حم لا ينصرون فانهزم القوم كما قال الله تعالى وما رميت اذ رميت ولكنّ الله رمى فما رموا بسهم ولا طعنوا برمح ولا ضربوا بسيف فهزمهم الله* وفى حياة الحيوان أن النبىّ ﷺ قال يوم حنين لعمه العباس ناولنى من البطحاء فأفقه الله البغلة كلامه فانخفضت به الى الارض حتى كاد بطنها يمس الارض فتناول ﷺ كفا من الحصباء فنفخ فى وجوه الكفار وقال شاهت الوجوه حم لا ينصرون وقال انهزموا ورب محمد وفى رواية قال اللهمّ أنشدك وعدك لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا وفى رواية اللهمّ انجزلى ما وعدتنى وفى رواية اللهمّ لك الحمد ولك المشتكى وأنت المستعان فقال له جبريل يا محمد أنت اليوم لقنت بكلمات لقن بها موسى يوم فلق البحر لبنى اسرائيل* وفى الاكتفاء وذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ لما غشيه القتال قام يومئذ فى المركلتين وهو على البغلة ويقولون نزل ورفع يديه الى الله يدعوه يقول اللهم انى أنشدك ما وعدتنى اللهمّ لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا ونادى أصحابه فذكرهم

стр. 614

يا أصحاب البيعة يوم الحديبية يا أصحاب سورة البقرة يا أنصار الله وأنصار رسوله يا بنى الخزرج وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها فى وجوه المشركين ونواحيهم كلها وقال شاهت الوجوه فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم فيها رسول الله ﷺ واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم وابلهم وفرّ مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف فى ناس من أشراف قومه وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة وغيرهم حين رأوا نصرة الله لرسوله واعزاز دينه وهزيمة القوم فالتفت رسول الله ﷺ يومئذ فرأى أمّ سليم بنت ملحان وكانت مع زوجها أبى طلحة وهى حازمة وسطها ببردتها وانها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة ومعها جمل أبى طلحة وقد خشيت أن يغرها فأذنت رأسه منها وأدخلت يده فى خزامه مع الخطام فقال رسول الله ﷺ أمّ سليم قالت نعم يا نبىّ الله بأبى أنت وأمى يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فانهم لذلك أهل فقال رسول الله ﷺ أو يكفى الله يا أم سليم كذا فى الاكتفاء قال ومعها خنجر فقال لها أبو طلحة ما هذا الخنجر معك يا أمّ سليم قالت خنجر اخذته اذا دنا منى أحد من المشركين بعجته به قال يقول أبو طلحة ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أمّ سليم الرمصاء كذا فى سيرة ابن هشام* وفى المواهب اللدنية روى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عبد الرحمن عن رجل كان فى المشركين قال لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا مقدار حلب شاة فلما لقيناهم جعلنا نسوقهم فى آثارهم حتى انتهينا الى صاحب البغلة البيضاء فاذا هو رسول الله ﷺ قال فتلقتنا عنده رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا قال فانهزمنا وركبوا أكتافنا انتهى* ولما اجتمع عند النبىّ ﷺ زها مائة رجل وشرعوا فى القتال لم تلبث هوازن مقدار حلب شاة أو حلب ناقة الا انهزموا* وعن جبير بن مطعم رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل النجاد الاسود نزل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم فنظرت فاذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادى لم أشك انها الملائكة فلم تكن الا هزيمة القوم كذا فى حياة الحيوان* وفى الاكتفاء عن سعيد بن جبير أنه قال أمدّ الله نبيه يومئذ بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين* وروى ان رجلا من المشركين من بنى النضير يقال له شمرة قال للمؤمنين بعد القتال أين الخيل البلق والرجال الذين عليهم ثياب بيض ما نراكم فيهم الا كهيئة الشامة وما كان قتلنا الا بأيديهم فأخبروا بذلك رسول ﷺ قال تلك الملائكة* وروى عن مالك بن أوس أنه قال ان نفرا من قومى حضروا معركة حنين قد حكوا ان رسول الله ﷺ لما رمى تلك القبضة من الحصى لم تبق عين أحد منا الا وقعت فيها الحصاة وأخذ قلوبنا الخفقان ورأينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض وعليهم عمائم حمر قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم وما كنا نقدر أن ننظر اليهم من الرعب وما خيل الينا الا ان كل شجر وحجر فارس يطلبنا* وفى سيرة الدمياطى كانت سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر أرخوا أطرافها بين أكتافهم* وفى البخارى عن البراء وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين فقال لكن رسول الله ﷺ لم يفر كان هوازن رماة وانا لما حملنا عليهم انكشفوا فانكببنا على المغانم فاستقبلتنا بالسهام ولقد رأيت النبىّ ﷺ على بغلته البيضاء وان أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول* أنا النبىّ لا كذب* أنا ابن عبد المطلب* وبهاتين الغزاتين أعنى حنينا وبدرا قاتلت الملائكة بأنفسها مع المسلمين ورمى رسول الله ﷺ وجوه الكفار بالحصاة فيهما* وعن أبى قتادة قال لما كان يوم حنين نظرت الى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين

стр. 615

يختله من ورائه ليقتله فأسرعت الى الذى يختله فرفع يده ليضربنى فضربت يده فقطعتها وعبارة الاكتفاء قال أبو قتادة رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان مسلما وكافرا فاذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقنى بيده الآخرى فو الله ما أرسلنى حتى وجدت ريح الدم ويروى ريح الموت فلولا ان الدم نزفه لقتلنى فسقط فضربته فقتلته وأجهضنى عنه القتال انتهى* وفى رواية عنه فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل علىّ فضمنى ضمة وجدت ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلنى* وفى رواية ثم نزف فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فاذا عمر بن الخطاب فى الناس فقلت له ما شأن الناس فقال أمر الله* ثم تراجع الناس الى رسول الله ﷺ فلما وضعت الحرب أو زارها وفرغنا من القوم قال رسول الله ﷺ من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه* وفى الاكتفاء من قتل قتيلا فله سلبه* وفى رواية من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه قمت لالتمس بينة على قتيلى فلم أر أحدا يشهد فجلست ثم بدا لى فذكرت لرسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله لقد قتلت قتيلا ذا سلب فأجهضتى عنه القتال فما أدرى من استلبه فقال رجل من جلسائه من أهل مكة سلاح هذا القتيل الذى تذكره عندى فأرضه عنه* وفى الاكتفاء فقال رجل من أهل مكة صدق يا رسول الله فأرضه عنى من سلبه قال أبو بكر كلا يعطيه أضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله والا ضيبع تصغير الضبع كذا فى حياة الحيوان فقال النبىّ ﷺ صدق أبو بكر فأعطه فأعطانيه فاشتريت مخرفا فى بنى سلمة وانه لاوّل مال تأثلته فى الاسلام* وفى الاكتفاء قال أبو بكر لا والله لا يرضيه منه تعمد الى اسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه أردد عليه سلب قتيله فقال رسول الله ﷺ أردد عليه سلبه قال أبو قتادة فأخذته منه وبعته فاشتريت بثمنه مخرفا فانه لاوّل مال اعتقرته وعن أنس قتل أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلا وأخذ سلبهم* وفى الشفاء وسلت رسول الله ﷺ الدم عن وجه عائذ بن عمرو وكان جرح يوم حنين ودعا له وكانت له غرّة كغرّة الفرس وروى ان النبىّ ﷺ مرّ يومئذ بامرأة قتلت فازدحم الناس عليها فسأل عنها فقالوا له هى امرأة من الكفار قد قتلها خالد بن الوليد فبعث الى خالد ونهاه عن قتل المرأة والطفل والاجير* وفى الاكتفاء لما انهزمت هوازن استمرّ القتل من ثقيف فى بنى مالك فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة ومعه كانت راية بنى مالك وكانت قبله مع ذى الخمار فلما قتل أخذها عثمان فقاتل بها حتى قتل فلما بلغ رسول الله ﷺ قتله قال أبعده الله فانه كان يبغض قريشا* وعن ابن اسحاق أنه قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصرانى أغرل قال فبينما رجل من الانصار يسلب قتلى ثقيف اذ كشف العبد يسلبه فوجده أغرل فصاح بأعلى صوته يا معشر العرب يعلم الله ان ثقيفا غرل قال المغيرة بن شعبة فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا فى العرب فقلت لا تقل كذا فداك أبى وأمى انه غلام لنا نصرانى قال ثم جعلت اكشف له القتل أقول ألا تراهم مختتنين كما ترى كذا فى سيرة ابن هشام* وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الاسود فلما انهزم الناس هرب هو وقومه من الاحلاف فلم يقتل منهم غير رجلين يقال لاحدهما وهب وللاخر الجلاح فقال رسول الله ﷺ حين بلغه قتل الجلاح قتل اليوم سيد شباب ثقيف الا ما كان ابن هنيدة يعنى الحارث بن أويس ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك فى نخلة من الناس

стр. 616

ولم تتبع من سلك الثنايا فأدرك ربيعة بن رفيع وهو غلام ويقال له ابن الدغنة وهى أمه غلبت على اسمه دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن انه امرأة وذلك انه كان فى شجار له فأناخ به فاذا شيخ كبير واذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام فقال له دريد ماذا تريد بى قال أقتلك قال من أنت قال انا ربيعة ابن رفيع السلمى ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال بئس ما سلحتك أمك خذ سيفى هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فانى كذلك كنت أضرب الرجال ثم اذا أتيت أمك فأخبرها انك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم منعت فيه نساءك فزعم بنو سليم ان ربيعة قال لما ضربته فوقع تكشف فاذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء فلما رجع ربيعة الى أمه أخبرها بقتله اياه فقالت أمه والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا كذا فى الاكتفاء* وفى رواية قتله الزبير بن العوّام قالت عمرة بنت دريد ترثى أباها قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا ... فظل دمعى على السربال ينحدر لولا الذى قهر الاقوام كلهمو ... رأت سليم وكعب كيف تأتمر قال ابن هشام ويقال اسم الذى قتل دريدا عبد الله بن قنيع بن اهبان بن ربيعة* سرية أبى عامر الاشعرى الى أوطاس وفى شوّال هذه السنة كانت سرية أبى عامر الاشعرى الى أوطاس وهو عمّ أبى موسى الاشعرى وقال ابن اسحاق ابن عمه والاوّل أشهر وأوطاس واد معروف فى ديار هوازن بين حنين والطائف* روى أنّ رسول الله ﷺ لما فرغ من حنين عقد لواء ودفعه الى ابى عامر الاشعرى وأمّره على جمع من الصحابة منهم أبو موسى الاشعرى وسلمة بن الاكوع والزبير بن العوّام وبعثه فى آثار من توجه قبل أوطاس من فرّار هوازن يوم حنين فأدرك بعض المنهزمين فناوشوه القتال فرمى أبو عامر بسهم فقتل فأخذ الراية أبو موسى الاشعرى ففتح الله عليه وهزمهم الله ويزعمون أنّ سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر وذكر ابن هشام عمن يثق به أنّ أبا عامر الاشعرى لقى يوم أوطاس عشرة اخوة من المشركين فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر ثم جعلوا يحملون عليه رجلا بعد رجل ويحمل أبو عامر ويقول ذلك حتى قتل تسعة وبقى العاشر فحمل على أبى عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقال الرجل اللهم لا تشهد علىّ فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد فحسن اسلامه فكان رسول الله ﷺ اذا رآه قال هذا شريد أبى عامر كذا فى الاكتفاء* وعن ابن اسحاق وغيره من أصحاب السير لما قال عاشر الاخوة اللهم لا تشهد علىّ أمسك عنه أبو عامر يظنّ أنه أسلم فقتل ذلك الرجل أبا عامر وبعد ذلك أسلم وحسن اسلامه وكان النبىّ ﷺ يقول له شريد أبى عامر* وعن أبى موسى الاشعرى أنه قال بعث رسول الله ﷺ أبا عامر الى أوطاس وبعثنى معه فلما لقينا العدوّ وقاتلناه رمى رجل من بنى جشم بسهم فى ركبة أبى عامر فأثبته فيها فانتهيت اليه أى عمّ من رماك فأشار الى رجل فقصدته ولحقته فلما رآنى ولى هاربا فتبعته وهو يهرب وجعلت أقول له ألا تستحيى ألا تثبت فكف عن الهرب فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته فرجعت ثم قلت لابى عامر قتل الله صاحبك الذى رماك بالسهم فقال لى انزع منى هذا السهم فنزعته من ركبته فخرج منه الماء أو قال الدم مثل الماء فلما رأى ذلك أبو عامر يئس من حياته وقال يا ابن أخى أقرئ النبىّ ﷺ منى السلام وقل له يستغفرلى واستخلفنى أبو عامر فمكث يسيرا ثم توفى رحمة الله عليه ووقع فتح أوطاس بيدى فرجعت ثم دخلت على النبىّ ﷺ فى بيته وهو على سرير مرمّل أى منسوج من ليف وما عليه فراش قد أثر رمال السرير فى ظهره وجنبيه فأخبرته بخبر أبى عامر وقوله قل له يستغفرلى فدعا بماء وتوضأ

стр. 617

وفى رواية صلى ركعتين ثم رفع يديه فرأيت بياض ابطيه وقال اللهم اغفر لعبيدك أبى عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك فقلت ولى فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما والتوفيق بين الروايتين أن يقال انّ الرجل الذى قاله محمد بن اسحاق لم يكن قاتلا حقيقيا لابى عامر بل كانت له شركة فى قتله والله أعلم* وذكر ابن هشام انه رمى أبا عامر يومئذ أخوان من بنى جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والاخر ركبته فقاتلاه وولى الناس أبو موسى الاشعرى فحمل عليهما فقتلهما وذكر ابن اسحاق ان القتل استحرّ فى بنى رباب وزعموا ان عبد الله بن قيس الذى يقال له العوراء وهو أحد بنى وهب بن رباب قال يا رسول الله هلكت بنو رباب فزعموا أنّ رسول الله ﷺ قال اللهم اجبر مصيبتهم وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف فى فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لاصحابه قفوا حتى تمضى ضعفاؤكم وتلحق أخراكم فوقف هنالك حتى مرّ من كان لحق بهم من منهزمة الناس* قال ابن هشام وبلغنى أنّ خيلا طلعت ومالكا وأصحابه على الثنية فقال لاصحابه ماذا ترون قالوا نرى أقواما عارضى رماحهم أغفالا على خيلهم قال هؤلاء الاوس والخزرج فلا بأس عليكم منهم فلما انتهوا الى أصل الثنية سلكوا طريق بنى سليم فقال لاصحابه ماذا ترون قالوا نرى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادّهم قال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم فلما سلموا سلكوا بطن الوادى ثم اطلع فارس فقال لاصحابه ماذا ترون قالوا نرى فارسا طويل البادّوا ضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء قال هذا الزبير بن العوّام وأحلف باللات والعزى ليخالطنكم فاثبتوا له فلما انتهى الزبير الى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها* وروى أنّ المسلمين قد كانوا أخذوا سبايا يوم حنين وأوطاس وكانوا يستكرهون نساء السبى اذ كنّ ذوات أزواج فاستفتوا فى ذلك رسول الله ﷺ فنزلت هذه الاية وهى والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم يريد ما ملكت أيمانهم من اللاتى سبين ولهنّ أزواج كفار فهنّ حلال للسابين والنكاح مرتفع بالسبى لقول أبى سعيد رضى الله عنه أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهنّ أزواج فكرهنا أن نقع عليهنّ فسألنا النبىّ ﷺ فنزلت هذه الاية فاستحللناهنّ واياه عنى الفرزدق بقوله وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يا بنى بها لم تطلق وقال أبو حنيفة ﵀ لو سبى الزوجان لم يرتفع النكاح ولم يحلّ للسابى كذا فى أنوار التنزيل وأمر النبىّ ﷺ فى سبايا حنين وأوطاس لا توطأ حامل من السبى حتى تضع حملها ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة فسألوا عن العزل قال ليس من كل الماء يكون الولد واذا أراد الله أن يخلق شيئا لم يمنعه شئ* وفى الاكتفاء قال رسول الله ﷺ يومئذ ان قدرتم على بجاد رجل من بنى سعد بن بكر فلا يفلتنكم وكان قد أحدث حدثا فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء ابنة الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة فعنفوا عليها فى السياق فقالت للمسلمين اعلموا أنى أخت صاحبكم من الرضاعة فلم يصدّقوها حتى أتوابها الى النبىّ ﷺ فقالت يا رسول الله انى أختك قال وما علامة ذلك قالت عضة عضضتنيها فى ظهرى وأنا متورّكتك فعرف رسول الله ﷺ العلامة فبسط لها رداءه وأجلسها عليه* وفى رواية ودمعت عيناه وخيرها وقال ان أحببت فأقيمى عندى محبة مكرمة وان أحببت أن أمتعك وترجعى انى قومك فعلت فقالت بل تمتعنى وتردّنى الى قومى فأسلمت فمتعها رسول الله ﷺ وردّها الى قومها فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوّجت الغلام

стр. 618

للجارية فلم يزل فيهم من نسلهما بقية* وفى المواهب اللدنية روى أنّ خيلا لرسول الله ﷺ أغارت على هوازن فأخذوها فى جملة السبى* وفى رواية أعطاها ثلاثة أعبد وجارية وبعيرين وشاء ذكره ابو عمرو وابن قتيبة وسماها حذافة ولقبها بشيماء فانصرفت الى أهلها* وفى المواهب اللدنية جاءته يوم حنين أمّه من الرضاع وهى حليمة السعدية بنت أبى ذؤيب من هوازن وهى التى أرضعته حتى أكملت رضاعه فقام اليها وبسط رداءه لها فجلست عليه واختلف فى اسلامها واسلام زوجها كما اختلف فى اسلام ثويبة* وفى الاكتفاء وأنزل الله ﵎ فى يوم حنين لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين اذ أعجبتكم كثرتكم الى قوله جزاء الكافرين واستشهد من المسلمين يوم حنين أربعة فمن قريش من بنى هاشم أيمن بن عبيد مولاهم ومن بنى أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب جمح به فرس له يقال له الجناح فقتله ومن الانصار سراقة بن الحارث العجلانى ومن الاشعريين أبو عامر الاشعرى وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا كذا فى المواهب اللدنية* وفى الاكتفاء ثم جمعت الى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها فأمر بها الى الجعرانة فحبست بها حتى أدركها هناك منصرفه عن الطائف على ما يذكر بعد ان شاء الله تعالى * سرية الطفيل بن عامر الى ذى الكفين وفى شوّال هذه السنة كانت سرية الطفيل بن عمرو الدوسى الى ذى الكفين وهو صنم من خشب كان لعمرو بن حممة ولما أراد النبىّ ﷺ السير الى الطائف بعث الطفيل اليه ليهدمه ويوافيه بالطائف فخرج الطفيل سريعا فهدمه وجعل يحش النار ويحرقه ويقول يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا انى حشيت النار فى فؤادكا وانحدر معه من قومه أربعمائة رجل سراعا فوافوا النبىّ ﷺ بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام وقدموا معهم المنجنيق والدبابة بالدال المهملة وتشديد الباء الموحدة وهى آلة تتخذ للحرب تدفع فى أصل الحصن فينقبونه وهم فى جوفها كذا فى القاموس وعند مغلطاى وقدم معه أربعة مسلمون كذا فى المواهب اللدنية* غزوة الطائف وفى شوّال هذه السنة كانت غزوة الطائف وفى معجم ما استعجم الطائف التى بالغور لثقيف وانما سميت بالحائط الذى بنوا حواليها وأطافوا بها تحصينا لهم* وفى المواهب اللدنية الطائف بلد كبير على ثلاث مراحل أو مرحلتين من مكة من جهة المشرق كثير الاعناب والفواكه وقيل انّ أصلها أنّ جبريل ﵇ اقتلع الجنة التى كانت لاهل الصريم باليمن وقيل كان اسمها صراون وقيل حرد* وفى أنوار التنزيل يريد بستانا كان دون صنعاء بفرسخين وكان لرجل صالح انتهى* وفى المواهب اللدنية اقتلعها جبريل وسار بها الى مكة فطاف بها حول البيت ثم أنزلها حيث الطائف فسمى الموضع بها وكانت أوّلا بنواحى صنعاء واسم الارض وج بتشديد الجيم* وفى زبدة الاعمال عن سائب بن يسار قال سمعت ولد رافع بن جبير وغيره يذكرون انهم سمعوا انه لما دعا ابراهيم ﵇ لاهل مكة أن يرزقوا من الثمرات نقل الله تعالى بقعة الطائف من الشام فوضعها هناك رزقا للحرم* روى عن النبىّ ﷺ وج على ترعة من ترع الجنة الترعة ممرّ الماء الى الاسفل كما انّ التلعة ممرّ الماء الى الاعلى كذا نقل عن الزمخشرى* وفى الصحاح الترعة بالضمّ الباب* وفى الحديث انّ منبرى هذا على ترعة من ترع الجنة ويقال الترعة الروضة ويقال الدرجة وقيل الترعة أفواه الجداول* وفى الفائق ما روى فى الحديث من ترع الحوض والاصل فى هذا البناء الترع وهو الاسراع والنزوّ الى الشرّ يقال يتترّع الينا أى يتسرّع ويتنزى الى شرّنا ثم قيل كوز مترع وجفنة مترعة لان الاناء اذا امتلأ سارع الى السيلان ثم قيل لمفتح الماء الى الحوض ترعة وشبه به الباب وأمّا الترعة بمعنى الروضة على المرتفع والدرجة فمن النزوّ لان فيه معنى الارتفاع* وروى عن شيخ الخدّام للضريح

стр. 619

النبوى المعروف ببدر الدين الشهابى بلغه أنّ ميضأة وقعت فى عين الازرق فى الطائف فخرجت بعين الازرق بمدينة النبىّ ﷺ وفى كون وج حرما اختلاف فعند أبى حنيفة انه ليس بحرم وعند الشافعى ومالك انه حرم كمكة والمدينة* قال صاحب الوجيز ورد النهى عن صيد وج الطائف وقطع نباتها وهو نهى كراهة يوجب تأديبا لا ضمانا* وسئل محمد بن عمر القسطلانى امام المالكية ومفتيها هل رأيت فى مذهب مالك مسئلة فى صيدوج فقال لا أعرفها ولا يسعنى أن أفتى بتحريم صيدها لان الحديث ليس من الاحاديث التى ينبنى عليها التحريم والتحليل* قال أصحاب السير لما فتح رسول الله ﷺ حنينا لعشر أو لاحد عشر من شوّال وهو من أشهر السنة الثامنة من الهجرة خرج الى الطائف يريد جمعا من هوازن وثقيف قد هربوا من معركة حنين وتحصنوا بحصن الطائف وقدّم خالد بن الوليد فى ألف رجل على مقدمته طليعة ومرّ فى طريقه بقبر أبى رغال وهو أبو ثقيف فيما يقال فاستخرج منه غصنا من ذهب وقد كان فلّ ثقيف لما قدموا الطائف دخلوا حصنهم وهو حصن الطائف ورمّوه وأدخلوا فيه من الزاد وغيره من جميع ما يصلحهم لسنة ثم رتبوا عليه المجانيق وأدخلوا فيه الرماة وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم وتهيؤا للقتال* وفى الاكتفاء ولم يشهد حنينا ولا الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدباب والمجانيق والضبور ثم سار رسول الله ﷺ الى الطائف حين فرغ من حنين وسلك على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم المليح ثم بحرة الرغا من لية فابتنى بها مسجدا فصلى فيه وأقاد فيها يومئذ بدم رجل من هذيل قتله رجل من بنى ليث فقتله به وهو أوّل دم أقيد به فى الاسلام ومر فى طريقه بحصن مالك بن عوف فهدمه ثم سلك فى طريق فسأل عن اسمها فقيل له الضيقة فقال بل هى اليسرى ثم خرج منها حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف فأرسل اليه رسول الله ﷺ امّا أن تخرج وامّا أن تخرب عليك حائطك فأبى أن يخرج فأمر باخرابه ثم مضى حتى انتهى الى الطائف فنزل قريبا من حصنه فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل رشقهم أهل الحصن رشقا وأصيب ناس من المسلمين* وفى المواهب اللدنية فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحته وقتل منهم اثنا عشر رجلا فيهم عبد الله بن ابى أمية* ورمى عبد الله ابن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه يومئذ بجرح رماه أبو محجن الثقفى فاندمل ثم نقض عليه بعد ذلك فمات فى خلافة أبيه وذلك أنّ العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم أغلقوه دونهم فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل ارتفع النبىّ ﷺ الى موضع مسجده الدى فى الطائف اليوم ووضع عسكره هناك فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة وقيل بضع عشرة ليلة ومعه امرأتان من نسائه أمّ سلمة وزينب فضرب لهما قبتين ثم صلى بينهما طول خصاره الطائف فلما أسلمت ثقيف بنى عمرو بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك على مصلاه ذلك مسجد او كانت فيه سارية فيما يزعمون لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر الا سمع لها نضيض فحاصرهم رسول الله ﷺ وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل ونصب عليهم المنجنيق ورماهم به فيما ذكر ابن هشام قال وهو أوّل منجنيق رمى به فى الاسلام اذ ذاك وكان قدم به الطفيل الدوسى معه لما رجع من سرية ذى الكفين* وفى المنتقى عن مكحول أنّ رسول الله ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما حتى اذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة ثمّ زحفوا بها الى جدار الطائف ليخرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سلك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم بالنبل فقتلوا منهم رجلا ثم أمر النبىّ صلى

стр. 620

الله عليه وسلم يقطع أعناب ثقيف وتحريقها فوقع الناس فيها يقطعون قطعا ذريعا ثم سألوه أن يدعها لله وللرّحم فقال ﵇ انى أدعها لله وللرّحم* وفى الاكتفاء وتقدّم أبو سفيان بن حرب والمغيرة ابن شعبة الى الطائف فناديا ثقيفا أن أمّنونا حتى نكلمكم فأمّنوهما فدعوا نساء من نساء قريش وبنى كنانة منهنّ آمنة بنت أبى سفيان كانت عند عروة بن مسعود فولد له منها داود بن عروة* قال ابن هشام ويقال أم داود وميمونة بنت أبى سفيان كانت عند مرّة بن عروة بن مسعود فولدت له داود بن مرّة ليخرجنّ اليهما وهما يخافان عليهما السبى فأبين فلما أبين قال لهما الاسود بن مسعود يا أبا سفيان ويا مغيرة ألا أدلكما على خير مما جئتما له انّ مال بنى الاسود حيث علمتما وكان ﷺ نازلا بينه وبين الطائف بواد يقال له العقيق انه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشدّ مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بنى الاسود وانّ محمدا ان قطعه لم يعمر أبدا فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرّحم فانّ بيننا وبينه من القرابة مالا يجهل فزعموا أنّ رسول الله ﷺ تركه لهم* وفى المواهب اللدنية ثم نادى مناديه ﵇ أيما عبد نزل من الحصن وخرج الينا فهو حرّ* قال الدمياطى فخرج منهم بضع عشرة وأسلموا فيهم أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث تسوّر حصن الطائف فى أناس وتدلى منه ببكرة بفتح الباء خشبة مستديرة فى وسطها محز يستقى عليها كذا فى القاموس فكناه رسول الله ﷺ أبا بكرة وعند مغلطاى ثلاثة وعشرون عبدا وكذا فى البخارى وأعتق رسول الله ﷺ من نزل منهم ودفع كل رجل منهم الى رجل من المسلمين يمونه فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة فلما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم فى أولئك العبيد فقال رسول الله ﷺ لا أولئك عتقاء الله* وعن أمّ سلمة أنها قالت دخل النبىّ ﷺ خيمتها فى أيام محاصرة الطائف وعندها أخوها عبد الله بن أبى أمية ومخنث يقول يا عبد الله ان فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فانها تقبل بأربع وتدبر بثمان كناية عن سمنها يعنى بأربع عكن فى بطنها لكل عكنة طرفان فيكون ثمان من خلفها فلما سمعه النبىّ ﷺ قال لا يدخل هؤلاء عليكنّ ولم يؤذن للنبىّ ﷺ فى فتح الطائف سنتئذ* وفى الاكتفاء قال رسول الله ﷺ فيما ذكر لابى بكر الصدّيق رضى الله عنه وهو محاصر ثقيفا يا أبا بكر انى رأيت أن أهديت لى قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها وكان أبو بكر ماهرا فى تعبير الرؤيا مشهورا بين العرب فقال ما أظنّ انك تدرك منهم يومك هذا ما تريد فقال رسول الله ﷺ وانا لا أرى ذلك ثم ان خويلة بنت حكيم السلمية امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله أعطنى ان فتح الله عليك الطائف حلى بادية ابنة غيلان أو حلى الفارعة ابنة عقيل وكانتا من أحلى نساء ثقيف فذكر أن رسول الله ﷺ قال لها وان كان لم يؤذن فى ثقيف يا خويلة فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فدخل عمر رضى الله عنه على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ما حديث حدّثتنيه خويلة زعمت انك قلته قال قد قلته قال أو ما أذن فيهم يا رسول الله قال لا قال أفلا أوذن بالرحيل قال بلى فاذن عمر بالرحيل فلما استقبل الناس نادى سعيد ابن عبيد ألا انّ الحى مقيم يقول عيينة بن حصن أجل والله مجدة كراما فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة تمدح المشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصره قال والله انى جئت لا قاتل ثقيفا معكم ولكنى أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أطأها لعلها تلد لى رجلا فان ثقيفا قوم مناكير انتهى* وفى رواية فلما آذن عمر بالرحيل ضج الناس من ذلك وقالوا نرحل ولم يفتح علينا الطائف فقال ﵇ فاغدوا على القتال فغدوا فأصاب المسلمين

стр. 621

جراحات وفقئت يومئذ عين أبى سفيان بن حرب فذكر ابن سعد أن النبىّ ﷺ قال له وهى فى يده أيما أحب اليك عين فى الجنة أو أدعو الله تعالى أن يردّها عليك قال له بل عين فى الجنة ورمى بها وشهد اليرموك فقتل وفقئت عينه الآخرى يومئذ ذكره الحافظ زين الدين العراقى فى شرح التقريب كذا فى المواهب اللدنية* ثم قال رسول الله ﷺ انا قافلون ان شاء الله فسرّوا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك واستشهد من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وأربعة من الانصار ورجل من بنى ليث اما الذين من قريش فمن بنى أمية بن عبد شمس سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية وعرفطة بن حباب حليف لهم من الاسد بن غوث* قال ابن هشام ويقال ابن خباب قال ابن اسحاق ومن تيم بن مرّة عبد الله بن أبى بكر الصدّيق رمى بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ ومن بنى مخزوم عبد الله بن أمية بن المغيرة من رمية رميها يومئذ ومن بنى عدى بن كعب عبد الله بن عامر بن ربيعة حليف لهم ومن بنى سهم بن عمرو السائب بن الحارث ابن قيس بن عدى واخوه عبد الله بن الحارث ومن بنى سعد بن ليث جليحة بن عبد الله وأمّا الذين هم من الانصار فمن بنى سلمة سالم بن الجذع ومن بنى مازن بن النجار الحارث بن سهيل بن أبى صعصعة ومن بنى ساعدة المنذر بن عبد الله ومن الاوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية ثم انصرف رسول الله ﷺ عن الطائف قال رسول الله ﷺ لاصحابه قولوا لا اله الا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده فلما ارتحلوا قال قولوا آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ولما قيل له يوم ظعن عن ثقيف يا رسول الله ادع على ثقيف قال اللهمّ اهد ثقيفا وائت بهم وكان النبىّ ﷺ أمر أن يجمع السبى والغنائم مما أفاء الله عليه يوم حنين فجمع ذلك كله الى الجعرانة وكان بها الى أن انصرف من الطائف من غير فتح وفى تاريخ اليافعى أسلم أهل الطائف فى العام القابل لا فى عام المحاصرة فرجع ﷺ مارا على دحناء ثم على قرن المنازل ثم على نخلة حتى خرح الى الجعرانة ونزلها وهى بين الطائف ومكة وهى الى مكة أدنى وبها قسم غنائم حنين ومنها أحرم لعمرته فى جهته تلك* وفى هذه السنة أسلم صفوان بن أمية الجمحى وقد مرّت كيفية اسلامه* وفى خلاصة السير أنه ﷺ كان فى غزوة الطائف فبينما هو يسير ليلا بواد بقرب الطائف اذ غشى سدرة فى سواد الليل وهو فى سنة النوم فانفرجت السدرة له نصفين فمرّ بين نصفيها وبقيت منفرجة على حالتها فأتى الجعرانة لخمس ليال خلون من ذى القعدة فأقام بها ثلاثة عشر يوما وسيجىء واستأنى ﷺ بهوازن أى تربص بهم وانتظرهم أن يقدموا عليه مسلمين ثم أتاه وفد من هوازن من أهل الطائف ولحقوا به بالجعرانة فأسلموا وقد كان المسلمون جمعوا بها غنائم حنين وما حصل من أوطاس والطائف فقسمها على الناس وذلك ستة آلاف من الذرارى والنساء وأربعة وعشرون ألفا من الابل وأربعة آلاف أوقية من الفضة وأكثر من أربعين ألفا من الغنم* وفى الاكتفاء ومن الابل والشاء ما لا يدرى عدّتهم قيل قدمت هوازن فقالوا يا رسول الله انا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا منّ الله عليك وقام رجل منهم من سعد بن بكر يقال له زهير يكنى بأبى صرد فقال يا رسول الله انما فى لحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك ولو أنا ملكنا للحارث بن أبى شمر وللنعمان بن المنذر ثم نزلا منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين* ثم أنشأ أبياتا منها قوله أمنن علينا رسول الله فى كرم ... فانك المرء نرجوه وننتظر

стр. 622

أمنن على بيضة قد عاقها قدر ... مفروقة شملها فى دهرها غير أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وفوك تملأه من مخضها الدرر اذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... واذ يزينك ما تأتى وما تذر فقال رسول الله ﷺ نساؤكم وأبناؤكم أحب اليكم أم أموالكم فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين أموالنا واحسابنا بل تردّ الينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب الينا فقال لهم رسول الله ﷺ أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم فاذا انا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا انا نستشفع برسول الله الى المسلمين وبالمسلمين الى رسول الله فى أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك واسأل لكم فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر قاموا اليه فتكلموا بالذى أمرهم به فقال رسول الله ﷺ أماما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وقالت الانصار وما كان لنا فهو لرسول الله فقال الاقرع بن حابس أمّا أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة بن حصن امّا أنا وبنو فزارة فلا وقال العباس بن مرداس اما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ فقال العباس بهتمونى فقال رسول الله ﷺ أمّا من تمسك منكم بماله من هذا السبى فله بكل انسان ست فرائض من أوّل شئ أصيبه فردّوا الى الناس أبناءهم ونساءهم وكان عيينة بن حصن قد أخذ عجوزا من عجائزهم وقال انى لأحسب ان لها فى الحى نسبا وعسى أن يعظم فداؤها فلما ردّ رسول الله ﷺ السبايا بست فرائض أخذ ذلك من ولدها بعد أن ساومه فيها مائة من الابل وقال له ولدها والله ما ثديها بناهد ولا بطنها بوالد ولا فوها ببارد ولا صاحبها بواجد أى يحزن لفواتها فقال عيينة خذها لا بارك الله لك فيها* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق حدّثنى أبو وجرة يزيد بن عبد الله السعدى ان رسول الله ﷺ أعطى على بن أبى طالب جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان وأعطى عثمان ابن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان وأعطى عمر بن الخطاب جارية فوهبها لعبد الله ولده رضى الله تعالى عنهم أجمعين* (ذكر اسلام مالك بن عوف النضرى) * وسأل رسول الله ﷺ وفد هوازن ما فعل مالك بن عوف النضرى قالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال لهم أخبروا مالكا أنه ان أتانى مسلما رددت عليه ماله وأهله وأعطيته مائة من الابل فأتى مالك بذلك فخاف ثقيفا أن يعلموا بما قاله رسول الله ﷺ فيحبسوه فأمر براحلته فهيئت له وأمر بفرس له فأتى به بالطائف فخرج ليلا على فرسه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس فركبها فلحق برسول الله ﷺ فأدركه بالجعرانة أو بمكة فردّ عليه ماله وأهله وأعطاه مائة من الابل وأسلم فحسن اسلامه فاستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه وكان يقاتل بهم ثقيفا فكان لا يخرج لهم سرح الا أغار عليهم حتى ضيق عليهم وفى رواية لما أتاه وفد هوازن فسألوا أن يردّ عليهم سبيهم وأموالهم فقام رسول الله ﷺ خطيبا فيهم وقال ان معى من ترون وأحب الحديث أصدقه فاختاروا احدى الطائفتين اما السبى واما المال قالوا انا نختار سبينا فقام رسول الله ﷺ فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أمّا بعد فان اخوانكم قد جاؤا تائبين وانى قد رأيت أن أردّ اليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه اياه من أوّل ما يفئ الله علينا فليفعل قال ناس قد طبنا بذلك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ انا لا ندرى من أذن منكم فى ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع الينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس كلهم وعرفاؤهم ثم رجعوا الى رسول الله ﷺ فأخبروه انهم

стр. 623

قد طيبوا وأذنوا* وفى الشفاء ردّ رسول الله ﷺ على هوازن سباياها وكانوا ستة آلاف ولما فرغ من ردّ سبايا حنين الى أهلها ركب واتبعه الناس يقولون يا رسول الله اقسم علينا سبايا الابل والغنم حتى ألجأوه الى شجرة فاختطفت عنه رداءه فقال ردّوا علىّ ردائى أيها الناس فو الله لو كان لى بعدد شجر تهامة نعم لقسمته عليكم ثم ما لقيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا ثم قام الى جنب بعيره فأخذ وبرة من سنامه فرفعها ثم قال أيها الناس والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة الا الخمس والخمس مردود عليكم فأدّوا الخياط والمخيط فان الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة* وفى رواية فجاء رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر فقال يا رسول الله أخذت هذه البكبة أعمل بها برذعة بعير لى من وبر فقال أما نصيبى منها فلك قال اذا بلغت ذلك فلا حاجة لى بها ثم طرحها من يده* وفى رواية ان عقيل بن أبى طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة وسيفه متلطخ دما فقالت انى قد عرفت انك قد قاتلت فماذا أصبت من غنائم المشركين قال دونك هذه الابرة بخيطين فخيطى بها ثوبك فدفعها اليها فسمع منادى رسول الله ﷺ يقول من أخذ شيئا فليردّه حتى الخياط والمخيط فرجع عقيل فقال ما أدرى ابرتك الا قد ذهبت وأخذها فألقاها فى الغنائم وقد صح ان النبىّ ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم عطاء كاملا وكانوا أشرافا من أشراف الناس يتألفهم ويتألف بهم قومهم كيما يودّوه ويكفوا عن حربه قيل هم خمسة عشر رجلا* وفى المضمرات المؤلفة قلوبهم ثلاثة أصناف صنف يتألفهم رسول الله ﷺ ليسلموا ويسلم قومهم باسلامهم وصنف أسلموا فيريد تقريرهم وصنف يعطيهم لدفع شرّهم مثل عباس بن مرداس وعيينة بن حصن وعلقمة بن عدية* وفى السراجية من المؤلفة قلوبهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن الفزارى والأقرع بن حابس الطائى وعباس بن مرداس السلمى وزيد الخيل* وفى رواية ان أبا سفيان بن حرب جاء الى النبىّ ﷺ والاموال من نقود وغيرها مجموعة عنده فقال يا رسول الله أنت اليوم أغنى قريش فتبسم ﷺ فقال أبو سفيان حظنا من هذه الاموال فأمر النبىّ ﷺ بلالا فأعطاه مائة من الابل وأربعين أوقية من الفضة فقام اليه يزيد وهو يزيد بن أبى سفيان الصحابى أخو معاوية أسلم يوم الفتح ويقال له يزيد الخير فأعطاه أيضا مائة من الابل وأربعين أوقية من الفضة فقال أبو سفيان فأين حظ ابنى معاوية فأعطاه مائة من الابل وأربعين أوقية من الفضة حتى أخذ أبو سفيان ثلثمائة من الابل ومائة وعشرين أوقية من الفضة فقال أبو سفيان بأبى أنت وأمى يا رسول الله لأنت كريم فى الحرب وفى السلم هذا غاية الكرم جزاك الله خيرا وأعطى صفوان بن أمية من الابل مائة ثم مائة كذا فى الشفاء وأعطى حكيم بن حزام مائة من الابل فسأل مائة أخرى فأعطاه اياها وأعطى كل واحد من الحارث بن كلدة والحارث بن هشام أخى أبى جهل وعبد الرحمن بن يربوع المخزوميان وسهيل بن عمرو وحويطب ابن عبد العزى كل هؤلاء من أشراف قريش والاقرع بن حابس التميمى وعيينة بن حصن الفزارى ومالك بن عوف النصرى وهؤلاء من غير قريش أعطى كل واحد من هؤلاء المسمين من قريش وغيرهم مائة بعير وأعطى دون ذلك رجالا منهم من قريش مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب وأعطى سعيد بن يربوع المخزومى وعدى بن قيس السهمى وعلاء بن حارثة الثقفى وعثمان بن نوفل وهشام بن عمرو العامرى خمسين خمسين وأعطى العباس بن مرداس أبا عر فسخطها* فقال وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن يضع اليوم لا يرفع

стр. 624

فقال رسول الله ﷺ اذهبوا به فاقطعوا عنى لسانه فأعطوه حتى رضى فكان ذلك قطع لسانه* وفى رواية فأتم له مائة أيضا وذكر ابن هشام ان عباسا أتى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ أنت القائل فأصبح نهبى ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة فقال أبو بكر بين عيينة والاقرع* فقال رسول الله ﷺ هما واحد فقال أبو بكر أشهد انك كما قال الله وما علمناه الشعر وما ينبغى له* وذكر ابن عقبة ابن عباسا لما أمر رسول الله ﷺ بقطع لسانه فزع لها وقال من لا يعرف أمر بعباس يمثل به فأتى به الى الغنائم فقيل له خذ منها ما شئت فقال العباس وانما أراد رسول الله ﷺ أن يقطع لسانى بالعطاء بعد ان تكلمت فتكرم أن يأخذ منها شيئا فبعث اليه رسول الله ﷺ بحلة فقبلها ولبسها وقال لرسول الله ﷺ قائل من أصحابه يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والاقرع ابن حابس مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى فقال له رسول الله ﷺ اما والذى نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الارض كلهم مثل عيينة ابن حصن والاقرع ولكنى تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة الى اسلامه وجاء رجل من تميم يقال له ذو الخو يصرة فوقف على رسول الله ﷺ فقال يا محمد قد رأيت ما صنعت فى هذا اليوم فقال رسول الله ﷺ أجل فكيف رأيت قال لم أرك عدلت فغضب رسول الله ﷺ ثم قال ويحك اذا لم يكن العدل عندى فعند من يكون فقال عمر رضى الله عنه ألا نقتله فقال لا دعوه فانه ستكون له شيعة يتعمقون فى الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية تنظر فى النصل فلا يوجد شئ ثم فى القدح فلا يوجد شئ ثم فى الفوق فلا يوجد شئ سبق الفرث والدم* وروى انه ﷺ لما أراد أن يقسم الغنائم أمر زيد بن ثابت حتى أحصى الناس ثم عدّ الابل والغنم وقسمها على الناس فوقع فى سهم كل رجل أربع من الابل مع أربعين من الشاء وان كان فارسا فسهمه اثنا عشر بعيرا مع مائة وعشرين من الشاء ولم يعط لغير فرس واحد وعن أنس سأله ﷺ رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع الى بلده فقال يا قوم اسلموا فان محمدا ﷺ يعطى عطاء من لا يخشى فاقة* وفى معالم التنزيل لما أفاء الله على رسوله يوم حنين من أموال هوازن ما أفاء قسم فى الناس من المهاجرين والطلقاء والمؤلفة قلوبهم* وفى رواية طفق يعطى رجالا من قريش وغيرهم المائة من الابل ولم يعط الانصار منها شيئا فكأنهم وجدوا اذا لم يصيبوا ما أصابه الناس فقالوا يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطى قريشا ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم فأرسل الى الانصار فجمعهم فى قبة من أدم ولم يدع معهم أحدا غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فخطبهم فقال ما كان بلغنى عنكم فقال له فقهاؤهم أما ذو ورأينا فلم يقولوا شيئا واما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطى قريشا ويترك الانصار وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله ﷺ انى أعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالاموال أو بالدنيا وترجعوا الى رحالكم برسول الله وتحوزونه الى بيوتكم فو الله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا يا رسول الله قد رضينا* وفى رواية قال أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والابل وتذهبوا بالنبىّ الى رحالكم ولولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار ولو سلك الناس واديا أو شعبا والانصار واديا لسلكت وادى الانصار والانصار شعار والناس دثار وانكم ستلقون بعدى أثرة فاصبروا حتى

стр. 625

تلقونى على الحوض وفى رواية سترون بعدى اثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فانى على الحوض قالوا ستصبر* وفى الاكتفاء ولما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى فى قريش وفى قبائل العرب ولم يعط الانصار شيئا وجدوا فى أنفسهم حتى كثرت منهم المقالة حتى قال قائلهم لقى والله رسول الله ﷺ قومه فدخل سعد بن عبادة على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انّ هذا الحىّ من الانصار قد وجدوا عليك لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت قسمت فى قومك وأعطيت عطايا عظاما فى قبائل العرب ولم يكن فى هذا الحىّ من الانصار منها شئ قال فأين أنت من ذلك يا سعد قال يا رسول الله ما أنا الا من قومى قال فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة فخرج سعد وجمع الانصار فى تلك الحظيرة فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردّهم فلما اجتمعوا له أعلمه سعد بهم فأتاهم رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال يا معشر الانصار مقالة بلغتنى عنكم وجدة وجدتموها فى أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهذا كم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بلى يا رسول الله الله ورسوله أمنّ وأفضل ثم قال ألا تجيبون يا معشر الانصار قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله لله ورسوله المنّ والفضل فقال ﷺ أما والله لو شئتم لقلتم فلصدّقتكم ولصدقتم أتيتنا مكذبا فصدّقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فاويناك وعائلا فأغنيناك يا معشر الانصار أوجدتم فى أنفسكم فى لعاغة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم الى اسلامكم ألا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله الى رحالكم فو الذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار ولو سلك الناس شعبا وسلك الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا يا رسول الله بك قسما وحظا ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرّقوا* بعث عمرو بن العاص الى حيفر وعبد وفى هذه السنة فى ذى القعدة الحرام بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص الى حيفر وعبدا بنى الجلندى بعمان فأسلما وصدّقا* وفى هذه السنة قبل منصرفه من الجعرانة وقيل قبل الفتح وفى الاكتفاء بعد انصرافه من الحديبية بعث العلاء الحضرمى الى ملك البحرين فيكون قبل الفتح بعث العلاء الحضرمى الى المنذر الساوى العبدى ملك البحرين وكتب اليه كتابا ودعاه الى الاسلام فلما انتهى اليه وقرأ الكتاب أسلم وكتب جواب الكتاب فقال يا رسول الله انّ الله تعالى قد أعطانى بك نعمة الاسلام وقد قرأت كتابك على أهل البحرين* وفى الاكتفاء على أهل هجر فأسلم بعضهم وأبى بعضهم وفى أرضنا المجوس فمرنا كيف نعاملهم* فكتب النبىّ ﷺ انّ من ثبت على المجوسية خذ منه الجزية ولا يناكحهم المسلمون ولا يأكلوا من ذبائحهم وكتب كتابا للعلاء الحضرمى وعين فيه نصاب زكاة الابل والبقر والغنم والزرع والثمار وأموال التجارة فقرأ العلاء كتاب رسول الله ﷺ على الناس وأخذ صدقاتهم* وفى الاكتفاء ذكر ابن اسحاق وغيره أنّ المنذر توفى قبل ردّة أهل البحرين والعلاء عنده أميرا لرسول الله ﷺ على البحرين* وفى رواية بعث ﷺ أبا هريرة مع العلاء فى هذه السفرة وكان العلاء مجاب الدعوة وانه خاض فى البحر بكلمات قالهنّ وكان له أثر عظيم فى قتال أهل الردّة عند البحرين فى خلافة أبى بكر الصدّيق وسيجىء فى الخاتمة ان شاء الله تعالى* قال ابن سيد الناس انّ النبىّ ﷺ انتهى الى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذى القعدة الحرام فأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف الى المدينة خرج ليلة الاربعاء لثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة الحرام ليلا فأحرم بعمرة ودخل مكة* وفى المواهب اللدنية ذكر محمد بن سعد كاتب الواقدى عن ابن عباس

стр. 626

أنه لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقينا من شوّال قال ابن سيد الناس هذا ضعيف والمعروف عند أهل السير هو الاوّل انه اعتمر فى ذى القعدة قال فطاف وسعى وحلق رأسه وحالقه أبو هند ففرغ من عمرته ليلا ثم رجع الى الجعرانة من ليلته وأصبح بها كبائت* وفى تاريخ الازرقى عن مجاهد أنه ﵇ أحرم من وراء الوادى حيث الحجارة المنصوبة* وفى معجم ما استعجم روى أبو داود أنه ﷺ جاء الى المسجد فركع ما شاء ثم أحرم ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سرف حتى لقى طريق مكة فأصبح بمكة كبائت* وفى المواهب اللدنية عن الواقدى أنه أحرم من المسجد الاقصى الذى تحت الوادى بالعدوة القصوى وكان مصلاه اذ كان بالجعرانة والجعرانة موضع بينه وبين مكة بريد كما قاله الفاكهانى وقال الباجى ثمانية عشر ميلا وسميت بامرأة تلقب بالجعرانة كما ذكره السهيلى* وفى الاكتفاء ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا وأمر ببقايا الفئ فحبس بمجنة بناحية مرّ الظهران فلما فرغ من عمرته انصرف راجعا الى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس فى الدين ويعلمهم القرآن وأتبع رسول الله ﷺ ببقايا الفئ ولما استعمل رسول الله ﷺ عتابا على مكة رزقه فى كل يوم درهما فقام عتاب خطيبا فى الناس فقال أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم فقد رزقنى رسول الله ﷺ كل يوم درهما فليست لى حاجة الى أحد* وكانت عمرة رسول الله فى ذى القعدة وقدم المدينة فى بقيته أو فى أوّل ذى الحجة وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يوما وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه وحج عتاب ابن أسيد بالمسلمين فيها وهى سنة ثمان وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم فى طائفهم ما بين ذى القعدة اذ انصرف رسول الله ﷺ الى رمضان سنة تسع* اسلام عروة بن مسعود وفى هذه السنة أسلم عروة ابن مسعود الثقفى وقتل* وفى الاكتفاء وكان من حديث ثقيف أنّ رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل الى المدينة فأسلم وسأله أن يرجع الى قومه بالاسلام فقال له رسول الله ﷺ انهم قاتلوك وعرف رسول الله ﷺ أنّ فيهم نخوة الامتناع الذى كان منهم فقال عروة يا رسول الله أنا أحب اليهم من أبكارهم ويقال من أبصارهم وكان فيهم كذلك محببا مطاعا فخرج يدعو قومه الى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم الى الاسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل جهة فأصابه سهم فقتله فقيل له ما ترى فى دمك قال كرامة أكرمنى الله بها وشهادة ساقها الله الىّ فليس فىّ الا ما فى الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم فادفنونى معهم فزعموا أنّ رسول الله ﷺ قال انّ مثله فى قومه كمثل صاحب يس فى قومه* ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة من الطائف كتب بجير بن زهير بن ابى سلمى الى أخيه كعب بن زهير يخبره بخبر رسول الله ﷺ فقدم كعب فى السنة التاسعة المدينة وأسلم وستجىء قصته فى السنة التاسعة* وفى هذه السنة بعث قيس بن سعد بن عبادة الى ناحية اليمن فى أربعمائة فارس وأمره أن يقاتل قبيلة صداء حين مروره عليهم فى الطريق فقدم زياد بن الحارث الصدائى فسأل عن ذلك البعث فأخبر فقال يا رسول الله أنا وافد فاردد الجيش فأنا لك بقومى فردّهم رسول الله ﷺ من قناة وقدم الصدائيون بعد خمسة عشر يوما* تزوّجه ﵇ بمليكة الكندية وفى هذه السنة تزوّج رسول الله ﷺ مليكة الكندية وكان قتل أبوها قبل الفتح فقال لها بعض أزواج النبىّ ﷺ ألا تستحيين أن تتزوّجى رجلا قتل أباك فاستعاذت ففارقها وقد مرّ فى الباب الثالث فى حوادث السنة الخامسة

стр. 627

والعشرين من مولده* وفى هذه السنة أراد رسول الله ﷺ طلاق سودة فقالت دعنى أكن فى أزواجك وأجعل يومى لعائشة ففعل ﷺ * وفى رواية أنه طلقها وجلست فى طريقه حين ينصرف الى بيت عائشة وقالت راجعنى يا رسول الله فو الله ما بقى حب الزوج فى قلبى ولكن أريد أن أحشر يوم القيامة فى زمرة أزواجك وأجعل يومى لعائشة فراجعها ﷺ ويكون يوم نوبتها فى بيت عائشة قيل وآية وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا نزلت فى قصة سودة* ولادة ابراهيم من مارية القبطية وفى ذى الحجة من هذه السنة ولد ابراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله ﷺ فخرجت الى زوجها ابى زافع فأخبرته بأنّ مارية قد ولدت غلاما فجاء الى رسول الله ﷺ فبشره فوهب له عبدا وسماه ابراهيم وعق عنه بكبشين يوم سابعه وحلق رأسه وتصدّق بزنة شعره فضة على المساكين وأمر بدفن شعره فى الارض وتنافست فيه نساء الانصار أيتهنّ ترضعه فدفعه الى أمّ بردة بنت المنذر بن زيد وزوجها البراء بن أوس وكان رسول الله ﷺ يأتى الى أمّ بردة ويقيل عندها وتأتى له بابراهيم وغارت نساء رسول الله ﷺ واشتدّ عليهنّ حين رزق منها الولد* روى عن أنس أنه قال لما ولد ابراهيم ﵇ جاءه جبريل ﵇ فقال السلام عليك يا أبا ابراهيم ورواه أبو هريرة أيضا بتغيير يسير كما مرّ فى الركن الاوّل فى الباب الاوّل وعن أنس أنه قال قال رسول الله ﷺ ولد لى الليلة غلام فسميته باسم أبى ابراهيم ثم دفعه الى أمّ سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف يشبه أن تكون أمّ سيف هى أمّ بردة ابنة المنذر وستجىء وفاة ابراهيم فى الموطن العاشر* وفى آخر هذه السنة ابتدأ قدوم الوفود عليه بعد رجوعه من الجعرانة فقدم عليه وفد هوازن* وفى هذه السنة توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ * وفى المنتقى أنها ماتت فى أوّل هذه السنة وقد مرّ فى السنة الخامسة والعشرين من مولده فى ذكر أولاده ﷺ والله أعلم * (الموطن التاسع فى حوادث السنة التاسعة من الهجرة من بعث عيينة بن حصن الفزارى الى بنى تميم وبعث الوليد بن عقبة بن أبى معيط الى بنى المصطلق وسرية قطبة بن عامر الى خثعم وسرية الضحاك ابن سفيان الكلابى الى بنى كلاب وسرية علقمة بن مجزز الى الحبشة وبعث علىّ الى الفلس وبعث عكاشة بن محصن الى الحباب واسلام كعب بن زهير وتتابع الوفود وهجرته عن نسائه وغزوة تبوك وسرية خالد بن الوليد من تبوك الى اكيدر وكتابه من تبوك الى هرقل وموت عبد الله ذى النجادين وهدم مسجد الضرار وقصة كعب بن مالك وصاحبيه وارجاء أمرهم وقصة اللعان واسلام ثقيف وقدوم كتاب ملوك حمير ورجم المرأة الغامدية ووفاة النجاشى ووفاة أمّ كلثوم وموت عبد الله ابن أبى ابن سلول وحج أبى بكر رضى الله عنه وقتل فارس ملكهم شهريار بن شيرويه وتمليكهم بوران بنت كسرى) * * بعث عيينة بن حصن الى بنى تميم وفى هذه السنة بعث عيينة بن حصن الفزارى الى بنى تميم وسببه أنّ رسول الله ﷺ بعث فى محرم هذه السنة بشر بن سفيان الكعبى الى بنى كعب من خزاعة لأخذ صدقاتهم فسار الى هؤلاء القوم ونزل بساحتهم وهم مع بنى تميم مجتمعون على ماء يقال له ذات الاشطاط فأخذ بشر صدقات بنى كعب فلما رأى بنو تميم ذلك المال استكثروه لكونهم لئاما فقالوا لبنى كعب لم تعطونهم أموالكم فاجتمعوا وشهروا السلاح فمنعوا عامل رسول الله ﷺ عن أخذ الصدقات فقال بنو كعب نحن أسلمنا ولا بدّ فى ديننا من أداء الزكاة قال بنو تميم والله لا ندع أن يخرجوا عنا بعيرا واحدا* وفى رواية

стр. 628

أنّ خزاعة وبنى العنبر أعانوا بنى تميم ولما رأى العامل ذلك رجع الى المدينة وأخبر به النبىّ ﷺ فبعث اليهم عيينة بن حصن الفزارى فى خمسين راكبا من العرب ليس فيهم مهاجرىّ ولا انصارىّ وكان عيينة يسير بالليل ويختفى بالنهار حتى هجم عليهم فى صحراء فدخلوا وسرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع هربوا وأخذ المسلمون منهم احد عشر رجلا ووجدوا فى محلهم احدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا وقدموا بهم المدينة وحبسوا بها وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم منهم قيس بن عاصم وعطارد ابن حاجب والزبرقان بن بدر والاقرع بن حابس ولما رأوهم بكى اليهم النساء والذرارى فعجلوا فجاؤا الى باب رسول الله ﷺ فنادوا يا محمد اخرج الينا نفاخرك ونشاعرك فانّ مدحنازين وذمّنا شين قيل كانوا تسعين أو ثمانين رجلا ونزل فيهم انّ الذين ينّادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون فخرج رسول الله ﷺ فأقام بلال الصلاة فتعلقوا برسول الله ﷺ يكلمونه فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر ثم جلس فى صحن المسجد فلم يزد فى جوابهم على أن قال ذلك الله اذا مدح زان واذا ذمّ شان انى لم أبعث بالشعر ولم أومر بالفخر ولكن هاتوا فقدّموا خطيبهم عطارد بن حاجب فتكلم وخطب فأمر ﵇ ثابت بن قيس بن شماس أن يجيب خطيبهم فغلبه فقام شاعرهم الاقرع بن حابس فقال أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... اذا خالفونا عند ذكر المكارم وانا رؤس الناس فى كل معشر ... وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم فأمر النبىّ ﷺ حسانا أن يجيبه فقام وقال بنى دارم لا تفخروا انّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتمو ... لنا خول ما بين قنّ وخادم فكان أوّل من اسلم شاعرهم وقال رسول الله ﷺ فى قيس بن عاصم هذا سيد أهل الوبر وردّ عليهم السبى وأمر لهم بالجوائز كما كان يجيز الوفود وثابت بن قيس بن شماس بمعجمة وميم مشدّدة وآخره مهملة وهو خزرجى شهد له النبىّ ﷺ بالجنة وكان خطيبه وخطيب الانصار واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتى عشرة فى خلافة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه وسيجىء فى الفصل الثانى من الخاتمة فى خلافة أبى بكر* بعث الوليد بن عقبة الى بنى المصطلق وفى هذه السنة بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبى معيط الى بنى المصطلق من خزاعة مصدّقا وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد وكان بينه وبينهم عداوة فى الجاهلية فلما سمعوا بدنوه خزج منهم عشرون رجلا يتلقونه بالجزر والغنم فرحا بقدومه وتعظيما لامر الله وأمر رسوله فحدّثه الشيطان انهم يريدون قتله فخافهم ورجع من الطريق قبل أن يصل اليهم فأخبر رسول الله ﷺ انهم تلقوه بالسلاح وأرادوا قتله* وفى المواهب اللدنية يحولون بينه وبين الصدقة فغضب رسول الله ﷺ وهمّ أن يبعث اليهم من يغزوهم فلما بلغهم خبر رجوع الوليد أتوا رسول الله ﷺ وقالوا يا رسول الله سمعنا بمجىء رسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه فرجع فخشينا أن يكون ردّه بلوغ كتاب منك لغضب غضبته علينا وانا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله ﷺ وبعث خالد بن الوليد فى عسكر خفية وأمره أن يخفى عليهم قدومه وقال له انظر فان رأيت منهم ما يدل على ايمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وان لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل فى الكفار فأتاهم خالد فسمع منهم أذان صلاتى المغرب والعشاء فأخذ صدقاتهم ولم ير منهم الا الطاعة والخير وانصرف خالد الى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الاية فقرأ عليهم

стр. 629

صلى الله عليه وسلم القرآن وبعث معهم عباد بن بشر يأخذ الصدقات من أموالهم ويعلمهم شرائع الاسلام ويقرئهم القرآن* وفى الكشاف كان الوليد بن عقبة أخا عثمان لامه وهو الذى ولاه عثمان رضى الله عنه فى خلافته الكوفة بعد سعد بن أبى وقاص فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعا ثم قال هل أزيدكم فعزله عثمان رضى الله عنه* بعث قطبة بن عامر الى خثعم وفى هذه السنة أمر قطبة بن عامر بن حديدة على عشرين رجلا وبعثه الى قبيلة خثعم بناحية بيشة قريبا من تربة بضم التاء وفتح الراء من أعمال مكة سنة تسع وأمره أن يشن الغارة عليهم فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى فى الفريقين جميعا وقتل قطبة من قتل وساقوا الابل والغنم والسبى الى المدينة وقسموا الغنيمة بعد اخراج الخمس فوقع فى سهم كل واحد منهم أربع ابل وكل ابل بعشرة من الغنم* بعث الضحاك بن سفيان الكلابى الى بنى كلاب وفى ربيع الاوّل من هذه السنة بعث الضحاك بن سفيان الكلابى الى بنى كلاب الى القرطا فدعاهم الى الاسلام فأبوا فقاتلوهم وهزموهم وغنموا كذا فى المواهب اللدنية* وفى شواهد النبوّة بعث ﷺ سرية الى بنى كلاب وكتب اليهم فى رق فلم ينقادوا وغسلوا الخط عن الرق وخاطوه تحت دلوهم فلما بلغ النبىّ ﷺ الخبر قال مالهم أذهب الله عقولهم فلذا لا يوجد من بنى كلاب الا مختل العقل ومختلط الكلام وبعضهم بحيث لا يفهم كلامه* وفى شرف المصطفى للنيسابورى كما ذكره مغلطاى أنه ﷺ بعث عبد الله بن عوسجة الى بنى عمرو بن حارثة وقيل حارثة بن عمرو وقال وهو الاصح فى مستهل صفر سنة تسع يدعوهم الى الاسلام فأبوا أن يجيبوا واستخفوا بالصحيفة فدعا عليهم النبىّ ﷺ بذهاب العقل فهم اليوم أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط كذا فى المواهب اللدنية* بعث علقمة بن مجزز الى الحبشة وفى ربيع الاخر وقال الحاكم فى صفر هذه السنة بعث علقمة بن مجزز المدلجى الى أهل الحبشة وقد أتوا الى نواحى جدة* ذكر ابن سعد ان سبب ذلك أنه بلغه ﷺ أن ناسا من الحبشة تراآهم أهل جدّة فبعث اليهم علقمة بن مجزز فى ثلثمائة فانتهى بهم الى جزيرة فى البحر قيل هى كانت مسكن أولئك القوم فلما خاض البحر اليهم هربوا فلما رجع الى المدينة استعجل بعض الاصحاب وتقدّموا وكان عبد الله بن حذافة السهمى من المستعجلين وأمّره علقمة عليهم وكان امرأ فيه شىء من الهزل والمزاح فنزلوا منزلا فأوقدوا نارا يصطلون بها كذا فى بعض الكتب* وفى الاكتفاء بعث علقمة بن مجزز المدلجى لما قتل وقاص بن مجزز أخوه يوم ذى قرد سأل رسول الله ﷺ أن يبعثه فى آثار القوم ليدرك ثاره فيهم فبعثه فى نفر من المسلمين* قال أبو سعيد الخدرى وأنا فيهم حتى اذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة السهمى وكان فيه دعابة فلما كان ببعض الطريق أو قد نارا ثم قال أليس لى عليكم السمع والطاعة قالوا بلى قال فما آمركم بشىء الا فعلتموه قالوا نعم قال فانى أعزم عليكم بحقى وطاعتى الا تواثبتم فى هذه النار فقام بعض القوم يحتجز حتى ظنّ انهم واثبون فيها فقال لهم اجلسوا فانما كنت أضحك معكم فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه* وفى رواية قال لا طاعة فى معصية الله انما الطاعة فى المعروف ويقال ان علقمة بن مجزز رجع هو وأصحابه ولم يلق كيدا* وفى رواية بعث ﷺ سرية واستعمل عليها رجلا من الانصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب يوما وأمرهم بالدخول فى نار أوقدوها فلم يطيعوه فبلغه ﷺ فقال لو دخلوها ما خرجوا منها الى يوم القيامة الطاعة فى المعروف* بعث على بن أبى طالب الى الفلس وفى ربيع الاخر من هذه السنة بعث علىّ بن أبى طالب الى الفلس بضم الفاء وسكون اللام وهو صنم لطى يهدمه وبعث معه مائة وخمسين رجلا من الانصار على مائة بعير وخمسين فرسا وعند ابن سعد مائتى رجل فهدمه وغنم سبيا ونعما وشاء وسيد القبيلة عدى بن حاتم هرب الى الشام

стр. 630

وسبيت أخته سنانة بنت حاتم فى السبايا فأطلقها النبىّ ﷺ فكان ذلك سبب اسلام عدى* وعند ابن سعد ان الذى سباها خالد بن الوليد ووجد علىّ فى خزانة الصنم ثلاثة أسياف يقال لأحدها الرسوب وللثانى المخذم وللثالث اليمانى فاصطفى الرسوب وأعطى المخذم للنبىّ ﷺ صفى المغنم ثم قسم الباقى على أهل السرية* وفى هذه السنة بعث عكاشة بن محصن الى الحباب وهو موضع بالحجاز من أرض عذرة وبلى وقيل أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة كذا فى المواهب اللدنية* إسلام كعب بن زهير وفى هذه السنة أسلم كعب بن زهير وكان اسلامه فيما بين رجوع النبىّ ﷺ من الطائف وغزوة تبوك وكان كعب ممن يهجو رسول الله ﷺ ويوم فتح مكة هرب ثم جاء فأسلم قال ابن اسحاق لما قدم النبىّ ﷺ كتب بجير بن زهير الى أخيه كعب ان رسول الله ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه وانه قال من لقى منكم كعب بن زهير فليقتله فان كان لك فى نفسك حاجة فطر الى رسول الله ﷺ فانه لا يقتل أحدا جاءه وان أنت لا تفعل فانح الى نجاتك فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان فى حاضره من عدوّه فقال مقتول فلما لم يجد بدّا من شئ قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله ﷺ ويذكر خوفه وارجاف الوشاة به من عدوّه ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل من جهينة كانت بينه وبينه معرفة فغدا به الى رسول الله ﷺ فقال له هذا رسول الله قم اليه واستأمنه فقام وجلس الى رسول الله ﷺ فوضع يده فى يده وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه فقال يا رسول الله ان كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه ان أنا جئتك به قال نعم قال أنا يا رسول الله كعب بن زهير قال ابن اسحاق فحدّثنى عاصم بن عمرو بن قتادة انه وثب عليه رجل من الانصار فقال يا رسول الله دعنى وعدوّ الله أضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ دعه عنك فانه قد جاءنا تائبا نازعا ثم قال قصيدته اللامية التى أوّلها بانت سعاد فقلبى اليوم متبول ... متيم اثرها لم يفد مكبول ومنها أنبئت ان رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول ان الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول وفى نهاية ابن الاثير عندها بدل اثرها وفى رواية أبى بكر بن الانبارى لما وصل الى قوله ان الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول رمى عليه رسول الله ﷺ بردة كانت عليه وان معاوية بذل له فيها عشرة آلاف مثقال فقال ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدا فلما مات كعب بعث معاوية الى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم قال وهى البردة التى عند السلاطين الى اليوم وكان كعب بن زهير من فحول الشعراء وأبوه زهير وابنه عقبة وابن ابنه العوّام بن عقبة كذا ذكره فى المواهب اللدنية * تتابع الوفود وفى هذه السنة تتابع الوفود وفى الاكتفاء ما زال آحاد الوافدين وافداد الوفود من العرب يفدون على رسول الله ﷺ منذ أظهر الله دينه وقهر أعداءه ولكن انبعاث جماهيرهم الى ذلك انما كان بعد فتح مكة ومعظمه فى سنة تسع ولذلك كانت تسمى سنة الوفود كما قاله ابن هشام وذلك ان العرب كانت تتربص بالاسلام ما يكون من قريش فيه اذهم الذين كانوا نصبوا لحرب رسول الله ﷺ وخلافه وكانوا امام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد اسماعيل وقادة العرب لا ينكرهم ذلك ولا ينازعون فيه فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة ودانت له

стр. 631

قريش وأذعنت للاسلام عرفت العرب انهم لا طاقة لهم بحربه وعداوته فدخلوا فى دين الله أفواجا يضربون اليه من كل وجه بقول الله تعالى لنبيه اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا جماعات فسبح بحمد ربك أى فاحمد الله على ما ظهر من دينك واستغفره انه كان توابا اشارة الى انقضاء أجله واقتراب لحاقه برحمة ربه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا كذلك قال ابن عباس وقد سأله عمر بن الخطاب عن هذه السورة فلما اجابه بنحو هذا المعنى قال عموما أعلم منها الا ما تعلم* هجره ﷺ نساءه وفى هذه السنة هجر رسول الله ﷺ نساءه وقال ما أنا بداخل عليكنّ شهرا وفى المواهب اللدنية وجحش شقه أى خدش وجلس فى مشربة له درجها من جذوع النخل وأتاه أصحابه يعودونه يصلى بهم جالسا وهم جلوس* وفى المنتقى وفى سبب ذلك قولان أحدهما ما روى ان رسول الله ﷺ كان فى بيت حفصة فاستأذنت رسول الله ﷺ فى زيارة أبيها فأذن لها فأرسل رسول الله ﷺ الى مارية وأدخلها فى بيت حفصة وواقعها فلما رجعت حفصة أبصرت مارية فى بيتها مع النبىّ ﷺ فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت وقالت انى رأيت من كانت معك فى البيت فغضبت وبكت فلما رأى النبىّ ﷺ فى وجهها الغيرة قال لها اسكتى فهى علىّ حرام أبتغى بذلك رضاك وحلف أن لا يقربها وقال لها لا تخبرى أحدا بما أسررت اليك فأخبرت بذلك عائشة وقالت قد أراحنا الله من مارية فان رسول الله ﷺ حرّمها على نفسه وقصت عليها القصة وكانت بينهما مصافاة وتظاهر فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة فى بيت مارية فنزل جبريل ﵇ وقال له راجعها فانها صوّامة قوّامة وانها لمن نسائك فى الجنة* وفى رواية ان رسول الله ﷺ خلا بمارية فى يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها اكتمى علىّ وقد حرّمت مارية على نفسى وأبشرك ان أبا بكر وعمر يملكان بعدى أمر أمتى فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين وقيل شرب عسلا عند حفصة فواطأت عائشة سودة وصفية فقلن له انما نشم منك ريح مغافير فحرم العسل فنزلت هذه الاية وهى يا أيها النبىّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغى مرضاة أزواجك الاية والثانى انه ذبح ذبحا فقسمته عائشة بين أزواجه فأرسلت الى زينب بنت جحش بنصيبها فردّته فقال لها زيديها فزادته ثلاث مرّات وكل مرّة تردّه فقال لا أدخل عليكنّ شهرا فاعتزل فى مشربة ثم نزل بعد تسع وعشرين ليلة فبدأ بعائشة فقالت له يا رسول الله كنت أقسمت ان لا تدخل علينا شهرا وانما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدّها عدّا فقال الشهر تسع وعشرون ليلة وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين* غزوة تبوك وفى رجب هذه السنة لستة أشهر وخمسة أيام خلت منها وقعت غزوة تبوك وهى آخر غزواته ﷺ على ما ذكر ابن اسحاق وتبوك مكان معروف وهو نصف طريق المدينة الى دمشق وهى غزوة العسرة وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها وكانت يوم الخميس فى رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف وذكر البخارى لها بعد حجة الوداع خطأ من النساخ كذا فى المواهب اللدنية* وقصتها ان رسول الله ﷺ لما انصرف من غزوة الطائف وعمرة الجعرانة مكث بالمدينة ما بين ذى الحجة الى رجب ثم أمر أصحابه بالتهيؤ الى غزوة الروم وذلك أنه قدم المدينة جماعة من الانباط بالدرمك والزيت وغير ذلك من متاع الشام فذكروا ان الروم قد جمعت بالشام جموعا كثيرة لقتال المسلمين وان هرقل قد رزق أصحابه لسنة وكان معهم بنو لخم وجذام وغسان وعاملة واجتمعوا وقدموا مقدّماتهم الى البلقاء وعسكروا بها وتخلف هرقل بحمص وكانوا كاذبين فى ذلك ولم يكن من ذلك شئ وانما ذلك شئ قيل لهم فأرجفوا به* وروى

стр. 632

الطبرانى من حديث عمران بن الحصين قال كانت النصارى كتبت الى هرقل ان هذا الرجل الذى خرج يدّعى النبوّة قد هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم فبعث رجلا من عظمائه وجهز معه أربعين ألفا كذا فى المواهب اللدنية فلما سمع رسول الله ﷺ بذلك أمر الناس بالتأهب للشام والتجهز للمسير اليها وكان الزمان زمان حرّ وعسرة عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة المال وكان العشرة يتعقبون على بعير واحد وربما يمص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها وكانوا يعصرون الفرث ويشربونه من شدّة العطش وعن عمر بن الخطاب قال نزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ان الرجل لينحر بعيرا فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقى على كبده كذا فى معالم التنزيل وفى تفسير عبد الرزاق عن معمر عن ابن عقيل قال فخرجوا فى قلة من الظهر فى حرّ شديد حتى انهم كانوا ينحرون البعير ويشربون ما فى كرشه من الماء فكان ذلك الوقت عسرة فى الماء والظهر والنفقة فسميت غزوة العسرة ولم يقع فى هذه الغزوة قتال ولكن فتحوا فى هذا السفر دومة الجندل وكانت الروم والشام من أعظم أعداء المسلمين وأهيبهم عندهم وكان رسول الله ﷺ اذا غزا غزوة ورّى بغيرها الا غزوة تبوك فانه أخبر الناس بها وأظهر ليتأهبوا لها الاهبة ويستعدّوا لبعد السفر وشدّة الزمان وبعث رسول الله ﷺ الى القبائل من العرب والى أهل مكة وكانوا كلهم مسلمين فى هذا الوقت يستنفرهم الى الغزو وحض رسول الله ﷺ من عنده من المسلمين على الجهاد ورغبهم فيه وأمرهم بالصدقة فجاؤا بصدقات كثيرة وكان أوّل من جاء بها أبو بكر جاء بماله كله أربعة آلاف درهم وجاء عمر بنصف ماله وجاء العباس بن عبد المطلب بمال كثير وجاء طلحة بمال وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتى أوقية من الفضة وجاء سعد بن عبادة بمال وجاء محمد بن مسلمة بمال وجاء عاصم بن عدى بتسعين وسقا من تمر وجهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش وكفاهم مؤنتهم فقال رسول الله ﷺ ما يضرّ عثمان بن عفان ما فعل بعد اليوم* وفى المواهب اللدنية وكان عثمان بن عفان قد جهز عيرا الى الشام فقال يا رسول الله هذه مائتا بعير باقتابها واحلاسها ومائتا أوقية فضة قال فسمعته يقول لا يضرّ عثمان ما فعل بعدها* وروى عن قتادة أنه قال حمل عثمان فى جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا وعن عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها فى حجره ﵊ فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها فى حجره ويقول ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم خرجه الترمذى وقال حديث غريب وعند الفضائلى والملافى سيرته كما ذكره الطبرى فى الرياض النضرة من حديث حذيفة بعث عثمان يعنى فى جيش العسرة بعشرة آلاف دينار الى رسول الله ﷺ فصبت بين يديه فجعل ﷺ يقول بيديه ويقلبها ظهرا لبطن ويقول غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن الى يوم القيامة ما يبالى ما عمل بعدها وجعل الرجل من ذوى اليسار يحمل الرهط من فقراء قومه ويكفيهم مؤنتهم وبعثت النساء بكل ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرطة وخواتيم والناس فى عسرة شديدة وقد طابت الثمار وأحنت الظلال والناس يحبون المقام ويكرهون الخروج لشدة الزمان وأخذ رسول الله ﷺ بالانكماش والجدّ وضرب رسول الله ﷺ معسكره بثنية الوداع وكانوا ثلاثين ألفا وقال ﷺ ذات يوم وهو فى جهازه للجدّ بن قيس وهو أحد بنى سلمة يا أبا قيس هل لك أن تخرج معنا لعلك تحتقب من بنات الاصفر الاحتقاب هو الاحتمال والمحتقب المردف كذا فى الصحاح فقال الجدّ لقد علم قومى انى من أشدّهم عجبا بالنساء وانى اذا رأيتهنّ لم أصبر عنهنّ فأذن لى فى المقام ولا تفتنى فأعرض رسول الله صلى الله عليه

стр. 633

وسلم عنه وقال أذنت لك كذا فى الاكتفاء فجاء ابنه عبد الله بن الجدّ وكان بدريا وكان أخا معاذ بن جبل لأمّه وجعل يلوم أباه على ما أجاب به رسول الله ﷺ وقال انت أكثر بنى سلمة مالا فما منعك أن تخرج فقال مالى وللخروج الى بنى الاصفر والله ما آمنهم وأنا فى منزلى هذا وانى عالم بالدوائر فقال له ابنه لا والله ما بك الا النفاق والله لينزلنّ على رسول الله ﷺ فيك قرآن نفتضح به فأخذ نعله فضرب به وجه ابنه فلما نزلت فيه هذه الاية وهى قوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى الاية جاءه ابنه فقال له ألم أقل لك انه سوف ينزل فيك قرآن يقرؤه المسلمون فقال له أبوه اسكت يالكع والله لا أنفعك بنافعة أبدا والله لأنت أشدّ علىّ من محمد ثم جعل الجدّ يثبط قومه عن الجهاد ويمنعهم من الخروج ويقول لهم لا تنفروا فى الحرّ وفى الاكتفاء وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا فى الحرّ زهادة فى الجهاد وشكافى الحق وارجافا لرسول الله ﷺ فأنزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا فى الحرّ قل نار جهنم أشدّ حرّا لو كانوا يفقهون وبلغ رسول الله ﷺ ان أناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سليم اليهودى يثبطون الناس عنه فى غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه وأمر أن يحرق البيت عليهم وفعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك فى ذلك وكادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن الأبيرق وظلت وقد طبقت كبش سويلم ... انوء على رجلىّ كسرا ومرفقى سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق كذا فى الاكتفاء وجاء البكاؤن وهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى وعبد الرحمن بن كعب المازنى والعرباض بن سارية الفزارى وهرمى بن عبد الله وعمرو بن غنمة وعبد الله بن مغفل المزنى ويقال عبد الله بن عمرو المزنى وعمرو بن خمام ومعقل بن يسار المزنى وحضرمى بن مازن والنعمان بن سويد ومعقل وعقيل وسنان وعبد الرحمن بنو مقرن وهم الذين قال الله فيهم تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون قاله مغلطاى كذا فى المواهب اللدنية* وفى الاكتفاء وأنوار التنزيل اوردهم سبعة لكن على الاختلاف فى أسماء بعضهم ففى الاكتفاء سالم ابن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى وعبد الرحمن بن كعب المازنى وعمرو بن حمام وهرمى بن عبد الله وعبد الله بن مغفل المزنى ويقال عبد الله بن عمر والمزنى وعرباض بن سارية الفزارى* وفى أنوار التنزيل سبعة من الانصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلبة بن زيد وقيل هم ابناء مقرن مغفل وسويد والنعمان وقيل أبو موسى وأصحابه جاؤا يستحملون النبىّ ﷺ وكانوا صالحاء وأهل فقر وحاجة فقال رسول الله ﷺ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع الاية* وفى الاكتفاء ذكر أن يامين بن عمير النضرى لقى أبا ليلى بن كعب وابن مغفل وهما يبكيان فقال وما يبكيكما قالا جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوّى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزوّدهما شيئا من تمر فخرجا مع رسول الله ﷺ * وفى المنتقى زوّد كل واحد منهما صاعين من تمر وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثا بعد الذى كان جهز من الجيش وجاء أناس من المنافقين يستأذنون رسول الله ﷺ فى القعود عن الغزو فأذن لهم وهم بضعة وثمانون نفرا وجاء المعذرون من الاعراب فاعتذروا اليه فلم يعذرهم الله وذكر أنهم نفر من غفار فلما خرج رسول الله صلى الله

стр. 634

عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع فأقبل عبد الله بن أبى ابن سلول معه على حدة وضرب عسكره أسفل منه نحوذ باب جبل بالمدينة كذا فى القاموس وكان فيما يزعمون ليس بأقلّ العسركين ومعه حلفاؤه من اليهود والمنافقين ممن اجتمع اليه فأقام ما أقام رسول الله ﷺ فلما سار تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين ورجع الى المدينة وقال يغزو محمد مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد الى ما لا قبل له به يحسب قتال بنى الاصفر اللعب والله لكأنى أنظر الى أصحابه غدا مقرّنين فى الحبال وخلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه الا استثقالا له وتخفيفا منه فلما قالوا ذلك أخذ علىّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف فقال يا نبىّ الله زعم المنافقون انك انما خلفتنى انك استثقلتنى وتخففت منى فقال كذبوا ولكنى خلفتك لما تركت ورائى فارجع واخلفنى فى أهلى وأهلك أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبىّ بعدى فرجع علىّ الى المدينة ومضى رسول الله صل يالله عليه وسلم على سفره كذا فى الاكتفاء وشرح المواقف وقال الشيخ أبو اسحاق الفيروزابادى فى عقائده أى حين توجه موسى الى ميقات ربه استخلف هارون فى قومه* وفى المنتقى استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى وقيل محمد بن مسلمة انتهى وقال الدمياطى استخلاف محمد بن مسلمة هو أثبت عندنا ممن قال استخلف غيره وقال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح التقريب لم يتخلف علىّ عن المشاهد الا فى تبوك فانّ النبىّ ﷺ خلفه على المدينة وعلى عياله وقال له يومئذ أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبىّ بعدى وهو فى الصحيحين من حديث سعد بن أبى وقاص انتهى ورجحه ابن عبد البرّ واستخلف على العسكر أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه فلما ارتحل رسول الله ﷺ عن ثنية الوداع متوجها الى تبوك عقد الالوية والرايات فدفع لواءه الاعظم الى أبى بكر ورايته العظمى الى الزبير ودفع راية الاوس الى أسيد بن حضير ولواء الخزرج الى أبى دجانة وقيل الى الحباب بن المنذر بن الجموح فساروا وهم ثلاثون ألفا وفيهم عشرة آلاف من الافراس* وفى المواهب اللدنية أمر رسول الله ﷺ لكل بطن من الانصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية وكان معه ثلاثون ألفا وعند أبى زرعة سبعون ألفا وفى رواية عنه أيضا أربعون ألفا وكانت الخيل عشرة آلاف فرس وتخلف نفر من المسلمين عن رسول الله ﷺ من غير نفاق ولا ارتياب منهم كعب بن مالك أخو بنى سلمة ومرارة بن الربيع أخو بنى عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بنى واقف وفيهم نزل وعلى الثلاثة الذين خلفوا وتخلف أبو ذرّ وأبو خيثمة ثم لحقاه بعد ذلك وسيجىء ومضى رسول الله ﷺ فصبح ذا خشب فنزل تحت الدومة* وفى خلاصة الوفاء وذو خشب على مرحلة من المدينة تحت الدومة وكان دليله الى تبوك علقمة بن القعواء الخزاعى فقال ﷺ تحت الدومة فراح منها ممسيا حيث أبرد وكان فى حرّ شديد وكان يجمع من يوم نزل ذا خشب بين الظهر والعصر فى منزله يؤخر الظهر حتى يبرد ويعجل العصر ثم يجمع بينهما وكان ذلك فعله حتى رجع من تبوك وفى كل منزل نزله اتخذ مسجدا وجميعها معروفة الى مسجد تبوك ثم انّ أبا خيثمة بعد أن سار رسول الله ﷺ أياما رجع الى أهله فى يوم حارّ فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائط له رشت كل واحدة منهما عريشها وبرّدت له فيه ماء وهيأت له طعاما فلما دخل قام على باب العريش ونظر الى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله ﷺ فى الضح والريح والحرّ وأبو خيثمة فى ظلّ بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء فى ماله مقيم ما هذا بالنصف ثم قال والله لا أدخل على عريش واحدة منكما

стр. 635

حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيئا لى زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج فى طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة فى الطريق عمير بن وهب الجمحى يطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى اذا دنوا من رسول الله ﷺ قال أبو خيثمة لعمير انّ لى ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله ﷺ ففعل حتى اذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله ﷺ كن أبا خيثمة قالوا هو والله أبو خيثمة يا رسول الله فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ أولى لك يا أبا خيثمة ثم أخبره خبره فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير ولما مضى من ثنية الوداع سائرا جعل يتخلف عنه رجال فيقال يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه فان يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه وقد كان رسول الله ﷺ حين مرّ بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله ﷺ لا تشربوا من مائها ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة الا ومعه صاحب له ففعل الناس ما امرهم به رسول الله ﷺ الا أنّ رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الاخر فى طلب بعير له فأمّا الذى ذهب لحاجته فانه خنق على مذهبه وأمّا الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلى طىء اللذين يقال لاحدهما أجأ ويقال للاخر سلمى فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال ألم أنهكم عن أن يخرج منكم أحد الا ومعه صاحبه ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى وأمّا الذى وقع بجبلى طىء فان طيئا أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة* وفى المنتقى لما وصل وادى القرى وقد أمسى بالحجر قال انها ستهب الليلة ريح شديدة لا يقومنّ منكم أحد الا مع صاحبه ومن كان له بعير فليوثقه بعقاله فهاجت ريح شديدة قد أفزعت الناس فلم يقم أحد الا مع صاحبه الا رجلين الى آخر ما ذكر ولما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم الا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم كذا فى الاكتفاء والمواهب اللدنية وقال فيه رواه الشيخان وكذا فى المنتقى عن ابن عمر وعبارته ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادى والحجر وادى قوم صالح وديارهم وهم ثمود الذين سكنوا ذلك الوادى وهو وادى القرى وهو بين المدينة والشام ولما ارتحل من الحجر أصبح ولا ماء معه ولا مع أصحابه وقد نزلوا على غير ماء فشكوا اليه العطش فاستقبل القبلة ودعا ولم يكن فى السماء سحابة فما زال يدعو حتى اجتمعت السحب من كل ناحية فما برح من مقامه حتى سحت السماء بالرواء فانكشفت السحابة من ساعتها فسقى الناس وارتووا عن آخرهم وملأوا الاسقية قيل لبعض المنافقين ويحك أبعد هذا شئ هل بقى عندك شئ من الريب فقال انما هى سحابة مارّة فارتحل النبىّ ﷺ متوجها الى تبوك فأصبح فى منزل فضلت ناقته وهى القصوى فخرج أصحابه فى طلبها وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم وكان عقبيا بدريا وهو عمّ ابن عمرو بن حزم وفى رحله زيد بن الصلت القينقاعى وكان يهوديا فأسلم ونافق فقال زيد وهو فى رحل عمارة وعمارة عند رسول الله ﷺ أليس محمد يزعم أنه نبىّ ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته فقال رسول الله ﷺ وعمارة عنده ان رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبىّ ويزعم أنه يخبر بأمر السماء وهو لا يدرى أين ناقته وانى والله لا أعلم الا ما علمنى
следующие страницы →