← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ولهذا الامام أشعار من هذا النمط، ترك الكاغد أبيض خير من تسويده بها. وله تصانيف حسان منها: كتاب المواضع والبلدان. وكتاب في تفسير القرآن. وكتاب اشتقاق الأسماء. ومن شعره الذي أورده لنفسه في «كتاب البلدان» : رأيتك تدّعي علم العروض ... كأنك لست منها في عروض فكم تزري بشعر مستقيم ... صحيح في موازين العروض كأنك لم تحط مذ كنت علما ... بمخبون الضروب ولا العروض [٨٣٣] علي بن محمد أبو الحسن السخاوي: وسخا قرية من قرى مصر، كان مبدأه الاشتغال بالفقه على مذهب مالك بمصر ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وسكن بمسجد بالقرافة يؤمّ فيه مدة طويلة، فلما وصل الشيخ أبو القاسم الشاطبي إلى تلك الديار واشتهر أمره لازمه مدة، وقرأ عليه القرآن بالروايات، وتلقف منه قصيدته المشهورة في القراءات، وكان يعلّم أولاد الأمير ابن موسك، وانتقل معه إلى دمشق، واشتهر بها بعلم القرآن، وعاود قراءة القرآن على تاج الدين أبي اليمن الكندي ولازمه، وقرأ عليه جملة وافرة من سماعاته في الأدب وغيره، وصار له حلقة بالجامع بدمشق، وتردّد إليه الناس للتأدّب، وشرع في التصنيف فله: كتاب الوحيد في شرح القصيد، يريد قصيدة الشاطبي، وبسط القول وطوّل «١» في مجلدتين. كتاب شرح المفصل. كتاب في تفسير القرآن. وكتبت هذه الترجمة في سنة تسع عشرة وستمائة وهو بدمشق كهل يحيا.

стр. 1962

[٨٣٤] علي بن محمد بن علي الفصيحي أبو الحسن من أهل استراباذ، وهي مدينة من طبرستان ورأس قصبتها، قرأ النحو على عبد القاهر الجرجاني، وأخذ عنه أبو نزار النحوي والحيص بيص الشاعر، ومات فيما ذكره السلفي الحافظ يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة، وقدم بغداد واستوطنها إلى حين وفاته، ودرّس النحو بالنظامية بعد الشيخ أبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، ثم اتهم بالتشيع فقيل له في ذلك فقال: لا أجحد، أنا متشيع من الفرق إلى القدم، فأخرج من النظامية ورتّب مكانه الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، فكان المتعلمون يقصدون داره التي انتقل إليها للقراءة عليه، فقال لهم يوما: داري بكرى وخبزي بشرى، وقد جئتم تدحرجون إليّ، اذهبوا إلى من عزلنا به. وسمي بالفصيحي لكثرة دراسته «كتاب الفصيح» لثعلب وصار له به أنس حتى انه دخل يوما على مريض يعوده فقال «شفاه» وسبق على لسانه: «وأرخيت الستر» لاعتياده كثرة إعادته «١» . وقد روى الفصيحي عن أبي الحسن الخطيب الأقطع إنشادا، سمعه منه ابن سلفة الاصفهاني الحافظ ببغداد وقال: جالسته وسألته عن أحرف من العربية، وروى عنه في مشيخة بغداد، وهو الذي عرفنا أن اسم أبيه «٢» محمد وإلا فلا يعرف إلا بعلي بن أبي زيد الفصيحي فقط.

стр. 1963

قرأت في «كتاب سرعة الجواب ومداعبة الأحباب» تصنيف الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل بخطّه، أنشدني الشيخ الامام أبو الحسن علي بن أبي زيد الفصيحي وقد عاتبته على الوحدة فقال: الله أحمد شاكرا ... فبلاؤه حسن جميل أصبحت مستورا معا ... فى بين أنعمه أجول خلوا من الأحزان خ ... فّ الظهر يقنعني القليل حرا فلا منّ لمخ ... لوق عليّ ولا سبيل لم يشقني حرص على ال ... دنيا ولا أمل طويل سيان عندي ذو الغنى ال ... متلاف والرجل البخيل ونفيت باليأس المنى ... عني فطاب «١» لي المقيل والناس كلهم لمن ... خفّت مؤونته خليل ومن كتابه أنشدنا الامام أبو الحسن علي بن أبي زيد في «المذاكرة» وقد رقي إليه كلام قبيح عن بعض أصدقائه، فقال مستشهدا: إني إذا ما الخليل أحدث لي ... صرما وملّ الصفاء أو قطعا لا أحتسي ماءه على رنق ... ولا يراني لبينه جزعا أهجره ثم تنقضي غير ال ... هجران عنا ولم أقل قذعا احذر وصال اللئيم إنّ له ... عضها إذا حبل ودّه انقطعا وقرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب، قال الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد، وقد جرى ذكر الشيخ أبي الحسن بن أبي زيد الاستراباذي المعروف بالفصيحي صاحب عبد القاهر الجرجاني ﵏، قال لي الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي بن الخطيب التبريزي ﵀ إنه حضر معه- أعني الفصيحي-

стр. 1964

حلقة تباع فيها الكتب، فنودي «١» على كتاب فيه شيء من مصنفات أبي طالب المفضل بن سلمة بن عاصم ورّاق الفراء وعليه اسم المفضل منسوبا إلى النحو فقيل النحوي، فأخذه الفصيحي وناولنيه (يقوله أبو زكريا) وقال لي كالمستهزىء النحوي، أي قد نسبته «٢» إلى النحو وهو عنده مقصر أي لا يستحق هذا الوصف قال فقلت: تكون أنت نحويا ولا يكون المفضل منسوبا إلى النحو «٣» ؟ قال الشيخ أبو محمد: لا شبهة في أن الذي حمل الفصيحيّ على الغضّ بهذا القول من المفضل أنه قد وقف على شيء من كلامه في بعض مصنفاته مما يتسمّح به أهل الكوفة مما يراه أهل البصرة خطأ أو كالخطأ، وذاك مما لا يحتمله الفصيحي ولا شيخه عبد القاهر ولا شيخه ابن عبد الوارث أبو الحسين فيغضوا عليه، لأن طريقتهم التي يسلكونها في الصناعة منحرفة عن طريقة المفضل ومن جرى في أسلوبه كلّ الانحراف. قال الشيخ أبو محمد ابن الخشاب: وعلى أنني قرأت بخط المفضّل في كتابه الذي سماه «البارع» في الرد على كتاب العين في اللغة أشياء تدل على قصوره في الصناعة وضعفه «٤» في قياسها، منها أنه ذكر الحروف التي جاءت لمعان بعد أن ذكر أبنية الكلام فقال: والحدّ الثالث من الكلام الأدوات «٥» ، وهي التي يسميها أهل البصرة حروف المعاني، فمنها ما هو على ثلاثة أحرف نحو إنّ وليت وكيف وأين، فعدّ كما ترى كيف وأين في حروف المعاني، وذا سهل عندهم. ثم قال: ومنها ما هو على أربعة أحرف نحو حاشا ولولا، ومنها ما هو على خمسة أحرف نحو ما خلا وما عدا، وجعله الحرفين مع ما واحدا وعدّه لهما فيما بني من أصول الكلم على خمسة أحرف من أفحش الخطأ وأنزله، ولو وفق لذكر «لاكنّ» ومثّل بها فليس في حروف المعاني ما هو على خمسة أحرف سوى لاكنّ. ومرت بي فيما قرأته بخطه أشياء غير هذا تجري في التسمح مجراه. قرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب: كان أبو الحسن علي بن أبي زيد

стр. 1965

الاستراباذي المعروف بالفصيحي ﵀ يقول في الشجة التي تعرف عندهم بالمنقلة، وهي التي تنقل منها العظام، إنها المنقلة بكسر القاف، ويرى كونها على صيغة الفاعل لا المفعول هو الوجه لا يجيز غيره، ويقول الشجاج كلّها إنما جاءت على صيغة الفاعل كالحارصة والدامية والدامعة والدامغة والباضعة والمتلاحمة والموضحة والمفرشة وأشباههن، قال وكذا ينبغي أن تكون المنقلة بكسر القاف، وكأنها عنده رواية عضدها قياس. قال: وكان شيخنا موهوب بن أحمد ﵁ ينكر «١» ذلك عليه ويعده تصحيفا، ويضبط اللفظة بفتح القاف على أنها صيغة مفعول ويكتب فوق القاف ما هذه صورته (فتح) ويقول: أيّ قياس مع الرواية؟ هذا وهي تنقل منها العظام فيتعلق أيضا بالتفسير، ولعمري إن الأشهر فيها الفتح، وهكذا ذكره أبو عبيد وابن السكيت عن الأصمعي قال: ثم المنقلة وهي التي يخرج منها العظام «٢» ؛ وكان شيخنا موهوب ﵀ يرى الكسر في قاف المنقلة تصحيفا محضا لا وجه له، على أن أبا محمد ابن درستويه قد حكى عنه الكسر كما قال الفصيحي. قال: وقرأت بخط العبدري وأخبرني به في كتابه قال: سمعت محمد بن العالي اللغوي يقول: رويت بالوجهين جميعا. وحكى العبدريّ الكسر عن ابن درستويه أيضا، ولست أدري هل تعلق الفصيحي فيما ذهب إليه بقول ابن درستويه أو غيره ممن لعله حكى الكسر أم لا، وهل رغب شيخنا موهوب عن الكسر بعد أن علم أنه قد حكي ولم يعتدّ بمكانة من حكاه أم لا، والأشبه أنه لا يكون بلغه فإنه قلّما كان يدفع قولا لمتقدم ولو ضعف. وأنا أقول إن النزاع في هذه اللفظة وشبهها المرجع فيه إلى محض الرواية عنهم، والمعوّل في ذاك على ما يضبطه الأثبات فيها، وقد قدمت من المشهور فيها الفتح كما قال شيخنا موهوب، ولا حجة له في أنهم فسروها بأنها تخرج منها العظام وتنقل فإنا لو خلّينا وهذا الحجاج ووكلنا في إثبات لغة الفتح إليه لكان للخصم أن يقول إن الشجة وهي الضربة التي أدت إلى نقل العظام فهي المنقلة لأنها حملت على النقل، ولا حجة لشيخنا الفصيحي أيضا مع اشتهار الفتح فيها في حمله

стр. 1966

إياها على الفاعل من نظائرها لأنهم قالوا في الآمة المأمومة، كما قال يصف ضربة «١» : يحجّ مأمومة في قعرها لجف ... فاست الطبيب قذاها كالمغاريد «٢» على أنه يمكن أن يتأول المأمومة على معنى يحجّ هامة مأمومة، وقد قالوا في المشجوج نفسه مأموم وأميم، والظاهر أنه أراد الشجة، وقد جاء في الشجاج ما ليس على صيغة فاعل ولا مفعول كالسمحاق، فهل هذه إلا محض رواية في التسمية، وإن كان منقولا فاعرف ما قال شيخانا رحمهما الله وقلناه ومن الله نستمد التوفيق. ومن خط ابن المتوكل: حدثني الشيخ الامام الفصيحي قال: رأيت بعض الموسومين في المارستان «٣» وفي إبهامه أثر الحناء دون أصابعه فقلت له: ما معنى الحناء في الابهام دون سائر الأصابع؟ فأنشدني: وخاضبة إبهامها دون غيره ... رأتني وقد أعيا عليّ تصبري فقلت لها الابهام ما اسم خضابه ... فقالت يسمى عضّة المتفكر [٨٣٥] علي بن محمد بن محمد بن علي بن السكون الحلي أبو الحسن: من حلة بني مزيد بأرض بابل، كان عارفا بالنحو واللغة حسن الفهم جيد النقل حريصا على تصحيح الكتب، لم يضع قط في طرسه إلا ما وعاه قلبه وفهمه لبه، وكان يجيد قول الشعر. وحكى لي عنه الفصيح بن علي الشاعر أنه كان نصيريا قال لي: ومات في حدود سنة ستمائة، وله تصانيف.

стр. 1967

[٨٣٦] علي بن محمد بن يوسف بن خروف «١» الأندلسي الرندي النحوي: مشهور في بلاده مذكور بالعلم والفهم. مات فيما أخبرني به الفقيه شمس الدين أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الغماري، قبيلة، في سنة ست وستمائة باشبيلية عن خمس وثمانين سنة وكان قد تغير عقله بأخرة «٢» حتى مشى في الأسواق مكشوف الرأس «٣» والعورة. وأخذ النحو عن الأستاذ أبي بكر ابن طاهر «٤» المعروف بالخدبّ صاحب الحواشي على كتاب سيبويه بمدينة فاس «٥» . وكان ابن خروف خياطا إذا اكتسب منها شيئا قسم ما يحصل له نصفين بينه وبين أستاذه، وكان في خلقه زعارة وسوء عشرة، ولم يتزوج قط، وكان يسكن الخانات. قال: وحدثني ببدء اشتغاله أبو القاسم عبد الرحمن بن يخلف السلاوي (مدينة بالعدوة من المغرب) قال إنه أول يوم دخل على ابن طاهر شكا إليه الفقر وقال إنك لتأخذ مني أكثر مما تأخذ من الأعيان فقال: شرّك أعظم من شرّهم عليّ في المجلس، وكان يأمرني بنقل الماء إلى المسجد إذا احتاج الى استعماله فأقول له في ذلك فيقول: لا أحب أن تجلس بغير شغل، ولم يتخذ بلدا موطنا بل كان ينتقل

стр. 1968

في البلاد في طلب التجارة. وله تصانيف منها كتاب شرح سيبويه «١» ، حمله إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار «٢» ، وله كتاب شرح الجمل في مجلد «٣» واحد. [٨٣٧] علي بن معقل أبو الحسن: ذكره الحبال في «كتاب الوفيات» فقال أبو الحسن ابن معقل الأديب الكاتب صاحب أبي علي الفارسي، ولم يذكر اسمه، فكتبته أنا كما ترى بالوهم إلى أن يصحّ، قال: مات في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. [٨٣٨] علي بن المغيرة الأثرم أبو الحسن: كان صاحب كتب مصححة قد لقي بها العلماء وضبط ما ضمنها، ولم يكن له حفظ، لقي أبا عبيدة والأصمعي وأخذ عنهما. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وهي السنة التي مات فيها الواثق. وله من الكتب: كتاب النوادر. كتاب غريب الحديث. وحدث أبو مسحل عبد الوهاب قال: كان إسماعيل بن صبيح الكاتب قد أقدم أبا عبيدة من البصرة في أيام الرشيد إلى بغداد وأحضر الأثرم، وهو يومئذ وراق، وجعله في دار من دوره، وأغلق عليه الباب ودفع اليه كتب أبي عبيدة وأمره بنسخها، فكنت

стр. 1969

أنا وجماعة من أصحابنا نصير الى الأثرم فيدفع إلينا الكتاب والورق الأبيض من عنده ويسألنا نسخه وتعجيله، ويوافقنا على الوقت الذي نردّه إليه، فكنا نفعل ذلك، وكان الأثرم يقرأ على أبي عبيدة، وكان أبو عبيدة من أضنّ الناس بكتبه ولو علم ما فعله الأثرم لمنعه من ذلك. وكان الأثرم يقول الشعر فمن قوله: كبرت وجاء الشيب والضعف والبلى ... وكل امرىء يبلى إذا عاش ما عشت أقول وقد جاوزت تسعين حجة ... كأن لم أكن فيها وليدا وقد كنت وأنكرت لما أن مضى جلّ قوتي ... وتزداد ضعفا قوّتي كلما زدت كأني إذا أسرعت في المشي واقف ... لقرب خطى ما مسّها قصرا وقت وصرت أخاف الشيء كان يخافني ... أعدّ من الموتى لضعفي وما مت وأسهر من برد الفراش ولينه ... وإن كنت بين القوم في مجلس نمت [٨٣٩] علي بن منجب بن سليمان الصيرفي أبو القاسم: أحد فضلاء المصريين وبلغائهم، مسلّم ذلك له غير منازع فيه، وكان أبوه صيرفيا، واشتهى هو الكتابة فمهر فيها. مات في أيام الصالح بن رزيك بعد خمس وخمسمائة، وقد اشتهر ذكره وعلا شأنه في البلاغة والشعر والخط، فإنه كتب خطا مليحا وسلك فيه طريقة غريبة، واشتغل بكتابة الجيش والخراج مدة، ثم استخدمه الأفضل بن أمير الجيوش وزير المصريين في ديوان المكاتبات ورفع من قدره وشهره، ثم إنه أراد أن يعزل الشيخ ابن أبي أسامة عن ديوان الانشاء ويفرد ابن الصيرفي به، واستشار في ذلك بعض خواصه ومن يأنس به فقال له: إن قدرت أن تفدي ابن أبي أسامة من الموت يوما واحدا بنصف مملكتك فافعل ذلك ولا تخل الدولة منه فإنه جمالها، فأضرب عن ابن الصيرفي، ومات

стр. 1970

الأفضل وخدم الحافظ المسمى بالخلافة بمصر. ولابن الصيرفي من التصانيف: كتاب الإشارة فيمن نال رتبة الوزارة «١» . كتاب عمدة المحادثة. كتاب عقائل الفضائل. كتاب استنزال الرحمة. كتاب منائح القرائح. كتاب رد المظالم. كتاب لمح الملح. كتاب في السكر «٢» وله غير ذلك من التصانيف وله اختيارات كثيرة لدواوين الشعراء كديوان ابن السراج وأبي العلاء المعري وغيرهما «٣» . ومن شعره قوله: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلّت مفاخره عن كلّ إطراء تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من نظم وإنشاء وله: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطيّ مخضوب وله: هذي مناقب قد أغناه أيسرها ... عن الذي شرعت آباؤه الأول قد جاوزت مطلع الجوزاء وارتفعت ... بحيث ينحطّ عنها الحوت والحمل ولابن الصيرفي رسائل أنشأها عن ملوك مصر تزيد على أربع مجلدات.

стр. 1971

[٨٤٠] علي بن منصور بن عبيد الله الخطيبي المعروف بالأجل اللغوي، يكنى أبا علي، الأصبهاني الأصل بغدادي المولد والمنشأ: عالم فاضل لغوي فقيه كاتب مقيم بالنظامية، قرأ على ابن العصار وأبي البركات الأنباري وغيرهما، وتفقه على مذهب الشافعي بالنظامية، ولا أعلم له في زمانه نظيرا في علم اللغة، فإنه حدثني أنه كان في صباه يكتب كل يوم نصف جزء خمس قوائم من «كتاب مجمل اللغة» لابن فارس ويحفظه ويقرأه على علي بن عبد الرحيم السلمي المعروف بابن العصار، حتى أنهى الكتاب حفظا وكتابة، وحفظ «إصلاح المنطق» في أيسر مدة، وحفظ غير ذلك من كتب اللغة والفقه والنحو، وطالع أكثر كتب الأدب، وهو حفظة لكثير من الأشعار والأخبار ممتع المحاضرة، إلا أنه لا يتصدّى للاقراء، ولقد سألته في ذلك وخضعت إليه بكلّ وجه فلم ينقد لذلك، ولا يكاد أحد يراه جالسا، إنما هو في جميع أوقاته قائم على رجليه في النظامية، ولو جلس للاقراء لأحيا علوم الأدب ولضربت إليه آباط الإبل في الطلب. بلغني أن مولده سنة سبع وأربعين وخمسمائة. أنشدني أبو الحسن علي بن الحسين بن علي السنجاري يعرف بابن ذنابة، قال أنشدني الأجل علي بن منصور اللغوي لنفسه: فؤاد معنّى بالعيون الفواتر ... وصبوة باد مغرم بالحواضر سميران ذادا عن جفون متّيم ... كراها وباتا عنده شرّ سامر وأنشدني قال أنشدني لنفسه: لمن غزال بأعلى رامة سنحا ... فعاود القلب سكر كان منه صحا مقسّم بين أضداد فطرّته ... جنح وغرّته في الجنح ضوء ضحى

стр. 1972

[٨٤١] علي بن منصور بن طالب الحلبي الملقب دوخلة يعرف بابن القارح «١» : يكنى أبا الحسن، قال ابن عبد الرحيم: هو شيخ من أهل الأدب شاهدناه ببغداد راوية للأخبار وحافظا لقطعة كبيرة من اللغة والأشعار قؤوما بالنحو، وكان ممن خدم أبا عليّ الفارسي في داره وهو صبي، ثم لازمه وقرأ عليه- على زعمه- جميع كتبه وسماعاته، وكانت معيشته من التعليم بالشام ومصر، وكان يحكي أنه كان مؤدبا لأبي القاسم المغربي الذي وزر ببغداد لقاه الله سيّء أفعاله كذا قال، وله فيه هجو كثير، وكان يذمّه ويعدّد معايبه. وشعره يجري مجرى شعر المعلمين قليل الحلاوة خاليا من الطلاوة، وكان آخر عهدي به بتكريت في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة «٢» فإنا كنا مقيمين بها واجتاز بنا وأقام عندنا مدة، ثم توجه إلى الموصل وبلغتني وفاته من بعد، وكان يذكر أن مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ولم يتزوج ولا أعقب، وجميع ما أورده من شعره مما أنشدنيه لنفسه، فمنه في الشمعة: لقد أشبهتني شمعة في صبابتي ... وفي طول ما ألقى وما أتوقّع نحول وحرق في فناء ووحدة ... وتسهيد عين واصفرار وأدمع ومنه في هجو المغربي: لقبت بالكامل سترا على ... نقصك كالباني على الخصّ فصرت كالكنف إذا شيدت ... بيّض أعلاهنّ بالجص يا عرّة الدنيا بلا غرّة ... ويا طويس الشؤم والحرص قتلت أهليك وأنهبت بي ... ت الله بالموصل تستعصي

стр. 1973

وله في المداعبة: أين من كان يوضع الأير إجلا ... لا على الرأس عنده ويباس أين من كان عارفا بمقادي ... ر الأيور الكبار مات الناس وله: يا رمحها العسّال بل يا سيفها ال ... قصّال نارك ليس تخبو يا عاقد المنن الرغاب ... على الرقاب لهن سحب كفروك ما أوليتهم ... والربّ يشكر ما تربّ وسئل أن يجيز قول الشاعر: لعلّ الذي تخشاه يوما به تنجو ... ويأتيك ما ترجوه من حيث لا ترجو فقال: فثق بحكيم لا مردّ لحكمه ... فما لك في المقدور دخل ولا خرج وكان بينه وبين الكسروي مهاترة ومهاجاة ومماظة فمن قوله فيه: إذا الكسروي بدا مقبلا ... وفي يده ذيل دراعته وقد لبس العجب مستنوكا ... يتيه ويختال في مشيته فلا يمنعنّك بأواؤه ... ضراطا يقعقع في لحيته وله: الصيمريّ دقيق الفكر في اللقم ... يقول كم عندكم لون وكم وكم يسعى إلى من يرى إكثاره وكذا ... يراه ذاك وما هذاك من عدم يلقى الوعيد بما يلقى الحشوش به ... وذاك والله بخل ليس بالأمم قال وحدثني قال: كنت أؤدب ولدي الحسين بن جوهر القائد بمصر وكانا مختصين بالحاكم وآنسين به، فعملت قصيدة وسألت المسمّى منهما جعفرا وكان من أحسن الناس وجها، ويقال إن الحاكم كان يميل إليه، أن يوصلها ففعل وعرضها عليه، فقال: من هذا؟ فقال: مؤدبي، قال: يعطى الف دينار، واتفق أن المعروف بابن مقشر الطبيب كان حاضرا، فقال لا تثقلوا على خزائن أمير المؤمنين يكفيه

стр. 1974

النصف، فأعطيت خمسمائة دينار، وحدثني ابن جوهر بالحديث، وكانت القصيدة على وزن منهوكة أبي نواس أقول فيها: إن الزمان قد نصر ... بالحاكم الملك الأغرّ في كفّه عضب ذكر ... فقد غدا على القصر من غرة على غرر «١» ... يمضي كما يمضي القدر في سرعة الطرف نظر ... أو السحاب المنهمر بادر إنفاق البدر ... بدر إذا لاح بهر وهي طويلة، واتفق أن الطبيب المذكور لحقته بعد هذا بأيام شقفة، وهي التي تسمى التراقي، ويقال لها قملة النسر أيضا، فمات منها وكان نصرانيا فقلت: لما غدا يستخفّ رضوى ... تيها وكبرا لجحد ربّه أصماه صرف الردى بسهم ... عاجله قبل وقت نحبه بشقفة بين منكبيه ... رشاؤها في قليب قلبه قال عبد الله الفقير اليه مؤلف الكتاب: وعلي بن منصور هذا يعرف بابن القارح، وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري الرسالة المعروفة برسالة ابن القارح، فأجابه أبو العلاء برسالة الغفران، وذكر اسمه فيها. [٨٤٢] علي بن مهدي بن علي بن مهدي الكسروي أبو الحسن الأصفهاني معلم ولد أبي السحن علي بن يحيى بن المنجم: أحد الرواة العلماء النحويين الشعراء، مات في أيام بدر المعتضدي على أصبهان. قال حمزة: علي بن مهدي الكسروي وهو ابن

стр. 1975

أخت علي بن عاصم بن الحريش، وكان متصلا ببدر المعتضدي، وفي أيامه مات، يعني أيامه على أصبهان، وكان قد ولي أصبهان سنة ثلاث وثمانين ومائتين أيام المعتضد إلى أن ولي ابنه المكتفي سنة تسع وثمانين ومائتين. قال ابن أبي طاهر: وكان الكسروي أديبا ظريفا حافظا رواية شاعرا عالما ب «كتاب العين» خاصة، وكان يؤدب هارون بن علي بن يحيى النديم واتصل بأبي النجم المعتضدي مولى المعتضد وتوفي في خلافته. وذكره المرزباني فقال: حدثني علي بن هارون عن أبيه وعمه قالا: كان أبو الحسن علي بن يحيى بن المنجم جالسا يوما وبحضرته من لا يخلو مجلسه منه من الشعراء كأحمد بن أبي طاهر وأحمد بن أبي فنن وأبي علي البصير وأبي هفان المهزمي والهدادي- وهو ابن عمه أي أبي هفان- وابن العلاف وأبي الطريف وأحمد بن أبي كامل خال ولد أبي الحسن وعلي بن مهدي الكسروي، وكان معلم ولده، فأنشد الجماعة بيتا ذكر أنه مر به مفردا فاستحسنه وأحبّ أن يضاف إليه بيت آخر يصل معناه ويزيد في الامتاع به وهو: ليهنك أني لم أجد لك عائبا ... سوى حاسد والحاسدون كثير فبدره علي بن مهدي من بين الجماعة وقال: وأنك مثل الغيث أما وقوعه ... فخصب وأما ماؤه فطهور فاستحسنه أبو الحسن وضمّه إلى البيت الأول، وكان أبو العنبس «١» ابن حمدون حاضرا فقال له: الصنعة فيهما عليك فطلب عودا وانفرد فصنع فيه رمله المشهور. وحدث عن الصولي قال: كتب عبد الله بن المعتز إلى علي بن مهدي الأصبهاني: وما نازح بالصين أدنى محلّه ... يقصّر عنه كلّ ماش وطائر محا اليأس منه كلّ ذكر فلم تكد ... تصوّره للقلب أيدي الخواطر بأبعد عندي من أناس وإن دنوا ... وما البعد إلا مثل طول التهاجر ويشغل عني القصف والراح بعضهم ... مباكرها أو ممسيا كمباكر

стр. 1976

إذا طار بين العود والناي طيرة ... فليس لإخوان الصفاء بذاكر قال فأجابه علي بن مهدي: أيا سيدي عفوا وحسن إقالة ... فلم يحو أقطار العلا مثل غافر لعمري لو أنّ الصين أدنى محلّتي ... لما كنت إلا غائبا مثل حاضر ثنائي لكم عمري ومحض مودتي ... تؤثر آثار الغيوث البواكر وو الله ما استبهجت بعدك مجلسا ... ولا بقيت لذاته في ضمائري ولست كمن يثنيه أهل صفائه ... سماع الحسان واصطخاب المزاهر وكيف تناسي سيد لي ثناؤه ... منوط بأحشائي وسمعي وناظري وحدث عن عبد الله بن يحيى العسكري عن أحمد بن سعيد الدمشقي قال: كتب عبد الله بن المعتز إلى علي بن مهدي الكسروي «١» : يا باخلا بكتابه ورسوله ... أأردت تجعل في الفراق فراقا إن العهود تموت إن لم تحيها ... والنأي يحدث للفتى إخلاقا قال فكتب إليه علي بن مهدي: لا والذي أنت أسنى من أمجّده ... عندي وأوفاهم عهدا وميثاقا ما حلت عن خير ما قد كنت تعهده ... ولا تبدلت بعد النأي أخلاقا لكن عجزي عن نعماك أفحمني ... فانقدت للعجز مغلوبا ومشتاقا «٢» وحدث عن علي عن عبد الله بن المعتز قال: كتب إليّ علي بن مهدي الكسروي في يوم مهرجان: نعمت بما تهوى ونلت الذي ترضى ... ولقّيت ما ترجو ووقّيت ما تخشى ولست بما ألقى من الخير كلّه ... أسرّ وأحظى سيدي بالذي تلقى ويعلم علّام الخفيّات أنني ... أعدّك ذخرا للممات وللمحيا وأني لو أهدي على قدر نيتي ... لكان الذي أهديه حظي من الدنيا وحدث عن العسكري عن ابن سعيد «٣» الدمشقي قال: كتب عبد الله بن المعتز

стр. 1977

إلى علي بن مهدي «١» : أبا حسن أنت ابن مهديّ فارس ... فرفقا بنا لست ابن مهديّ هاشم وأنت أخ في يوم لهو ولذة ... ولست أخا عند الأمور العظائم فأجابه عليّ: أيا سيدي إنّ ابن مهديّ فارس ... فداء ومن يهوى لمهديّ هاشم بلوت أخا في كلّ أمر تحبّه ... ولم تبله عند الأمور العظائم وانك لو نبّهته لملمة ... لأنساك صولات الأسود الضراغم قال، وقال محمد بن داود: كان علي بن مهدي يؤدّب، وهو أحد الرواة للأخبار، وهو القائل «٢» : ولما أبي أن يستقيم وصلته ... على حالتيه مكرها غير طائع حذارا عليه أن يميل بودّه ... فأبلى بقلب لست عنه بنازع فأصبح كالظمآن يهريق ماءه ... كضوء سراب في المهامه لامع فلا الماء أبقى للحياة ولا أتى ... على منهل يجدي عليه بنافع وله: ومودّع يوم الفراق بلحظه ... شرق من العبرات ما يتكلّم متقلّب نحو الحبيب بطرفه ... لا يستطيع إشارة فيسلّم نطق الضمير بما أرادا عنهما ... وكلاهما مما يعاين مفحم وقال علي بن مهدي يصف العود «٣» : تجري أناملها على ... ذي منطق أعمى بصير خرس أصمّ ونحن من ... نجواه في دهر قصير فدم صموت ليس يع ... رف ما القبيل من الدبير

стр. 1978

ميت ولكنّ الأك ... فّ تذيقه طعم النشور وكأنه في حجرها «١» ... طفل تمهّد حجر ظير تومي إليه بنانها ... فتريك ترجمة الضمير فترى النفوس معلقات ... منه في بمّ وزير فإذا لوت آذانه ... جاز الأنين إلى الزفير قالت له قل مطربا ... «وعظتك واعظة القتير» فأجابها من حجرها ... «وعلتك أبهة الكبير» وذكره محمد بن اسحاق النديم فقال: كان مؤدب ولد هارون بن علي بن يحيى بن المنجم، واتصل بعد ذلك بأبي النجم بدر المعتضدي، وكان عارفا بكتاب العين خاصة «٢» . وله من الكتب: كتاب الخصال، وهو مجموع يشتمل على أخبار وحكم وأمثال وأشعار. كتاب مناقضات «٣» من زعم أنه لا ينبغي أن يقتدي «٤» القضاة في مطاعمهم بالأئمة الخلفاء، وقد عزي هذا الكتاب إلى الكسروي الكاتب والله أعلم «٥» . كتاب الأعياد والنواريز. كتاب مراسلات الاخوان ومحاورات الخلان. وقال الكسروي في ضرطة وهب بن سليمان «٦» : إن وهب بن سليم ... ان بن وهب بن سعيد حمل الضرط الى الريّ ... على ظهر البريد في مهمّات أمور ... منه بالركض الشديد استه تنظق يوم ... الحفل بالأمر الرشيد لم يجد في القول فاحتاج ... إلى دبر مجيد

стр. 1979

ومن «كتاب أصبهان» : قال هرون بن علي بن يحيى: اجتمعنا مع أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر عند علي بن مهدي فلما أردنا الانصراف أنشأ أبو الفضل يقول «١» : لولا عليّ بن مهديّ وخلّته ... لما اهتدينا إلى ظرف ولا أدب إذا سقى مترع الكاسات أوهمنا ... بأن غلماننا خير من العرب «٢» [٨٤٣] علي بن نصر الجهضمي أبو عمرو النحوي اللغوي أحد أصحاب الخليل، ذكره الزبيدي فقال، قال ابراهيم بن السري، يعني الزجاج، قال نصر بن علي بن نصر الجهضمي: لما أراد سيبويه أن يؤلف كتابه قال لأبي: تعال نحي علم الخليل،

стр. 1980

ومات [ ... ] . قال نصر: وسمعت الأخفش يقول: نفذ من أصحاب الخليل أربعة: سيبويه والنضر بن شميل وعلي بن نصر الجهضمي ومؤرج السدوسي. قال السمعاني: الجهضمي منسوب إلى الجهاضمة، وهي محلة بالبصرة، والمشهور منها أبو عمرو نصر بن علي «١» ، روى عن النضر بن شميل [و] الحداني البصري. قال المؤلف: والحداني منسوب إلى حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن الأزد. عدنا إلى قول السمعاني: قاضي البصرة، من العلماء المتقنين يروي عن ابن عيينة والمعتمر بن سليمان وحاتم بن وردان ونوح بن قيس ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن زريع والأصمعي. روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج بن مسلم وأبو عيسى الترمذي وأبو داود السجستاني «٢» ، وذكر غير هؤلاء، ثم قال: وكان ثقة ثبتا حجة، وكان المستعين بالله بعث إلى علي بن نصر «٣» يشخصه للقضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة لذلك، فقال: أرجع فأستخير الله، فرجع إلي بيته نصف النهار فصلّى ركعتين وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام فأنبهوه فإذا هو ميت، وذلك في جمادى الآخرة سنة خمسين ومائتين. ووجدت في بعض الكتب أن نصر بن علي الجهضمي «٤» قال كان لي جار طفيلي «٥» .

стр. 1981

[٨٤٤] علي بن نصر النصراني يعرف بابن الطبيب أبو الحسن الكاتب: ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: كان أديبا مصنفا مات في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وله عدة كتب. قال: وكان يذاكرني بها وأحسبه لم يتمم أكثرها فمن كتبه: كتاب البراعة. كتاب صحبة السلطان، أكثر من ألف ورقة. كتاب إصلاح الأخلاق نحو من ألف وخمسمائة ورقة يشتمل على حكم وأمثال. [٨٤٥] علي بن نصر بن سليمان البرنيقي «١» اللغوي أبو الحسن، أحد الأدباء: رأيت بخطه كتبا أدبية لغوية ونحوية فوجدته حسن الخط متقن الضبط، وكان مقامه بمصر ولعله من أهلها، قرىء عليه كتاب الهمز لأبي زيد الأنصاري بجامع مصر في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. [٨٤٦] علي بن نصر بن سعد بن محمد الكاتب أبو تراب: ولد بعكبرا ونشأ بها، ثم انحدر بعد أن بلغ إلى بغداد وقرأ الأدب والنحو على ابن برهان النحويّ، ثم انحدر إلى البصرة وصار كاتبا لنقيب الطالبيين بها وأقام هناك مدة، ثم رجع إلى بغداد في سنة تسعين وأربعمائة وأقام بالكرخ وولي الكتابة لنقيب الطالبيين إلى أن مات. وكان من أهل الأدب والفضل مولده في محرم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وتوفي في جمادى

стр. 1982

الآخرة سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وابنه علي بن علي بن نصر بن سعد أبو الحسن بن أبي تراب كان كاتب نقيب الطالبيين أيضا وكان شاعرا ولد بالبصرة سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. ومن شعر أبي تراب هذا: حالي بحمد الله حال جيده ... لكنه من كلّ خير عاطل ما قلت للأيام قول معاتب ... والرزق يدفع راحتي ويماطل إلا وقالت لي مقالة واعظ ... الرزق مقسوم وحرصك باطل [٨٤٧] علي بن نصر بن محمد بن عبد الصمد الفندورجيّ «١» أبو الحسن الاسفرائني، وفندورج «٢» قرية بنواحي نيسابور، سكن اسفرائين، وكان يرجع إلى فضل وافر ومعرفة تامة باللغة والأدب وخط وبلاغة، وله شعر مليح رائق ويد باسطة في الكتابة والرسائل. ورد بغداد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وأقام بها مدة واقتبس من فضلائها ورجع إلى خراسان وصار ينشىء الكتب عن ديوان الوزارة، عن طاهر بن نظام الملك والسلطان سنجر باللسانين العربي والفارسي «٣» . وسئل عن مولده فقال ولدت سنة تسع وثمانين وأربعمائة بنيسابور. قال السمعانيّ: ومات في حدود سنة خمسين وخمسمائة، ومن شعره: تحية مزن يتحف الروض سحرة ... بصوب الحيا في كلّ يوم عليكم

стр. 1983

فجسمي معي لكنّ قلبي أكرموا ... بلطفكم مثواه فهو لديكم قال السمعاني أنشدني الفندورجي لنفسه: سقى الله في أرض اسفرائين عصبتي ... فما تنتهي العلياء إلّا اليهم وجربت كلّ الناس بعد فراقهم ... فما زدت إلّا فرط ضنّ عليهم «١» قال السمعاني وأنشدني لنفسه ببلخ إملاء ونقلته من خطه: قد قصّ أجنحة الوفاء وطار من ... وكر الوداد المحض والإخلاص والحرّ في شبك الجفاء وماله ... من أسر حادثة رجاء خلاص كان في آخر جزء بخطّ السمعاني ما صورته: لكاتبه أبي الحسن الفندورجي: حمّ الحبيب وآذاه السّقام ولم ... أمت كما شاء سلطان الهوى حزنا بأيّ عين إذا ما الوصل يجمعنا ... بالطالع السعد ألقى وجهه الحسنا والجفن مني دام لا يصافح إذ ... ناغى الكرى في الدجى جفن الورى الوسنا وكاد عن بدني ينسلّ روحي إذ ... مسّ الأذى منه تلك الروح والبدنا وله أيضا في المعنى نقلته من خطه «٢» : حمّ الحبيب وما حمّ انفصالي عن ... روح وعن بدن يحيا بذكراه بأيّ وجه إذا ما الوصل يجمعنا ... ومقلة أتلقاه وألقاه وقرأت بخط أبي سعد، سمعت علي بن نصر النيسابوري مذاكرة بمرو يقول: كنت ببغداد فرأيت أهلها تستحسن هذه الأبيات التي لأبي إسماعيل المنشىء «٣» : ذكرتكم عند الزلال على الظما ... فلم أنتفع من برده ببلال فانشأت قصيدة في نقيب النقباء أبي القاسم علي بن طراد الزينبي على هذا الروي أولها:

стр. 1984

خليليّ زمّت «١» للرحيل جمالي ... فقد ضاق في أرض العراق مجالي وقودا عتاقا كالأهلة إنما ... ديار الندى والمكرمات خوالي وما أوجبت بغداد حقي وغادرت ... بلابل بعد الظاعنين ببالي [٨٤٨] علي بن وصيف الملقب بخشكنانجه الكاتب: من أهل بغداد، وكان أكثر مقامة بالرقة ثم انتقل إلى الموصل، وكان من البلغاء، وألف عدة كتب ونحلها عبدان صاحب الاسماعيلية. قال محمد بن اسحاق النديم: وكان لي صديقا وأنيسا، ومات بالموصل، وله من الكتب كتاب الافصاح والتثقيف في الخراج ورسومه. [٨٤٩] علي بن هبة الله بن ماكولا: هو علي بن هبة الله بن جعفر بن علّكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمرو بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزيز بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، أبو نصر المعروف بابن ماكولا، وهو ابن الوزير أبي القاسم هبة الله بن ماكولا وزير جلال الدولة بن بويه،

стр. 1985

وكان عمه أبو عبد الله الحسن بن جعفر قاضي القضاة ببغداد؛ الحافظ أصله من جرباذقان- بلدة بين همذان وأصفهان- يلقب بالأمير، من بيت الوزارة والقضاء والرئاسة القديمة، كان لبيبا عالما عارفا، ترشح للحفظ حتى كان يقال له الخطيب الثاني. قال ابن الجوزي: سمعت شيخنا عبد الوهاب يقدح في دينه ويقول: العلم يحتاج إلى دين. وصنف «كتاب المختلف والمؤتلف» جمع فيه بين كتب الدارقطني وعبد الغني والخطيب، وزاد عليهم زيادات كثيرة، وكان نحويا مجودا وشاعرا مبرزا جزل الشعر فصيح الكلام صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله، سمع أبا طالب ابن غيلان وأبا بكر ابن بشران وأبا القاسم ابن شاهين وأبا الطيب الطبري، وسافر إلى الشام والسواحل وديار مصر والجزيرة والثغور والجبال ودخل بلاد خراسان وما وراء النهر وطاف في الدنيا وجوّل «١» في الآفاق. قال محمد بن طاهر المقدسي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال المصري يمدح ابن ماكولا ويثني عليه ويقول: دخل مصر في زي الكتبة فلم نرفع به رأسا، فلما عرفناه كان من العلماء بهذا الشأن، ورجع إلى بغداد فأقام بها ثم خرج إلى خوزستان فقتل هناك، كان في صحبته جماعة من مماليكه الأتراك فغدروا به. قال ابن ناصر: قتل أبو نصر ابن ماكولا بالأهواز من نواحي خوزستان إما في سنة ست أو سبع وقال ابن الجوزي في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ومولده بعكبرا في شعبان من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. ومن مستحسن شعره في التجنيس «٢» : ولما تفرقنا تباكت قلوبنا ... فممسك دمع عند ذاك كساكبه فيا نفسي الحرّى البسي ثوب حسرة ... فراق الذي تهوينه قد كساك به

стр. 1986

ومنه: ترى زمني يدني سليمى فنلتقي ... ونرجع بالشكوى الحديث المناهبا وهيهات ما بعد الذي قد طلبته ... ومن غابر الأيام كان المنى هبا ومنه «١» : فؤاد ما يفيق من التصابي ... أطاع غرامه وعصى النواهي وقالوا لو تصبّر كان يسلو ... وهل صبر يساعد والنّوى هي ومنه «٢» : أليس وقوفنا بديار هند ... وقد رحل القطين من الدواهي وهند قد غدت داء لقلبي ... إذا صدت ولكن الدواهي ومنه: وهيّج أشواقي وما كنت ساليا ... بيبرين برق من ذرى الغور أومضا ذكرت به عيش التصابي وطيبه ... ولست بناسيه وإن عاد أو مضى ومن شعره «٣» : علّمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح وأرادت بذاك قبح صنيع ... فعلته فكان عين المليح» أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الدبيثي قال أنشدنا عمر بن طبرزد قال أنشدني أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام قال أنشدنا الأمير أبو نصر علي بن هبة الله لنفسه: قوّض خيامك عن أرض تهان بها ... وجانب الذلّ إن الذل يجتنب «٥» وارحل إذا كانت الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب «٦»

стр. 1987

قرأت بخط أبي سعد أخبرنا «١» أبو نصر يحيى بن خلف الخلقاني أخبرنا «٢» أبو ثابت بنجير بن علي أنبأنا «٣» أبو نصر ابن ماكولا الحافظ أنشدنا أبو الفرج هبة الله بن الحسن بن محمد العسقلاني بها أنشدنا أبو علي الحسن بن أحمد بن أبي الناس العسقلاني في صورتين كانتا على كنيسة تعرف بكنيسة ابن مريم على شرقي محملها، والكنيسة عند باب الصوارف بعسقلان: طوباكما من دميتين تعانقا ... من غير علم منهما بعناق «٤» لو ذقتما طعم العناق لغافصت ... شخصيكما الدنيا بوشك فراق لم تغفل الأيام حالكما بها ... عمدا لترفيه ولا إشفاق بل للأمور نهاية عقلت بها ... حجزت أوامرها عن الطرّاق فإذا انقضت أيامها عادت لها ... تلك الوقاحة أضيق الأطواق وكأنني والدهر قد أجراكما ... كبنيه تفريقا بغير تلاقي قال فما مضى لهذا الشعر إلا سنة أو نحوها حتى أمر الحاكم بهدم الكنائس فهدمت، وهدمت هذه الكنيسة وأزيل الشخصان، فأنشدني لنفسه أبياتا في ذلك يرثيهما بها: طوباكما من دميتين تعانقا ... وتفرّقا من بعد طول عناق «٥» طال اعتناقهما فما نعما به ... وكذاك ما ألما لوشك فراق أجرتهما الدنيا بها إذ مثلت ... بمثابة الأولاد في الاشفاق صانتهما عن كلّ طارق حادث ... عند الغروب ومبتدا الإشراق حتى إذا بلغا نهاية موعد ... فكّت عناقهما من الأعناق ومحت رسومهما كأن لم تمثلا ... للناظرين مرامي الأحداق حسبي من الأيام معرفتي بها ... وتصرّف الحدثان في الآفاق

стр. 1988

قال شجاع بن فارس الذهلي أنشدني «١» الأمير أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا الحافظ لنفسه: ظالما طالما تجنى بحبي ... عاد عاد عن فنّه عن فيه قال قال فاترك فأبرك هجر ... هجر حبّ خبّ نبيه بتيه صاد صادا على علا ما احلا ... ما خلا من بلية من يليه قال وأنشدني الأمير لنفسه في الشمعة: أقول ومالي مسعد غير شمعة ... على طول ليلي ما تريد نزوعا كلانا نحيل ذو اصفرار معذّب ... بنار أسالت من حشاه نجيعا ألا ساعديني طول ليلك إننا ... سنفنى إذا جاء الصباح جميعا قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي: ما راجعت أبا بكر الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب وقال حتى أبصره، وما راجعت الأمير أبا نصر علي بن هبة الله بن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظا كأنه يقرأ من كتاب. قال: وبلغ أبا بكر الخطيب أن ابن ماكولا أخذ عليه في كتابه «المؤتنف» ، وصنّف في ذلك تصنيفا، وحضر عنده ابن ماكولا وسأله الخطيب عن ذلك فأنكره ولم يقرّ به وقال: ينسبني الناس إلى ما لست أحسنه من الصنعة، واجتهد الشيخ أبو بكر أن يعترف بذلك، وحكى له ما كان من عبد الغني بن سعيد في تتبعه أوهام الحاكم أبي عبد الله في «كتاب المدخل» وحكايات عدة من هذا المعنى وقال: أرني إياه فإن يكن صوابا استفدته منك ولا أذكره إلا عنك، فأصرّ على الانكار وقال: لم يخطر هذا ببالي قط، ولم أبلغ هذه الدرجة أو كما قال، فلما مات الخطيب أظهر كتابه وهو الذي سماه «كتاب تهذيب مستمر الأوهام على ذوي التمني والأحلام أبي الحسن الدارقطني وأبي بكر أحمد بن علي الخطيب» وهو في عشرة أجزاء لطاف. وله من التصانيف سوى ما ذكرنا كتاب الوزراء. كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف.

стр. 1989

[٨٥٠] علي بن هارون بن نصر القرميسيني النحوي أبو الحسن: أخذ عن علي بن سليمان الأخفش، وأخذ عنه عبد السلام البصري ومات في سنة احدى وسبعين وثلاثمائة في خلافة الطائع ومولده في سنة تسعين ومائتين. [٨٥١] علي بن هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم أبو الحسن: قد ذكرنا أباه هارون وأجداده في مواضعهم من الكتاب، قال محمد بن إسحاق النديم: رأيناه وسمعنا منه، وكان راوية شاعرا أديبا ظريفا متكلما خيّرا نادم جماعة من الخلفاء، وقال لي مولدي سنة سبع وسبعين ومائتين، وقال ثابت: مولده في صفر سنة ست وسبعين. ومات سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة عن ست وسبعين سنة، وله من الكتب: كتاب النوروز والمهرجان. كتاب الرد على الخليل في العروض. كتاب الرسالة في الفرق بين إبراهيم بن المهدي وإسحاق بن الموصلي في الغناء. كتاب ابتدأ فيه بنسب أهله عمله للمهلبي الوزير ولم يتم. كتاب اللفظ المحيط بنقض ما لفظ به اللقيط، عارض به كتاب أبي الفرج الأصبهاني «في الفرق والمعيار بين الأوغاد والأحرار» . كتاب القوافي عمله لعضد الدولة. وحدث أبو القاسم إسماعيل بن عباد في «كتاب الروزنامجه» قال فيه «١» : استدعاني الأستاذ أبو محمد المهلبي وابنا المنجم في مجلسه وقد أعدا «٢» قصيدتين في مدحه، فمنعهما من النشيد لأحضره، فأنشدا وجودا بعد تشبيب كثير

стр. 1990

وحديث طويل «١» . كان لأبي الحسن رسم، أخشى تكذيب سيدنا إن شرحته، وعتابه إن طويته، ولأن أحصل عنده في صورة متزيّد أحبّ إليّ من أن أحصل عنده في رتبة مقصر- يبتدىء فيقول ببحة عجيبة بعد إرسال دموعه وتردد الزفرات في حلقه، واستدعائه من جواذ «٢» غلامه منديل عبراته: والله والله وإلا فأيمان البيعة تلزمه بحلّها وحرامها وطلاقها وعتاقها، وما ينقلب إليه حرام، وعبيده أحرار لوجه الله تعالى إن كان هذا الشعر في استطاعة أحد مثله أو اتفق من عهد أبي دواد الايادي إلى زمان ابن الرومي لأحد شكله، بل عيبه أن محاسنه تتابعت وبدائعه ترادفت، وقد كان في الحق أن يكون كلّ بيت منه في ديوان يحمله ويسود به شاعره، ثم ينشد، فإذا بلغ بيتا يعجب به ويتعجب منه قال: أيها الوزير من يستطيع هذا إلا عبدك علي بن هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور بن المنجم جليس الخلفاء وأنيس الوزراء، ثم ينشد الابن، والأدب يعوّذه ويهتزّ له ويقول: أبو عبد الله أستودعه الله ولي عهدي وخليفتي بعدي، ولو اشتجر اثنان من مصر وخراسان لما رضيت بفصل ما بينهما سواه، أمتعنا الله به ورعاه، وحديثه عجيب وإن استوفيته ضاع الغرض الذي قصدته، على أنه أيد الله مولانا من سعة النفس والخلق ووفور الأدب والفضل وتمام المروة والظرف بحال أعجز عن وصفها وأدلّ عن جملتها: إنه مع كثرة عياله واختلال أحواله طلب سيف الدولة جاريته المغنية بعشرين ألف درهم أحضرها صاحبه، فامتنع من بيعها وأعتقها وتزوجها. ومن شعر علي بن هارون وكتب بها إلى أبي الحسن علي بن خلف بن طياب «٣» . بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يمحه الإعتاب يا غائبا بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب لولا التعلل بالرجاء تقطّعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب

стр. 1991

لا يأس من روح الإله فربما ... يصل القطوع ويحضر الغياب وإذا دنوت مواصلا فهو المنى ... سعد المحبّ وساعد الأحباب وإذا نأيت فليس لي متعلّل ... إلا رسول بالرضى وكتاب وحدث أبو علي المحسن بن علي التنوخي القاضي في «نشوار المحاضرة» «١» قال حدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون بن المنجم قال حدثني أبي قال: كنت وأنا صبيّ لا أقيم الراء في كلامي وأجعلها غينا، وكانت سنّي إذ ذاك أربع سنين أقل أو أكثر، فدخل أبو طالب المفضل بن سلمة أو أبو بكر الدمشقي- شك أبو الفتح- إلى أبي وأنا بحضرته، فتكلمت بشيء فيه راء فلثغت فيها، فقال له الرجل: يا سيدي لم تدع أبا الحسن يتكلم هكذا؟ فقال له: ما أصنع وهو ألثغ، فقال له، وأنا أسمع وأحصّل ما جرى وأضبطه: إن اللثغة لا تصحّ مع سلامة الجارحة، وإنما هي عادة سوء تسبق إلى الصبيّ أول ما يتكلم لجهله بتحقيق الألفاظ وسماعه شيئا يحتذيه، فإن ترك على ما يستصحبه من ذلك مرن عليه فصار له طبعا لا يمكنه التحول عنه، وإن أخذ بتركه في أول نشوه استقام لسانه وزال عنه، وأنا أزيل هذا عن أبي الحسن ولا أرضى فيه بتركك له عليه، ثم قال لي: أخرج لسانك، فأخرجته فتأمله وقال: الجارحة صحيحة، قل يا بني را واجعل لسانك في سقف حلقك، ففعلت ذلك فلم يستولي، فما زال يرفق بي مرة ويخشن بي أخرى وينقل لساني من موضع إلى موضع من فمي ويأمرني أن أقول الراء فيه فإذا لم يستو لي نقل لساني إلى موضع آخر دفعات كثيرة في زمان طويل حتى قلت راء صحيحة في بعض تلك المواضع، وطالبني وأوصى معلمي بالزامي ذلك حتى مرن لساني عليه وذهبت عنه اللثغة. ومن «كتاب الروزنامجه» «٢» : قال الصاحب: وتوفرت على عشرة فضلاء البلد، فأول من كاثرني أولاد المنجم لفضل أبي الحسن علي بن هارون وغزارته واستكثار من روايته وطيب سماعه ولذيذ عشرته، فسمعت منه أخبارا عجيبة وحكايات غريبة، ومن ستارته أصواتا نادرة مشنّفة مقرطقة، يقول في كلّ منها الشعر لفلان

стр. 1992

والصنعة لفلان، أخذته هذه عن فلان أو فلانة حتى يتصل النسب باسحاق أو غيره من أبناء جنسه، وكان أكثر ما يعجب به مولاها أبيات له أولها: ضلّ الفراق ولا اهتدى ... ونأت فلا دنت النوى وهوى فلا وجد القرا ... ر معنّف أهل الهوى فاتفق أن سألت أول ما سمعت اللحن فيه عن قائله، فغضب واستشاط وتنكر واستوفز ونفر وتنمر وقال: تقول لمن هذا؟ أما يدلّ على قائله؟ أما يعرب عن جوهره؟ أما ترى أثر بني المنجم على صفحته؟ أما: تحميه لألاؤه أو لوذعيته ... من أن يذال بمن أو ممن الرجل وذكره المرزباني في المعجم فقال وهو القائل «١» : وإني لأثني النفس عما يريبها ... وأنزل من دار الهوان بمعزل بهمّة نبل لا يرام مكانها ... تحلّ من العلياء أشرف منزل ولي منطق إن لجلج القول صائب ... بتكشيف إلباس وتطبيق مفصل وله يمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ «٢» : وهل خصلة من سؤدد لم يكن لها ... أبو حسن من بينهم ناهضا قدما فما فاتهم منها به سلّموا له ... وما شاركوه كان أوفرهم قسما وفي كتاب أبي علي التنوخي «٣» : كان أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب خصيصا بالوزير أبي علي ابن مقلة، وكان يعشق مغنية وكان ينفق عليها جميع ما يتحصل له، وله معها أخبار، وكانت هذه الجارية صفراء واسمها لهجة «٤» ، فشرب معها ليلة وأصبح مخمورا، فآثر الجلوس معها وأراد الاعتذار إلى الوزير ابن مقلة من التأخر عن الخدمة وأن يخفي خبره عنه، فكتب رقعة يعتذر فيها

стр. 1993

ويقول: إن الصفراء تحركت عليّ فتأخرت، فوقع على ظهر الرقعة بخطه: أنت تحركت على الصفراء ليس الصفراء تحركت عليك. قال: وهذا التوقيع يشبه ما أنشدنا علي بن هارون المنجم لنفسه في جاريته صفراء وقد شكا إلى الطبيب مرّة صفراء، ولا أدري أيهما أخذ من صاحبه «١» : جسّ الطبيب يدي وقال مخبّرا ... هذا الفتى أودت به الصفراء «٢» فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... قولا وظاهر ما أراد خطاء قلت أنا: وقريب من هذا قول الوزير المهلبي: وقالوا للطبيب أشر فانا ... نعدّك للعظيم من الأمور فقال شفاؤه الرمّان مما ... تضمّنه حشاه من السعير فقلت لهم أصاب بغير قصد ... ولكن ذاك رمان الصدور وكان لعلي بن هارون ولد يقال له أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم كان أديبا فاضلا إلا أني لم أقف له على تصنيف فلم أفرده بترجمة «٣» والمقصود ذكره، وقد ذكر هاهنا، روى عنه أبو علي التنوخي في «نشواره» فأكثر «٤» وقال: أنشدني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون لنفسه «٥» : ما أنس منها لا أنس موقفها ... وقلبها للفراق ينصدع وقولها إذ بدا الصباح لها ... قول فزوع أظلّه الجزع ما أطول الليل عند فرقتنا ... وأقصر الليل حين نجتمع قال التنوخي وأنشدني أبو الفتح لنفسه، وكتب بها إلى أبي الفرج محمد بن

стр. 1994

العباس [بن] فسانجس في وزارته وقد عمل على الانحدار إلى الأهواز «١» : قل للوزير سليل المجد والكرم ... ومن له قامت الدنيا على قدم «٢» [٨٥٢] علي بن هلال الكاتب المعروف بابن البواب أبو الحسن، صاحب الخط المليح والاذهاب الفائق: وجدت بخط ابن الشبيه العلوي الكاتب صاحب الخط الفائق في آخر ديوان أبي الطمحان القيني بخطه ما صورته: وكتب في صفر سنة عشرين وأربعمائة من خط أبي الحسن علي بن هلال «٣» الستري «٤» مولى معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي وهذا قد كان بغير شك معاصره. بلغني أنه كان في أول أمره مزوقا يصور الدور ثم صور الكتب ثم تعانى الكتابة ففاق فيها المتقدمين «٥» وأعجز المتأخرين، وكان يعظ بجامع المنصور، ولما ورد فخر الملك أبو غالب محمد بن خلف الوزير واليا على العراق من قبل بهاء الدولة أبي نصر ابن عضد الدولة جعله من ندمائه، وفي الجملة انه لم يكن له في عصره ذاك النّفاق الذي له بعد وفاته، وذاك أنني وجدت رقعة بخطه قد كتبها إلى بعض الأعيان يسأله فيها مساعدة صاحبه ابن منصور وانجاز وعد وعده به لا يساوي دينارين، وقد بسط القول في ذلك، استطلتها فانها كانت نحو السبعين سطرا فألغيت اثباتها، وقد بيعت بسبعة

стр. 1995

عشر دينارا إمامية، وبلغني أنها بيعت مرة أخرى بخمسة وعشرين دينارا. مات فيما ذكره هلال بن المحسن بن الصابىء في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ودفن في جوار قبر أحمد بن حنبل، وذلك في خلافة القادر بالله، ورثاه المرتضى بشعر أذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. وحدث في «كتاب المفاوضة» قال «١» : حدثني أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب قال: كنت أتصرف في خزانة الكتب لبهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز على اختياري وأراعيها له وأمرها مردود إليّ، فرأيت يوما في جملة أجزاء منبوذة جزءا مجلدا بأسود قد السكري، ففتحته وإذا هو جزء من ثلاثين جزءا من القرآن بخط أبي علي ابن مقلة فأعجبني وأفردته وجعلت وكدي التفتيش عن مثله «٢» ، فلم أزل أظفر بجزء بعد جزء مختلط في جملة الكتب إلى أن اجتمع تسعة وعشرون جزءا، وبقي جزء واحد استغرقت تفتيش الخزانة في مدة طويلة فلم أظفر به، فعلمت أن المصحف ناقص فأفردته، ودخلت إلى بهاء الدولة وقلت: يا مولانا ها هنا رجل يسأل حاجة قريبة لا كلفة فيها وهي مخاطبة أبي علي الموفق الوزير على معونته في منازعة بينه وبين خصم له ومعه هدية ظريفة تصلح لمولانا، قال: أي شيء هي؟ قلت: مصحف بخط أبي علي ابن مقلة، فقال: هاته وأنا أتقدم بما يريد، فأحضرت الأجزاء، فأخذ منها واحدا وقال أذكر وكان في الخزانة ما يشبه هذا وقد ذهب عني. قلت: هذا مصحفك، وقصصت عليه القصة في طلبتي له حتى جمعته، وقلت: هكذا يطرح مصحف بخط أبي علي إلا أنه ينقص جزءا، فقال لي: فتممه لي، قلت: السمع والطاعة، ولكن على شريطة أنك إذا أبصرت الجزء الناقص منها ولا تعرفه أن تعطيني خلعة ومائة دينار، قال: أفعل؛ وأخذت المصحف من بين يديه وانصرفت إلى داري ودخلت الخزانة أقلب الكاغد العتيق وما يشابه كاغد المصحف، وكان فيها من أنواع الكاغد السمرقندي والصيني والعتيق كلّ ظريف عجيب، فأخذت من الكاغد ما وافقني، وكتبت الجزء وذهّبته وعتّقت ذهبه وقلعت جلدا من جزء من

стр. 1996

الأجزاء فجلدته به، وجلّدت الذي قلعت منه الجلد وعتقته، ونسي بهاء الدولة المصحف، ومضى على ذلك نحو السنة، فلما كان ذات يوم جرى ذكر أبي علي ابن مقلة فقال لي: ما كتبت ذلك؟ قلت بلى، قال: فأعطنيه، فأحضرت المصحف كاملا فلم يزل يقلّبه جزءا جزءا وهو لا يقف على الجزء الذي بخطي ثم قال لي: أيّما هو الجزء الذي بخطك؟ قلت له: لما لا تعرفه فيفتر في عينك، هذا مصحف كامل بخط أبي علي ابن مقلة ونكتم سرنا؟ قال: أفعل، وتركه في ربعة عند رأسه ولم يعده إلى الخزانة، وأقمت مطالبا بالخلعة والدنانير وهو يمطلني ويعدني، فلما كان يوما قلت: يا مولانا في الخزانة بياض صيني وعتيق مقطوع وصحيح فتعطيني المقطوع منه كله دون الصحيح بالخلعة والدنانير؟ قال: مرّ خذه، فمضيت وأخذت جميع ما كان فيها من ذلك النوع فكتبت فيه سنين. ووجدت في تاريخ أبي الفرج ابن الجوزي قال» : اجتاز أبو الحسن البتي الكاتب وكان مزاحا- وله في هذا الكتاب باب- وعلي بن هلال جالس على باب الوزير فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف ينتظر الاذن، فقال له البتي: جلوس الأستاذ على العتب رعاية للنسب، فغضب ابن البواب وقال: لو أنّ إليّ أمرا «٢» ما مكنتك من دخول هذه الدار، فقال البتي: لا يترك الأستاذ صنعة الوالد «٣» بحال. ولبعضهم يهجو ابن البواب: من ذا رأيتم من النسّاخ متخذا ... سبال لصّ على عثنون محتال هذا وأنت ابن بواب وذو عدم ... فكيف لو كنت ربّ الدار والمال وكان ابن البواب يقول شعرا لينا منه- ونقلته من خط الجويني أيضا قال ونقلت من خطه أيضا في ضمن رسالة-: ولو آني أهديت ما هو فرض ... للرئيس الأجلّ من أمثالي لنظمت النجوم عقدا إذا ... رصّع غيري جواهرا بلآلي

стр. 1997

ثم أهديتها إليه وأقرر ... ت بعجزي في القول والأفعال غير أني رأيت قدرك يعلو ... عن نظير ومشبه ومثال فتفاءلت في الهدية بالاق ... لام علما مني بصدق الفال فاعتقدها مفاتح الشرق والغر ... ب سريعا والسهل والأجبال فهي تستنّ إن جرين على القر ... طاس بين الأرزاق والآجال فاختبرها موقعا برسوم ال ... برّ والمكرمات والإفضال واحظ بالمهرجان وابل جديد ال ... دهر في نعمة بغير زوال وابق للمجد صاعد الجدّ عزّا ... والرئيس الأجلّ نجم المعالي في سرور وغبطة تدع الح ... اسد منها مقطّع الأوصال عضدتها السعود واستوطن الإقب ... ال فيها وسالمتها الليالي أيها الماجد الكريم الذي يب ... دأ بالعارفات قبل السؤال إن آلاءك الجزيلة عندي ... شرعت لي طريقة في المقال امنتني لديك من هجنة الر ... دّ وفرط الإضجار والإملال وحقوق العبيد فرض على السا ... دة في كلّ موسم للمعالي وحياة الثناء تبقى على الده ... ر إذا ما انقضت حياة المال وكان تحت هذا الشعر بخط الجويني ما صورته: هذا شعر ابن البواب وهو عورة سترها ذلك الخط، ولولا أنّ الإجماع واقع في أنّ الرجل يفتن بشعره وولده لكان صاحب تلك الفضيلة يرتفع عن هذه النقيصة. وكتب تلميذه حسن بن علي الجويني. ولقد عجبت ممن يزري على ذلك الشعر، وهو القائل ونقلته من خطه فقال: كتبت إلى المولى القاضي الأجل شرف الدين السديد عبد الله بن عليّ أمتع الله الدنيا وأهلها ببقائه، وقد أبللت من مرضة صعبة: عبد الاله السديد حقا ... بغير زور وغير مين يا شرف الدين يا فريدا ... شرّف بالفضل دولتين يا تاج فخري وكنز فقري ... ويا معيني ونور عيني

стр. 1998

قد كدت أقضي نحبي وأمضي ... وكدت تبقى بلا جويني وكتب حسن بن علي الجويني في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة بالديار المصرية عمرها الله تعالى بدوام العز. وقال المعري وضرب علي بن هلال مثلا «١» : طربن «٢» لضوء البارق المتعالي ... ببغداد وهنا ما لهنّ وما لي فيا برق ليس الكرخ داري وإنما ... رمى بي إليه الدهر منذ ليالي فهل فيك من ماء المعرة نغبة ... تغيث بها ظمآن ليس بسالي ولاح هلال مثل نون أجادها ... بماء «٣» النضار الكاتب ابن هلال منها «٤» : إذا لاح إيماض سترت وجوهها ... كأني عمرو والمطيّ سعالي هذا بيت مشكل التفسير بعيد المرمى وذاك أن عمرو بن تميم بن مرّ بن أد بن طابخة ولد العنبر والهجيم ومازن، تقول العرب إن هؤلاء الاخوة الثلاثة أمهم السعلاة وهي الغولة، وأن عمرو بن تميم تزوجها فولدت له هؤلاء الثلاثة، ويقولون إن السعلاة إذا رأت البرق طلبته، وكان عمرو يحفظها من البرق إذا لاح فيغطّي وجهها، فغفل عنها مرة فلاح البرق فطلبته وقالت: يا عمرو أوصيك بولدك خيرا، ومضت ولم تعد إليه، فهذا معنى بيت المعري. وقد ضربه بعض المتأخرين أيضا مثلا فقال يمدح رجلا يعرف بابن بدر بجودة الخط فقال: يا ابن بدر علوت في الخطّ قدرا ... حين ما قايسوك بابن هلال ذاك يحكي أباه في النقص لما ... جئت تحكي أباك عند الكمال

стр. 1999

قرأت بخط سلامة بن غياض: رأيت بالري بخط علي بن هلال «كتاب من نسب من الشعراء إلى أمه» لأبي عبد الله ابن الأعرابي وهم خمسون شاعرا وعلى ظهره «كتبه علي بن هلال في شهر ربيع الأول سنة تسعين وثلاثمائة» وبعد البسملة «يرويه ابن عرفة عن ثعلب عن ابن الأعرابي» وفي آخره بخطه «نقلته من نسخة وجدت عليها بخط شيخنا أبي الفتح عثمان بن جني النحوي أيده الله: بلغ عثمان بن جني نسخا من أوله وعرضا» . وكان لابن البواب يد باسطة في الكتابة، أعني الانشاء، وفصاحة وبراعة، ومن ذلك رسالة أنشأها في الكتابة، وكتبها إلى بعض الرؤساء، ونقلتها من خط الحسن بن علي الجويني الكاتب أولها: قد افتتحت خدمة سيدنا الأستاذ الجليل، أطال الله بقاءه وأدام تمكينه وقدرته وتمهيده، وكبت عدوه، المثال المقترن بهذه الرقعة افتتاحا يصحبه العذر إلى جليل حضرته من ظهور التقصير فيه والخلل البادي لمتأمليه، وقد كان من حقوق مجلسه الشريف أن يخدم بالغايات المرضية من كلّ صناعة تأديا لسؤدده وعلائه، وتصديا للفوز «١» بجميل رائه، ولم يعدني عن هذه «٢» القضية جهل بها وقصور عن علمها، لكني هاجر لهذه الصناعة منذ زمن طويل هجرة قد أورثت يدي حبسة ووقفة حائلتين بينها وبين التصرف والافتنان، والوفاء بشرط الاجادة والاحسان، ولا خفاء عليه- أدام الله تأييده- بفضل الحاجة ممن تعاطى هذه الصناعة إلى فرط التوفر عليها، والانصراف بجملة العناية إليها، والكلف الشديد بها، والولوع الدائم بمزاولتها، فإنها شديدة النفار بطيئة الاستقرار، مطمعة الخداع وشيكة النزاع، عزيزة الوفاء، سريعة الغدر والجفاء، نوار قيدها الإعمال، شموس مهرها الوصال، لا تسمح ببعضها إلا لمن آثرها بجملته وأقبل عليها بكليته، ووقف على تألفها سائر زمنه، واعتاضها عن خلّه وسكنه، لا يؤيسه حيادها «٣» ولا يغرّه انقيادها، يقارعها بالشهوة والنشاط ويوادعها عند الكلال والملال، حتى يبلغ منها الغاية القصيّة ويدرك المنزلة العلية، وتنقاد الأنامل لتفتيح أزهارها وجلاء أنوارها، وتظهر الحروف موصولة

стр. 2000

ومفصولة ومعمّاة ومفتّحة في أحسن صيغها وأبهج خلقها «١» ، منخرطة المحاسن في سلك نظامها، متساوية الأجزاء في تجاورها والتيامها، لينة المعاطف والأرداف، متناسبة الأوساط والأطراف، ظاهرها وقور ساكن، ومفتّشها رهج فاتن، كأنما كاتبها وقد أرسل يده وحث بها قلمه، رجّع فيها فكره ورويّته، ووقف على تهذيبها قدرته وهمته، القلب بها في حجر ناظره، والمعنى بها مظلوم بلفظه، وما ذهبت في هذه القضية «٢» مذهب المطرف المغرب بها ولا المعوّل على شوافعها، لكن نهجت بها سبيلا لأمثالها إقامة لرسم الخدمة المفروضة للسادة المنعمين على خدمهم وصنائعهم، فإن سعدت بنفاقها عليه وارتضائها لديه وإلا سلمت من وصمة التضجيع والإهمال وهجنة التقصير في شكر الإنعام والإفضال، ولسيدنا الأستاذ الجليل- أطال الله بقاءه- علوّ الرأي في الأمر بتسليم ما خدمت به وتصريفه بين عالي أمره ونهيه، إن شاء الله تعالى. وحدث غرس النعمة محمد بن هلال «٣» بن المحسن بن ابراهيم بن هلال الصابىء في «كتاب الهفوات» قال «٤» : كان في الديوان كاتب يعرف بأبي نصر ابن مسعود فلقي يوما أبا الحسن علي بن هلال البواب الكاتب ذا الخط المليح في بعض الممرات فسلّم عليه وقبّل يده فقال له ابن البواب: الله الله يا سيدي ما أنا وهذا؟ فقال: لو قبلت الأرض بين يديك لكان قليلا، قال: ولم ذاك يا سيدي وما الذي أوجبه واقتضاه؟ قال: لأنك تفردت بأشياء ما في بغداد كلها «٥» من يشاركك فيها، منها الخط الحسن وأنّه لم أر عمري كاتبا من طرف عمامته إلى طرف لحيته ذراعان ونصف غيرك، فضحك أبو الحسن منه وجزّاه خيرا وقال له: أسألك أن تكتم هذه الفضيلة عليّ ولا تكرمني لأجلها، قال له: ولم تكتم فضائلك ومناقبك؟ فقال له: أنا أسألك هذا، فبعد جهد ما أمسك، وكانت لحية ابن البواب طويلة جدا.
следующие страницы →