← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (الشعراء: ٢٠٥) ثم قال: لا تغب عنّي وكن بالقرب، فلما كان عند العتمة قال: انصرفوا حتى أدعوكم، وقال لابنه الحسين: إذا طلع القمر ونزل في الدار فأعلمني، فلما طلع القمر أعلمه، فصاح بهم فجاءوا، وقال: أطلع القمر؟ فقالوا: نعم، قال: اجتمعوا كلّ من في المنزل فاجتمعوا عليه، فسأل كلّ واحد منهم عن حاله وعن كسوته وعن آلة الشتاء، ثم قال: بقي شيء لم أصلحه لكم؟ قالوا: لا، فاستحلّهم، ثم قال: عليكم السلام، هذا آخر اجتماعي معكم، ثم جعل يتشهّد ويستغفر، ثم قال: قوموا فقد جاء نوبة غيركم، فخرجوا من باب الطارمة وهم يسمعون تشهده، ثم سكت فرجعوا وقد قضى نحبه، رحم الله هذا العقل والتمييز، فصار كما قال أبو تمام: ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام قال المؤلف: هذا آخر ما كتبته من كتاب أبي سهل أحمد بن عبيد الله من أخبار أبي زيد، وما أرى ان أحدا جاء من خبر أبي زيد بأحسن مما جاء به، أثابه الله على اهتمامه الجنة. وسأكتب أخبار أبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي البلخي عنه في موضعه [١] ، ولم أخلّ من أخبار أبي زيد التي ذكرها بشيء مما يتعلق به، إنما تركت أشياء من فوائده تتعلق بكتب المجاميع. وقال المرزباني: أحمد بن سهل البلخي محدّث معتمدي، هو القائل يرثي الحسن بن الحسين العلوي وقد توفي ببلخ: إن المنية رامتنا بأسهمها ... فأوقعت سهمها المسموم بالحسن أبو محمد الأعلى فغادره ... تحت الصفيح مع الأموات في قرن يا قبر إنّ الذي ضمّنت جثّته ... من عصبة سادة ليسوا ذوي أفن محمد وعليّ ثم زوجته ... ثم الحسين ابنه والمرتضى الحسن صلّى الاله عليهم والملائكة المقربون طوال الدهر والزمن

стр. 282

قال المؤلف: هكذا قال المرزباني، ولا أدري أيريد صاحبنا هذا أو غيره فإنه لم يذكره بأكثر مما كتبناه. وقرأت في «كتاب البلدان» لأبي عبد الله البشاري أنّ صاحب خراسان استدعاه إلى بخارى ليستعين به على سلطانه، فلما بلغ جيحون ورأى تغطمط أمواجه وجرية مائه وسعة قطره كتب إليه: إن كنت استدعيتني لما بلغك من صائب رأيي فإني إن عبرت هذا النهر فلست بذي رأي، ورأيي يمنعني من عبوره. فلما قرأ كتابه عجب منه وأمره بالرجوع إلى بلخ. - ٩٣- أحمد بن الصنديد العراقي : يكنى أبا مالك، كان من أهل الأدب والشعر، روى شعر المعرّي عنه وله فيه شرح، وله مع الحصريّ [١] مناقضات، دخل الاندلس وكان عند بني طاهر [٢] ومدح الرؤساء والأكابر. - ٩٤- أحمد بن أبي طاهر أبو الفضل واسم أبي طاهر طيفور : مروروذي الأصل أحد البلغاء الشعراء الرواة، من أهل الفهم المذكورين بالعلم، وهو صاحب «كتاب تاريخ بغداد في أخبار الخلفاء والأمراء وأيامهم» مات سنة ثمانين ومائتين ودفن بباب الشام ببغداد، ومولده سنة أربع ومائتين مدخل المأمون بغداد من خراسان، ذكر ذلك ابنه عبيد الله فيما ذيله على تاريخ والده وحكاه عنه، قال: وروى عن عمر بن شبة، روى عنه ابنه عبيد الله ومحمد بن خلف بن المرزبان.

стр. 283

وحدث جعفر بن حمدان صاحب «كتاب الباهر» [١] كان أحمد بن أبي طاهر مؤدّب كتّاب عاميّا ثم تخصّص وجلس في سوق الوارقين في الجانب الشرقي. قال: ولم أر ممن شهر بمثل ما شهر به من التصنيف للكتب وقول الشعر أكثر تصحيفا منه ولا أبلد علما ولا ألحن، ولقد أنشدني شعرا يعرضه عليّ في إسحاق بن أيوب لحن في بضعة عشر موضعا منه، وكان أسرق الناس لنصف بيت وثلث بيت، قال: وكذا قال لي البحتريّ فيه، وكان مع هذا جميل الأخلاق ظريف المعاشرة حلوا من الكهول. وحدث أبو هفّان قال [٢] : كنت أنزل في جوار المعلّى بن أيوب صاحب العرض والجيش في أيام المأمون، وكان أحمد بن أبي طاهر ينزل عندي [٣] ، فأضقنا إضاقة شديدة تعذّرت علينا وجوه الحيلة، فقلت لابن أبي طاهر: هل لك في شيء لا بأس به، تدعني حتى أسجّيك وأمضي إلى منزل المعلى بن أيوب فأعمله أنّ صديقا لي قد توفي فآخذ منه ثمن كفن فننفقه، فقال: نعم، وجئت إلى وكيل المعلى فعرّفته خبرنا، فصار معي إلى منزلي، فتأمل ابن أبي طاهر ثم نقر أنفه فضرط، فقال لي: ما هذا؟ فقلت: هذه بقية من روحه كرهت نكهته فخرجت من استه، فضحك وعرّف المعلّى خبرنا فأمر لنا بجملة دنانير. والمعلّى هذا هو الذي يقول فيه دعبل وقيل أبو علي البصير [٣] : لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكنّ البلاد إذا اقشعرّت ... وصوّح نبتها رعي الهشيم وحدّث الجهشياريّ في كتاب الوزراء قال [٤] : مدح أحمد بن أبي طاهر الحسن بن مخلد وزير المعتمد فأمر له بمائة دينار وقال: إيت رجاء الخادم فخذها منه

стр. 284

فلقي أحمد رجاء فقال له: لم يأمرني بشيء، فكتب إلى الحسن: أما رجاء فأرجا [١] ما أمرت به ... فكيف إن كنت لم تأمره يأتمر بادر بجودك مهما كنت مقتدرا ... فليس في كلّ حال أنت مقتدر فأمر باضعافها له. وذكره محمد بن اسحاق النديم وقال [٢] له من الكتب: كتاب المنثور والمنظوم أربعة عشر جزءا، والذي بيد الناس ثلاثة عشر جزءا. كتاب سرقات الشعراء. كتاب بغداد. كتاب الجواهر. كتاب المؤلفين. كتاب الهدايا. كتاب المشتق المختلف من المؤتلف. كتاب أسماء الشعراء الأوائل. كتاب الموشّى. كتاب ألقاب الشعراء ومن عرف بالكنى ومن عرف بالاسم. كتاب المعرقين [٣] من الأنبياء. كتاب المعتذرين. كتاب اعتذار وهب من ضرطته [٤] . كتاب من أنشد شعرا وأجيب بكلام. كتاب الحجاب. كتاب تربية [٥] هرمز بن كسرى أنو شروان. كتاب خبر الملك العاتي في تدبير المملكة والسياسة. كتاب الملك المصلح والوزير المعين. كتاب الملك البابلي والملك المصري الباغيين والملك الحكيم [٦] الرومي. كتاب المزاح والمعاتبات. كتاب مفاخرة الورد والنرجس. كتاب مقاتل الفرسان. كتاب مقاتل الشعراء. كتاب الخيل كبير. كتاب الطرد. كتاب سرقات البحتري من أبي تمام. كتاب جمهرة [نسب] بني هاشم. كتاب رسالته إلى إبراهيم بن المدبر. كتاب الرسالة في النهي عن الشهوات. كتاب الرسالة إلى علي بن يحيى. كتاب الجامع في الشعراء وأخبارهم. كتاب فضل العرب على العجم. كتاب لسان العيون. كتاب أخبار المتظرفات. كتاب اختيار أشعار الشعراء. كتاب اختيار شعر بكر بن النطاح. كتاب المؤنس. كتاب الغلة

стр. 285

والغليل. كتاب اختيار شعر العتابي. كتاب اختيار شعر منصور النمري. كتاب اختيار شعر أبي العتاهية. كتاب أخبار بشار واختيار شعره. كتاب أخبار مروان وآل مروان واختيار أشعارهم. كتاب أخبار ابن مناذر. كتاب أخبار ابن هرمة ومختار شعره. كتاب اختيار شعر ابن الدمينة [١] . كتاب أخبار وشعر عبيد الله بن قيس الرقيات. وأنشد له ابنه عبيد الله في كتابه: وما الشعر الا السيف ينبو وحده ... حسام ويمضي وهو ليس بذي حدّ ولو كان بالإحسان يرزق شاعر ... لأجدى الذي يكدي وأكدى الذي يجدي ومن قوله أيضا: قد كنت أصدق في وعدي فصيّرني ... كذابة ليس ذا في جملة الأدب يا ذاكرا حلت عن عهدي وعهدكم ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب حدث المرزباني في «كتاب المقتبس» [٢] عن عبد الله بن محمد الحليمي قال: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه في أبي العباس المبرد: كملت في المبرّد الآداب ... واستقلّت في عقله الألباب غير أنّ الفتى كما زعم النا ... س دعيّ مصحّف كذاب وحدّث عن الصولي عن أبي علي ابن عينويه الكاتب قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: خرجت من منزل أبي الصقر نصف النهار في تموز فقلت: ليس بقربي منزل أقرب من منزل المبرد إذ كنت لا أقدر أصل إلى منزلي بباب الشام، فجئته فأدخلني إلى حويشة له، وجاء بمائدة فأكلت معه لونين طيبين، وسقاني ماء باردا وقال لي: أحدثك إلى أن تنام، فجعل يحدثني أحسن حديث، فحضرني لشؤمي وقلة شكري بيتان فقلت: قد حضر بيتان أنشدهما؟ فقال: ذاك إليك، وهو يظن أني قد مدحته، فأنشدته: ويوم كحرّ الشوق في صدر عاشق ... على أنه منه أحرّ وأومد

стр. 286

ظللت به عند المبرد قائلا ... فما زلت في ألفاظه أتبرد فقال لي: قد كان يسعك إذا لم تحمد ألّا تذم، وما لك عندي جزاء الا إخراجك، والله لا جلست عندي بعد هذا، فأخرجني فمضيت إلى منزلي بباب الشام، فمرضت من الحرّ الذي نالني مدة، فعدت باللوم على نفسي. قال الخالدي: حدثنا جحظة عن أحمد بن أبي طاهر قال: قصدت سرّ من رأى زائرا بعض كتّابها بشعر مدحته به، فقبلني وأحسن إليّ وأجزل صلتي ووهب لي غلاما روميا حسن الوجه، ورحلت أريد بغداد سائرا على الظّهر ولم أركب الماء، فلما سرت نحو الفرسخ أخذتنا السماء بأمر عظيم من القطر، ونحن بالقرب من دير السّوسن [١] فقلت للغلام: اعدل بنا يا بنيّ إلى هذا الدير نقيم فيه إلى أن يخفّ هذا المطر، ففعل، وازداد القطر واشتد، وجاء الليل، فقال الراهب: أنت العشية هاهنا، وعندي شراب جيّد فتبيت وتقصف، ويسكن المطر وتجفّ الطريق وتبكّر، فقلت: أفعل، فأخرج إليّ شرابا ما رأيت قطّ أصفى منه ولا أعطر، فقلت: هات مدامك، وأمرت بحط الرحل، وبتّ والغلام يسقيني والراهب نديمي حتى متّ سكرا، فلما أصبحت رحلت وقلت: سقى سرّ من را وسكّانها ... وديرا لسوسنها الراهب سحاب تدفّق عن رعده ال ... صّفوق وبارقه الواصب فقد بتّ في ديره ليلة ... وبدر على غصن صاحبي غزال سقاني حتى الصباح ... صفراء كالذهب الذائب على الورد من حمرة الوجنتين ... وفي الآس من خضرة الشارب سقاني المدامة مستيقظا ... ونمت ونام إلى جانبي فكانت هناة لك الويل من ... جناها الذي خطّه كاتبي فيا ربّ تب واعف عن مذنب ... مقرّ بزلته تائب

стр. 287

- ٩٥- أحمد بن الطيب السرخسي- يعرف بابن الفرانقي : أحد العلماء الفهماء المحصّلين، الفصحاء البلغاء المتقنين، له في علم الأثر الباع الوساع، وفي علوم الحكماء الذهن الثاقب الوقّاد وبسطة الذراع، وهو تلميذ الكندي، وله في كلّ فنّ تصانيف ومجاميع وتواليف. كان أحد ندماء أبي العباس المعتضد بالله والمختصّين به، فأنكر منه بعض شأنه، فأذاقه حمامه صبرا وجعله نكالا، ولم يرع له ذمة ولا إلا. وقال في «تاريخ دمشق» [١] ذكره أبو الحسن محمد بن أحمد بن القواس قال: ولي احمد بن الطيب الحسبة يوم الاثنين والمواريث يوم الثلاثاء وسوق الرقيق يوم الأربعاء لسبع خلون من رجب سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وفي يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين غضب المعتضد على أحمد بن الطيب، وفي يوم الخميس لثلاث بقين من جمادى الأولى ضرب ابن الطيّب مائة سوط وحوّل إلى المطبق، وفي صفر سنة ست وثمانين ومائتين مات ابن الطيب السرخسي. حدث أبو القاسم [٢] عن عبد الله بن عمر الحارثي قال حدثني أبي قال حدثني أبو محمد عبد الله بن حمدون نديم المعتضد قال [٣] : كان المعتضد في بعض متصيّداته مجتازا بعسكره وأنا معه، فصاح ناطور في قراح قثّاء، فاستدعاه وسأله عن سبب صياحه، فقال: أخذ بعض الجيش من المقثأ شيئا، فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة

стр. 288

أنفس، فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الناطور: نعم، فقيدهم في الحال وأمر بحبسهم، فلما كان من الغد أنفذهم إلى القراح وضرب أعناقهم فيه وسار، فأنكر الناس ذلك وتحدّثوا به ونخبت قلوبهم منه، ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة فقال لي: يا عبد الله هل يعتب الناس عليّ شيئا عرّفني حتى أزيله، فقلت: كلّا يا أمير المؤمنين، فقال: أقسمت عليك بحياتي إلّا صدقتني، قلت: يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟ قال: نعم، قلت: إسراعك إلى سفك الدماء، فقال: والله ما هرقت دما قطّ منذ وليت هذا الأمر إلا بحقه، قال: فأمسكت إمساك من ينكر [١] عليه الكلام، فقال: بحياتي لما قلت، فقلت: يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيب، وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة، فقال: ويحك إنه دعاني إلى الإلحاد فقلت له: يا هذا أنا ابن عمّ صاحب هذه الشريعة، وأنا الآن منتصب منصبه، فألحد حتى أكون من؟ وكان قد قال لي: إن الخلفاء لا تغضب، وإذا غضبت لم ترض، فلم يصحّ إطلاقه. فسكتّ سكوت من يريد الكلام، فقال: في وجهك كلام، فقلت: الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة الأنفس الذين قتلتهم في قراح القثّاء، فقال: والله ما كان أولئك المقتولون [٢] هم الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر أصحاب القثّاء، فأردت أن أهوّل على الجيش بأنّ من عاث من عسكري وأفسد بهذا القدر كانت هذه عقوبتي له ليكفّوا عما فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال والوقت، وإنما حبستهم وأمرت باخراج اللصوص من غد مغطين الوجوه ليقال إنهم أصحاب القثاء، فقلت: فكيف تعلم العامّة؟ قال: باخراجي القوم الذين أخذوا القثاء أحياء، وإطلاقي لهم في هذه الساعة، ثم قال: هاتم القوم، فجاءوا بهم وقد تغيّرت حالهم، فقال لهم: ما قصتكم؟ فاقتصّوا عليه قصة القثّاء فاستتابهم عن فعل مثل ذلك وأطلقهم فانتشرت الحكاية فزالت التهمة [٣] . وقيل إن السبب في قتل أحمد بن الطيب دعاؤه للمعتضد إلى مذهب الفلاسفة

стр. 289

والخروج عن الاسلام فاستحلّ قتله، فلما أجمع على قتله أنفذ إليه: أنت كنت عرفتنا عن الحكماء أنهم قالوا: لا يجب للملوك أن يغضبوا، فإذا غضبوا لا يجب لهم أن يرضوا، ولولا هذا لأطلقتك لسالف ذمّتك وخدمتك، ولكن اختر أيّ قتلة تحبّ أن أقتلك. قال: فاختار أن يطعم اللحم المكبّب ويسقى الشراب العتيق حتى يسكر ثم يفصد من يديه ويترك دمه يجري إلى أن يموت. فأمر المعتضد بذلك ففعل به، وظنّ أحمد أن دمه إذا انقطع مات في الحال بغير ألم، فانعكس ظنه. قال: وذلك أنه لما فصد نزف جميع دمه ثم بقيت معه من الحياة بقية فلم يمت وغلبت عليه الصفراء، فصار كالمجنون ينطح برأسه الحيطان ويصيح ويضجّ لفرط الآلام، ويعدو في مجلسه ساعات كثيرة إلى أن مات. فبلغ المعتضد ذلك فقال: هذا اختياره لنفسه، وأيش في الفساد بأكثر مما اختاره لنفسه من الرأي الذي جرّ عليه القتل. وكان المعتضد بالله يعدّد بعد قتله إياه ذنوبه إليه والأمور التي أنكرها عليه ليعلم أنه كان مستحقا لما عامله به: فمنه: أنه كان لأحمد بن الطيب مجلس يجتمع إليه فيه أهل العلم يفاوضونه ويفاوضهم، فقال المعتضد: فكنت ربما سألته عن هذا المجلس وما يجري فيه فيخبرني. وسألته في بعض الأيام على عادتي فقال لي: يا أمير المؤمنين، مرّ بي أمس شيء ظريف، قلت: ما هو؟ قال: دخل إلي [في] جملة الناس رجل لا أعرفه، حسن الرّواء والهيئة، فتوسمت فيه أنه من أهل الفضل والمعرفة، فلم ينطق من أول المجلس إلى آخره، فلما انصرف من كان حاضرا لم ينصرف معهم، فقلت له: ألك حاجة؟ قال: نعم، تخلي لي نفسك، فأنفذت غلماني، فقال لي: أنا رجل قد أرسلني الله تعالى إلى هذا البشر، وقد بدأت بك لفضلك، وأمّلت أن أجد منك معونة على ما بعثت له، فقلت له: يا هذا أما علمت أني مسلم أعتقد أنه لا نبيّ بعد رسول الله ﷺ ؛ فقال: علمت ذلك، وما جئتك إلا بأمر وبرهان، فهل لك في الوقوف على معجزتي؟ فأردت أن أعلم ما عنده فقلت له: هاتها، فقال: تحضر سطلا فيه ماء، فتقدمت باحضاره، فأخرج من كمه حجرين أبيضين صلدين كأشدّ ما يكون من الصخر، فقال: خذهما، فأخذتهما، فقال: ما هما؛ قلت: حجرين، فقال لي: رم أن تكسرهما، فلم أستطع لشدتهما وصلابتهما، فقلت: ما أستطيع،

стр. 290

فقال: ضعهما في السطل، فوضعتهما، وقال: غطّهما، فغطيتهما بمنديل، وأقبل عليّ يحدثني، فوجدته ممتعا كثير الحديث سديد العبارة حسن البيان صحيح العقل لا أنكر منه شيئا، فلما طال الأمر قلت له: فأيّ شيء بعد هذا؟ فقال: أخرج لي الحجرين، فكشفت عنهما، فطلبتهما فلم أجدهما، وتحيرت وقلت: ليس في السطل شيء، فقال لي: أنت تركتهما بيدك ولم أقرب منهما ولا لحظت السطل بعيني فضلا عن غيره، قلت: صدقت، قال: أما في ذلك إعجاز؟ فقلت له: بقيت عليك حال واحدة، قال: وما هي؟ قلت: أنك تجيء بحجر من عندي فتفعل به مثل هذا، فقال لي: وهكذا قال أصحاب موسى له: نريد أن تكون العصا من عندنا، فتوقفت عن جوابه لأتفكر فيه، فقام وقال لي: فكّر في أمرك إلى أن أعود إليك. وانصرف، وندمت بعد انصرافه على إفراجي عنه، وأمرت الغلمان بردّه وطلبه، فتفرقوا في كلّ طريق فما وجدوه. فقال المعتضد لراوي هذا الخبر: أتدري ما أراد أحمد بن الطيب، لعنه الله، بهذا الحديث؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين، فقال: إنما أراد أن سبيل موسى، ﵇، في العصا كسبيل هذا الرجل في الحجر، وأنّ جميع ذلك بحيلة، وكان ذلك من اكثر ما نقمه عليه. قال محمد بن إسحاق النديم: أحمد بن الطيب هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مروان السرخسي، ممن ينتمي إلى الكندي وعليه قرأ ومنه أخذ، وكان متفننا في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب، حسن المعرفة جيد القريحة بليغ اللسان مليح التصنيف. كان أولا معلما للمعتضد ثم نادمه وحظي به، وكان يفضي إليه بأسراره ويستشيره في أمور مملكته، وكان الغالب على بن الطيب علمه لا عقله. وكان سبب قتله أن المعتضد أفضى إليه بسرّ يتعلّق بالقاسم بن عبيد الله وبدر غلام المعتضد فأذاعه بحيلة من القاسم مشهورة، فسلمه المعتضد إليهما فاستقصيا ماله ثم أودعاه المطامير، فلما كان في الوقت الذي خرج فيه المعتضد إلى فتح آمد فقتل أحمد بن عيسى بن شيخ، ثم أفلت من المطامير جماعة من الخوارج وغيرهم، وأمر المعتضد القاسم باتيان جماعة ممن يستحق القتل ليستريح من تعلّق القلب بهم، فأثبتهم ووقع المعتضد بقتلهم، فأدخل القاسم أحمد بن الطيب في جملتهم فيما

стр. 291

بعد فقتل، فسأل عنه المعتضد فذكر القاسم قتله فلم ينكره. وكان الذي نقمه المعتضد على أحمد بن الطيب أن عبيد الله بن سليمان دخل يوما على المعتضد بعد تغيّظ المعتضد عليه من شيء بلغه عنه وخاطبه بما يكره، فلما خرج قال: يا أحمد ما ترى إلى هذا الفاعل الصانع وقد أخرب الدنيا واحتجن الأموال، وفي جنبه ثلاثة آلاف ألف دينار ما يمنعني من أخذها إلا الحلم عنه، وفعل الله بي وصنع إن أنا استعملته أكثر من هذا. قال: فخرج أحمد بن الطيب فوجد عبيد الله على الباب ينتظره، فحمله إلى داره وواكله وسقاه ووهب له مالا عظيما وخلع عليه خلعا كثيرة ورفق به وسأله أن يعلمه ما عساه جرى بعد خروجه من ذكره، فاستحلفه أحمد بن الطيب على كتمان ذلك. فحلف له، فخبره الخبر على حقيقته وودّعه أحمد ونهض، فركب عبيد الله من عنده بعد أن عمل ثبتا يحتوي على جميع ما له [من] تبر وورق وضيعة وحرس وقماش وعقار ودابة وبغل ومركب وغلام وآلة وسائر الأعراض، وجاء إلى المعتضد فخاطبه على الأمور كما كان يخاطبه، فلما حضر وقت انصرافه قال: أريد خلوة من أمير المؤمنين لمهمّ عارض أذكره، فأخلى مجلسه، فحلّ سيفه بين يديه ومنطقته وقبل الأرض وبكى وقال: يا أمير المؤمنين، الله الله في دمي، أقلني واعف عني وهب لي الحياة واغفر لي إجرامي وما في نفسك عليّ، فأمّا مالي فوالله- وابتدأ يحلف بالطلاق والعتاق وما تبعه من أيمان البيعة- إن كتمتك منه شيئا، وهذا ثبت بجميع ما أملكه، وطيبة من نفسي وانشراح من صدري، بارك الله لك فيه، ودعني أخدمك وأخد [م] . فقال له المعتضد: ما بك إلى هذا حاجة ولا في نفسي عليك ما يوجب هذا. فقال: الآن قد علمت أن رأي أمير المؤمنين عليّ فاسد، إذ ليس يخرج إليّ بما عنده فيّ، ولا يقبل ما بذلته، ولا يقع منه عقاب وأخذ يلجّ في البكاء والتضرّع، فرقّ له المعتضد وتغيّظ من معرفته بذلك، فقال: أتحبّ أن أقول هذا؟ قال: نعم، قال: تصدقني عن السبب الذي حملك على هذا، فعرّفه ما جرى له مع أحمد بن الطيب فرضي عنه وحلف له على ما سرّ به وخفف عن خاطره، ووثق له أنه لا يسيء إليه، وأنفذ في الحال وقبض على أحمد بن الطيب وحبسه. [وله من الكتب: كتاب مختصر قاطيغورياس. كتاب مختصر كتاب بارميناس.

стр. 292

كتاب مختصر كتاب أنالوطيقا الأولى. كتاب مختصر أنالوطيقا الثاني. كتاب الأعشاش وصناعة الحسبة الكبير. كتاب عش الصناعات والحسبة الصغير. كتاب نزهة النفوس، ولم يخرج بأسره. كتاب اللهو والملاهي في الغناء والمغنين والمنادمة والمجالسة وأنواع الأخبار والملح. كتاب السياسة الكبير. كتاب السياسة الصغير. كتاب المدخل إلى صناعة النجوم. كتاب الموسيقى الكبير، مقالتان ولم يعمل مثله حسنا وجلالة. كتاب الموسيقى الصغير. كتاب الأرثماطيقي في الأعداد والجبر والمقابلة. كتاب المسالك والممالك. كتاب الجوارح والصيد بها. كتاب المدخل إلى صناعة الطب نقض فيه على حنين بن إسحاق. كتاب المسائل. كتاب فضائل بغداد وأخبارها. كتاب الطبيخ ألّفه على الشهور والأيام للمعتضد. كتاب زاد المسافر وخدمة الملوك مقالتان، لطيف. كتاب المدخل إلى علم الموسيقى. كتاب آداب الملوك. كتاب الجلساء والمجالسة. كتاب رسالته في جواب ثابت بن قرّة فيما سئل عنه. كتاب مقالته في النّمش والكلف. كتاب رسالته في المساكين وطريف اعتقاد العامّة. كتاب منفعة الجبال. كتاب رسالته في وصف مذاهب الصابئين. كتاب في أنّ المبدعات في حال الابداع لا متحركة ولا ساكنة] [١] . - ٩٦- أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد بن أبي زرعة الزهري مولاهم:

стр. 293

يكنى أبا بكر البرقي، وقد ذكرنا فيما بعد برقيا آخر اسمه أحمد بن محمد [١] ، وهو أيضا من برقة قم، وقد اشتد عليّ أمره وأمر هذا، فنقلت كما وجدت، ولا شكّ أنهما من بيت واحد والله أعلم، وكانوا ثلاثة إخوة كلّهم من أهل العلم أبو بكر أحمد وأبو عبد الله محمد وأبو سعيد عبد الرحيم، يروي ثلاثتهم المغازي عن عبد الملك بن هشام. وفي «كتاب أصبهان» لحمزة في الفصل الذي ذكر فيه أهل الأدب واللغة قال: أحمد بن عبد الله البرقي كان من رستاق برق روذ وهو أحد الرواة للغة والشعر، واستوطن قم، فخرج ابن أخيه أبو عبد الله البرقي هناك، ثم قدم أبو عبد الله أصبهان فاستوطنها. قرأت في «كتاب جمهرة النسب» قال ابن حبيب: أخبرني أبو عبد الله البرقي وكان أعلم أهل قمّ بنسب الأشعريين أن ابن الكلبيّ قال في ثلاثة أحياء من الاشعريين «لسن» وإنما هو «أسن» وقال «امراطة» وإنما هو «مراطة» وقال «زكاز» وإنما هو «ركاز» . - ٩٧- أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو جعفر الكاتب : ولد ببغداد ومات بمصر وهو على قضائها سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وقد روى عن أبيه تصانيفه كلّها، حدث عنه أبو الفتح المراغي النحوي وعبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي وغيرهما وقال أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرّزاذ إن أبا جعفر ابن قتيبة حدّث بكتب أبيه كلّها بمصر حفظا ولم يكن معه كتاب، وأحسب ذكر ذلك عن أبي الحسين المهلبي. وحدث أبو سعيد ابن يونس قال: قدم أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة مصر

стр. 294

سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وتولى بها القضاء، وتوفي بها وهو على القضاء سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. - ٩٨- أحمد بن عبد الله المعبدي : من ولد معبد بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أحد من اشتهر بالنحو وعلم العربية من الكوفيين، وجه من وجوه أصحاب ثعلب الكبار، ذكره الزبيدي. وقد تقدم ذكر آخر يقال له أحمد بن سليمان [١] لا أدري أهو هذا، ونسب إلى جدّ له أعلى يقال له سليمان أم هو غيره. قرأت بخط ابن أبي نواس قال أبو عمر ابن حيويه، قال لي أبو عمران: مات المعبدي ليلة الأربعاء لثمان بقين من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين. - ٩٩- أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني، أبو منصور بن أبي محمد عبد الله بن أحمد [بن جعفر] بن خذيان بن حامس الفرغاني: كان أبوه صاحب محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، وقد كتبنا خبره فيما بعد في بابه [٢] . مات أحمد هذا في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، ومولده لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بمصر، وكتبت وفاته كما أخبرني المصريون بها في سنة اثنتي عشرة وستمائة عند كوني بها. روى أبو منصور عن أبيه تصانيف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وصنّف أبو منصور أيضا عدة تصانيف منها: كتاب التاريخ وصل به تاريخ والده. وكتاب سيرة العزيز سلطان مصر المنتسب إلى العلويين. وكتاب سيرة كافور الإخشيدي، وبمصر كان مقامه.

стр. 295

- ١٠٠- أحمد بن عبد الله بن بدر القرطبي النحوي أبو مروان مولى الحكم المستنصر: روى عن أبي عمر ابن أبي الحباب وأبي بكر ابن هذيل [١] وكان نحويا لغويا شاعرا عروضيا، مات سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، حدّث عنه أبو مروان الطبني، وذكر خبره ووفاته، قاله ابن بشكوال. - ١٠١- أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعري : هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن [محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان] بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أرقم بن أنور بن اسحم بن النعمان، ويقال له الساطع لجماله، ابن عديّ بن عبد غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وتيم الله مجتمع تنوخ: من أهل معرة النعمان من بلاد الشام، كان غزير الفضل شائع الذكر وافر العلم غاية في الفهم، عالما حاذقا بالنحو، جيد الشعر جزل الكلام، شهرته تغني عن صفته وفضله ينطق بسجيته. ولد بمعرة النعمان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة واعتلّ علة الجدريّ التي ذهب فيها بصره سنة سبع وستين وثلاثمائة، وقال الشعر وهو ابن احدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، أقام ببغداد سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى

стр. 296

بلده فأقام به ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة في أيام القائم. وكان في آبائه وأعمامه ومن تقدمه من أهله وتأخر عنه من ولد أبيه ونسله فضلاء وقضاة وشعراء، أنا ذاكر منهم من حضرني لتعرف نسبه في العلم كما عرفت ما أعطيه من الفهم: كان سليمان بن أحمد بن سليمان جدّه قاضي المعرة، وتولّى القضاء بحمص وبها مات في سنة تسعين ومائتين ثم ولي القضاء بعده بها ولده أبو بكر محمد عم [والد] أبي العلاء وفيه يقول الصنوبري الشاعر [١] : بأبي يا ابن سليما ... ن لقد سدت تنوخا وهم السادة شبّا ... نا لعمري وشيوخا أدرك البغية من أض ... حى بناديك منيخا واردا عندك نيلا ... وفراتا وبليخا واجدا منك متى ... استتصرخ للمجد صريخا في زمان غادر ... لهمّات في الناس مسوخا ثم بعده أخوه أبو محمد [والد] عبد الله والد أبي العلاء، ولعبد الله شعر في مرثية والده [٢] : إن كان أصبح من أهواه مطّرحا ... بباب حمص فما حزني بمطّرح لو بان أيسر ما أخفيه من جزع ... لمات أكثر أعدائي من الفرح وتوفي [والد] [٣] عبد الله بحمص سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.

стр. 297

ومنهم أبو المجد محمد بن عبد الله أخو أبي العلاء، وكان أسنّ من أبي العلاء، وله أيضا شعر في الزهد [١] : كرم المهيمن منتهى أملي ... لا نيّتي أرجو ولا عملي يا مفضلا جلّت فواضله ... عن بغيتي حتى انقضى أجلي كم قد أفضت عليّ من نعم ... كم قد سترت عليّ من زلل إن لم يكن لي ما ألوذ به ... يوم الحساب فإن عفوك لي ومنهم عبد الواحد أبو الهيثم أخو أبي العلاء القائل في الشمعة [٢] : وذات لون كلوني في تغيره ... وأدمع كدموعي في تحدرها سهرت ليلي وباتت بي مسهّدة ... كأن ناظرها في قلب مسهرها وله أيضا: قالوا تراه سلا لأن جفونه ... ضنّت عشية بيننا بدموعها ومن العجائب أن تفيض مدامع ... نار الغرام تشبّ في ينبوعها هؤلاء من حضرني ممن كان قبل أبي العلاء وفي زمانه، وقد تأخر عن زمانه من أهله من كان عالما فاضلا، وأنا ذاكرهم هاهنا ليجيئوا على نسق واحد: فمنهم القاضي أبو المجد محمد بن عبد الله [بن] محمد أبي المجد- وأبو المجد الثاني هو أخو أبي العلاء- وذكره العماد في «الخريدة» فقال [٣] : ذكر لي [ابن] ابنه القاضي أبو اليسر الكاتب أنه كان فاضلا أديبا فقيها على مذهب الشافعي، أريبا مفتيا خطيبا، أدرك عم أبيه أبا العلاء وروى عنه مصنفاته وأشعاره، وولي القضاء بالمعرة إلى أن دخلها الفرنج خذلهم الله في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة فانتقل إلى شيزر وأقام بها مدة، ثم انتقل إلى حماة فأقام بها إلى أن مات في محرم سنة ثلاث وعشرين

стр. 298

وخمسمائة ومولده سنة أربعين وأربعمائة، وله ديوان ورسائل، ومن شعره [١] : رأيتك في نومي كأنك معرض ... ملالا فداويت الملالة بالتّرك وأصبحت أبغي شاهدا فعدمته ... فعدت فغلّبت اليقين على الشك وعهدي بصحف الودّ تنشر بيننا ... فإن طويت فاجعل ختامك بالمسك لئن كانت الأيام أبلى جديدها ... جديدي وردّت من رحيب إلى ضنك فما أنا الا السيف أخلق جفنه ... وليس بمأمون الغرار على الفتك قال وأنشدني بعض أهل المعرة [٢] : جسّ الطبيب يدي جهلا فقلت له ... إليك عني فإن اليوم بحراني فقال لي ما الذي تشكو فقلت له ... إني هويت بجهلي بعض جيراني فقام يعجب من قولي وقال لهم ... إنسان سوء فداووه بانسان قال: وأنشدني مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، قال أنشدني القاضي أبو المجد المعري لنفسه [٣] : وقائلة رأت شيبا علاني ... عهدتك في قميص صبا بديع فقلت وهل ترين سوى هشيم ... إذا جاوزت أيام الربيع قال الأمير أسامة [٤] : ولما فارق أهله بالمعرة وبقي منفردا وكان له غلام اسمه شعيا قال: زمان غاض أهل الفضل فيه ... فسقيا للحمام به ورعيا أسارى بين أتراك وروم ... وفقد أحبة ورفاق شيعا قال وقد سبقه إلى هذا المعنى الوزير المغربي، فإنه لما تغيرت عليه الوزارة

стр. 299

وتغرب كان معه غلام اسمه داهر، فقال [١] : كفى حزنا أني مقيم ببلدة ... يعلّلني بعد الأحبة داهر يحّدثني مما يجمّع عقله ... أحاديث منها مستقيم وجائر قال الأمير أسامة: لما بليت بفرقة الأهل كتبت إلى أخي أستطرد بغلامي أبي المجد والوزير المغربي اللذين ذكراهما في شعريهما: أصبحت بعدك يا شقيق النفس في ... بحر من الهمّ المبرح زاخر متفردا بالهمّ من لي ساعة ... برفاق شعيا أو علالة داهر (الحديث شجون يذكّر الشيء بما يتصل به) . وأشعار أبي المجد المعرّي كثيرة منها [٢] : قد أوسع الله البلاد وللفتى ... إلى بعضها عن بعضها متزحزح فخلّ الهوينا إنها شرّ مركب ... ودونك صعب الأمر فالصعب أنجح فإن نلت ما تهوى فذاك وان تمت ... فللموت خير للكريم وأروح ومنهم أبو اليسر شاكر [٣] بن عبد الله بن محمد أبي المجد بن عبد الله بن محمد [بن عبد الله] بن سليمان، قال العماد: كان كاتب الإنشاء لنور الدين محمود بن زنكي قبلي، فلما استعفى وقعد في بيته توليت الانشاء بعده، ومولده بشيزر في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وأربعمائة وكان قد تولى ديوان الإنشاء سنين كثيرة. قال: وأنشدني لنفسه [٤] : وردت بجهلي مورد الصبّ فارتوت ... عروقي من محض الهوى وعظامي ولم تك الا نظرة بعد نظرة ... على غرّة منها ووضع لثام فحلّت بقلبي من بثين طماعة ... أقرت بها حتى الممات غرامي [٥]

стр. 300

وله أيضا: سارقته نظرة أطال بها ... عذاب قلبي وما له ذنب يا جور حكم الهوى ويا عجبا ... تسرق عيني ويقطع القلب وله: بأبي عارضان دبّا على الخ ... دّ دبيبا من تحت عقرب صدغ قعد القلب منهما في بلاء ... وعذاب ما بين قرص ولدغ وله: غريت بهم نوب الليالي فاغتدوا ... ما يستقرّ لهم بأرض دار حتى كأنهم طريف بضائع ... وكأن أحداث الزمان تجار وله: تعمّم رأسي بالمشيب فساءني ... وما سرّني تفتيح نور بياضه وقد أبصرت عيني خطوبا كثيرة ... فلم أر خطبا أسودا كبياضه ومنهم القاضي أبو مسلم وادع بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان [١] : كان أبو العلاء عمّ أبيه تولّى القضاء بمعرة النعمان وكفر طاب وحماة، وكان مشهورا بالكرم، مولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وله رسائل حسنة وشعر بديع منه: وقائلة ما بال حبّك أرمدا ... فقلت وفي الأحشاء من قولها لدغ لئن سرقت عيناه من لون خدّه ... فغير بديع ربما نفض الصبغ ومن شعره أيضا: ولما تلاقينا وهذا بناره ... حريق وهذا بالدموع غريق تقلّدت الدرّ الذي فاض جفنها ... فرصّعه من مقلتيّ عقيق

стр. 301

ومنهم أبو عدي النعمان بن أبي مسلم وادع [١] من أهل العلم والفضل وهو القائل: يا أيها الملّاك لا تبرحوا [٢] ال ... أملاك وارجوها إلى قابل فالعام قد صحّت ولكنها ... للعدل والمشرف والعامل ومات أبو عدي بعد سنة خمسين وخمسمائة. ومنهم أبو مرشد سليمان بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان [٣] : ولي القضاء بمعرة النعمان وانتقل إلى شيزر بعد أخذ الفرنج المعرة، وتوفي بها، وله رسائل وشعر منه قصيدة التزم في كلّ كلمة منها حرف النون، أولها: نزّه لسانك عن نفاق منافق ... وانصح فإن الدين نصح المؤمن وتجنّب المنّ المنكّد للنّدى ... وأعن بنيلك من أعانك وامنن ومنهم أبو سهل عبد الرحمن بن مدرك بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان [٤] : مولده ومنشؤه بشيزر وحماة، وتوفي في الزلزلة [التي] كانت بحماة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وكان شاعرا مطبوع الشعر ومنه: جرحت بلحظي خدّ الحبيب ... فما طالب المقلة الفاعله ولكنه اقتصّ من مهجتي ... كذاك الديات على العاقله [٥] ومن شعره أيضا: ولما سألت القلب صبرا عن الهوى ... وطالبته بالصدق وهو يروغ تيقّنت منه أنه غير صابر ... وأنّ سلوّا عنه ليس يسوغ فإن قال لا أسلوه قلت صدقتني ... وان قال أسلو عنه قلت دروغ

стр. 302

(هذه كلمة عجمية معناها كذب) . ومنهم أخوه أبو المعالي صاعد بن مدرك بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان [١] : مولده ومنشؤه شيزر وحماة، ومات بمعرة النعمان، ومن شعره: ألا أيا أيها الوادي المنينيّ هل لنا ... تلاق فنشكو فيه صنع التفرّق أبثّك ما بي من غرام ولوعة ... وفرط جوى يضني وطول تشوق عسى أن ترقي حين ملّكت رقّه ... وترثي له مما بهجرك قد لقي بوصل يروّي غلّة الوجد والأسى ... ويطفى به حرّ الجوى والتحرق وغير هؤلاء حذفت أسماءهم اختصارا، وإنما قصدت الإخبار عن إعراق أبي العلاء في بيت العلم. ونقلت من بعض الكتب أنّ أبا العلاء لما ورد إلى بغداد قصد أبا الحسن علي بن عيسى الربعي ليقرأ عليه، فلما دخل إليه قال علي بن عيسى: ليصعد الاصطيل، فخرج مغضبا ولم يعد إليه. والاصطيل في لغة أهل الشام الأعمى، ولعلها معرّبة. ودخل على المرتضى أبي القاسم فعثر برجل فقال: من هذا الكلب؟ فقال المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما. وسمعه المرتضى فاستدناه واختبره فوجده عالما مشبعا بالفطنة والذكاء فأقبل عليه إقبالا كثيرا. وكان أبو العلاء يتعصّب للمتنبي ويزعم أنه أشعر المحدثين ويفضله على بشار ومن بعده مثل أبي نواس وأبي تمام، وكان المرتضى يبغض المتنبي ويتعصّب عليه، فجرى يوما بحضرته ذكر المتنبي فتنقّصه المرتضى وجعل يتتبع عيوبه، فقال المعري: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه فضلا، فغضب المرتضى وأمر فسحب برجله وأخرج من مجلسه، وقال لمن بحضرته: أتدرون أيّ شيء أراد الأعمى بذكر هذه القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكرها، فقيل: النقيب السيد أعرف، فقال: أراد قوله في هذه القصيدة:

стр. 303

وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل ولما رجع إلى المعرة لزم بيته فلم يخرج منه، وسمّى نفسه رهين المحبسين- يعني حبس نفسه في المنزل وترك الخروج منه وحبسه عن النظر إلى الدنيا بالعمى-. وكان متهما في دينه يرى رأي البراهمة لا يرى إفساد الصورة، ولا يأكل لحما، ولا يؤمن بالرسل والبعث والنشور، وعاش شيئا وثمانين سنة لم يأكل اللحم منها خمسا وأربعين سنة. وحدّثت أنه مرض مرة فوصف الطبيب له الفرّوج، فلما جيء به لمسه بيده وقال: استضعفوك فوصفوك، هلّا وصفوا شبل الأسد؟! وقيل إنه قال: ما أريد إصلاح نفسي بإفساد هذا، ولم يتناوله. وقد أوردنا من شعره ما يستدلّ به على سوء معتقده، ويخبرك بنحلته ومستنده. وحدث غرس النعمة أبو الحسن الصابي أنه بقي خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم ولا البيض ويحرّم إيلام الحيوان، ويقتصر على ما تنبت الأرض، ويلبس خشن الثياب، ويظهر دوام الصوم. قال: ولقيه رجل فقال له: لم لا تأكل اللحم؟ قال: ارحم الحيوان، قال: فما تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان، فإن كان لذلك خالق فما أنت بأرأف منه، وإن كانت الطبائع المحدثة لذلك فما أنت بأحذق منها ولا أتقن علما، فسكت. قال ابن الجوزي: وقد كان يمكنه أن لا يذبح رحمة، وأما ما قد ذبحه غيره فأيّ رحمة بقيت؟. قال: وقد حدّثنا عن أبي زكرياء أنه قال، قال لي المعري: ما الذي تعتقد؟ فقلت في نفسي: اليوم أقف على اعتقاده، فقلت له: ما أنا إلا شاكّ، فقال: وهكذا شيخك. قال القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني [١] ، قال لي المعري: لم أهج أحدا قط، فقلت له: صدقت إلّا الأنبياء ﵈، فتغير وجهه. وحدّث أبو زكرياء قال: لما مات أبو العلاء أنشد على قبره بعد موته أربعة

стр. 304

وثمانون شاعرا مراثي من جملتها أبيات لعليّ بن الهمام من قصيدة طويلة: إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني دما سيرت ذكرا في البلاد كأنه ... مسك مسامعها يضمّخ أو فما وترى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أوجب فدية من أحرما كأنه يقول: ان ذكرك طيب، والطيب لا يحلّ للمحرم فيجب عليه فدية. وختم في أسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة، وهذا مما لم يشارك فيه. وكانت الفتاوي في بيتهم على مذهب الشافعي من أكثر من مائتي سنة بالمعرة. ومن شعره في الزهد [١] : ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحقّ لسكان البسيطة أن يبكوا يحطّمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك ومن شعره في الزهد [٢] : فلا تشرّف بدينا عنك معرضة ... فما التشرف بالدنيا هو الشرف واصرف فؤادك عنها مثلما انصرفت ... فكلّنا عن مغانيها سينصرف يا أمّ دفر لحاك الله والدة ... فيك الخناء وفيك البؤس والسّرف لو أنك العرس أوقعت الطلاق بها ... لكنّك الأمّ مالي عنك منصرف وله [٣] : حدث السلفي بإسناده عن القاضي أبي المهذّب عبد المنعم بن أبي الروس السروجي قال: سمعت أخي القاضي [أبا] الفتح يقول: دخلت على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة، وكنت أتردّد إليه وأقرأ عليه في بعض خلواته، بغير علم منه، فسمعته وهو ينشد من قوله:

стр. 305

كم غودرت غادة كعاب ... وعمّرت أمّها العجوز أحرزها الوالدان خوفا ... والقبر حرز لها حريز يجوز أن تبطىء المنايا ... والخلد في الدهر لا يجوز ثم تأوه ثلاث مرات وتلا قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (هود ١٠٣- ١٠٥) ثم صاح وبكى بكاء شديدا، وطرح وجهه على الأرض زمانا، ثم رفع رأسه ومسح وجهه وقال: سبحان من تكلّم بهذا الكلام في القدم، سبحان من هذا كلامه، وسكت وسكن، فصبرت عليه ساعة ثم سلّمت عليه فردّ عليّ السلام، فقال لي: يا أبا الفتح متى أتيت؟ فقلت: الساعة، فأمرني بالجلوس فجلست وقلت: يا سيدي أرى في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح، بل أنشدت شيئا من كلام المخلوق، وتلوت شيئا من كلام الخالق فلحقني ما ترى. فتحققت صحّة دينه وقوة يقينه. قال السلفي: وسألت أبا زكريا التبريزي إمام عصره في اللغة ببغداد، فقلت له: قد رأيت أبا العلاء بالمعرة وعليّ بن عثمان بن جني الموصلي بصور والقصابيّ بالبصرة وابن برهان ببغداد وغيرهم من الأدباء فمن المفضّل من بينهم؟ قال: هؤلاء أئمة لا يقال لهم أدباء، وأفضل من رأيته ممن قرأت عليه أبو العلاء. قال السلفي: حكي عن أبي العلاء المعري في الكتاب الذي أملاه وترجمه ب «الفصول والغايات» ، وكأنه معارضة منه للسور والآيات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تصقله المحاريب أربعمائة سنة. قال السلفي: كان أبو نصر المنازي أحد وزراء نصير الدولة ابن مروان بديار بكر، فأرسله إلى مصر رسولا، فوصل إلى المعرة ودخل إلى أبي العلاء مسلّما مناشدا، وانبسط أحدهما إلى الآخر، وتذكر أبو العلاء ما يقاسي من الناس وكلامهم فيه، فقال له أبو نصر: ماذا يريدون منك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة، فقال: والآخرة أيضا؟ قال: والآخرة أيضا، والآخرة أيضا. فأطرق ولم يكلّمه إلى أن قام.

стр. 306

أنشد له السلفي: أبا العلاء ابن سليمانا ... إن العمى أولاك إحسانا لو أبصرت عيناك هذا الورى ... لم ير إنسانك إنسانا حدث هبة الله بن موسى المؤيد في الدين، وكان بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلات، قال: كنت أسمع من أخبار أبي العلاء وما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر تعجّبي منه، فلما وصلت المعرة داخلا إلى الديار المصرية لم أقدّم شيئا على لقائه، فحضرت إليه واتفق حضور أخي معي، وكنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر، فلم أسمح بمفارقته والاشتغال بها. فتحدّث أخي معي حديثا باللسان الفارسي فأرشدته إلى ما يعمله فيها ثم عدت إلى مذاكرة أبي العلاء، فتجارينا الحديث إلى أن ذكرت ما وصف به في سرعة الحفظ وسألته أن يريني من ذلك شيئا أحكيه عنه، فقال لي: خذ كتابا من هذه الخزانة- لخزانة قريبة منه- واذكر أوله فإني أورده عليك حفظا، فقلت: كتابك ليس بغريب إن حفظته، فقال: قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسية إن شئت أعدته، قلت: فأعده، فأعاد الحديث أجمع ما أخلّ بحرف منه، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية. وهذا الخبر من العجائب. قال السلفي بإسناده: عرض على أبي العلاء التنوخي كفّ من اللوبياء، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده وقال: ما أدري ما هي، إلا أني أشبهه بالكلية، فتعجبوا منه ومن فطنته وإصابته في حديثه [١] . وحدث أبو الكرم خميس بن علي الحوزي النحوي [٢] حدثنا القاضي أبو يوسف القزويني، قال قال لي ملحد المعرة: ما سمعت في أمر الحسين بن علي ﵄ شيئا يجب أن يحفظ، فقلت له: قد قال سواديّ من أهل بلادنا أبياتا لا يقول مثلها تنوخ جدّك الأكبر: رأس ابن بنت محمد ووصيّه ... للمسلمين على قناة يرفع

стр. 307

والمسلمون بمنظر وبمشهد ... لا جازع فيهم ولا متفجع كحلت بمنظرك العيون عماية ... وأصمّ رزؤك كلّ أذن تسمع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى ... وأنمت عينا لم تكن بك تهجع ما روضة إلا تمنّت أنها ... لك تربة ولخطّ قبرك مضجع قال: ولم يسمّ لنا قائلا. وقال أبو منصور الثعالبي في « [تتمة] يتيمة الدهر» [١] وكان حدثني أبو الحسن الدّلفي المصّيصي الشاعر، وهو من لقيته قديما وحديثا في مدة ثلاثين سنة، قال: لقيت بمعرة النعمان عجبا من العجب، رأيت شاعرا ظريفا يلعب بالشطرنج والنرد ويدخل في كلّ فنّ من الجد والهزل، يكنى أبا العلاء، وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، قال: وحضرته يوما وهو يملي في جواب كتاب ورد عليه من بعض الرؤساء: وافى الكتاب فأوجب الشكرا ... فضممته ولثمته عشرا وفضضته وقرأته فاذا ... أجلى كتاب في الورى يقرا فمحاه دمعي من تحدّره ... شوقا إليك فلم يدع سطرا قال: وأنشدني لنفسه [٢] : لست أدري ولا المنجم يدري ... ما يريد القضاء بالانسان غير أني أقول قول محقّ ... قد يرى الغيب فيه مثل العيان إن من كان محسنا قابلته ... بجميل عواقب الإحسان حدث أبو سعد السمعاني في «كتاب النسب» [٣] وقد ذكر المعري، فقال بعد وصفه: وذكر تلميذه أبو زكريا التبريزي أنه كان قاعدا في مسجده بمعرة النعمان بين

стр. 308

يدي أبي العلاء يقرأ عليه شيئا من تصانيفه، قال: وكنت قد أقمت عنده سنين، ولم أر أحدا من أهل بلدي، فدخل المسجد مغافصة [١] بعض جيراننا للصلاة، فرأيته وعرفته فتغيرت من الفرج، فقال لي أبو العلاء: أيش أصابك؟ فحكيت له أني رأيت جارا لي بعد أن لم ألق أحدا من أهل بلدي سنتين، فقال لي: قم وكلّمه، فقلت حتى أتمم السّبق [٢] ، فقال: قم أنا أنتظر لك، فقمت وكلمته بلسان الأذربية شيئا كثيرا إلى أن سألت عن كلّ ما أردت، فلما رجعت وقعدت بين يديه قال لي: أيّ لسان هذا؟ قلت: هذا لسان أهل أذربيجان، فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته، غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد عليّ اللفظ بعينه من غير أن ينقص عنه أو يزيد عليه جميع ما قلت وقال جاري، فتعجبت غاية التعجّب كيف حفظ ما لم يفهمه. قال المؤلف: وهذا غاية ليس بعدها شيء في حسن الحفظ. وقال المؤلف: وأنا كثير الاستحسان لقول أبي العلاء [٣] : أسالت أبيّ الدمع فوق أسيل ... ومالت لظلّ بالعراق ظليل أيا جارة البيت الممّنع أهله [٥] ... غدوت ومن لي عندكم بمقيل لغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن سبيل وأرسلت طيفا خان لما بعثته ... فلا تثقي من بعده برسول خيالا [٦] أرانا نفسه متجنبا ... وقد زار من صافي الوداد وصول نسيت مكان العقد من دهش النوى ... فعلّقته من وجنة بمسيل وكنت لأجل السنّ شمس غديّة ... ولكنّها للبين شمس أصيل أسرت أخانا بالخداع وانه ... يعدّ إذا اشتدّ الوغى بقبيل

стр. 309

فإن تطلقيه تملكي شكر قومه ... وإن تقتليه تؤخذي بقتيل وان عاش لاقى ذلة واختياره ... وفاة عزيز لا حياة ذليل وكيف يجرّ الجيش يطلب غارة ... أسير بمجرور الذيول كحيل ومن شعره لزوم ما لا يلزم [١] : يا محلّي عليك مني سلام ... سوف أمضي وينجز الموعود فلجسمي إلى التراب هبوط ... ولروحي إلى الهواء صعود وعلى حالها تدوم الليالي ... فنحوس لمعشر وسعود أترجّون أن أعود إليكم ... لا ترجّوا فإنني لا أعود قرأت بخط أبي سعد، أنشدنا الوكيل باصبهان [٢] ، أنشدنا عبيد الله القشيري، أنشدنا أبو الوليد الدربندي [٣] قال: أنشدني أبو العلاء التنوخي في داره عند وداعي إياه [٤] : كم بلدة فارقتها ومعاشر ... يذرون من أسف عليّ دموعا وإذا أضاعتني الخطوب فلن أرى ... لعهود إخوان الصفاء مضيعا خاللت توديع الأصادق للنوى ... فمتى أودّع خلّي التوديعا قال ابن الهبارية: أنشدني أبو زكريا الخطيب التبريزي قال، أنشدني أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرّي لنفسه [٥] : أرى جيل التصوف شرّ جيل ... فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عبدتموه ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي وكتب إلى خاله أبي القاسم عليّ بن سبيكة، عند طلوعه من العراق، ووجد أمّه قد توفّيت، ولم يعلم قبل مقدمه بذلك:

стр. 310

كتابي- أطال الله بقاء سيّدي ما طلع صبير، ورسا ثبير [١]- من معرّة النّعمان، ولكلّ نبأ مستقرّ. وردتها بعد سآمة، ورود كعب بن مامة [٢] ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، وله الحمد ممزوجا به الدّمع، مستكّا له من الوجد السّمع. وصلى الله على سيدنا محمد وعترته، صلاة يثقل بها لساني حزنا، وترجح في المحشر قدرا ووزنا. ثم أذكر قصصي بعد ذلك: ألا يا ليتني والمرء ميت ... وما تغني من الحدثان ليت ... يا ليت عمرا- وليت ضلّة سفه ... لم يغز فهما ولم يحلل بواديها ... لو أنّ صدور الأمر يبدون للفتى ... كأعقابه لم تلفه يتندّم رحمك الله من ساكنة رمس، أصبحت حياتك كأمس. فإن ينقطع منك الرّجاء فإنّه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدّهر لا آمل بعدها خيرا، ولا أزيد في ... المحن إلّا إيضاعا وسيرا. صلّى الإله عليك من مفقودة ... إذ لا يلائمك المكان البلقع [٣] أنّى حللت وكنت جدّ فروقة ... بلدا يمرّ به الشّجاع فيفزع لا بارك الله في الدّنيا إذا انقطعت ... أسباب دنياك من أسباب دنيانا [٤] يا سلوة الأيام موعدك الحشر. موعد والله بعيد، لا سلوة حتى يؤوب عنزيّ القرظة، ويرجع النعمان إلى الحيرة، ويبعث نبيّ من مكّة [٥] . لو لم تكن الآجال ذبرا [٦] ، لوجب أن أقتل بها صبرا. على أنّي والله قد أعلمتها أنّي مرتحل، وأنّ عزمي

стр. 311

على ذلك جادّ مزمع، فأذنت فيه، وأحسبها ظنّته مذقة الشارب، ووميض الخالب [١] ، ولكلّ أجل كتاب. وحزني لفقدها كنعيم أهل الجنّة، كلما نفد جدّد؛ وشرحه إملال سامع، وإفناء زمان. والله يجعلها وإيّاي فداءي مولاي من كلّ رزيّة، ويصيّره المخصوص عنّي بالمزية [٢] . وربّ سامع خبري، لم يسمع عذري. والمعاذر مكاذب، غير أنّ الرّائد لا يكذب أهله [٣] فإن قال أدام الله عزّه: يأبى الحقين العذرة، وإذا سمعت بسرى القين فآعلم أنّه مصبح، وفي النّوى يكذبك الصادق [٤]- فوالذي أخرج الجذع من الجريمة، والنّار من الوثيمة [٥] ، ما نكّبت حلب في الإبداء والانكفاء، إلّا كما تنكّب خريدة المحار، لما دونها من أهوال البحار. وأنا كما علم- أدام الله تأييده- وحشيّ الغريزة، إنسيّ الولادة. وكلّ أزبّ نفور [٦] . عوى الذّئب فاستأنست بالذّئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير [٧] يرى الوحشة الانس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أمّ النّجوم الشّوابك [٨] يودّ بجدع الأنف لو أنّ ظهرها ... من النّاس أعرى من سراة أديم لو وردت حلب لتعيّنت عليّ حقوق إن قضيتها نصبت، وإن تخلّفت عنها عوتبت وقصبت [٩] . ومن لم يهبط نعمان الأراك، لم يعتب عليه في إهداء المسواك. ويطلب من راكب هجر الفرض، ومن مسافر البحرين الحساس [١٠] . وشوقي إلى مشاهدته

стр. 312

شوق اليفن إلى الشّباب، والشّارف إلى السّقاب [١] ؛ لو أوسقته الحمائل أضعفها عن الذّميل، أو طوّقته الحمائم لأغصّها بالهديل. كيف تزيد الحمامة الخطباء [٢] ، على الحامّة [٣] الخطباء. الرّياش أفضل من الرّيش المكر [٤] ، والمنزل أشرف من الوكر؛ وطوق الذّهب، خير من طوق الغيهب. وأين الشّارف، من اللبيب العارف! ليس أمّ الفصيل، من ذوات التّحصيل. إنّما هي حنين بعده سلوّ، واشتغال لبّ ثمّ خلوّ. وأسفي على فائت قربه كأسف وحشيّة تربّ طلا [٥] في صفاصف وفلا؛ اتّخذت بيتا كالخدر، في ظلّ الفاردة [٦] من السّدر؛ ثمّ هكعت [٧] في الهجير فدرج الطّفل، وهو لأبي جعدة نصيب وكفل [٨] ؛ فلمّا قضت الرّقاد، نظرت فإذا بقيّة أجلاد؛ فهي بين وله وعله. والله سبحانه يسهّل اجتماعا يكون به شملنا كنجوم ذات العرش، لا ترهب فرقة ولا نقص أرش [٩] . وقد كنت كاتبته كتابا من الرّقّة أشرح له فيه ما حملني على النّزول. فإن كان وصل فهو الغرض، وإن تخلّف فالإعادة لمعناه جرض [١٠] . ولكلّ مقام مقال، ولكلّ أوان ثمرة، وفي كلّ واد سمرة. وجدت بغداذ كجناح الأخيل [١١] ، حسن وليس فيه ما حمل: إنّ العراق لأهلي لم يكن وطنا ... والباب دون أبي غسّان مسدود [١٢]

стр. 313

فانم القتود على عيرانة أجد ... مهريّة مخطتها غرسها العيد [١] ... كم دون مية من مستعمل قذف ... ومن فلاة بها تستودع العيس [٢] حنّت إلى نخلة القصوى فقلت لها ... بسل حرام ألا تلك الدّهاريس [٣] أمّي شآمية إذ لا عراق لنا ... قوما نودّهم إذ قومنا شوس ... فإن يك في كيل اليمامة عسرة ... فما كيل ميّافارقين بأعسرا [٤] لنفسي أقول: أعييتني بأشر، فكيف بدردر. وعصيتني من شبّ إلى دبّ. ليس بعشّك فادرجي. هذا أحقّ منزل بترك. الصّيف ضيّعت اللّبن. الرّبيع أغفلت الكمأة. وعلى المفازة أرقت السّقاء [٥] . عودي إلى مباركك، ألحقك الشّرّ بأهلك. فمن أناس ما أنت. ليس النّيق بموطن الظّليم، ولا الهجل بمرتع الغفر [٦] . لكلّ أناس من معدّ عمارة ... عروض إليها يلجؤون وجانب [٧] وكنت ظننت أنّ الأيّام تسمح لي بالإقامة هناك، فإذا الضارية أحجأ بعراقها، والأمة أبخل بصربتها [٨] ، والعبد أشحّ بكراعه، والغراب أضنّ بتمرته. ووجدت العلم ببغداد أكثر من الحصى عند جمرة العقبة، وأرخص من الصّيحانيّ بالجابرة [٩] ،

стр. 314

وأمكن من الماء بخضارة، وأقرب من الجريد باليمامة. ولكن على كلّ خير مانع، ودون كل درّة خرساء موحية، أو خضراء طامية [١] . إذا لم تستطع أمرا فذره ... وجاوزه إلى ما تستطيع [٢] يكفيك ما بلّغك المحلّ. إن عجز ظلّ عن شخصك فلا يعجزنّ عن عضو منك. فلمّا زبنت الضّروس الحالب، ونزت العنود تحت الراكب [٣] ، ومنعت القلوع النّازع [٤] ، ولم تعمّ الفلوت شاكي الأريز [٥] ، وغشّى الثّول وجه المشتار [٦] ، وخيّب رائدا سحاب، وكذب شائما برق، وأخلف رويعيا مظنّة [٧]- عادت لعترها لميس [٨] ، وذكر وجاره ثعالة، وطرب لوكنته ابن دأية [٩] . وما هبطت في طريقي واديا، ولا فرعت جبلا، ولا حملتني سفينة، ولا ذلّت لي مطيّة، إلّا بمنّ الله سبحانه ومنّة سيّدي وعنايته وجاهه. وأياديه أكبر من الشّكر، وأوسع من إحاطة الذّكر. وقد علمت أنّه يعمل ذلك معي لا يريد جزاء ولا شكورا. ولكن لمّا كان السّكوت غباوة عند الجماعة، والشّكر أذيّة لمسدي الصّنيعة، كان احتمال ملامة واحدة، أيسر من احتمال ملاوم كثيرة. وأمّا سيّدي أبو طاهر فقد حمّلني من الإنعام أوقا [١٠] لا آمل النّهوض بجزء منه،

стр. 315

وما ورث برّي عن كلالة، ولا أخذ تفقّدي من دار غربة: شنشنة من أخزم [١] ، ونشنشة من أخشن [٢] . إنما تقيّل [٣] أباه، والشّكير نابت من العضة، والبرم من السّلم [٤] ، ومن أشبه أباه فما ظلم [٥] . ما زالت كتبه تطرق أصدقاءه، محافظة على المكارم، ومراعاة لأمر غير لازم، حتّى جعلهم إليّ كعرف الفرس، أو قوى المرس. وكلّما عرضوا قضاء حاجة أعرضت عن تكليف المشقّة، لأنّي أعتقد حكمة زهير في قوله [٦] : ومن لا يزل يستحمل النّاس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذّلّ يسأم ولو علمت أنّي أرجع على قروائي، لم أتوجّه لهذه الجهة، ولكنّ البلاء موكّل بالمنطق، والخيرة مغيّبة، والخطوب مثل دوك النّوفل [٨] ، يفتح بعضه عن مثل نبات الغمق، وبعضه عن ذوات النسق [٩] . لا يدري الرّجل بم يولع هرمه [١٠] ، ولا إلى أيّ أجمة يسوقه جدّه. وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ (الأعراف: ١٨٨) . وجد في لوح: يا أيّها المضمر همّا لا تهمّ ... إنّك إن تقدر لك الحمّى تحمّ ورعاية الله شاملة لمن عرفته ببغداد؛ فلقد أفردوني بحسن المعاملة، وأثنوا عليّ في الغيبة، وأكرموني دون النّظراء والطّبقة. ولما آنسوا تشميري للرّحيل، وأحسّوا بتأهّبي للظّعن، أظهروا كسوف بال، وقالوا من جميل كلّ مقال، وتلفّعوا من

стр. 316

الأسف ببرد قشيب، وذرفت عيون أشياخ شيب. فلا إله إلّا الله! أيّ نابتة ليست لها راعية! لا تخلو فاغية من سائفة [١] ، ولا تعدم الخرقاء ثلّة [٢] ، ولا الثّقال سائقة، ولا السّمجة قائنة [٣] . وأمروني لرغبتهم في صقبي [٤] منهم بأمور تنهى عنها القناعة، وتكفّ دونها العادة. وما أبعد نضاد من جبال الضّريب [٥] ، وأشدّ اختلاف الغائر والمنجدين! شتّان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر [٦] ... على حين أن ذكّيت وابيضّ مفرقي ... أسام الذي أعيبت إذ أنا أمرد [٧] أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر [٨] والله يحسن جزاءهم: إن كان ما فعلوه حفاظا فهو منّة عظيمة، وإن كان نفاقا فهو عشرة جميلة. وانصرفت وماء وجهي في سقاء غير سرب، ما أرقت منه قطرة في طلب أدب ولا مال. ومنذ فارقت العشرين من العمر ما حدّثت نفسي باجتداء علم من عراقيّ ولا شآم. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (الكهف: ١٧) . والذي أقدمني تلك البلاد مكان دار الكتب بها. ولست وإن أحببت من يسكن الغضا ... بأوّل راج حاجة لا ينالها شرفا لذلك المنزل منزلا، وللسّاكنين به نفرا، ولماء دجلة واديا ومشربا.

стр. 317

وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما ... تخلّيت من حبل الهوى وتخلّت [١] لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت وكنت إذا خبّرت رجلا بمسيري بانت فيه كآبة، وبدت عليه كبوة، فكتمت ذلك عنهم كتمان المرأة ضرّتها بالغيب، ما في جسدها من سوء وعيب. فلمّا علق حرباء البين تنضبته [٢] ، ووقف صرد الفراق [٣] موقفه، كنت وإيّاهم كأبي قابوس وبني رواحة: قال لهم خيرا وأثنى عليهم ... وودّعهم وداع أن لا تلاقيا وسرت عن بغداد لستّ بقين من شهر رمضان، سيرا تنحط إبله، وتئطّ نسوعه [٤] ، وتوقّع الغرق سفنه، يودّ الماشي الرّجيل [٥] فيه أنّه بعض الرّكب، ولو كانوا ركبان الجذوع [٦] ؛ وأنه انتعل ولو بأديم الوجه والجبين، واضطجع ولو على القصد والشّبهان [٧] . عند الصّباح يحمد القوم السّرى. الغمرات ثمّ ينجلين [٨] . ومررت بطرف الشّهباء؛ لأنّي سلكت طريق الموصل وميّافارقين، وفيها أمواه كأمواه الطثرة والعذيب [٩] فسبحان الله القديم! وردت مياها ملحة فكرهتها ... فسقيا لأهلي الأوّلين ومائيا كلّما شحجت النّواعب قلت خيرا أيّتها الطّير، لا علم لك بما كان ولا علم لك بما يكون. وراءك وراءك! فغيري من تهيّبين [١٠] . طالما نزل نازلك على النّبيلة [١١]

стр. 318

فهاض جناحه الوليد. من مبلغ عمرو بن لأ ... ي حيث كان من الأقاوم [١] لا يمنعنّك من بغا ... ء الخير تعقاد التّمائم فلقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم [٢] فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم ولمّا نزلنا بالحنيّة، تساوى حامل المال وحامل الرّمال، وقلّ بلاء الغادي أين قال [٣] ، والرّائح أين عرّس وبات. فلم نزل كذلك حتى بلغنا آمد، ثمّ عادت السّبيل إلى غوائلها، وسدكت [٤] الرّفاق بمخاوفها. فما بلّغتنا إلّا جريضا ... بلا نقي العظام ولا سنام ولمّا فاتني المقام بحيث اخترت، أجمعت على انفراد يجعلني كالظّبي في الكناس، ويقطع ما بيني وبين النّاس، إلّا من وصلني الله به وصل الذّراع باليد، واللّيلة بالغد. وأنا أحمل إلى مولاي، أدام الله عزّه، وإلى مولاي أبي طاهر، عضدني الله ببقائه، سلاما له نضرة الألاء [٥] . وصفاء الماء، وعذوبة الأري، وتتابع القطر، وخلود النّجوم، وأرج العرار، وتألّق الوميض. والسلام.

стр. 319

وكتب إلى أهل معرّة النعمان مقدمه من بغداد ولم يصل إليهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* هذا كتاب إلى السّكن المقيم بالمعرّة، شملهم الله بالسّعادة، من أحمد بن عبد الله بن سليمان، خصّ به من عرفه وداناه، سلّم الله الجماعة ولا أسلمها، ولمّ شعثها ولا آلمها. أمّا الآن فهذه مناجاتي إيّاهم منصرفي عن العراق، مجتمع أهل الجدال، وموطن بقيّة السّلف، بعد أن قضّيت الحداثة فانقضت، وودّعت الشّبيبة فمضت، وحلبت الدّهر أشطره، وجرّبت خيره وشرّه، فوجدت أوفق ما أصنعه في أيّام الحياة، عزلة تجعلني من النّاس كبارح الأروى من سانح النّعام. وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا قصّرت في اجتذاب المنفعة إلى حيّزي. فأجمعت على ذلك، واستخرت الله فيه، بعد جلائه على نفر يوثق بخصائلهم، فكلّهم رآه حزما، وعدّه إذا تمّ رشدا. وهو أمر سري عليه بليل، قضي ببقّة [١] ، وخبّت به النّعامة، ليس بنتيج السّاعة، ولا ربيب الشّهر والسنة، ولكنّه غذيّ الحقب المتقادمة، وسليل الفكر الطّويل. وبادرت إعلامهم ذلك، مخافة أن يتفضّل منهم متفضّل بالنّهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسكناه ليلقاني فيه، فيتعذّر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين: سوء الأدب وسوء القطيعة. وربّ ملوم لا ذنب له. والمثل السّائر: خلّ امرأ وما اختار. وما سمحت القرون [٢] بالإياب، حتّى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النّجوم [٣] ، وانقضابا من العالم كانقضاب القائبة من القوب [٤] ، وثباتا في البلد إن حال أهله من خوف الرّوم. فإن أبى من يشفق عليّ أو يظهر الشّفق إلا النّفرة مع السّواد، كانت نفرة الأعفر أو الأدماء [٥] . وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثّر بلقاء الرّجال،

стр. 320

ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزّمن بإقامتي فيه. والجاهل مغالب القدر. فلهيت عمّا استأثر به الزّمان. والله يجعلهم أحلاس الأوطان، لا أحلاس الخيل والرّكاب؛ ويسبغ عليهم النّعمة سبوغ القمراء الطّلقة على الظّبي الغرير، ويحسن جزاء البغداديّين؛ فلقد وصفوني بما لا أستحقّ، وشهدوا لي بالفضيلة على غير علم، وعرضوا عليّ أموالهم عرض الجدّ، فصادفوني غير جذل بالصّفات، ولا هشّ إلى معروف الأقوام. ورحلت وهم لرحيلي كارهون. وحسبي الله وعليه يتوكل المتوكّلون. وكتب إلى أبي طاهر المشرّف بن سبيكة وهو ببغداد، يذكر له أمر شرح السيرافي وما جرى فيه من التعب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* لله الحمد، ما أحصي خطأ وعمد؛ وصلى الله على محمد ما التأم شعب، وعلا كعبا كعب. شوقي إلى سيّدي الشيخ شوق البلاد الممحلة، إلى السّحابة المسحلة [١] . وانتفاعي بقربه انتفاع الأرض الأريضة، بالأمواه الغريضة [٢] . وتشوّفي لأخباره تشوّف راعي أنعام، أجدب في عام بعد عام؛ لبارق يمان، هو له مرتقب ممان [٣] . وأسفي لفقده أسف وحشيّة، رادت بالعشيّة، فخالفها السّرحان [٤] إلى طلا راد فحار؛ فهي تطوف حول أميل [٥] ، وترى صبرها ليس بجميل. وتذكّري لأوقاته تذكّر الفطيم ثدي الوالدة، والمقسم بالملح لبني خالدة [٦] . وانتظاري لقدومه انتظار تاجر مكّة وفد
следующие страницы →