قصّرت فيه فلم أقصّر في المعرفة بفضلك وفي حسن النية بيني وبينك، لا مشتّت الهوى، ولا مقسّم الأمل، على تقصير قد احتملته، وتفريط قد اغتفرته، ولعلّ ذلك أن يكون من ديون الإدلال وجرائم الإغفال، ومهما كان من ذلك فلن أجمع بين الإساءة والإنكار، وإن كنت كما تصف من التقصير، وكما تعرف من التفريط، فإني من شاكري أهل هذا الزمان وحسن الحال متوسط المذهب، وأنا أحمد الله على أن كانت مرتبتك من المنعمين فوق مرتبتي في الشاكرين، وقد كانت عليّ بك نعمة أذاقتني طعم العز، وعودتني روح الكفاية، والموت هذا الدهر وجهد ... هذا قردا وخنزيرا ترك فيهما مشابه من الإنسان، ولما مسخ الله زماننا لم يترك فيه مشابه من الزمان.
وقال أبو عثمان: ليس جهد البلاء مدّ الأعناق وانتظار وقع السيف، لأن الوقت قصير، والحين مغمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا، وابن عمّ شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد تحول عدوا، وزوجة مختلعة، وجارية مسبعة، وعبدا يحقرك، وولدا ينتهرك.
وقال الجاحظ: إذا سمعت الرجل يقول ما ترك الأول للآخر شيئا فاعلم أنه ما يريد أن يفلح.
قال أبو حيان في «كتاب التقريظ» ومن خطه نقلت: وحدثنا أبو دلف الكاتب قال: صدّر الجاحظ في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام، ثم إنه استعفى فأعفي، وكان سهل بن هارون يقول: إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل نجم الكتاب.
قال أبو عبد الله المرزباني، حدث إسحاق الموصلي وأبو العيناء قال «١» : كنت عند أحمد بن أبي دواد بعد قتل ابن الزيات، فجيء بالجاحظ مقيدا، وكان من أصحاب ابن الزيات وفي ناحيته، فلما نظر إليه قال: والله ما علمتك إلا متناسيا للنعمة كفورا للصنيعة معددا للمساوي، وما فتّني باستصلاحي لك، ولكنّ الأيام لا تصلح منك إلا لفساد طويتك ورداءة دخلتك وسوء اختيارك وتغالب طبعك، فقال له
стр. 2102
الجاحظ: خفّض عليك- أيدك الله- فو الله لأن يكون لك الأمر عليّ خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن عنك من أن أحسن عنك من أن أحسن فتسيء، وأن تعفو عني في حال قدرتك أجمل من الانتقام مني، فقال له ابن أبي داود: قبحك الله، ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام، وقد جعلت بيانك «١» أمام قلبك ثم اصطنعت «٢» فيه النفاق والكفر، ما تأويل هذه الآية وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
(هود: ١٠٢) قال تلاوتها تأويلها، أعز الله القاضي، فقال: جيئوا بحداد، فقال: أعز الله القاضي ليفكّ عني أو ليزيدني؟ فقال: بل ليفكّ عنك، فجيء بالحداد، فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أمره قليلا، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضرر على ساقي وليس بجذع ولا ساجة، فضحك ابن أبي دواد وأهل المجلس منه. وقال ابن أبي داود لمحمد بن منصور وكان حاضرا: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه، ثم قال: يا غلام صر به إلى الحمام وأمط عنه الأذى، واحمل إليه تخت ثياب وطويلة «٣» وخفا، فلبس ذلك ثم أتاه فتصدر في مجلسه، ثم أقبل عليه وقال: هات الآن حديثك يا أبا عثمان.
ومن شعر الجاحظ في ابن أبي داود:
وعويص من الأمور بهيم ... غامض الشخص مظلم مستور
قد تسنمت ما توعّر منه ... بلسان يزينه التحبير
مثل وشي البرود هلهله النس ... ج وعند الحجاج درّ نثير
حسن الصمت والمقاطع إما ... نصت القوم والحديث يدور
ثم من بعد لحظة تورث اليس ... ر وعرض مهذّب موفور
وكتب الجاحظ إلى أحمد بن أبي دواد:
لا تراني وإن تطاولت عمدا ... بين صفيهم وأنت تسير
стр. 2103
كلهم فاضل عليّ بمال ... ولساني يزينه التحبير
فإذا ضمّنا الحديث وبيت ... وكأني على الجميع أمير
ربّ خصم أرقّ من كل روح ... ولفرط الذكا يكاد يطير
فإذا رام غايتي فهو كاب ... وعلى البعد كوكب مبهور
وحدث أبو العيناء عن إبراهيم بن رباح قال «١» : أتاني جماعة من الشعراء، كلّ واحد منهم يدّعي أنه مدحني بهذه الأبيات وأجزيه عليها:
بدا حين أثرى باخوانه ... ففلّل عنهم شباة العدم
وذكره الدهر صرف الزمان ... فبادر قبل انتقال النّعم
فتى خصّه الله بالمكرمات ... فمازج منه الحيا بالكرم
ولا ينكت الأرض عند السؤال ... ليقطع زواره عن نعم
ويقال إن الجاحظ مدح بهذه الأبيات أحمد بن أبي دواد وإبراهيم بن رباح ومحمد بن الجهم. وحدث إبراهيم بن رباح قال: مدحني حمدان بن أبان اللاحقي، وذكر مثل ما مضى، وقال في آخره: فقال إن مادحك أعزك الله يجد مقالا، والجاحظ يملأ عينيه مني ولا يستحي «٢» .
قال وحدث يموت بن المزرع قال: هجا خالي أبو عثمان الجاحظ الجماز بأبيات منها:
نسب الجماز مقصو ... ر إليه منتهاه
تنتهي الأحساب بالنا ... س ولا تعدو قفاه
стр. 2104
فكتب إليه الجماز:
يا فتى نفسه إلى ال ... كفر بالله تائقه
لك في الفضل والتزه ... د والنسك سابقه
ومن هجاء الجماز للجاحظ قوله:
قال عمرو مفاخرا ... نحن قوم من العرب
قلت في طاعة لرب ... ك أبليت ذا النسب
وحدث أبو العيناء محمد بن القاسم قال: كان لي صديق فجاءني يوما فقال لي: أريد الخروج إلى فلان العامل وأحببت أن يكون معي إليه وسيلة، وقد سألت من صديقه فقيل لي أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، وأحبّ أن تأخذ لي كتابه إليه بالعناية، قال: فصرت إلى الجاحظ فقلت له: جئتك مسلما وقاضيا للحقّ، ولي حاجة لبعض أصدقائي، وهي كذا وكذا، قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرّف أخبارنا، إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب، فلما كان من غد وجّه إليّ بالكتاب فقلت لابني: وجّه هذا الكتاب إلى فلان ففيه حاجته، فقال لي: إن أبا عثمان بعيد الغور فينبغي أن نفضه وننظر ما فيه، ففعل فإذا في الكتاب: «هذا الكتاب مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذممك» فلما قرأت الكتاب مضيت إلى الجاحظ من فوري، فقال: يا أبا عبد الله، قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب، فقلت: أو ليس موضع نكرة؟
فقال: لا، هذه علامة بيني وبين الرجل في من أعتني به، فقلت: لا إله إلا الله، ما رأيت أحدا [أعرف] بطبعك ولا [بما] جبلت عليه من هذا الرجل، علمت أنه لما قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف في عشرة آلاف قحبة، وأم من يسأله حاجة، فقلت له: ما هذا تشتم صديقنا؟! فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ وحدّث الفتح بن خاقان وحدث الفتح المتوكل، فذلك كان سبب اتصالي به وإحضاري إلى مجلسه.
وحدث عبد الرحمن بن محمد الكاتب قال: كان الجاحظ يتقلّد خلافة إبراهيم بن العباس الصولي على ديوان الرسائل، فلما جاء إلى الديوان جاءه أبو
стр. 2105
العيناء، فلما أراد الانصراف تقدم الجاحظ إلى حاجبه إذا وصل إلى الدهليز أن لا يدعه يخرج ولا يمكنه من الرجوع إليه، فخرج أبو العيناء ففعل به ذلك، فنادى بأعلى صوته يا أبا عثمان قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك.
ومن كلام الجاحظ: احذر من تأمن فإنك حذر ممن تخاف.
وقال: أجمع الناس على أربع: أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخف روحا من أحول، ولا أقود من أحدب.
قال المرزباني: وروى أصحابنا أن الجاحظ صار إلى منزل بعض إخوانه فاستأذن عليه، فخرج إليه غلام عجمي فقال: من أنت؟ قال الجاحظ: فدخل الغلام إلى صاحب الدار فقال: الجاحد على الباب، وسمعها الجاحظ، فقال صاحب الدار للغلام اخرج فانظر من الرجل، فخرج يستخبر عن اسمه فقال: أنا الحدقي، فدخل الغلام فقال: الحلقي، وسمعها الجاحظ فصاح به في الباب: «ردّنا إلى الأول» ، يريد أن قوله الجاحد مكان الجاحظ أسهل عليه من الحلقي مكان الحدقي، فعرفه الرجل فأوصله واعتذر إليه.
وقال الجاحظ: أربعة أشياء ممسوخة: أكل الأرز البارد، والنيك في الماء، والقبل على النقاب، والغناء من وراء ستارة.
وحدث قال الجاحظ مرة بحضرة السدري: إذا كانت المرأة عاقلة ظريفة كاملة كانت قحبة، فقال له السدري: وكيف؟ قال: لأنها تأخذ الدراهم، وتمتع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى شاءت، فقال له السدري: فكيف عقل العجوز حفظها الله؟ قال: هي أحمق الناس وأقلّهم عقلا.
وحدث المبرد قال، قال الجاحظ: أتيت أبا الربيع الغنوي أنا ورجل من بني هاشم فاستأذنّا عليه فخرج إلينا وقال: خرج إليكم رجل كريم والله، فقلت له: من خير الخلق يا أبا الربيع؟ فقال: الناس والله، قلت: ومن خير الناس؟ قال: العرب والله، قلت: فمن خير العرب؟ قال: مضر والله، قلت: فمن خير مضر؟ قال:
قيس والله، قلت: ومن خير قيس؟ قال: أعصر والله، قلت: فمن خير أعصر؟
قال: غنّي والله. قلت: فمن خير غني؟ قال: أنا والله. قلت: فأنت خير
стр. 2106
الخلق. قال: أي والله، قلت: أيسرك أن لو تزوجت بنت يزيد بن المهلب؟
قال: لا والله لا أدنس كرمي بلؤمها، قلت: على أنّ لك الجنة، ففكر ساعة ثم قال: على أن لا تلد مني، وأنشد:
تأبى لأعصر أعراق مهذّبة ... من أن تناسب قوما غير أكفاء
فإن يكن ذاك حتما لا مردّ له ... فاذكر حذيف فإني غير أبّاء
حذيفة بن بدر، وإنما ذكره من بين الأشراف لأنه أقربهم إليه نسبا، لأن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان وحذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان.
قال المرزباني: وحدث أبو الحسن الأنصاري، حدثني الجاحظ قال: كان رجل من أهل السواد يتشيع، وكان ظريفا، فقال ابن عم له: بلغني أنك تبغض عليّا ﵇، وو الله لئن فعلت لتردنّ عليه الحوض يوم القيامة ولا يسقيك، قال:
والحوض في يده يوم القيامة؟ قال: نعم، قال: وما لهذا الرجل الفاضل يقتل الناس في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعطش؟! فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟
قال: والله لا تركت النادرة ولو قتلتني في الدنيا وأدخلتني النار في الآخرة.
وقال الجاحظ: ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان، عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلّم العامة بكلام الخاصة ولا الخاصة بكلام العامة.
وحدث المبرد قال: سمعت الجاحظ يقول: كلّ عشق يسمّى حبا، وليس كلّ حبّ يسمى عشقا، لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة، كما أن السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والجبن اسم لما فضل عن شدة الاحتراس، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وحدث ميمون بن هارون الكاتب عن الجاحظ قال: ذمّ رجل النبيذ فقال: من مثالبه أنّ صاحبه يتكرهه قبل شربه، ويكلح وجهه عند شمه، ويستنقص الساقي من قدره، ويعتبر عليه مكياله، ويمزجه بالماء الذي هو ضده ليخرجه عن معناه وحدّه، ثم
стр. 2107
يكرعه على المبادرة ويعبه ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ليقلّ مكثه في فيه ويسرع على اللهوات اجتيازه، ثم لا يستوفي كليته، ويرى أن يجعل عاقبة الشراب فضلة في قدحه، ويشاحّ الساقي في المناظرة على ما بقي منه عند رده، ليصرف عن نفسه عادية شربه ويذهب بساعته ويمنع من تهوعه كما يفعل بطبخ الغاريقون عند شربه وحبّ الاسطيخمول.
وكان الجاحظ يقول: إن تهيأ لك في الشاعر أن تبره وترضيه وإلا فاقتله.
وقال أبو العيناء أنشدني الجاحظ لنفسه:
يطيب العيش أن تلقى حليما ... غذاه العلم والرأي المصيب
ليكشف عنك حيلة كلّ ريب ... وفضل العلم يعرفه الأريب
سقام الحرص ليس له شفاء ... وداء البخل ليس له طبيب
وأنشد المبرد للجاحظ:
إن حال لون الرأس عن لونه ... ففي خضاب الرأس مستمتع
هب من له شيب له حيلة ... فما الذي يحتاله الأصلع
وحدث أبو العيناء قال، قال الجاحظ: كان الأصمعي منانيا، فقال له العباس ابن رستم: لا والله ولكن نذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده، وهي مخصوفة بحديد، ويقول: نعم قناع القدريّ، فعلمت أنه يعنيك فقمت.
وحدث يحيى بن علي بن المنجم قال «١» ، قلت للجاحظ: مثلك في علمك ومقدارك في الأدب يقول في «كتاب البيان والتبيين» ويكره للجارية أن تشبه بالرجال في فصاحتها، ألا ترى إلى قول مالك بن أسماء الفزاري «٢» :
وحديث ألذّه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
فتراه من لحن الاعراب، وإنما وصفها بالظّرف والفطنة، وإنما تلحن أي تورّي
стр. 2108
في لفظها عن أشياء وتتنكب ما قصدت له، فقال: فطنت لذلك، قلت: فغيّره، قال فكيف لي بما سارت به الركبان؟! فهو في كتابه على خطأه.
قال أبو محلم: أراد الفزاري بقوله هذا إن خير الحديث ما أومأت إليّ به وورّت عن الإفصاح به لئلا يعلمه غيرنا، ومثله قول الكلابي «١» :
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... ووحيت وحيا ليس بالمرتاب
ومنه قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
(محمد: ٣٠) أي فيما يتواحونه بينهم من النفاق والطعن.
قال المؤلف «٢» : وقد انتصر أبو حيان لهذا القول الذي اعترف الجاحظ بخطأه فيه فقال: وعندي أن المسألة محتملة للكلام، لأن مقابل المنطق الصائب المنطق الملحون، واللحن من الغواني والفتيات غير منكر ولا مكروه، بل يستحبّ ذلك لأنه بالتأنيث أشبه، وللشهوة أدعى، ومع الغزل أجرى، والإعراب جدّ وليس الجدّ من التغزل والتعشّق والتشاجي في شيء. وعلى مذهب علي بن يحيى أن المنطق الصائب هو الكلام الصريح، وأن اللحن هو التعريض وانها تعرف هذا وهذا، فهب أنّ هذا المعنى مقبول لم ينبغي أن يكون المعنى الآخر لهوجا ومردودا؟ وقد يجوز أن يكون مراد الشاعر ذاك لأنّ الشاعر يشعر بهذا كما يشعر بهذا.
قال أبو العيناء: أنشدني الجاحظ لنفسه في ابراهيم بن رباح:
وعهدي به والله يصلح أمره ... رحيب مجال الرأي منبلج الصدر
فلا جعل الله الولاية سبّة ... عليه فإني بالولاية ذو خبر
فقد جهدوه بالسؤال وقد أبى ... به المجد إلا أن يلجّ ويستشري
قال أبو علي التنوخي، حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأخباري، قال حدثني أبو الفرج الأصبهاني، قال أخبرني الحسن بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني عبد الله بن جعفر الوكيل، قال: كنت يوما عند إبراهيم بن المدبر فرأيت بين يديه رقعة
стр. 2109
يردّد النظر إليها، فقلت له: ما شأن هذه الرقعة؟ كأنه استعجم عليك شيء منه، فقال: هذه رقعة أبي عثمان الجاحظ، وكلامه يعجبني، وأنا أردده على نفسي لشدة إعجابي، فقلت: هل يجوز أن أقرأها؟ قال: نعم، وألقاها إليّ فإذا فيها: ما ضاء لي نهار ولا دجا ليل مذ فارقتك إلا وجدت الشوق إليك قد حزّ في كبدي، والأسف عليك قد أسقط في يدي، والنزاع نحوك قد خان جلدي، فأنا بين حشا خفاق، ودمع مهراق، ونفس قد ذبلت بما تجاهد، وجوانح قد أبليت بما تكابد، وذكرت وأنا على فراش الارتماض، ممنوع من لذة الاغماض قول بشار «١» :
إذا هتف القمريّ نازعني الهوى ... بشوق فلم أملك دموعي من الوجد
أبى الله إلا أن يفرق بيننا ... وكنا كماء المزن شيب مع الشهد
لقد كان ما بيني زمانا وبينها ... كما كان بين المسك والعنبر الورد
فانتظم وصف ما كنّا نتعاشر عليه، ونجري في مودتنا إليه في شعره هذا.
وذكرت أيضا ما رماني به الدهر من فرقة أعزائي من إخواني الذين أنت أعزهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي وخلصاني الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرعنيه من مرارة نأيهم وبعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتا تقصر عن صفة وجدي وكنه ما يتضمنه قلبي، وهي:
بخدّيّ من قطر الدموع ندوب ... وبالقلب مني مذ نأيت وجيب
ولي نفس حتى الدجى يصدع الحشا ... ورجع حنين للفؤاد مذيب
ولي شاهد من ضرّ نفسي وسقمه ... يخبّر عنّي إنني لكئيب
كأني لم أفجع بفرقة صاحب ... ولا غاب عن عيني سواك حبيب
فقلت لابن المدبر: هذه رقعة عاشق لا رقعة خادم، ورقعة غائب لا رقعة حاضر، فضحك وقال: نحن ننبسط مع أبي عثمان إلى ما هو أرق من هذا وألطف، فأما الغيبة فإننا نجتمع في كل ثلاثة أيام، وتأخر ذلك لشغل عرض لي فخاطبني
стр. 2110
مخاطبة الغائب، وأقام انقطاع العادة مقام الغيبة.
قال الجاحظ: كان يأتيني رجل فصيح من العجم، قال فقلت له: هذه الفصاحة وهذا البيان، لو ادعيت في قبيلة من العرب لكنت لا تنازع فيها، قال:
فأجابني إلى ذلك، فجعلت أحفّظه نسبا حتى حفظه وهذّه هذا، فقلت له: الآن لا تته علينا، فقال: سبحان الله إن فعلت ذلك فأنا إذا دعيّ.
ومن كلام الجاحظ يصف البلاغة: ومتى شاكل أبقاك الله اللفظ معناه، وكان لذلك الحال وفقا، ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف، كان قمنا بحسن الموقع، وحقيقا بانتفاع المستمع، وجديرا أن يمنع جانبه من تأول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور به مأهولة، ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبّب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت له الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخفّ على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريّض. ومن أعاره من معرفته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا، حبب إليه المعاني، وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كدّ التكلف، وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهم.
وقرأت بخط أبي حيان التوحيدي من كتابه الذي ألفه في «تقريظ الجاحظ» :
وحدثنا أبو سعيد السيرافي، وهمّك من رجل، وناهيك من عالم، وشرعك من صدوق قال: حدثنا جماعة من الصابئين الكتّاب أن ثابت بن قرة قال: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس فإنه:
عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم
فقيل له: احص لنا هؤلاء الثلاثة، قال: أولهم عمر بن الخطاب في سياسته ويقظته، وحذره وتحفظه، ودينه وتقيته، وجزالته وبذالته، وصرامته وشهامته، وقيامته في صغير أمره وكبيره بنفسه، مع قريحة صافية، وعقل وافر، ولسان عضب، وقلب شديد، وطوية مأمونة، وعزيمة مأمومة، وصدر منشرح، وبال منفسح، وبديهة
стр. 2111
نضوح، وروية لقوح، وسر طاهر، وتوفيق حاضر، ورأي مصيب، وأمر عجيب، وشأن غريب- دعم الدين وشيد بنيانه، وأحكم أساسه ورفع أركانه، وأوضح حجته وأنار برهانه، ملك في زي مسكين، ما جنح في أمر إلى ونا، ولا غضّ طرفه على خنا، ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة، جرح وأسا، ولان وقسا، ومنع وأعطى، واستخذى وسطا، كل ذلك في الله ولله، لقد كان من نوادر الرجال، قال:
والثاني الحسن بن أبي الحسن البصري، فلقد كان من دراري النجوم علما وتقوى، وزهدا وورعا، وعفة ورقة، وتألها وتنزها، وفقها ومعرفة، وفصاحة ونصاحة، مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلتبس بالعقول، وما أعرف له ثانيا، لا قريبا ولا مدانيا، كان منظره وفق مخبره، وعلانيته في وزن سريرته، عاش سبعين سنة لم يقرف بمقالة شنعاء، ولم يزنّ بريبة ولا فحشاء، سليم الدين، نقيّ الأديم، محروس الحريم، يجمع مجلسه ضروب الناس وأصناف اللباس، لما يوسعهم من بيانه، ويفيض عليهم بافتنانه، هذا يأخذ عنه الحديث، وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع الحلال والحرام، وهذا يتبع في كلامه العربية، وهذا يجرّد له المقالة، وهذا يحكي الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء، وهذا يسمع الموعظة، وهو في جميع هذا كالبحر العجّاج تدفقا، وكالسراج الوهّاج تألقا، ولا تنس مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل، واللفظ الجزل، والصدر الرحب والوجه الصلب واللسان العضب، كالحجاج وفلان وفلان، مع شارة الدين، وبهجة العلم، ورحمة التقى، لا تثنيه لائمة في الله، ولا تذهله لائحة عن الله، يجلس تحت كرسيه قتادة صاحب التفسير، وعمرو وواصل صاحبا الكلام، وابن أبي إسحاق صاحب النحو، وفرقد السبخي صاحب الدقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم، فمن ذا مثله؟ ومن يجري مجراه؟ والثالث أبو عثمان الجاحظ خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين، ومدره المتقدمين والمتأخرين، إن تكلّم حكى سحبان في البلاغة، وإن ناظر ضارع النظّام في الجدال، وإن جدّ خرج في مسك عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزبّد، حبيب القلوب، ومراح الأرواح، وشيخ الأدب، ولسان العرب، كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه آنفا، ولا تعرّض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء، الخلفاء تعرفه، والأمراء تصفه وتنادمه، والعلماء
стр. 2112
تأخذ عنه، والخاصة تسلّم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم، طال عمره وفشت حكمته، وظهرت خلته، ووطىء الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب. هذا قول ثابت، وهو قول صابىء لا يرى للاسلام حرمة، ولا للمسلمين حقا، ولا يوجب لأحد منهم ذماما، قد انتقد هذا الانتقاد، ونظر هذا النظر، وحكم هذا الحكم، وأبصر الحقّ بعين لا غشاوة عليها من الحول، ونفس لا لطخ بها من التقليد، وعقل ما تخبّل بالعصبية. ولسنا نجهل مع ذلك فضل غير هؤلاء من السلف الطاهر والخلف الصالح، ولكنا عجبنا فضل عجب من رجل ليس منّا ولا من أهل ملتنا ولغتنا، ولعله ما خبر عمر بن الخطاب كلّ الخبرة، ولا استوعب كلّ ما للحسن من المنقبة، ولا وقف على جميع ما لأبي عثمان من البيان والحكمة، يقول هذا القول، ويتعجّب هذا العجب، ويحسد أمتنا بهم هذا الحسد، ويختم كلامه بأبي عثمان ويصفه بما يأبى الطاعن عليه أن يكون له شيء منه، ويغضب إذا ادعي ذلك له [وإنه] لموفر عليه، هل هذا إلا الجهل الذي يرحم المبتلى به.
قال أبو حيان: وحدثنا ابن مقسم [قيل لأبي هفان] وقد طال ذكر الجاحظ له:
لم لا تهجو الجاحظ، وقد ندّد بك، وأخذ بمخنّقك فقال: أمثلي يخدع عن عقله، والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طنّ منها بيت في ألف سنة.
قال أبو حيان: سمعت أبا معمر الكاتب في ديوان بادوريا قال: كتب الفتح بن خاقان إلى الجاحظ كتابا يقول في فصل منه: إن أمير المؤمنين يجد بك ويهشّ عند ذكرك، ولولا عظمتك في نفسه لعلمك ومعرفتك لحال بينك وبين بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول به ومتوّفر عليه، وقد كان ألقى إليّ من هذا عنوانه فزدتك في نفسه زيادة كفّ بها عن تجشيمك، فاعرف لي هذه الحال، واعتقد هذه المنة [واعكف] على «كتاب الردّ على النصارى» وافرغ منه وعجّل به إليّ، وكن ممن حدا به على نفسه لتنال مشاهرتك. وقد استطلقته لما مضى، واستسلفت
стр. 2113
لك لسنة كاملة مستقبلة، وهذا مما لم تحتكم به نفسك. وقد قرأت رسالتك في بصيرة غنام ولولا أني أزيد في مخيلتك لعرّفتك ما يعتريني عند قراءتها، والسلام.
قال الجاحظ «١» : قلت للحزامي: قد رضيت بقول الناس فيك انك بخيل؟ قال:
لا أعدمني الله هذا الاسم، [قلت: وكيف؟] قال: لأنه لا يقال فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فإذا سلم المال فادعني بأيّ اسم شئت؛ قلت: ولا يقال سخيّ إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد، وجمع ذاك الاسم المال والذم، قال: بينهما فرق، قلت: هاته، قال: في قولهم بخيل تثبيت لاقامة المال في ملكه، واسم البخيل اسم فيه حزم وذم، واسم السخاء فيه تضييع وحمد، والمال نافع مكرم لأهله معزّ، والحمد ريح وسخرية، واستماعه ضعف وفسولة، وما أقل والله غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري جسده وشمت عدوه.
قال أبو حيان «٢» : ومن عجيب الحديث في كتبه ما حدثنا به علي بن عيسى النحوي الشيخ الصالح قال: سمعت ابن الاخشاد شيخنا أبا بكر يقول: ذكر أبو عثمان في أول «كتاب الحيوان» أسماء كتبه ليكون ذلك كالفهرست، ومرّ بي في جملتها «الفرق بين النبي والمتنبىء» و «كتاب دلائل النبوة» وقد ذكرهما هكذا على التفرقة وأعاد ذكر الفرق في الجزء الرابع لشيء دعاه إليه، فأحببت أن أرى الكتابين، ولم أقدر إلا على واحد منهما، وهو «كتاب دلائل النبوة» وربما لقب بالفرق خطأ، فهمّني ذلك وساءني في سوء ظفري به، فلما شخصت من مصر ودخلت مكة حرسها الله تعالى حاجّا أقمت مناديا بعرفات ينادي، والناس حضور من الآفاق على اختلاف بلدانهم وتنازح أوطانهم وتباين قبائلهم وأجناسهم من المشرق إلى المغرب ومن مهبّ الشمال إلى مهب الجنوب وهو المنظر الذي لا يشابهه منظر: «رحم الله من دلّنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبىء لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان» . قال فطاف المنادي في ترابيع عرفات وعاد بالخيبة وقال: عجب «٣» الناس مني ولم يعرفوا هذا الكتاب ولا اعترفوا به؛ قال ابن اخشاد: وإنما أردت بهذا أن أبلغ نفسي عذرها.
стр. 2114
قال المؤلف: وحسبك بها فضيلة لأبي عثمان أن يكون مثل ابن الاخشاد، وهو هو في معرفة علوم الحكمة، وهو رأس عظيم من رؤوس المعتزلة، يستهام بكتب الجاحظ حتى ينادي عليها بعرفات والبيت الحرام، وهذا الكتاب موجود في أيدي الناس اليوم، لا تكاد تخلو خزانة منه، ولقد رأيت أنا منه نحو مائة نسخة أو أكثر.
ومن كتاب هلال: قال أبو الفضل ابن العميد: ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس: أما الفقه فعلى أبي حنيفة لأنه دوّن وخلّد ما جعل من يتكلم فيه بعده مشيرا إليه ومخبرا عنه، وأما الكلام فعلى أبي الهذيل، وأما البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة فعلى أبي عثمان الجاحظ.
وحدث أبو القاسم السيرافي قال: حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي الفضل فقصّر رجل بالجاحظ وأزرى عليه، وحلم الأستاذ عنه، فلما خرج قلت له: سكتّ أيها الأستاذ عن هذا الجاهل في قوله، مع عادتك بالردّ على أمثاله فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له النظر في كتبه صار إنسانا، يا أبا القاسم كتب الجاحظ تعلّم العقل أولا والأدب ثانيا.
وحكى أبو علي القالي «١» عن أبي معاذ عبدان الخوئي «٢» المتطبب قال: دخلنا يوما بسرّ من رأى على عمرو بن بحر الجاحظ نعوده وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ولعاب سائل؟! ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان أحدهما لو غرز بالمسالّ ما أحس، والشق الآخر يمرّ به الذباب فيغوّث، وأكثر ما أشكوه الثمانون «٣» .
حدث أبو عبد الله الحميدي في «الجذوة» «٤» ، قرأت على الأمين بن أبي علي عن القاضي أبي القاسم البصري عن أبيه قال، حدثنا محمد بن عمر بن شجاع المتكلم، حدثنا أبو محمد الحسن بن عمرو النجيرمي قال: كنت بالأندلس، فقيل لي إن هاهنا تلميذا لأبي عثمان الجاحظ يعرف بسلّام بن زيد ويكنى أبا خلف، فأتيته
стр. 2115
فرأيت شيخا هما، فسألته عن سبب اجتماعه مع أبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس فقال: كان طالب العلم بالمشرق يشرف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان، فوقع إلينا «كتاب التربيع والتدوير» له فأشاروا إليه، ثم أردفه عندنا «كتاب البيان والتبيين» له فبلغ الرجل الصّكاك «١» بهذين الكتابين، قال: فخرجت لا أعرّج على شيء حتى قصدت بغداد، فسألت عنه فقيل هو بسرّ من رأى، فأصعدت إليها، فقيل لي قد انحدر إلى البصرة، فانحدرت إليها وسألت عن منزله فأرشدت، ودخلت إليه فإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيا ليس فيهم ذو لحية غيره، فدهشت فقلت: أيكم أبو عثمان؟ فرفع يده وحرّكها في وجهي وقال: من أين؟ قلت: من الأندلس، فقال:
طينة حمقاء، فما الاسم؟ قلت: سلام، قال: اسم كلب القراد، ابن من؟ قلت:
ابن زيد «٢» ، قال: بحقّ ما صرت، أبو من؟ قلت: أبو خلف، قال: كنية قرد زبيدة، ما جئت تطلب؟ قلت: العلم، قال: ارجع بوقت فانك لا تفلح، قلت له:
ما أنصفتني، فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البلدية، وبعد الشقة، وغرة الحداثة، ودهشة الداخل، قال: فترى حولي عشرين صبيا ليس فيهم ذو لحية غيري ما كان يجب أن تعرفني بها؟ قال: فأقمت عليه عشرين سنة.
وهذا فهرست كتب الجاحظ: كتاب الحيوان وهو سبعة أجزاء، وأضاف إليه كتابا آخر سماه كتاب النساء وهو الفرق فيما بين الذكر والأنثى، وكتابا آخر سماه كتاب البغل «٣» ، قال ابن النديم: ورأيت أنا هذين الكتابين بخط زكرياء بن يحيى، ويكنى أبا يحيى، وراق الجاحظ، وقد أضيف إليه كتاب سموه كتاب الابل ليس من كلام الجاحظ ولا يقاربه.
وكتاب الحيوان ألفه باسم محمد بن عبد الملك الزيات، قال ميمون بن هارون: قلت للجاحظ: ألك بالبصرة ضيعة؟ فتبسم وقال: إنما أنا وجارية، وجارية تخدمها، وخادم وحمار، أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك فأعطاني
стр. 2116
خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب البيان والتبيين إلى ابن أبي دواد فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع والنخل إلى إبراهيم بن العباس الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار، فانصرفت إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد.
وكتاب البيان والتبيين نسختان أولة وثانية، والثانية أصحّ وأجود. كتاب النبي والمتنبىء. كتاب المعرفة. كتاب جوابات كتاب المعرفة. كتاب مسائل كتاب المعرفة «١» . كتاب الردّ على أصحاب الإلهام. كتاب نظم القرآن ثلاث نسخ. كتاب مسائل القرآن. كتاب فضيلة المعتزلة. كتاب الرد على المشبهة. كتاب الإمامة على مذهب الشيعة. كتاب حكاية قول أصناف الزيدية. كتاب العثمانية «٢» . كتاب الأخبار وكيف تصح. كتاب الردّ على النصارى. كتاب عصام المريد. كتاب الرد على العثمانية. كتاب إمامة معاوية. كتاب إمامة بني العباس. كتاب الفتيان. كتاب القواد «٣» . كتاب اللصوص. كتاب ذكر ما بين الزيدية والرافضة. كتاب صياغة الكلام. كتاب المخاطبات في التوحيد. كتاب تصويب عليّ في تحكيم الحكمين.
كتاب وجوب الإمامة. كتاب الأصنام. كتاب الوكلاء والموكلين. كتاب الشارب والمشروب «٤» . كتاب افتخار الشتاء والصيف. كتاب المعلمين «٥» . كتاب الجواري. كتاب نوادر الحسن. كتاب البخلاء «٦» . كتاب الفخر ما بين عبد شمس ومخزوم. كتاب العرجان والبرصان «٧» . كتاب فخر القحطانية والعدنانية. كتاب
стр. 2117
التربيع والتدوير «١» . كتاب الطفيليين. كتاب أخلاق الملوك «٢» . كتاب الفتيا «٣» .
كتاب مناقب جند الخلافة وفضائل الأتراك «٤» . كتاب الحاسد والمحسود «٥» . كتاب الردّ على اليهود. كتاب الصرحاء والهجناء. كتاب السودان والبيضان «٦» . كتاب المعاد والمعاش «٧» . كتاب النساء. كتاب التسوية بين العرب والعجم. كتاب السلطان وأخلاق أهله. كتاب الوعيد. كتاب البلدان «٨» . كتاب الأخبار. كتاب الدلالة على أن الامامة فرض. كتاب الاستطاعة وخلق الأفعال. كتاب المقينين والغناء والصنعة. كتاب الهدايا (منحول) . كتاب الاخوان. كتاب الردّ على من ألحد في كتاب الله . كتاب آي القرآن. كتاب الناشىء والمتلاشي. كتاب حانوت عطار. كتاب التمثيل. كتاب فضل العلم. كتاب المزاح والجد «٩» . كتاب جمهرة الملوك. كتاب الصوالجة. كتاب ذمّ الزنا. كتاب التفكر والاعتبار «١٠» . كتاب الحجر والنبوة. كتاب آل «١١» إبراهيم بن المدبر في المكاتبة. كتاب إحالة القدرة على الظلم. كتاب أمهات الأولاد. كتاب الاعتزال وفضله عن الفضيلة. كتاب الأخطار والمراتب والصناعات. كتاب أحدوثة العالم. كتاب الردّ على من زعم أن الانسان جزء لا يتجزأ. كتاب أبي النجم وجوابه. كتاب التفاح «١٢» . كتاب الأنس والسلوة.
كتاب الكبر المستحسن والمستقبح. كتاب نقض الطب. كتاب الحزم والعزم. كتاب عناصر الآداب. كتاب تحصين الأموال. كتاب الأمثال. كتاب فضل الفرس. كتاب
стр. 2118
على «١» الهملاج. كتاب الرسالة إلى أبي الفرج ابن نجاح في امتحان عقول الأولياء.
كتاب رسالة أبي النجم في الخراج. كتاب رسالته في القلم. كتاب رسالته في فضل اتخاذ الكتب. كتاب رسالته في كتمان السر. كتاب رسالته في مدح النبيذ. كتاب رسالته في ذم النبيذ «٢» . كتاب رسالته في العفو والصفح. كتاب رسالته في إثم السكر. كتاب رسالته في الآمل والمأمول «٣» . كتاب رسالته في الحلية. كتاب رسالته في ذم الكتّاب «٤» . كتاب رسالته في مدح الكتّاب. كتاب رسالته في مدح الوراق.
كتاب رسالته في ذم الوراق. كتاب رسالته في من يسمّى من الشعراء عمرا. كتاب رسالته اليتيمة. كتاب رسالته في فرط جهل يعقوب بن إسحاق الكندي. كتاب رسالته في الكرم إلى أبي الفرج ابن نجاح. كتاب رسالته في موت أبي حرب الصفار البصري. كتاب رسالته في الميراث. كتاب في الأسد والذئب. كتاب رسالته في كتاب الكيمياء. كتاب الاستبداد والمشاورة في الحرب. كتاب رسالته في القضاة والولاة. كتاب الملوك والأمم السالفة والباقية. كتاب رسالته في الرد على القولية.
كتاب العالم والجاهل. كتاب النرد والشطرنج. كتاب غش الصناعات. كتاب خصومة الحول والعور. كتاب ذوي العاهات. كتاب المغنين. كتاب أخلاق الشطار.
وحدث يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: يحبّ للرجل أن يكون سخيا لا يبلغ التبذير، شجاعا لا يبلغ الهوج، محترسا لا يبلغ الجبن، ماضيا لا يبلغ القحة، قوالا لا يبلغ الهذر، صموتا لا يبلغ العيّ، حليما لا يبلغ الذل، منتصرا لا يبلغ الظلم، وقورا لا يبلغ البلادة، ناقدا لا يبلغ الطيش، ثم وجدنا رسول الله ﷺ قد جمع ذلك في كلمة واحدة وهي قوله: خير الأمور أوساطها، فعلمنا أنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم وعلم فصل الخطاب.
стр. 2119
وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشىء مشغول، وعقل المتصفح فارغ.
وقال المرزباني باسناده عن المبرد، سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان، من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.
وقال الجاحظ في أبي الفرج نجاح بن سلمة يسأله إطلاق رزقه من قصيدة:
أقام بدار الخفض راض بخفضه ... وذو الحزم يسري حين لا أحد يسري
يظنّ الرضى شيئا يسيرا مهوّنا ... ودون الرضى كأس أمرّ من الصبر
سواء على الأيام صاحب حنكة ... وآخر كاب لا يريش ولا يبري
خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطي الدنية بالقسر
فلما رأيت المرء يبذل بشره ... ويجعل حسن البشر واقية الوفر
ربعت على ظلعي وراجعت منزلي ... فصرت حليفا للدراسة والفكر
وشاورت إخواني فقال حليمهم ... عليك الفتى المريّ ذا الخلق الغمر
أعيذك بالرحمان من قول شامت ... «أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو»
ولو كان فيه راغبا لرأيته ... كما كان دهرا في الرخاء وفي اليسر
أخاف عليك العين من كلّ حاسد ... وذو الودّ منخوب الفؤاد من الذعر
فإن ترع ودّي بالقبول فأهله ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
وحدث يموت بن المزرع قال: وجه المتوكل في السنة التي قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة، فقال لمن أراد حمله: وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل حائل؟! وحدث المبرد قال:
دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حزّ بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأشد من ذلك ست وتسعون سنة أنا فيها، ثم أنشدنا:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
стр. 2120
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
وقال لمتطبب يشكو إليه علته: اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت باردا أخذ برجلي، وإن أكلت حارّا أخذ برأسي.
وحدث أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي عن أبيه قال، قال لي المعتز بالله: يا ابن يزيد ورد الخبر بموت الجاحظ، فقلت لأمير المؤمنين طول البقاء ودوام النعماء، قال وذلك في سنة خمس وخمسين ومائتين.
وفيه يقول أبو شراعة القيسي:
في العلم للعلماء إن ... يتفهموه مواعظ
وإذا نسيت وقد جمع ... ت علا عليك الحافظ
ولقد رأيت الظّرف ده ... را ما حواه اللافظ
حتى أقام طريقه ... عمرو بن بحر الجاحظ
ثم انقضى أمد به ... وهو الرئيس الفائظ
[٨٧٣] عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر: ويقال أبو الحسن، وأبو بشر أشهر، مولى بني الحارث بن كعب ثم مولى آل الربيع بن زياد الحارثي. وسيبويه لقب ومعناه رائحة التفاح، يقال كانت أمه ترقّصه بذلك في صغره، ورأيت ابن خالويه قد اشتق له غير ذلك فقال: كان سيبويه لا يزال من يلقاه يشمّ منه رائحة الطيب فسمي سيبويه، ومعنى سي ثلاثون وبوي الرائحة، فكأنه رأى ثلاثين رائحة طيب، ولم أر أحدا قال ذلك غير
стр. 2121
ابن خالويه. وأصله من البيضاء من أرض فارس ومنشأه البصرة. مات فيما ذكره ابن قانع بالبصرة سنة احدى وستين ومائة «١» وقال المرزباني: مات بشيراز سنة ثمانين ومائة، وذكر الخطيب أن عمره كان اثنتين وثلاثين سنة، ويقال إنه نيف على الأربعين سنة، وهو الصحيح، لأنه قد روى عن عيسى بن عمر، وعيسى بن عمر مات سنة تسع وأربعين ومائة، فمن وفاة عيسى إلى وفاة سيبويه إحدى وثلاثون سنة، وما يكون قد أخذ عنه إلا وهو يعقل، ولا يعقل حتى يكون بالغا، والله أعلم.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب في «أماليه» : قدم سيبويه العراق في أيام الرشيد وهو ابن نيف وثلاثين سنة، وتوفي وعمره نيف وأربعون سنة بفارس. قال الأصمعي:
قرأت على قبر سيبويه بشيراز هذه الأبيات، وهي لسليمان بن يزيد العدوي:
ذهب الأحبة بعد طول تزاور ... ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا
تركوك أوحش ما تكون بقفرة ... لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا
قضي القضاء وصرت صاحب حفرة ... عنك الأحبة أعرضوا وتصدّعوا
وأخذ سيبويه النحو والأدب عن الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر.
نقلت من خط أبي سعد السمعاني مما انتخبه من «طبقات أهل فارس وشيراز» تأليف الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الشيرازي القصّار: بشير بن سعيد، وقيل عمرو بن عثمان بن قنبر، يكنى أبا بشر سيبويه النحوي عن الخليل بن أحمد، وهو من الحارث بن كعب، مات وكان على مظالم فارس، وقبره في شيراز، لم يزد في ترجمته على هذا. وورد بغداد وناظر بها الكسائي وتعصبوا عليه وجعلوا للعرب جعلا حتى وافقوه على خلافه، ولذلك قصة ذكرت فيما بعد.
وكان سبب طلب سيبويه النحو ما ذكرناه في أخبار حماد بن سلمة. وحدث أبو عبيدة قال: لما مات سيبويه قيل ليونس بن حبيب إن سيبويه قد ألّف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل، قال يونس: ومتى سمع سيبويه هذا كلّه من الخليل؟ جيئوني
стр. 2122
بكتابه، فلما نظر فيه رأى كلّ ما حكى، فقال: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل في جميع ما حكاه كما صدق فيما حكاه عني.
وذكر صاعد بن أحمد الجياني من أهل الأندلس في كتابه «١» قال: لا أعرف كتابا ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب: أحدها المجسطي لبطلميوس في علم هيئة الأفلاك، والثاني كتاب ارسطا طاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كلّ واحد من هذه [الكتب الثلاثة] لم يشذّ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له.
وكان «٢» إذا أراد إنسان قراءة كتاب سيبويه على المبرد يقول له: أركبت البحر، تعظيما واستصعابا.
وحدث محمد بن سلام قال «٣» : كان سيبويه جالسا في حلقته بالبصرة، فتذاكرنا شيئا من حديث قتادة، فذكر حديثا غريبا وقال: لم يرو هذا إلا سعيد بن أبي العروبة، فقال بعض ولد جعفر بن سليمان: ما هاتان الزائدتان يا أبا بشر؟ فقال: هكذا يقال لأن العروبة هي الجمعة، ومن قال ابن عروبة فقد أخطأ، قال ابن سلام: فذكرت ذلك ليونس فقال: أصاب لله دره.
وحدث ابن النطاح قال «٤» : كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه فقال الخليل: مرحبا بزائر لا يمل قال [أبو عمر المخزومي] «٥» وكان كثير المجالسة للخليل: وما سمعت الخليل يقولها لغيره. قال: وكان شابا جميلا نظيفا.
وحدث أحمد بن معاوية بن بكر العليمي قال: ذكر سيبويه عند أبي فقال:
عمرو بن عثمان، قد رأيته، وكان حدث السن، كنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حبسة، ونظرت في كتابه فرأيت علمه أبلغ من لسانه.
стр. 2123
وحدث أبو الحسن سعيد بن مسعدة والمبرد وثعلب وجمعت بين أقاويلهم وحذفت التكرار قالوا «١» : قدم سيبويه إلى العراق على يحيى بن خالد البرمكي فسأله عن خبره فقال: جئت لتجمع بيني وبين الكسائي فقال: لا تفعل فإنه شيخ مدينة السلام وقارئها ومؤدب ولد أمير المؤمنين وكلّ من في المصر له ومعه، فأبى إلا أن يجمع بينهما، فعرف الرشيد خبره فأمره بالجمع بينهما، فوعده بيوم، فلما كان ذلك اليوم غدا سيبويه وحده إلى دار الرشيد فوجد الفراء والأحمر وهشام بن معاوية ومحمد بن سعدان قد سبقوه، فسأله الأحمر عن مائة مسألة، فما أجابه عنها بجواب إلا قال: أخطأت يا بصري، فوجم سيبويه وقال: هذا سوء أدب، ووافى الكسائي وقد شقّ أمره عليه، ومعه خلق كثير من العرب، فلما جلس قال له: يا بصري كيف تقول خرجت وإذا زيد قائم، قال: خرجت وإذا زيد قائم، قال: فيجوز أن تقول خرجت فاذا زيد قائما؟ قال: لا، قال الكسائي: فكيف تقول قد كنت أظنّ أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إياها، فقال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: لحنت، وخطّأه الجميع. وقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه، ودفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن يحكم بينكما؟ وهذا موضع مشكل، فقال الكسائي: هذه العرب ببابك قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى وجعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو ثروان فسئلوا عن المسائل التي جرت بينهما، فتابعوا الكسائي، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع أيها الرجل، فانصرف المجلس على سيبويه، وأعطاه يحيى عشرة آلاف درهم وصرفه، فخرج وصرف وجهه تلقاء فارس وأقام هناك حتى مات غما بالذّرب، ولم يلبث إلا يسيرا ولم يعد إلى البصرة.
قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش «٢» : وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلاف بينهم أن الجواب كما قال سيبويه وهو: فإذا هو هي، أي فإذا هو مثلها،
стр. 2124
وهذا موضع رفع وليس بموضع نصب. فإن قال قائل: فأنت تقول خرجت فإذا زيد قائم وقائما، فتنصب قائما، فلم لم يجز فإذا هو إياها لأن إيّا للمنصوب وهي للمرفوع، والجواب في هذا أن قائما انتصب على الحال وهو نكرة، وإيا مع ما بعدها مما أضيفت اليه معرفة، والحال لا تكون إلا نكرة فبطل إياها ولم يكن إلا هي وهو خبر الابتداء، وخبر الابتداء يكون معرفة ونكرة، والحال لا يكون إلا نكرة، فكيف تقع إياها وهي معرفة في موضع ما لا يكون إلا نكرة وهذا موضع الرفع؟ وقد قال أصحاب سيبويه: الأعراب الذين شهدوا للكسائي من أعراب الحطمة الذين كان الكسائي يقوم بهم ويأخذ عنهم.
ولما مرض سيبويه مرضه الذي مات فيه جعل يجود بنفسه ويقول «١» :
يؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل
حثيثا يروّي أصول النخيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل
قالوا «٢» : ولما اعتلّ سيبويه وضع رأسه في حجر أخيه فبكى أخوه لما رآه لما به، فقطرت من عينه قطرة على وجه سيبويه، ففتح عينه فرآه يبكي فقال:
أخيين كنّا «٣» فرّق الدهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهرا
وحدث أبو الطيب اللغوي «٤» عن أبي عمر الزاهد قال، قال ثعلب يوما في مجلسه: مات الفراء وتحت رأسه كتاب سيبويه، فعارضه أبو موسى الحامض بما قد كتبناه في أخباره «٥» .
وحدث محمد بن عبد الملك التاريخي «٦» فيما رواه عن ثعلب عن محمد بن سلام قال: حدثني الأخفش أنه قرأ كتاب سيبويه على الكسائي في جمعة فوهب له
стр. 2125
سبعين دينارا، قال: وكان الكسائي يقول لي: هذا الحرف لم أسمعه فاكتبه لي، فأفعل. قال: وكان الأخفش يؤدّب ولد الكسائي؛ قال التاريخي: فكأن الجاحظ سمع هذا الخبر فقال، مما يعدده من فخر أهل البصرة على أهل الكوفة: وهؤلاء يأتونكم بفلان وفلان وبسيبويه الذي اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله.
وحدث التاريخي أيضا وهارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال هارون:
دخل الجاحظ على أبي وقد افتصد فقال له: أدام الله صحتك، ووصل غبطتك، ولا سلبك نعمتك، قال: ما أهديت لي يا أبا عثمان؟ قال: أطرف شيء، كتاب سيبويه بخط الكسائي وعرض الفراء.
وقال التاريخي، قال الجاحظ «١» : أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء أهديه له فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه، وقلت له: أردت أن أهدي لك شيئا ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر أشرف من هذا الكتاب، وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء، قال: والله ما أهديت إليّ شيئا أحبّ إليّ منه.
وحدث التاريخيّ عن المبرد عن الزراري أبي زيد قال: قال رجل لسماك بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ قال: بدرهمان، فضحك الرجل، فقال السماك:
ويلك أنت أحمق، سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان.
وحدث عن المبرد عن المازني عن الجرمي قال: في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتا سألت عنها فعرف ألف ولم تعرف خمسون.
وحدثت عن النظام أنه دخل على سيبويه في مرضه فقال له: كيف تجدك أبا بشر؟ قال: أجدني ترحل العافية عني بانتقال «٢» ، وأجد الداء يخامرني بحلول، غير أني وجدت الراحة منذ البارحة. قلت: فما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أشتهي؛ فلما كان من بعد ذلك اليوم دخلت إليه وأخوه يبكي وقد قطرت من دموعه على خده، فقلت: كيف تجدك؟ فقال:
يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقى ... إذا عرف الداء الذي هو قاتله
стр. 2126
قال النظام: ثم مات من يومه.
وحدث أبو حاتم السجستاني قال: دخلت على الأصمعي في مرضه الذي مات فيه فسألته عن خبره ثم قلت: كم سنة مضى من عمرك؟ فقال: لا أدري، ولكني أحدثك، كنت شابا مقتبلا فتزوجت فولد لي وولد لأولادي وأنا حي، ثم أنشد:
إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها
فقلت له: في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه، قال: سل، فقلت: حدثني بما جرى بينك وبين سيبويه من المناظرة، فقال: والله لولا أني لا أرجو الحياة من مرضتي هذه ما حدثتك: إنه عرض عليّ شيء من الأبيات التي وضعها سيبويه في كتابه، ففسرتها على خلاف ما فسره، فبلغ ذلك سيبويه، فبلغني أنه قال: لا ناظرته إلا في المسجد الجامع، فصليت يوما في الجامع ثم خرجت فتلقاني في المسجد فقال لي: اجلس يا أبا سعيد، ما الذي أنكرت من بيت كذا وبيت كذا، ولم فسرت على خلاف ما يجب؟ فقلت له: ما فسرت إلا على ما يجب، والذي فسّرته أنت ووضعته خطأ، تسألني وأجيب. ورفعت صوتي فسمع العامة فصاحتي ونظروا إلى لكنته، فقالوا: غلب الأصمعيّ سيبويه، فسّرني ذلك فقال لي: إذا علمت أنت يا أصمعيّ ما نزل بك مني لم ألتفت إلى قول هؤلاء، ونفض يده في وجهي ومضى. ثم قال الأصمعي: يا بنيّ فو الله لقد نزل بي منه شيء وددت أني لم أتكلم في شيء من العلم.
وعن أبي عثمان المازني قال، حدثني الأخفش قال: حضرت مجلس الخليل، فجاءه سيبويه فسأله عن مسألة وفسّرها له الخليل فلم أفهم ما قالا، فقمت وجلست له في الطريق فقلت له: جعلني الله فداءك، سألت الخليل عن مسألة فلم أفهم ما ردّ عليك ففهمنيه، فأخبرني بها فلم تقع لي ولا فهمتها، فقلت له: لا تتوهم أني أسألك إعناتا فاني لم أفهمها ولم تقع لي، فقال لي: ويلك ومتى توهمت أنني أتوهم أنك تعنتني، ثم زجرني وتركني ومضى.
وحدث المازني قال، قال الأخفش: كنت عند يونس فقيل له: قد أقبل
стр. 2127
سيبويه، فقال: أعوذ بالله منه. قال: فجاء فسأله فقال: كيف تقول مررت به المسكين؟ فقال جائز أن أجرّه على البدل من الهاء، قال فقال له: فمررت به المسكين على معنى المسكين مررت به، فقال: هذا خطأ لأنّ المضمر قبل الظاهر.
قال فقال له: إن الخليل أجاز ذلك وأنشد فيها أبياتا، فقال: هو خطأ، فغمّني ذلك، قال: فمررت به المسكين، فقال: جائز فقال: على أيّ شيء ينصب؟ فقال: على الحال، فقال سيبويه: أليس أنت أخبرتني أن الحال لا تكون بالألف واللام؟ فقال له: صدقت، ثم قال لسيبويه، فما قال صاحبك فيه، يعني الخليل؟ فقال سيبويه:
قال لي إنه ينصب على الترخيم، فقال: ما أحسن هذا، ورأيته مغموما بقوله نصبته على الحال.
[٨٧٤] عمرو بن مسعدة بن سعد بن صول بن صول الصولي، كنيته أبو الفضل، من جلة كتاب المأمون وأهل الفضل والبراعة والشعر منهم. وذكر الجهشياري أن مسعدة كان مولى خالد بن عبد الله القسري وأنه كان يكتب لخالد، وكان بليغا كاتبا مات في سنة أربع عشرة ومائتين، وقيل في سنة سبع في أيام المأمون، وكان مسعدة من كتاب خالد بن برمك ثم كتب بعده لأبي أيوب وزير المنصور على ديوان الرسائل.
قال الصولي، قال أحمد بن عبد الله: كان لمسعدة أربعة بنين: مجاشع وهو الذي يقول فيه أبو العتاهية:
علمت يا مجاشع بن مسعده ... أن الشباب والفراغ والجده
مفسدة للمرء أيّ مفسده
ومسعود وعمرو ومحمد، وقد ذكر أن المنصور قال يوما لكتابه: اكتبوا لي تعظيم الاسلام، قال: فبدر مسعدة فكتب: الحمد لله الذي عظم الاسلام واختاره،
стр. 2128
وأوضحه وأناره، وأعزه وأنافه، وشرّفه وأكمله، وتممه وفضله، وأعزه ورفعه، وجعله دينه الذي أحبه واجتباه، واستخلصه وارتضاه، واختاره واصطفاه، وجعله الدين الذي تعتدّ به ملائكته، وأرسل بالدعاء عليه أنبياءه، وهدى له من أراد إكرامه وإسعاده من خلقه، فقال جلّ من قائل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
(آل عمران: ١٩) وقال جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
(آل عمران: ٨٥) وقال: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
(الحج: ٧٨) فبهذا الإسلام والدخول فيه والعلم به وأداء شرائعه والقيام بمفروضاته وصلت ملائكته ورسله إلى رضوان الله ورحمته وجواره في جنته، وبه تحرزوا من غضبه وعقوبته، وأمنوا نكال عذابه وسطوته. فقال المنصور: حسبك يا مسعدة، اجعل هذا صدر الكتاب إلى أهل الجزيرة بالاعذار والانذار.
وأما عمرو بن مسعدة ففضله شائع ونبله ذائع أشهر من أن ينبّه عليه، أو يدلّ بالوصف إليه، قد ولي للمأمون الأعمال الجليلة، وألحق بذوي المراتب النبيلة، وسماه بعض الشعراء وزيرا لعظم منزلته لا لأنه كان وزيرا وهو قوله:
لقد أسعد الله الوزير ابن مسعده ... وبثّ له في الناس شكرا ومحمده
في أبيات.
فحدث إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي «١» قال: كان عمرو بن مسعدة أبيض أحمر الوجه، وهو من أولاد صول الأكبر جدّ محمد بن صول بن صول، وقد ذكرت أصلهم في أخبار إبراهيم بن العباس من هذا الكتاب «٢» . وكان المأمون يسميه الرومي لبياض وجهه.
ووصف الفضل بن سهل بلاغة عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كلّ أحد إذا سمع كلامه ظنّ أنه يكتب مثله فإذا رامه بعد عليه، وهذا كما قيل لجعفر بن يحيى ما حدّ البلاغة؟ فقال: التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يقدر على مثلها فإذا رامها استصعبت عليه.
стр. 2129
وحدث العباس بن رستم قال: كان لعمرو بن مسعدة فرس أدهم أغرّ لم يكن لأحد مثله فراهة وحسنا، فبلغ المأمون خبره، وبلغ عمرو بن مسعدة ذلك، فخاف أن يأمر بقوده إليه فلا يكون له فيه محمدة، فوجّه به إليه هدية وكتب معه «١» :
يا إماما لا يداني ... هـ إذا عدّ إمام
فضل الناس كما يف ... ضل نقصانا تمام
قد بعثنا بجواد ... مثله ليس يرام
فرس يزهى به لل ... حسن سرج ولجام
دونه الخيل كما دون ... ك «٢» في الفضل الأنام
وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام
والذي يصلح للمو ... لى على العبد حرام
وكتب عمرو بن مسعدة إلى الحسن بن سهل: أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسّس بنى، ليستتم تشييد أسّه، ويجتني ثمار غرسه، وثناؤك عندي قد شارف الدروس، وغرسك مشف على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست، إن شاء الله تعالى.
وحدث الصولي قال «٣» : لما مات عمرو بن مسعدة رفع إلى المأمون أنه خلف ثمانين ألف ألف درهم، فوقّع على الرقعة: هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيه. وعمرو القائل في رواية المرزباني «٤» :
ومستعذب للهجر والوصل أعذب ... أكاتمه حبي فينأى وأقرب
إذا جدت مني بالرضا جاد بالجفا ... ويزعم أني مذنب وهو أذنب
تعلمت ألوان الرضى خوف هجره ... وعلّمه حبي له كيف يغضب
ولي غير وجه قد عرفت طريقه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
стр. 2130
[٨٧٥]
عمرو بن كركرة أبو مالك الاعرابي:
كان يعلم بالبادية، وورق في الحضرة، وهو مولى بني سعد وكان راوية أبي البيداء، يقال إنه كان يحفظ لغة العرب، وكان بصريّ المذهب، وكان أحد الطياب «١» ، قال الجاحظ: كان يزعم أن الأغنياء عند الله أكرم من الفقراء، ويقول: إن فرعون عند الله أكرم من موسى، وكان يلتقم الحارّ الممتنع فلا يؤذيه، وصنف كتبا: منها كتاب خلق الانسان. كتاب الخيل.
وقال أبو الطيب اللغوي في «كتاب مراتب النحويين» «٢» : كان ابن مناذر يقول: كان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو زيد يجيب في ثلثيها، وكان أبو مالك يجيب فيها كلها، وإنما عنى ابن مناذر توسعهم في الرواية والفتيا، لأن الأصمعي كان يضيّق ولا يجوّز إلا أصح اللغات ويلحّ في ذلك ويمحك، وكان مع ذلك لا يجيب في القرآن وحديث النبي ﷺ ، فعلى هذا يزيد بعضهم على بعض (له قصة في أخبار ابن مناذر في «كتاب الشعراء» من تصنيفنا) «٣» .
[٨٧٦]
عنبسة بن معدان الفيل:
أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، ولم يكن في من أخذ النحو أبرع منه، وأما معنى تسميته بمعدان الفيل- فحدث محمد بن عبد الملك
стр. 2131
التاريخي عن يوسف بن يعقوب بن السكيت قال: حدثني عبد الرحيم بن مالك عن الهيثم بن عديّ عن أشياخه، قال يوسف وحدثني مسلم بن محمد بن نوح عن هشام بن محمد عن رجل من قريش قال «١» : كانت لزياد بن أبيه فيلة ينفق عليها في كل يوم عشرة دراهم، فأقبل رجل من أهل ميسان يقال له معدان فقال: ادفعوها إليّ وأكفيكم المؤونة وأعطيكم عشرة دراهم في كلّ يوم، فدفعوها إليه، فأثرى وابتنى قصرا، ونشأ له ابن يقال له عنبسة، فروى الأشعار وظرف وفصح، وروى شعر جرير والفرزدق، وانتمى إلى بني أبي بكر ابن كلاب، فقيل للفرزدق: ها هنا رجل من بني أبي بكر ابن كلاب يروي شعر جرير ويفضّله عليك ووصفوه له، فقال: رجل من بني أبي بكر ابن كلاب على هذه الصفة لا أعرفه، فأروني داره، فأروه فقال: هذا ابن معدان الميساني ثم قصّ قصته وقال:
لقد كان في معدان والفيل زاجر ... لعنبسة الراوي عليّ القصائدا
فروي البيت بالبصرة.
ولقي عنبسة أبا عيينة ابن المهلب فقال له أبو عيينة: ما أراد الفرزدق بقوله:
لقد كان في معدان والفيل زاجر
فقال: إنما قال لقد كان في معدان واللؤم زاجر، فقال أبو عيينة: وأبيك إن شيئا فررت منه إلى اللؤم لعظيم. قال التاريخي: فحدثت بهذا الحديث أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا فسرّ به وسألني أن أكتبه له، فكتبته له، والحديث على لفظ مسلم بن محمد بن نوح.
[٨٧٧]
عوانة بن الحكم بن عوانة بن عياض
بن وزر بن عبد الحارث بن أبي
стр. 2132
حصن بن ثعلبة بن جبير بن عامر بن النعمان: كان عالما بالأخبار والآثار ثقة، روى عنه الأصمعي والهيثم بن عدي وكثير من أعيان أهل العلم.
وقال أبو عبيدة في «كتاب المثالب» يقال في الحكم بن عوانة الكلبي إن أباه كان عبدا خياطا ادعي بعد ما احتلم، وكانت أمه أمة سوداء لآل أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي، وله إخوة موال، قال في ذلك ذو الرمة «١» :
ألكني فإني مرسل برسالة ... إلى حكم من غير حبّ ولا قرب «٢»
فلو كنت من كلب صميما هجوتها ... ولكن لعمري لا إخالك من كلب
ولكنما أخبرت أنك ملصق ... كما ألصقت من غيرها ثلمة القعب
تدهدى فخرّت ثلمة من صميمه ... فلزّ بأخرى بالغراء وبالشعب «٣»
حدث أحمد بن يحيى قال: أنشدني ذو الرمة شعرا وعوانة بن الحكم حاضر، فعاب شيئا منه، فقال فيه هذه الأبيات المتقدمة.
قال وقال محمد بن أحمد الكاتب، وقال عياض بن وزر في ابنه عوانة «٤» :
عجبا عجبت لمعشر لم يرشدوا ... جعلوا عوانة لي بغيب ابنما
إني إلى الرحمن أبرأ صادقا ... ما نكت أمك يا عوانة محرما
أنكرت منك جعودة في حوّة ... ومشافرا هدلا وأنفا أخثما
ما كان لي في آل حام والد ... عبدا فأصبح في كنانة أكشما
وكان يكنى أبا الحكم، وكان ضريرا، مات فيما ذكره المرزباني عن الصولي سنة سبع وأربعين ومائة في الشهر الذي مات فيه الأعمش.
قال المدائني: مات عوانة سنة ثمان وخمسين ومائة في السنة التي مات فيها المنصور.
стр. 2133
حدث الهيثم بن عدي قال «١» : كنت عند عبد الله بن عياش الهمداني وعنده عوانة بن الحكم، فتذاكروا أمر النساء، فقلت: حدثني ابن الظلمة عن أمه أنها قالت: والله ما أبى «٢» النساء مثل أعمى عفيف، فضرب عوانة بيده على فخذي وقال: حفظك الله يا أبا عبد الرحمن فإنك تحفظ غريب الحديث وحسنه، قال:
وكان عوانة ضريرا.
قال قال عبد الله بن جعفر: عوانة بن الحكم من علماء الكوفة بالأخبار خاصة والفتوح مع علم بالشعر والفصاحة، وله اخوة وأخبار ظريفة، وكان موثقا، وعامة أخبار المدائني عنه.
قال: وروى عبد الله بن المعتز عن الحسن بن عليل العنزي أن عوانة بن الحكم كان عثمانيا، وكان يضع أخبارا لبني أمية.
قال: وحدث أبو العيناء عن الأصمعي قال: أنشد عوانة بيتين فقيل له لمن هما؟ قال: أنا تركت الحديث بغضا منّي للاسناد، وليس أراكم تعفوني منه في الشعر.
وحدث هشام بن الكلبي عن عوانة قال: خطبنا عتبة بن النّهاس العجليّ فقال:
ما أحسن شيئا قاله الله في كتابه:
ليس حيّ على المنون بباق ... غير وجه المسبّح الخلاق
فقمت إليه فقلت: أيها الرجل إن الله لم يقل هذا، إنما قاله عديّ بن زيد [فقال: والله ما ظننته إلا من كتاب الله، ولنعم ما قال عدي بن زيد] ثم نزل عن المنبر. وأتي بامرأة من الخوارج فقال: يا عدوة الله ما خروجك على أمير المؤمنين؟
ألم تسمعي قول الله :
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جرّ الذيول «٣»
فحركت رأسها وقالت: يا عدوّ الله حملني على الخروج جهلكم بكتاب الله .
стр. 2134
وحدث الهيثم بن عدي قال: كنا عند عوانة فورد الخبر بأنّ محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قد قتل بالمدينة، فترحم عليه عوانة وذكر فضله ثم قال: أخطأ الرأي في استهدافه لهم ومقابلته إياهم بالقرب منهم، ولو تباعد عنهم حتى يجتمع أمره ويرى رأيه لطالت مدته، فقيل له قد أشير عليه بذلك فلم يقبله، فتمثل عوانة بقول زهير «١» :
أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا عند آخر معهد «٢»
دما حول شلو تحجل الطير حوله ... وبضع لحام في إهاب مقدّد «٣»
قال ثم قال: هل علينا عين؟ قالوا: لا فقل ما شئت، فقال: محمد والله من الذين قال الله فيهم التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
(التوبة: ١١٢) .
وحدث التاريخي عن إسماعيل بن إسحاق عن نصر بن عليّ عن الأصمعي عن عوانة: قال كان ابن زياد يأكل بعد الشبع أربع جرادق أصبهانية وجبنة ورطلا عسلا.
وحدث عنه أحمد بن عبيد عن الأصمعي عن عوانة قال: لقي رجلا أعرابيا فقال ممن الرجل؟ قال: من قوم إذا نسي الناس علمهم حفظوه عليهم. قال فأنت إذن من كلب، قال: أجل.
وكان لعوانة أخ يقال له عياض «٤» نحوي أديب أقام بأفريقية انتقل إليها من الكوفة فحدث المرزباني باسناده قال: كان عوانة بن الحكم يقول لأخ له يقال له عياض نحوي: لا تعمّق في النحو فإنه لم يتعمق فيه أحد إلا صار معلما، قال: فصار عياض بعد ذلك معلما بأفريقية لولد المعلّى «٥» .
стр. 2135
[٨٧٨]
عوف بن محلم الخزاعي أبو المنهال:
أحد العلماء الأدباء، والرواة الفهماء، والندامى الظرفاء، والشعراء الفصحاء. وكان صاحب أخبار ونوادر، وله معرفة بأيام الناس. وكان طاهر بن الحسين بن مصعب قد اختصه لمنادمته، واختاره لمسامرته، وكان لا يخرج في سفر إلا أخرجه معه، وجعله زميله وأنيسه وعديله، وكان يعجب به.
قال محمد بن داود: ويقال إن سبب اتصاله بطاهر أنه نادى على الجسر بهذه الأبيات في أيام الفتنة ببغداد، وطاهر ينحدر في حراقة في دجلة، فسمعها منه فأدخله وأنشده إياها وهي «١» :
عجبت لحرّاقة ابن الحسي ... ن كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسّها كيف لا تورق
وأصله من حران، فبقى مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، وكان يستأذنه في الانصراف إلى أهله ووطنه فلا يأذن له ولا يسمح به، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص وأنه يلحق به ويرجع إلى وطنه، فقرّبه عبد الله بن طاهر من نفسه وأنزله منزلته من أبيه، وكان عبد الله أديبا فاضلا عالما بأخبار الناس، فلما وقف على أدب عوف وفضله تمسك به وأفضل عليه حتى كثر ماله وحسن حاله، وتلطف بجهده أن يأذن له عبد الله في العود إلى وطنه فلم يكن إلى ذلك سبيل، وحفزه الشوق إلى أهله وأهمه أمرهم، فاتفق ان خرج عبد الله من بغداد يريد خراسان، فصيّر عوفا عديله يستمتع
стр. 2136
بمسامرته ويرتاح إلى محادثته إلى أن دنا من الري، فلما شارفها سمع صوت عندليب يغرّد بأحسن تغريد وأشجى صوت، فأعجب عبد الله بصوته والتفت إلى عوف بن محلم فقال له: يا ابن محلم هل سمعت قطّ أشجى من هذا الصوت وأطرب منه؟
فقال: لا والله أيها الأمير وإنه لحسن الصوت شجيّ النغمة مطرب التغريد، فقال عبد الله: قاتل الله أبا كبير حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح
فقال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد، ثم قال: أصلح الله الأمير «١» إنه كان في الهذليين مائة وثلاثون شاعرا ما فيهم إلا مفلق، وما كان فيهم مثل أبي كبير، فإنه كان يبدع في شعره ويفهم آخر قوله أوله، وما شيء أبلغ في الشعر من الابداع فيه، قال عبد الله: أقسمت عليك إلا أجزت شعر أبي كبير، قال عوف: أصلح الله الأمير قد كبر سني وفني ذهني وأنكرت كل ما كنت أعرفه، قال عبد الله: سألتك بحقّ طاهر إلا فعلت، وكان لا يسأل بحقّ طاهر شيئا إلا ابتدر إليه لما كان يوجبه له، فلما سمع عوف ذلك أنشأ يقول:
أفي كلّ عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فتريح
لقد طلّح البين المشتّ ركائبي ... فهل أرينّ البين وهو طليح
وأرقني بالريّ نوح حمامة ... فنحت وذو البثّ الغريب ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتلقى عصا التطواف وهي طريح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الغنى بالمقترين طروح
стр. 2137
قال: فاستعبر عبد الله ورقّ له وجرت دموعه وقال له: والله إني لضنين بمفارقتك شحيح على الفائت من محاضرتك، ولكن والله لا أعملت معي خفّا ولا حافرا إلا راجعا إلى أهلك، ثم أمر له بثلاثين ألف درهم، فقال يمدح عبد الله وأباه:
يا ابن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان
إنّ الثمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالشّطاط انحنا ... وكنت كالصّعدة تحت السنان
وعوّضتني من زماع الفتى ... وهمتي همّ الهجان الهدان
وقاربت منّي خطى لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان
وأنشأت بيني وبين الورى ... عنانة من غير نسج العنان
ولم تدع فيّ لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبيّ الهجان
وهمت بالأوطان وجدا بها ... وبالغواني أين مني الغوان
فقرّباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حرّان والرّقّتان
سقى قصور الشاذياخ الحيا ... من بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها ... أن تتخطاها صروف الزمان
وهذه قصور بخراسان بناحية نيسابور لآل طاهر.
ثم ودع عبد الله وسار راجعا إلى أهله فمات قبل أن يصل إليهم.
وقد روي في خبر هذه الأبيات أن عوف بن محلم دخل على عبد الله بن طاهر فسلّم عبد الله عليه فلم يسمع، فأعلم بذلك، فزعموا أنه أنحل هذه القصيدة.
وكان «١» قد ورد على عبد الله بن طاهر شاعر يقال له روح، وعرض على عوف شعره فمنعه من إنشاده عبد الله، وقال: إن عبد الله رجل عالم فاضل لا ينفق عليه من الشعر إلا أحسنه، فقال له: قد حسدتني، وتوصّل حتى أنشده عبد الله فاسترذله
стр. 2138
واستبرده وردّه، فبلغ ذلك عوفا فقال:
أنشدني روح مديحا له ... فقلت شعرا قال لي فايش
فصرت لما أن بدا منشدا ... كأنني في قبّة الخيش
وقلت زدني وتفهمته «١» ... والثلج في الصيف من العيش
[٨٧٩]
عون بن محمد الكندي الكاتب أبو مالك:
أحد أصحاب ابن الأعرابي، وأخذ عن سلمة بن عاصم صاحب الفراء، وروى عنه الصولي فأكثر.
حدث الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال: كنا في مجلس ابن الأعرابي فقدم قادم من سرّ من رأى فأخبر بنكبة سليمان بن وهب وأحمد بن الخصيب فأنشد ابن الأعرابي:
ربّ قوم رتعوا في نعمة ... زمنا والعيش ريان غدق
سكت الدهر طويلا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق
[٨٨٠]
عيسى بن إبراهيم الربعي الوحاظي:
بلدة باليمن. لا أعرف حاله إلا أنه مصنّف كتاب «نظام الغريب» «٢» في اللغة حذا فيه حذو «كفاية المتحفظ» «٣» وأجاده، وأهل اليمن مشتغلون به.
стр. 2139
[٨٨١]
عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر مولى خالد بن الوليد:
نزل في ثقيف فنسب إليهم، عالم بالنحو والعربية والقراءة مشهور بذلك، أخذ عن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. ومات عيسى بن عمر سنة تسع وأربعين ومائة في خلافة المنصور قبل أبي عمرو بن العلاء بخمس سنين أو ستّ.
حدث التاريخي محمد بن عبد الملك عن المبرد قال: أول من وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود الدؤلي، ثم أخذ النحو عن أبي الأسود عنبسة بن معدان المهري الذي يقال له عنبسة الفيل، ثم أخذه عن عنبسة ميمون الأقرن، ثم أخذه عن ميمون: ابن أبي إسحاق الحضرمي ثم أخذه عن ابن أبي إسحاق: عيسى بن عمر [ثم أخذه عنه الخليل بن أحمد] ثم أخذه عن الخليل بن أحمد سيبويه، ثم أخذه عن سيبويه الأخفش واسمه سعيد بن مسعدة.
قال التاريخي: حدثنا المبرد مرة أخرى عن التوّزي عن أبي عبيدة قال: ووضع عيسى بن عمر كتابين في النحو سمّى أحدهما «الجامع» والآخر «المكمل» فقال الخليل بن أحمد:
بطل النحو جميعا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر
قال المؤلف: وهذان كتابان ما علمنا أحدا رآهما ولا عرفهما، غير أن أبا الطيب اللغوي ذكر في كتابه أنهما مبسوط ومختصر.
وذكر عن المبرد أنه قال: قرأت أوراقا من أخد كتابي عيسى بن عمر، وذكر أيضا أن عيسى بن عمر أخذ النحو عن أبي عمرو بن العلاء.
стр. 2140
وحدث المرزباني فيما أسنده إلى الأصمعي قال: كان عيسى بن عمر صاحب تقعير «١» في كلامه، وكان عمر بن هبيرة قد اتهمه بوديعة لبعض العمال، فضربه مقطعا نحوا من ألف سوط، فجعل يقول: والله ما كانت إلا أثّيابا في أسيفاط قبضها عشاروك، فيقول له: إنك لخبيث.
قال: وكان دقيق الصوت، قال: فكان طول دهره يحمل في كمه خرقة فيها سكر العشر والاجاص اليابس، وربما رأيته واقفا أو سائرا أو عند بعض ولاة البصرة، فتصيبه نهكة في فؤاده فيخفق عليه حتى يكاد يغلب فيستغيث بإجاصة وسكرة يلقيها في فيه ثم يتمصصها، فإذا فعل ذلك سكن عليه، فسئل عن ذلك فقال: أصابني هذا من الضرب الذي ضربني عمر بن هبيرة فعالجته بكلّ شيء فما رأيت له أصلح من هذا.
وحدث التاريخي عن المبرد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: عيسى بن عمر النحوي بصري، وعيسى بن عمر الكوفي همداني وهو صاحب الحروف.
وحدث عن يوسف بن يعقوب بن السكيت عن الجمّاز قال: عيسى بن عمر أخو حاجب بن عمر، ويكنى حاجب أبا خشينة، روي عنه الحديث، وهما موليان لبني مخزوم، وهما من ولد الحكم بن عبد الله بن الأعرج الذي روي عنه الحديث.
وحدث عن أحمد بن عبيد النحوي عن الأصمعي قال: حدثنا عيسى بن عمر قال: قدمت من سفر فدخل عليّ ذو الرمة، فعرضت أن لا أكون أعطيته شيئا، فقال:
لا، أنا وأنت نأخذ ولا نعطي.
قال الأصمعي: وحدثني عيسى بن عمر قال: لقد كنت أكتب بالليل حتى ينقطع سوئي أي وسطي.
وحدث عن أحمد بن عبيد عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: اللهازم قيس بن ثعلبة وعجل وعنزة وتيم الله، قال عيسى بن عمر: أرى اللهازم تجمعوا كما تجمع لهازم الدابة قال: والرباب ثور وعكل [وتيم الله] وتيم عدي وضبة وأطحل كلهم إخوة، وإنما سموا الرباب لأنهم تجمعوا وتحالفوا، والرباعة جماعة القداح إذا ضمت، وجشم بن بكر وإخوتهم الأراقم، وليس بنسب، ولكن