Полный текст (908 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
قدم على يزيد بن ابى سفيان قال واجتمعت رجال من كعب واسلم وغفار ومزينة نحوا من مائتين فأتوا ابا بكر فقالوا ابعث علينا رجلا وسرّحنا الى اخواننا فبعث عليهم الضحاك بن قيس فسار حتى أتى يزيد فنزل معه* وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال لما رأى اهل مدائن الشأم انّ العرب قد جاشت عليهم من كل وجه وكثرت جموعهم بعثوا الرسل الى ملكهم يعلمونه ذلك ويسألونه المدد فكتب اليهم انى عجبت لكم حين تستمدّوننى وحين تكثرون علىّ عدّة من جاءكم وانا أعلم بكم وبمن جاءكم منهم ولأهل مدينة واحدة من مدائنكم اكثر ممن جاءكم منهم أضعافا فالقوهم وقاتلوهم ولا تحسبوا انى كتب اليكم بهذا وأنا لا اريد ان أمدّكم لأبعثن اليكم من الجنود ما تضيق به الارض الفضاء وكان اهل مدائن الشأم قد ارسلوا الى كل من كان على دينهم من العرب فأطمعهم أكثرهم فى النصر ومنهم من حمى العرب فكان ظهور العرب أحب اليه وذلك من لم يكن فى دينه راسخا منهم وبلغ خبرهم وتراسلهم أبا عبيدة بن الجراح فكتب بذلك الى أبى بكر
مكالمة عمرو بن العاص مع أبى بكر
فجمع أبو بكر أشراف قريش من المهاجرين وغيرهم من أهل مكة ثم دعا باشراف الانصار وذوى السابقة منهم ثم دعا عمرو بن العاص فقال يا عمرو هؤلاء اشراف قومك يخرجون مجاهدين فاخرج فعسكر حتى أندب الناس معك فقال يا خليفة رسول الله انا وال على الناس فقال نعم أنت الوالى على من أبعثه معك من هاهنا قال لابل وال على من أقدم عليه من المسلمين قال لا ولكنك أحد الامراء فان جمعتكم حرب فأبو عبيدة أميركم فسكت عنه ثم خرج فعسكر فاجتمع اليه ناس كثير وكان معه أشراف قريش فلما حضر خروجه جاء الى عمر فقال يا أبا حفص انك قد عرفت بصرى بالحرب ويمن نقيبتى فى الغزو وقد رأيت منزلتى عند رسول الله وقد علمت انّ أبا بكر ليس يعصيك فأشر عليه أن يولينى هذه الجنود التى بالشام فانى أرجو أن يفتح الله على يدىّ هذه البلاد وأن يريكم والمسلمين من ذلك ما تسرّون به فقال له عمر لا أكذبك ما كنت أكلمه فى ذلك لانه لا يوافقنى أن يبعثك على ابى عبيدة وأبو عبيدة أفضل منزلة عندنا منك قال فانه لا ينقص أبا عبيدة شيئا من فضله أن ألى عليه فقال له ويحك يا عمرو انك والله ما تطلب بهذه الرياسة الاشرف الدنيا فاتق الله ولا تطلب بشئ من سعيك الا وجه الله واخرج فى هذا الجيش فانه ان يكن عليك أمير فى هذه المرّة فما أسرع ما تكون ان شاء الله أميرا ليس فوقك أحد فقال قد رضيت فخرج واستتب له المسير* فلما أراد الشخوص خرج معه أبو بكر يشيعه وقال يا عمرو انك ذو رأى وتجربة للامور وبصير بالحرب وقد خرجت فى اشراف قومك ورجال من صالحاء المسلمين وأنت قادم على اخوانك فلا تألهم نصيحة ولا تدخر عنهم صالح مشورة فرب رأى لك محمود فى الحرب مبارك فى عواقب الامور فقال له عمرو ما خلتنى ان أصدق ظنك ولا أقبل رأيك ثم ودّعه وانصرف عنه فقدم الشام فعظم غناؤه وبلاؤه عند المسلمين* وكتب أبو بكر الى أبى عبيدة أما بعد فقد جاءنى كتابك تذكر فيه تيسر عدوّكم لمواقعتكم وما كتب به اليهم ملكهم من عدته اياهم أن يمدّهم من الجنود بما تضيق به الارض الفضاء ولعمر الله لقد أصبحت الارض ضيقة عليه برحبها وأيم الله ما أنا بيائس أن تزيلوه من مكانه الذى هو به عاجلا ان شاء الله تعالى فبث خيلك فى القرى والسواد وضيق عليهم بقطع الميرة ولا تحاصر المدائن حتى يأتيك أمرى فان ناهدوك فانهض اليهم واستعن بالله عليهم فانه ليس يأتيهم مدد الامددناكم بمثله أو ضعفه وليس بكم بحمد الله قلة ولا ذلة ولا أعرفنّ ما جبنتم عنهم فانّ الله فاتح لكم ومظهركم على عدوّكم ومعزكم بالنصر وملتمس منكم الشكر لينظر كيف تعملون وجاءك عمرو فأوصيك به خيرا فقد أوصيته ان لا يضيع لك حقا والسلام عليك* وجاء عمرو بالناس حتى نزل بأبى عبيدة وكان عمرو فى مسيره ذلك الى الشأم فيما حدّث به عمرو بن شعيب يستنفر من مرّ به من الاعراب فتبعه منهم ناس كثير فلما اجتمعواهم ومن كان قد قدم معه من المدينة كانوا نحوا من ألفين فلما قدم بهم
стр. 737
على أبى عبيدة سرّ بهم هو والناس الذين معه واستأنس بهم وكان عمرو ذا رأى فى الحرب وبصر بالاشياء فقال له أبو عبيدة أبا عبد الله رب يوم شهدته فبورك للمسلمين فيه برأيك ومحضرك انما أنا رجل منكم لست وان كنت الوالى عليكم بقاطع أمرا دونكم فاحضرنى رايك فى كل يوم بما ترى فانه ليس لى عنك غنى فقال له افعل والله يوفقك لما يصلح المسلمين* وقال سهل بن سعد ما زال أبو بكر يبعث الامراء الى الشام أمير أميرا ويبعث القبائل قبيلة قبيلة حتى ظنّ انهم قد اكتفوا وأنهم لا يريدون ان يزدادوا رجلا* وذكر ابو جعفر الطبرى عن محمد بن اسحاق انّ تجهيز ابى بكر الجيوش الى الشام كان بعد قفوله من الحج سنة اثنتى عشرة وانه حينئذ بعث عمرو بن العاص قبل فلسطين* وقيل انّ ابا بكر جعل سعيد بن العاص ردئا بتيماء وأمره أن لا يبرحها وان يدعو من حوله بالانضمام اليه وان لا يقبل الا ممن لا يرتدّ ولا يقاتل الا من قاتله حتى يأتيه أمره فأقام فاجتمعت اليه جموع كثيرة وبلغ الروم عظم ذلك العسكر فضربوا على العرب الضاحية بالشام البعوث اليهم* فكتب خالد بن سعيد بذلك الى أبى بكر فكتب اليه أبو بكر أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله فسار اليه خالد فلما دنا منهم تفرّقوا وأعروا منزلهم ودخل من كان يجمع له فى الاسلام* وكتب الى أبى بكر بذلك فكتب اليه أبو بكر أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك فسار فيمن كان خرج معه من تيماء وفيمن لحق به من طرف الرمل* فسار اليه بطريق من بطارقة الروم يدعى ماهان فهزمه وقتل جنده وكتب بذلك الى أبى بكر واستمدّه* وقد قدم على أبى بكر أوائل مستنفرى اليمن ومن بين مكة واليمن فساروا فقدموا على خالد بن سعيد وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشام وعناه أمره* وقد كان أبو بكر ردّ عمرو بن العاص على عمالته التى كان رسول الله ﷺ ولاه اياها من صدقات سعد وعذرة وما كان معهما قبل ذهابه الى عمان فخرج الى عمان من عند رسول الله ﷺ وهو على عدة من عمله اذا هو رجع فأنجز له ذلك أبو بكر ثم كتب اليه أبو بكر عند اهتياجه الى الشام انى كنت قد رددتك على العمل الذى كان رسول الله ﷺ ولاكه مرّة وسماه لك أخرى اذ بعثتك الى عمان انجاز الموعد رسول الله فقد وليته ثم وليته وقد أحببت أبا عبد الله ان أفرغك لما هو خير لك فى حياتك ومعادك منه الا ان يكون الذى أنت فيه أحب اليك* فكتب اليه عمرو انى سهم من سهام الاسلام وانت بعد الله الرامى بها والجامع فانظر أسدّها وأحسنها وأفضلها فارم به شيئا ان جاءك من ناحية من النواحى* وكتب أبو بكر الى الوليد بن عقبة بنحو ذلك فأجابه الى ايثار الجهاد* وعن أبى أمامة الباهلى قال كنت فيمن سرح أبو بكر مع أبى عبيدة وأوصانى به وأوصاه بى*
أوّل وقعة فى الشام
فكانت أوّل وقعة بالشام يوم العربة ثم يوم الدثنة وليسا من الايام العظام خرج ستة قوّاد من الروم مع كل قائد خمسمائة فكانوا ثلاثة آلاف فلمّا رأيناهم أقبلوا حتى انتهوا الى العربة بعث يزيد بن أبى سفيان الى أبى عبيدة يعلمه فبعثنى اليه فى خمسمائة فلما أتيته بعث معى رجلا فى خمسمائة فلما رأيناهم يعنى قوّادهم أولئك حملنا عليهم فهزمناهم وقتلنا قائدا من قوّادهم ثم مضوا واتبعناهم فجمعوا لنا بالدثنة فسرنا اليهم فقدّمنى يزيد وصاحبى فى عدّتنا فهزمناهم فعند ذلك فزعوا واجتمعوا وأمدّهم ملكهم* وذكر ابن اسحاق عن صالح بن كيسان أن عمرو بن العاص خرج حتى نزل بعمير العربات ونزل الروم بثنية جلق بأعلا فلسطين فى سبعين ألفا عليهم تدارق اخو هرقل لابيه وأمّه* فكتب عمرو الى أبى بكر يستمدّه وخرج خالد بن سعيد بن العاص وهو بمرج الصفر من أرض الشأم فى يوم مطير يستمطر فيه فعدى عليه أعلاج الروم فقتلوه وقيل أتاهم ادريحا وهم فى أربعة آلاف وهم غارون فاستشهد خالد بن سعيد وعدّة من المسلمين* قال أبو جعفر الطبرى قيل انّ المقتول فى هذه الغزوة ابن لخالد بن سعيد وانّ خالدا انحاز حين قتل ابنه* وذكر سيف انّ الوليد بن عقبة لما قدم على خالد بن سعيد فسانده وقدمت جنود المسلمين
стр. 738
الذين كان أبو بكر امدّه بهم وبلغه عن الامراء يعنى أمراء المسلمين الذين امدّهم ابو بكر وتوجههم اليه اقتحم على الروم وطلب الحظوة وأعرى ظهره وبادر الامراء لقتال الروم واستطرد له ماهان فارّاهو ومن معه الى دمشق واقتحم خالد فى الجيش ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى نزل مرج الصفر ما بين الواقصة ودمشق فانطوت مشايخ ماهان عليه واخذوا عليه الطرق ولا يشعر وزحف له ماهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطر فى الناس فقتلوه فأتى الخبز خالدا فخرج هاربا فى جريدة خيل ولم تنته بخالد الهزيمة عن ذى المروة وأقام عكرمة فى الناس ردئا لهم فردّ عنهم ماهان وجنوده أن يطلبوهم وأقام من الشام على قرب منها* وذكر ابن اسحاق مسير الامراء ومنازلهم وان يزيد بن أبى سفيان نزل البلقاء ونزل شرحبيل بن حسنة الاردن ويقال بصرى ونزل أبو عبيدة الجابية* وعن غير ابن اسحاق انه لما نزل أبو عبيدة بالجابية كتب الى أبى بكر* أما بعد فانّ الروم وأهل البلد ومن كان على دينهم من العرب قد أجمعوا على حرب المسلمين ونحن نرجو النصر وانجاز موعد الرب ﵎ وعادته الحسنى واحببت اعلام ذلك لترينا رأيك*
توجه خالد بن الوليد من العراق الى الشام
فقال أبو بكر والله لانسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد وكان خالد اذ ذاك يلى حرب العراق فكتب اليه أبو بكر* أما بعد فدع العراق وخلف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه وامض مختفيا فى أهل القوّة من اصحابك الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك فى الطريق وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتى الشام فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين فاذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام* ويروى انه كان فيما كتب اليه به أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك فإنهم قد شجوا وأشجوا واياك أن تعود لمثل ما فعلت فانه لم يشج الجموع بعون الله سبحانه أحد من الناس اشجاءك ولم ينزع الشجا أحد من الناس نزعك فلتهنك أبا سليمان النعمة والحظوة فأتمم يتمم الله لك ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل واياك أن تدل بعمل فانّ الله تعالى له المنّ وهو ولىّ الجزاء ووافى حالدا كتاب أبى بكر هذا وهو بالحيرة منصرفا من حجة حجها مكتتما بها وذلك انه لما فرغ من ايقاعه بالروم ومن انضوى اليهم مغيثا لهم من مشايخ فارس بالفراض والفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة أقام بالفراض عشرا ثم اذن بالقفل الى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم وأمر شجرة بن الاغر أن يسوقهم وأظهر خالد أنه فى الساقة وخرج من الحيرة ومعه عدّة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت فتأتى له فى ذلك ما لم يتأت لدليل ومرسال فسار طريقا من طرق الجزيرة لم ير طريق أعجب منه فكانت غيبته عن الجند يسيرة ما توا فى الى الحيرة آخرهم حتى واماهم مع صاحب الساقة الذى وضعه وقدما جميعا وخالد وأصحابه مخلفون ولم يعلم بحجه الا من أفضى اليه بذلك من الساقة ولم يعلم أبو بكر بذلك الا بعد فهو الذى يعنيه بما تقدم فى كتابه اليه من معاتبته اياه وقدم على خالد بالكتاب عبد الرحمن بن حنبل الجمعى فقال له خالد قبل أن يقرأ كتابه ما وراءك فقال خير تسير الى الشام فشق عليه ذلك وقال هذا عمل عمر نفسى علىّ أن يفتح الله علىّ العراق وكانوا هابوه هيبة شديدة وكان خالد اذا نزل بقوم عذابا من عذاب الله عليهم وليثا من الليوث فلما قرأ كتاب أبى بكر فرأى أن قد ولاه على أبى عبيدة وعلى الشام تسخى بنفسه وقال أما اذولانى فانّ فى الشام من العراق خلفا فقام اليه النسر بن ديسم العجلى وكان من أشراف بنى عجل وفرسان بكر بن وائل ومن رؤس أصحاب المثنى بن حارثة فقال لخالد أصلحك الله والله ما جعل الله فى الشام من العراق خلفا للعراق اكثر حنطة وشعيرا وديباجا وحريرا وفضة وذهبا وأوسع سعة وأعرض عرضا والله ما الشام كله الا كجانب من العراق فكره المثنى مشورته عليه وكان يحب أن يخرج من العراق ويخليه واياها فقال خالد انّ بالشأم أهل الاسلام وقد
стр. 739
تهيأت لهم الروم وتسيرت فانما أنا مغيث وليس لهم مدد فكونوا أنتم ههنا على حالتكم التى كنتم عليها فان نفرغ مما أشخصنا اليه عاجلا عجلنا اليكم وان أبطأت رجوت أن لا تعجزوا ولا تهنوا وليس خليفة رسول الله بتارك امدادكم بالرجال حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد ان شاء الله تعالى* ويروى انّ أبا بكر أمر خالدا بالخروج فى شطر الناس وأن يخلف على الشطر الثانى المثنى بن حارثة وقال له لا تأخذ مجدا الا خلفت لهم مجدا فاذا فتح الله عليك فارددهم الى العراق وأنت معهم ثم أنت على عملك وأحضر خالد أصحاب رسول الله ﷺ فاستأثر بهم على المثنى وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغباء ممن لم يكن له صحبة ثم نظر فيمن بقى فاختلج من كان قدم على النبى ﷺ وافدا أو غير وافد وترك للمثنى اعدادهم من أهل الغباء ثم قسم الجند نصفين فقال المثنى والله لا اقيم الا على انفاذ أمر أبى بكر كله فى استصحاب نصف الصحابة وابقاء النصف وبعض النصف فو الله ما أرجو النصر الا بهم فانى تعرينى منهم فلما رأى ذلك خالد بعد ما تكلما عليه أعاضه منهم حتى رضى وكان فيمن أعاضه منهم فرات بن حيان العجلى وبشر بن الخصاصية والحارث بن حسان الدهليان ومعبد بن أم معبد الاسلمى وبلال بن الحارث المزنى وعاصم بن عمرو التيمى حتى اذا رضى المثنى واخذ حاجته انحدر خالد ومضى لوجهه وشيعه المثنى الى قراقر فقال له خالد انصرف الى سلطانك غير مقصر ولا ملوم ولا وان*
كيفية سلوك خالد فى القفار
وذكر الطبرى انّ خالدا لما أراد المسير الى الشام دعا بالادلة فارتحل من الحيرة سائرا الى دومة ثم طعن فى البر الى قراقر ثم قال كيف لى بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم فانى ان استقبلتها حبستنى عن غياث المسلمين فكلهم قالوا لا نعرف الا طريقا لا يحمل الجيش فاياك أن تغرر بالمسلمين فعزم عليه فلم يجبه الى ذلك الا رافع بن عميرة على تهيب شديد فقام فيهم فقال لا تختلفنّ هدتكم ولا تضعفن تعبيتكم واعلموا انّ المعونة تأتى على قدر النية والاجر على قدر الحسبة وانّ المسلم لا ينبغى له أن يكترث بشىء يقع فيه مع معونة الله له فقالوا له أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك فطابقوه ونووا واحتسبوا* وذكر غير الطبرى انّ خالدا حين أراد المسير الى الشام قال له محرز بن حريش وكان يتجر بالحيرة ويسافر الى الشام اجعل كوكب الصبح على حاجبك الايمن ثم أمّه حتى تصبح فانك لا تحور فجرّب ذلك فوجده كذلك ثم أخذ فى السماوة حتى انتهى الى قراقر فقوّر من قراقر الى سوى وهما منزلان بينهما خمس ليال فلم يهتدوا للطريق فدل على رافع بن عميرة الطائى فقال له خفف الاثقال واسلك هذه المفازة ان كنت فاعلا فكره خالد أن يخلف احدا فقال قد أتانى أمر لابد من انفاذه وان تكون جميعا قال فو الله انّ الراكب المنفرد ليخافها على نفسه لا يسلكها الا مغررا فكيف انت بمن معك فقال انه لا بدّ من ذلك فقدأتنى؟؟؟ عزمة قال فمن استطاع منكم أن يصرّ اذن راحلته على ماء فليفعل فانها المهالك الا ما وقى الله ثم قال لخالد ابغنى عشرين جزورا عظاما سمانا مسانّ فأتاه بهنّ فظمأهنّ حتى اذا جهدهنّ عطشا سقاهنّ حتى أرواهنّ ثم قطع مشافرهنّ ثم عكمهنّ ثم قال لخالد سر بالخيول والاثقال فكلما نزل منزلا نحر من تلك الشرف اربعا فافتظ ماءهنّ فسقاه الخيول وشرب الناس مما تزوّدوا حتى اذا كان آخر ذلك قال خالد لرافع ويحك ما عندك يا رافع فقال أدركك الرى ان شاء الله انظروا هل تجدون شجرة عوسج على ظهر الطريق قالوا لا قال انا لله اذا والله هلكت وأهلكت لا أبالكم نظروا فنظروا فوجدوها فكبر وكبروا وقال احفروا فى أصلها فاحتفروا فوجدوا عينا فشربوا وارتووا فقال رافع والله ما وردت هذا الماء قط الا مرّة مع أبى وأنا غلام قال راجز من المسلمين
لله درّ رافع أنى اهتدى ... قوّر من قراقر الى سوى
أرضا اذا ما سارها الجيش بكى ... ما سارها من قبله انس أرى
стр. 740
لكن بأسباب متينات الهدى ... نكبها الله ثنيات الردى
وعن عبد الله بن قرط الثمالى قال لما خرج خالد من عين التمر مقبلا الى الشام كتب الى المسلمين مع عمرو ابن الطفيل بن عمرو الازدى وهو ابن ذى النور* أما بعد فانّ كتاب خليفة رسول الله أتانى بالمسير اليكم وقد شمرت وانكمشت وكأن قد أظلت عليكم خيلى ورجالى فابشروا بانجاز موعد الله وحسن ثواب الله عصمنا لله واياكم باليقين وأثابنا أحسن ثواب المجاهدين والسلام عليكم*
كتاب خالد الى أبى عبيدة
وكتب معه الى أبى عبيدة أما بعد فانى اسأل الله لنا ولك الا من يوم الخوف والعصمة فى دار الدنيا من كل سوء وقد اتانى كتاب خليفة رسول الله يأمرنى بالمسير الى الشأم وبالقيام على جندها والتولى لامرها والله ما طلبت ذلك قط ولا أردته اذ وليته فأنت على حالك التى كنت عليها لا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع دونك أمرا فأنت سيد المسلمين لا ننكر فضلك ولا نستغنى عن رأيك تمم الله بنا وبك من احسان ورحمنا واياك من صلىّ النار والسلام عليك ورحمة الله* قال فلما قدم علينا عمرو بن الطفيل وقرأ كتاب خالد على الناس وهم بالجابية ودفع الى أبى عبيدة كتابه فقرأه قال بارك الله لخليفة رسول الله فيما رأى وحيا الله خالدا قال وشق على المسلمين أن ولى خالدا على أبى عبيدة ولم أره على احد أشق منه على بنى سعيد بن العاص وانما كانوا متطوّعين حبسوا انفسهم فى سبيل الله حتى يظهر الله الاسلام فأما ابو عبيدة فانا لم نتبين فى وجهه ولا فى شئ من منطقه الكراهة لامر خالد* وعن سهل بن سعد أنّ أبا بكر كتب الى أبى عبيدة أما بعد فانى قد وليت خالدا قتال العدوّ بالشام فلا تخالفه واسمع له وأطع أمره فانى لم أبعثه عليك أن لا تكون عندى خيرا منه ولكنى ظننت أن له فطنة فى الحرب ليست لك أراد الله بنا وبك خيرا والسلام*
اغارة خالد على بنى تغلب
ثم انّ خالدا خرج من عين التمر حتى أغار على بنى تغلب والنمر بالبشر فقتلهم وهزمهم وأصاب من أموالهم طرفا قال وانّ رجلا منهم ليشرب من شراب له فى جفنة وهو يقول
* الاعللانى قبل جيش أبى بكر ... لعل منايانا قريب وما ندرى*
فما هو الا أن فرغ من قوله اذ شدّ عليه رجل من المسلمين فضرب عنقه فاذا رأسه فى الجفنة* وعن عدى ابن حاتم قال أغرنا يعنى مع خالد على أهل المصيخ واذا رجل من النمر يدعى حرقوص بن النعمان حوله بنوه وبينهم جفنة من خمروهم عليها عكوف يقولون له ومن يشرب هذه الساعة فى أعجاز الليل فقال اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها أبدا هذا خالد بالعين وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا ثم قال
الا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر ... وقبل انتقاص القوم بالعسكر الدثر
وقيل منايانا المصيبة بالقدر ... بحين لعمرى لا يزيد ولا يحرى
فسبق اليه وهو فى ذلك بعض الخيل فضرب رأسه فاذا هو فى جفنته فأخذنا بناته وقتلنا بنيه* وفى كتاب سيف قال ولما بلغ غسان خروج خالد على سوى وانتسافها واغارته على مصيخ بهراء وانتسافها اجتمعوا بمرج راهط وبلغ ذلك خالدا وقد خلف ثغور الشام وجنودها مما يلى العراق فصار بينهم وبين اليرموك صمد لهم فخرج من سوى بعد ما رجع اليها بسبى بهراء فنزل علمين على الطريق ثم نزل الليث حتى صار الى دمشق ثم مرج الصفر فلقى عليه غسان وعليهم الحارث بن الايهم فانتسف عسكرهم ونزل بالمرج أياما وبعث الى أبى بكر بالأخماس ثم خرج من المرج حتى نزل مياه بصرى فكانت أوّل مدينة افتتحت بالشام على يدى خالد فيمن معه من جنود العراق وخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة* وعن غير سيف أنّ خالدا أغار على غسان فى يوم فصبحهم فقتل وسبى وخرج على أهل الغوطة حتى أغار عليهم فقتل ما شاء وغنم ثم انّ العدوّ دخلوا دمشق فتحصنوا وأقبل أبو عبيدة وكان بالجابية مقيما حتى نزل معه بالغوطة فحاصر أهل دمشق*
عدّة الجيش الذى دخل الشام مع خالد
وعن قيس بن أبى حازم قال كان خرج مع خالد من بجيلة وعظيمهم أحمس نحو من
стр. 741
مائتى رجل ومن طى نحو من مائة وخمسين قال وكان معنا المسيب بن نجيبة فى نحو من مائتى فارس من بنى ذبيان وكان خالد فى نحو من تلثمائة من المهاجرين والانصار فكان أصحابه الذين دخلوا معه الشام ثمانمائة وخمسين رجلا كلهم ذونية وبصيرة لانه كان يقحم أمورا يعلمون انه لا يقوى على ذلك الاكل قوىّ جلد فأقبل بنا حتى مرّ بأروكة فأغار عليها وأخذ الاموال وتحصن منه أهلها فلم يبارحهم حتى صالحهم* قال ومرّ بتدمر فتحصنوا منه فأحاط بهم من كل جانب وأخذهم من كل مأخذ فلم يقدر عليهم فلما لم يطقهم ترحل عنهم وقال لهم حين أراد أن يرتحل فيما يروى عن عبد الله بن قرط والله لو كنتم فى السحاب لاستنزلناكم وظهرنا عليكم ما جئناكم الا ونحن نعلم انكم ستفتحون علينا وان أنتم لم تصالحونا هذه المرّة لارجعنّ اليكم لو قد انصرفت من وجهى هذا ثم لا أرحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم وأسبى ذراريكم فلما فصل قال علماؤهم واجتمعوا انا لا نرى هؤلاء القوم الا الذين كنا نتحدّث انهم يظهرون علينا فافتحوا لهم فبعثوا الى خالد فجاء ففتحوا له وصالحوه* وعن سراقة بن عبد الاعلى أن خالدا فى طريقه ذلك مرّ على حوران فهابوه فتحرز أكثرهم منه وأغار عليهم فاستاق الاموال وقتل الرجال وأقام عليهم أياما فبعثوا الى ما حولهم ليمدّوهم فأمدّوهم من مكانين من بعلبك وهى أرض دمشق ومن قبل بصرى وبصرى مدينة حوران وهى من أرض دمشق أيضا فلما رأى المددين قد أقبلا خرج وصف بالمسلمين ثم تجرّد فى مائتى فارس فحمل على مدد بعلبك وهم أكثر من ألفين فما وقفوا حتى انهزموا ودخلوا المدينة ثم انصرف يوجف فى أصحابه وجيفا حتى اذا كان بحذاء مدد بصرى وانهم لاكثر من ألفين حمل عليهم فما ثبتوا له فواقا حتى هزمهم فدخلوا المدينة وخرج أهل المدينة فرموا المسلمين بالنشاب فانصرف عنهم خالد وأصحابه حتى اذا كان من الغد خرجوا اليه ليقاتلوه فعجزوا وأظهره الله عليهم فصالحوهم* وعن عمرو بن محصن حدّثنى علج من أهل حوران كان يتشجع قال والله لخرجنا اليهم بعد ما جاءنا مدد أهل بعلبك وأهل بصرى بيوم فخرجنا وانا لاكثر من خالد وأصحابه بعشرة أضعافهم وأكثر فما هو الا أن دنونا منهم فثاروا فى وجوهنا بالسيوف كأنهم الاسد فانهزمنا أقبح الهزيمة وقتلونا أشر القتلة فما عدنا نخرج اليهم حتى صالحناهم ولقد رأيت رجلا منا كنا نعدّه بالف رجل قال لئن رأيت أميرهم لا قتلته فلما رأى خالدا قيل له هذا خالد أمير القوم فحمل عليه وانا لنرجو لبأسه أن يقتله فما هو الا أن دنا منه فضرب خالد فرسه فأقدمه عليه ثم استعرض وجهه بالسيف فأطار قحف رأسه ودخلنا مدينتنا فما كان لنا هم الا الصلح حتى صالحناهم* وعن قيس بن أبى حازم قال كنت مع خالد حين مرّ بالشام فأقبل حتى نزل بقناة بصرى من أرض حوران وهى مدينتها فلما نزلنا واطمأننا خرج الينا الدرنجال فى خمسة آلاف فارس من الروم فأقبل الينا وما يظنّ هو وأصحابه الا أنا فى أكفهم فخرج خالد فصفنا ثم جعل على ميمنتنا رافع بن عميرة الطائى وعلى ميسرتنا ضرار بن الازور وعلى الرجال عبد الرحمن بن حنبل الجمحى وقسم خيله فجعل على شطرها المسيب بن نجيبة وعلى الشطر الاخر رجلا كان معه من بكر بن وائل ولم يسمه وأمرهما خالد حين قسم الخيل بينهما أن يرتفعا من فوق القوم عن يمين وشمال ثم ينصبا على القوم ففعلا ذلك وأمرنا خالد أن نزحف الى القلب فزحفنا اليهم والله ما نحن الاثمانمائة وخمسون رجلا وأربعمائة رجل من مشجعة من قضاعة استقبلنا بهم يعبوب رجل منهم فكنا ألفا ومائتين ونيفا قال وكنا نظنّ انّ الكثير من المشركين والقليل عند خالد سواء لانه كان لا يملأ صدره منهم شىء ولا يبالى بمن لقى منهم لجراءته عليهم فلما دنوا منا شدّوا علينا شدّتين فلم نبرح ثم انّ خالدا نادى بصوت له جهورى شديد عال فقال يا أهل الاسلام الشدّة الشدّة احملوا رحمكم الله عليهم فانكم ان قاتلتموهم محتسبين بذلك وجه الله فليس لهم أن يواقفوكم ساعة* ثم انّ خالدا شدّ عليهم فشددنا معه فو الله
стр. 742
الذى لا اله الا هو ما ثبتوا لنا فواقا حتى انهزموا فقتلنا منهم فى المعركة مقتلة عظيمة ثم اتبعناهم نكردهم ونصيب الطرف منهم ونقطعهم عن أصحابهم ثم نقتلهم فلم نزل كذلك حتى انتهبنا الى مدينة بصرى فأخرج لنا أهلها الاسواق واستقبلوا المسلمين بكل ما يحبون ثم سألوا الصلح فصالحناهم فخرج خالد من فوره ذلك وأغار على غسان فى جانب من مرج راهط فى يوم فصبحهم فقتل وسبى* وعن أبى الخزرج الغسانى قال كانت أمى فى ذلك السبى فلما رأت هدى المسلمين وصلاحهم وصلاتهم وقع الاسلام فى قلبها فأسلمت فطلبها أبى فى السبى فعرفها فجاء المسلمين فقال يا أهل الاسلام انى رجل مسلم وهذه امرأتى قد أصبتموها فان رأيتم أن تصلونى وتحفظوا حقى وتردّوا علىّ أهلى فعلتم فقال لها المسلمون ما تقولين فى زوجك فقد جاء يطلبك وهو مسلم قالت ان كان مسلما رجعت اليه والا فلا حاجة لى فيه ولست براجعة اليه*
(وقعة أجنادين)
* ذكر سعد بن الفضل وأبو اسمعيل وغيرهما انّ خالد بن الوليد لما دخل الغوطة كان قد مرّ بثنية فجزعها ومعه راية ببضاء تدعى العقاب فسميت بذلك تلك الثنية ثنية العقاب ثم نزل ديرا يقال له دير خالد لنزوله به وهو مما يلى الباب الشرقى يعنى من دمشق وجاء أبو عبيدة من قبل الجابية ثم شنا الغارات فى الغوطة وبيناهما كذلك أتاهما أن وردان صاحب حمص قد جمع الجموع يريد أن يقتطع شرحبيل بن حسنة وهو ببصرى وانّ جموعا من الروم قد نزلت أجنادين وانّ أهل البلد ومن مرّوابه من نصارى العرب قد سارعوا اليهم فأتاهما خبر أقطعهما وهما مقيمان على عدوّ يقاتلا به فالتقيا فتشاورا فى ذلك فقال أبو عبيدة أرى أن نسير حتى نقدم على شرحبيل قبل أن ينتهى اليه العدوّ الذى صمد صمده فاذا اجتمعنا سرنا اليه حتى نلقاه فقال له خالد ان جمع الروم هذا بأجنادين وان نحن سرنا الى شرحبيل تبعنا هؤلاء من قريب ولكن أرى أن نصمد صمد عظيمهم وأن نبعث الى شرحبيل فنحذره مسير العدوّ اليه ونأمره فيوا فينا بأجنادين ونبعث الى يزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص فيوا فيانا باجنادين ثم نناهض عدوّنا فقال له أبو عبيدة هذا رأى حسن فأمضه على بركة الله وكان خالد مبارك الولاية ميمون النقيبة مجرّبا بصيرا بالحروب مظفرا فلما أراد الشخوص من أرض دمشق الى الروم الذين اجتمعوا بأجنادين كتب نسخة واحدة الى الامراء* أما بعد فانه قد نزل بأجنادين جمع من جموع الروم غير ذى قوّة ولا عدّة والله قاصمهم وقاطع دابرهم وجاعل دائرة السوء عليهم وشخصت اليكم يوم سرحت رسولى اليكم فاذا قدم عليكم فانهضوا الى عدوّكم بأحسن عدّتكم وأصح نيتكم ضاعف الله لكم أجوركم وحط أوزاركم والسلام ووجه بهذه النسخة مع انباط كانوا مع المسلمين عيونا لهم وفيوجا وكان المسلمون يرضخون لهم* ودعا خالد الرسول الذى بعثه منهم الى شرحبيل فقال له كيف علمك بالطريق قال كما تريد قال فادفع اليه هذا الكتاب وحذره الجيش الذى ذكر لنا انه يريده وخذ به وبأصحابه طريقا تعدل به عن طريق العدوّ الذى شخص اليه وتأتى به حتى تقدمه علينا بأجنادين قال نعم فخرج الرسول الى شرحبيل ورسول آخر الى عمرو بن العاص ورسول آخر الى يزيد بن أبى سفيان وخرج خالد وأبو عبيدة بالناس الى أهل أجنادين والمسلمون سراعا اليهم جرآء عليهم فلما شخصوا لم يرعهم الا أهل دمشق فى آثارهم فلحقوا أبا عبيدة وهو فى أخريات الناس فلما رآهم قد لحقوا به نزل فأحاطوا به وهو فى نحو من مائتى رجل من أصحابه وأهل دمشق فى عدد كثير فقاتلهم أبو عبيدة قتالا شديدا وأتى الخبر خالدا وهو فى أمام الناس فى الفرسان والخيل فعطف راجعا ورجع الناس معه وتعجل خالد فى الخيل وأهل القوّة فانتهوا الى أبى عبيدة وأصحابه وهم يقاتلون الروم قتالا حسنا فحمل الخيل على الروم فقذف بعضهم على بعض وتعقبهم ثلاثة أميال حتى دخلوا دمشق ثم انصرف ومضى الناس نحو الجابية وأخذ يلتفت وينتظر قدوم أصحابه ومضى رسول خالد الى شرحبيل فوافاه ليس بينه وبين الجيش الذى
стр. 743
سار اليه من حمص مع وردان الا مسيرة يوم وهو لا يشعر فدفع اليه الرسول الكتاب وأخبره الخبر واستحثه بالشخوص* فقام شرحبيل فى الناس فقال أيها الناس اشخصوا الى أميركم فانه قد توجه الى عدوّ المسلمين بأجنادين وقد كتب الىّ يأمرنى بموافاته هناك ثم خرج بالناس ومضى بهم الدليل وبلغ ذلك الجيش الذى جاء فى طلبهم فعجل المسير فى آثارهم وجاء وردان كتاب من الروم الذين بأجنادين أن عجل الينا فانا مؤمروك علينا ومقاتلون معك العرب حتى ننفيهم من بلادنا فأقبل فى آثار هؤلاء رجاء أن يستأصلهم أو يصيب طرفا منهم فيكون قد نكب طائفة من المسلمين فأسرع المسير فلم يلحقهم وجاؤا حتى قدموا على المسلمين وجاء وردان فيمن معه حتى وافى جمع الروم بأجنادين فأمروه عليهم واشتدّ أمرهم وأقبل يزيد بن أبى سفيان حتى وافى أبا عبيدة وخالدا ثم انهم ساروا حتى نزلوا بأجنادين وجاء عمرو بن العاص فيمن معه فاجتمع المسلمون جميعا بأجنادين وتزاحف الناس غداة السبت فخرج خالد فأنزل أبا عبيدة فى الرجال وبعث معاذ بن جبل على الميمنة وسعد بن عامر على الميسرة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل على الخيل وأقبل خالد يسير فى الناس لا يقرّ فى مكان واحد يحرّض الناس وقد أمر نساء المسلمين فاحتزمن وقمن وراء الناس يدعون الله ويستغثنه وكلما مرّ بهنّ رجل من المسلمين رفعن أولادهنّ اليه وقلن لهم قاتلوا دون أولادكم ونسائكم* وأقبل خالد يقف على كل قبيلة فيقول اتقوا الله عباد الله وقاتلوا فى الله من كفر بالله ولا تنكصوا على أعقابكم ولا تهابوا من عدوّكم ولكن أقدموا كاقدام الاسد أو ينجلى الرعب وأنتم أحرار كرام قد أوتيتم الدنيا واستوجبتم على الله ثواب الاخرة ولا يهولنكم ما ترون من كثرتهم فانّ الله منزل رجزه وعقابه بهم وقال للناس اذا حملت فاحملوا* وقال معاذ بن جبل يا معشر المسلمين اشروا أنفسكم اليوم لله فانكم ان هزمتموهم اليوم كانت لكم دار الاسلام أبدا مع رضوان الله والثواب العظيم من الله وكان من رأى خالد مدافعتهم وان يؤخر القتال الى صلاة الظهر عند مهب الارياح وتلك الساعة التى كان رسول الله ﷺ يستحب القتال فيها فأعجله الروم فحملوا عليهم مرّتين من قبل الميمنة على معاذ بن جبل ومن قبل الميسرة على سعيد بن عامر فلم يتخلخل أحد منهم ورموا المسلمين بالنشاب فنادى سعيد بن زيد وكان من أشدّ الناس يا خالد علام نستهدف لهؤلاء الا علاج وقد رشقونا بالنشاب حتى شمست الخيل فقال خالد للمسلمين احملوا رحمكم الله على اسم الله فحمل خالد والناس بأجمعهم فما واقفوهم فوقا فهزمهم الله فقتلهم المسلمون كيف شاؤا وأصابوا عسكرهم وما فيه وأصابت أبان بن سعيد بن العاص نشابة فنزعها وعصبها بعمامته فحمله اخوته فقال لا تنزعوا عما متى عن جرحى فلو قد نزعتموها تبعتها نفسى أم والله ما أحب ان لى بها معجرا من خمر النساء فمات منها ﵀ وأبلى يومئذ بلاء حسنا وقاتل قتالا شديدا عظم فيه عناؤه وعرف به مكانه وكان قد تزوّج أم أبان بنت عتبة بن ربيعة وبنى عليها فباتت عنده الليلة التى زحفوا للعدوّ فى غدها فاصيب فقالت امّ أبان هذه لما مات ما كان أغنانى عن ليلة أبان وقتل اليعبوب بن عمرو بن ضريس المشجعى يومئذ سبعة من المشركين وكان شديدا جليدا فطعن طعنة كان يرجى أن يبرأ منها فمكث أربعة أيام أو خمسة ثم انتقضت به فاستأذن أبا عبيدة أن يأذن له فى المسير الى أهله فان يبرأ رجع اليهم فأذن له فرجع الى أهله بالعمر عمر المدائن فمات ﵀ فدفن هناك وقتل سلمة بن هشام المخزومى ونعيم بن عدى بن صخر العدوى وهشام بن العاص السهمى أخو عمرو بن العاص وهبار بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن الطفيل الدوسى وهو ابن ذى النور وكان من فرسان المسلمين فقتلوا يومئذ ﵏ وقتل المسلمون منهم يومئذ فى المعركة ثلاثة آلاف واتبعوهم يأسرون ويقتلون فخرج فان الروم الى ايليا وقيسارية ودمشق وحمص فتحصنوا فى المدائن العظام*
كتاب خالد بالفتح الى أبى بكر رضى الله عنهما
وكتب خالد الى أبى بكر لعبد الله
стр. 744
أبى بكر خليفة رسول الله من خالد بن الوليد سيف الله المصبوب على المشركين سلام عليك فانى أخبرك أيها الصديق انا التقينا نحن والمشركون وقد جمعوا لنا جموعا جمة بأجنادين وقد رفعوا صليبهم ونشروا كتبهم وتقاسموا بالله لا يفرّون حتى يفنونا أو يخرجونا من بلادهم فخرجنا واثقين بالله متوكلين على الله فطاعناهم بالرماح شيئا ثم صرنا الى السيوف فقا رعناهم بها مقدار نحر جزور ثم انّ الله أنزل نصره وأنجز وعده وهزم الكافرين فقتلناهم فى كل فج وشعب وغائط فالحمد لله على اعزاز دينه واذلال عدوّه وحسن الصنيع لاوليائه والسلام عليك ورحمة الله وبركاته* وبعث خالد بكتابه هذا مع عبد الرحمن ابن حنبل الجمحى فلما قرئ على أبى بكر وهو مريض مرضه الذى توفاه الله فيه أعجبه ذلك وقال الحمد لله الذى نصر المسلمين وأقرّ عينى بذلك* قال سهل بن سعد وكانت وقعة أجنادين هذه أوّل وقعة عظيمة كانت بالشأم وكانت سنة ثلاث عشرة فى جمادى الاولى لليلتين بقيتا منه يوم السبت نصف النهار قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه بأربع وعشرين ليلة* وذكر الطبرى عن ابن اسحاق انّ الذى كان على الروم تدارق أخو هرقل لابيه وأمه ثم ذكر عنه عن عروة بن الزبير قال كان على الروم رجل منهم يقال له القلقنار وكان استخلفه على امراء الشأم حين سار الى القسطنطينية واليه انصرف تدارق ومن معه من الروم* قال ابن اسحاق فأما علماء الشأم فيزعمون انه كان على الروم تدارق والله أعلم وعنه لما ترا آى العسكران بعث القلنقار رجلا عربيا فقال له ادخل فى هؤلاء القوم فأقم فيهم يوما وليلة ثم ائتنى بخبرهم فدخل فى الناس رجل عربى لا ينكر عليه فأقام فيهم يوما وليلة ثم أتاه فقال له ما وراءك فقال له بالليل رهبان وبالنهار فرسان ولو سرق ابن ملكهم لقطعوا يده ولوزنى لرجم لاقامة الحق فيهم فقال له القلنقار لئن كنت صدقتنى لبطن الارض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها ولوددت أن الله يخلى بينى وبينهم فلا ينصرنى عليهم ولا ينصرهم علىّ ثم تزاحف الناس فاقتتلوا فلما رأى القلنقار ما رأى من قتالهم للروم قال للروم لفوا رأسى بثوب قالوا له لم قال هذا يوم بئيس ما أحب ان أراه ما رأيت لى من الدنيا يوما أشدّ من هذا قال فاحتز المسلمون رأسه وانه للملفف* وعن غير ابن اسحاق قال ثم ان خالد بن الوليد أمر الناس أن يسيروا الى دمشق وأقبل بهم حتى نزلها وقصد الى ديره الذى كان ينزل به وهو من دمشق على ميل مما يلى الباب الشرقى وبخالد يعرف ذلك الدير الى اليوم وجاء أبو عبيدة حتى نزل على باب الجابية ونزل يزيد بن أبى سفيان على باب آخر من دمشق فأحاطوا بها فكثروا حولها وحاصروا أهلها حصارا شديدا وقدم عبد الرحمن بن حنبل من عند أبى بكر بكتابه الى خالد والى يزيد قال فخرج خالد بالمسلمين ذات يوم فأحاطوا بمدينة دمشق ودنوا من أبوابها فرماهم أهلها بالحجارة ورشقوهم من فوق السور بالنشاب* قال ابن حنبل
فبلغ أبا سفيان عنا بأننا ... على خير حال كان جيش يكونها
فانا على بابى دمشق نرتمى ... وقدحان من بابى دمشق حينها
*
(وقعة مرج الصفر)
* سنة أربع عشرة قال فان المسلمين لكذلك يقاتلونهم ويرجون فتح مدينتهم أتاهم آت فأخبر انّ هذا جبش قد أتاكم من قبل الروم فنهض خالد بالناس على تعبيته وهينته فقدّم الاثقال والنساء وخرج معهن يزيد بن أبى سفيان ووقف خالد وأبو عبيدة من وراء الناس ثم أقبلوا نحو ذلك الجيش فاذا هو درنجان بعثه ملك الروم فى خمسة آلاف رجل من أهل القوّة والشدّة ليغيث أهل دمشق فصمد المسلمون صمدهم وخرج اليهم أهل القوّة من أهل دمشق وناس كثير من أهل حمص فالقوم نحو من خمسة عشر ألفا فلما نظر اليهم خالد عبىّ لهم أصحابه كتعبيته يوم أجنادين فجعل على ميمنته معاذ بن جبل وعلى ميسرته هاشم بن عتبة وعلى الخيل سعيد بن زيد وأبا عبيدة على الرجال وذهب خالد فوقف فى أوّل
стр. 745
الصف يريد أن يحرض الناس ثم نظر الى الصف من أوّله الى آخره حتى حملت خيل لهم على خالد بن سعيد وكان واقفا فى جماعة من المسلمين فى ميمنة الناس يدعون الله وانقض عليهم فحملت طائفة منهم عليه فقاتلهم حتى قتل ﵀ وحمل عليهم معاذ بن جبل من الميمنة فهزمهم وحمل عليهم خالد بن الوليد من الميسرة فهزم من يليه منهم وحمل سعيد بن زيد بالخيل على معظم جمعهم فهزمهم الله وقتلهم واجتث عسكرهم ورجع الناس وقد ظفروا وقتلوهم كل قتلة وذهب المشركون على وجوههم فمنهم من دخل دمشق مع أهلا ومنهم من رجع الى حمص ومنهم من لحق بقيصر* وعن عمرو بن محصن ان قتلاهم يومئذ وهو يوم مرج الصفر كانت خمسمائة من المعركة وقد قتلوا وأسروا نحوا من خمسمائة أخرى* وقال أبو أمامة فيما رواه عنه يزيد بن زيد بن جابر كان بين أجنادين وبين يوم مرج الصفر عشرون يوما قال فحسبت ذلك فوجدته يوم الخميس اثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الاخرة قبل وفاة أبى بكر بأربعة أيام ثم انّ الناس أقبلوا عودهم على بدئهم حتى نزلوا دمشق فحاصروا أهلها وضيقوا عليهم وعجز أهلها عن قتال المسلمين ونزل خالد منزله الذى كان ينزل به على الباب الشرقى ونزل أبو عبيدة منزله على باب الجابية ونزل يزيد بن أبى سفيان جانبا آخر وكان المسلمون يغزون فكلما أصاب رجل نفلا جاء بنفله حتى يلقيه فى القيض لا يستحل أن يأخذ منه قليلا ولا كثيرا حتى انّ الرجل منهم ليجىء بالكبة الغزل أو بالكبة الصوف أو الشعر أو المسلة أو الابرة فيلقيها فى القيض لا يستحل أن يأخذها فسأل صاحب دمشق بعض عيونه عن أعمالهم وسيرتهم فوصفهم له بهذه الصفة بالامانة ووصفهم بالصلاة بالليل وطول القيام فقال هؤلاء رهبان بالليل أسد بالنهار والله مالى بهؤلاء طاقة ومالى فى قتالهم خير قال فراود المسلمين على الصلح فأخذ لا يعطيهم ما يرضيهم ولا يتابعونه على ما يسأل وهو فى ذلك لا يمنعه من الصلح والفراغ الا انه قد بلغه أن قيصر يجمع الجموع للمسلمين يريد غزوهم فكان ذلك مما يمنعه من تعجيل الصلح وعلى تعبيته تلك بلغ المسلمين الخبر بوفاة أبى بكر الصديق واستخلافه عمر بن الخطاب وما يتبعه ذلك من صرف خالد بن الوليد بأبى عبيدة بن الجراح وستجىء فى خلافة عمر رضى الله عنه*
(ذكر مرض أبى بكر ووفاته رضى الله عنه)
* عن عبد الله بن عمر قال كان سبب موت أبى بكر وفاة رسول الله ﷺ كمد فما زال جسمه يحرى حتى مات الكمد الحزن المكتوم* قال ابن شهاب انّ أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لابى بكر فقال الحارث لابى بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله انّ فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت فى يوم فرفع أبو بكر يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا فى يوم واحد عند انقضاء السنة كذا فى الصفوة* وفى الاكتفاء اختلف أهل العلم فى السبب الذى توفى منه أبو بكر فذكر الواقدى انه اغتسل فى يوم بارد فحمّ ومرض خمسة عشر يوما لا يخرج الى الصلاة وكان يأمر عمر بن الخطاب يصلى بالناس كذا فى الرياض النضرة* وقال الزبير بن بكار كان به طرف من السل وقال غيره أصل ابتداء ذلك السل به الوجد على رسول الله ﷺ لما قبضه الله اليه فما زال ذلك به حتى قضى منه* وروى عن سلام بن أبى مطيع انه رضى الله عنه سم وبعض من ذكر ذلك يقول انّ اليهود سمته فى أرزة وقيل فى حريرة فمات بعد سنة كما مرّ وقيل له لو أرسلت الى طبيب فقال قد رآنى قالوا فما قال لك قال قال انى أفعل ما أريد وكذلك اختلف فى حين وفاته* قال ابن اسحاق توفى يوم الجمعة لليال بقين من جمادى الاخرة سنة ثلاث عشرة* وقال غيره من أهل السير انه مات عشاء يوم الاثنين وقيل ليلة الثلاثاء وقيل عشاء الثلاثاء وهذا هو الاكثر فى وفاته* وفى الصفوة قيل ليلة الاثنين بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الاخرة* وفى التذنيب وشرح العقائد العضدية من جمادى الاولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة* وفى بعض الكتب بعد
стр. 746
مضى سنتين وستة أشهر من وفاة النبى ﷺ وهو ابن اثنتين وستين سنة وستة أشهر وأسلم وهو ابن سبع وثلاثين سنة وعاش فى الاسلام ستا وعشرين سنة وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته فصى أوّل امرأة غسلت زوجها فى الاسلام وأوصى أن يدفن الى جنب رسول الله وقال اذا أنامت فحيئوابى على الباب يعنى باب البيت الذى فيه قبر رسول الله ﷺ فادفعوه فان فتح لكم فادفنونى قال جابر فانطلقنا فدفعنا الباب وقلنا هذا أبو بكر الصديق قد اشتهى ان يدفن عند النبىّ ﷺ ففتح الباب ولا ندرى من فتح لنا وقال لنا ادخلوا ادفنوه كرامة ولا نرى شخصا ولا نرى شيئا كذا فى الصفوة* وفى شواهد النبوّة سمعوا صوتا يقول ضموا الحبيب الى الحبيب* وفى الاكتفاء آخر ما تكلم به أبو بكر رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين* ولما توفى أبو بكر ارتجت المدينة بالبكاء ودهش القوم كيوم قبض فيه رسول الله ﷺ وصلى عليه عمر بن الخطاب فى مسجد رسول الله بين القبر والمنبر وحمل على السرير الذى حمل عليه رسول الله ﷺ ونزل فى قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر ودفن ليلا فى بيت عائشة مع النبىّ ﷺ وجعل رأسه عند كتفى رسول الله ﷺ * وفى الصفوة ولحده بلحده وجعل قبره مسطحا مثل قبر النبىّ ﷺ ورش عليه بالماء كذا فى الاكتفاء* مروياته فى كتب الحديث مائة واثنان وأربعون حديثا* حكى ابن النجار انّ أبا قحافة حين توفى أبو بكر كان حيا بمكة نعى اليه قال رزء جليل وعاش بعده ستة أشهر وأياما وتوفى فى المحرم سنة أربع عشرة بمكة لسبع وتسعين سنة كذا فى الرياض النضرة*
(ذكر أولاد أبى بكر)
* وكان له من الولد ستة ثلاثة بنين وثلاث بنات أما البنون فعبد الله وهو أكبر ولده الذكور امه قتيلة ويقال قتلة دون تصغير من بنى عامر بن لؤى شهد فتح مكة وحنينا والطائف مع النبىّ ﷺ وجرح بالطائف رمى بسهم رماه أبو محجن الثقفى واندمل جرحه الى خلافة أبيه بعد وفاة النبىّ ﷺ وانتقض به فمات فى أوّل خلافة أبيه أبى بكر وذلك فى شوّال من سنة احدى عشرة ودفن بعد الظهر وصلى عليه أبوه ونزل فى قبره أخوه عبد الرحمن وعمر وطلحة بن عبيد الله اخرجه أبو نعيم وابن منده وأبو عمر وكذا فى أسد الغابة وترك سبعة دنانير فاستنكرها أبو بكر ولا عقب له كذا فى الرياض النضرة وعبد الرحمن ويكنى أبا عبد الله وقيل أبا محمد بابنه محمد الذى يقال له أبو عتيق وقيل أبو عثمان أمّه أم رومان بنت الحارث من بنى فراس بن غنم بن كنانة أسلمت وهاجرت وكان عبد الرحمن شقيق عائشة شهد بدرا وأحدا مع المشركين وكان من الشجعان وكان راميا حسن الرمى وله مواقف فى الجاهلية والاسلام مشهورة دعا الى البراز يوم بدر فقام اليه أبوه أبو بكر ليبارزه فقال له رسول الله ﷺ متعنى بنفسك ثم منّ الله عليه فأسلم فى هدنة الحديبية وكان اسمه عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن وقيل كان اسمه عبد العزى وله عقب* وفى الاستيعاب ذكر الزبير عن سفيان بن عيينة عن على بن زيد بن جدعان انّ عبد الرحمن بن أبى بكر فى فئة من قريش هاجروا الى النبىّ ﷺ قبل الفتح وأحسبه قال ان معاوية كان منهم وكذا فى أسد الغابة وشهد اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من أكابرهم وهو الذى قتل محكم اليمامة بن الطفيل رماه فى نحره فقتله وكان محكم اليمامة فى ثلمة فى الحصن فلما قتل دخل المسلمون منها* قال الزبير بن بكار كان عبد الرحمن أسن ولد أبى بكر وكان فيه دعابة أى مزاح وشهد وقعة الجمل مع أخته عائشة* روى الزبير بن بكار انه بعث معاوية الى عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية فردّها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها وقال لا أبيع دينى
стр. 747
بدنياى وخرج الى مكة ومات بها قبل ان تتم البيعة ليزيد وكان موته فجأة سنة ثلاث وخمسين فى نومة نامها بمكان اسمه حبشى كصلبى جبل باسفل مكة قريب منها وقيل على نحو عشرة اميال من مكة وحمل على أعناق الرجال الى مكة* وفى الرياض النضرة أدخلته أخته عائشة الحرم ودفنته* وفى أسد الغابة ولما اتصل خبر موته باخته عائشة ظعنت الى مكة حاجة فوقفت على قبره فبكت عليه وتمثلت بقول متمم بن نويرة فى أخيه مالك
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
ولما تفرّقنا كأنى وملكا ... لطول افتراق لم نبت ليلة معا
أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مت ولو حضرتك ما بكيتك وهذا يغاير ما سبق آنفا من رواية الرياض النضرة أدخلته أخته عائشة الحرم ودفنته وكان موته سنة ثلاث وخمسين كما مرّ وقيل سنة خمس وخمسين وقيل سنة ست وخمسين والاوّل أكثر* مروياته فى كتب الاحاديث ثمانية أحاديث ولا يعرف فى الصحابة أربعة ولاء أب وبنوه والذى بعد كل منهم ابن الذى قبله أسلموا وصحبوا النبىّ ﷺ الا فى بيت أبى بكر الاوّل أبو قحافة اسمه عثمان بن عامر وابنه أبو بكر الصدّيق وابنه عبد الرحمن ابن أبى بكر وابنه محمد بن عبد الرحمن أبو عتيق وكذلك ثبت هذا فى ولد أسماء* ومحمد بن أبى بكر ويكنى أبا القاسم وكان من نساك قريش الا انه أعان على عثمان يوم الدار أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكانت من المهاجرات الاول وكانت تحت جعفر بن أبى طالب وهاجرت معه الى الحبشه ولما استشهد جعفر بمؤتة من أرض الشأم تزوّجها بعده أبو بكر فولدت له محمدا هذا بذى الحليفة لخمس ليال بقين من ذى القعدة سنة عشر من الهجرة وهى شاخصة الى الحج فى حجة الوداع مع النبىّ ﷺ هى وأبو بكر فأمرها النبىّ ﵇ أن تغتسل وترجل ثم تهل بالحج وتصنع ما يصنع الحاج الا انها لا تطوف بالبيت فكانت سببا لحكم شرعى الى قيام الساعة وزكاها النبىّ ﷺ وبرأها من الفحشاء* ولما توفى أبو بكر عنها تزوّجها على بن أبى طالب فنشأ محمد بن أبى بكر فى حجر على بن أبى طالب وكان على راحلته يوم الجمل وشهد معه صفين وولاه عثمان فى أيامه مصر وكتب له العهد ثم اتفق مقتل عثمان قبل وصوله اليها وولاه أيضا علىّ مصر مكان قيس بن سعد بعد مرجعه من صفين*
ذكر مقتل محمد بن أبى بكر
وذكر فى تاريخ ابن خلكان وغيره انّ على بن أبى طالب ولى محمد بن أبى بكر الصدّيق مصر فدخلها سنة سبع وثلاثين من الهجرة وأقام بها الى ان بعث معاوية بن أبى سفيان عمرو بن العاص فى جيوش أهل الشأم ومعهم معاوية بن حديج بحاء مهملة مضمومة ودال مهملة مفتوحة وبالجيم فى آخره كذا ضبطه السمعانى فى الانساب وابن عبد البر وابن قتيبه* ووقع فى كثير من نسخ تاريخ ابن خلكان معاوية بن خديج بخاء معجمة مفتوحة ودال مكسورة وآخره جيم وهو غلط والصواب ما تقدّم فالتقى هو ومعاوية ابن خديج وأصحابه فاقتتلوا وانهزم محمد بن أبى بكر واختبى فى بيت مجنونة فمرّ أصحاب معاوية بن حديج بالمجنونه وهى قاعدة على الطريق وكان لها أخ فى الجيش فقالت تريد قتل أخى قال لا ما أقتله قالت فهذا محمد بن أبى بكر داخل بيتى فامر معاوية أصحابه فدخلوا اليه وربطوه بالحبال وجرّوه على الارض وأتوا به الى معاوية فقال محمدا حفظنى لابى بكر فقال له قتلت من قومى فى قصة عثمان ثمانين رجلا وأتركك وأنت صاحبه لا والله فقتله فى صفر سنة ثمان وثلاثين وأمر به معاوية انّ يجر فى الطريق ويمرّ على دار عمرو بن العاص لما يعلم من كراهته لقتله وأمر به أن يحرق بالنار فى جيفة حمار وعليه أكثر المؤرّخين* وقال غيره بل وضعه حيا فى جيفة حمار ميت وأحرقه وكان ذلك قتله وسبب ذلك دعوة اخته عائشة لما أدخل يده فى هودجها يوم وقعة الجمل وهى لا تعرفه فظنته اجنبيا فقالت من هذا الذى
стр. 748
يتعرّض لحرم رسول الله أحرقه الله بالنار قال يا اختاه قولى بنار الدنيا قالت بنار الدنيا ودفن فى الموضع الدى قتل فيه فلما كان بعد سنة من مدفنه أتى غلامه وحفر قبره فلم يجد فيه سوى الرأس فأخرجه ودفنه فى المسجد تحت المنارة ويقال انّ الرأس فى القبلة* قال وكانت عائشة قد أنفذت أخاها عبد الرحمن الى عمرو بن العاص فى شأن محمد فاعتذر بانّ الامر لمعاوية بن حديج ولما قتل رضى الله عنه ووصل خبره الى المدينة مع مولاه سالم ومعه قميصه فدخل به داره رجال ونساء فامرت أم حبيبة بنت أبى سفيان بكبش فشوى فبعثت به الى عائشة وقالت هكذا شوى أخوك فلم تأكل عائشة بعد ذلك شوى حتى ماتت* وقالت هند بنت شمس الحضرمية رأيت نائلة امرأة عثمان بن عفان تقبل رجل معاوية بن حديج وتقول بك أدركت ثارى ولما سمعت أمّه أسماء بنت عميس بقتله كظمت الغيظ حتى شخبت ثدياها دما ووجد عليه على بن أبى طالب وجدا عظيما وقال كان لى ربيبا وكنت أعدّه ولدا ولى أخا وذلك انّ عليا قد تزوّج امّه أسماء بنت عميس بعد وفاة الصدّيق ورباه كذا فى حياة الحيوان* وأما البنات فعائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها شقيقة عبد الرحمن تزوّجها رسول الله ﷺ فثبت لابى بكر بذلك أشرف الشرف فكانت احدى أمّهات المؤمنين وحظوتها عنده وشرف منزلتها وعظم رتبتها على سائر النساء مشهور حتى بلغ ذلك منه الى ان قيل من أحب الناس اليك يا رسول الله قال عائشة فقيل ومن الرجال فقال أبوها فكانت أحب الناس اليه مطلقا بنت أحب الناس اليه من الرجال وكيفية تزويجها وزفافها قد سبقت فى الركن الثانى والثالث وأسماء بنت أبى بكر شقيقة عبد الله وهى أكبر بناته وهى ذات النطاقين وقد تقدّم سبب تسميتها بذلك فى هجرة أبى بكر مع رسول الله وتزوّجها الزبير بن العوام بمكة وولدت له عدّة أولاد ثلاثة ذكور المنذر وعروة وهو احد الفقهاء السبعة المدنيين والمهاجر وثلاث اناث خديجة الكبرى وأمّ الحسن وعائشة ثم طلقها فكانت مع ولدها عبد الله بن الزبير بمكة حتى قتل وعاشت بعده قليلا وكانت من المعمرين بلغ عمرها مائة سنة ولم يسقط لها سنّ وعميت وماتت بمكة وقد تقدّم ما ثبت برؤية ولدها رسول الله ﷺ وروايته عنه لبيت أبى بكر من الشرف بوجود أربعة فيه بعضهم ولد بعض رأوا رسول الله ورووا عنه وأمّ كلثوم وهى أصغر بناته وفى المختصر أمّها نصرانية وهى التى قال أبو بكر فيها ذو بطن بنت خارجة أمّها حبيبة بنت خارجة بن زيد كان أبو بكر قد نزل عليه فى الهجرة وتزوّج ابنته وتوفى عنها وتركها حبلى فولدت بعده أمّ كلثوم هذه ولما كبرت خطبها عمر بن الخطاب الى عائشة فانعمت له وكرهت أمّ كلثوم بنت علىّ فاحتالت له حتى أمسك عنها وتزوّجها طلحة بن عبيد الله ذكره ابن قتيبه وغيره وجميع ما ذكر من كتاب المعارف ومن الصفوة لابى الفرج بن الجوزى ومن الاستيعاب لابى عمرو بن عبد البر ومن كتاب فضائل أبى بكر كل منهم خرج طائفة كذا فى الرياض النضرة*
(ذكر عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب)
* يلتقى هو ورسول الله عند كعب وبين عمر وكعب ثمانية آباء وبين النبىّ ﷺ وكعب سبعة لم يزل اسمه فى الجاهلية والاسلام عمر وكناه رسول الله ابا حفص والحفص ولد الاسد وكان ذلك يوم بدر ذكره ابن اسحاق* وسماه رسول الله ﷺ الفاروق يوم أسلم فى دار الارقم عند الصفا وبه تم المسلمون أربعين فخرجوا وأظهروا الاسلام فرق الله بعمر بين الحق والباطل كذا روى عن ابن عباس وكذا ذكر فى الرياض النضرة وأمّه خيثمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وقد قال طائفة فى أمّ عمر خيثمة بنت هشام بن المغيرة ومن قال ذلك فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبى جهل بن هشام والحارث بن هشام وليس كذلك وانما هى بنت هاشم بن المغيرة وانّ هاشم بن المغيرة وهشام بن المغيرة اخوان فهاشم والد خيثمة
стр. 749
أمّ عمر وهشام والد الحارث وأبى جهل وأمّ عمر ابنة عمهما وهاشم بن المغيرة هذا جدّ عمر لامّه وكان يقال له ذو الرمحين كذا فى الاستيعاب* وولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة*
(صفته)
* فى الرياض النضرة قال ابن قتيبة الكوفيون يرون انّ عمر آدم شديد الادمة وأهل الحجاز يرون انه أبيض أمهق* قال صاحب الصفوة كان عمر طوالا أصلع أجلح شديد حمرة العينين خفيف العارضين* وقال أبو عمرو كان كث اللحية أعسر يسر آدم شديد الادمة وهكذا وصفه رزين بن حبيش وغيره يعنى شديد الادمة وعليه الاكثر* وقال الواقدى لا يعرف انه كان آدم الا ان يكون تغير لونه من أكل الزيت عام الرمادة* فى الصحاح عام الرمادة أعوام تتابعت على الناس فى أيام عمر بن الخطاب فهلك فيه الناس والاموال من رمدت الغنم ترمد رمدا هلكت* قوله والادم من الناس الاسمر والجمع الادمان والادمة بضم الهمزة واسكان الدال السمرة الامهق الذى يشبه لونه لون الجص لا يكون له دم ظاهر الاصلع هو الذى انحسر شعر مقدم رأسه ويقال لموضع الصلع صلعة بالتحريك وصلعة بضم الصاد واسكان اللام والاجلح هو الذى انحسر الشعر من جانبى رأسه فوق الانزع وأوّله النزع ثم الجلح ثم الصلع واسم ذلك الموضع جلحة بالتحريك وأعسر يسر هو الذى يعمل بيديه جميعا ويقال له الاضبط* قال ابو رجاء العطاردى كان عمر طويلا جسيما أصلع شديد الصلع أبيض شديد حمرة العينين فى عارضيه خفة سبلته كثيرة الشعر فى أطرافها صهبة وزاد فى دول الاسلام اذا حزبه أمر فتلها وكان أحول* وعن سماك ابن حرب قال كان عمر أروح كأنه راكب والناس يمشون* وفى المختصر الجامع كأنه راكب جمل والناس مشاة كأنه من رجال سدوس خرجه الحافظ السلفى قال الاروح هو الذى تتدانى قدماه اذا مشى* وقال الجوهرى هو الذى تتباعد صدور قدميه وتتدانى عقباه وكل نعامة روحاء* وقال وهب صفته فى التوراة قرن من حديد أمين شديد* القرن الجبل الصغير وكان يختضب بالحناء والكتم وخرج القاضى أبو بكر بن الضحاك عن ابن عمر أن عمر كان لا يغير شيبه فقيل له يا أمير المؤمنين ألا تغير وقد كان أبو بكر يغير فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من شاب شيبة فى الاسلام كانت له نورا يوم القيامة وما أنا بمغير والاوّل أصح* روى انه رضى الله عنه كان يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى ويثب على فرسه كأنما خلق على صخرة* وقال ابن مسعود انى لا حسب عمر ذهب يوم توفى بتسعة اعشار العلم ولو أنّ علمه وضع فى كفة ميزان ووضع علم أحياء الارض فى كفة لرجح علمه عليهم* وقال قتادة كان عمر يلبس جبة صوف مرقعة بأدم ويطوف فى السوق معه الدرة يؤدّب الناس بها* وقال أنس رأيت بين كتفى عمر أربع رقاع فى قميصه* وقال طارق بن شهاب لما قدم عمر الشأم لقيه الجنود وعليه ازار فى وسطه وعمامة قد خلع خفيه وهو يخوض فى الماء آخذ بزمام راحلته وخفاه تحت ابطه فقالوا له يا أمير المؤمنين الان يلقاك الامراء وبطارقة الشأم وأنت هكذا فقال انا قوم أعزنا الله بالاسلام فلن نلتمس العز بغيره* وعن معاوية قال أمّا أبو بكر فلن يرد الدنيا ولن ترده الدنيا وأمّا عمر فأرادته الدنيا ولم يردها وأما عثمان فأصاب منها وأما نحن فتمر غنا فيها ظهر البطن قيل كان فى خدّى عمر خطان أسودان من البكاء وقد فتح الفتوحات وكثر المال فى دولته الى الغاية حتى عمل بيت المال ووضع الديوان ورتب لرعيته ما يكفيهم وفرض للاجناد وكان نوّابه باليمن وبأوائل المغرب الى العجم*
(ذكر خلافة عمر رضى الله عنه)
فى شرح العقائد العضديه للعلامة الدوانى انّ أبا بكر بعد ما انقضت على خلافته سنتان وأربعة أشهر مرض فلما أيس من حياته دعا عثمان وأملى عليه كتاب العهد لعمر فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قحافة فى آخر عهده بالدنيا خارجا عنها وأوّل عهده بالاخرة داخلا فيها حين يؤمن الكافر ويوقن الفاجر أنى استخلفت* وفى الاكتفاء ولما انتهى أبو بكر الى
стр. 750
هذا الموضع ضعف ورهقته غشية فكتب عثمان وقد استخلف عمر بن الخطاب فأمسك حتى أفاق أبو بكر قال أكتبت شيئا قال نعم كتبت عمر بن الخطاب قال رحمك الله أما لو كتبت نفسك لكنت لها أهلا فاكتب قد استخلفت عمر بن الخطاب فان عدل فذلك ظنى به ورأيى فيه وذلك أردت وما توفيقى الا بالله وان بدّل فلكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت والخير أردت ولا علم لى بالغيب* وفى رواية ما أردت الا الخير ولا يعلم الغيب الا الله وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون* وفى الاكتفاء والتوى عمر على أبى بكر فى قبول عهده وقال لا أطيق القيام بامر الناس فقال أبو بكر لابنه عبد الرحمن ارفعنى وناولنى السيف فقال عمر أو تعقبنى قال لا فعند ذلك قبل* ذكر هذا كله أبو الحسن المدائنى فلما كتب ختم الصحيفة وأخرجها الى الناس وأمرهم أن يبايعوا لمن فى الصحيفة حتى مرّت بعلىّ فقال بايعت لمن فيها وان كان عمر فوقع الاتفاق على خلافته* وفى الاكتفاء ولما استمرّ بابى بكر وجعه وثقل أرسل الى عثمان وعلىّ ورجال من أهل السابقة والفضل من المهاجرين والانصار فقال قد حضر ما ترون ولا بدّ من قائم بأمركم يجمع فئتكم ويمنع ظالمكم من الظلم ويردّ على الضعيف حقه فان شئتم اخترتم لانفسكم وان شئتم جعلتم ذلك الىّ فو الله لا آلوكم ونفسى خيرا* وفى رواية قال لهم أترضون بخلافة خليفة أعينه لكم والله ما أعين لكم أحدا من أقربائى قالوا قد رضينا من اخترت لنا فقال قد اخترت عمر فقال طلحة والزبير ما كنت قائلا لربك اذا وليته مع غلظته* وفى رواية قال طلحة أتولى علينا فظا غليظا ما تقول لربك اذا لقيته فقال أبو بكر ساندونى فأجلسوه فقال أبا لله تخوّفنى أقول استعملت عليهم خير أهلك وحلفت ما تركت أحدا أشدّ حبا له من عمر فستعلمون اذا فارقتموه وتنافستموها ودخل عثمان وعلىّ فاخبرهما أبو بكر فقال عثمان علمى به انه يخاف الله فوله فما فينا مثله وقال على يا خليفة رسول الله امض لرأيك فما نعلم به الا خيرا فقام عمر عشر سنين* وفى سيرة مغلطاى فاقام عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال بامر الخلافة والامامة وأقامها على نهج العدل والاستقامة واستشهد فى ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة على يد أبى لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة كما سيجىء* وقال ابن اسحاق ومدّة خلافته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال وقال غيره ثلاثة عشر يوما كذا فى حياة الحيوان قال حمزة بن عمرو توفى أبو بكر مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الاخرة من السنة الثالثة عشر من الهجرة واستقبل عمر لخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبى بكر* وعن جامع بن شدّاد عن أبيه قال كان أوّل كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال اللهم انى شديد فلينى وانى ضعيف فقوّنى وانى بخيل فسخنى وهو أوّل خليفة دعى بأمير المؤمنين وبه تم المسلمون أربعين كما مرّ كذا فى الصفوة وأوّل من وضع التاريخ بعام الهجرة وضعه فى السنة السابعة عشر وهو أوّل من جمع الناس على امام واحد فى قيام رمضان وأوّل من أخر المقام الى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت وقيل بل أوّل من أخره رسول الله ﷺ وأوّل من حمل الدرّة لتأديب الناس وتعزيرهم وفتح الفتوح ووضع الخراج ومصر الامصار واستقضى القضاة ودوّن الديوان وفرض العطية وكان نقش خاتمه الذى اصطنعه لنفسه كفى بالموت واعظا يا عمر ذكره أبو عمرو وغيره وأمّا الخاتم الذى يختم به فهو خاتم رسول الله ﷺ وكان نقشه محمد رسول الله وهو الذى وقع فى بئر أريس وقد مرّ وحج بالناس عشر حجات متواليات آخرها سنة ثلاث وعشرين وحج بازواج رسول الله فى آخر حجج عشر حجها فى أيام خلافته* وفى البحر العميق عن محمد بن سعيد انّ عمر وهو خليفة استعمل على الحج أوّل سنة ولى عبد الرحمن بن عوف فحج بالناس ثم لم يزل عمر يحج بالناس فى خلافته كلها فحج عشر سنين وحج بازواج رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى آخر حجة حجها واعتمر فى خلافته ثلاث عمر وعن ابن عباس قال حججت مع عمر احدى
стр. 751
عشرة حجة*
(ذكر كتابه وقضاته وأمرائه)
* أمّا كتابه فعبد الرحمن بن خلف الخزاعى وزيد بن ثابت وعلى بيت المال زيد بن أرقم* وأمّا قضاته فزيد بن أحب النمر بالمدينة وأبو أمية شريح بن الحارث الكندى بالكوفة ويقال انّ شريحا هذا قام قاضيا خمسا وسبعين سنة الى أيام الحجاج فعطل منها ثلاث سنين وامتنع عن الحكم فى فتنة ابن الزبير فلما تولى الحجاج استعفاه فاعفاه وتوفى سنة تسع وسبعين وله مائة وعشرون سنة* وكان القاضى بمصر قيس بن العاص السهمى ثم كعب بن يسار* وأما أمراؤه فكان أميره بمصر عمرو بن العاص السهمى ثم صرفه عن الصعيد وردّ أمره الى عبد الله بن ابى سرح العامرى وكان الامير بالشأم معاوية بن أبى سفيان* وفى المختصر الجامع وكان فى أيامه فتوح الامصار منها دمشق فتحت صالحا على يد أبى عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ثم الروم طبرية وقيسارية وفلسطين وعسقلان وسار عمر بنفسه ففتح بيت المقدس صالحا وفتحت أيضا بعلبك وحمص وحلب وقنسرين وانطاكية وجلولا والرقة وحران والموصل والجزيرة ونصيبين وآمد والرها وفتحت قادسية والمدائن على يد سعد بن أبى وقاص وزال ملك الفرس وانهزم يزدجرد ملك الفرس ولجأ الى فرغانة والترك وفتحت أيضا كور دجلة والابلة على يد عتبة بن غزوان وفتحت كور الاهواز والجابية على يد أبى موسى وفتحت نهاوند واصطخر وأصفهان وبلاد فارس وتستر وشوش وهمدان والنوبة والبربر كذا ذكره فى الرياض النضرة وأذربيجان وبعض أعمال خراسان* وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص غرة المحرم سنة عشرين وفتح عمر أيضا الاسكندرية وطرابلس الغرب وما يليها من الساحل وفى حياة الحيوان عدّ مما فتحت فى أيام عمر رأس العين وخابور وبيسان ويرموك والرى وما يليها وسيجىء تفصيل بعضها* وفى أيام عمر مصرت البصرة سنة سبع عشرة ومصرت الكوفة ونزلها سعد بن أبى وقاص وفى سنة ثمان عشرة كان عام الرمادة واستسقى عمر بالعباس فسقى وفيها كان طاعون عمواس مات فيه خمسة وعشرون ألفا منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسيجىء* وفى بعض كتب التواريخ وقع فتوح البلاد فى زمان خلافة عمر على هذا الترتيب ففى السنة الاولى فتح بعض بلاد الشام وفى الثانية فتح القادسية واستخلص بلاد السودان وفى الثالثة فتح تمام بلاد الشام وفى الرابعة فتح تمام بلاد عراق العرب وهرب يزدجرد بن شهريار منها الى خراسان وفى الخامسة فتح بلاد ديار بكر ربيعة وفى السادسة وفاة أبى عبيدة ابن الجراح فى الشأم بالطاعون وفتح بلاد اذربيجان وايران وأرمن وبعض من بلاد خوزستان وبعض من فارس وفى السابعة فتح مصر واسكندرية وبحرين وبقية بلاد اليمن وفى الثامنة وقع غزو نهاوند وفتح بعض عراق العجم وفى التاسعة فتحت تتمة بلاد عراق العجم وقومس وبعض ماريدران وتتمة فارس وسادكاره وكرمان وخراسان وهرب يزدجرد بن شهريار من خراسان الى فرغانة اندجان وفى العاشرة فى ذى الحجة وقع قتله رضى الله عنه*
ذكر قصة النيل
وفى الرياض النضرة لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص وقالوا انّ هذا النيل يحتاج فى كل سنة الى جارية بكر من أحسن الجوارى فنلقيها فيه والا فلا يجرى وتخرب البلاد وتقحط فبعث عمرو الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخبره بالخبر فبعث اليه عمر الاسلام يجب ما قبله ثم بعث اليه بطاقة فيها بسم الله الرحمن الرحيم الى نيل مصر من عبد الله عمر بن الخطاب أمّا بعد فان كنت تجرى بنفسك فلا حاجة بنا اليك وان كنت تجرى بامر الله فاجر على اسم الله* وأمره أن يلقيها فى النيل فألقاها فجرى فى تلك السنة ستة عشر ذراعا فزاد على كل سنة ستة أذرع* وفى رواية كتب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين عمر الى نيل مصر أمّا بعد فان كنت تجرى من قبلك فلا تجروان كان الله الواحد القهار هو الذى يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك* وفى رواية فلما ألقى كتابه فى النيل جرى ولم يعد يقف خرج الرواية الاولى والثانية الملافى سيرته*
كرامة فى نداء عمر لسارية وهو على المنبر
وعن عمرو بن
стр. 752
الحارث قال بينما عمر يخطب يوم الجمعة اذ ترك الخطبة ونادى يا سارية الجبل مرّتين أو ثلاثا ثم أقبل على خطبته فقال ناس من أصحاب رسول الله انه لمجنون ترك الخطبة ونادى يا سارية الجبل فدخل عبد الرحمن ابن عوف وكان يبسط عليه فقال يا أمير المؤمنين تجعل للناس عليك مقالا بينما أنت فى خطبتك اذ ناديت يا سارية الجبل أىّ شئ هذا فقال والله ما ملكت ذلك حين رأيت سارية وأصحابه يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل فلم يمض الا أيام حتى جاء رسول سارية بكتابه انّ القوم لا قونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلاة الصبح الى ان حضرت الجمعة وذر حاجب الشمس فسمعنا صوت مناد ينادى يا سارية الجبل مرّتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدوّنا حتى هزمهم الله كذا فى الرياض النضرة يقال فى جبل نهاوند غار سمع منه سارية نداء عمر والى الان يعظم ذلك الغار ويتبرك به ومناقبه الحسنة وسيرته المستحسنة وزهده وشجاعته وهيبته واخلاصه مشهورة وحسبك من كرامته انه كان وزير رسول الله ﷺ * وقال ﷺ لو كان بعدى نبى لكان عمر وقال ﵇ اللهم أعز الاسلام بعمر فاسلم عمر قال ابن مسعود مازلنا أعزة منذ أسلم عمر فانّ اسلامه فتح وما استطعنا أن نصلى حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر* وقال النبىّ ﷺ اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر وقال ﵇ وضع الحق على لسان عمر وقلبه* وقال علىّ خير هذه الامّة بعد نبيها أبو بكر وعمر كذا ذكره الذهبى فى دول الاسلام قام بعد أبى بكر عمر بن الخطاب بمثل سيرته وجهاده وثباته وصبره على العيش الخشن والخبز الشعير والثوب الخام المرقوع* وعن زيد بن ثابت قال رأيت على عمر مرقعة فيها سبع عشرة رقعة والقناعة باليسير ففتح الفتوحات الكبار والاقاليم الشاسعة الواسعة فافتتح عسكره وعليهم سعد ابن أبى وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة مملكة كسرى وكانت جيوش كسرى مائة ألف أو يزيدون فكسرهم المسلمون غير مرّة وغنموا أموالهم وسبوا نساءهم وأولادهم وكانوا يعبدون النار وبنى المسلمون حينئذ الكوفة والبصرة وأما عسكره الاخر الذين قصدوا الشام وعليهم سيف الله خالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم من الامراء فافتتحوا مدائن الشام جميعها بعد أربع مصافات أكبرها وقعة اليرموك بحوران سنة خمس عشرة وما كان المسلمون أكثر من عشرين ألفا وكان جيوش قيصر ملك النصارى أزيد من مائة ألف فارس فقتل منهم يومئذ أزيد من النصف أو أقل واستشهد من المسلمين جماعة من الصحابة ثم قدم عمر بنفسه فافتتح بيت المقدس كما مرّ وكانت بالعراق وقعة جلولا فى أيامه وقتل خلائق من المجوس وبلغت الغنيمة فيما قيل ثلاثين ألف ألف درهم ثم افتتح جيش عمر الموصل والجزيرة وأرمينية وتلك الناحية الى توريز وسار عمرو بن العاص بطائفة من الجيش فيهم حوارى رسول الله ﷺ وابن عمته الزبير بن العوّام فافتتحوا الديار المصرية بعضها بالسيف وبعضها صالحا وافتتح الاسكندرية وملك المسلمون بعض بلاد الروم ومدينة نهاوند من العجم ومدينة اصطخر وبلد الرى وهمدان وجرجان ودينور وافتتح المسلمون أوّل مدائن الغرب وهى طرابلس* وهذه الفتوحات العظيمة والممالك الواسعة تمت كلها فى ثلاث عشرة سنة وكان فتح بعضها فى خلافة أبى بكر ومات فى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى المحرم سنة أربع عشرة أبو قحافة والد أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما كما مرّ فى الموطن الثامن وماتت هند بنت عتبة أمّ معاوية فى اليوم الذى مات فيه أبو فحافة فى محرم السنة المذكورة كذا فى حياة الحيوان ومات فى دولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبو عبيدة بن الجرّاح أمين هذه الامّة وأحد العشرة الشهود لهم بالجنة مات بالغور وكان زاهدا عابدا مجاهدا كبيرا لقدر ما فى بيته الاسلاحه وجلد شاة وجرّة للماء وكان فتح دمشق على يده كذا فى
стр. 753
دول الاسلام*
صفة أبى عبيدة بن الجرّاح
وفى الصفوة أبو عبيدة عامر بن الجرّاح بن هلال بن أهيب بن منبه بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر أسلم مع عثمان بن مظعون وهاجر الى الحبشة الهجرة الثانية وشهد بدرا والمشاهد كلها وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد ونزع يومئذ بفيه الحلقتين اللتين دخلتا وجنتى رسول الله من حلق المغفر فوقعت ثنيتاه فكان أحسن الناس هتما (صفته) كان طوالا نحيفا أجنى معروق الوجه أثرم الثنيتين خفيف اللحية وكان له من الولد يزيد وعمير أمّهما هند بنت جابر فدرجا ولم يبق له عقب* قال عمر بن الخطاب لو أدركنى أجلى وأبو عبيدة حىّ استخلفته فان سألنى الله لم استخلفته على أمّة محمد قلت انى سمعت رسول الله ﷺ يقول انّ لكل نبى أمينا وأمينى أبو عبيدة* ومن مناقبه انه قتل أباه عبد الله بن الجرّاح يوم بدر غيرة على الدين فانزل الله فيه لا تجد قوما يؤمنون بالله الاية كذا فى الكشاف توفى فى طاعون عمواس بالاردن بالشام وقبره فيها وصلى عليه معاذ بن جبل ونزل فى قبره هو وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس وذلك سنة ثمان عشرة فى خلافة عمر وهو ابن ثمان وخمسين سنة ذكره أبو عمرو صاحب الصفوة كذا فى الرياض النضرة* وفى الصفوة أيضا روى انه استخلف أبا عبيدة بن الجرّاح بالشام بعد عزل خالد بن الوليد فمات بها بالطاعون ومات فى خلافة عمر أبو سفيان ابن الحارث بالمدينة بعد ان استخلف عمر بسنة وسبعة أشهر ويقال بل مات سنة عشرين وقيل توفى سنة خمس عشرة وقد مرّ ذكره فى فضل النسب فى الطليعة الثانية ومات فى خلافة عمر أبو قيس سعد بن عبادة سيد الانصار بارض حوران وكان من نجباء أصحاب محمد ﵇ وقد اجتمعت حوله الانصار بعد موت النبىّ ﷺ وعزموا أن يبايعوه بالخلافة فلم يتم ذلك لما علموا انّ الخلافة لا تكون الا فى عشيرة النبىّ ﷺ لقوله ﵇ لا يزال هذا الامر فى قريش ما بقى فى الناس اثنان* وفى الصفوة وكان سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة يكنى أبا ثابت وهو أحد النقباء شهد العقبة مع السبعين والمشاهد كلها ما خلا بدرا فانه تهيأ للخروج فلدغ فأقام وكان جوادا وكانت جفنته تدور مع رسول الله فى بيوت أزواجه* وعن يحيى بن أبى كثير قال كانت لرسول الله ﷺ من سعد بن عبادة جفنة من ثريد فى كل يوم تدور معه أينما دار من نسائه وكان له من الولد سعيد ومحمد وعبد الرحمن وقيس وعبد العزيز وأمامة ومندوس وكان سعد يكتب فى الجاهلية بالعربية ويحسن العوم والرمى والعرب تسمى من اجتمعت فيه هذه الاشياء الكامل* وقال محمد بن سعد ابن عبادة توفى سعد بن عبادة بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف من خلافة عمر كأنه مات سنة خمس عشرة* قال عبد العزيز سعد بن عبادة ما علم بموته فى المدينة حتى سمع غلمان قد اقتحموا فى بئر نصف النهار فى حرّ شديد قائلا يقول من البئر
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... فرميناه بسهمين فلم تخط فؤاده
فذعر الغلمان فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذى توفى فيه سعد وانما جلس يبول فى نفق فافتلت فمات من ساعته فوجدوه قد اخضر جلده* ومات فى خلافة عمر عتبة بن غزوان المازنى وكان ممن شهد بدر اوله سبع وخمسون سنة وهو الذى بنى البصرة وكان من الرماة المذكورين ومعاذ بن جبل الانصارى بالغور شابا وكان من خيار الصحابة قال له النبىّ ﷺ يا معاذ انى أحبك* وقال ابن مسعود كنا نشبه معاذا بابراهيم الخليل كان أمّة قانتا لله حنيفا وعن النبىّ ﷺ انه قال اعلم أمّتى بالحلال والحرام معاذ بن جبل قال استخلف الناس معاذ بن جبل بعد أبى عبيدة فمات بالطاعون واستخلف على الناس عمرو بن العاص قال طعن معاذ فى ابهامه فجعل يمسها بفيه ويقول اللهم انها صغيرة فبارك فيها فانك تبارك فى الصغير حتى هلك* وعن الحارث بن عمير قال طعن
стр. 754
معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة وأبو مالك الاشعرى فى يوم واحد اتفق أهل التاريخ على انّ معاذا مات فى طاعون عمواس بناحية الاردن من الشام سنة ثمانى عشرة واختلفوا فى عمره على قولين* أحدهما اثنان وثلاثون والثانى ثلاث وثلاثون* وعن سعيد بن المسيب قال رفع عيسى ابن مريم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ومعاذ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة أو أربع وثلاثين ومات شرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان وكانا من كبار أمراء الصحابة الذين فتحوا الشام وكان يزيد بن أبى سفيان هذا نائب عمر رضى الله عنه على دمشق فلما مات ولى النيابة بعده أخوه معاوية* ومات أبى بن كعب الانصارى سيد القراء بالمدينة وهو الذى قال له النبىّ ﷺ انّ الله أمرنى أن أقرئك القرآن ولما توفى صلى عليه عمرو قال اليوم مات سيد المسلمين* ومات بداريا بلال بن رباح مؤذن رسول الله وهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وكان من السابقين الاوّلين البدريين*
ترجمة بلال رضى الله عنه
وفى الصفوة عن قاسم بن عبد الرحمن أوّل من أذن بلال بن رباح مولى أبى بكر واسم أمّه حمامة أسلم قديما فعذبه قومه وجعلوا يقولون له ربك اللات والعزى وهو يقول أحد أحد فأتى عليه أبو بكر فاشتراه بسبع اواق وقيل بخمس وقيل بغلام أسود فأعتقه فشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وهو أوّل من أذن لرسول الله ﷺ وكان يؤذن له حضرا وسفرا وكان خازنه على بيت ماله*
(صفته)
* كان آدم شديد الادمة نحيفا طوالا اجنى له شعر كثير خفيف العارضين به شمط كثير لا يغيره* قال محمد بن اسحاق كان أمية بن خلف يخرج بلالا اذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول بلال وهو على ذلك أحد أحد ومرّ أبو بكر يوما على أمية بن خلف وهو يعذب بلالا فقال لامية ألا تتقى الله فى هذا المسكين حتى متى فقال أنت أفسدته فأنقذه مما ترى فقال أبو بكر أفعل عندى غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به قال أمية قد قبلت قال هو لك فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا* وفى معالم التنزيل اسم الغلام الذى اشترى به أبو بكر بلالا من أمية بن خلف نسطاس فاعتق أبو بكر بلالا ثم أعتق معه على الاسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب بلال سابعهم عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة شهيدا وأمّ عميس وزنيرة فاصيب بصرها حين أعتقها قالت قريش ما أذهب بصرها الا اللات والعزى فقالت كذبوا وبيت الله ما تضرّانى اللات والعزى ولا تنفعانى فردّ الله اليها بصرها وأعتق الهندية وابنتها وكانتا لامراة من بنى عبد الدار فمرّ بهما أبو بكر وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها وهى تقول والله لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر جلايا أمّ فلان فقالت جلا أنت أفسدتهما فاعتقهما قال أبو بكر فبكم قالت بكذا وكذا قال قد أخذتهما وهما حرتان ومرّ بجارية من بنى المؤمل وهى تعذب فابتاعها وأعتقها* وقال سعيد بن المسيب بلغنى انّ أمية بن خلف قال لابى بكر فى بلال حين قال أتبيعه قال نعم بنسطاس عبد أبى بكر وعشرة آلاف درهم وغلمان وجوار ومواش وكان نسطاس مشركا حمله أبو بكر على الاسلام على أن يكون ماله له فأبى فأبغضه أبو بكر فلما قال له أمية أبيعه بغلامك نسطاس اغتنمه أبو بكر وباعه منه فقال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر ببلال الا ليد كانت لبلال عنده فانزل الله تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى* وعن جابر قال قال عمر كان أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا يعنى بلالا* قال ابراهيم التيمىّ لما توفى رسول الله ﷺ أذن بلال ورسول الله ﷺ لم يقبر فكان اذا قال أشهد أنّ محمدا رسول الله انتحب الناس فى المسجد فلما دفن قال له أبو بكر أذن قال ان كنت انما أعتقتنى لان أكون معك فسبيلى ذلك وان كنت انما أعتقتنى لله فخلنى ومن أعتقتنى له قال
стр. 755
ما أعتقك الا لله قال فانى لا أؤذن لاحد بعد رسول الله ﷺ قال فذلك اليك قال فأقام حتى خرجت بعوث الشام فخرج معهم حتى انتهى اليها* وعن سعيد بن المسيب قال لما كانت خلافة أبى بكر تجهز بلال ليخرج الى الشأم فقال له أبو بكر ما كنت أراك يا بلال تدعنا على هذه الحال فلو أقمت معنا فأعنتنا قال ان كنت انما أعتقتنى لله فدعنى أذهب اليه وان كنت انما أعتقتنى لنفسك فاحبسنى عندك فأذن له فخرج الى الشأم فمات بها* وقد اختلف أهل السير اين مات قال بعضهم بدمشق وقال بعضهم بحلب سنة عشرين وقيل سنة ثمان عشرة وهو ابن بضع وستين سنة* وفى المنتقى قال أبو بكر لبلال أعتقتك وكنت مؤذنا لرسول الله ﷺ وبيدك أرزاق رسله ووفوده فكن مؤذنا لى كما كنت لرسول الله ﷺ وكن خازنا لى كما كنت خازنا له فقال له يا أبا بكر صدقت كنت مملوكك فأعتقتنى فان كنت أعتقتنى لتأخذ منفعتى فى الدنيا فخلنى أخدمك وان كنت أعتقتنى لتأخذ الثواب من الرّب فخلنى والرّب فبكى أبو بكر وقال اعتقتك لاخذ الثواب من المولى فلا أعجلها فى الدنيا فخرج بلال الى الشأم فمكث زمانا فرأى النبىّ ﷺ فى المنام فقال له يا بلال جفوتنا وخرجت من جوارنا فاقصد الى زيارتنا فانتبه بلال وقصد المدينة وذلك بقريب من موت فاطمة فلما انتهى الى المدينة تلقاه الناس فأخبر بموت فاطمة فصاح وقال بضعة النبىّ ما أسرع ما لقيت بالنبىّ ﷺ وقالوا له اصعد فأذن فقال لا أفعل بعد ما أذنت لمحمد ﷺ فألحوا عليه فصعد فاجتمع أهل المدينة رجالهم ونساؤهم وصغارهم وكبارهم وقالوا هذا بلال مؤذن رسول الله ﷺ يريد أن يؤذن لنسمع الى أذانه فلما قال الله أكبر الله أكبر صاحوا وبكوا جميعا فلما قال أشهد أن لا اله الا الله ضجوا جميعا فلما قال أشهد أنّ محمدا رسول الله لم يبق فى المدينة ذو روح الابكى وصاح وخرجت العذارى والابكار من خدورهنّ يبكين وصار كيوم موت رسول الله ﷺ حتى فرغ من أذانه فقال أبشركم انه لا تمس النار عينا بكت على النبىّ محمد ﷺ ثم انصرف الى الشأم وكان يرجع فى كل سنة مرّة فينادى بالاذان الى أن مات* مروياته فى كتب الاحاديث أربعة وأربعون حديثا*
ترجمة ابن أم مكتوم
ومات بالمدينة ابن أمّ مكتوم فى الصفوة عمرو بن امّ مكتوم هو عمرو بن قيس* وفى معالم التنزيل هو عمرو بن شريح بن مالك وقيل اسمه عبد الله وأمّه عاتكة تكنى أمّ مكتوم وهى أمّ أبيه وعبد الله هذا ابن خال خديجة بنت خويلد وقد استخلفه على الامامة فى المدينة فى ثلاث عشرة غزوة من غزواته واستخلفه عليها حين خرج الىّ تبوك وعلىّ رضى الله عنه بالمدينة لانه استخلف عليا فى أهله كيلا ينالهم عدوّ بمكروه فلم يستخلفه فى الصلاة لئلا يشغله شاغل عن حفظهم كذا قاله الزين العراقى أسلم بمكة وصار ضرير البصر وهاجر الى المدينة وكان يؤذن للنبىّ ﷺ بالمدينة مع بلال وكان رسول الله يستخلفه بالمدينة يصلى بالناس فى عامة غزواته* وعن البراء بن عازب قال أوّل من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير ثم قدم علينا ابن أمّ مكتوم الاعمى وفيه نزلت عبس وتولى أن جاءه الاعمى وغير أولى الضرر بعد لا يستوى القاعدون وكان بعد ذلك يغزو ويقول ادفعوا الىّ اللواء فانى أعمى لا أستطيع أن أفرّ وأقيمونى بين الصفين* وقال أنس بن مالك كان مع ابن أمّ مكتوم يوم القادسية راية ولواء* وقال الواقدى مات ابن أمّ مكتوم بالمدينة ولم يسمع له ذكر بعد عمر* وفى شعبان سنة عشرين توفى أسيد بن حضير الانصارى أحد النقباء كذا فى الصفوة وماتت ابنة عمة النبىّ ﷺ أمّ المؤمنين زينب بنت جحش وكانت تفتخر على أمّهات المؤمنين وتقول زوّجكنّ أهاليكنّ وزوّجنى الله تعالى من فوق سبع سموات وكانت دينة عابدة ورعة كثيرة الصدقة والمعروف وهى التى قال الله تعالى فيها
стр. 756
فلما قضى زيد منها وطرا زوّجناكها* ومات فى دولة عمر رضى الله عنه بحمص الامير البطل الكرّار سيف الله أبو سليمان خالد بن الوليد المخزومى وله ستون سنة ومات على فراشه بعد ما باشر من الحروب العظيمة ولم يبق فى جسده نحو شبر الا وعليه طابع الشهداء وكان يضرب بشجاعته المثل سماه النبىّ ﷺ سيف الله كذا فى دول الاسلام*
ترجمة خالد بن الوليد رضى الله عنه
وفى الصفوة ولما عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد واستعمل أبا عبيدة بن الجرّاح على الشأم لم يزل خالد مرابطا بحمص حتى مرض فدخل عليه أبو الدرداء عائدا فقال انّ خيلى وسلاحى على ما جعلته عليه فى سبيل الله تعالى ودارى بالمدينة صدقة قد كنت أشهدت عليها عمر بن الخطاب ونعم العون هو على الاسلام وجعلت وصيتى وانفاذ عهدى الى عمر فقدم بالوصية على عمر فقبلها وترحم عليه ومات خالد فقيرا فى بعض قرى حمص على ميل من حمص سنة احدى وعشرين وحكى من غسله انه ما كان فى جسده موضع صحيح من بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم* وعن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه انّ خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى وقال لقد لقيت كذا وكذا زحفا وما فى جسدى شبر الا وفيه ضربة بسيف أورمية بسهم أو طعنة برمح وها أنا أموت على فراشى حتف أنفى كما يموت العنز فلا نامت أعين الجبناء* وعن شقيق بن سلمة قال لما مات خالد بن الوليد اجتمع نساء بنى المغيرة فى دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر انهض فقال عمر ما عليهنّ أن يرقن دموعهنّ على أبى سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة قال وكيع النقع الشق واللقلقة الصوت ومات فى خلافة عمر العلاء بن الحضرمى رضى الله عنه ولى امرة البحرين للنبىّ ﷺ ثم للصديق وكان من سادة الصحابة وقد مرّ من أخباره فى خلافة أبى بكر وفى سنة احدى وعشرين فتحت نهاوند فاستشهد أمير الجيش النعمان بن مقرن المزنى وكان من كبار الصحابة كان معه يوم فتح مكة لواء مزينة* واستشهد يومئذ بنهاوند طليحة بن خويلد الاسدى أحد الابطال المذكورين وكان قد أسلم سنة تسع ثم بعد النبى ﷺ ارتدّ وادّعى النبوّة بأرض نجد وحارب المسلمين مرّات ثم انهزم ولحق بنواحى دمشق ثم أسلم وحج وحسن اسلامه وكان يعدّ بألف فارس لشدّته وبأسه وقد مرّ فى أهل الردّة فى خلافة أبى بكر* ومات قتادة بن النعمان الانصارى من كبار أهل بدر وهو الذى وقعت عينه على خدّه يوم وقعة أحد فأتى النبى ﷺ فغمز حدقته فردّها الى موضعها فكانت أحسن عينيه وكان من الرماة المذكورين بالمدينة ونزل أمير المؤمنين عمر فى قبره وكان قتادة شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان معه يوم الفتج راية بنى ظفر وتوفى سنة ثلاث وعشرين فى خلافة عمر وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه عمر*
(ذكر الخبر عن آخر أمر عمر رضى الله عنه ووفاته)
* فى الاكتفاء كان عمر رضى الله عنه ملازما للحج فى سنى خلافته كلها وكان من سيرته ان يأخذ عماله بموافاته كل سنة فى موسم الحج ليحجرهم بذلك عن الرعية ويحجر عليهم الظلم ويتعرّف أحوالهم فى قرب وليكون للرّعية وقت معلوم ينهون اليه شكاويهم فيه فلما كانت السنة التى قتل فى منسلخها خرج الى الحج على عادته وآذن لازواج النبىّ ﷺ فخرجن معه فلما وقف يرمى الجمرة أتاه حجر فوقع على صلعته فأدماه وثمة رجل من بنى لهب قبيلة من الازد تعرف فيها القيافة والزجر فقال اللهبى عند ما أدمى عمر أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها* ويروى عن عائشة انها حجت مع عمر تلك الحجة وانه لما ارتحل من المحصب أقبل رجل متلثم قالت فقال وانا أسمع أين كان منزل أمير المؤمنين فقال قائل هذا كان منزله فأناخ فى منزل عمر ثم رفع عقيرته يتغنى ويقول
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله فى ذاك الاديم الممزق
فمن يجر أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالامس يسبق
стр. 757
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق فى أكمامها لم تفتق
قالت عائشة فقلت لبعض أهلى اعلموا الى من هذا الرجل فذهبوا فلم يجدوا فى مناخه أحدا قالت عائشة فو الله انى لا حسبه من الجنّ فلما قتل عمر نحل الناس هذه الابيات للشماخ بن ضرار ولاخيه مزرّد* قال سعيد بن المسيب لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالابطح ثم كوّم كومة بطحاء ثم طرح عليها رداءه فاستلقى ثم مدّيده الى السماء فقال اللهمّ كبر سنى وضعفت قوّتى وانتشرت رعيتى فاقبضنى اليك غير مضيع ولا مفرّط ثم قدم المدينة فخطب الناس فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل* وروى أن عمر لما انصرف من حجته هذه التى لم يحج بعدها أتى ضجنان ووقف فقال الحمد لله ولا اله الا الله يعطى الله من يشاء ما يشاء لقد كنت بهذا الوادى أرعى ابلا للخطاب وكان فظا غليظا يتعبنى اذا عملت ويضربنى اذا قصرت وقد أصبحت وأمسيت وليس بينى وبين الله أحد أخشاه ثم تمثل بهذه الابيات
لا شئ مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الا له ويردى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان اذ تجرى الرياح له ... والانس والجنّ فيما بينها ترد
أين الملوك التى كانت لعزتها ... من كل أوب اليها وافد يفد
حوض هنا لك مور ودبلا كذب ... لا بدّ من ورده يوما كما وردوا
(ذكر مقتله رضى الله عنه)
روى أنّ عمر كان لا يأذن لمشرك قد احتلم أن يدخل المدينة حتى كتب اليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يستأذنه فى غلام صنع اسمه فيروز أبو لؤلؤة فقال ان لديه أعمالا كثيرة حداد ونقاش ونجار ومنافع للناس فأذن له فأرسل به المغيرة وضرب عليه المغيرة مائة درهم فى كل شهر فجاء الغلام الى عمر واشتكى فقال له عمر ما تحسن من الاعمال فذكرها فقال له عمر ما خراجك بكثير* وعن عمرو بن ميمون قال كان أبو لؤلؤة أزرق نصرانيا خرجه أبو عمرو وقيل كان مجوسيا ذكره القلعى وغيره* وعن أبى رافع قال كان أبو لؤلؤة عبد اللمغيرة بن شعبة وكان يصنع الارحاء وكان المغيرة كل يوم يستغله أربعة دراهم فلقى أبو لؤلؤة عمر فقال يا أمير المؤمنين انّ المغيرة أثقل علىّ غلتى فكلمه لى يخفف عنى فقال له عمر اتق الله وأحسن الى مولاك فغضب العبد وقال وسع الناس كلهم عدله غيرى فأضمر على قتله فاصطنع خنجرا له رأسان وسمه ثم أتى به الهرمز ان فقال كيف ترى هذا فقال انك لا تضرب بهذا أحدا الا قتلته كذا فى الرياض النضرة* وروى انّ عمر بعد أن قدم المدينة من حجته خرج يوما يطوف بالسوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانيا فقال يا أمير المؤمنين أعدنى على المغيرة فانّ علىّ خراجا كثيرا قال وكم خراجك قال درهمان فى كل يوم قال وأيش صناعتك قال نجار نقاش حدّاد قال فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الاعمال قال بلغنى انك تقول لو أردت أعمل رحى تطحن بالريح لفعلت قال نعم قال فاعمل لى رحى قال لئن سلمت لا عملنّ لك رحى يتحدّث بها بالمشرق والمغرب ثم انصرف عنه فقال عمر لقد توعدنى العلج آنفا* وفى رواية قيل له ما يمنعك ان تأمر بدفعه قال لا قصاص قبل القتل ثم انصرف عمر الى منزله فلما كان من الغد جاءه كعب الاحبار فقال يا أمير المؤمنين اعهد فانك ميت فى ثلاثة أيام قال وما يدريك قال أجده فى كتاب الله التوراة فقال عمر آلله انك لتجد عمر ابن الخطاب فى التوراة قال اللهمّ لا ولكن أجد صفتك وحليتك بانه قد فنى أجلك وعمر لا يحس وجعا ولا ألما قبل فقال عمر رضينا بقضاء الله وقدره فلما أصيب تذكر قول كعب فقال وكان أمر الله قدرا مقدورا فلما كان من الغد جاءه كعب فقال يا أمير المؤمنين ذهب يوم وبقى يومان ثم جاءه من بعد الغد فقال ذهب يومان وبقى يوم وليلة وهى لك الى صبحها* فلما كان الصبح خرج عمر الى الصلاة وكان
стр. 758
يوكل بالصفوف رجالا فاذا استوت أخبروه فكبر وكان دخل أبو لؤلؤة فى الناس وبيده خنجر فى كمه له رأسان نصابه فى وسطه فضرب عمر ست ضربات احداهنّ تحت سرته هى التى قتلته فلما وجد عمر حد السلاح سقط وقال دونكم الكلب فانه قتلنى وماج الناس وأسرعوا اليه فخرج منهم ثلاثة عشر رجلا حتى جاء رجل منهم فاحتضنه من خلفه وقيل ألقى عليه برنسا* وفى دول الاسلام وثب عليه أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة وقد دخل عمر فى صلاة الصبح فطعنه بخنجر فى بطنه وجال الملعون وكان نصرانيا وقتل أيضا سبعة فى مسجد رسول الله ﷺ وجرح جماعة فأخذ عبد الرحمن ابن عوف بساطا ورماه عليه وقبضه ولما رأى الكلب انه قد أخذ قتل نفسه وحمل عمر الى منزله فمات بعد يوم وليلة* وفى المختصر الجامع جرحه أبو لؤلؤة فيروز المجوسى مولى المغيرة بن شعبة ثلاث جراحات وكان ذلك فى يوم الاربعاء لسبع بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين* وفى سيرة مغلطاى لاربع بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين* وقال ابن قانع غرّة المحرّم لتمام ثلاث وعشرين سنة وهو ابن ثلاث وستين وتوفى بعد ذلك بثلاثة أيام قاله الواقدى* قيل انّ أبا لؤلؤة جرح معه يوم جرحه أحد عشر رجلا من الصحابة مات منهم خمسة وانّ رجلين من بنى أسد لحقاه فألقى أحدهما عليه برنسا ثم ضمه فأدنى السكين الى حلقه فقتل نفسه ذكره الذولابى* وفى الصفوة عن عمرو بن ميمون قال انى لقائم ما بينى وبين عمر الا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان عمر اذا مرّ بين الصفين قال استووا حتى اذا لم يرفيهن خللا تقدّم وكبر وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك فى الركعة الاولى حتى يجتمع الناس فما هو الاكبر فسمعته يقول قتلنى أو أكلنى الكلب حين طعنه فطار العلج بسكين ذى طرفين لا يمرّ على أحد يمينا ولا شمالا الا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة وفى رواية تسعة فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظنّ العلج انه مأخوذ نحر نفسه وقال عمر عند ما سقط أفى الناس عبد الرحمن بن عوف قالوا نعم يا أمير المؤمنين هو ذا فتناوله بيده وقال تقدّم صلّ بالناس فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة وحمل عمر الى منزله* فلما نصرفوا قال عمر يا عبد الله بن عباس* وفى الاكتفاء عبد الله ابن عمر انظر من قتلنى فجال عبد الله ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصنع قال نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذى لم يجعل منيتى بيد رجل يدّعى الاسلام وفى الاكتفاء بيد رجل سجد لله سجدة واحدة يحاجنى بلا اله الا الله وقال يا عبد الله ائذن للناس فجعل يدخل عليه المهاجرون والانصار فيسلمون عليه ويقول لهم أعن ملأ منكم كان هذا فيقولون معاذ الله ودخل فى الناس كعب فلما نظر اليه عمر أنشأ يقول
وواعدنى كعب ثلاثا أعدّها ... ولا شك انّ القول ما قاله كعب
وما بى حذار الموت انى لميت ... ولكن حذار الذنب يتبعه ذنب
فقيل له لو دعوت الطبيب فدعى له طبيب من بنى الحارث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج من جوفه مشكلا فقال اسقوه لبنا فخرج من جوفه أبيض فعرفوا انه ميت فقال له الطبيب لا أرى أن تمسى فما كنت فاعلا فافعل* وفى رواية قيل له يا أمير المؤمنين اعهد قال قد فرغت* وفى دول الاسلام قالوا لعمرا عهد بالامر يا أمير المؤمنين فلم يعين أحدا بل جعل الامر شورى فى ستة وهم عثمان وعلى وابن عوف وسعد وطلحة والزبير ورجحوا عثمان فبايعوه بالخلافة وكان أسنّ الجماعة وأفضلهم وستجىء خلافة عثمان فقال لابنه يا عبد الله بن عمر انظر ما علىّ من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه فقال ان وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم والافسل بنى عدى بن كعب وان لم تف أموالهم فسل فى قريش ولا تعدهم الى غيرهم فأدّعنى هذا المال انطلق الى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك
стр. 759
عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فانى لست اليوم أميرا وقل يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه فمضى وسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكى فقال يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريد لنفسى ولأوثرنه اليوم على نفسى فلما أقبل قيل هذا عبد الله قد جاء وهو متطلع اليه قال ارفعونى فأسنده رجل اليه فقال ما لديك قال الذى تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان شئ من الأمرأهم الىّ من ذلك فاذا انا قضيت فاحملونى وقل يستأذن عمر بن الخطاب فان أذنت لى فأدخلونى وان ردّتنى فردّونى* وعبارة الاكتفاء قال ما كان أمرأهم الىّ من هذا فاذا أنامت فاغسلنى ثم احملنى وأعد عليها الاستئذان فان أذنت والا فاصرفنى الى مقابر المسلمين* فلما توفى رضى الله عنه خرجوا به فصلى عليه صهيب بن سنان الرومى ودفن فى بيت عائشة رضى الله عنها* ويروى انه لما احتضر رضى الله عنه قال ورأسه فى حجر ابنه عبد الله
ظلوم لنفسى غير أنى مسلم ... أصلى صلاتى كلها وأصوم
وقال سعد بن أبى وقاص طعن عمر يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة كذا فى التذنيب ودفن يوم الاحد صبيحة هلال المحرم وقيل لثلاث بقين منه وقيل ان وفاته كانت غرّة المحرم من سنة أربع وعشرين كما مرّ* ونزل فى قبره عثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبى وقاص وقيل صهيب وابنه عبد الله بن عمر عوضا عن الزبير وسعد* واختلف فى مبلغ سنه يوم توفى وأشهر ما فى ذلك ما قال معاوية كان عمر ابن ثلاث وستين* وعن الشعبى انّ أبا بكر قبض وهو ابن ثلاث وستين وانّ عمر قبض وهو ابن ثلاث وستين* وفى دول الاسلام عاش عمر ثلاثا وستين سنة كصاحبيه ودفن معهما فى الحجرة النبوية* وعن سالم بن عبد الله أنّ عمر قبض وهو ابن خمس وستين سنة* وقال ابن عباس كان عمر ابن ست وستين سنة* وقال قتادة احدى وستين وصلى عليه صهيب كذا فى الصفوة* وفى المختصر الجامع خمس وخمسين سنة* مروياته فى كتب الاحاديث خمسمائة وسبعون حديثا*
(ذكر أولاده)
وكان له ثلاثة عشر ولدا تسعة بنين وأربع بنات على ما ذكر والله أعلم* ذكر البنين* عبد الله ويكنى أبا عبد الرحمن أسلم بمكة فى صغره مع اسلام أبيه وهاجر مع أبيه وأمّه وهو ابن عشر سنين ذكره الخجندى وشهد المشاهد كلها بعد بدر وأحد وكان يوم أحد ابن أربع عشرة سنة* قال الدار قطنى استصغر يوم أحد وشهد الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة وشهد المشاهد بعد الخندق مع النبىّ ﷺ وقيل شهد بدرا فاستصغره النبىّ ﷺ فلم يجزه وأجازه فى السنة الآخرى يوم أحد ذكره الطائى وقال والاوّل أصح وكان عالما مجتهدا عابدا لزوما للسنة فرورا من البدعة ناصحا للأمّة ويقال انه ما خرج من الدنيا حتى صار مثل أبيه* وقال سفيان الثورى كان عادة ابن عمر أنه اذا أعجبه شئ من ماله تصدّق به وكان رقيقه عرفوا ذلك منه فربما شمر أحدهم ولزم المسجد والاقبال على الطاعة فاذا رآه ابن عمر على تلك الحالة أعتقه فقيل له انهم يخدعونك فقال من خدعنا بالله انخد عنا له* وقال نافع ما مات ابن عمر حتى عتق ألف انسان أو زاد عليه ذكر ذلك كله الطائى وبقى الى زمان عبد الملك بن مروان وتوفى بمكة* قال أبو اليقظان زعموا انّ الحجاج دس له رجلا قد سم زج رمحه فزحمه فى الطريق وطعنه فى ظهر قدمه فدخل عليه الحجاج فقال يا أبا عبد الرحمن من أصابك فقال أنت أصبتنى قال ولم تقول هذا رحمك الله قال حملت السلاح فى بلد لم يكن يحمل فيها السلاح فمات فصلى عليه عند الردم ودفن فى حائط أم خرّمان* قلت هذا الحائط لا يعرف اليوم بمكة ولا حواليها وانما بالابطح موضع يقال له الخرمانية فلعله هو نسب الى أمّ خرمان* وقال غير أبى اليقظان مات بمكة ودفن بفخ بالفاء والخاء
стр. 760
المعجمة المشدّدة وهو موضع قريب من مكة وهو ابن أربع وثمانين سنة وله عقب* وقال الدار قطنى توفى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة كذا فى الرياض النضرة* وفى سح السحابة قال سعيد بن حبير كنت مع ابن عمر اذ أصابه سنان الرمح فى أخمص قدمه فلزقت بالركاب فنزلت فنزعتها وذلك بمنى فبلغ الحجاج فجاء يعوده فقال الحجاج لو نعلم من أصابك فقال ابن عمر أنت أصبتنى قال وكيف قال حملت السلاح فى يوم لم يكن يحمل فيه وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم* وفى أسد الغابة انما فعل الحجاج ذلك لانه خطب يوما وأخر الصلاة فقال ابن عمران الشمس لا تنتظرك فقال الحجاج لقد هممت أن أضرب الذى فيه عيناك قال ان تفعل فانك سفيه مسلط وقيل انّ عبد الملك بن مروان كان أمر الحجاج أن يقتدى بابن عمر فكان ابن عمر يتقدّم الحجاج فى المواقف بعرفة وغيرها فكان ذلك يشق عليه* توفى وهو ابن ست وثمانين سنة وقيل أربع وثمانين فى المختصر وهو آخر من مات من الصحابة بمكة فصلى عليه الحجاج بالمحصب وقيل بذى طوى وقيل بفخ* وعن نافع دفن فى مقبرة المهاجرين بفخ نحو ذى طوى* وفى حياة الحيوان فخ واد بمكة وقيل اسم ماء* وفى نهاية ابن الاثير فخ موضع بمكة وقيل واد دفن فيه عبد الله بن عمر* وفى أسد الغابة قيل دفن بسرف* مروياته فى الكتب ألف وستمائة وثلاثون حديثا* وفى الرياض النضرة روى عبد الله عن النبىّ ﷺ وعن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبى وقاص وسعيد بن زيد وزيد بن الخطاب وزيد بن ثابت وأبى أمامة الانصارى وأبى أيوب الانصارى وأبى ذرّ الغفارى وأبى سعيد الخدرى وزيد بن حارثة واسامة بن زيد وعامر بن ربيعة وبلال وصهيب وعثمان بن طلحة ورافع بن خديج وعبد الله بن مسعود وكعب بن عمرو وتميم الدارى وعبد الله ابن عباس* وروى أيضا عن عائشة وحفصة وامرأته صفية بنت أبى عبيدة* وروى عنه من الصحابة عبد الله بن عباس ذكر ذلك الدار قطنى* وعبد الرحمن الاكبر شقيقه أمّهما زينب بنت مظعون الجمحى أدرك النبىّ ﷺ ولم يحفظ عنه* وزيد الاكبر أمّه أمّ كلثوم بنت على بن أبى طالب من فاطمة بنت رسول الله ﷺ يقال انه رمى بحجر بين حيين فى حرب فمات ولا عقب له ويقال انه مات هو وامّه أمّ كلثوم فى ساعة واحدة فلم يرث أحدهما من الاخر وصلى عليهما عبد الله بن عمر فقدّم زيدا على أمّ كلثوم فجرت السنة بذلك فكان فيهما حكمان* وعاصم أمّه أمّ كلثوم جميلة بنت عاصم بن ثابت حمى الدبر وهى التى كان اسمها عاصية فسماها النبىّ ﷺ جميلة وكان عاصم فاضلا خيرا توفى سنة سبعين وله عقب أخوه لامّه عبد الرحمن بن زيد بن حارثة الانصارى يروى عن ثوبان وعمر بن عبد العزيز ابن ابنة أمّ عاصم بنت عاصم* وعياض أمّه عاتكة بنت زيد* وزيد الاصغر وعبيد الله أمّهما مليكة بنت جرول الخزاعية* قال الدار قطنى أمّ كلثوم بنت جرول فلعلّ ذلك كنيتها وكان عبيد الله شديد البطش لما قتل عمر جرّد سيفه وقتل الهرمز ان وقتل جفينة وهو رجل نصرانى من أهل الحيرة وقتل بنتا صغيرة لابى لؤلؤة قاتل عمر فأخذ عبيد الله ليقتص فاعتذر بأنّ عبد الرحمن بن أبى بكر أخبره انه رأى أبا لؤلؤة والهرمز ان وجفينة يدخلون فى مكان يتشاورون وبينهم خنجر له رأسان مقبضه فى وسطه فقتل عمر صبيحة تلك الليلة فاستدعى عثمان عبد الرحمن فسأله فى ذلك فقال انظروا الى السكين فان كانت ذات طرفين فلا أرى القوم الا وقد اجتمعوا على قتله فنظروا اليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن* وقال عمرو بن العاص قتل أمير المؤمنين عمر بالامس ويقتل ابنه اليوم لا والله لا يكون هذا أبدا فترك عثمان قتل عبيد الله ثم لحق عبيد الله بمعاوية وقتل فى وقعة صفين معه وله عقب وأخو
زيد الاصغر وعبيد الله لامّهما عبد الله بن أبى جهم بن
стр. 761
حذيفة وحارثة بن وهب الخزاعى وله صحبة* وعبد الرحمن الاوسط أمّه لهبة أمّ ولد*
قصة عبد الرحمن بن عمر وهو المجلود فى الحدّ
وعبد الرحمن الاصغر أمّه أمّ ولد ويكنى أحد الثلاثة أبا شحمة ويلقب آخر مجبرا فامّا أبو شحمة فهو الذى ضربه عمر فى الحدّ حتى مات فلا عقب له وأمّا مجبر فكان له عقب فبادوا ولم يبق منهم أحد ذكره ابن قتيبة كذا فى الرياض النضرة* وفى أسد الغابة عبد الرحمن الاصغر هو أبو المجبر والمجبر أيضا اسمه عبد الرحمن وانما قيل له المجبر لانه وقع وهو غلام فتكسر فأتى به الى عمته حفصة أمّ المؤمنين فقيل لها انظرى الى ابن أخيك المكسر فقالت ليس بالمكسر ولكنه المجبر قاله أبو عمرو* وفى الرياض النضرة قال الدار قطنى عبد الرحمن الاوسط هو أبو شحمة المجلود فى الحدّ وقطع به* وعن عمرو بن العاص قال بينا أنا بمنزلى بمصر اذ قيل لى هذا عبد الرحمن بن عمرو أبو سروعة يستأذنان عليك وفى رواية غيره عبد الرحمن ورجل يعرف بعقبة بن الحارث فقلت يدخلان فدخلا وهما منكسران فقالا أقم علينا حدّ الله فانا أصبنا البارحة شرابا وسكرنا قال فزبرتهما وطردتهما فقال عبد الرحمن ان لم تفعله أخبرت والدى اذا قدمت عليه فعلمت أنى ان لم أقم عليهما الحدّ غضب علىّ عمر وعزلنى فأخرجتهما الى صحن الدار فضربتهما الحدّ ودخل عبد الرحمن ناحية الى بيت فى الدار فحلق رأسه وكانوا يحلقون مع الحدود والله ما كتبت الى عمر بحرف مما كان حتى اذا كتابه جاءنى فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر الى عمرو بن العاص عجبت لك وجراءتك علىّ وخلافك عهدى فما أرانى الا عازلك تضرب عبد الرحمن فى بيتك وتحلق رأسه فى بيتك وقد عرفت انّ هذا يخالفنى انما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين ولكن قلت هو ابن أمير المؤمنين وعرفت ان لا هوادة لاحد من الناس عندى فى حق فاذا جاءك كتابى هذا فابعث به فى عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع فبعث به كما قال أبوه* وكتب عمرو الى عمر يعتذر اليه انى ضربته فى صحن دارى وبالله الذى لا يحلف بأعظم منه انى لأقيم الحدود فى صحن دارى على المسلم والذمى وبعث بالكتاب مع عبد الرحمن بن عمر فقدم به عبد الرحمن على أبيه فدخل وعليه عباءة ولا يستطيع المشى من سوء مركبه فقال يا عبد الرحمن فعلت وفعلت فكلمه عبد الرحمن بن عوف وقال يا أمير المؤمنين قد أقيم عليه الحدّ فلم يلتفت اليه فجعل عبد الرحمن يصيح ويقول انى مريض وأنت قاتلى قال فضربه الحدّ ثانية وحبسه فمرض ثم مات* وعن مجاهد عن ابن عباس قال لقد رأيت عمر وقد أقام الحدّ على ولده فقتله فيه فقيل له يا ابن عم رسول الله حدّثنا كيف أقام الحدّ على ولده فقتله فيه فقال كنت ذات يوم فى المسجد وعمر جالس والناس حوله اذ أقبلت جارية فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال عمرو عليك السلام ورحمة الله ألك حاجة قالت نعم خذ ولدك هذا منى فقال عمر انى لا أعرفه فبكت الجارية وقالت يا أمير المؤمنين ان لم يكن من ظهرك فهو ولد ولدك فقال أىّ أولادى قالت أبو شحمة فقال أبحلال أم بحرام فقالت من قبلى بحلال ومن جهته بحرام قال عمر وكيف ذلك اتقى الله ولا تقولى الا حقا قالت يا أمير المؤمنين كنت مارّة فى بعض الايام اذ مررت بحائط بنى النجار اذ أتانى ولدك أبو شحمة يتمايل سكرا وكان شرب عند نسيكة اليهودى قالت ثم راودنى عن نفسى وجرّنى الى الحائط ونال منى ما ينال الرجل من المرأة وقد أغمى علىّ فكتمت أمرى عن عمى وجيرانى حتى أحسست بالولادة فخرجت الى موضع كذا وكذا فوضعت هذا الغلام وهممت بقتله ثم ندمت على ذلك فاحكم بحكم الله بينى وبينه فأمر عمر مناديا فنادى فأقبل الناس يهرعون الى المسجد ثم قام عمر فقال لا تفرّقوا حتى آتيكم ثم خرج فقال يا ابن عباس أسرع معى فلم يزل حتى أتى منزله فقرع الباب وقال هاهنا ولدى أبو شحمة قيل له انه على الطعام فدخل عليه وقال كل يا بنىّ فيوشك أن يكون آخر زادك من الدنيا قال ابن عباس فلقد رأيت الغلام وقد تغير لونه وارتعد وسقطت اللقمة
стр. 762
من يده فقال له عمر يا بنى من أنا فقال أنت أبى وأمير المؤمنين فقال فلى حق طاعة أم لا قال لك طاعتان مفترضتان لانك والدى وأمير المؤمنين قال عمر بحق نبيك وبحق أبيك هل كنت ضيفا لنسيكة اليهودى فشربت الخمر عنده فسكرت قال قد كان ذلك وقد تبت قال رأس مال المؤمنين التوبة قال يا بنى أنشدك بالله هل دخلت حائط بنى النجار فرأيت امرأة فواقعتها فسكت وبكى قال عمر لا بأس اصدق يا بنى فانّ الله يحب الصادقين قال قذ كان ذلك وأنا تائب نادم فلما سمع ذلك عمر منه قبض على يده ولببه وجرّه الى المسجد فقال يا أبت لا تفضحنى وخذ السيف واقطعنى اربا اربا قال أما سمعت قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ثم جرّه الى بين يدى أصحاب رسول الله ﷺ فى المسجد وقال صدقت المرأة واقرّ أبو شحمة بما قالت وكان له مملوك يقال له أفلح فقال يا أفلح خذا بنى هذا اليك واضربه مائة سوط ولا تقصر فى ضربه فقال لا أفعل وبكى فقال يا غلام انّ طاعتى طاعة لله ورسوله ﷺ فافعل ما آمرك به قال فنزع ثيابه وضج الناس بالبكاء والنحيب وجعل الغلام يشير الى أبيه يا أبت ارحمنى فقال له عمر وهو يبكى وانما أفعل هذا كى يرحمك الله ويرحمنى ثم قال يا أفلح اضرب فضربه وهو يستغيث وعمر يقول اضربه حتى بلغ سبعين فقال يا أبت اسقنى شربة من ماء فقال يا بنى ان كان ربك يطهرك فيسقيك محمد ﷺ شربة لا تظمأ بعدها أبدا يا غلام اضربه فضربه حتى بلغ ثمانين فقال يا أبت السلام عليك فقال وعليك السلام ان رأيت محمدا فأقرئه منى السلام وقل له خلفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود يا غلام اضربه فلما بلغ تسعين انقطع كلامه وضعف فرأيت أصحاب رسول الله ﷺ قالوا يا عمر انظر كم بقى فأخره الى وقت آخر فقال كما لم تؤخر المعصية لا تؤخر العقوبة وجاء الصريخ الى أمّه فجاءت باكية صارخة وقالت أحج بكل سوط حجة ماشية وأتصدّق بكذا وكذا درهما فقال انّ الحج والصدقة لا ينوبان عن الحدّ فضربه فلما كان آخر سوط سقط الغلام ميتا فصاح وقال يا بنى محص الله عنك الخطايا ثم جعل رأسه فى حجره وجعل يبكى ويقول يا بنى من قتله الحق بأبى من مات عند انقضاء الحدّ بأبى من لم يرحمه أبوه وأقار به فنظر الناس اليه فاذا هو قد فارق الدنيا فلم نر يوما أعظم منه وضج الناس بالبكاء والنحيب فلما كان بعد أربعين يوما أقبل حذيفة بن اليمان صبيحة يوم الجمعة فقال انى رأيت رسول الله ﷺ فى المنام واذا الفتى معه وعليه حلتان خضرا وان وقال رسول الله ﷺ أقرئ عمر منى السلام وقل هكذا أمرك الله أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود وقال الغلام يا حذيفة أقرئ أبى منى السلام وقل له طهرك الله كما طهرتنى أخرجه شيرويه الديلمى فى كتاب المنتقى كذا ذكره فى الرياض النضرة وخرجه غير الديلمى مختصرا بتغييرا للفظ وقال فيه وكان لعمر ابن يقال له أبو شحمة فأتاه يوما فقال انى زنيت فأقم علىّ الحدّ قال زنيت قال نعم حتى كرّر ذلك عليه أربعا قال وما عرفت التحريم قال بلى قال معاشر المسلمين خذوه فقال أبو شحمة معاشر المسلمين من فعل فعلى فى جاهلية أو اسلام فلا يأخذنى فقام على بن أبى طالب فقال لولده الحسن فأخذ بيمينه وقال لولده الحسين فأخذ بيساره ثم ضربه ستة عشر سوطا فاغمى عليه ثم قال اذا وافيت ربك فقل ضربنى الحدّ من ليس لك فى جنبيه حدّ ثم قام عمر حتى أقام عليه تمام مائة سوط فمات من ذلك فقال انا أوثر عذاب الدنيا على عذاب الاخرة فقيل يا أمير المؤمنين ندفنه من غير غسل ولا كفن قتل فى سبيل الله قال بل نغسله ونكفنه وندفنه فى مقابر المسلمين فانه لم يمت قتيلا فى سبيل الله وانما مات فى حدّ* (ذكر البنات) وهنّ أربع حفصة زوجة النبىّ ﷺ وهى شقيقة عبد الله وعبد الرحمن
الاكبر ورقية وهى شقيقة زيد الاكبر تزوّجها ابراهيم بن نعيم بن عبد الله بن النحام فماتت عنده ولم تلد له وفاطمة أمّها أمّ حكيم
стр. 763
بنت الحارث بن هشام بن المغيرة تزوّجها ابن عمها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فولدت له عبد الله ذكره الدار قطنى وزينب أمّها فكيهة تزوّجها عبد لله بن عبد الله بن سراقة العدوى وروت عن أختها حفصة ذكر ذلك كله ابن قتيبة وصاحب الصفوة كذا فى الرياض النضرة*
(ذكر عثمان بن عفان)
* ابن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقى هو ورسول الله ﷺ عند عبد مناف فبين عثمان وعبد مناف أربعة آباء وبين النبىّ ﷺ وعبد مناف ثلاثة وهو أقرب الصحابة الى رسول الله ﷺ بعد علىّ ويقال له ذو النورين لانّ النبىّ ﷺ زوّجه ابنته رقية فلما ماتت زوّجه أمّ كلثوم بنتا أخرى له فلما ماتت قال لو كان عندى ثالثة لزوّجتكها وفى الاستيعاب زوّجه رسول الله ﷺ رقية ثم أمّ كلثوم واحدة بعد واحدة وقال لو كان عندى غيرهما لزوّجتكها* وفى أسد الغابة لو كان لنا ثالثة لزوّجناك وفى أسد الغابة أيضا عن أبى محبوب عقبة بن علقمة قال سمعت على بن أبى طالب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول لو أنّ لى أربعين بنتا لزوّجت عثمان واحدة بعد واحدة حتى لا تبقى منهنّ واحدة وقد مرّ فى الباب الثالث من الركن الاوّل فى تزويج بناته انّ تزويجهما عثمان كان بوحى من الله* وفى الاستيعاب قيل للمهلب ابن أبى صفرة لم قيل لعثمان ذو النورين قال لانه لم نعلم أحدا أرسل سترا على ابنتى نبى غيره وأمّه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف أسلمت وأمّها البيضاء أمّ حكيم بنت عبد المطلب شقيقة أبى طالب* ولد عثمان بالطائف فى السنة السادسة من عام الفيل وكان يكنى أبا عبد الله وأبا عمرو كنيتان مشهورتان له وأبو عمر وأشهرهما قيل انه ولدت له رقية ابنا فسماه عبد الله واكتنى به ومات ثم ولد له عمر وفاكتنى به الى ان مات أسلم قديما قبل دخول رسول الله ﷺ دار الارقم وهو ابن تسع وثلاثين سنة وقيل ثلاث وثلاثين سنة* وفى أسد الغابة كان عثمان بن عفان رابع أربعة فى الاسلام انتهى وعاش فى الاسلام ستا وأربعين سنة وقيل سبعا وأربعين وهاجر الى الحبشة هجرتين ولما خرج رسول الله ﷺ الى بدر خلفه على ابنته رقية يمرّضها هكذا ذكر ابن اسحاق* وقال غيره بل كان مريضا به الجدرى فقال له رسول الله ﷺ ارجع وضرب له بسهمه واجره ولذا يعدّ من أهل بدر وكان كمن شهدها وبايع عنه رسول الله ﷺ بيده فى بيعة الرضوان ودعا له بالخصوصية غير مرّة فأثرى وكثر ماله وجهز جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا بأحلاسها وأقتابها وأتم الالف بخمسين فرسا* وقال قتادة حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرسا* وقال الزهرى حمل على تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا كذا فى حياة الحيوان*
صفته
* فى الاستيعاب كان عثمان رجلا ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير حسن الوجه رقيق البشرة كث اللحية عظيمها أسمر اللون كثير الشعر ضخم الكراديس بعيد ما بين المنكبين كان يصفر لحيته ويشدّ أسنانه بالذهب* وعن الحسن قال نظرت الى عثمان فاذا رجل حسن الوجه فاذ ابو جنتيه نكتات جدرى واذا شعره قد كسا ذراعيه* وقال البغوى مشرف الانف من أجمل الناس* وفى الرياض النضرة عظيم اللحية طويلها أسمر اللون كثير الشعر له جمة أسفل من أذنيه ولكثرة شعره ولحيته كان أعداؤه يسمونه نعثلا والنعثل اسم رجل طويل اللحية كان اذا نيل من عثمان سمى بذلك والنعثل أيضا اسم الذكر من الضباع*
(ذكر خلافته)
* فى شرح العقائد العضدية للشيخ جلال الدين الدوانى انّ عمر حين استشعر موته قال ما أحد أحق بهذا الامر من الذين توفى عنهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عثمان وعليا والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وجعل الامر شورى بينهم فاجتمعوا بعد دفن عمر* وفى حياة الحيوان بثلاثة أيام وفوّض الامر خمستهم الى عبد الرحمن
стр. 764
ابن عوف ورضوا بحكمه فاختار عثمان وبايعه بمحضر من الصحابة فبايعوه بالخلافة وانقادوا له انتهى وكذا فى سائر الكتب الكلامية* وفى المختصر ولما كان فى اليوم الثالث من وفاة عمر خرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التى عممه بها رسول الله ﷺ متقلدا سيفه وصعد المنبر ثم قال أيها الناس انى سألتكم سرّا وجهرا عن امامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين امّا على وامّا عثمان وقال قم يا على فقام على فوقف تحت المنبر وأخذ عبد الرحمن بيده وقال هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبى بكر وعمر فقال اللهم لا ولكن على جهدى من ذلك وطاقتى رسل يده ثم نادى قم يا عثمان فقام فأخذ بيده وقال أبايعك فهل أنت مبايعى على كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبى بكر وعمر فقال اللهم نعم فرفع رأسه الى سقف المسجد وقال اللهم اسمع قد خلعت ما فى رقبتى من ذلك وجعلته فى رقبة عثمان فازدحم الناس يبايعون عثمان فقعد عبد الرحمن مقعد النبىّ ﷺ من المنبر وقعد عثمان فى الدرجة الثانية تحته فجعل الناس يبايعونه* وكانت المبايعة يوم الاثنين لليلة بقيت من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين واستقبل عثمان بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين* وفى الاستيعاب بويع لعثمان بالخلافة يوم السبت غرّة المحرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بن الخطاب بثلاثة أيام باجماع الناس* وفى سيرة مغلطاى بويع يوم الجمعة غرّة المحرّم وسحىء مدّة الخلافة ان شاء الله تعالى* وفى البحر العميق فلما بويع عثمان رضى الله عنه أمر عبد الرحمن بن عوف على الحج سنة أربع وعشرين وحج عثمان بالناس سنة خمس وعشرين فلم يزل يحج الى سنة أربع وثلاثين ثم حصر فى داره وحج عبد الله بن عباس بالناس سنة خمس وثلاثين* وقال ابن سيرين كان عثمان بن عفان أعلمهم بالمناسك وبعده عبد الله بن عمر*
(ذكر كاتبه وقاضيه وأميره وحاجبه وصاحب شرطته وخاتمه)
أمّا كاتبه فمروان بن الحكم وقاضيه كعب بن سور وعثمان بن قيس بن أبى العاص وأميره بمصر أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبى سرح وحاجبه حمران مولاه وصاحب شرطته عبيد الله بن معبد التيمى ونقش خاتمه آمنت بالله مخلصا وقيل أمنت بالذى خلق فسوّى وكان فى يده خاتم رسول الله ﷺ يطبع به الى ان وقع فى بئر أريس وقد تقدّم ذكره فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه* وفى الرياض النضرة قال ابن قتيبة وافتتح فى أيام خلافته الاسكندرية ثم سابور ثم افريقية ثم قبرس ثم سواحل الروم واصطخر الاخرة وفارس الاولى ثم خور وفارس الاخرة ثم طبرستان ودارابجرد وكرمان وسجستان ثم الاساورة فى البحر ثم حصون قبرس ثم ساحل الاردن ثم مرو ثم حصر عثمان فى ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وفى غيره جاء بترتيب آخر فقال وفى أيامه فتحت افريقية وكرمان وسجستان ونيسابور وفارس وطبرستان وقبرس وهراة وأعمال خراسان وفى ايامه قتل يزدجرد ملك فارس بمرو وغزا معاوية القسطنطينية وفى أيامه فتحت أرمينية وسيجىء تفصيلها* وفى دول الاسلام سار عثمان بسيرة عمر ستة أعوام وفى دولته نقض أهل الرى الصلح فغزاهم أبو موسى الاشعرى وفى ثانى سنة من خلافته عزل عن نيابة العراق سعد بن أبى وقاص وولى الوليد بن عقبة الاموى وهو أخو عثمان لامّه وممن أسلم يوم الفتح وكان الوليد يشرب الخمر فتكلموا فى عثمان لتوليته وبعث الوليد جيشا أميرهم سلمان بن ربيعة وهم اثنا عشر ألفا ففتحوا برذعة من أرض اذربيجان وفيها انتقض أهل الاسكندرية فغزاهم عمرو بن العاص فقتل وسبى ثم بعد سنة عزل عثمان نائب مصر عمرو بن العاص واستعمل عليها عبد الله بن أبى سرح وسار المسلمون وأميرهم عثمان بن أبى العاص فافتتحوا مدينة سابور من اقليم فارس صالحا فصالحهم فى السنة على ثلاثة آلاف ألف وثلثمائة ألف وركب معاوية نائب الشأم البحر بالجيوش فافتتح قبرس* قال داود بن أبى هند صالح عثمان بن أبى العاص وأبو موسى
стр. 765
أهل أرّجان على ألفى ألف ومائتى ألف وصالح أهل دارابجرد على ألف ألف درهم وسائر نائب مصر عبد الله بن أبى سرح بالجيوش الى المغرب فالتقى هو والكفار وهم نحو مائتى ألف وملكهم جرجير وكانت المصاف بسبيطلة بقرب مدينة القيروان فقتل جرجير ونزل النصر وكانت وقعة هائلة عظيمة بحيث طلع سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار من الغنيمة وقد مرّ فى مولد ابن الزبير فى الموطن الثانى* وفى سنة تسع وعشرين افتتح المسلمون ومقدمهم عبد الله بن عامر بن كريز مدينة اصطخر بالسيف بعد قتال عظيم وقتل عبيد الله بن معمر التيمى من صغار الصحابة فحلف بن كريز لئن ظفر بها ليقتلنّ بها حتى يسيل الدم من باب المدينة فلما فتحها أسرف فى قتلهم وجعل الدم لا يجرى فقيل له أفنيتهم فأمر بالماء فصب على الدم حتى جرى وعزل عثمان أبا موسى الاشعرى عن نيابة البصرة وابن أبى العاص عن بلاد فارس وجعل الولايتين لابن أبى كريز وفى هذا الوقت افتتح المسلمون أصبهان* وفى سنة ثلاثين من الهجرة كانت غزوة طبرستان وأمير الناس سعيد بن العاص فحاصرهم وأخذها وافتتح ابن كريز من أرض فارس مدينة جور وغيرها* قال ابن أبى هند لما افتتح ابن كريز مملكة فارس هرب يزدجرد بن كسرى الذى كان صاحب العراقين فتبعه المسلمون وافتتح عسكر ابن كريز من بلاد سجستان زالق وشاش وصالحوا أهل مدينة زرنج على اعطاء ألف وصيف مع كل وصيف جام من ذهب وسار ابن كريز بالجيوش ففتح اقليم خراسان فالتقاه أهل هراة فانكسروا ثم سار فافتتح نيسابور صالحا ويقال بالسيف وبعث فرقة افتتحوا طوس ونواحيها صالحا وصالح أهل سرخس وبعث اليه أهل مرو يطلبون الصلح فصالحهم ابن كريز على ألفى ألف ومائتى ألف فى السنة* وجهز الاحنف بن قيس فى أربعة آلاف فارس فاجتمع لحربه أهل طخارستان وأهل الجوزجان والفيرياب وتلك النواحى ومقدمهم كلهم طوغان شاه فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انكسر المشركون ونزل الاحنف بن قيس على بلخ فصالحوه على أربعمائة ألف ثم أتى خوارزم فلم يطقها فرجع وافتتح المسلمون فى أشهر معدودة نحوا من عشرين مدينة ثم خرج ابن كريز وهو ابن خمس وعشرين سنة من نيسابور محرما بالحج من بقعته شكر الله تعالى لما فتح الله عليه من هذه المدائن الكبار واستناب على خراسان الاحنف وسار حتى أتى مكة وطاف وسعى وحل ثم أتى وافدا على أمير المؤمنين عثمان بالمدينة ثم تجمع أهل خراسان على مرو فالتقاهم الاحنف بن قيس فهزمهم* وقدم ابن كريز البصرة فاستقر بها ونوّابه على خراسان وسجستان والجبال وكثر الخراج على عثمان وأتاه المال من النواحى واتخذ الخزائن العظيمة بالمدينة وكان يقسم بين الناس فيأمر للرجل بمائة ألف درهم ويقال أخذ المسلمون من خزائن كسرى مائة ألف بدرة من الذهب وزن كل بدرة أربعة آلاف* وقتل بخراسان يزدجرد آخر ملوك الاكاسرة وكان فى سنة اثنتين وثلاثين وقعة المضيق بقرب مدينة قسطنطينية وعلى جيش الاسلام نائب الشام معاوية وغزا المسلمون قبرس ثانى مرّة وجمع قارن المجوسى جمعا عظيما بأرض هراة وأقبل فى أربعين ألفا وقام بأمر المسلمين عبد الله بن حازم السلمى وسار فى أربعة آلاف فالتقوا فقتل قارن وتمزق جمعه وغنم المسلمون سبيا عظيما وأموالا وتقرّر ابن حازم على نيابة خراسان وغزا نائب مصر الحبشة فأخذ بعضها وغزا غزوة الصوارى فى البحر وتوفى فى دولة عثمان ابن عمه أبو سفيان بن حرب بن أمية الاموى أحد الاشراف وحمو رسول الله ﷺ * وفى المختصر الجامع ذكر ابن قتيبة انّ أبا سفيان ذهبت احدى عينيه يوم الطائف وذهبت الآخرى يوم اليرموك ومات فى خلافة عثمان أعمى وكان له ثلاثة أولاد نبلاء أمّ المؤمنين حبيبة زوج النبىّ ﷺ ويزيد بن أبى سفيان الذى جهزه أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لغزو الشأم ومشى أبو بكر فى ركابه وكان من خيار الامراء وثالثهم
стр. 766
معاوية بن أبى سفيان نائب الشأم وغيره لعمر وعثمان ثم صار بعد علىّ خليفة كذا فى دول الاسلام وفى موضع آخر منه عدّ من أولاده عتبة وقال حج بالناس أخو معاوية عتبة بن أبى سفيان فى سنة احدى وأربعين* وفى سيرة ابن هشام عدّ من أولاده عمرو بن أبى سفيان أسر يوم بدر فقدم مكة من المدينة سعد بن النعمان الانصارى معتمرا فحبسه أبو سفيان حتى خلص ابنه عمرا به ومن أولاده حنظلة وبه كان يكنى أبو سفيان بأبى حنظلة وقتل يوم بدر ومن أولاده الفارعة بنت أبى سفيان بن حرب أخت أم حبيبة فتزوّجها أبو أحمد بن جحش وكان أبو أحمد سلفا لرسول الله ﷺ ومن أولاده عزة بنت أبى سفيان وهى التى عرضتها أختها أمّ حبيبة على النبىّ ﷺ فقال لا تحل لى لمكان أختها أمّ حبيبة* وفى ذخائر العقبى عدّ من أولاده هند بنت أبى سفيان بن حرب وهى التى تزوّجها نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فولدت له الحارث الذى يقال له ببه فيكون جملة أولاد أبى سفيان ثمانية خمسة ذكور وثلاث بنات* وتوفى حكيم هذه الامّة وعالم أهل الشأم صاحب رسول الله ﷺ أبو الدرداء الانصارى وقد أبلى يوم أحد بلاء عظيما وآخى النبىّ ﷺ بينه وبين سلمان الفارسى وكان أبو الدرداء مقرئ أهل دمشق وقاضيهم يهابه معاوية ويتأدّب معه* وفى الصفوة توفى أبو الدرداء بدمشق سنة اثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان وله عقب بالشأم* وتوفى معه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب كان اسمه فى الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الحارث وقيل عبد الكعبة
ترجمة عبد الرحمن بن عوف
* صفته* انه كان طويلا رقيق البشرة فيه جنأ أبيض مشربا بحمرة ضخم أقنى* وقال ابن اسحاق كان ساقط الثنيتين أعرج أصيب يوم أحد وجرح عشرين جراحة أو أكثر وبعضها فى رجله فعرج كذا فى الصفوة وهو أحد ثمانية سبقوا الخلق الى الاسلام* وفى المختصر الجامع توفى وله خمس وسبعون سنة وكان على ميمنة عمر لما قدم الجابية وافتتح القدس وكان أبيض أعين أقنى ضخم الكفين مليح الوجه لا يغير شيبه هتم يوم أحد وأصيب عشرين جرحا عرج من بعضها وكان تاجرا كثير الاموال بعد ان كان فقيرا باع مرّة أرضاله بأربعين ألف دينار فتصدّق بها كلها وتصدّق مرّة بتسعمائة جمل بأحمالها قدمت من الشأم وأعان فى سبيل الله بخمسمائة فرس عربية وأوصى لكل رجل بقى من أهل بدر بأربعمائة دينار وكانوا يومئذ مائة رجل وقسمت تركته على ستة عشر سهما وكان كل سهم ثمانمائة ألف دينار وعينه عمر فى جملة ستة يصلحون للخلافة من بعده فقام هو بأمر البيعة لعثمان وزوى الامر عن نفسه وعن ابن عمه سعد ومناقبه جمة*
ترجمة العباس عم النبى
ومات العباس عم رسول الله ﷺ فى هذا الوقت* وفى حياة الحيوان مات العباس لست سنين خلون من خلافة عثمان رضى الله عنهما وفى المختصر الجامع فى سنة اثنتين وثلاثين وكان مولده قبل رسول الله ﷺ بثلاث سنين فيكون عمره سبعا وثمانين سنة* وفى المواهب اللدنية توفى العباس فى خلافة عثمان قبل مقتله بسنتين بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة وقيل لاربع عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة اثنتين وقيل سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن ثمانين سنة وقيل سبع وثمانين سنة وقد كف بصره أدرك منها فى الاسلام اثنتين وثلاثين سنة ودفن بالبقيع ودخل قبره ابنه عبد الله وكان النبىّ ﷺ يحترمه وكذلك أبو بكر وكذلك عمر وكذلك عثمان وكذلك على رضى الله عنهم* وفى المختصر الجامع اذا مرّ بعمر أو بعثمان وهما راكبان ترجلا اجلالا له ومن ذرّيته خلفاء الاسلام*
ترجمة عبد الله بن مسعود
ومات فى هذا الوقت وهو عام اثنتين وثلاثين صاحب رسول الله ﷺ وأكبر خدمه عبد الله بن مسعود الهذلى أحد السابقين الاوّلين وكان يحمل نعل رسول الله ﷺ ويلازمه ولقنه رسول الله سبعين سورة وكان من أكابر
стр. 767
علماء الصحابة وهو الذى احتز رأس أبى جهل يوم بدر وأتى به النبىّ ﷺ أقام بالكوفة متوليا على بيت المال وغير ذلك وتفقه به طائفة واتفق انه قدم المدينة فى آخر عمره فمات بها وصلى عليه عثمان قيل انه خلف تسعين ألف دينار وكان قصيرا جدّا* مروياته فى كتب الاحاديث ثمانمائة وأربعون حديثا*
ترجمة أبى ذر الغفارى
ومات بالربذة صاحب رسول الله ﷺ أبو ذر الغفارى أحد السابقين أسلم خامس خمسة ثم رجع الى أرض قومه وقدم بعد الهجرة وكان من أكابر العلماء والزهاد كبير الشان كان عطاؤه فى السنة أربعمائة دينار وكان لا يدّخر شيئا قال النبىّ ﷺ ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبى ذرّ* وتوفى بحمص فى سنة اثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان كعب الاحبار بن تابع بالمثناة من فوق بن هينوع يكنى أبا اسحاق وهو من حمير من آل ذى رعين كان يهوديا أدرك زمن النبىّ ﷺ ولم يره وأسلم فى خلافة أبى بكر وقيل فى خلافة عمر وكان يسكن اليمن وقدم المدينة ثم خرج الى الشأم فسكن حمص وتوفى بها كذا فى الصفوة ومزيل الخلفاء* ومات المقداد بن الاسود الكندى أحد السابقين البدريين فى سنة ثلاث وثلاثين* ومات أبو طلحة الانصارى أحد من شهد بدرا فى سنة أربع وثلاثين وكان ممن تضرب بشجاعته الامثال وكان أكثر الانصار مالا قال أنس قتل أبو طلحة يوم حنين عشرين نفسا وأخذ أسلابهم وقال النبىّ ﷺ لصوت أبى طلحة فى الجيش خير من فئة وقد مرّ فى غزوة أحد فى الموطن الثالث* وفى الصفوة قال الواقدى أهل البصرة يرون انّ أبا طلحة دفن فى الجزيرة وانما توفى بالمدينة سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه عثمان* قال ابن الجوزى قلت وما روينا انه صام بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة يخالف هذا والله أعلم* وفيها مات عبادة بن الصامت الانصارى أحد النقباء بدرى كبير ولى قضاء بيت المقدس وكان طوالا جسيما جميلا من العلماء الجلة* وفى المختصر الجامع وفى أيام عثمان وقع الخلاف فى القراآت وقدم حذيفة بن اليمان وهو حذيفة بن حنسل ويقال حسل بن جابر ابن عمرو بن ربيعة واليمان لقب حسل بن جابر من أرمينيه فقال له أدرك الناس من قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى قال وما ذاك قال رأيت أهل العراق يكفرون أهل الشأم فى قراءتهم وأهل الشأم يكفرون أهل العراق فى قراءتهم فأمر زيدا فكتب مصحفا*
(ذكر مقتل عثمان)
* فى دول الاسلام لما وقعت الغزوات واتسعت الدنيا على الصحابة كثرت الاموال حتى كان الفرس يشترى بمائة ألف وحتى كان البستان يباع بالمدينة بأربعمائة ألف درهم وكانت المدينة عامرة كثيرة الخيرات والاموال والناس يجبى اليها خراج الممالك وهى دار الامان وقبة الاسلام فبطر الناس بكثرة الاموال والخيل والنعم وفتحوا أقاليم الدنيا واطمأنوا وتفرّغوا ثم أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان رضى الله عنه لكونه يعطى المال لاقاربه ويوليهم الولايات الجليلة فتكلموا فيه وكان قد صار له أموال عظيمة وله ألف مملوك وآل بهم الامر الى ان قالوا هذا ما يصلح للخلافة وهموا بعزله وثاروا لمحاصرته وجرت أمور طويلة نسأل الله العافية وحاصروه فى داره أياما وكانوا رؤس شر وأهل جفاء* وفى سيرة مغلطاى حاصره الكوفيون وعليهم الاشتر النخعى والبصريون والمصريون وعليهم عبد الرحمن ابن عديس وعمرو بن الحمق وسودان بن حمران ومحمد بن أبى بكر انتهى فتدلى عليه ثلاثة فذبحوه فى بيته والمصحف بين يديه وهو شيخ كبير ابن ثلاث وثمانين سنة وكان ذلك أوّل وهن وبلاء تم على الامّة بعد نبيهم ﷺ فانا لله وانا اليه راجعون فقتلوه يوم الجمعة فى ثانى عشر من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وكذا فى الاستيعاب والاكتفاء* وفى حياة الحيوان وتقرّقت الكلمة بعد قتله
стр. 768
رضى الله عنه واقتتلوا للاخذ بثاره حتى قتل من المسلمين تسعون ألفا* قال ابن خلكان وغيره لما بويع عثمان رضى الله عنه نفى أبا ذر الغفارى الى الربذة لانه كان يزهد الناس فى الدنيا وردّ الحكم بن أبى العاص وكان قد نفاه النبى ﷺ الى الربذة* وفى الرياض النضرة ردّه من الطائف الى المدينة ولم يردّه أبو بكر ولا عمر فردّه عثمان* قيل انما ردّه باذن النبى ﷺ قاله غير واحد وسيجىء وولى مصر عبد الله بن أبى سرح وأعطى أقاربه الاموال وكان ذلك مما نقم عليه الناس فلما كان سنة خمس وثلاثين قدم المدينة مالك بن الاشتر النخعى فى مائتى رجل من أهل الكوفة ومائة وخمسين من أهل البصرة وستمائة من أهل مصر كلهم مجمعون على خلع عثمان من الخلافة فلما اجتمعوا فى المدينة سير عثمان اليهم المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ليدعوهم الى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فردّوهما أقبح ردّو لم يسمعوا كلامهما فبعث اليهم عليا فردّهم الى ذلك وضمن لهم ما يعدهم به عثمان وكتبوا على عثمان كتابا بازاحة علتهم والسير فيهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأخذوا عليه عهدا بذلك وأشهدوا على علىّ انه ضمن ذلك واقترح المصريون على عثمان عزل عبد الله بن أبى سرح وتولية محمد بن أبى بكر فأجابهم الى ذلك وولاه فافترق الجمع كل الى بلده فلما وصل المصريون الى أيلة وجدوا رجلا على نجيب لعثمان ومعه كتاب مختوم بخاتم عثمان مصطنع على لسانه وعنوانه من عثمان الى عبد الله بن أبى سرح وفيه اذا قدم محمد بن أبى بكر وفلان وفلان فاقطع أيديهم وأرجلهم وارفعهم على جذوع النخل فرجع المصريون والبصريون والكوفيون لما بلغهم ذلك وأخبروه الخبر فحلف عثمان انه ما فعل ذلك ولا أمر به فقالوا هذا أشدّ عليك يؤخذ خاتمك ونجيب من ابلك وأنت لا تعلم وما أنت الا مغلوب على أمرك ثم سألوه أن يعتزل فأبى فأجمعوا على حصاره فحصروه فى داره وكان من أشدّهم عليه محمد بن أبى بكر وكان الحصار سلخ شوّال واشتدّ الحصار ومنع من أن يصل اليه الماء* وعن أبى سعيد مولى أبى أسيد الانصارى قال سمع عثمان انّ وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم فلما سمعوا به أقبلوا نحوه الى المكان الذى هو فيه وقالوا له ادع بالمصحف فدعا بالمصحف وقالوا له افتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى على هذه الاية قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون فقالوا له قف أرأيت ما جمعت من الحمى آلله أذن لك أم على الله تفترى فقال امضه نزلت فى كذا وكذا وأما الحمى فى ابل الصدقة فلما ولدت زادت فى ابل الصدقة فزدت فى الحمى لما زاد فى ابل الصدقة امضه قال فجعلوا يأخذونه باية آية فيقول امضه نزلت فى كذا وكذا فقال لهم ما تريدون فقالوا نأخذ ميثاقك فال فكتبوا عليه شروطا وأخذ عليهم أن لا يشقوا عصا ولا يفارقوا جماعة فأفاء لهم شروطهم وقال لهم ما تريدون قالوا نريد أن لا يأخذ أهل المدينة عطاء قال لا انما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد ﷺ قال فرضوا وأقبلوا معه الى المدينة راضين قال فقام وخطب فقال ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه ومن كان له ضرع فليحتلبه ألا وانه لا مال لكم عندنا انما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد ﷺ قال فغضب الناس وقالوا هذا مكر بنى أمية قال ثم رجع المصريون فبينما هم فى الطريق اذهم براكب يتعرّض لهم يفارقهم ثم يرجع اليهم ويسيبهم قالوا مالك انّ لك الامان ما شأنك قال أنا رسول أمير المؤمنين الى عامله بمصر قال ففتشوه فاذاهم بكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه الى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم فأقبلوا حتى قدموا المدينة وأتوا عليا فقالوا ألم تر الى عدوّ الله كتب فينا بكذا وكذا وأن الله قد
أحل
стр. 769
دمه قم معنا اليه قال والله لا أقوم معكم قالوا فلم كتبت الينا قال والله ما كتبت اليكم كتابا قط فنظر بعضهم الى بعض ثم قال بعضهم لبعض ألهذا تقاتلون أو لهذا تغضبون فانطلق علىّ فخرج من المدينة الى قرية وانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا كتبت كذا وكذا فقال انما هما اثنتان أن تقيموا علىّ رحلين شاهدين من المسلمين أو يمينى بالله الذى لا اله الا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت وقد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل وقد ينقش الخاتم على الخاتم فقالوا والله أحل الله دمك ونقضوا العهد والميثاق فحاصروه فأشرف عليهم ذات يوم وقال السلام عليكم فما سمع أحدا من الناس يردّ عليه الا أن يردّ فى نفسه فقال انشدكم الله هل علمتم انى اشتريت بئر رومة من مالى فجعلت رشائى كرشاء رجل من المسلمين قيل نعم قال فعلام تمنعونى أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر أنشدكم الله هل علمتم انى اشتريت كذا وكذا من الارض فزدتا فى المسجد قيل نعم قال فهل علمتم ان أحدا من الناس منع أن يصلى فيه من قبلى أنشدكم بالله هل سمعتم نبى الله ﷺ يذكر كذا وكذا اشياء فى شأنه عدّدها ورأيته أشرف عليهم مرّة أخرى فوعظهم وذكرهم فلم تأخذ منهم الموعظة وكان الناس تأخذ منهم الموعظة فى أوّل ما يسمعونها فاذا أعيدت عليهم لم تأخذ منهم فقال لامرأته افتحى الباب وفتح المصحف بين يديه وذلك أنه رأى من الليل أنّ نبىّ الله ﷺ يقول له أفطر عندنا الليلة فدخل عليه رجل فقال بينى وبينك كتاب الله فخرج وتركه ثم دخل عليه آخر فقال بينى وبينك كتاب الله تعالى والمصحف بين يديه فأهوى اليه بالسيف فاتقاه بيده فقطعها فلا أدرى أبانها أم لم يبنها* قال عثمان أما والله انها لاوّل كف خطت المفصل وفى حديث غير أبى سعيد فدخل البخترى فضربه مشقصا فنضح الدم على هذه الاية فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم قال وانها فى المصحف ما حكت* قال فى حديث أبى سعيد فأخذت بنت الفرافصة خاتمه فوضعته فى حجرها وذلك قبل أن يقتل فلما قتل تفاجت عليه فقال بعضهم قاتلها الله ما أعظم عجيزتها فعلم أن أعداء الله لم يريدوا الا الدنيا خرجه أبو حاتم* وذكر ابن قتيبة أنه سار اليه قوم من أهل مصر منهم محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة فى جند ومن أهل البصرة حكيم بن جبلة العبدى وسدوس بن عنبس الشنى ونفر من أهل الكوفة فاستعتبوه فأعتبهم وأرضاهم ثم وجدوا بعد انصرافهم كتابا من عثمان عليه خاتمه الى أمير مصر اذا نلت القوم فاضرب أعناقهم فعادوا به الى عثمان فحلف لهم انه لم يأمر ولم يعلم فقالوا انّ هذا عليك شديد يؤخذ خاتمك من غير علمك وراحلتك فان كنت قد غلبت على نفسك فاعتزل فأبى أن يعتزل وأن يقاتل ونهى عن ذلك وأغلق بابه فحصروه اكثر من عشرين يوما وهو فى الدار فى ستمائة رجل ثم دخلوا عليه من دار أبى حزم الانصارى فضربه سيار بن عياض الاسلمى بمشقص فى وجهه فسال الدم على مصحف فى حجره* وأقام للناس الحج فى تلك السنة عبد الله بن عباس وصلى بالناس على بن أبى طالب* وروى عن عبد الله بن سلام انه قال لما حصر عثمان ولى أبو هريرة على الصلاة وكان ابن عباس يصلى أحيانا وأقام للناس الحج فى ذلك العام عبد الله بن عباس وكان عثمان قد حج عشر حجج متواليات خرجه القلعى* وقال الواقدى حاصروه تسعة وأربعين يوما* وقال الزبير حاصروه شهرين وعشرين يوما* وذكر ابن الجوزى فى شرح الصحيحين انّ الذين خرجوا على عثمان هجموا على المدينة وكان عثمان يخرج فيصلى بالناس وهم يصلون خلفه شهرا ثم خرج من آخر جمعة خرج فيها فحصبوه حتى وقع عن المنبر ولم يقدر أن يصلى بهم فصلى بهم يومئذ أبو أمامة بن سهيل بن حنيف* وروى أن جهجاه الغفارى قال له بعد أن حصبوه ونزل عن المنبر والله لنضربنك الى جبل الرمال وأخذ عصا النبىّ ﷺ وكسرها بركبته فوقعت الاكلة فى ركبته ثم حصروه ومنعوه
стр. 770
الصلاة فى المسجد وكان يصلى بهم ابن حديش تارة وكنانة بن بشر أخرى وهما من الخوارج على عثمان فبقوا على ذلك عشرة أيام ثم قتلوه* وفى رواية انهم حصروه أربعين ليلة وطلحة يصلى بالناس* وفى رواية انّ عليا كان يصلى بهم تلك الايام ذكر ذلك كله فى الرياض النضرة* وفيه ذكر طريقا آخر فى مقتله وفيه بيان الاسباب التى نقمت عليه عن ابن شهاب قال قلت لسعيد بن المسيب هل أنت مخبرى كيف كان قتل عثمان وما كان شأن الناس وشأنه ولم خذ له أصحاب محمد قال قتل عثمان مظلوما ومن قتله كان ظالما ومن خذله كان معذورا فقلت وكيف كان ذلك قال لما ولى كره ولايته نفر من أصحاب رسول الله ﷺ لانّ عثمان كان يحب قومه فولى ثنتى عشرة سنة وكان كثيرا ما يولى بنى أمية ممن لم يكن له مع رسول الله ﷺ صحبة وكان يجىء من أمرائه ما يكره أصحاب رسول الله وكان يستغاث عليهم فلا يغيثهم فلما كان فى الستة الحجج الاواخر استأثر بنى عمه فولاهم وأمرهم وولى عبد الله بن أبى سرح مصر فشكا أهل مصر وكان من قبل ذلك من عثمان هنات الى عبد الله بن مسعود وأبى ذرّ وعمار بن ياسر وكانت هذيل وبنو زهرة فى قلوبهم ما فيها لاجل عبد الله بن مسعود وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لابى ذر فى قلوبهم ما فيها وكانت بنو مخزوم حنقت على عثمان لاجل عمار بن ياسر وجاء أهل مصر يشكون ابن أبى سرح فكتب اليه يهدّده فأبى ابن أبى سرح أن يقبل ما نهاه عنه وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان ومن أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله فخرج جيش أهل مصر فى سبعمائة رجل الى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا الى أصحاب رسول الله ﷺ فدخل عليه على بن أبى طالب وكان متكلم القوم وقال اذا سألوك رجلا مكان رجل وقد ادّعوا قبله دما فاعزله عنهم وان وجب عليه حق فأنصفهم من عاملك فقال لهم اختاروا رجلا فأشاروا الى محمد بن أبى بكر فكتب عهده وولاه وخرج معهم مدد من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بين أهل مصر وبين ابن أبى سرح فخرج محمد ومن معه فلما كانوا على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة اذاهم بغلام أسود على بعير يخبط الارض خبطا حتى كأنه يطلب أو يطلب فقال له أصحاب محمد ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب فقال لهم أنا غلام أمير المؤمنين وجهنى الى عامل مصر فقال رجل هذا عامل مصر معنا قال ليس هذا الذى أريد فأخبروا بأمره محمد بن أبى بكر فبعث فى طلبه رجالا فأخذوه فجاؤا به اليه فقال غلام من أنت فاعتل مرّة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرّة يقول أنا غلام مروان فقال له محمد الى من أرسلت قال الى عامل مصر قال بماذا قال برسالة قال معك كتاب قال لا ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا وكان معه اداوة قد يبست وفيها شىء يتقلقل فراوده ليخرجه فلم يخرج فشقوا الاداوة فاذا فيها كتاب من عثمان الى ابن أبى سرح فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والانصار وغيرهم ثم فك الكتاب بمحضر منهم فاذا فيه اذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتابه وقف على عملك حتى يأتيك أمرى ان شاء الله تعالى فلما قرؤا الكتاب فزعوا ورجعوا الى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه من أصحاب محمد ﷺ ودفع الكتاب الى رجل منهم وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا ومن كان من أصحاب محمد ﷺ ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم فاذا فيه اذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل لقتلهم فقرؤا الكتاب عليهم وأخبروهم بقصة العبد فلم يبق أحد من أهل المدينة الاحنق على عثمان وزاد ذلك من غضب ابن مسعود وأبى ذر وعمار وقام أصحاب رسول الله ﷺ الى منازلهم وما منهم من أحد الامغتم وحاصر الناس عثمان فلما رأى ذلك علىّ بعث الى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب رسول
الله ﷺ ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام
стр. 771
والبعير فقال له علىّ هذا الغلام غلامك قال نعم وهذا البعير بعيرك قال نعم قال فأنت كتبت الكتاب قال لا وحلف بالله ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا علمت به ولا وجهت هذا الغلام الى مصر وأما الخط فعرفوا انه خط مروان وسألوه أن يدفعه اليهم وكان معه فى الدار فأبى وخشى عليه القتل فخرج أصحاب رسول الله ﷺ من عنده غضابا وعلموا أن عثمان لا يحلف باطلا فحاصره الناس ومنعوه الماء وأشرف على الناس وقال أفيكم علىّ قالوا لا قال أفيكم سعد قالوا لا فقال الا أحد يسقينا ماء فبلغ ذلك عليا فبعث اليه ثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل اليه حتى جرح بسببها عدّة من موالى بنى هاشم وبنى أمية ثم بلغ عليا انهم يريدون قتل عثمان فقالوا انما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل اليه وبعث الزبير ابنه وبعث عدّة من الصحابة أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه اخراج مروان فلما رأى الناس ذلك رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن على بدمائه وأصاب مروان سهم وهو فى الدار وكذلك محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علىّ ثم انّ بعض من حضر عثمان خشى أن تغضب بنو هاشم لاجل الحسن والحسين فتنتشر الفتنة فأخذ بيد رجلين وقال ان جاء بنو هاشم ورأوا الدم على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطل ما تريدون ولكن اذهبوا بنا نتسوّر الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد فتسوّروا من دار رجل من الانصار حتى دخلوا على عثمان وما يعلم أحد ممن كان معه لانّ كل من كان معه كان فوق البيت ولم يكن معه الا امرأته فقتلوه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها من الجلبة فصعدت الى الناس فقالت انّ أمير المؤمنين قتل فدخل عليه الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوه مذبوحا فانكبوا عليه يبكون ودخل الناس فوجدوا عثمان مقتولا فبلغ عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا وقال علىّ لابنيه كيف قتل أمير المؤمنين وانتما على الباب ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة ولعن عبد الله بن الزبير وخرج على وهو غضبان فلقيه طلحة فقال مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين وكان يرى انه أعان على قتل عثمان فقال عليك كذا وكذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بدرى لم تقم عليه بينة ولا حجة فقال طلحة لو دفع مروان لم يقتل فقال علىّ لو أخرج اليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكومة وخرج علىّ فأتى منزله وجاء الناس كلهم الى علىّ ليبايعوه فقال لهم ليس هذا اليكم انما هو الى أهل بدر فمن رضى به أهل بدر فهو الخليفة فلم يبق أحد من أهل بدر الا قال ما نرى أحق بها منك* فلما رأى علىّ ذلك جاء الى المسجد فصعد المنبر وكان أول من صعد اليه وبايعه طلحة والزبير وسعد وأصحاب محمد ﷺ وطلب مروان فهرب وطلب نفر من ولد بنى مروان وبنى ابن أبى معيط فهربوا أخرجه السمانى فى كتاب الموافقة* وعن شدّاد بن أوس انه قال لما اشتدّ الحصار بعثمان رضى الله عنه يوم الدار رأيت عليا خارجا من منزله معتما بعمامة رسول الله متقلدا سيفه وأمامه ابنه الحسن والحسين وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم فى نفر من المهاجرين والانصار فحملوا على الناس وفرّقوهم ثم دخلوا على عثمان فقال علىّ السلام عليك يا أمير المؤمنين انّ رسول الله ﷺ لم يلحق هذا الامر حتى ضرب بالمقبل المدبر وانى والله لا أرى القوم الا قاتلوك فمرنا فلنقاتل فقال عثمان انشد الله رجلا رأى لله عليه حقا وأقرّ أن لى عليه حقا أن يهريق فى سببى ملء محجمة من دم أو يهريق دمه فىّ فأعاد على رضى الله عنه القول فأجاب عثمان بمثل ما أجاب فرأيت عليا خارجا من الباب وهو يقول
اللهم
стр. 772
انك تعلم انا قد بذلنا المجهود ثم دخل المسجد* وفى الرياض النضرة وحضرت الصلاة فقالوا يا أبا الحسن تقدّم فصل بالناس فقال لا أصلى بكم والامام محصور ولكن أصلى وحدى انتهى ثم اقتحموا على عثمان الدار والمصحف بين يديه؟؟؟ فأخذ محمد بن أبى بكر بلحيته فقال له عثمان يا ابن أخى فو الله لو رأى أبوك مقامك هذا الساءه فأرسل لحيته وولى وضربه يسار بن علياص أو سيار ابن عياض الاسلمى وسودان بن حمران بسيفيهما فنضح الدم على قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم* وفى رواية وجلس عمرو بن الحمق على صدره وضربه حتى مات ووطئ عمير بن صابئ على بطنه فكسر له ضلعين من أضلاعه* وفى الاستيعاب روى سعيد المقبرى عن أبى هريرة وكان محصورا مع عثمان فى الدار قال رمى رجل منا فقلت يا أمير المؤمنين الان طاب الضراب قتلوا منا رجلا قال عزمت عليك يا أبا هريرة الا رميت بسيفك فانما يراد نفسى وسأقى المؤمنين بنفسى* قال أبو هريرة فرميت سيفى لا أدرى اين هو حتى الساعة* وفى الرياض النضرة قال ألقيته فما أدرى من أخذه ثم دخل عليه المغيرة بن شعبة فقال يا امير المؤمنين انّ هؤلاء القوم اجتمعوا عليك وهموا بك فان شئت أن تلحق بمكة* وفى رواية عن المغيرة انه قال لعثمان امّا أن تخرق بابا سوى الباب الذى هم عليه فتقعد على راحلتك وتلحق بمكة فانهم لم يستحلوك وأنت بها وان شئت تلحق بالشأم فانّ بها معاوية وان شئت فاخرج الى هؤلاء القوم فقاتلهم فانّ معك عددا وقوّة وأنت على الحق وهم على الباطل فقال عثمان أمّا أن أخرج وأقاتل فلن أكون أوّل من خلف رسول الله ﷺ فى أمّته بسفك الدماء وأمّا أن أخرج الى مكة فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول يلحد رجل من قريش بمكة يكون عذابه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا وأمّا ان ألحق بالشأم وفيها معاوية فلن أفارق دار هجرتى ومجاورة رسول الله ﷺ * وفى الرياض النضرة وكان معه فى الدار ممن يريد الدفع عنه عبد الله بن عمر وعبد الله بن سلام وعبد الله بن الزبير والحسن بن على وأبو هريرة ومحمد بن حاطب وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم فى طائفة من الناس منهم المغيرة بن الاخنس ويومئذ قتل المغيرة بن الاخنس قبل قتل عثمان* وفى أسد الغابة لما طال حصره والذين حصروه من أهل مصر والبصرة والكوفة ومعهم بعض أهل المدينة أرادوه أن ينزع نفسه من الخلافة فلم يفعل وخافوا أن تأتيه الجيوش من أهل الشأم والبصرة وغيرهما فيأتى الحجاج فيهلكوهم فتسوّروا عليه من دار أبى الحزم الانصارى فقتلوه* وفى الاستيعاب وكان أوّل من دخل عليه الدار محمد بن أبى بكر فأخذ بلحيته فقال له دعها يا ابن أخى فو الله لقد كان أبوك يكرمها فاستحيا وخرج وفى رواية فلما دخل أخذ بلحيته وهزها وقال ما أغنى عنك معاوية وما أغنى عنك ابن أبى سرح وما أغنى عنك عبد الله بن عامر فقال يا ابن أخى أرسل لحيتى فو الله لتجبذ لحية كانت تعز على أبيك وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا منى فيقال انه حينئذ تركه وخرج عنه ويقال حينئذ أشار الى من معه فطعنه واحد منهم فقتلوه انتهى* قال ولما خرج محمد دخل رومان بن سرحان رجل أزرق قصير محدود عداده فى مراد وهو من ذى أصبح معه خنجر فاستقبله به وقال على أىّ دين أنت يا نعثل فقال لست بنعثل ولكنى عثمان بن عفان وأنا على ملة ابراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين قال كذبت وضربه على صدغه الايمن* وفى الرياض النضرة على صدغه الايسر فقتله فخرّ فأدخلته امرأته نائلة بينها وبين ثيابها وكانت امرأة جسيمة ودخل رجل من أهل مصر ومعه السيف صلتا فقال والله لاقطعنّ أنفه فعالج المرأة فكشف عن ذراعيها* وفى الرياض النضرة فعالجت امرأته وقبضت على السيف فقطع يدها فقالت لغلام لعثمان يقال له رباح ومعه سيف عثمان أعنى على هذا
стр. 773
وأخرجه عنى فضربه الغلام بالسيف فقتله* وفى أسد الغابة اختلف فيمن باشر قتله بنفسه فقيل محمد ابن أبى بكر ضربه بمشقص وقيل بل حبسه محمد بن أبى بكر وأشغره غيره وكان الذى قتله سودان بن حمران وقيل بل قتله رومان اليمامى وقيل بل رومان رجل من بنى أسد بن خزيمة وقيل بل أسود التجيبى من أهل مصر ويقال جبلة بن الايهم رجل من أهل مصر وقيل سودان بن رومان المرادى ويقال ضربه التجيبى ومحمد بن أبى حذيفة وهو يقرأ فى المصحف سورة البقرة وقطرت قطرة من دمه على فسيكفيكهم الله وكان صائما يومئذ* وفى أسد الغابة عن ابن عباس أنه ﵊ قال تقتل وأنت مظلوم وتسقط قطرة من دمك على فسيكفيكهم الله قال انها الى الساعة لفى المصحف والله أعلم*
(ذكر تاريخ قتله)
* ولا خلاف بينهم فى انه قتل فى ذى الحجة وانما الخلاف فى أىّ يوم منه قتل* قال الواقدى قتل بالمدينة يوم الجمعة لثمان أو سبع خلت من ذى الحجة يوم التروية سنة خمس وثلاثين من الهجرة ذكره المدائنى عن أبى معشر عن نافع* وعن أبى عثمان النهدى قتل فى وسط أيام التشريق وقيل انه قتل يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذى الحجة وقد روى ذلك عن الواقدى أيضا* وفى الصفوة حصر فى منزله أياما ثم دخلوا عليه فقتلوه يوم الجمعة لثلاث عشرة أو لثانى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة* وقال ابن اسحاق قتل عثمان على رأس احدى عشرة سنة واحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما من مقتل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعلى رأس خمس وعشرين سنة من متوفى رسول الله ﷺ يوم الاربعاء بعد العصر ودفن يوم السبت بعد الظهر ذكره فى الرياض النضرة* وفى أسد الغابة عن أبى سعيد مولى عثمان بن عفان انّ عثمان أعتق عشرين مملوكا وهو محصور ودعا بسراويل فشدّها عليه ولم يلبسها لا فى جاهلية ولا فى اسلام وقال انى رأيت رسول الله ﷺ البارحة فى المنام ورأيت أبا بكر وعمر فقالوا لى اصبر فانك تفطر عندنا القابلة ثم دعا بمصحف فنشر بين يديه فقتل وهو بين يديه* وعن عائشة رضى الله عنها انّ النبىّ ﷺ قال لعثمان لعلّ الله يقمصك قميصا فان أرادوك على خلعه فلا تخلع لهم وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ادعى لى بعض أصحابى قلت أبا بكر قال لا فقلت عمر فقال لا فقلت ابن عمك فقال لا فقلت له عثمان قال نعم فلما جاء قال لى بيده فتنحيت فجعل رسول الله ﷺ يسارّه ولون عثمان يتغير فلما كان يوم الدار وحصر قيل ألا تقاتل قال لا انّ رسول الله ﷺ عهد الىّ عهدا وأنا صابر نفسى عليه* وعن كنانة مولى صفية بنت حيى بن أخطب قال شهدت مقتل عثمان رضى الله عنه فاخرج من الدار امامى أربعة من قريش مضرجين بالدم أى ملطخين محمولين كانوا مع عثمان فى الدار يدرؤن عنه وهم الحسن ابن على وعبد الله بن الزبير ومحمد بن حاطب ومروان بن الحكم كذا فى الاكتفاء* وقال محمد بن طلحة قلت لكنانة مولى صفية هل بدأ محمد بن أبى بكر بشىء من دم عثمان قال معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان يا ابن أخى لست بصاحبى وكلمه بكلام فخرج عنه ولم يبدأ بشىء من دمه قال قلت لكنانة من قتله قال قتله رجل من أهل مصر يقال له جبلة بن الايهم ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول أنا قاتل نعثل* وعن أبى جعفر الانصارى قال دخلت مع المصريين على عثمان فلما ضربوه خرجت اشتدّ حتى ملأت فروجى عدوا حتى دخلت المسجد فاذا رجل جالس فى نحو عشرة وعليه عمامة سوداء فقال ويحك ما وراءك قلت قد والله فرغ من الرجل قال تبالك آخر الدهر فنظرت فاذا هو على بن أبى طالب خرجه القلعى وخرجه ابن السمان* ولفظه قال لما دخل على عثمان يوم الدار خرجت فملأت فروجى مجتازا بالمسجد فاذا رجل قاعد فى ظلة النساء عليه عمامة سوداء وحوله نحو من عشرة فاذا هو على فقال ما صنع الرجل قلت قتل الرجل قال تبالهم آخر الدهر كذا ذكرهما فى الرياض النضرة*
(ذكر دفنه
واين دفن وكم أقام حتى
стр. 774
دفن ومن دفنه ومن صلى عليه) * فى الرياض النضرة قال أبو عمر ولما قتل عثمان أقام مطروحا يومه ذلك الى الليل فحمله رجال على باب ليدفنوه فعرض لهم ناس ليمنعوه من دفنه فوجدوا قبرا كان حفر لغيره فدفنوه فيه وصلى عليه جبير بن مطعم* وقال الواقدى وغيره حمل على لوح وصلى عليه جبير بن مطعم فى ثلاثة نفر هو رابعهم وقيل المسور بن مخرمة وقيل حكيم بن حزام وقيل الزبير وكان أوصى اليه رواه أحمد وقيل ابنه عمرو بن عثمان ذكره القلعى* وعن عروة انه قال أرادوا أن يصلوا على عثمان فمنعوا فقال رجل من قريش وهو أبو جهم بن حذيفة دعوه فقد صلى عليه رسول الله ﷺ خرجه القلعى* قال الواقدى دفن ليلا ليلة السبت فى موضع أو قال فى أرض يقال له حش كوكب وأخفى قبره وكوكب رجل من الانصار والحش البستان كان عثمان قد اشتراه وزاده البقيع فكان أوّل من قبر فيه* قال مالك وكان عثمان مرّ بحش كوكب فقال انه سيدفن ههنا رجل صالح خرجه القلعى ذكره فى الاستيعاب والرياض النضرة* وقيل انّ الذين تولوا تجهيزه كانوا خمسة أو ستة جبير بن مطعم وحكيم بن حزام ويسار بن مكرم وزوجتا عثمان نائلة بنت الفرافصة وأمّ البنين بنت عقبة ونزل يسار وأبو حهم وجبير فى قبره وكان حكيم ونائلة وأمّ البنين يدلونه فلما دفنوه غيبوا قبره* وعن الحسن قال شهدت عثمان بن عفان دفن فى ثيابه بدمائه خرجه فى الصفوة كذا فى الرياض النضرة وعن ابراهيم بن عبد الله بن فروخ عن أبيه مثله وكذا رواه عبد الله بن الامام أحمد فى زيادات المسند وزاد فيه ولم يغسل كذا فى مورد اللطافه* وخرج البخارى والبغوى فى معجمه ولم يغسل كذا فى الرياض النضرة وذكر الخجندى انه أقام فى حش كوكب ثلاثا مطروحا لا يصلى عليه حتى هتف بهم هاتف ادفنوه ولا تصلوا عليه فانّ الله قد صلى عليه وقيل صلى عليه وغشيهم فى الصلاة وفى دفنه سواد فلما فرغوا منه نودوا أن لاروع عليكم اثبتوا وكانوا يرون انهم الملائكة* وروى محمد بن عبد الله بن الحكيم وعبد الملك بن الماجشون عن مالك قال لما قتل عثمان ألقى على المزبلة ثلاثة أيام فلما كان فى الليل أتاه اثنا عشر رجلا منهم حويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير وجدّى فاحتملوه فلما صاروا به الى المقبرة ليدفنوه فاذاهم بقوم من بنى مازن قالوا والله لئن دفنتموه ههنا لنخبرنّ الناس غدا فاحتملوه وكان على باب وانّ رأسه على الباب يقول طق طق حتى صاروا به الى حش كوكب فاحتفروا له وكانت عائشة ابنة عثمان معها مصباح فى حق فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت فقال لها ابن الزبير والله لئن لم تسكتى لاضربن الذى فيه عيناك فسكتت فدفنوه خرجه القلعى كذا فى الرياض النضرة*
(ذكر شهود الملائكه عثمان)
* عن سهل بن خنيس وكان ممن شهد قتل عثمان قال لما أمسينا قلت لئن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به فانطلقنا به الى بقيع الغرقد فامكنا له من جوف الليل ثم حملناه فغشينا سواد من خلفنا فهبناهم حتى كدنا أن نتفرّق فاذا مناد ينادى لاروع عليكم اثبتوا فانا جئنا لنشهد معكم وكان ابن خنيس يقول هم الملائكة خرجه الضحاك*
(ذكر مدّة خلافته)
* قال ابن اسحاق كانت مدّة خلافته اثنتى عشرة سنة* وقال غيره وكانت خلافته احدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما كذا فى الرياض النضرة* وفى دول الاسلام كانت دولته اثنتى عشرة سنة وتفرّقت الكلمة بعد قتله وماج الناس واقتتلوا للاخذ بثاره حتى قتل من المسلمين تسعون ألفا* (ذكر سنه) * واختلف فى سنه حين قتل قال ابن اسحاق قتل وهو ابن ثمانين سنة وقال غيره قتل وهو ابن ثمان وثمانين وقيل ابن تسعين سنة وأعلى ما قيل فى ذلك خمس وتسعون سنة وقال قتادة قتل عثمان وهو ابن ست وثمانين سنة* وقال الواقدى لا خلاف عندنا انه قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وهو قول أبى اليقظان* مروياته فى كتب الاحاديث مائة وستة وأربعون
стр. 775
حديثا*
(ذكر ما نقم على عثمان مفصلا والاعتذار عنه بحسب الامكان)
* وذلك أمور (الاوّل) ما نقموا عليه من عزله جمعا من الصحابة منهم أبو موسى عزله عن البصرة وولاها عبد الله بن عامر ومنهم عمرو بن العاص عزله عن مصر وولى عبد الله بن أبى سرح وكان قد ارتدّ فى زمن النبىّ ﷺ ولحق بالمشركين فأهدر النبىّ ﷺ دمه بعد الفتح الى ان أخذ له عثمان الامان ثم أسلم ومنهم عمار بن ياسر عزله عن الكوفة ومنهم المغيرة بن شعبة عزله عن الكوفة أيضا وأشخصه الى المدينة* جوابه أمّا عزل أبى موسى فكان عذره فى عزله أوضح من أن يذكر فانه لو لم يعزله لاضطربت البصرة والكوفة وأعمالهما للاختلاف الواقع بين جند البلدين* وقصته انه كتب الى عمر فى أيامه يسأله المدد فامدّه بجند الكوفة فأمرهم أبو موسى حين قدومهم عليه برامهرمز فذهبوا اليها ففتحوها وسبوا نساءها وذراريها فحمدهم على ذلك وكره نسبة الفتح الى جند الكوفة دون جند البصرة فقال لهم انى كنت أعطيتهم الامان وأجلتهم ستة أشهر فردّوا عليهم فوقع الخلاف فى ذلك بين الجندين وكتبوا الى عمر فكتب عمر الى صالحاء جند أبى موسى مثل البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وعمر ان بن حصين وأنس بن مالك وسعيد بن عمرو الانصارى وأمثالهم وأمرهم أن يستحلفوا أبا موسى فان حلف انه أعطاهم الامان وأجلهم ردّوا عليهم فاستحلفوه فحلف وردّ السبى عليهم وانتظر بهم أجلهم وبقيت قلوب الجند حنقة على أبى موسى ثم رفع على أبى موسى الى عمر وقيل له لو أعطاهم الامان لعلم ذلك فاستحضره عمر وسأله عن يمينه فقال ما حلفت الا على حق قال فلم أمرت الجند اليهم حتى فعلوا ما فعلوا وقد وكلنا أمرك فى يمينك الى الله تعالى فارجع الى عملك فليس نجد الان من يقوم مقامك ولعلنا ان وجدنا من يكفينا عملك وليناه فلما مضى عمر لسبيله وولى عثمان شكا جند البصرة الشيخ أبا موسى وشكا جند الكوفة ما نقموا عليه فخشى عثمان ممالأة الفريقين على أبى موسى فعزله عن البصرة وولاها أكرم الفتيان عبد الله بن عامر بن كريز وكان من سادات قريش وهو الذى سقاه رسول الله ﷺ ريقه حين حمل اليه طفلا فى مهده* وأمّا عمرو بن العاص فانما عزله لانّ أهل مصر أكثروا شكايته وكان عمر قبل ذلك عزله لشئ بلغه عنه ولما أظهر توبته ردّه لذلك ثم عزله عثمان لشكاية رعيته كيف والروافض يزعمون انّ عمروا كان منافقا بالاسلام فقد أصاب عثمان فى عزله فكيف يعترض على عثمان بما هو مصيب عندهم وأمّا توليته عبد الله بن أبى سرح فمن حسن النظر عنده لانه تاب وأصلح عمله وكان له فيما ولاه آثار محمودة فانه فتح من تلك النواحى طائفة كثيرة حتى انتهى فى اغارته الى الجزائر التى فى بحر بلاد المغرب وحصل فى فتوحه ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار سوى ما غنمه من صنوف الاموال وبعث بالخمس منها الى عثمان وفرّق الباقى فى جنده وكان فى جنده جماعة من الصحابة ومن أولادهم كعقبة بن عامر الجهنى وعبد الرحمن بن أبى بكر وعبد الله بن عمرو بن العاص قاتلوا تحت رايته وأدّوا طاعته ووجدوه أقوم بسياسة الامر من عمرو بن العاص ثم أبان عن حسن رأى فى نفسه عند وقوع الفتنة حين قتل عثمان فانه اعتزل الفريقين ولم يشهد مشهدا ولم يقاتل أحدا بعد قتال المشركين وأمّا عمار بن ياسر والمغيرة بن شعبة فأخطاؤا فى ظنّ عزل عمار فانه لم يعزله وانما عزله عمر كان أهل الكوفة قد شكوه فقال عمر من يعذرنى من أهل الكوفة ان استعملت عليهم تقيا استضعفوه وان استعملت عليهم قويا فجروه ثم عزله وولى المغيرة بن شعبة فلما ولى عثمان شكوا المغيرة اليه وذكروا انه ارتشى فى بعض أموره فلما رأى ما وقر عندهم منه استصوب عزله عنهم ولو كانوا مفترين عليه والعجب من هؤلاء الرافضة كيف ينقمون على عثمان عزل المغيرة وهم يكفرون المغيرة على انا نقول ما زال ولاة الامر قبله وبعده يعزلون من عمالهم مارأوا عزله ويولون ما رأوا توليته
следующие страницы →