← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

بمثل ما يسترزق البليد الذي يمسخ النسخ ويفسخ الأصل والفرع. وقصدت ابن عباد بأمل فسيح وصدر رحيب، فقدّم إليّ رسائله في ثلاثين مجلدة على أن أنسخها له، فقلت: نسخ مثله يأتي على العمر والبصر، والوراقة كانت موجودة ببغداد، فأخذ في نفسه عليّ من ذلك، وما فزت بطائل من جهته. فقال: بلغني ذلك، فقلت له: ولو كان شيئا يرتفع من اليد بمدة قريبة لكنت لا أتعطّل وأتوفر عليه، ولو قرّر معي أجرة مثله لكنت أصبر عليه، فليس لمن وقع في شرّ الشباك وعين الهلاك إلا الصبر. قال أبو حيان: ودخلت على الدلجي بشيراز وكنت قد تأخرت عنه أياما، وهذا الكتاب يعني «كتاب المحاضرات» جمعته له بعد ذلك ولأجله أتعبت نفسي، فقال لي: يا أبا حيان من أين؟ فقلت: إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وان شئت أن تزداد حبّا فزر غبا وهذا لملال ظهر لي منه وقليل إعراض، أعرض عني في يوم، فقال لي: ما هذا البيت إلا بيت جيد يعرفه الخاص والعام، وهو موافق لما يذكر أن النبي ﷺ قال: زر غبا تزدد حبا، فلو كان لهذا البيت أخوات كان أحسن من أن يكون فردا، قلت: فله أخوات، قال: فأنشدني، قلت: لا أحفظها، قال: فأخرجها، قلت: لا أهتدي إليها، قال: فمن أين عرفتها؟ قلت: مرّت بي في جملة تعليقات، قال: فاطلبها لأقدّم رسمك، قلت: فقدمه الآن على شريطة أنه إذا جاء الوقت المعتاد إطلاقه فيه كلّ سنة أطلقته أيضا، قال: أفعل، قلت: فخدها الآن: سمعت العروضي أبا محمد يقول: دخل بعض الشعراء على عيسى بن موسى الرافقي وبين يديه جارية يقال لها خلوب، فقال لها: اقترحي عليه، فقالت: إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حبّا فزر غبا أجزه بأبيات تليق به فأنشد: بقيت بلا قلب فانّي هائم ... فهل من معير يا خلوب لكم قلبا حلفت بربّ البيت أنّك منيتي ... فكوني لعيني ما نظرت بها نصبا عسى الله يوما أن يرينيك خاليا ... فيزداد لحظي من محاسنكم عجبا إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا

стр. 1927

فأنجز لي ما وعد، ووفى بما شرط، وكان ينفق عليه سوق العلم، مع جنون كان يعتريه ويتخبط في أكثر أوقاته فيه، وليت مع هذه الحالة خلّف لنفسه شكلا أو نرى له في وقتنا هذا مثلا، بارت البضائع وثارت «١» البدائع، وكسد سوق العلم، وخمد ذكر الكرم، وصار الناس عبيد الدرهم بعد الدرهم. وكان أبو حيان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلة جدواها وضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته، فكتب إليه القاضي أبو سهل على بن محمد يعذله على صنيعه، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه، فكتب إليه أبو حيان يعتذر من ذلك: «حرسك الله أيها الشيخ من سوء ظني بمودتك وطول جفائك، وأعاذني من مكافأتك على ذلك، وأجارنا جميعا مما يسود وجه عهد إن رعيناه كنا مستأنسين به، وإن أهملناه كنا مستوحشين من أجله، فأدام الله نعمته عندك وجعلني على الحالات كلها فداك. وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع، على ظماء برح منّي إليه، وشكرت الله تعالى على النعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد ذكر الشوق إليّ والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء، فعجبت من انزواء وجه العذر عنك في ذلك، كأنك لم تسمع قارئا يقرأ قوله جلّ وعز: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (القصص: ٨٨) وكأنك لم تأبه لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (الرحمن: ٢٦) وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا وإن كان شريف الجوهر كريم العنصر ما دام مقلّبا بيد الليل والنهار، معروضا على أحداث الدهر وتعاور الأيام، ثم إني أقول: إن كان- أيدك الله- قد نقب خفّك ما سمعت فقد أدمى أظلّي ما فعلت، فليهن عليك ذلك فما انبريت له ولا اجترأت عليه حتى استخرت الله فيه أياما وليالي، وحتى أوحى إليّ في المنام بما بعث راقد العزم، وأجدّ فاتر النية، وأحيا ميت الرأي، وحثّ على تنفيذ ما وقع في الرّوع وتريّع في الخاطر، وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت، أو بالعذر إن استوضحت، لتثق بي فيما كان مني، وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي» .

стр. 1928

«إن العلم حاطك الله يراد للعمل، كما أن العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلّا على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلا وأورث ذلا وصار في رقبة صاحبه غلا، وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار. ثم اعلم- علمك الله الخير- أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأما ما كان سرّا فلم أجد له من يتحلّى بحقيقته راغبا، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا، على أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة «١» منهم، ولعقد الرياسة بينهم ولمدّ الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله، ولا شكّ في حسن ما اختاره الله لي وناطه بناصيتي وربطه بأمري، وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة عليّ لا لي. ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أني فقدت ولدا نجيبا، وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا مثيبا، فشق عليّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنّسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها، فإن قلت: ولم تسمهم بسوء الظن وتقرّع جماعتهم بهذا العيب؟ فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي يحقّق ظنّي بهم بعد الممات، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صحّ لي من أحدهم وداد ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضراوات في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالنفاق والسمعة، وإلى ما لا يحسن بالحرّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك وشدة تتبعك وتفرغك. وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته، بما قدّمته ووصفته وبما أمسكت عنه وطويته، إما هربا من التطويل وإما خوفا من القال والقيل. وبعد فقد أصبحت هامة اليوم أو غد، فإني في عشر التسعين، وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة أو رجاء لحال جديدة، ألست من زمرة من قال القائل فيهم: نروح ونغدو كلّ يوم وليلة ... وعما قليل لا نروح ولا نغدو

стр. 1929

وكما قال الآخر: تفوّقت درّات الصبا في ضلاله ... إلى أن أتاني بالفطام مشيب وهذا البيت للورد الجعدي «١» ، وتمامه يضيق عنه هذا المكان» . «والله يا سيدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الاخوان والأخدان، في هذا الصقع، من الغرباء والأدباء والأحبّاء لكفى، فكيف بمن كانت العين تقرّبهم والنفس تستنير بقربهم، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والريّ وما والى هذه المواضع، وتواتر إليّ نعيهم واشتدّت الواعية بهم، فهل أنا إلا من عنصرهم؟ وهل لي محيد عن مصيرهم؟ أسأل الله تعالى ربّ الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما أقترفه، إنه قريب مجيب» . «وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدا وفقها وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلّنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطيّرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار» . «وماذا أقول بعد هذا، وبماذا تقابلني بعد ذلك، سوى أني أقول وسامعي يصدق: إن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك لزمان تدمع له العين حزنا وأسى، ويتقطّع عليه القلب غيظا وجوى وضنى وشجى، وما نصنع بما كان وحدث وبان، إن احتجت

стр. 1930

إلى العلم في خاصة نفسي فالقليل والله تعالى شاف كاف، وإن احتجت إليه للناس ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس إلى أن تفنى الأنفاس بعد الأنفاس، وذلك من فضل الله تعالى عليّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* (الجاثية: ٢٦) فلم تعنّى عيني- أيدك الله- بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح، وبالسواد والبياض؟ وهل أدرك السلف الصالح في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح والاخلاص المعتقد والزهد الغالب في كلّ ما راق من الدنيا وخدع بالزبرج وهوى بصاحبه إلى الهبوط؟ وهل وصل الحكماء القدماء إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي وإلا بالرضى بالميسور وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ فأين يذهب بنا وعلي أيّ باب نحطّ رحالنا؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما؟ هيهات!! الرحيل والله قريب والثواء قليل، والمضجع مقض والمقام ممضّ، والطريق مخوف والمعين ضعيف، والاغترار غالب، والله من وراء هذا كلّه طالب، نسأل الله تعالى رحمة يظلنا جناحها، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها، فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته بعد أن حصل تحت قدره، فهذا هذا» . «ثم إني- أيدك الله- ما أردت أن أجيبك عن كتابك لطول جفائك وشدة التوائك عمن لم يزل على رأيك، مجتهدا في محبتك على قربك ونأيك، مع ما أجده من انكسار النشاط، وانطواء الانبساط، لتعاور العلل عليّ، وتخاذل الأعضاء مني، فقد كلّ البصر وانعقد اللسان، وجمد الخاطر وذهب البيان، وملك الوسواس، وغلب اليأس من جميع الناس، ولكني حرست منك ما أضعته مني، ووفيت لك بما لم تف به لي، ويعزّ عليّ أن يكون لي الفضل عليك أو أحرز المزية دونك، وما حداني على مكاتبتك إلا ما أتمثله من تشوقك إليّ وتحرقك عليّ، وأنّ الحديث الذي بلغك قد بدّد فكرك، وأعظم تعجبك، وحشد عليك جزعك، والأول يقول: وقد يجزع المرء الجليد وتبتلي ... عزيمة رأي المرء نائبة الدهر تعاوره الأيام فيما ينوبه ... فيقوى على أمر ويضعف عن أمر على أنك لو علمت في أيّ حال غلب عليّ ما فعلته، وعند أي مرض، وعلى أية عسرة وفاقة، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي بأكثر ما نشرته

стр. 1931

وطويته. وإذا أنعمت النظر تيقنت أن لله جلّ وعزّ في خلقه أحكاما لا يعاز عليها، ولا يغالب فيها، لأنه لا يبلغ كنهها، ولا ينال غيبها، ولا يعرف قابها ولا يقرع بابها، وهو تعالى أملك لنواصينا، وأطلع على أدانينا واقاصينا، له الخلق والأمر، وبيده الكسر والجبر، وعلينا الصمت والصبر، إلى أن يوارينا اللحد والقبر، والسلام» . «إن سرّك- جعلني الله فداك- أن تواصلني بخبرك، وتعرفني مقرّ خطابي هذا من نفسك فافعل، فإني لا أدع جوابك إلى أن يقضي الله تعالى تلاقيا يسرّ النفس، ويذكّر حديثنا بالأمس، أو بفراق نصير به إلى الرمس، ونفقد معه رؤية هذه الشمس، والسلام عليك خاصا بحقّ الصفاء الذي بيني وبينك، وعلى جميع إخوانك عامّا بحقّ الوفاء الذي يجب عليّ وعليك والسلام» . وكتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة أربعمائة. قال أبو حيان في «كتاب أخلاق الوزيرين» «١» من تصنيفه: طلع ابن عباد عليّ يوما في داره وأنا قاعد في كسر إيوان أكتب شيئا قد كان كأدني به، فلما أبصرته قمت قائما، فصاح بحلق مشقوق، اقعد فالوراقون أخسّ من أن يقوموا لنا، فهممت بكلام، فقال لي الزعفراني الشاعر «٢» : اسكت فالرجل رقيع، فغلب عليّ الضحك واستحال الغيظ تعجبا من خفته وسخفه، لأنه كان قد قال هذا وقد لوى شدقه وشنّج أنفه وأمال عنقه، واعترض في انتصابه، وانتصب في اعتراضه، وخرج في تفكك «٣» مجنون قد أفلت من دير حنّون، والوصف لا يأتى على كنه هذه الحال لأن حقائقها لا تدرك إلا باللحظ ولا يؤتى عليها باللفظ، فهذا كلّه من شمائل الرؤساء وكلام الكبراء، وسيرة أهل العقل والرزانة؟!، لا والله وتربا لمن يقول غير هذا. وحدّث أبو حيان قال «٤» قال الصاحب يوما: فعل وأفعال قليل، وزعم النحويون أنه ما جاء إلا زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وأفراد، فقلت له: أنا أحفظ ثلاثين حرفا كلها فعل وأفعال، فقال: هات يا مدعي، فسردت الحروف ودللت على

стр. 1932

مواضعها من الكتب ثم قلت: ليس للنحوي أن يلزم مثل هذا الحكم إلا بعد التبحر والسماع الواسع، وليس للتقليد وجه إذا كانت الرواية شائعة والقياس مطردا، وهذا كقولهم فعيل على عشرة أوجه، وقد وجدته أنا يزيد على أكثر من عشرين وجها وما انتهيت في التتبع إلى أقصاه، فقال: خروجك من دعواك في فعل يدلنا على قيامك في فعيل، ولكن لا نأذن لك في اقتصاصك، ولا نهب آذاننا لكلامك، ولم يف ما أتيت به بجرأتك في مجلسنا وتبسطك في حضرتنا، فهذا كما ترى. قال أبو حيان «١» : وأما حديثي معه- يعني مع ابن عباد- فإنني حين وصلت اليه قال لي: أبو من؟ قلت: أبو حيان، فقال: بلغني أنك تتأدب، فقلت: تأدب أهل الزمان، فقال: أبو حيان ينصرف أو لا ينصرف؟ قلت: إن قبله مولانا لا ينصرف، فلما سمع هذا تنمر وكأنه لم يعجبه، وأقبل على واحد الى جانبه وقال له بالفارسية سفها على ما قيل لي، ثم قال: الزم دارنا وانسخ هذا الكتاب، فقلت: أنا سامع مطيع. ثم إني قلت لبعض الناس في الدار مسترسلا: إنما توجهت من العراق إلى هذا الباب، وزاحمت منتجعي هذا الربع لأتخلّص من حرفة الشؤم، فان الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة، فمني اليه هذا أو بعضه أو على غير وجهه فزاده تنكرا. قال أبو حيان «٢» : وقال لي ابن عباد يوما يا أبا حيان من كنّاك بأبي حيان؟ قلت: أجلّ الناس في زمانه وأكرمهم في وقته، قال: ومن هو ويلك؟ قلت: أنت، قال: ومتى كان ذلك؟ قلت: حين قلت يا أبا حيان من كناك أبا حيان، فاضرب عن هذا الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه. قال وقال لي يوما آخر «٣» ، وهو قائم في صحن داره والجماعة قيام منهم الزعفراني، وكان شيخا كثير الفضل جيد الشعر ممتع الحديث، والتميمي المعروف بسطل «٤» وكان من مصر، والأقطع وصالح الوراق وابن ثابت وغيرهم من الكتاب والندماء: يا أبا حيان هل تعرف فيمن تقدم من يكنى بهذه الكنية؟ قلت: نعم من أقرب ذلك أبو حيان الدارميّ، حدثنا أبو بكر محمد بن محمد القاضي الدقاق، قال

стр. 1933

حدثنا ابن الأنباريّ، قال حدثنا أبي، قال حدثنا ابن ناصح قال: دخل أبو الهذيل العلاف على الواثق فقال له الواثق: لمن تعرف هذا الشعر؟ سباك من هاشم سليل ... ليس إلى وصله سبيل من يتعاط الصفات فيه ... فالقول في وصفه فضول للحسن في وجهه هلال ... لأعين الخلق لا يزول وطرّة ما يزال فيها ... لنور بدر الدجى مقيل ما اختال في صحن قصر أوس ... الا تسجى «١» له قتيل فإن يقف فالعيون نصب ... وإن تولّى فهن حول فقال أبو الهذيل: يا أمير المؤمنين هذا لرجل من أهل البصرة يعرف بأبي حيان الدارميّ وكان يقول بإمامة المفضول، وله من كلمة يقول فيها: أفضّله والله قدّمه على ... صحابته بعد النبّي المكرم بلا بغضة والله مني لغيره ... ولكنه أولاهم بالتقدم وجماعة من أصحابنا قالوا: أنشد أبو قلابة عبد الله «٢» بن محمد الرقاشي لأبي حيان البصري «٣» : يا صاحبي دعا الملام وأقصرا ... ترك الهوى يا صاحبيّ خساره كم لمت قلبي كي يفيق فقال لي ... لجّت يمين ما لها كفاره ألّا أفيق ولا أفتّر لحظة ... إن أنت لم تعشق فأنت حجاره الحبّ أول ما يكون بنظرة ... وكذا الحريق بداؤه بشراره يا من أحبّ ولا أسمّي باسمها ... اياك اعني فاسمعي يا جاره فلما وفيت الشعر ورويت الاسناد وريقي بليل، ولساني طلق، ووجهي متهلل، وقد تكلفت هذا وأنا في بقية من غرب الشباب وبعض ريعانه، وملأت الدار صياحا بالرواية والقافية، فحين انتهيت أنكرت طرفه وعلمت سوء موقع ما رويت عنده قال:

стр. 1934

ومن تعرف أيضا؟ قلت: ابن الجعابي الحافظ «١» يكنى بأبي حيان، رجل صدق وهو يروي عن التابعين. قال: ومن تعرف أيضا؟ قلت: روى الصوليّ فيما حدّثنا عنه المرزباني أن معاوية لما احتضر أنشد يزيد عند رأسه متمثلا: لو أن حيا نجا لفات أبو ... حيان لا عاجز ولا وكل الحوّل القلّب الأريب وهل ... يدفع صرف المنية الحيل قال الصوليّ: وهذا كان من المعمرين المعقلين «٢» ، وانتهى الحديث من غير هشاشة ولا هزة ولا أريحية، بل على اكفهرار وجه ونبوّ طرف وقلة تقبل، وجرت أشياء أخر كان عقباها أني فارقت بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعا الى مدينة السلام بغير زاد ولا راحلة، ولم يعطني في مدة ثلاث سنين درهما واحدا ولا ما قيمته درهم واحد، احمل هذا على ما أردت. ولما نال مني هذا الحرمان الذي قصدني به، وأحفظني عليه، وجعلني من جميع غاشيته «٣» فردا أخذت أتلافى «٤» ذلك بصدق القول عنه وسوء الثناء عليه، والبادىء أظلم، وللأمور أسباب، وللأسباب أسرار، والغيب لا مطّلع عليه ولا قارع لبابه. قال أبو حيان «٥» قال لي الصاحب يوما وهو يحدّث عن رجل أعطاه شيئا فتلكأ في قبوله: ولا بدّ من شيء يعين على الدهر ثم قال: سألت جماعة عن صدر هذا البيت فما كان عندهم ذلك، فقلت: أنا أحفظ ذاك، فنظر بغضب، فقال: ما هو؟ قلت: نسيت، فقال: ما أسرع ذكرك من نسيانك، قلت: ذكرته والحال سليمة فلما استحالت عن السلامة نسيت، قال: وما حيلولتها؟ قلت: نظر الصاحب بغضب، فوجب في حسن الأدب ألا يقال ما يثير الغضب، قال: ومن تكون حتى نغضب عليك؟ دع هذا وهات، قلت قول الشاعر:

стр. 1935

ألام على أخذ القليل وإنما ... أصادف أقواما أقلّ من الذرّ فإن أنا لم آخذ قليلا حرمته ... ولا بدّ من شيء يعين على الدهر فسكت. قال أبو حيان عند قربه من فراغ كتابه في ثلب الوزيرين، وقد حكى عن ابن عباد حكايات وأسندها إلى من أخبره بها عنه، ثم قال «١» : فما ذنبي أكرمك الله إذا سألت عنه مشايخ الوقت وأعلام العصر فوصفوه بما جمعت لك في هذا المكان؟ على أني قد سترت شيئا كثيرا من مخازيه إما هربا من الاطالة، أو صيانة للقلم عن رسم الفواحش وبث الفضائح وذكر ما يسمج مسموعه ويكره التحدث به، هذا سوى ما فاتني من حديثه فإني فارقته سنة سبعين وثلاثمائة. وما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرّعنيه من مرارة الخيبة بعد الأمل، وحملني عليه من الاخفاق بعد الطمع، مع الخدمة الطويلة، والوعد المتصل، والظنّ الحسن، حتى كأني خصصت بخساسته وحدي أو وجب أن أعامل به دون غيري. قدّم إليّ نجاح الخادم، وكان ينظر في خزانة كتبه، ثلاثين مجلدة من رسائله وقال: يقول لك مولانا: انسخ هذا فإنه قد طلب منه بخراسان، فقلت بعد ارتياع: هذا طويل، ولكن لو أذن لي لخرجت منه فقرا كالغرر، وشذورا كالدرر، تدور في المجالس كالشمامات والدستنبويات، لو رقي بها مجنون لأفاق أو نفث على ذي عاهة لبرأ، لا تملّ ولا تستغث ولا تعاب ولا تسترك، فرفع ذلك إليه وأنا لا أعلم فقال: طعن في رسائلي وعابها، ورغب عن نسخها وأزرى بها؟! والله لينكرنّ مني ما عرف، وليعرفنّ حظه إذا انصرف، حتى كأني طعنت في القرآن، أو رميت الكعبة بخرق الحيض، أو عقرت ناقة صالح، أو سلحت في بئر زمزم، أو قلت كان النظام مأبونا «٢» ، أو مات أبو هاشم في بيت خمار، أو كان عباد معلم صبيان. وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلدة من هذا الذي يستحسن هذا التكليف «٣» حتى أعذره في لومي على الامتناع؟ أينسخ إنسان هذا القدر وهو يرجو بعدها أن يمتّعه الله ببصره أو ينفعه ببدنه؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي: من أين لك هذا الكلام المفوّف المشوف الذي تكتب به إليّ في الوقت بعد الوقت، فقلت: وكيف لا

стр. 1936

يكون كما وصف وأنا أقطف ثمار رسائله، وأستقي من قليب علمه، وأشيم بارقة أدبه، وأرد ساحل بحره، وأستوكف قطر مزنه، فيقول: كذبت وفجرت لا أم لك، ومن أين في كلامي الكدية والشحذ والتضرع والاسترحام؟! كلامي في السماء وكلامك في السماد. هذا أيدك الله وإن كان دليلا على سوء جدي فإنه دليل أيضا على انخلاعه وخرقه وتسرّعه ولؤمه، وانظر كيف يستحيل معي عن مذهبه الذي كان هو عرقه النابض وسوسه الثابت وديدنه المألوف. وهلّا أجراني مجرى التاجر المصري والشاذباشي «١» وفلان وفلان؟ بل ما ذنبي إذا قال لي: هل وصلت إلى ابن العميد أبي الفتح؟ فأقول: نعم رأيته وحضرت مجلسه وشاهدت ما جرى له، وكان من حديثه فيما مدح به كذا وكذا، وفيما تقدم منه كذا وكذا، وفيما تكلّفه من تقديم أهل العلم واختصاص أرباب الأدب كذا وكذا، ووصل أبا سعيد السيرافي بكذا وكذا، ووهب لأبي سليمان المنطقي كذا وكذا، فيزوي وجهه وينكر حديثه وينجذب «٢» إلى شيء آخر ليس مما شرع فيه ولا مما شرع فيه ولا مما حرك له، ثم يقول: أعلم أنك إنما انتجعته من العراق، فاقرأ عليّ رسالتك التي توسّلت إليه بها وأسهبت مقرظا له فيها فأتمانع، فيأمر ويشدّد، فأقرأها فيتغير «٣» ويذهل، وأنا أكتبها لك ليكون زيادة في الفائدة: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم هيّء لي من أمري رشدا، ووفقني لمرضاتك أبدا، ولا تجعل الحرمان عليّ رصدا، أقول وخير القول ما انعقد بالصواب، وخير الصواب ما تضمّن الصدق، وخير الصدق ما جلب النفع، وخير النفع ما تعلّق بالمزيد، وخير المزيد ما بدأ عن الشكر، وخير الشكر ما بدأ عن إخلاص، وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان، وخير الايقان «٤» ما صدر عن توفيق: لما رأيت شبابي هرما بالفقر، وفقري غنى بالقناعة، وقناعتي عجزا عند أهل التحصيل، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه وموضعي منه، فرأيت طرفه عني نابيا، وعنانه عن رضاي منثنيا، وجانبه في مرادي «٥» خشنا، وارتفاقي «٦» في أسبابه نائيا، والشامت بي على

стр. 1937

الحدثان متماديا، طمعت في السكوت تجلدا، وانتحلت القناعة رياضة، وتألفت شارد حرصي متوقفا، وطويت منشور أملي متنزها، وجمعت شتيت رجائي ساليا، وادّرعت الصبر مستمرا، ولبست العفاف محمودا «١» ، واتخذت الانقباض صناعة، وقمت بالعلاء مجتهدا، هذا بعد أن تصفحت الناس فوجدتهم أحد رجلين: رجلا إن نطق نطق عن غيظ ودمنة، وإن سكت سكت عن ضغن وإحنة، ورجلا إن بذل كدّر بامتنانه بذله، وإن منع حسّن باحتياله بخله، فلم يطل دهري في اثنائه متبرما «٢» بطول الغربة، وشظف العيش، وكلب الزمان، وعجف المال، وجفاء الأهل، وسوء الحال، وعادية العدوّ، وكسوف البال، منحرفا «٣» من الحنق على لئيم لا أجد مصرفا عنه، منقطعا من الشوق إلى كريم لا أجد سبيلا إليه، حتى لاحت لي غرة الأستاذ فقلت: حلّ بي الويل، وسال بي السيل، أين أنا عن ملك الدنيا، والفلك الدائر بالنعمى، أين أنا من مشرق الخير ومغرب الجميل؟ أين أنا عن بدر البدور وسعد السعود؟ أين أنا عمن يرى البخل كفرا صريحا والافضال دينا صحيحا؟ أين أنا عن سماء لا تفتر عن الهطلان، وعن بحر لا يقذف إلا باللؤلؤ والمرجان؟ أين أنا عن فضاء لا يشقّ غباره، وعن حرم لا يضام جاره؟ أين أنا عن منهل لا صدر لفراطه ولا منع لوراده؟ أين أنا عن ذوب لا شوب فيه، وعن صدد لا حدد دونه؟ بل أين أنا عمن أتى بنبوّة الكرم، وإمامة الافضال، وشريعة الجود، وخلافة البذل، وسياسة المجد بشيمة مشيمة البوارق، ونفس نفيسة الخلائق؟ أين أنا عن الباع الطويل، والأنف الأشم، والمشرب العذب، والطريق الأمم؟ لم لا أقصد بلاده؟ لم لا أقتدح زناده؟ لم لا أنتجع جنابه وأرعى مراده؟ لم لا أسكن ربعه؟ لم لا أستدعي نفعه؟ لم لا أخطب جوده وأعتصر عنقوده «٤» ؟ لم لا أستمطر سحابه؟ لم لا أستسقي ربابه؟ لم لا أستميح نيله وأستسحب ذيله؟ ولا أحجّ كعبته وأستلم ركنه؟ لم لا أصلي إلى مقامه مؤتما بامامه؟ لم لا أسبح بثنائه «٥» متقدسا، لم لا أحكّم في حال: فتى صيغ من ماء البشاشة «٦» وجهه ... فألفاظه جود وأنفاسه مجد

стр. 1938

لم لا أقصد: فتى الناس للجود في كفّه ... من البحر عينان نضاختان لم لا أمتري معروف: فتى لا يبالي أن يكون بجسمه ... إذا نال خلات الكرام شحوب لم لا أمدح: فتى يشتري حسن المقال «١» بروحه ... ويعلم أعقاب الأحاديث في غد نعم، لم لا أنتهي في تقريظ فتى لو كان من الملائكة لكان من المقربين، ولو كان من الأنبياء لكان من المرسلين، ولو كان من الخلفاء لكان نعته: اللائذ بالله أو المنصف في الله أو المقتصد «٢» بالله أو المنتصب لله أو الغاضب لله أو الغالب بالله أو المرضيّ لله أو الكافي بالله أو الطالب بحق الله أو المحيي لدين الله. أيها المنتجع قرن كلأه، المختبط ورق نعمته، ارع عريض البطان متفيئا بظله، ناعم البال متعوذا بعزه، وعش رخي البال «٣» معتصما بحبله، ولذ بذراه آمن السّرب، وامحض وده بآنية القلب، وق نفسك من سطوته بحسن الحفاظ، وتخير له ألطف المدح تفز منه بأيمن قدح، ولا تحرم نفسك بقولك إني غريب المثوى نازح الدار بعيد النسب منسيّ المكان، فإنك قريب الدار بالأمل، داني النجح بالقصد، رحيب الساحة بالمنى، ملحوظ الحال بالحسد، مشهور الحديث بالدرك. واعلم علما يلتحم باليقين ويدرأ من الشك أنه معروف الفخر بالمفاخر، مأثور الأثر بالمآثر، قد أصبح واحد الأنام، تاريخ الأيام، أسد الغياض يوم الوغى، نور الرياض يوم الرضى، ان حرّك عند مكرمة حرك غصنا تحت بارح، وان دعي إلى اللقاء دعي ليثا فوق سابح، وقل إذا أتيته بلسان التحكم: أصلح أديمي فقد حلم، وجدّد شبابى فقد هرم، وأنطق لساني بمدحك فقد حصر، وافتح بصري بنعمتك فقد سدر، واتل سورة الاخلاص في اصطناعي فقد سردت صحائف النّجح عند انتجاعي، ورش عظمي فقد براه الزمان، واكس جلدي فقد عرّاه الحدثان، وإياك أن تقول يا ملك الدنيا جد لي ببعض الدنيا فإنه يحرمك، ولكن قل يا ملك الدنيا هب لي الدنيا. اللهم فأحي به بلادك، وانعش برحمته

стр. 1939

عبادك، وبلّغه مرضاتك، وأسكنه فردوسك، وأدم له العزّ النامي، والكعب العالي، والمجد التليد، والجدّ السعيد، والحقّ الموروث، والخير المبثوث، والولي المنصور، والشانىء المبتور، والدعوة الشاملة، والسجية الفاضلة، والسرب المحروس، والربع المأنوس، والجناب الخصيب، والعدوّ الحريب، والمنهل القريب، واجعل أولياءه باذلين لطاعته، ناصرين لأعزته، ذابّين عن حرمه. [أيها الشمس المضيئة بالكرم] والقمر المنير بالجمال، والنجم الثاقب بالعلم، والكوكب الوقّاد بالجود، والبحر الفياض بالمواهب، سقط العشاء بعبدك على سرحك، فاقره من نعمتك بما يضاهي قدرك وقدرتك، وزوّج هيئته تربها من الغنى فطالما خطب كفأها من المنى. ثم يقال لي من بعد: جنيت على نفسك حين ذكرت عدوّه عنده بخير، وبينت عنه، وجعلته سيد الناس، فأقول: كرهت أن يراني متدرئا «١» على عرض رجل عظيم الخطر غير مكترث بالوقيعة فيه والانحاء عليه، وقد كان يجوز أن أشعّث من ذلك شيئا، وأبري من أثلته جانبا، وأطيّر إلى جنبه شرارة، فيقال أيضا: جنيت على نفسك، وتركت الاحتياط في أمرك، فإنه مقتك وعافك، ورأى أنك في قولك عدوت طورك، وجهلت قدرك، ونسيت وزرك «٢» وليس مثلك من هجم على ثلب من بلغ رتبة ذلك الرجل، وأنك متى جسرت على هذا دربت «٣» به وجعلت غيره في قرنه، فإذا كانت هذه الحالات ملتبسة، وهذه العواقب مجهولة، فهل يدور العمل بعدها إلا على الاحسان الذي هو علّة المحبة، والمحبة التي هي علة الحمد، والاساءة التي هي علة البغض، والبغض الذي هو علة الذم، فهذا هذا. قال «٤» : وكان ابن عباد شديد الحسد لمن أحسن القول وأجاد اللفظ، وكان الصواب غالبا عليه، وله رفق في سرد حديث ونيقة في رواية، وله شمائل مخلوطة بالدماثة بين الاشارة والعبارة، وهذا شيء عام في البغداديين وكالخاصّ في غيرهم. حدّثت ليلة بحديث فلم يملك نفسه حتى ضحك واستعاده، ثم قيل لي بعده إنه كان

стр. 1940

يقول: قاتل الله أبا حيان فانه نكد وإنه وإنه وإنه، وأكره أن أروي ذمّي بقلمي، وكان ذلك كلّه حسدا [محضا] وغيظا بحتا، وأنا أروي لك الحديث فانه في نهاية الطيب، وفيه فكاهة ظاهرة وعيّ عجيب في معرض بلاغة ظريفة في ملبس فهاهة. حدثني القاضي أبو الحسن الجرّاحيّ قال: لحقتني مرة علة صعبة، فمن ظريف ما مرّ على رأسي [أنه] دخل في جملة من عادني شيخ الشونيزية «١» ودوارة الحمار والتوثة وفقيهها أبو الجعد الأنباري، وكان من كبار أصحاب البربهاري «٢» ، فقال أول ما قعد: يقع لي فيما لا يقع إلا لغيري أو لمثلي فيمن كان كأنه مني أو كأنه كان على سني أو كان معروفا بما لا يعرف به إلاي أني أرى أنك لا تحتمي إلا حمية فوق ما يجب ودون ما لا يجب. وبين فوق ما لا يجب، وبين دون ما لا يجب فرق، الله يعلم أنه لا يعلم أحد ممن يعلم أو لا يعلم الطب كله أن تحتمي حمية بين حميتين، حمية كلا حمية ولا حمية كحمية، وهذا هو الاعتدال والتعديل والتعادل والمعادلة، قال الله تعالى: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (الفرقان: ٦٧) وقال النبي ﷺ : خير الأمور أوسطها وشرها أطرافها. والعلة في الجملة والتفصيل إذا أدبرت لم تقبل، وإذا أقبلت لم تدبر، وأنت من إقبالها في خوف من إدبارها في التعجب، وما يصنع هذا كله؟ لا تنظر إلى اضطراب الحمية عليك، ولكن انظر إلى جهل هؤلاء الأطباء الألباء الذين يشقون الشّعر شقا، ويدقون البعر دقا، ويقولون ما يدرون وما لا يدرون زرقا وحمقا، وإلى قلة نصحهم مع جهلهم، ولو لم يجهلوا إذا لم ينصحوا كان أحسن عند الله والملائكة، ولو نصحوا إذا جهلوا كان أولى عند الناس وأشباه الناس، والله المستعان، وأنت في عافية، ولكن عدوك ينظر إليك بعين الاست فيقول: وجهه وجه من قد رجع من القبر بعد غد، وعلى كلّ حال فالرجوع من القبر خير من الرجوع إلى القبر، لعن الله القبر: لا خبّاز ولا بزاز ولا رزاز «٣» ولا كواز، إنا لله وإنا إليه راجعون عن قريب إن شاء الله وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان: ٣٤)

стр. 1941

وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (فاطر: ٤٣) وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (الشورى: ٢٩) وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ (فاطر: ٢٧) تأمر بشيء؟ السنة في العيادة- خاصة عيادة الكبار والسادة- التخفيف والتطفيف، وأنا إن شاء الله عندك بالعشيّ. والحقّ والحق أقوام مما «١» يجب على مثلك لمثلي، كأن ليس لك مثل ولا مثلي أيضا مثل، هكذا إلى باب الشام وإلى قنطرة الشوك وإلى المندفة «٢» ، أقول لك المستوي «٣» لا أنا ولا أنت اليوم، كمثل كمثراتين إذا عتقتا «٤» على رأس شجرة، وكدلوين إذا خلقا على رأس بئر، ودع ذا القارورة، اليوم لا إله إلا الله، وأمس كان سبحان الله، وغدا يكون شيئا آخر، وبعد غد ترى من ربك العجب، والموت والحياة بعون الله، ليس هذا مما يباع في السوق أو يوجد مطروحا في الطريق، وذاك أن الانسان- ولا قوة إلا بالله- طريف أعمى كأنه ما صحّ له منام قط، ولا خرج من السمّارية إلى الشط، وكأنه ما رأى قدرة الله في البط، إذا لفظ كيف يقول قط قط «٥» ، والكلام في الانسان وعمى قلبه وسخنة عينه كثير؛ قل غفر له «٦» ولا يسلم في هذه الدار إلا من عصر نفسه عصرة ينشقّ منها فيموت كأنه شهيد، وهذا صعب لا يكون إلا بتوفيق الله وبعض خذلانه الغريب، على الله توكلنا وإليه التفتنا ورضينا، به استجرنا إن شاء أخذ لنا «٧» وإن شاء أطعمنا. قال القاضي: فكدت أموت من الضحك على ضعفي، وما زال كلامه بهذا إلى أن خرجت على الناس وكان مع هذا لا يعيا ولا يكل ولا يقف، وكان من عجائب الزمان. وختم أبو حيان كتابه «في أخلاق الوزيرين» بعد أن اعتذر عن فعله ثم قال «٨» : اني لأحسد الذي يقول:

стр. 1942

أعدّ خمسين حولا ما عليّ يد ... لأجنبيّ ولا فضل لذي رحم الحمد لله شكرا قد قنعت فلا ... أشكو لئيما ولا أطري أخا كرم لأني كنت أتمنى أن أكونه، ولكن العجز غالب لأنه مبذور في الطينة، ولقد أحسن الآخر حين قال: ضيّق العذر في الضراعة أنا ... لو قنعنا بقسمنا لكفانا ما لنا نعبد العباد إذا كا ... ن إلى الله فقرنا وغنانا وأدعو هاهنا بما دعا به بعض النساك «١» : اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالاقتار، فنسترزق أهل رزقك، ونسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من دونهم وليّ الاعطاء، وبيدك خزائن الأرض والسماء، يا ذا الجلال والاكرام «٢» . ومن «كتاب المحاضرات» لأبي حيان قال: قصدت أنا والنصيبيّ رجلا من أبناء النعم والموصوفين بالكرم، لا يردّ سائليه ولا يخيّب آمليه، والألسن متفقة على جوده وتطوّله، والعيون شاخصة إلى عطاياه وفضله، له في السنة مبارّ كثيرة على أهل العلم وأهل البيوتات ومن قعد به الزمان وجفاه الاخوان، فلم نصادفه في منزله، وقصدناه ثانيا فمنعنا من الدخول إليه، وقصدناه ثالثا فذكر أنه ركب، وقصدناه رابعا فقيل هو في الحمام، وقصدناه خامسا فقيل هو نائم، وقصدناه سادسا فقيل عنده صاحب البريد وهو مشغول معه بمهم، وقصدناه سابعا فذكر أنه رسم أن لا يؤذن لأحد، وقصدناه ثامنا فذكر أنه يأكل ولا يجوز الدخول إليه بوجه ولا سبب، وقصدناه تاسعا فذكر أن أحد أولاده سقط من الدرجة وهو مشغول به عند رأسه ما يفارقه، وقصدناه العاشر فذكر أنه مستعد لشرب الدواء، وقصدناه الحادي عشر فذكر أنه تناول الدواء من يومين وما عمل

стр. 1943

عملا وقد قوّاه اليوم بما يحرك الطبيعة، وقصدناه الثاني عشر فقيل إلى الآن كان جالسا ونهض في هذه الساعة ودخل إلى الحجرة، وقصدناه الثالث عشر فقيل دعي إلى الدار لمهم، وقصدناه الرابع عشر فألفيناه في الطريق يمضي إلى دار الامارة، وقصدناه الخامس عشر فسهّل لنا الاذن ودخلنا في غمار الناس، وإذا الناس على طبقاتهم جلوس، وجماعة قيام يرتبون الناس ويخدمونهم، وقد اتفق له عزاء وشغل بغيرنا، وبقينا في صورة من احتقان البول والجوع والعطش، وما أقمنا في جملة من يقام، فقال لي النصيبي: هذا اليوم الذي قد ظفرنا به وتمكنّا من دخول داره صار عظيم المصيبة علينا ليس لنا إلّا مهاجرة بابه والاعراض عنه وقمع النفس الدنية بالطمع في غيره، فقلت له: قد تعبنا وتبذلنا على بابه، والأسباب التي اتفقت فمنعت من رؤيته كان عذرا واضحا، ويتفق مثل هذا، فإذا انقضت أيام التعزية قصدناه، وربما نلنا من جهته ما نأمله، فقصدناه بعد ذلك أكثر من عشرين مرة وقلّما اتفق فيها رؤيته وخطابه، حتى ملّ النصيبي فقال: لو علمت أن داره الفردوس، والحصول عنده الخلود فيها، وكلامه رضى الله تعالى وفوز الأبد، لما قصدته بعد ذلك، وأنشأ يقول: طلب الكريم ندى يد المنكود ... كالغيث يستسقى من الجلمود فافزع إلى عزّ الفراغ ولذ به ... إن السؤال يريد وجه حديد فأجبته أنا وعيناي بالدموع تترقرق، لما بان لي من حرفتي ونبوّ الدهر بي وضياع سعيي وخيبة أملي في كل من أرتجيه لملمّ أو مهم أو حادثة أو نائبة: دنيا دنت من عاجز وتباعدت ... عن كلّ ذي لبّ له حجر سلحت على أربابها حتى إذا ... وصلت إليّ أصابها الحصر قال أبو حيان في «كتاب الوزيرين» «١» : جرى بيني وبين أبي علي مسكويه شيء، قال لي مرة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا- وهو يعني ابن العميد- في إعطائه فلانا ألف دينار ضربة واحدة؟ لقد أضاع هذا المال الخطير في من لا يستحق. فقلت بعد ما أطال الحديث وتقطع بالأسف: أيها الشيخ أسألك عن شيء واحد فاصدق فإنه

стр. 1944

لا مدبّ للكذب بيني وبينك «١» لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه أكنت تتخيله في نفسك مخطئا ومبذرا ومفسدا أو جاهلا بحقّ المال؟ أو كنت تقول ما أحسن ما فعل وليته أربى عليه؟ فإن كان الذي تسمع على حقيقته فاعلم أن الذي يرد بالك ويردّ مقالك «٢» إنما هو الحسد أو شيء آخر من جنسه، وأنت تدعي الحكمة وتتكلف في الأخلاق وتزيّف الزائف وتختار منها المختار، فافطن لأمرك، واطلع على سرك وشرك «٣» [٨٢١] علي بن محمد بن نصر أبو الحسن الكاتب صاحب الرسائل: كان كاتب ديوان الرسائل في أيام جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة، ويتردد في الرسائل بينه وبين الملوك، وقرأ النحو على جماعة من أعيان أهل العلم كأبي الحسن الربعي وأبي الحسن الزعفراني البصري، ولقي جماعة من وجوه الشعراء كأبي الفرج الببغاء وأبي نصر ابن نباتة وأبي الحسن السلامي وأبي طاهر علي بن الحسن الحمامي. وكان ذكيا فطنا محببا الى الناس للطافة فهمه وسجاحة خلقه وحسن مداراته، وكان أبوه قاضيا على بعض الأرباع ببغداد والحكم من غير تسمية بالقضاء. مات سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. ذكر في كتابه الذي صنفه وسماه «كتاب المفاوضة» حاكيا عن نفسه:

стр. 1945

ولقد قرأت في كتاب لأبي القاسم هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة «١» - يعني صاحب البطيحة- وكان رجلا جمّ العلم دقيق الفهم، وكان يكتب الكتب الطوال في الفتوح وغيرها، قرأت في فصل له إلى أبي الخطاب المنجم المستولي على دولة بهاء الدولة بن عضد الدولة: «وكنت واعدا نفسي إنجاز ما سبق من شريف مواعيد الحضرة البهية، لوفور حظّي من ملاحظة كرم الاهتمام» فقال لي الوزير أبو العباس عيسى بن ماسرجيس، وكنت أكتب له حينئذ، أنّى يفهم هذا الكلام اليوم؟! قلت: نجتهد، فتأمّلناه فوجدناه صحيحا، إلا أن طريقه كان وعرا. قال: وكتب إليّ أبو عبد الله ابن ضبر القاضي صديقنا ﵀ في كتاب، وقد اتصلت أسفاري بين البصرة وواسط والأهواز، مترددا عن السلطان في رسائل: أصبو إليك مع البعاد صبابة ... أصلى بها كلهيب حرّ النار وإذا تباعدت الديار فإنني ... أرضى وأقنع منك بالأخبار وإذا الديار دنت بعدت فكيف لي ... بدنوّ قلب مع دنوّ الدار وحدث ابن نصر في كتابه حاكيا عن نفسه قال: حدثني الأستاذ أبو عبد الله محمد بن شاذان بالبصرة، وهو إذ [ذاك] يكتب لظهير الدين، وقد خرجت إليه في رسالة، فلما أزمعت الانصراف حمل إليّ كسوة ونفقة إلى دار أبي عبد الله، وحضر أصحابه يتنجزون رسوما جرت العادة بها، وكثروا علي، فقال أبو عبد الله: حالنا هذه تشبه حال أبي أحمد النهرجوري، فإنه مدح أبا الفرج منصور بن سهل المجوسي عامل البصرة، فأعطاه صلة حاضرة هنية، والتفّ به الحواشي فطالبوه، فكتب رقعة ودفعها إلى بعض الداخلين إليه وقال له: سلّم هذه إلى الأستاذ، وفيها:

стр. 1946

أجازني الأستاذ عن مدحتي ... جائزة كانت لأصحابه ولم يكن حظّي منها سوى ... جهبذتي يوما على بابه قال: فلما وصلت الرقعة خرج في الحال من صرف الحواشي عنه، وصار معه حتى دخل منزله. وحدث ابن نصر قال: رأيت في المنام كأني أكتب إلى بعض أصدقائي، وقد وقع لي أنه سرق شيئا من كلامي: عمدت إلى شتائت ألفاظي وبدائد كلامي فغصبتنيها، فيا للصوص الكتابة، ويا لحزني عليه والكآبة، واستيقظت فعلّقت ذلك. وحدث في كتابه قال: قال لي الشيخ أبو الحسن الربعي، وقد سألته عن «لعمرك» و «لعمري» والقسم بذلك، وأعلمته أني رأيت بخطّ بعض الناس فيه واوا، وقلت له: إن الواو لا مدخل لها هاهنا فإنها دخلت على «عمرو» للفرق بينه وبين عمر، وهذا قسم، ولذلك دخلت اللام فيه، فقال: أخطأ وأصبت، وتكلم في اللام الداخلة على «عمري» وقال: إنّ اللام في قولهم: لزيد قائم تفيد أمرين: أحدهما التأكيد والآخر تقدير استقبال القسم، وهي من قولهم «لعمري» لا تفيد سوى التأكيد، لأن عمري قسم، والقسم لا يدخل على قسم، وتكلم في ذلك بما طال ثم قال لي: أعد، فأعدت ما قال بعينه، ونحن إذ ذاك في دار أبي غالب ابن الثلاج، وهو يقرأ عليه، فقال له: يا أبا غالب، هذا هو الذكاء الكبريتي، قال: وكيف يا سيدي؟ قال: هكذا ذكاء العراقيين، وحدثنا قال: كان يقرأ على أبي علي الفارسي فتى من أهل نسا، وكان بعيدا بليدا، وهو يقبل عليه ويصرف همته إليه، وأهل المدرسة يحيطون بدرسه دونه، وأبو علي يغتاظ من الترديد الذي يقصد به إفهامه، ويفهم غيره، فقال لنا يوما: الذكاء على أربع طبقات: فأولها الذكاء الكبريتي، وهو ذكاء العراقيين، فإنهم يفهمون سريعا وينسون ذريعا، وثانيها طبقات أهل العلم، وهم يفهمون على بطء ما ولا يكادون ينسون سريعا، وثالثها طبقات أهل [....] . وهم الذين يفهمون سريعا ولا ينسون، ورابعها طبقة هذا الفتى، وهو الذي لا يكاد يفهم إلا بعيدا وينسى قريبا، فاستحيى الفتى ولم يره في مجلسه بعدها. قال ابن نصر: ورأيت كاتبا جالسا إلى جانبي وقد كتب كتابا افتتحه بأن قال:

стр. 1947

«لم أقر لمولدي كتابا منذ كذا» ، فلما فرغ من الكتاب كلّه تأمله ثم طواه ولم يغير شيئا، فقلت له: لا يجوز «لم أقر» فإن هذه همزة، والهمزة حرف صحيح يجري بوجوه الاعراب، وعلامة الجزم فيه حذف حركته، فأعرض عني وأعطى الكتاب لغلامه وقال له: ألصق هذا وأنفذه، فأمسكت حينئذ. وأذكر وقد حضرت مجلسا في الحداثة، فوصف رجل بالطرش، فقلت: هو أصلح- وصحّفت- وكان إلى جانبي أبو عبد الله الحسين الشاعر المعروف بالخالع فقال لي: صحّفت، هو أصلخ- بالخاء المعجمة- فقلت: جزى الله الشيخ خيرا وأفاده وأثابه، فجذبني إليه وقبلني وقال: هذا هو الفلاح. قال ابن نصر: وحدثني أبو نصر العلاء بن الفيرزان الوزير- وكان هشّ المحادثة طيب المحاضرة كثير المزح، لولا شرّ كان كامنا فيه- وسمعته يقول: حفظت «كتاب بغداد» لابن أبي طاهر وقرأته عشرين دفعة من أوله إلى آخره، وقرأت «التاريخ» لأبي جعفر بالفارسية والعربية؛ واتفق أن اشتكت عيني فتأخرت عنه، وعلم بذاك فأنفذ إليّ غلاما ومعه صرّة فيها خمسمائة درهم، فتركها بين يديّ، ومعها من البياض قطعة مثل الزيق في طوله وعرضه، وانصرف ولم يخاطبني بلفظة، فلما فتحت عيني تأملت الكاغد وإذا فيه: وخذ القليل من اللئيم وذمّه ... إن القليل من اللئيم كثير وحملت إليه في ليلة نوروز دينارا روميا ودرهما خسروانيا وجزءا فيه أخبار منثورة من كل نوع، وكتبت إليه رقعة نسختها: أخّرني عن حضرة سيدنا السيد الأجل-[أطال] الله بقاءه- عذر يسقط معه العتب، ويغفر لأجله الذنب، ومن المعاذر ما تعزف النفس عن ذكره، وتشوّف إلى طيّه وستره، لا سيما عن الأقلام التي تحفظ أسطارها، وتبقى على الدهر آثارها، وقد أقمت سنّة الخدمة بجزء يصلح لخلوة الأنس، ويجمع أوطار النفس، ليس بجسيم يستجفى، ولا ضئيل يحتقر ويزدرى، قد يحتوي من الاعتدال بين اللاطىء والعال...... وتضل الأفهام في حروشته، اللفظة الواحدة من مضمونه، [تحوى] فقر الفضل وعيونه. ودينار ودرهم من ضرب كسرى وقيصر، فمن مثلي في ظرف هديتي، ومن يساجلني إذا جمّلني بقبولها وشرّفني- لا أخلاه الله من نعم

стр. 1948

يفيضها عليه، ولا أعدمه تابعا يزدلف بالطرف إليه، بمنّه وطوله، وجوده وفضله، إنه على كل شيء قدير؛ قال: فأنفذ إليّ جزءا بخطّ أبي الحسن ابن هلال ودينارا مصنوعا فيه عشرون مثقالا ودرهما مثله، وكتب إليّ: ما رأيت مثل سيدنا- أطال الله بقاءه وجعلني فداءه- (وهكذا كانت عادته في مكاتبتي) يحسن ويعتذر فإنه قد أوجب بتأخره منّة، وكفاني ببعده مؤونة، وقد أنفذت جزءا لا أصفه، ودينارا ودرهما لا أنعته، وإذا تأمّل ما حملته إليه وحمله إليّ وجد قدر التفاوت بينهما قدر التفاوت بيني وبينه، والسلام. قال: وكان مزّاحا مطرابا مؤثرا لهذا الفن، غير أنه كان يغلب عليه الشر، وكان تاب أن لا يضرب أحدا في يوم جمعة، ورأيته في وقت الصلاة يوم جمعة من الجمعات وقد أمر بضرب أبي الطيب ملول بن فضلان الصيرفي الجهبذ، فسألته وذكّرته العهد، فقال: إنما تبت أن أضرب بالمقارع، فقلت: هذا تأوّل طريف في اليمين. وحدث ابن نصر قال: حمل إليّ الوزير أبو نصر العلاء بن الفيرزان- وهو إذ ذاك عامل البصرة- ثيابا في بعض الفضول، ولم تجر العادة بها، وآثر أن يكتمها عن القاسم أبي الصالح كيوس أمير البصرة حينئذ خصوصا، وعن الكافة عموما، وكان في جملتها درّاعة سقلاطون، وكتب يعتذر ويذكر أنه لم يجد ثوبا يشبهها، ووصفها وأطال، وكان أصلح ما وصفها به قوله: لم تبتذلها العيون في المجالس، ولا افترع جيبها جيد لابس، فأنفذتها بخاتم ربّها إلى مستحقها وتربها؛ وفي هذا بعض العهدة، ومن ينتقده من أهل الصنعة يعرفه. فكتبت إليه، واعتمدت كسره بذمّها: وصلت تحفة سيدنا الأجلّ وقبلتها على تجعدي «١» من مثلها، ووجدته قد خصّ الدراعة منها بصفته، وأظهر فيها مكنون بلاغته، ولو أفرج لي عن ذلك لكان أحسن، وتركني وإياه لكان أشبه به وأزين، وبعد فلكلّ موصوف عائب، ولكلّ ممدوح ثالب، وأظنّه نسي أو تناسى أنه حكّم فيها شبا الحديد، فبضعها من القدم الى الوريد، حتى إذا جزّأها أجزاء، وجعلها مبدّدة أشلاء، عاد يصلح ما أفسد من حالها، ويجمع ما فرق من أوصالها، فكم من صورة مستحسنة قدحها وعابها، ودائرة مستقيمة قطعها

стр. 1949

فشانها، فأصبحت بعد الجسم الممسّد، والاسم الرائق المفرد، ذات البنائق والأركان، وصاحبة الدّخارص والجربّان؛ هذا وكيف تكون بختامها وعنده من كبدها فلذة، وفي خزائنه من أعضائها فضلة، وعلى ذلك فالشكر عنها مبذول، وحبل الثناء بها موصول، والسلام. قال: فلما كان من الغد التقينا في دار القسيم فقال: لعنك الله فإنك كافر للنعمة، ولعنني حيث تعرضت بك في الكتابة، وقد أنفذت إليك فضلة الثوب، لا بارك الله لك فيه ولا فيها. قال ابن نصر: وهذا الخبر عكس ما لحقني مع أبي عمرو سعيد بن سهل العارض، فإنه دخل يوما إلى دار الوزارة بالبصرة وجلس ينتظر الاذن، فقلت لغلامي: امض إلى أبي العباس الكوفي البزاز وخذ منه الثوب السقلاطون المعمّد الذي عزلته للدراعة، وأذن لأبي عمرو، فدخل وما ظننته تسمع عليّ، ومضى الغلام فلم يصادف البزاز، وانصرفت آخر النهار إلى داري وإذا فيها دراعة سقلاطون معمدة في نهاية الحسن، فسألت عنها فقيل: جاء رجل وقال أنا صاحب أبي عمرو العارض، خذوا هذه الدراعة، قلت: وكان معها رقعة؟ قيل: لا. فكتبت إليه من الغد: للفواضل- أطال الله بقاء الأستاذ الرئيس- فضائل تتميز بها وتستطيل بمكانها على أضرابها منها: أن ترد بكرا لم يفترعها السّؤال، وتقطع عرضا لم تحتسبها الآمال، فتلك الشربة العذبة للظامي، وإصابة الشاكلة عند الرامي، كتحفته التي جاءت مسيّرة كالجداول، مذهّبة كالأصائل، معدّلة بحسن التقدير والتوفيق، منزّهة عن فحش السّعة والضيق، محلولة الجيب والجيوب مزرورة، مكشوفة الفرج والفروج مستورة، فهي من بدائع صورها، ووشائع حبرها، كالرياض الرائعة، والبروق اللامعة، سلكها دقيق، ومنظرها أنيق، كأنما عدّلت بمعيار، أو دبّر ذيلها على بركار، لابسها مختال، ومانحها مفضال، قد سيّرها بفضله المكتوم، وشهّرها بعرفه النموم، فطويتها طيّ المكرم الضنين، ونشرت الشكر عنها نشر الخاطب المبين، وأفردتها عن أشكالها وإن عزّ المشاكل، وجعلتها زينة للمواكب والمحافل، والله تعالى يزيده كرما وفضلا، ويجعله لادّخار كلّ منقبة أهلا، إنه على كل شيء قدير. قال أبو الحسن علي بن محمد بن نصر حدثني أبو القاسم عبد الواحد بن محمد

стр. 1950

المطرز الشاعر «١» أن صديقا له كتب رقعة مذ خمسين سنة مشتملة على غرض له بألفاظ ليس فيها حرف ينقط، وأنه استصعب ذاك، واقترح أن أكتب إليه رقعة على هذه الطريقة ليجيب عنها بشعر، قال: وكنت أسمّيه «الشيخ العالم» مزاحا، وكان المطرّز يغضب من هذا اللقب: العالم الأوحد- أطال الله عمره وأدام سعده- محلّ العصمة ودارها، ومعرّس الحكمة ومدارها، وراحة كلّ صدر، وعدة كلّ حرّ، ومحطّ الرحال، ورأس مال الآمال، كلّ دهر أحال عهده مرّ، وكلّ صحو لا أراه معه سكر، حرس الله آلاءه، ولا أعدمه الطّول وإسداءه، معلوم ما حاوله رعاه الله ملاحاة، وسأله معاداة أو مصاداة، لأحسر لسؤاله، ولأسمو لدرك محاله، ولعمر الله وعمره كلّ كلام اطرح معه العادة المعلومة، وهدر له الحال المعهودة، وعر مسلكه، وعسر مطلعه، وصار لمادة السداد هادما أساسه، ومحللا مرره وأمراسه، لا محلّه محلّ المكرم، ولا رصّه رصّ المحكم، وهو سداد لعدم. ولو سواه حرسه الله سام ما سامه، ورام ما رامه، لما أدرك مرماه ولا أحمد مسعاه، ولا سمع دعاؤه طول الدهر، ولا ساعده ساعد ولو مدّ له العمر، والسلام قال: وغدا مهيار علينا فأنشدنا لنفسه في هذا المعنى «٢» : وعد لرملة كدّ الصدر ممطول ... دم الكرى معه ما سال مطلول وصل هو الصدّ محمود موارده ... حلّ المحلا وصرم وهو محمول أما صحا أو سلا إلا أعاد له ... عهد الأولى طلل كالسطر ممحول محاه كلّ ولود الرعد حامله ... مدار ما حار هاد وهو مدلول راحوا وحلّ وكاء الدمع عاصمه ... وطاح ما طاح دمع وهو محلول ساروا وكم أمل سار وراءهم ... وكلّ ما وعد الأملاء مأمول وطاول الدهر عمرا لا ملال له ... مع السرور وطول العمر مملول وتأخر وعد المطرز بالشعر فكتب إليه الرئيس أبو الحسن ابن نصر في المعنى:

стр. 1951

لم وعد أسعده الله المساعدة وعدل، وسهّل الحمل وما حمل، وكلامه روح الصدور وسرّها، وراح الأسماع وعطرها، ولم أهمل عادة إسعاده، وهدر معهود سماحه؟ الأمر عراه أم حاد حداه، ولم مطل وعده وصرح ردّه، وما عراه مراد، ولا حطّ له والحمد لله عماد، والسلام. وعرف هذه الجملة والمفاوضة أبو الحسن ابن الحسين الغضائري، فكتب رقعة مشتملة على نظم ونثر في هذا المعنى منها: أمرك- حرسك الله وأطال عمرك- المطاع، ومرسومك لا مراد له ولا مراع، ولمرادك ما أسلك السماوة ولا علم، وأورد الآل المحال ولا مكرع، وأروع الآلة الوادعة والأداة الصالحة لأمر لا مرعاه ممرع ولا مورده مطمع، ولا مسرحه ممطور، ولا مراحه معمور، والكلام- أدام الله علاك- مسؤول، ومع الالحاح مملول، ومع الادامة صلد الصمم، ممرّ المرر، طوره أطوار، وحاله أحوال، حلّال رحّال، صرّام وصّال، وما أطاعك إلا عصاك، ولا والاك إلا عاداك، ما رام أحد سهله إلا وعّر، ولا أراد حلوه إلا مرّر، كم سامه الكامل وعاد مطرودا، وداسه العالم وآل مردودا، والعلم الكالّ عامل ما حدّ له، وساع لما رسم له، أصار الله سماء العلاء دارك، وسهم السعادة مطلعك، وأدام سموك، وأهلك عدوك، والسلام للرسول وأهله. ومن النظم: اسعد ودام لك الإمهال والعمر ... هل رمل رامة محمود له المطر وهل أراك وأمواه لعارمه ... كالعهد لا الورد أعداه ولا الصدر وهل أرود ودار الوصل آهلة ... دارا كدارك لولا روحها العطر لله صدر وراه كلّ ساحرة ... كحلاء مرهاء ممدوح لها الحور واها لعلوة لا وصل كواصلها ... ولا عطاؤك مسمول ولا أمر صدّ ومطل وإدلال ومحرمة ... كما أعاد رسول الآكل السمر لولا محمد لم أعط السلام ولا ... أمال سالم أمر اللمة الصور دعا وطاوع ودّا لا مراء له ... مسارع الأمر لا لاو ولا صعر كل هذا ولم يرد من المطرّز المتحدى في هذا المعنى شيء، فكتب إليه الرئيس

стр. 1952

علي بن نصر يستبطئه ويقتضيه ويحثّه على المهادنة: ما سلك العالم الأوحد- حرس معهوده- العادة، ولا عمل عمل السادة، رام أمرا ما حصّله، وحكم حكما ما عدّله، ووعد وعدا لواه، وحدّ حدا عداه، وسدّى وما ألحم، وأورد وما أصدر، وسار مهملا أمره، وطار مسلما وكره، لا الكلام أسعده، ولا الكلال أمهله، هاله الأمر وراعه، وعصاه المرام وما أطاعه، محادّة له علم معها مآل الصورة، وعمل لها عمل الصرورة، هاك الساعة الموادعة حصّلها، وأحلّها صدرك واحرسها، وصرّها دهرك واعكمها، ودع المراماة وراءك، وسرح المصالحة أمامك، وهلّم السّلم، والسلام. قال ابن نصر: كتب إليّ أبو طاهر علي بن الحسين عزّ الأستاذين من بعض أسفاره: من علامات المؤانسة، ودلالات المجالسة، التكاتب في السفر، والتزاور في الحضر، وأنت بهما حريّ، ومنهما عمر الله بريّ: ولو كنت أدري أن ذا البين كائن ... لعاصيت عذالي وخالفت نصّاحي وما كنت أعطي البين صفقة بائع ... ولو أن إدراك المنى بعض أرباحي قضاء من الرحمن ما اسطعت ردّه ... وليس لأمر خطّه الله من ماح قال أبو الحسن: كنت أكاثر أبا الفرج عبد الواحد بن نصر الببغا وأزوره دائما مع القاضي أبي محمد أخي ﵀، فتأخرنا عنه لشغل عرض لنا، وكتب إلينا: ذخرت أبي نصرا لحظّ أناله ... فبلغني أقصى المنى ببني نصر وجدتهم الذخر القديم ولم أكن ... عملت بأن الذخر يعزى إلى الدهر واستمر بنا الابطاء عنه فكتب إلينا رقعة أولها: بني علي بن نصر ... دعاء باسط عذر أسرفتم في وصالي ... وليس يحسن هجري إن رأيتما- جعلت فداءكما- أن تبرئا رمد طرفي بالنظر إليكما فعلتما، فحضرناه، وقلت له: يا سيدي، ذكرتني لعمرك هذه أبيات أبي فراس التي كتب بها من الأسر إلى ولدي سيف الدولة «١» :

стр. 1953

يا سيديّ أراكما ... لا تذكران أخاكما أوجدتما بدلا به ... يبني سماء علاكما فقال لي: أحسنت، والله لقد كتبت الرقعة والأبيات في ذكري. [٨٢٢] علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري يكنى أبا الحسن ويلقب أقضى القضاه لقب به في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وجرى من الفقهاء كأبي الطيب الطبري والصيمري إنكار لهذه التسمية وقالوا: لا يجوز أن يسمّى به أحد، هذا بعد أن كتبوا خطوطهم بجواز تلقيب جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بملك الملوك الأعظم، فلم يلتفت إليهم واستمر له هذا «١» اللقب إلى أن مات، ثم تلقب به القضاة إلى أيامنا هذه، وشرط الملقب بهذا اللقب أن يكون دون منزلة من تلقب بقاضي القضاة على سبيل الاصطلاح، وإلا فالأولى أن يكون أقضى القضاة أعلى منزلة. ومات الماوردي «٢» في سنة خمسين وأربعمائة، وكان عالما بارعا متفننا شافعيّا في الفروع ومعتزليا في الأصول على ما بلغني والله أعلم. وكان ذا منزلة من ملوك بني بويه يرسلونه في التوسطات بينهم وبين من يناوئهم، ويرتضون بوساطته، ويقنعون «٣»

стр. 1954

بتقريراته. قرأت في «كتاب سرّ السرور» لمحمود النيسابوري هذين البيتين منسوبين إلى الماوردي هذا: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسادهم دون القبور قبور وإنّ امرءا لم يحي بالعلم صدره ... فليس له حتى النشور نشور حدث محمد بن عبد الملك الهمذاني، حدثني أبي قال: سمعت الماوردي يقول: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، واختصرته في أربعين، يريد بالمبسوط «كتاب الحاوي» وبالمختصر «كتاب الاقناع» قال: وعلّق عليه، أي الحاوي «١» ودرس مكانه خمس سنين. قال: ولم أر أوقر منه، لم أسمع منه مضحكة قط، ولا رأيت ذراعه منذ صحبته إلى أن فارق الدنيا. قلت: وله تصانيف حسان في كلّ فن منها: كتاب تفسير القرآن. وكتاب الأحكام السلطانية. وكتاب في النحو رأيته في حجم الايضاح أو أكبر. وكتاب قوانين الوزارة. وكتاب تعجيل النصر «٢» وتسهيل الظفر. قرأت في مجموع لبعض أهل البصرة: تقدم القادر بالله إلى أربعة من أئمة المسلمين في أيامه في المذاهب الأربعة أن يصنّف له كلّ واحد منهم مختصرا على مذهبه فصنف له الماوردي «كتاب الاقناع» ، وصنف له أبو الحسين القدوري مختصره المعروف على مذهب أبي حنيفة، وصنف له القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن نصر المالكي مختصرا آخر، ولا أدري من صنّف له على مذهب أحمد، وعرضت عليه فخرج الخادم إلى أقضى القضاة الماوردي وقال له: أمير المؤمنين يقول لك «٣» حفظ الله عليك دينك كما حفظت علينا ديننا. ومن هذا المجموع: كان أقضى القضاة ﵀ قد سلك طريقة في ذوي الأرحام يورث القريب والبعيد بالسوية، وهو مذهب بعض المتقدمين، فجاءه يوما

стр. 1955

السينيزي في أصحاب القماقم فصعد إليه المسجد وصلّى ركعتين والتفت إليه فقال له: أيها الشيخ اتبع ولا تبتدع، فقال: بل أجتهد ولا أقلد، فلبس نعله وانصرف. [٨٢٣] علي بن محمد بن محمد بن الحسن بن دينار الديناري النحوي، أبو الحسن: من ولد دينار بن عبد الله، قال ابن طاهر المقدسي: مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة وأبوه أبو الفتح محمد من أهل العلم والحديث. [٨٢٤] علي بن محمد أبو الحسن الأهوازي النحوي الأديب: رأيت له كتابا في علل العروض نحو عشر كراريس ضيقة الخط جيدا في بابه غاية، ولا أعرف من حاله غير هذا. [٨٢٥] علي بن محمد الوزان النحوي الحلبي أبو الحسن: سمع منه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، وأظنه كان في أيام سيف الدولة بن حمدان، وله كتاب في العروض. [٨٢٦] علي بن محمد بن السيد النحوي البطليوسي أبو الحسن، ويعرف بالخيطال، وهو أخو أبي محمد عبد الله بن السيد النحوي، روى عن أبي بكر ابن

стр. 1956

الغراب وأبي عبد الله محمد بن يونس وغيرهما. أخذ عنه أخوه أبو محمد كثيرا من كتب الآداب وغيرها، وكان مقدما في علم اللغة وحفظها وضبطها، ومات بقلعة رباح معتقلا من قبل ابن عكاشة قائدها سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. [٨٢٧] علي بن محمد الأخفش النحوي: لم أجد ذكره إلا على «كتاب الفصيح» بخط علي بن عبد الله بن أخي الشبيه العلوي ما صورته: حذق عليّ هذا الكتاب وهو كتاب الفصيح أبو القاسم سليمان بن المبارك الخاصة الشرفي- أدام الله أيامه- من أوله إلى آخره قراءة فهم وتصحيح، وقرأت أنا على عليّ بن عميرة، ﵀، في محلة باب البصرة ببغداد عند المسجد الجامع الكبير، وقرأ هو على أبي بكر ابن مقسم النحوي عن أبي العباس ثعلب ﵀، وكتب علي بن محمد الأخفش النحوي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة عربية «١» . [٨٢٨] علي بن محمد بن ابراهيم بن عبد الله القهندزي أبو الحسن الضرير النحوي الأديب النيسابوري: من أصحاب أبي عبد الله، شيخ فاضل من الأدباء، سمع الحديث من أبي العباس المناسكي المحاملي وغيره، وسمع منه الناس، وقرأ عليه الأئمة وتخرجوا به، قال ذلك عبد الغافر في «السياق» قرأ عليه أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي وعدّه في أعيان مشايخه، وقال الواحدي: وكان من أبرع أهل زمانه.

стр. 1957

[٨٢٩] علي بن محمد السعيدي البياري الأستاذ الأديب أبو الحسن: رجل فاضل من أهل بيت الفضل والأدب، وأما سماع الحديث فقلما يخلو عنه أهل الفضل، قاله عبد الغافر. [٨٣٠] علي بن محمد بن علي بن منصور الحوزي «١» أبو الحسن الأديب بن الأديب السقاء: رجل فاضل شاعر كاتب، وسمع الحديث من متأخري الطبقة الثانية ثم من مشايخنا، ومات كهلا في الثاني من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين وأربعمائة، قال ذلك عبد الغافر. [٨٣١] علي بن محمد بن أرسلان بن محمد الكاتب أبو الحسن بن أبي علي المنتجب، من أهل مرو، كاتب مليح الخط فصيح العبارة، وله شعر وترسل وبلاغة في غاية الحسن. سافر إلى العراق وجال في بلاده، ولعله ما رأى مثل نفسه في فنه، سمع بمرو أبا علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي وغيره. قال أبو سعد: اجتمعت معه ببغداد بالمقتدية وكتب لي شيئا من شعره، وكان حفظة يسمع أربعين بيتا فيحفظها، اجتمعت فيه أسباب المنادمة والكتابة وصحبة الملوك، له هذا البيت الفرد: وأما الحشا منّي فاني امتحنتها ... وأدنيت منها الجمر فاحترق الجمر

стр. 1958

وله: إذا المرء لم تغن العفاة صلاته ... ولم يرغم القوم العدى سطواته ولم يرض في الدنيا صديقا ولم يكن ... شفيعا له في الحشر منه نجاته فإن شاء فليهلك وإن شاء فليعش ... فسيّان عندي موته وحياته قتل في الوقعة الخوارزمشاهية بمرو في ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمسمائة وله كتاب «تعلة المشتاق إلى ساكني العراق» . وكان أبوه «١» محمد بن أرسلان أيضا من الفضلاء النبلاء، وله شعر ورسائل، ومدحه الزمخشري ورثاه، وكان يلقب منتجب الملك، فلا أدري أهذا تلقب بلقب أبيه أم يعرف بابن المنتجب. وذكر في «تاريخ خوارزم» أن منتجب الملك محمد بن أرسلان مات في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة أو قريبا منها، وذكر الزمخشري في «٢» شرح مقاماته «٣» أنشدني الكبير المنتجب أبو علي محمد بن أرسلان لنفسه بيتا لو وقع في شعر المتقدمين لسيرته الرواة وخلدته الأئمة في كتبهم، وكم من أخوات له ضيّعت بضياع الأدب وقلة النّقلة واتضاع الهمم وتراجع الأمور على أعقابها: وبرداه مسجوران مثل هجيره ... كأن ليس فيه بكرة وأصيل قال وما أظن البردين وقعا مثل هذا الموقع منذ نطق بهما واضع العربية. ومن شعر منتجب الملك محمد بن أرسلان: قل للمليحة في الخمار الأحمر ... لا تجهري بدمائنا وتستري مكّنت من حبّ القلوب ولاية ... فملكتها بتعسف وتجبر إن تنصفي فلك القلوب رعية ... أو تمنعي حقا فمن ذا يجتري سخّرتني وسحرتني بنوافث ... فترفّقي بمسخّر ومسحّر

стр. 1959

[٨٣٢] علي بن محمد بن علي بن أحمد بن هارون «١» العمراني الخوارزمي، أبو الحسن الأديب ابن الأديب «٢» : يلقب حجة الأفاضل وفخر المشايخ مات فيما يقارب سنة ستين وخمسمائة، ذكره أبو محمد ابن أرسلان في «تاريخ خوارزم» ومن خطه نقلت فقال: العمراني حجة الأفاضل، سيد الأدباء، قدوة مشايخ الفضلاء، المحيط بأسرار الأدب، والمطلع على غوامض كلام العرب، قرأ الأدب على فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري، فصار أكبر أصحابه، وأوفرهم حظا من غرائب آدابه، لا يشقّ غباره في حسن الخط واللفظ، ولا يمسح عذاره في كثرة السماع والحفظ، سمع الحديث من فخر خوارزم والامام عمر الترجماني «٣» ولد الامام أبي الحسن علي بن أحمد المخي «٤» والامام الحسن بن سليمان الخجندي والقاضي عبد الواحد الباقرحي وغيرهم. وكان ولوعا بالسماع كتوبا، وجعل في آخر عمره أيامه مقصورة وأوقاته موقوفة على نشر العلم وإفادته لطالبيه وإفاضته على الراغبين فيه، فحول العلماء يرجعون إليه ويقرأون عليه، ويفزعون في حلّ المشكلات وشرح المعضلات إليه، وهو مع العلم الغزير والفضل الكثير علم في الدين والصلاح المتين، وإنه في الزهادة والسداد وحسن الاعتقاد أطهر أقرانه ذيلا من العيوب، وأنقاهم جيبا عن اقتراف الذنوب، وكان يذهب مذهب الرأي والعدل، وله شعر حسن، فمن قوله في صباه في مدح رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين يعارض قصيدة كعب بن زهير:

стр. 1960

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول قال: كتبتها من خطه «١» أضاء برق وسجف الليل مسدول ... كما يهّز اليماني وهو مصقول فهاج وجدي بسعدى وهي نائية ... عنّي وقلبي بالأشواق متبول لم يبق لي مذ تولى الظعن باكرة ... صبر ولم يبق لي قلب ومعقول مهما تذكرتها فاض الجمان على ... خدّي حتى نجاد السيف مبلول ما أنس لا أنس إذ تجلو عوارضها ... والجفن بالاثمد الهنديّ مكحول ظمأى الموشح ريان مخلخلها ... عبل مؤزّرها والمتن مجدول كأنما هي إذ ترخي ذوائبها ... بدر عليها رواق الليل مسدول كأنما ثغرها درّ إذا ابتسمت ... وريقها سحرا بالراح معلول يا حبذا زمن فيه نسرّ بها ... والشعب ملتئم والحبل موصول ومنها في مدح النبي ﷺ : هدى إلى دين إبراهيم أمّته ... وكلهم بعقال الشرك معقول «٢» وكلّ أصحابه أهوى وأمنحهم ... ودّي ومبغضهم في الدين مدخول وصاحب المصطفى في الغار يتبعه «٣» ... وهو الذي ماله في الله مبذول وتلوه عمر الفاروق أزهر إن ... رآه إبليس ولّى وهو مخذول وأقتدي بابن عفّان الذي فريت ... أوداجه وهو بالقرآن مشغول وبالوصيّ ابن عم المصطفى فله ... مناقب جمة في شرحها طول وإنّ أقضاهم قد كان أفضلهم ... فانظر فذا عن رسول الله منقول محبتي لهم ديني ومعتقدي ... فإن أزغ عنهم غالتني الغول

стр. 1961

ولهذا الامام أشعار من هذا النمط، ترك الكاغد أبيض خير من تسويده بها. وله تصانيف حسان منها: كتاب المواضع والبلدان. وكتاب في تفسير القرآن. وكتاب اشتقاق الأسماء. ومن شعره الذي أورده لنفسه في «كتاب البلدان» : رأيتك تدّعي علم العروض ... كأنك لست منها في عروض فكم تزري بشعر مستقيم ... صحيح في موازين العروض كأنك لم تحط مذ كنت علما ... بمخبون الضروب ولا العروض [٨٣٣] علي بن محمد أبو الحسن السخاوي: وسخا قرية من قرى مصر، كان مبدأه الاشتغال بالفقه على مذهب مالك بمصر ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وسكن بمسجد بالقرافة يؤمّ فيه مدة طويلة، فلما وصل الشيخ أبو القاسم الشاطبي إلى تلك الديار واشتهر أمره لازمه مدة، وقرأ عليه القرآن بالروايات، وتلقف منه قصيدته المشهورة في القراءات، وكان يعلّم أولاد الأمير ابن موسك، وانتقل معه إلى دمشق، واشتهر بها بعلم القرآن، وعاود قراءة القرآن على تاج الدين أبي اليمن الكندي ولازمه، وقرأ عليه جملة وافرة من سماعاته في الأدب وغيره، وصار له حلقة بالجامع بدمشق، وتردّد إليه الناس للتأدّب، وشرع في التصنيف فله: كتاب الوحيد في شرح القصيد، يريد قصيدة الشاطبي، وبسط القول وطوّل «١» في مجلدتين. كتاب شرح المفصل. كتاب في تفسير القرآن. وكتبت هذه الترجمة في سنة تسع عشرة وستمائة وهو بدمشق كهل يحيا.

стр. 1962

[٨٣٤] علي بن محمد بن علي الفصيحي أبو الحسن من أهل استراباذ، وهي مدينة من طبرستان ورأس قصبتها، قرأ النحو على عبد القاهر الجرجاني، وأخذ عنه أبو نزار النحوي والحيص بيص الشاعر، ومات فيما ذكره السلفي الحافظ يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة، وقدم بغداد واستوطنها إلى حين وفاته، ودرّس النحو بالنظامية بعد الشيخ أبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، ثم اتهم بالتشيع فقيل له في ذلك فقال: لا أجحد، أنا متشيع من الفرق إلى القدم، فأخرج من النظامية ورتّب مكانه الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، فكان المتعلمون يقصدون داره التي انتقل إليها للقراءة عليه، فقال لهم يوما: داري بكرى وخبزي بشرى، وقد جئتم تدحرجون إليّ، اذهبوا إلى من عزلنا به. وسمي بالفصيحي لكثرة دراسته «كتاب الفصيح» لثعلب وصار له به أنس حتى انه دخل يوما على مريض يعوده فقال «شفاه» وسبق على لسانه: «وأرخيت الستر» لاعتياده كثرة إعادته «١» . وقد روى الفصيحي عن أبي الحسن الخطيب الأقطع إنشادا، سمعه منه ابن سلفة الاصفهاني الحافظ ببغداد وقال: جالسته وسألته عن أحرف من العربية، وروى عنه في مشيخة بغداد، وهو الذي عرفنا أن اسم أبيه «٢» محمد وإلا فلا يعرف إلا بعلي بن أبي زيد الفصيحي فقط.

стр. 1963

قرأت في «كتاب سرعة الجواب ومداعبة الأحباب» تصنيف الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل بخطّه، أنشدني الشيخ الامام أبو الحسن علي بن أبي زيد الفصيحي وقد عاتبته على الوحدة فقال: الله أحمد شاكرا ... فبلاؤه حسن جميل أصبحت مستورا معا ... فى بين أنعمه أجول خلوا من الأحزان خ ... فّ الظهر يقنعني القليل حرا فلا منّ لمخ ... لوق عليّ ولا سبيل لم يشقني حرص على ال ... دنيا ولا أمل طويل سيان عندي ذو الغنى ال ... متلاف والرجل البخيل ونفيت باليأس المنى ... عني فطاب «١» لي المقيل والناس كلهم لمن ... خفّت مؤونته خليل ومن كتابه أنشدنا الامام أبو الحسن علي بن أبي زيد في «المذاكرة» وقد رقي إليه كلام قبيح عن بعض أصدقائه، فقال مستشهدا: إني إذا ما الخليل أحدث لي ... صرما وملّ الصفاء أو قطعا لا أحتسي ماءه على رنق ... ولا يراني لبينه جزعا أهجره ثم تنقضي غير ال ... هجران عنا ولم أقل قذعا احذر وصال اللئيم إنّ له ... عضها إذا حبل ودّه انقطعا وقرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب، قال الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد، وقد جرى ذكر الشيخ أبي الحسن بن أبي زيد الاستراباذي المعروف بالفصيحي صاحب عبد القاهر الجرجاني ﵏، قال لي الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي بن الخطيب التبريزي ﵀ إنه حضر معه- أعني الفصيحي-

стр. 1964

حلقة تباع فيها الكتب، فنودي «١» على كتاب فيه شيء من مصنفات أبي طالب المفضل بن سلمة بن عاصم ورّاق الفراء وعليه اسم المفضل منسوبا إلى النحو فقيل النحوي، فأخذه الفصيحي وناولنيه (يقوله أبو زكريا) وقال لي كالمستهزىء النحوي، أي قد نسبته «٢» إلى النحو وهو عنده مقصر أي لا يستحق هذا الوصف قال فقلت: تكون أنت نحويا ولا يكون المفضل منسوبا إلى النحو «٣» ؟ قال الشيخ أبو محمد: لا شبهة في أن الذي حمل الفصيحيّ على الغضّ بهذا القول من المفضل أنه قد وقف على شيء من كلامه في بعض مصنفاته مما يتسمّح به أهل الكوفة مما يراه أهل البصرة خطأ أو كالخطأ، وذاك مما لا يحتمله الفصيحي ولا شيخه عبد القاهر ولا شيخه ابن عبد الوارث أبو الحسين فيغضوا عليه، لأن طريقتهم التي يسلكونها في الصناعة منحرفة عن طريقة المفضل ومن جرى في أسلوبه كلّ الانحراف. قال الشيخ أبو محمد ابن الخشاب: وعلى أنني قرأت بخط المفضّل في كتابه الذي سماه «البارع» في الرد على كتاب العين في اللغة أشياء تدل على قصوره في الصناعة وضعفه «٤» في قياسها، منها أنه ذكر الحروف التي جاءت لمعان بعد أن ذكر أبنية الكلام فقال: والحدّ الثالث من الكلام الأدوات «٥» ، وهي التي يسميها أهل البصرة حروف المعاني، فمنها ما هو على ثلاثة أحرف نحو إنّ وليت وكيف وأين، فعدّ كما ترى كيف وأين في حروف المعاني، وذا سهل عندهم. ثم قال: ومنها ما هو على أربعة أحرف نحو حاشا ولولا، ومنها ما هو على خمسة أحرف نحو ما خلا وما عدا، وجعله الحرفين مع ما واحدا وعدّه لهما فيما بني من أصول الكلم على خمسة أحرف من أفحش الخطأ وأنزله، ولو وفق لذكر «لاكنّ» ومثّل بها فليس في حروف المعاني ما هو على خمسة أحرف سوى لاكنّ. ومرت بي فيما قرأته بخطه أشياء غير هذا تجري في التسمح مجراه. قرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب: كان أبو الحسن علي بن أبي زيد

стр. 1965

الاستراباذي المعروف بالفصيحي ﵀ يقول في الشجة التي تعرف عندهم بالمنقلة، وهي التي تنقل منها العظام، إنها المنقلة بكسر القاف، ويرى كونها على صيغة الفاعل لا المفعول هو الوجه لا يجيز غيره، ويقول الشجاج كلّها إنما جاءت على صيغة الفاعل كالحارصة والدامية والدامعة والدامغة والباضعة والمتلاحمة والموضحة والمفرشة وأشباههن، قال وكذا ينبغي أن تكون المنقلة بكسر القاف، وكأنها عنده رواية عضدها قياس. قال: وكان شيخنا موهوب بن أحمد ﵁ ينكر «١» ذلك عليه ويعده تصحيفا، ويضبط اللفظة بفتح القاف على أنها صيغة مفعول ويكتب فوق القاف ما هذه صورته (فتح) ويقول: أيّ قياس مع الرواية؟ هذا وهي تنقل منها العظام فيتعلق أيضا بالتفسير، ولعمري إن الأشهر فيها الفتح، وهكذا ذكره أبو عبيد وابن السكيت عن الأصمعي قال: ثم المنقلة وهي التي يخرج منها العظام «٢» ؛ وكان شيخنا موهوب ﵀ يرى الكسر في قاف المنقلة تصحيفا محضا لا وجه له، على أن أبا محمد ابن درستويه قد حكى عنه الكسر كما قال الفصيحي. قال: وقرأت بخط العبدري وأخبرني به في كتابه قال: سمعت محمد بن العالي اللغوي يقول: رويت بالوجهين جميعا. وحكى العبدريّ الكسر عن ابن درستويه أيضا، ولست أدري هل تعلق الفصيحي فيما ذهب إليه بقول ابن درستويه أو غيره ممن لعله حكى الكسر أم لا، وهل رغب شيخنا موهوب عن الكسر بعد أن علم أنه قد حكي ولم يعتدّ بمكانة من حكاه أم لا، والأشبه أنه لا يكون بلغه فإنه قلّما كان يدفع قولا لمتقدم ولو ضعف. وأنا أقول إن النزاع في هذه اللفظة وشبهها المرجع فيه إلى محض الرواية عنهم، والمعوّل في ذاك على ما يضبطه الأثبات فيها، وقد قدمت من المشهور فيها الفتح كما قال شيخنا موهوب، ولا حجة له في أنهم فسروها بأنها تخرج منها العظام وتنقل فإنا لو خلّينا وهذا الحجاج ووكلنا في إثبات لغة الفتح إليه لكان للخصم أن يقول إن الشجة وهي الضربة التي أدت إلى نقل العظام فهي المنقلة لأنها حملت على النقل، ولا حجة لشيخنا الفصيحي أيضا مع اشتهار الفتح فيها في حمله
следующие страницы →