← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

بمسامرته ويرتاح إلى محادثته إلى أن دنا من الري، فلما شارفها سمع صوت عندليب يغرّد بأحسن تغريد وأشجى صوت، فأعجب عبد الله بصوته والتفت إلى عوف بن محلم فقال له: يا ابن محلم هل سمعت قطّ أشجى من هذا الصوت وأطرب منه؟ فقال: لا والله أيها الأمير وإنه لحسن الصوت شجيّ النغمة مطرب التغريد، فقال عبد الله: قاتل الله أبا كبير حيث يقول: ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح ولوعا فشطت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح فقال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد، ثم قال: أصلح الله الأمير «١» إنه كان في الهذليين مائة وثلاثون شاعرا ما فيهم إلا مفلق، وما كان فيهم مثل أبي كبير، فإنه كان يبدع في شعره ويفهم آخر قوله أوله، وما شيء أبلغ في الشعر من الابداع فيه، قال عبد الله: أقسمت عليك إلا أجزت شعر أبي كبير، قال عوف: أصلح الله الأمير قد كبر سني وفني ذهني وأنكرت كل ما كنت أعرفه، قال عبد الله: سألتك بحقّ طاهر إلا فعلت، وكان لا يسأل بحقّ طاهر شيئا إلا ابتدر إليه لما كان يوجبه له، فلما سمع عوف ذلك أنشأ يقول: أفي كلّ عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فتريح لقد طلّح البين المشتّ ركائبي ... فهل أرينّ البين وهو طليح وأرقني بالريّ نوح حمامة ... فنحت وذو البثّ الغريب ينوح على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتلقى عصا التطواف وهي طريح فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الغنى بالمقترين طروح

стр. 2137

قال: فاستعبر عبد الله ورقّ له وجرت دموعه وقال له: والله إني لضنين بمفارقتك شحيح على الفائت من محاضرتك، ولكن والله لا أعملت معي خفّا ولا حافرا إلا راجعا إلى أهلك، ثم أمر له بثلاثين ألف درهم، فقال يمدح عبد الله وأباه: يا ابن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان إنّ الثمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وأبدلتني بالشّطاط انحنا ... وكنت كالصّعدة تحت السنان وعوّضتني من زماع الفتى ... وهمتي همّ الهجان الهدان وقاربت منّي خطى لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان وأنشأت بيني وبين الورى ... عنانة من غير نسج العنان ولم تدع فيّ لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبيّ الهجان وهمت بالأوطان وجدا بها ... وبالغواني أين مني الغوان فقرّباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حرّان والرّقّتان سقى قصور الشاذياخ الحيا ... من بعد عهدي وقصور الميان فكم وكم من دعوة لي بها ... أن تتخطاها صروف الزمان وهذه قصور بخراسان بناحية نيسابور لآل طاهر. ثم ودع عبد الله وسار راجعا إلى أهله فمات قبل أن يصل إليهم. وقد روي في خبر هذه الأبيات أن عوف بن محلم دخل على عبد الله بن طاهر فسلّم عبد الله عليه فلم يسمع، فأعلم بذلك، فزعموا أنه أنحل هذه القصيدة. وكان «١» قد ورد على عبد الله بن طاهر شاعر يقال له روح، وعرض على عوف شعره فمنعه من إنشاده عبد الله، وقال: إن عبد الله رجل عالم فاضل لا ينفق عليه من الشعر إلا أحسنه، فقال له: قد حسدتني، وتوصّل حتى أنشده عبد الله فاسترذله

стр. 2138

واستبرده وردّه، فبلغ ذلك عوفا فقال: أنشدني روح مديحا له ... فقلت شعرا قال لي فايش فصرت لما أن بدا منشدا ... كأنني في قبّة الخيش وقلت زدني وتفهمته «١» ... والثلج في الصيف من العيش [٨٧٩] عون بن محمد الكندي الكاتب أبو مالك: أحد أصحاب ابن الأعرابي، وأخذ عن سلمة بن عاصم صاحب الفراء، وروى عنه الصولي فأكثر. حدث الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال: كنا في مجلس ابن الأعرابي فقدم قادم من سرّ من رأى فأخبر بنكبة سليمان بن وهب وأحمد بن الخصيب فأنشد ابن الأعرابي: ربّ قوم رتعوا في نعمة ... زمنا والعيش ريان غدق سكت الدهر طويلا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق [٨٨٠] عيسى بن إبراهيم الربعي الوحاظي: بلدة باليمن. لا أعرف حاله إلا أنه مصنّف كتاب «نظام الغريب» «٢» في اللغة حذا فيه حذو «كفاية المتحفظ» «٣» وأجاده، وأهل اليمن مشتغلون به.

стр. 2139

[٨٨١] عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر مولى خالد بن الوليد: نزل في ثقيف فنسب إليهم، عالم بالنحو والعربية والقراءة مشهور بذلك، أخذ عن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. ومات عيسى بن عمر سنة تسع وأربعين ومائة في خلافة المنصور قبل أبي عمرو بن العلاء بخمس سنين أو ستّ. حدث التاريخي محمد بن عبد الملك عن المبرد قال: أول من وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود الدؤلي، ثم أخذ النحو عن أبي الأسود عنبسة بن معدان المهري الذي يقال له عنبسة الفيل، ثم أخذه عن عنبسة ميمون الأقرن، ثم أخذه عن ميمون: ابن أبي إسحاق الحضرمي ثم أخذه عن ابن أبي إسحاق: عيسى بن عمر [ثم أخذه عنه الخليل بن أحمد] ثم أخذه عن الخليل بن أحمد سيبويه، ثم أخذه عن سيبويه الأخفش واسمه سعيد بن مسعدة. قال التاريخي: حدثنا المبرد مرة أخرى عن التوّزي عن أبي عبيدة قال: ووضع عيسى بن عمر كتابين في النحو سمّى أحدهما «الجامع» والآخر «المكمل» فقال الخليل بن أحمد: بطل النحو جميعا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر قال المؤلف: وهذان كتابان ما علمنا أحدا رآهما ولا عرفهما، غير أن أبا الطيب اللغوي ذكر في كتابه أنهما مبسوط ومختصر. وذكر عن المبرد أنه قال: قرأت أوراقا من أخد كتابي عيسى بن عمر، وذكر أيضا أن عيسى بن عمر أخذ النحو عن أبي عمرو بن العلاء.

стр. 2140

وحدث المرزباني فيما أسنده إلى الأصمعي قال: كان عيسى بن عمر صاحب تقعير «١» في كلامه، وكان عمر بن هبيرة قد اتهمه بوديعة لبعض العمال، فضربه مقطعا نحوا من ألف سوط، فجعل يقول: والله ما كانت إلا أثّيابا في أسيفاط قبضها عشاروك، فيقول له: إنك لخبيث. قال: وكان دقيق الصوت، قال: فكان طول دهره يحمل في كمه خرقة فيها سكر العشر والاجاص اليابس، وربما رأيته واقفا أو سائرا أو عند بعض ولاة البصرة، فتصيبه نهكة في فؤاده فيخفق عليه حتى يكاد يغلب فيستغيث بإجاصة وسكرة يلقيها في فيه ثم يتمصصها، فإذا فعل ذلك سكن عليه، فسئل عن ذلك فقال: أصابني هذا من الضرب الذي ضربني عمر بن هبيرة فعالجته بكلّ شيء فما رأيت له أصلح من هذا. وحدث التاريخي عن المبرد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: عيسى بن عمر النحوي بصري، وعيسى بن عمر الكوفي همداني وهو صاحب الحروف. وحدث عن يوسف بن يعقوب بن السكيت عن الجمّاز قال: عيسى بن عمر أخو حاجب بن عمر، ويكنى حاجب أبا خشينة، روي عنه الحديث، وهما موليان لبني مخزوم، وهما من ولد الحكم بن عبد الله بن الأعرج الذي روي عنه الحديث. وحدث عن أحمد بن عبيد النحوي عن الأصمعي قال: حدثنا عيسى بن عمر قال: قدمت من سفر فدخل عليّ ذو الرمة، فعرضت أن لا أكون أعطيته شيئا، فقال: لا، أنا وأنت نأخذ ولا نعطي. قال الأصمعي: وحدثني عيسى بن عمر قال: لقد كنت أكتب بالليل حتى ينقطع سوئي أي وسطي. وحدث عن أحمد بن عبيد عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: اللهازم قيس بن ثعلبة وعجل وعنزة وتيم الله، قال عيسى بن عمر: أرى اللهازم تجمعوا كما تجمع لهازم الدابة قال: والرباب ثور وعكل [وتيم الله] وتيم عدي وضبة وأطحل كلهم إخوة، وإنما سموا الرباب لأنهم تجمعوا وتحالفوا، والرباعة جماعة القداح إذا ضمت، وجشم بن بكر وإخوتهم الأراقم، وليس بنسب، ولكن

стр. 2141

شبهت عيونهم بعيون الأراقم من الحيات فبقي عليهم. قال مؤلف الكتاب: أما قوله وأطحل فهو عجب من مثله لأن أطحل اسم جبل سكنه ثور فنسب إليه فقيل ثور أطحل، ولا يفرد في اسم القبيلة. وأما قوله إنهم تجمعوا مثل الربابة فأكثر أهل هذا الشأن يزعمون أنهم تجمعوا وغمسوا أيديهم في الربّ وتحالفوا على بني تميم. قال أبو العباس ثعلب: جمع الحسن بن قحطبة عند مقدمه مدينة السلام الكسائيّ والأصمعيّ وعيسى بن عمر، فألقى عيسى على الكسائي هذه المسألة: همّك ما أهمّك، فذهب الكسائي يقول يجوز كذا ويجوز كذا، فقال له عيسى: عافاك الله إنما أريد كلام العرب وليس هذا الذي تأتي به كلام العرب. قال أبو العباس: وليس يقدر أحد أن يخطىء في هذه المسألة لأنه كيف أعرب هذه الكلمة فهو مصيب، وإنما أراد عيسى بن عمر من الكسائي أن يأتيه باللفظة التي وقعت إليه. [٨٨٢] عيسى بن مردان الكوفي أبو موسى: ذكره محمد بن إسحاق النديم قال: قرأت بخط ابن الكوفي أنه أخذ عن أبي طالب المفضل بن سلمة وروى عنه. وله من الكتب: كتاب القياس على أصول النحو. [٨٨٣] عيسى بن المعلى بن مسلمة الرافقي أحد أدباء عصرنا: أخمل من ذكره خمول قطره، كان مؤدبا بمدينة الرقة التي على الفرات، وله شعر كثير وفضائل جمة وعدة تصانيف، منها كتاب تبيين الغموض في علم العروض وجدته بخطه وقد كتبه في سنة تسعين وخمسمائة، وعاش بعد ذلك. وله كتاب في اللغة حسن في مجلدين ضخمين رأيته بخطه أيضا. كتاب ديوان شعره مجلدان.

стр. 2142

[٨٨٤] عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمرو بن عبد الله المدني المعروف بقالون القارىء، كنيته أبو موسى: صاحب نافع بن أبي نعيم، مات سنة خمس ومائتين في أيام المأمون، ومولده سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، وقرأ على نافع سنة خمسين ومائة في أيام المنصور. وكان قالون أصم لا يسمع البوق، وكان إذا قرأ عليه قارىء ألقم أذنه فاه ليسمع قراءته، وهو مولى الأنصار. حدث أبو موسى قالون: كان نافع إذا قرأت عليه يعقد لي ثلاثين ويقول لي: قالون، قالون، يعني جيد بالرومية، وإنما كان يكلمه بذلك لأن قالون أصله من الروم، جدّ جده عبد الله من سبي أيام عمر بن الخطاب ﵁، فقدم به من أسره وباعه، فاشتراه بعض الأنصار فأعتقه، فهو مولى الأنصار. [٨٨٥] عيسى بن يزيد بن دأب الليثي: هو عيسى بن يزيد بن بكر بن كرز بن الحارث بن عبد الله بن أحمد بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وفي نسبه اختلاف هذا أظهره، أبو الوليد، الراوية النسّاب من أهل الحجاز، وكان يضعّف في روايته، مات في سنة احدى وسبعين ومائة في أول خلافة الرشيد. وحدث المرزباني قال، قال عبد الله بن جعفر: كان عيسى بن يزيد بن دأب يكنى أبا الوليد، وكان من رواة الأخبار والأشعار وحفاظهم، وكان معلما من علماء الحجاز. وحدث فيما رفعه إلى رفيع بن سلمة عن أبي عبيدة قال: أنشد ابن دأب:

стр. 2143

وهم من ولدوا أشبوا ... بسرّ الأدب المحض فبلغ ذلك أبا عمرو بن العلاء فقال: أخطأت استه الحفرة، إنما هو أشبؤوا أي كفوا، أما سمع قول الشاعر «١» : وذو الرمحين أشباك ... من القوة والحزم فبلغه عن ابن دأب شيء فقال: على نفسها تجني براقش «٢» ، أما سمعتم قول الليثي: ألا من مبلغ دأب بن كرز ... أبا الخنساء ذائدة الظليم فلا تفخر بأحمر واطّرحه ... فما يخفى الأغرّ من البهيم فعند الله سرّ من أبيه ... كراع زيد في عرض الأديم وحدث فيما رفعه إلى جابر بن الصلت البرقي قال «٣» : وعد المهدي ابن دأب جارية فوهبها له، فأنشد عبد الله بن مصعب الزبيري قول مضرّس الأسدي: فلا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان قدما بين أيد تبادره فضحك المهدي وقال: ادفعوا إلى عبد الله فلانة لجارية أخرى، فقال عبد الله بن مصعب: أنجز خير الناس قبل وعده ... أراح من مطل وطول كدّه فقال ابن دأب: ما قلت شيئا، هلا قلت: حلاوة الفضل بوعد منجز ... لا خير في العرف كنهب منهز فضحك المهدي وقال: أحسن الوفاء ما تقدمه ضمان. وحدث عن سعيد بن سلم قال «٤» : ما شيء أجلّ من العلم، كان ابن دأب أحفظ الناس للأنساب والأخبار، وكان تيّاها، فكان ينادم الهادي ولا يتغدّى معه ولا

стр. 2144

بين يديه فقيل له في ذلك فقال: أنا لا أتغدى في مكان لا أغسل يدي فيه، فقال له الهادي: فتغد، فكان الناس إذا تغدوا تنحّوا لغسل أيديهم وابن دأب يغسل يده بحضرة الهادي. وحدث المرزباني عن الحسين بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب عن موسى بن صالح قال «١» : كان عيسى بن دأب كثير الأدب عذب الألفاظ، وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد، وكان يدعو له بتكاء، ولم يكن يطمع أحد من الخلق في هذا في مجلسه ولا يفعل بغيره، وكان يقول له: ما استطلت بك يوما ولا ليلة، ولا غبت عن عيني إلا تمنيت ألّا ترى غيرك. وكان لذيذ المفاكهة طيّب المسامرة، كثير النادرة، جيد الشعر، حسن الانتزاع له، قال: فأمر له ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح ابن دأب وجّه قهرمانه إلى باب موسى الهادي وقال له: انطلق إلى باب الحاجب فقل له: توجّه إلينا بالمال، فانطلق فأبلغ الحاجب رسالته، فتبسم وقال: ليس هذا إليّ، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج لك كتابا إلى الديوان فتديره هناك ثم تفعل به كذا وتفعل به كذا، فرجع الرسول إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها فلا تعرض لها ولا تسأل عنها، قال: فبينما موسى في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد، فقال لابراهيم بن ذكوان الحراني (وإليه ينسب طاق الحراني ببغداد بالكرخ) : أما ترى ابن دأب ما غيّر من حاله ولا تزيّا لنا، وقد بررناه بالأمس ليرى عليه أثرنا، فقال إبراهيم: إن أذن لي أمير المؤمنين عرّضت له بشيء من هذا، فقال: لا هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب فأخذ في حديثه إلى أن عرّض له الهادي بشيء من أمره فقال: أرى في ثوبك غسيلا وهذا الشتاء محتاج فيه إلى لبس الجديد واللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عمّا أحتاج إليه، فقال: وكيف ذاك وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا صلاح شأنك معه؟! فقال: ما وصل إليّ ولا قبضت منه شيئا، فدعا بصاحب بيت المال فقال له: عجل الآن بثلاثين ألف دينار، فحملت بين يديه. وحدث بإسناد رفعه إلى أبي زهير قال: كان ابن دأب أحظى الناس عند

стр. 2145

الهادي، فخرج الفضل بن الربيع يوما فقال: إنّ أمير المؤمنين يأمر من ببابه بالانصراف، فأما أنت يا ابن دأب فادخل، قال ابن دأب: فدخلت وهو منبطح على فراشه وأن عينيه لحمراوان من السهر وشرب الليل فقال لي: حدثني بحديث من حديث الشراب، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، خرج نفر من كنانة إلى الشام يجلبون الخمر فمات أحدهم فجلسوا على قبره يشربون، فقال أحدهم: لا تصرّد هامة من شربها ... اسقه الخمر وإن كان قبر اسق أوصالا وهاما وصدى ... ناشعا ينشع نشع المنبهر كان حرّا فهوى فيمن هوى ... كلّ عود ذي هنون منكسر قال: فدعا بدواة فكتبها، ثم كتب إلى الخزان بأربعين ألف درهم وقال: عشرة آلاف لك وثلاثون ألفا للثلاثة الأبيات، قال: فأتيت الخزّان فقالوا: صالحنا على عشرة آلاف أنك تحلف لنا ألا تذكرها لأمير المؤمنين، فحلفت ألا أذكرها حتى يبدأني، فمات ولم يذكرها. وحدث قال: دخل ابن دأب على عيسى بن موسى عند منصرفه من فخّ فوجده واجما يلتمس عذرا لمن قتل، فقال له: أصلح الله الأمير، أنشدك شعرا كتب به يزيد بن معاوية يعتذر فيه إلى أهل المدينة من قتل الحسين بن علي ﵉؟ قال: أنشدني فأنشده «١» : يا أيها الراكب الغادي لطيّته ... على عذافرة في سيرها قحم أبلغ قريشا على شحط المزار بها ... بيني وبين حسين الله والرّحم وموقف بفناء البيت أنشده ... عهد الإله وما ترعى به الذمم عنّفتم قومكم فخرا بأمكم ... أمّ حصان لعمري برّة كرم هي التي لا يداني فضلها أحد ... بنت الرسول وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغركم ... من قومكم لهم في فضلها قسم إني لأعلم أو ظنا كعالمه ... والظنّ يصدق أحيانا فينتظم

стр. 2146

أن سوف يترككم ما تطلبون به ... قتلى تهاداكم العقبان والرّخم يا قومنا لا تشهوا القوم إذ خمدت ... ومسّكوا بحبال السلم واعتصموا قد جرّت الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا ... فربّ ذي بذخ زلّت به القدم قال: فسري عن عيسى بعض ما كان فيه. قال ابن مناذر يهجو ابن دأب «١» : ومن يبغ الوصاة فإنّ عندي ... وصاة للكهول وللشباب خذوا عن مالك وعن ابن عون ... ولا ترووا أحاديث ابن داب ترى الغاوين يتبعون منها ... ملاهي من أحاديث كذاب إذا طلبت منافعها اضمحلّت ... كما ينجاب رقراق السراب وحدث عن عمر بن أبي عبيدة النميري عن خاله ابن أبي شميلة قال: كان خلف الأحمر ينسب ابن دأب إلى الكذب، قال: فغدوت يوما أنا وخلف على ابن دأب، فأخذ في حديث ذي الخلصة حتى انقضى، فلما انصرفنا قلت لخلف: يا أبا محرز أتراه كذب؟ قال: لا أدري، والله لا أعرف مما حدث به قليلا ولا كثيرا. قال عمر: ولخلف الأحمر في أبي العيناء محمد بن عبيد الله «٢» : لنا صاحب مولع بالمراء ... كثير الخطاء قليل الصواب «٣» أشدّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب وليس من العلم في فقرة ... إذا حصل العلم غير التراب أحاديث ألفها شوكر ... وأخرى مؤلفة لابن داب قال المرزباني: وقوم يروون في هذه الأبيات زيادة، وأبيات خلف هي هذه،

стр. 2147

والزيادة عليها فيما ذكر المقدّمي والكراني لأبان بن عبد الحميد اللاحقي. وروى عبد الله بن المعتز عن عمر بن شبة قال: شوكر شاعر بالبصرة يضع الأخبار والأشعار. وحدث الرياشي قال، قال الأصمعي، قلت لخلف الأحمر: أما ترى ما جاء به ابن دأب؟ أين الحجاز والشوكري من الكوفة؟ فقال: إنما يروي لهؤلاء من يقول: قالت ستي، ويدعو ربه من دفتر، ويسبح بالحصى، ويحلف محيت المصحف، ويدع حدثنا وأخبرنا، ويقول أكلنا وشربنا. وزعم العنزي أنّ ابن دأب كان يتشيع ويضع أخبارا لبني هاشم، وكان عوانة بن الحكم عثمانيا ويضع أخبارا لبني أمية. وحدث مصعب بن عبد الله الزبيري قال: شيطان الردهة شيء وضعه ابن دأب، وهو ذو الثدية فيما زعم، قال: جاءت أمه تستسقي ماء فوقع بها شيطان فحملته وحدث المرزباني فيما رفعه إلى مصعب الزبيري عن أبيه قال «١» : كنا جماعة نجالس الهادي، أنا وسعيد بن سلم الباهلي وابن دأب وعبد الله بن مسلم العزيزي وكان أجرأنا عليه، فخرج علينا مغيظا متغيرا، فسأله العزيزي عن خبره فقال: لم أر كصاحب الدنيا أكثر آفات ولا أدوم هموما، قد عرفتم موضع لبانة بنت جعفر بن أبي جعفر مني وأثرتها عندي، وإنها أغلظت لي بادلالها في شيء فلم أجد صبرا فنلتها بيدي فندمت عليه، فسكتنا خوفا من تعنيفه أو تصويب رأيه فيبلغها ذلك، فقال ابن دأب: وما في ذلك يا أمير المؤمنين؟ هذا الزبير بن العوام حواريّ رسول الله ﷺ وابن عمته ضرب امرأته أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي من أفضل نساء زمانها حتى كسر يدها، وكان ذلك سبب مفارقته إياها لأنه قال: أنت طالق إن حال عبد الله بيني وبينك، يعني ابنه عبد الله بن الزبير، فلم يخلّه وخلصها، وهذا عمر ﵁ يقول: لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته، وهذا كعب بن مالك الأنصاري وهو أخو الزبير، آخى رسول الله ﷺ بينهما، عتب على امرأته، وهي من المهاجرات في شيء فضربها حتى حال بنوها بينهما فقال «٢» :

стр. 2148

لولا بنوها حولها لخبطتها ... إلى أن تداني الموت غير مذمّم ولكنهم حالوا بمنعي دونها ... فلا تعدميهم بين ناه ومقسم فمالت وفيها جائش من عبيطها ... كحاشية البرد اليماني المسهم قال: فضحك الهادي وسرّي عنه، وأمر بالطعام، وأمر لابن دأب بخمسين ألف درهم وخمسين ثوبا، قال عبد الله بن مصعب: فتأسفت كيف سبقني إلى شيء أحفظه مثل حفظه. وحدث أبو الطيب اللغوي في كتاب «مراتب النحويين» قال «١» : فأما مدينة الرسول ﷺ فلا نعلم بها إماما في العربية؛ حدث الأصمعي قال: أقمت بالمدينة زمانا مع جعفر بن سليمان الهاشمي واليها فما رأيت بالمدينة قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة، وكان ابن دأب يضع الشعر وأحاديث السمر وكلاما ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخفيت روايته، قال: وكان شاعرا وعلمه بالأخبار أكثر، قال الأصمعي: وأتعجب لابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان يقول «٢» : من رأى لي غزيّلي ... أربح الله تجارته وخضاب بكفّه ... أسود اللون قارته ثم قال الأصمعي: يا سبحان الله، يحذف الألف التي قبل الهاء في الله، ويسكن الهاء، ويرفع تجارته وهو منصوب، ويجوز هذا عنه، ويروي الناس عن مثله!! قال: ولقد سمعت خلفا الأحمر يقول: لقد طمع ابن دأب في الخلافة حين يجوز مثل هذا عنه. [٨٨٦] عيينة بن عبد الرحمن المهلبي يكنى أبا المنهال: ذكره الحاكم أبو عبد الله في

стр. 2149

«تاريخ نيسابور» فقال: عيينة بن عبد الرحمن أبو المنهال اللغوي المهلبي صاحب العربية تلميذ الخليل بن أحمد مؤدب الأمير أبي العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين، ورد معه نيسابور وتوفي بها، وروى عن داود بن أبي هند وسفيان بن عيينة وسعيد بن أبي عروبة ويحيى بن سليم «١» . ثم حدث بإسناد رفعه إلى المنهال أنه كان يقول: لا تتصدّ إلى تائق أو مائق. قال: قرأت بخط أبي عمر المستملي، سمعت أبا أحمد الفراء، سمعت عيينة المهلبي يقول، سمعت سعيد بن أبي عروبة يقول: ما وصّى الله الناس بشيء ما وصاهم بأوطانهم. قال عيينة: جاء رجل إلى جعفر بن محمد الصادق وهو يصلي فقال: إني مسترشد قال: اجلس، فجلس فلما قضى صلاته جاء إليه فقال: إن أبانا مات وتركني وأخا لي وهجينا، فقال جعفر: الملك بينكم أثلاث، فقال الأعرابي: الله الذي لا إله إلا هو أمر بهذا [قال: نعم] قال: رضيت رضيت رضيت. له كتاب في النوادر وكتاب في الشعر. قال أبو العباس: كان أبو المنهال مع إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وكان آنسا به يحادثه ويجالسه ويقرأ عليه، وكان السبب في ذلك أن أبا المنهال كان مع عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان، وكان يقدمه، وأحسن إليه ووصله بمائة ألف درهم، وكنا نجلس إليه، وقرأت عليه شيئا كثيرا، ومما قرأته عليه كتاب الأنصار وكتاب الأزد، وكان ينزل إلى القنطرة عند منازل العاصميين في موضع يقال له دار المهالبة، وكان أحد من لقي الناس وسمع، وكان حسن المعرفة بالاسناد والأخبار والأيام، وعمل كتابا لاسحاق في القرآن، وكان ابن الأعرابي لا يأتي إسحاق ولا يلقاه وكان يستأذنه في الانصراف إلى أهله ووطنه يوجّه إليه في كل سنة بدرج فيه من سماعه الاشارات الحسنة واللغة الفصيحة فإذا قرأه إسحاق وقّع إلى كاتبه: ادفع إليه ثلاثمائة دينار، فكان على ذلك إلى أن مات.

стр. 2150

حرف الغين [٨٨٧] غانم بن وليد المالقي أبو محمد المخزومي النحوي: قال ابن خاقان: هو عالم متفرّس، وفقيه مدرّس، وأستاذ مجوّد، وإمام لأهل الأندلس مجرد، وأما الأدب فكان جلّ شرعته، وهو رأس بغيته، مع فضل وحسن طريقة، وجدّ في جميع أموره وحقيقة، وله: صيّر فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط مجال للمحبّين ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين لا أعرف من أمره «١» إلا ما ذكره ابن عساكر «٢» في ترجمة علي بن أحمد بن طير قال: أنشدني غانم بن وليد النحوي لنفسه: ثلاثة يجهل مقدارها ... الأمن والصحة والقوت فلا تثق بالمال من غيرها ... لو أنه درّ وياقوت قال وأنشدني غانم لبعض الشعراء:

стр. 2151

يا أيها المبتغي أخا ثقة ... عدمت ما تبتغي فدع طمعك داج المداجين ما لقيتهم ... وخادع النفس لامرىء خدعك لا تكشف المرء عن سرائره ... ودعه تحت النفاق ما ودعك أظهر له مثل قول ذي بله ... تريه إن ضرّ أنه نفعك ولغانم أنشده ابن خاقان: الصبر أولى بوقار الفتى ... من قلق يهتك ستر الوقار من لزم الصبر على حاله ... كان على أيامه بالخيار

стр. 2152

حرف الفاء [٨٨٨] فاطمة بنت الأقرع الكاتبة: وجدت بخطها رقعة هذه نسختها: الأمة الكاتبة، بسم الله الرحمن الرحيم، ثقتي بالله وحده، خشعت لصولة عز المجلس العالي العادل المؤيدي المظفري المنصوري العزي السعدي الركني النصيري المجدي الشرفي الأميري، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، عقب الدهور، وانقادت لمشيئته تصاريف الأمور، وامتدّت إلى نواله آمال السؤال، وأناخت بفنائه رواحل الرجال، فما إنسان إلا موفور ببره، ولا لسان إلا مسبّح بشكره، ولا أمل إلا مصروف إليه، فأعطاه الله تعالى من الآمال في نفسه وذويه ما لا يرنو إليه طرف، ولا يأتي عليه وصف: حتى تسير مسير الشمس رايته ... وتعتلي باسمه العالي على القمر ويختم الأرض طرّا طين خاتمه ... ويغتدي أمره أمضى من القدر ومن بعد، فقد ذهبت- أطال الله بقاء المجلس العالي وأعز سلطانه- في درج قد قرنته بهذه الرقعة، مذهب المطرف المعجب، وهو مما لم أسبق إلى مثله من مقدّمي أهل هذه الصناعة من الذكور دون الاناث، أظهرت فيه المعجز من عاجز، والكامل من ناقص، كما قال قابوس بن وشمكير: وقد يستعذب الشّريب من منبع

стр. 2153

الزّعاق، ويستطاب الصهيل من مخرج النهاق، جعلت في ذلك إقبال المجلس العالي- ضاعف الله اقتداره قائدا إلى طرق الرشاد، وعزّ سلطانه هاديا مبصّرا إلى سبل الإصابة والمراد- وأظهرت الحروف مفصولة وموصولة، ومعماة ومفتحة، في أحسن صيغها، وأبهج خلقها، منخرطة المحاسن في سلك نظامها، متساوية الأجزاء في تجاورها والبناء، فهي لينة المعاطف والارداف، متناسبة الأوساط والأطراف، ظاهرها وقور ساكن، ومفتّشها رهج مائن، وإن استخدمت إلى مهمّ يسنح أوفيت فيه على كل مرتسم في هذا الشأن قديما وحديثا وسالفا وآنفا، أؤمل بذلك الحظوة من إحماده وجميل رعايته، سمع الله سبحانه فيه كلّ دعاء مستجاب من الأمة الكاتبة ومن يتعلق عليها من وليدة ومولود، وشريف ومشروف، وعجوز داعية، وأمة خادمة، لما يوليها وينعم عليها ويعرف موضع خدمتها ومحلّ صنعتها، لا سلبها الله وسائر الخلق ظله بمنّه. قد ترادف الأنعام عليها دفعة بعد أخرى وثانية بعد أولى على يد الشيخ الأجل السيد فخر الكفاة أبي الحسين، أدام الله تأييده وتولّى عني من غير حقّ عارفته ما لا تقوم بوسعه ألسنة القائلين. وشكر الشاكرين، فإذا أنعم على ما أصدرته من الخدم بلحظة، وأحسن إليه بلمحة، أدركت حظي، وحزت أملي، والرأي السامي في إجابتي إلى ما سألت وإثباتي في جملة المغمورين بالإحسان من الأدباء والحشم والعبيد والخدم، [دام] علوه وشرفه إن شاء الله تعالى. [ترجمة ثانية] [٨٨٨] فاطمة بنت الحسن بن علي العطار أم الفضل المعروفة ببنت الأقرع الكاتبة صاحبة الخط المليح المعروف: ماتت فيما ذكره تاج الإسلام ومن خطه نقلت: (قاله المؤلف عن أبي الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي الحافظ) في يوم الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم من شهور سنة ثمانين وأربعمائة. قال السمعاني: وكان لها خط مليح حسن، وهي التي أهّلت لكتابة كتاب الهدنة إلى ملك الروم من الديوان العزيز، وسافرت إلى بلاد الجبل إلى العميد أبي نصر الكندري، وكتب الناس

стр. 2154

على خطها، وكانت تكتب طريقة ابن البواب. سمعت أبا عمر عبد الواحد بن عبد الله بن مهدي الفارسي وغيره، سمع منها أبو القاسم مكي بن عبد الله الرميلي الحافظ، وروى لنا عنها أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي وأبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي ببغداد وأبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن البغدادي الحافظ بأصبهان وغيرهم. سمعت أبا بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد البزاز العرضي يقول: سمعت الكاتبة بنت الأقرع تقول: كتبت ورقة لعميد الملك أبي نصر الكندري وأعطاني ألف دينار. أخبرنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الحافظ بقراءتي عليه، أخبرتنا فاطمة بنت الحسن بن علي العطار المقرىء قالت، أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي الفارسي، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا الأعمش عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه. أنشدنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر الحافظ الأشعبي، أنشدتنا الكاتبة أم الفضل فاطمة بنت الحسن بن علي المقرىء قالت: أنشدنا أبو القاسم المطرز في دارنا بقطيعة الربيع لنفسه: سرى مغرما بالعيس ينتجع الركبا ... يسائل عن بدر الدجى الشرق والغربا إذا ملأ البدر العيون فعنده ... لعينك بدر يملأ العين والقلبا ولما هوى دمعي ليوم فراقه ... عقيقا تهاوى دمعه لؤلؤا رطبا إذا لم تبلّغني إليكم ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا

стр. 2155

[٨٨٩] الفتح بن خاقان بن أحمد القائد وقيل الفتح بن خاقان بن غرطوج، كذا قال المرزباني في «كتاب المعجم» . قال محمد بن إسحاق النديم: كان في نهاية الذكاء والفطنة وحسن الأدب، وكان من أولاد الملوك، واتخذه المتوكل أخا، وكان يقدّمه على جميع أولاده، قتل مع المتوكل ليلة قتل بالسيوف لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين بالمتوكلية، وكانت له خزانة كتب جمعها له علي بن يحيى المنجم لم ير أعظم منها كثرة وحسنا، وكان يحضر داره فصحاء الأعراب وعلماء الكوفيين والبصريين، قال أبو هفان «١» : ثلاثة لم أر قطّ ولا سمعت بأكثر محبة للكتب والعلوم منهم: الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل بن إسحاق القاضي. قال المؤلف: وباقي القصة في أخبار الجاحظ فكرهت التكرار. وللفتح من التصانيف: كتاب البستان صنفه رجل يعرف بمحمد بن عبد ربه ويلقب برأس البغل ونسبه إليه. كتاب الصيد والجوارح. وذكره أبو القاسم في «تاريخ الشام» فقال: الفتح بن خاقان بن غرطوج التركي أبو محمد، قدم الشام مع المتوكل معادله على جمازة، ثم نزل بالمزّة، فلما رحل المتوكل عن دمشق استخلف بها كلباتكين التركي. وكان على خاتم المتوكل وقتل معه، روى عنه أبو زكريا يحيى بن حكيم الأسلمي شيئا من شعره، وأبو العباس المبرد وأحمد بن يزيد المؤدب، ولم يذكره الخطيب في تاريخه «٢» .

стр. 2156

وعن محمد بن القاسم قال: دخل المعتصم يوما إلى خاقان بن غرطوج يعوده فرأى الفتح بن خاقان ابنه وهو صبي لم يتّغر فمازحه ثم قال: أيما أحسن داري أم داركم؟ فقال الفتح بن خاقان: يا سيدي دارنا إذا كنت فيها أحسن، فقال المعتصم: لا أبرح والله حتى أنثر عليه مائة ألف درهم، وفعل ذلك. وعن أبي العباس المبرد قال: أنشد الفتح بن خاقان «١» : لست مني ولست منك فدعني ... وامض عني مصاحبا بسلام وإذا ما شكوت ما بي قالت ... قد رأينا خلاف ذا في المنام فزاد الفتح بن خاقان: لم تجد علة تجنّى بها الذن ... ب فصارت تعتلّ بالأحلام قال المبرد: وسمعت الفتح ينشد قبل أن يقتل بساعات هذا البيت وهو: وقد يقتل الغتميّ مولاه غيلة ... وقد ينبح الكلب الفتى وهو غافل وكان الفتح يتعشق خادما للمتوكل اسمه شاهك وله فيه أشعار منها: أشاهك ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني دما بعد الدموع تسيل وبي منك والرحمن ما لا أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل أشاهك لو يجزى المحبّ بوده ... جزيت ولكنّ الوفاء قليل قال ابن حمدون: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاص من سرّه، فقال لي مرة: شعرت يا أبا عبد الله أني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما دخلت منزلي استقبلتني فلانة- يعني جاريته- فلم أتمالك أن قبلتها، فوجدت فيما بين شفتيها هواء لو رقد المخمور فيه لصحا، فكان هذا من مستحسن كلام الفتح، فكأن الوأواء الدمشقي سمع هذا حتى قال: سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه ... فأفنيته حتى الصباح عناقا يطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا تملّكني لما تملّك مهجتي ... وفارقني لما أمنت فراقا

стр. 2157

ووجدت في بعض المجاميع للفتح بن خاقان يصف الورد: أما ترى الورد يدعو الشاربين إلى ... حمراء صافية في لونها صبب مداهن من يواقيت مركّبة ... على الزمرّد في أجفانها ذهب خاف الملال إذا طالت إقامته ... فصار يظهر أحيانا ويحتجب وكان أديبا فاضلا زكيّ النفس حسن العشرة لطيف الأخلاق متوددا محببا إلى كل من يكلمه، وكان غاية في الجود، وكان قد تنزل من المتوكل بمنزلة الروح من الجسد، وكان خدم قبله المعتصم والواثق؛ فذكر أبو العيناء قال: قال الفتح بن خاقان: غضب عليّ المعتصم ثم رضي عني وقال لي: ارفع حوائجك لتقضى، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شيء من عرض الدنيا وإن جلّ يفي برضى أمير المؤمنين وإن قلّ؛ قال: فأمر فحشي فمي جوهرا. أخبرني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار الحافظ قال: أخبرني أبو القاسم الثعلبي، حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا الخطيب أبو بكر، أخبرنا محمد بن محمد بن المظفر السراج، حدثنا المرزباني، أخبرني محمد بن يحيى الصولي، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني وهب بن وهب بن وهب، حدثني البحتري قال «١» : قال المتوكل: قل فيّ شعرا وفي الفتح فإني أحبّ أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي ولا يفقدني فيذل، فقل في هذا المعنى فقلت أبياتي: سيدي أنت كيف أخلفت وعدي ... وتثاقلت عن وفاء بعهدي فقلت فيها: لا أرتني الأيام فقدك يا فت ... ح ولا عرّفتك ما عشت فقدي أعظم الرزء أن تقدّم قبلي ... ومن الرزء أن تؤخّر بعدي حسدا أن تكون إلفا لغيري ... إذ تفردت بالهوى قبل وحدي قال البحتري: فقتلا معا وكنت حاضرا وربحت هذه الضربة، وأومأ إلى ضربة

стр. 2158

في ظهره؛ فقال: أحسنت والله يا بحتري وجئت بما في نفسي، وأمر لي بألف دينار. وقال غير وهب الراوي للخبر، قال البحتري: قد كنت عملت هذه الأبيات في غلام كنت أكلف به، فلما أمرني المتوكل بما أمر تنحيت فقلت الأبيات وأريته أنني عملتها في وقتي وما غيرت فيها إلا لفظة واحدة فإنني كنت قد قلت: لا أرتني الأيام فقدك ما عشت فجعلته يا فتح. وتحدث الشمشاطي علي بن محمد، حدثني محمد بن عبد الله، حدثني أحمد بن الفضل الهاشمي، حدثنا علي بن الجهم القرشي قال: دخلت على المتوكل يوما وهو جالس وحده فسلمت عليه فردّ السلام وأجلسني، فحانت مني التفاتة فرأيت الفتح بن خاقان واقفا في غير رتبته التي كان يقوم فيها، متكئا على سيفه مطرقا، فأنكرت حاله، فكنت إذا نظرت إليه نظر إلى الخليفة فإذا صرفت وجهي نحو الخليفة أطرق، فقال: يا علي أأنكرت شيئا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: ما هو؟ قلت: وقوف الفتح في غير رتبته التي كان يقوم فيها، قال: سوء اختياره أقامه ذلك المقام، قلت: ما السبب يا أمير المؤمنين؟ قال: خرجت من عند قبيحة آنفا فأسررت إليه سرا فما عداني السرّ أن عاد إليّ، قلت: لعلك أسررته إلى غيره يا أمير المؤمنين، قال: ما كان هذا، قلت: فلعل مستمعا استمع عليكما، قال: ولا هذا أيضا، قال: فأطرقت مليا ثم رفعت رأسي فقلت: يا أمير المؤمنين قد وجدت له مما هو فيه مخرجا، قال: ما هو؟ قلت: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا المستمرّ بن سليمان عن أبي الجوزاء قال: طلقت امرأتي في نفسي وأنا في المسجد ثم انصرفت إلى منزلي فقالت لي امرأتي: أطلقتني يا أبا الجوزاء؟ قلت: من أين لك هذا؟ قالت: خبرتني جارتي الأنصاريّة، قلت: ومن خبّرها بذلك؟ قالت: ذكرت أن زوجها خبرها بذلك، فغدوت على ابن عباس فقصصت عليه القصة فقال: علمت أن وسواس الرجل محدّث وسواس الرجل فمن ها هنا يفشو السر. قال أبو نعيم: فكان في نفسي من هذا شيء حتى حدثني حمزة الزيات قال: خرجت سنة من السنين أريد مكة، فلما جزت في بعض الطريق ضلّت راحلتي فخرجت أطلبها، فإذا باثنين قد قبضا عليّ أحسّ حسّهما وأسمع كلامهما ولا أرى

стр. 2159

شخصهما، فأخذاني وجاءا بي إلى شيخ قاعد على تلعة من الأرض حسن الشيبة، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام، فأفرخ روعي ثم قال: من أين، وإلى أين؟ فقلت: من الكوفة أريد مكة، قال: ولم تخلفت عن أصحابك؟ فقلت: ضلت راحلتي فجئت أطلبها، فرفع رأسه إلى قوم على رأسه فقال: زاملة، فأنيخت بين يدي، ثم قال لي، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: هاته فقرأت حم الأحقاف حتى انتهيت إلى هذه الآية: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ (الأحقاف/ ٢٩) الآية فقال لي: على رسلك تدري كم كانوا؟ قلت: اللهم لا، قال: كنا أربعة وكنت المخاطب لهم عنه ﷺ ، فقلت: يا قوميا أجيبوا داعي الله. ثم قال لي: أتقول الشعر؟ قلت: اللهم لا. قال: أفترويه؟ قلت: نعم، قال: هاته، فأنشدته قصيدة: أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم ... بحومانة الدرّاج فالمتثلم فقال: لمن هذه؟ فقلت: لزهير بن أبي سلمى، قال: الجني؟ قلت: بل الانسى مرارا، فرفع رأسه إلى قوم على رأسه فقال: زهير، فأتي بشيخ كأنه قطعة لحم فألقي بين يديه فقال له: يا زهير، قال: لبيك، قال: «أمن أم أوفى» لمن؟ قال: لي؛ قال: هذا حمزة الزيات يذكر أنها لزهير بن أبي سلمى الإنسي، قال: صدق هو وصدقت أنت. قال: وكيف هذا؟ قال: هو إلفي من الإنس وأنا تابعه من الجن أقول الشيء فألقيه في وهمه ويقول الشيء فآخذه عنه، فأنا قائلها في الجن وهو قائلها في الإنس. قال أبو نعيم فصدّق عندي هذا الحديث حديث أبي الجوزاء أنّ وسواس الرجل يحدث وسواس الرجل فمن ها هنا يفشو السر، قال: فاستفرغ المتوكل ضحكا وقال: إليّ يا فتح، فصبّ عليه خلعا وحمل على شيء من الظهر وأمر له بمال وأمر لي بدون ما أمر له به، فانصرفت إلى منزلي وقد شاطرني الفتح ما أخذ فصار الأكثر إليّ والأقل عنده. قال جحظة في «أماليه» حدثني المبرد قال أنشدني الفتح بن خاقان لنفسه «١» : وإني وإياها لكالخمر والفتى ... متى يستطع منها الزيادة يزدد

стр. 2160

إذا ازددت منها ازددت وجدا بقربها ... فكيف احتراس من هوى متجدد قال فحدثني ابن حمدون قال: لما قال الفتح هذه الأبيات أنشدتها المتوكل فسألني عن قائلها فعرّفت أنه الفتح، فاستحسنها وقال لي: بأبي أنت من جامع محاسن الدنيا. وبلغ هذا الشعر أبا علي البصير الفضل بن جعفر فقال في الفتح: سمعت بأشعار الملوك فكلّها ... إذا عضّ متنيه الثقاف تأودا سوى ما رأينا لامرىء القيس إننا ... نراه إذا لم يشعر الفتح أوحدا قال المرزباني: ومن شعر الفتح بن خاقان «١» : بني الحبّ على الجور فلو ... أنصف المحبوب فيه لسمج ليس يستملح في حكم الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج قال المؤلف وهذان البيتان يرويان لعلية بنت المهدي. قال المرزباني: وللفتح بن خاقان «٢» : أيها العاشق المعذب صبرا ... فخطايا أخي الهوى مغفوره زفرة في الهوى أحطّ لذنب ... من غزاة وحجّة مبروره وقال عمران بن موسى: سمعت الفتح بن خاقان يقول لأحمد بن أبي فنن الشاعر: يا أحمد، قال: لبيك يا سيدي (وهذا في أول سنة سبع وأربعين ومائتين) [قال] : اعمل أبياتا حسانا تمدح بها سيدي أمير المؤمنين واذكر في آخرها أني شفيعك حتى آخذ لك منه ما يسدّ خلتك، فما أسرع فقدك لي، فبكى ابن أبي فنن وقال: يا سيدي على الدنيا بعدك لعنة الله، قال له: على الدنيا قبلي وبعدي لعنة الله فما صافت منحرفا عنها نابذا لها، ولا وفت لمتمسك بها راغب فيها. أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي: حدثنا العباس بن الفضل الربعي، حدثنا علي بن الجهم قال: إني لعند المتوكل يوما والفتح بن خاقان حاضر إذ قيل له: فلان النخاس بالباب، فأذن له فدخل ومعه وصيفة، فقال له أمير المؤمنين: ما صناعة هذه

стр. 2161

الوصيفة: قال تقرأ بالألحان، فقال الفتح: اقرئي لنا خمس آيات فاندفعت تقول: قد جاء نصر الله والفتح ... وشقّ عنا الظلمة الصبح خدين ملك ورجا دولة ... وهمه الاشفاق والنصح الليث إلا أنه ماجد ... والغيث إلا أنه سحّ وكلّ باب للندى مغلق ... فإنما مفتاحه الفتح قال: فو الله لقد دخل المتوكل من السرور ما قام إلى الفتح فوقع عليه يقبله ووثب الفتح فقبل رجله، فأمره أمير المؤمنين بشرائها وأمر لها بجائزة وكسوة وبعث بها إلى الفتح فكانت أحظى جواريه عنده، فلما قتل الفتح رثته بهذه الأبيات: قد قلت للموت حين نازله ... والموت مقدامة على البهم ولو تبينت ما فعلت إذن ... قرعت سنا عليه من ندم فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به ... ما بعد فتح للموت من ألم ولم تزل تبكي وتنوح عليه حتى ماتت. [٨٩٠] الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي الاشبيلي: وقيل هو من أهل أندلس «١» ، أديب فاضل شاعر بليغ فصيح بذيء اللسان قوي الجنان في هجاء الأعيان، وكان متهم الخلوة فيما بلغني، مات في حدود سنة ثلاث وخمسمائة «٢» وقال العماد: سألت عنه بمصر فقيل إنه عاش بالمغرب إلى عهد شاور بمصر، فقد توفي بعد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وقال لي بعض المغاربة إنه توفي قبل هذا التاريخ.

стр. 2162

له من التصانيف كتاب قلائد العقيان. كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس. حدثني الصاحب الكبير العالم جمال الدين الأكرم، أدام الله علوه، قال: لما عزم ابن خاقان على تصنيف «كتاب قلائد العقيان» جعل يرسل إلى كلّ واحد من ملوك الأندلس ووزرائها وأعيانها من أهل الأدب والشعر والبلاغة ويعرّفه عزمه ويسأل إنفاذ شيء من شعره ونظمه ونثره ليذكره في كتابه، وكانوا يعرفون شرّه وثلبه، فكانوا يخافونه وينفذون إليه ذلك وصرر الدنانير، فكلّ من أرضته صلته أحسن في كتابه وصفه وصفته، وكلّ من تغافل عن برّه هجاه وثلبه، وكان ممن تصدّى له وأرسل إليه أبو بكر ابن باجة المعروف بابن الصائغ، وكان وزير ابن تيفلويت «١» صاحب المرية، وهو أحد الأعيان وأركان العلم والبيان، شديد العناية بعلم الأوائل، مستول على أصل الأشعار والرسائل، وكانوا يشبّهونه بالمغرب بابن سينا بالمشرق، وله تصانيف في المنطق وغيره، فلما وصلته رسالته تهاون بها ولم يعرها طرفه، ولا لوى نحوها عطفه، وذكر ابن خاقان بسوء بلغه، فجعله ختم كتابه، وصيّره مقطع خطابه، وقال «٢» : أبو بكر ابن الصائغ: هو رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، وضلّ فيما يتسرع، ولا يأخذ في غير الأباطيل ولا يشرع، ولا يرد سوى الغمة ولا يكرع، ناهيك من رجل ما تطهّر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده توار في جدث، ولا أقر ببارئه ومصوّره، ولا فرّ عن تباريه في ميدان تهوره، الاساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الانسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله العليّ العظيم، ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن يكون إلى الله الفيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، فهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الانسان نبات ونور، مع منشأ وخيم، ولؤم أصل وخيم، وصورة شوّهها الله وقبحها، وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها، وقذارة يوبىء البلاد نفسها. ووضارة يحكي الحدّاد دنسها. وله نظم أجاد فيه بعض الاجادة، وشارف الإحسان أو كاده.

стр. 2163

مع كلام طويل وهجو وبيل، وبلغ ذلك ابن الصائغ فأنفذ له مالا استكفه به واستصلحه. وصنف ابن خاقان كتابا آخر سماه «مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ذيل شعراء الأندلس» «١» وصله بقلائد العقيان، افتتحه «٢» بذكر ابن الصائغ وأثنى عليه فيه ثناء جميلا فقال: الوزير أبو بكر ابن الصائغ: هو بدر فهم ساطع، وبرهان علم لكلّ حجة قاطع، تفوّحت بعطره الأعصار، وتطيبت بذكره الأمصار، وقام به وزن المعارف واعتدل، ومال وتهدل، وعطّل بالبرهان التقليد، وتنفق بعد عدمه الاختراع والتوليد. إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وان طما بحر خاطره فهو لكلّ شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، والجد الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يودّ عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى [المشتري] ان يعرفه، ونظم تتمناه اللبّات والنحور، وتدعيه مع نفاسة جوهرها البحور، وقد أتيت بما تهوى الأعين النّجل أن يكون إثمدها، ويزيل من النفس حزنها وكمدها، فمن ذلك قوله يتغزل: أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي سكّان ودوموا على حفظ الوداد فطالما ... بلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا سلوا الليل عنّي مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان وهل جردّت أسياف برق دياركم ... فكانت لها إلا جفوني أجفان وله: اتأذن لي آتي العقيق اليمانيا ... أسائله ما للمغاني وماليا وسل دارهم بالحزن أقفر إنني ... تركت الهوى يقتاد فضل زماميا فيا مكرع الوادي أما فيك شربة ... لقد سال فيك الماء أزرق صافيا ويا شجرات الجزع هل فيك وقفة ... فقد فاء فيك الفيء أخضر ضافيا وقد جرى في هذا الميدان فأحسن كلّ الإحسان.

стр. 2164

[٨٩١] الفضل بن إسماعيل التميمي أبو عامر الجرجاني: أديب أريب فاضل لبيب، أحد أصحاب عبد القاهر الجرجاني النحوي، وكان مليح الخط صحيح الضبط رائق النظم فصيح النثر جيد التصنيف حسن التأليف، ذكره محمد بن محمود في «كتاب سر السرور» فقال: رباع الفضل بتصانيفه عامرة، ورياض الأدب بكلماته ناضرة، فكأنّ الربيع فضلة من بدائعها، والزهر ضرّة لروائعها، وشعره يطرق السحر بين يديه، وتهتف الملح بحفافيه، تقرأ آيات الإحسان من أبياته، وتخفق عذبات الابداع من راياته، وله تصنيفات باسم الشيخ الأجل عبد الحميد أهداها إليه بغزنة فأشرقت بها أرجاؤها، وأغدقت أنواؤها. منها: كتاب البيان في علم القرآن. وكتاب عروق الذهب من أشعار العرب. وكتاب سلوة الغرباء وغيرها. وقال عبد الغافر في «كتاب السياق» : الفضل بن إسماعيل التميمي الشيخ أبو عامر الجرجاني النحوي الكاتب الأديب الشاعر من أفاضل عصره، وأفراد دهره، حسن النظم والنثر، متين في الفضل، كتب مدة للشيخ الرئيس أبي المحاسن الجرجاني وغيره، وصحب الكتّاب والمشايخ، سمع الحديث من المشايخ الذين سمعنا منهم مثل الشيخ أبي سعد ابن رامش وأبي نصر ابن رامش المقرىء وأبي بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي وأبي القاسم إسماعيل بن زاهر النوقاني، وسمع من الشيخ أبي بكر أحمد بن منصور بن خلف المغربي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وسمع من المشايخ الإسماعيلية وغيرهم في شبابه، ولم يذكر وفاته لكنه كان قد مات في حياة عبد الغافر. وكان ورد نيسابور واجتمع به الأديب يعقوب بن أحمد المذكور في بابه وسأله أن يكتب له بخطه في كتابه الذي سماه «جونة الند» وهو مجموع جمع فيه يعقوب من

стр. 2165

أشعار نفسه وغيره من أهل عصره ومن تقدمه، وظفرت أنا بأصل يعقوب الذي بخطه وفيه بخط أبي عامر الذي لا أرتاب به ما نقلته بصورته بعد أن أسقطت بعض النظم، وأما النثر فلا، وهذا نسخة خطه: سألني الشيخ الجليل الأديب- أدام الله نعمته- أن أكتب له في هذا الدفتر شيئا من هاذوري، فترجحت بين صوارف تنهاني عن الاجابة سترا لعورتي، ودواع تحثني على امتثال رسمه إظهارا لطاعتي، وأنا على كلّ حال واثق بكرمه، ساكن إلى حسن شيمه، وعالم انه يحرص على إقالة عثرة الاخوان، وستر عيوبهم بقدر الإمكان، والله أسأل أن يجبر نقيصتنا بفضيلته، ويمحو إساءتنا بحسنته، فانه عليه قدير، وها هو الهاذور: بالله يا حتفي أما تستحي ... حتى متى توردني حتفي تحلف لي أنك في كفّي ... وعضّ كفي منك في كفي وأنت يا قلبي إلى كم وكم ... تحيل بالذنب على طرفي وأيضا: خدّه الياسمين والخطّ فيه ... سنبل نابت على ياسمين سمته قبلة فقال تحرّز ... بين صدغيّ عقدتا التنين وأيضا: إذا حفزتك نائبة لأمر ... فجئت إلى صغير أو كبير فكاثره بهزّ بعد هزّ ... فإن الزبد بالمخض الكثير وأيضا في الرئيس أبي الفضل أدام الله علوه: تولّى الغانيات فليس عندي ... لهنّ سوى هوى أخفي وأبدي رأين الشيب ألبسني قتيرا ... على حدّ البلى فنقضن عهدي وسالمني الغيور فكلّ يوم ... يوازن بيننا ودّ بودّ وقنعني الزمان فلست آسى ... على فوت الثراء وأنت عندي وكلّ تعجبى طول الليالي ... لذلة ماجد يسعى لوغد فشكرا للإله فقد كفاني ... تولّي غير عباس بن سعد

стр. 2166

له قلبي وخالصتي وودي ... وفيه تردّدي وإليه قصدي ومنه معيشتي وصلاح حالي ... ومعصوب «١» به غيّي ورشدي وكلّ الناس يشرك في هواه ... وقد أفردته بهواي وحدي فان أفزع فكهف علاه حرزي ... وان أعطش فبحر نداه وردي فضلت الناس مأثرة وفخرا ... وطلتهم باحسان ومجد ولما صرت عبدك صار يرضى ... أنو شروان لو أرضاه عبدي أدلّ عليك إدلال الموالي ... فلا نكر لديك ولا تعدي وتلك مزيّة لي ليس تخفى ... ورثت مكانها من ابي وجدي فعش ألفا معي في خير حال ... وألفا بعدها ألفان بعدي فكلّ الناس دونك آل قفر ... يغرّ بلمعة من غير رفد وأنت الفرد مكرمة فكن لي ... تكن فردا بلا شكّ لفرد وأيضا: نشدّ على الموت مستبسلين ... غلاظ الرقاب غلاظ الكبود ونفترع البيض سود القرون ... صفر الترائب حمر الخدود وله أيضا: عذيري من شاطر أغضبوه ... فجرّد لي مرهفا باتكا يقول أنا لك يا ابن الوكيل ... وهل لي رجاء سوى ذلكا أيضا: إني بليت بشادن ... بلواه عندي تستحبّ فإذا بلوت طباعه ... فالماء يشرب وهو عذب وإذا نضوت ثيابه ... فاللوز يقشر وهو رطب وقصار وصفي أنه ... فيما أحبّ كما أحبّ

стр. 2167

وأيضا: قد ضاق صدري من صدور زماننا ... فهم جماع الشرّ بالاجماع يتضارطون فان شكوت ضراطهم ... شفعوا سماع الضّرط بالاسماع هذا يفرقع في الضراط وذاكم ... يرمي بمثل حجارة المقلاع ومن البلية أن تعاشر معشرا ... يتضارطون الدهر بالايقاع وله: مللت مكافحة الحادثات ... وكنت بها معجبا عاجبا وحيرني الدهر حتى نشدت ... حماري وكنت له راكبا وأيضا: اصبحت مثل عطارد في طبعه «١» ... إذ صرت مثل الشمس في الإشراق فلذاك ما ألقاك يوما واحدا ... إلا قضيت عليّ بالاحراق الشيخ الجليل الأديب، أدام الله نعمته، وأنعم عليّ بقراءة ما علقه عن دفتري عليّ، والله يمتعه به وبفضله، ويقر عين العلم بحراسته، وسمع معه ابنه الشيخ الفاضل أبو بكر الحسن، والفقيه الفاضل العالم أبو المجد محمد بن أبي القاسم، أبقاهما الله، وكذلك سمعوا جميعا ما أبنته من هاذوري بخطي. وكتب الفضل بن إسماعيل أبو عامر الجرجاني ومن خطه نقلت: كتب إليّ الكيا الأجل أبو الفتح ﵀: أبا عامر إن الرتائم إنما ... تذكّر بالأمر العبام المغمّرا ولكنّ من عيناه درج فؤاده ... فليس بمحتاج إلى أن يذكّرا وكتب أيضا إليّ الشيخ الإمام أبو بكر عبد القاهر «٢» : ما أبو عامر سوى اللطف شيء ... إنه جملة كما هو روح

стр. 2168

كلّ ما لا يلوح من سرّ معنى ... عند تفكيره فليس يلوح قال المؤلف: هذا آخر ما نقلته من خط أبي عامر ﵀. وله من التصانيف: كتاب عروق الذهب في الشعر واختياره. كتاب قلائد الشرف في الشعر أيضا. كتاب البيان في علم القرآن. كتاب سلوة الغرباء. ونقلت من خط الأديب يعقوب بن أحمد النيسابوري وتصنيفه رقعة كتبها الشيخ الفقيه الجليل أبو عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني، أدام الله تأييده، إلى الشيخ الرئيس الشهيد أبي المحاسن سعد ﵀، قال يعقوب: وكتبتها من خطه إبان مقدمه نيسابور في شعبان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة: أنا في هذه السنة- أطال الله بقاء الشيخ- من الاختلال والتكشف، والاعتلال والتشعث، على صورة أستحيي من عرضها وآنف من شرحها، وقد رحل عامتها بما أشكر الله تعالى عليه، وأدّرع الصبر في كل ما يمتحن عباده به، وأعمل الحيلة من الآن في استقراض ما عسى أن يبلغني المحل، ولكن من يقرض أبا فرعون «١» بعد وقوفه بالأبواب مع العصا والجراب؟ وأسأل الله تعالى السلامة ثم أسأل سيدنا أن ينظر واحدة فيما أقول من قبل ان يعضل الداء فلا ينفع الدواء، ويعظم النقب فلا ينجع الهناء، وان يجعل عنوان بره أن لا يرى تعليق هذه الرقعة ضراعة أو رقاعة، فما في شرط الحكمة أن أكتم عنه متربة، وأتضوّر جوعا ومسغبة، ولولا مكاني من خدمته، ومكاني من شفقته، لكان استفاف الملّة أحبّ إليّ من اظهار الخلّة والسلام. ومن «كتاب مرو» لأبي سعد السمعاني لأبي عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني التميمي يصف الهر: إنّ لي هرة خضبت شواها ... دون ولدان منزلي بالرقون ثم قلدتها لخوفي عليها ... ودعات تردّ شرّ العيون كلّ يوم أعولها قبل أهلي ... بزلال صاف ولحم سمين وهي تلعابة إذا ما رأتني ... عابس الوجه وارم العرنين فتغنّي طورا وترقص طورا ... وتلهّى بكلّ ما يلهيني

стр. 2169

لا أريد الصلاء ان ضاجعتني ... عند برد الشتاء في كانون وإذا ما حككتها لحستني ... بلسان كالمبرد المسنون وإذا ما جفوتها استعطفتني ... بأنين من صوتها ورنين وإذا ما وترتها كشفت لي ... عن حراب ليست متاع العيون أملح الخلق حين تلعب بالفا ... ر فتلقيه في العذاب المهين وإذا مات حسّه أنشرته ... بشمال مكروبة أو يمين وتصاديه بالغفول فان را ... م انجحارا علته كالشاهين وإذا ما رجا السلامة منها ... عاجلته ببطشة «١» التنين وكذاك الأقدار تفترس المر ... ء وتغتاله بقطع الوتين بينما كان في نشاط وأنس ... إذ سقاه ساق بكاس المنون ويروى له: علّقتها بيضاء ظامئة الحشا ... تسبي القلوب بحسنها وبطيبها مثل الشقائق في احمرار خدودها ... للناظرين وفي اسوداد قلوبها وله: وقد يستقيم المرء فيما ينوبه ... كما يستقيم العود في عرك أذنه ويرجح من فضل الكلام إذا مشى ... كما يرجح الميزان من فضل وزنه [٨٩٢] الفضل بن إبراهيم بن عبد الله الكوفي أبو العباس النحوي المقرىء: أخذ القراءة عن أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، وقرأ الكسائي على عيسى بن عمر الهمداني عن حمزة الزيات، ولا أعرف من حاله أكثر من هذا، وله اختيار في أحرف يسيرة، وإنما ذكرته لأنه يعرف بالنحوي.

стр. 2170

[٨٩٣] الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب بن صخر الجمحي: يكنى أبا خليفة من أهل البصرة. قال أبو الطيب اللغوي «١» : هو ابن أخت محمد بن سلام الجمحي، من رواة الأخبار والأدب والأشعار والأنساب، مات في شهر ربيع الأول من سنة خمس وثلاثمائة بالبصرة، وكان قد ولي القضاء بالبصرة، وكان أعمى، روى عن خاله كتبه فأكثر وعن غيره، وروى له من الكتب كتاب طبقات شعراء الجاهلية. كتاب الفرسان. وكان شاعرا، فمن شعره ما أنشده محمد بن عمر بن عثمان البغدادي عنه: قالوا نراك تطيل الصمت قلت لهم ... ما طول صمتي من عيّ ولا خرس لكنه أحمد الأمرين عاقبة ... عندي وأبعده من منطق شكس أأنشر البزّ فيمن ليس يعرفه ... أو أنثر الدرّ للعميان في الغلس قالوا نراك أديبا لست ذا خطل ... فقلت هاتوا أروني وجه مقتبس لو شئت قلت ولكن لا أرى أحدا ... يروي الكلام فأعطيه مدى النفس وقد روي من جهة أخرى أن الأبيات لابن دريد، لما نزل سيراف سئل أن يجلس للقراءة عليه فأبى ذلك إذ لم يكن هناك من يساوي أن يجلس له، فكتب هذه الأبيات في قبلة مسجد سيراف وانصرف.

стр. 2171

نقلت من خط أبي سعد السمعاني باسناد له قال: ألقيت رقعة إلى أبي خليفة الفضل بن الحباب القاضي فيها: قل للحكيم أبي خليفه ... يا زين شيعة ابي حنيفه إني قصدتك للذي ... كاتمت من حذر وخيفه ماذا تقول لطفلة ... في الحسن منزلها شريفه تصبو إلى زين الورى ... من غير ما بأس عفيفه فقرأ الرقعة ثم كتب على ظهرها: يا من تكامل ظرفها ... حال الهوى حال شريفه إن كنت صادقة الذي ... كاتمت من حذر وخيفه فلك السعادة والشها ... دة والجلالة يا شريفه هذا النصاح بعينه ... وبه يقول أبو حنيفه نقلت من خط الامام الحافظ حقا، صديقنا ومفيدنا أبي نصر عبد الرحيم بن النفيس بن وهبان من «كتاب الارشاد في معرفة علماء الحديث» تصنيف الخليل بن عبد الله بن أحمد الحافظ القاضي، أنشدني الصاحب إسماعيل بن عباد الوزير، أنشدني أبي، أنشدني أبو خليفة لنفسه: شيبان والكبش حدثاني ... شيخان بالله عالمان قالا إذا كنت فاطميا ... فاصبر على نكبة الزمان قال: إني سألت أبا خليفة عن الكبش من هو، قال: أبو الوليد الطيالسي، وشيبان هو ابن فرّوخ الأبلّي. قال الخليل، قلت لعبد الله بن محمد: هذا يدل على أن أبا خليفة كان يميل إلى التشيع، فقال: نعم. قرأت بخط أبي سعد أيضا باسناد له إلى أبي سهل هارون بن أحمد بن هارون الاستراباذي قال: أنشدنا الفضل بن الحباب الجمحي القاضي لنفسه: ومتعب السّفر مرتاح إلى بلد ... والموت يرصده في ذلك البلد وضاحك والمنايا فوق هامته ... لو كان يعلم غيبا مات من كمد

стр. 2172

آماله فوق ظهر النجم شامخة ... والموت من تحت إطليه على الرصد من كان لم يعط علما في بقاء غد ... ماذا تفكّره في الرزق بعد غد قرأت في «كتاب هراة» للفامي قال: روي عن محمد بن إبراهيم بن عبدويه ابن سدوس بن علي أبي عبد الله المسندي أنه قال: كنا عند أبي خليفة القاضي بالبصرة فدخل عليه اللص داره، فصاح ابنه باللص، فخرج أبو خليفة إلى صحن الدار فقال: أيها اللص مالك ولنا؟ إن أردت المال فعليك بفلان وفلان، إنما عندنا قمطران: قمطر فيه أحاديث وقمطر فيه أخبار، إن أردت الحديث حدثناك عن أبي الوليد الطيالسي وأبي عمر الجوصي وابن كثير وهو محمد، وإن أردت الأخبار أخبرناك عن الرياشي عن الأصمعي ومحمد بن سلام، فصاح ابنه: إنما كان كلبا، فقال: الحمد لله الذي مسخه كلبا وردّ عنا حربا. وذكر التنوخي هذه الحكاية وقال في آخرها: فقال له غلامه: يا مولاي ليس إلا الخير إنما هو سنور، فقال أبو خليفة: الحمد لله الذي مسخه هرّا وكفانا شرّا. قال المؤلف: ومثل هذه الحكاية تحكى عن أبي حية النميري، مشهورة عنه، وقال في آخرها: الحمد لله الذي مسخه كلبا وردنا حربا «١» . وقرأت في كتاب أبي عليّ التنوخي «٢» حدثني أبي ﵁ أن صديقا لأبي خليفة القاضي اجتاز عليه راكبا وهو في مسجده فسأله أن ينزل عنده فيحادثه، فقال: أمضي وأعود، فقال له أبو خليفة: إيحاشك فقد وإيناسك وعد. قال «٣» : وكان أبو خليفة كثير الاستعمال للسجع في كلامه. وكان بالبصرة رجل يتحامق ويتشبّه به يعرف بأبي الرطل، لا يتكلم إلا بالسجع هزلا كله، فقدمت هذا الرجل امرأته إلى أبي خليفة وهو يلي قضاء البصرة إذ ذاك، وادعت عليه الزوجية والطلاق، فأقر لها بهما، فقال له أبو خليفة: أعطها مهرها، فقال أبو الرطل: كيف أعطيها مهرها، ولم تقلع مسحاتي نهرها؟! فقال له أبو خليفة: فأعطها نصف

стр. 2173

صداقها، فقال: لا أو أرفع بساقها، واضعه في طاقها. فأمر به أبو خليفة فصفع. قال: وأخبرني غير واحد أن أبا الرطل هذا كان إذا سمع رجلا يقول لا تنكر لله قدرة قال هو: ولا للهندبا خضرة، ولا للزردج «١» صفرة، ولا للنخلة بسرة، ولا للعصفر حمرة، ولا للقفا نقرة. حدث أبو علي التنوخي «٢» ، حدثني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الايذجي، وكان يخلف أبي على القضاء بايذج وعلى رامهرمز ثم لم يزل على الحكم ونادم أبا محمد المهلبي في وزارته فغلب عليه وعلا محله عنده، وتخالع وتهتك فيما لا يجوز للقضاة، وكان يدعى بالقضاء ويخاطبه أبو محمد في الوزارة في كتبه بسيدي القاضي، وكان له محل مكين من الأدب، قال: وردت البصرة وأنا حديث السن لأكتب العلم وأتأدب، فلزمني أبو عبد الله المفجع «٣» ، وكنت أقتصر عليه، فكتب إليّ يوما وقد قرص الهواء: أيهذا الفتى وأنت فتى ال ... دهر إذا عزّ أن يقال فتى طوبى لمن كان في الشتاء له ... كاس وكيس وكسوة وكسا وكتب في الرقعة: وقد بقيت كاف أخرى لولا أني أحبّ تقليل المؤونة عليك لذكرتها- يعنى الكس- فبعث إليه بجميع ما التمسه. قال التنوخي «٤» : وحدثني قال: كان أبو خليفة القاضي صديقا لأبي وعمي أيام وفد إلى كور الأهواز في فتنة الزنج، فلما قدمت إلى البصرة قدمتها مع أبي، فأنزلنا أبو خليفة داره وأكرمنا، وأمكنني من كتبه، فكنت أقرأ عليه كلّ ما أريد وأسمع كيف شئت وأكتب وأنسخ لنفسي، وأصوله لي مبذولة، فإذا كان الليل جلسنا وتحادثنا فربما أحببت القراءة عليه فيجيبني، فإذا أضجرته يقول: يا بني روّحني، فأقطع القراءة، وإذا استراح أخرج من كمه دفترا من ورق أصفر فيقول: اقرأ عليّ منه فإنه خطي، وما

стр. 2174

تقرأه عليّ فهو من خط غيري، فكنت أقرأ عليه منه، وكان فيه ديوان عمران بن حطان. فكان يبكي على مواضع منه، فأنشدته ليلة القصيدة التي فيها البيتان المشهوران «١» : يا ضربة من تقيّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا فبكى عليهما لما انتهيت إليهما حتى كاد يعمى، فاستطرفت ذلك وعجبت منه، فلما كان من الغد اجتمعت مع المفجّع فحدثته بذلك، واغتررت به للأدب واستكتمته إياه، فأشاعه وأذاعه وعمل: أبو خليفة مطويّ على دخن ... للهاشميين في سرّ وإعلان ما زلت أعرف ما يخفي وأنكره ... حتى اصطفى شعر عمران بن حطان وأنشدنيها لنفسه وأنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب في رقعة لطيفة وجعلها في مقلمته، وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل مقلمته وقد أنسي ما فيها فسقطت الرقعة، وانصرف الناس، ووجدها أبو خليفة وقرأها فاستشاط وقال: ابن الايذجي قبحه الله وترّحه أشاط بدمي، عليّ بأبي العباس الساعة، يعني والدي، فجاءه وحدثه الحديث، فوقعت في ورطة وكادت الحال أن تنفرج بيني وبين أبي، ومنعني أبو خليفة القراءة واحتشمني، فحملت إليه ثيابا لها قدر وأهديت إليه من مأكل الجند واعتذرت إليه فرجع إليّ وقبل عذري وعاود تدريسي ومكنني من القراءة عليه، فقرأت «كتاب الطبقات» وغيره مما كان عنده، وقال: لا أظهر الرضى عنك أو تكذب نفسك، ففعلت ذلك، وأعطيت المفجع ثوبا دبيقيا حتى كفّ عن إنشاد الأبيات، وجحدها واعتذر إلى أبي خليفة. قال وقال أبي على عقيب هذا «٢» : أكثر رواة العرب فيما بلغني عنهم إما خوارج وإما شعوبية، كأبي عبيدة معمر بن المثنى وأبي حاتم سهل السجستاني وفلان وفلان وعدد جماعة.

стр. 2175

وقرأت بخطّ ابن مختار اللغوي المصري: أبو خليفة الفضل بن الحباب اشترى جارية فوجدها خشنة فقال: يا جارية هل من بزاق أو بصاق أو بساق- العرب تنقل السين صادا أو زايا فتقول أبو الصقر والزقر والسقر- فقالت: الحمد لله الذي ما أماتني حتى رأيت حري قد صار ابن الأعرابيّ تقرأ عليه غرائب اللغة «١» . [٨٩٤] الفضل بن خالد أبو معاذ النحوي المروزي مولى باهلة: روى عن عبد الله بن المبارك وعبيد بن سليم روى عنه محمد بن علي بن الحسن بن شقيق وأهل بلده، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، ذكر ذلك الحاكم بن البيع في «تاريخ نيسابور» . قال الأزهري: ولأبي معاذ كتاب في القرآن حسن. قلت: وقد روى عنه الأزهري في «كتاب التهذيب» فأكثر، وذكره محمد بن حبّان في «تاريخ الثقات» في الطبقة الرابعة بمثل ذلك سواء، ولعلّ الحاكم عنه نقل. [٨٩٥] الفضل بن صالح العلوي الحسني النحوي أبو المعالي اليماني: مات في سنة نيف وثمانين وأربعمائة قاله عبد الغافر، قال: وحضر نيسابور وسمع الحديث من مشايخنا الذين رأيناهم، ولا شك أنه سمع في أسفاره الكثير «٢» .
следующие страницы →