← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولو طوّحت بالأستاذ أيدي الغربة إليهم لوجد منال البشر قريبا، ومحطّ الرّحل رحيبا، ووجه المضيف خصيبا، ورأيه- أيده الله، في أن يملأ من هذا الضيف أجفان عينه ويوسع أعطاف ظنه، ويجيبه بموقع هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله تعالى. الجواب من الخوارزمي: إنك إن كلفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرّك مني من خلق فهمت ما تناوله سيّدي من خشن خطابه ومؤلم عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجر الذي لا يخلو منه من نبا به دهر ومسّه من الأيام ضر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنّة مشتكى ما في نفسه. أما ما شكاه سيدي من مضايقتي إياه- زعم- في القيام وتكلّفي لردّ السلام، فقد وفّيته حقّه كلاما وسلاما وقياما على قدر ما قدرت عليه ووصلت إليه، ولم أرفع عليه غير السيد أبي القاسم [١] ، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول وأمه البتول، وشاهداه التوراة والانجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبرائيل وميكائيل. وأما عدم الجمال ورثاثة الحال فما يضعان عندي قدرا ولا يضرّان نجرا، وإنما اللباس جلدة والزيّ حلية بل قشرة، وإنما يشتغل بالجلّ من لا يعرف قيمة الخيل، ونحن بحمد الله نعرف الخيل عارية من جلالها، ونعرف الرجال بأقوالها وأفعالها، لا بآلاتها وأحوالها. وأما القوم الذين صدر سيدي عنهم وانتمى اليهم ففيهم لعمري فوق ما وصف: حسن عشرة وسداد طريقة وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فنلت المراد وأحمدت المراد: فإن أك قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم والله يعلم نيتي للأحرار عامة [٢] ولسيدي من بينهم خاصة، فإن أعانني على مرادي له ونيتي فيه بحسن العشرة بلغت له بعض ما في المنية [٣] وجاوزت مسافة القدرة، وإن قطع علي طريق عزمي [٤] بالمعارضة وسوء المؤاخذة صرفت عناني عن

стр. 247

طريق الاختيار بيد الاضطرار [١] : فما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها وعلى هذا فحبذا عتاب سيدي إذا صادف ذنبا واستوجب عتبا، فأما أن يسلفنا العربدة ويستكثر المعتبة والموجدة فتلك حالة نصونه عنها ونصون أنفسنا عن احتمال مثلها، فليرجع بنا إلى ما هو أشبه به وأجمل له، ولست أسومه أن يقول: اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (يوسف: ٩٧) ولكن أسأله أن يقول: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يوسف: ٩٢) . رقعة البديع الثالثة إلى الخوارزمي [٢] : أنا أرد من الأستاذ سيدي شرعة وده، وإن لم تصف، وألبس خلعة برّه وإن لم تضف، وقصاراي أن أكيله صاعا بصاع ومدّا عن مدّ، وإن كنت في الأدب دعيّ النسب ضعيف السبب ضيّق المضطرب سيء المنقلب، أمتّ إلى أهله بعشرة رشيقة [٣] ، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة. ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الإخاء عادلا في الوداد، إذا زرت زار وإن عدت عاد، والأستاذ سيدي- أيده الله- ضايقني في القبول أولا وناقشني [٤] في الإقبال ثانيا، فأما حديث الاستقبال وأمر الإنزال والإنزال فنطاق الطمع ضيّق عنه غير متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل هيّنة وفروض الودّ متعيّنة، وطرق المكارم بينة، وأرض العشرة لينة، فلم اختار قعود التعالي مركبا، وصعود التغالي مذهبا؟ وهلّا ذاد الطير عن شجر العشرة إذا كان ذاق الحلو من ثمرها؛ وقد علم الله أن شوقي إليه قد كدّ الفؤاد برحا على برح، ونكأه قرحا على قرح، فهو شوق داعيته محاسن الفضل وجاذبته بواعث العلم، ولكنها مرّة مرة ونفس حرة، ولم تقد إلا بالإعظام ولم تلق إلا بالاكرام. وإذا استعفاني سيدي الأستاذ

стр. 248

من معاتبته واستعادته، ومؤاخذته إذا جفا واستزادته، وأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرّعها، فلم أعره من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما رنّقت إلا إليه، ولا حلّقت إلا عليه [١] : أحبّك يا شمس النهار وبدره ... وإن لا مني فيك السّها والفراقد وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد جواب الخوارزمي عنها: شريعة ودّي لسيدي- أدام الله عزه- إذا وردها صافية، وثياب بري إذا قبلها ضافية، هذا ما لم يكدّر الشريعة بتعنته وتعصّبه، ولم تخرّق الثياب بتجنيه وتسحّبه، فأما الإنصاف في الإخاء فهو ضالّتي عند الأصدق، ولا أقول [٢] : وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه فإن قائل هذا البيت قاله والزمان زمان، والاخوان إخوان، وحسن العشرة سلطان، ولكني أقول: وإني لمشتاق إلى ظلّ: رجل يوازنك المودّة جاهدا ... يعطي ويأخذ منك بالميزان فإذا رأى رجحان حبّة خردل ... مالت مودّته مع الرجحان وقد كان الناس يقترحون الفضل فأصبحنا نقترح العدل، وإلى الله المشتكى لا منه. ذكر الشيخ سيدي- أيده الله- حديث الاستقبال، وكيف يستقبل من انقضّ علينا انقضاض العقاب الكاسر، ووقع بيننا وقوع السهم العائر: وتكليفك المرء ما لا يطيق ... يجوز على مذهب الأشعري وقد زاد سيدي على أستاذه الأشعري، فإن أستاذه كلّف العاجز ما لا يطيق مع عجزه عنه، وسيدي كلّف الجاهل علم الغيب مع الاستحالة منه. والمنزل بما فيه قد عرضته عليه، ولو أطقت حمله لحملته إليه، والشوق الذي ذكره سيدي فعندي منه الكثير الكبير، وعنده منه الصغير اليسير، وأكثرنا شوقا أقلّنا عتابا وأليننا خطابا. ولو

стр. 249

أراد سيدي أن أصدّق دعواه في شوقه إليّ لغضّ من حجم عتبه عليّ، فإنما اللّفظ زائد واللحظ وارد، فإذا رقّ اللفظ دقّ اللحظ، وإذا صدق الحبّ ضاق العتاب والعتب: فبالخير لا بالشرّ فارج مودتي ... وأيّ امرىء يقتال منه الترهّب عتاب سيدي قبيح ولكنه حسن، وكلامه ليّن ولكنه خشن، أما قبحه فلأنه عاتب بريئا، ونسب إلى الإساءة من لم يكن مسيئا. وأما حسنه فلألفاظه الغرر، ومعانيه التي هي كالدرر، فهي كالدنيا ظاهرها يغرّ وباطنها يضرّ، وكالمرعى على دمن الثرى منظره بهيّ ومخبره وبيّ، ولو شاء سيدي نظم الحسن والإحسان، وجمع بين صواب الفعل واللسان: يا بديع القول حاشا ... لك من هجو بديع ولحسن القول عوّذ ... تك من سوء الصنيع لا يعب بعضك بعضا ... كن مليحا في الجميع رقعة أخرى للبديع إلى الخوارزمي: أنا وإن كنت مقصّرا في موجبات الفضل من حضور مجلس الاستاذ سيدي فما أفري إلا جلدي، ولا أبري إلا قدحي، ولا أبخس إلا حظّي، وإن يكن ذاك جرما فكفى هذا عقابا، ومع ذاك فما أعمر أوقاتي إلا بمدحه ولا أطرّز ساعاتي إلا بذكره، ولا أركض إلا في حلبة وصفه حرس الله فضله. نعم وقد رددت «كتاب الأوراق» للصولي وتطاولت لكتاب «البيان والتبيين» للجاحظ، وللأستاذ سيدي في الفضل والتفضل به رأيه. وقال البديع يمدح الصحابة ويهجو الخوارزميّ ويجيبه عن قصيدة رويت له في الطعن عليهم: وكّلني بالهمّ والكآبه ... طعّانة لعّانة سبّابه للسلف الصالح والصحابه ... أساء سمعا فأساء جابه ... تأملوا يا كبراء الشيعه ... لعشرة الاسلام والشريعه أتستحلّ هذه الوقيعه ... في بيع الكفر وأهل البيعه ...

стр. 250

فكيف من صدّق بالرساله ... وقام للدين بكلّ آله وأحرز الله يد العقبى له ... ذلكم الصديق لا محاله ... إمام من أجمع في السقيفه ... قطعا عليه أنه الخليفه ناهيك من آثاره الشريفه ... في ردّه كيد بني حنيفه ... سل الجبال الشمّ والبحارا ... وسائل المنبر والمنارا واستعلم الآفاق والأقطارا ... من أظهر الدين بها شعارا ... ثم سل الفرس وبيت النار ... من الذي فلّ شبا الكفار هل هذه البيض من الآثار ... إلا لثاني المصطفى في الغار ... وسائل الاسلام من قوّاه ... وقال إذ لم تقل الأفواه واستنجز الوعد فأومى الله ... من قام لما قعدوا إلا هو ... ثاني النبيّ في سني الولاده ... ثانيه في الغارة بعد العاده ثانيه في الدعوة والشهاده ... ثانيه في القبر بلا وساده ... ثانيه في منزلة الزعامه ... نبوة أفضت إلى إمامه أتأمل الجنة يا شتّامه ... ليست بمأواك ولا كرامه ... ان امرءا أثنى عليه المصطفى ... ثمّت والاه الوصيّ المرتضى واجتمعت على معاليه الورى ... واختاره خليفة ربّ العلى ... واتبعته أمة الأمّيّ ... وبايعته راحة الوصيّ وباسمه استسقى حيا الوسميّ ... ما ضرّه هجو الخوارزميّ ... سبحان من لم يلقم الصخر فمه ... ولم يعده حجرا ما أحمله يا نذل يا مأبون أفطرت فمه ... لشدّ ما اشتاقت إليك الحطمه ...

стр. 251

إن أمير المؤمنين المرتضى ... وجعفرا الصادق أو موسى الرضى لو سمعوك بالخنا معرّضا ... ما ادخروا عنك الحسام المنتضى ... ويلك لم تنبح يا كلب القمر ... ما لك يا مأبون تغتاب عمر سيد من صام وحجّ واعتمر ... صرّح بإلحادك لا تمش الخمر ... يا من هجا الصديق والفاروقا ... كيما يقيم عند قوم سوقا نفخت يا طبل علينا بوقا ... فما لك اليوم كذا موهوقا ... إنك في الطعن على الشيخين ... والقدح في السيّد ذي النورين لواهن الظهر سخين العين ... معترض للحين بعد الحين ... هلا شغلت باستك المغلومه ... وهامة تحملها مشؤومه هلا نهتك الوجنة الموشومه ... عن مشتري الخلد ببئر رومه ... كفى من الغيبة أدنى شمّه ... من استجاز القدح في الأئمه ولم يعظم أمناء الأمه ... فلا تلوموه ولوموا أمه ... ما لك يا نذل وللزكيّه ... عائشة الراضية المرضيّه يا ساقط الغيرة والحميّه ... ألم تكن للمصطفى حظيه ... من مبلغ عنّي الخوارزميا ... يخبره أن ابنه عليا قد اشترينا منه لحما نيا ... بشرط أن يفهمنا المعنيا ... يا أسد الخلوة خنزير الملا ... مالك في الحرّى تقود الجملا يا ذا الذي يثلبني إذا خلا ... وفي الخلا أطعمه ما في الخلا ... وقلت لما احتفل المضمار ... واحتفّت الأسماع والأبصار سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتي أم حمار ...

стр. 252

وكتب البديع إلى معلمه جوابا [١] : الشيخ الإمام يقول: فسد الزمان، أفلا يقول متى كان صالحا؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها، أم في المدة المروانية وفي أخبارها: لا تكسع الشّول بأغبارها ... انك لا تدري من الناتج ام السنين الحربية: والسيف يغمد في الطّلى ... والرمح يركز في الكلى ومبيت حجر بالفلا ... والحرّتان وكربلا أم الأيام العدوية، وصاحبها [يقول] : هل بعد البزول الا النزول، أم الأيام التيمية [وصاحبها] يقول طوبى لمن مات في نأنأة الاسلام، أم على عهد الرسالة وقيل اسكني يا فلانة فقد ذهبت الأمانة، أم في الجاهلية ولبيد يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب أم قبل ذلك وأخو عاد يقول: بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذ الأهل أهل والبلاد بلاد أم قبل ذلك وقد قال آدم ﵇: تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح أم قبل ذلك والملائكة تقول أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ (البقرة: ٣٠) واني على توبيخه لي لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، ما نسيته ولا أنساه، وإن له بكل كلمة علمنا منارا، ولكل حرف أخذته منه نارا، ولو عرفت لكلامي موقعا من قلبه لاغتنمت خدمته به، ولكني خشيت أن يقول هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا (يوسف: ٦٥) واثنتان قلما تجتمعان الخراسانية والانسانية، وإني وإن لم أكن خراسانيّ الطينة فإني خراساني المدينة، والمرء من حيث يوجد لا من حيث يولد، والانسان من حيث يثبت لا من حيث ينبت، فإذا انضاف إلى تربة خراسان ولادة همذان ارتفع القلم وسقط التكليف، والجرح جبار والجاني حمار، فليحملني

стр. 253

على هناتي، أليس صاحبنا يقول: لا تلمني على ركاكة عقلي ... إن تصورت أنني همذاني [١] - ٧٩- أحمد بن الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأسدي الغضاري : كان من الأدباء والفضلاء الاذكياء، وله خط يزري بخط ابن مقلة على طريقته. - ٨٠- أحمد بن خالد أبو سعيد الضرير البغدادي : رأيت في فوائد أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي صاحب كتاب «المجمل» ما صورته: وجدت في تفسير أبي موسى محمد بن المثنى العنزي ولم أسمعه، حدثني أبو معاوية الضرير محمد بن حازم، حدثنا إسماعيل روى عن أبي صالح، هكذا أسماه، وقد سماه السلامي كما ذكرناه في الترجمة، والذي ترجمناه أصحّ لأني رأيته في مواضع أخر موافقا له، والله أعلم. قال الازهري [٢] : كان طاهر بن عبد الله بن طاهر استقدمه من بغداد إلى خراسان وأقام بنيسابور وأملى بها المعاني والنوادر، ولقي أبا عمرو الشيباني وابن الأعرابي، وكان يلقى الأعراب الفصحاء الذين استوردهم ابن طاهر نيسابور فيأخذ عنهم وكان شمر [٣] وأبو الهيثم [٤] يوثّقانه.

стр. 254

ونقلت من كتاب «نتف الطرف» تأليف أبي علي الحسين بن أحمد السلامي البيهقي صاحب كتاب «ولاة خراسان» - وقد ذكرناه في بابه [١]- قال: خرّج أبو سعيد الضرير عن أبي عبيد من «غريب الحديث» جملة مما غلط فيه، وأورد في تفسيره فوائد كثيرة ثم عرض ذلك على عبد الله بن عبد الغفار وكان أحد الأدباء فكأنه لم يرضه، فقال لأبي سعيد: ناولني يدك فناوله يده فوضع الشيخ في كفّه متاعه وقال له: اكتحل بهذا يا أبا سعيد حتى تبصر فكأنك لا تبصر. ثم قال: سمعت أبا جعفر محمد بن سليمان الشرمقاني قال: سمعت أبا سعيد الضرير يقول: كان يقال إذا أردت أن تعرف خطأ أستاذك فجالس غيره. وله تصانيف منها: كتاب الردّ على أبي عبيد في غريب الحديث. وكتاب الأبيات. قال السلامي: حدثني أبو العباس محمد بن أحمد الغضاري قال حدثني عمي محمد بن الفضل، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة قال: لما قدم عبد الله بن طاهر نيسابور وأقدم معه جماعة من فرسان طرسوس وملطية وجماعة من أدباء الأعراب منهم عرّام وأبو العميثل وأبو العيسجور وأبو العجنّس وعوسجة وأبو العذافر وغيرهم فتفرّس أولاد قواده وغيرهم بأولئك الفرسان، وتأدبوا بأولئك الأعراب، وبهم تخرّج أبو سعيد الضرير، واسمه أحمد بن خالد، وكان وافى نيسابور مع عبد الله بن طاهر، فصار بهم إماما في الأدب. وقد كان صحب بالعراق أبا عبد الله محمد بن زياد الأعرابي وأخذ عنه، فبلغ ابن الأعرابي أن أبا سعيد يروي عنه أشياء كثيرة مما يفتي فيه، فقال لبعض من لقيه من الخراسانية: بلغني أن أبا سعيد يروي عني أشياء كثيرة فلا تقبلوا منه من ذلك غير ما يرويه من أشعار العجاج ورؤبة، فإنه عرض ديوانهما عليّ وصحّحه. وحدّث عن الغضاري عن عمه قال: اختصم بعض الأعراب الذين كانوا مع عبد الله بن طاهر في علاقة بينهم إلى صاحب الشرطة بنيسابور فسألهم بيّنة وشهودا يعرفون، فأعجزهم ذلك، فقال أبو العيسجور: إن يبغ منا شهودا يشهدون لنا ... فلا شهود لنا غير الأعاريب وكيف يبغي بنيسابور معرفة ... من داره بين أرض الحزن واللّوب

стр. 255

قرأت [١] بخط عبد السلام البصري في كتاب محمد بن أبي الأزهر قال، حدثني وهب بن إبراهيم خال عبيد الله بن سليمان بن وهب قال: كنا يوما بنيسابور في مجلس أبي سعيد المكفوف، وكان أبو سعيد عالما باللغة جدا، إذ هجم علينا مجنون من أهل قمّ، فسقط على جماعة من أهل المجلس، فاضطرب الناس لسقطته، ووثب أبو سعيد لا يشكّ أن آفة قد لحقتنا من سقوط جدار أو شرود بهيمة، فلما رآه المجنون على تلك الحال قال: الحمد لله ربّ العالمين، على رسلك يا شيخ لا ترع، آذاني هؤلاء الصبيان وأخرجوني عن طبعي إلى ما لا أستحسنه من غيري، فقال أبو سعيد: امنعوا منه عافاكم الله، فوثبنا وشرّدنا من كان [يعبث به] ورجعنا، فسكت ساعة لا يتكلم، إلى أن عدنا إلى ما كنّا فيه من المذاكرة، وابتدأ بعضنا بقراءة قصيدة من شعر نهشل بن حري التميمي حتى بلغ قوله: غلامان خاضا الموت من كلّ جانب ... فآبا ولم تعقد وراءهما يد متى يلقيا قرنا فلا بدّ أنه ... سيلقاه مكروه [٢] من الموت أسود فما استتم هذا البيت حتى قال [المجنون] : قف أيها القارىء، تتجاوز المعنى ولا تسأل عنه؟ ما معنى قوله ولم تعقد وراءهما يد؟ فأمسك من حضر عن القول، فقال: قل يا شيخ فإنك المنظور إليه والمقتدى به، فقال أبو سعيد: يقول إنهما رميا بأنفسهما في الحرب أقصى مراميها ورجعا موفورين لم يؤسرا فتعقد أيديهما كتفا [٣] ، فقال: يا شيخ أترضى لنفسك بهذا الجواب؟ فأنكرنا ذلك على المجنون، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال أبو سعيد: هذا الذي عندنا فما عندك؟ فقال: المعنى يا شيخ آبا ولم تعقد يد بمثل فعلهما بعدهما لأنهما فعلا ما لم يفعله أحد، كما قال الشاعر: قرم [٤] إذا عدّت تميم معا ... ساداتها عدّوه بالخنصر

стр. 256

ألبسه الله ثياب النّدى ... فلم تطل عنه ولم تقصر أي خلقت له، وقريب من الأول قوله: قومي بنو مذحج من خير الأمم ... لا يصعدون قدما على قدم يعني أنهم يتقدمون الناس ولا يطأون على عقب أحد، وهذان فعلا ما لم يفعله أحد. فلقد رأيت أبا سعيد وقد احمرّ وجهه واستحيا من أصحابه، ثم غطّى المجنون رأسه وخرج وهو يقول: يتصدّرون ويغرّون الناس من أنفسهم. فقال أبو سعيد بعد خروجه: اطلبوه فإني أظنه إبليس، فطلبناه فلم نظفر به. قال الشافعي حدثني أبو جعفر الشرمقاني قال: كان أبو سعيد الضرير مثريا ممسكا لا يكسر رأس رغيف له، إنما يأكل عند من يختلف إليهم، لكنه كان أديب النفس عاقلا، حضر يوما مجلس عبد الله بن طاهر فقدّم إليه طبق عليه قصب السكر، وقد قشر وقطّع كاللقم، فأمره عبد الله بن طاهر أن يتناول منه، فقال أبو سعيد: إن لهذا لفاظة ترتجع من الأفواه وأنا أكره ذلك في مجلس الأمير- أيده الله، فقال عبد الله: تناول فليس بصاحبك من احتشمك واحتشمته، أما إنه لو قسم عقلك على مائة رجل لصار كلّ رجل منهم عاقلا. وقيل إن هذا الكلام جرى بين الضرير وبين أبي دلف في مجلسه. وحدث قال حدثني الغضاري قال: كان أبو سعيد الضرير يختار المؤدبين لأولاد قواد عبد الله بن طاهر، ويبيّن مقدار أرزاقهم، ويطوف عليهم، ويتعهد من بين أيديهم من أولئك الصبيان. فاستقبله يوما في ميدان الحسين بعض أولئك المؤدبين فقال له: يا فلان من أين وجهك؟ قال: من شاذياخ، قال: زد فيه ألفا ولاما، فقال: من شاذياخال، فقال أبو سعيد: اللهم غفرا زدهما في أول الحرف ويلك، فقال: ألف لام شاذياخ، فقال: صمّ صداك، كم رزقك؟ قال: سبعين درهما، فقال: يصرف ويبدل به غيره وهو صاغر قميء [١] . وحدث الحاكم في «كتاب نيسابور» سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبي يقول: لما قلّد المأمون عبد الله بن طاهر ولاية خراسان في سنة

стр. 257

سبع عشرة ومائتين وناوله العهد بيده قال: حاجة يا أمير المؤمنين، قال: مقضية، قال: يسعفني أمير المؤمنين في استصحاب ثلاثة من العلماء، قال: من هم؟ قال: الحسين بن الفضل البجلي وأبو سعيد الضرير وأبو إسحاق القرشي، فأجابه إلى ذلك، فقال عبد الله: وطبيب يا أمير المؤمنين، فليس في خراسان طبيب حاذق، قال: من؟ قال: أيوب الرهاوي، فقال: يا أبا العباس لقد أسعفناك بما التمسته، وقد أخليت العراق من الأفراد. قال: فقدم الحسين بن الفضل نيسابور وابتاع بها دارا مشهورة بباب عزرة، فبقي يعلّم الناس العلم ويفتي إلى أن مات في شعبان سنة اثنتين وثمانين ومائتين وهو ابن مائة سنة وأربع سنين، ودفن في مقبرة الحسين بن معاذ، قال: ولو كان في بني إسرائيل لكان من عجائبهم يعني الحسين بن الفضل، ذكر ذلك كله في ترجمة الحسين بن الفضل. قرأت بخط الأزهري من كتاب «نظم الجمان» للمنذري، سمعت أبا عبد الله المعقلي المزني يقول، سمعت أبا سعيد الضرير يقول: كنت أعرض على ابن الأعرابي أصول الشعر أصلا أصلا، وعرض عليه وأنا أحضر شعر الكميت في المجالس التي كان يحضرها، قال: فحفظته بعرضه وحفظت النكت التي أفاد فيها، فقال لي ابن الأعرابي يوما: لم تعرض عليّ فيما عرضت شعر الكميت، فقلت له: عرضه عليك فلان فحفظته بعرضه، وحفظت ما أفدت فيه من الفوائد والنكت والمعاني، وجعلت أنشده وأعرّفه من تلك النكت، فعجب. وقال أبو سعيد الضرير [١] : سألني أبو دلف عن بيت امرىء القيس [٢] : كبكر المقاناة البياض بصفرة قال: أخبرني عن البكر هي المقاناة أم غيرها؟ قال قلت: هي هي، قال: أفيضاف الشيء إلى صفته؟ قلت: نعم، قال: وأين؟ قلت: قد قال الله تعالى: وَلَدارُ الْآخِرَةِ* (يوسف: ١٠٩) فأضاف الدار إلى الآخرة وهي هي بعينها، والدليل على ذلك أنه قال في سورة أخرى: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ* (الأعراف: ١٦٩) قال: أريد

стр. 258

أشفى من هذا، فأنشدته لجرير [١] : يا ضبّ إنّ هوى القيون أضلكم ... كضلال شيعة أعور الدجّال - ٨١- أحمد بن داود بن ونند أبو حنيفة الدينوري : أخذ عن البصريين والكوفيين، وأكثر أخذه عن ابن السكيت، وكان نحويا لغويا مهندسا منجما حاسبا، راوية ثقة فيما يرويه ويحكيه، مات في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وجدت ذلك على ظهر «كتاب النبات» من تصنيفه، ووجدت في كتاب عتيق: مات أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري قبل سنة تسعين ومائتين، ثم وجدت على ظهر النسخة التي بخط ابن المسيح بكتاب النبات من تصنيف أبي حنيفة: توفي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ليلة الاثنين لأربع بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين، ووجدت في «كتاب الوفيات» لأبي عبد الله محمد بن سفيان بن هارون ابن بنت جعفر بن محمد الفريابي البغدادي: مات أبو حنيفة أحمد بن داود بن ونند صاحب «كتاب النبات» في سنة إحدى وثمانين ومائتين. قال أبو حيان في «كتاب تقريظ الجاحظ» [٢] ومن خطه الذي لا أرتاب فيه نقلت، قال: قلت لأبي محمد الأندلسي- يعني عبد الله بن حمود الزبيدي، وكان من غرر أصحاب السيرافي، وله في هذا الكتاب ذكر [٣]-: قد اختلف أصحابنا في مجلس أبي سعيد السيرافي في بلاغة الجاحظ وأبي حنيفة صاحب النبات ووقع الرضى بحكمك فما قولك؟ فقال: أنا أحقر نفسي عن الحكم لهما وعليهما، فقال لا بدّ من قول، قال: أبو حنيفة أكثر بداوة وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة

стр. 259

بالنفس سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أغرب وأعرب وأدخل في أساليب العرب. قال أبو حيان: والذي أقوله وأعتقده وآخذ به واستهام عليه أني لم أجد في جميع من تقدّم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا إلى أن يأذن الله بزوالها لما بلغوا آخر ما يستحقه كلّ واحد منهم، أحدهم هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة وبسببه جشّمنا هذه الكلفة، أعني أبا عثمان عمرو بن بحر، والثاني أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كلّ فنّ ساق [١] وقدم ورواء وحكم [٢] ، وهذا كلامه في «الأنواء» يدلّ على حظّ وافر من علم النجوم وأسرار الفلك، فأما كتابه في «النبات» فكلامه فيه في عروض كلام أبدى بدويّ وعلى طباع أفصح عربيّ، ولقد قيل لي إن له في القرآن كتابا يبلغ ثلاثة عشر مجلدا ما رأيته، وأنه ما سبق إلى ذلك النمط، هذا مع ورعه وزهده وجلالة قدره. وقد وقف الموفّق عليه وسأله وتحفّى به، والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي فإنه من لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظنّ أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر، ومن تصفح كلامه في «كتاب أقسام العلوم» وفي «كتاب أخلاق الأمم» وفي «كتاب نظم القرآن» وفي «كتاب اختيار السيرة» وفي رسائله إلى إخوانه وجوابه عما يسأل عنه ويبده به، علم أنه بحر البحور، وأنه عالم العلماء. وما رئي في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير، ولو تناصرت إلينا أخبارهما لكنا نحبّ أن نفرد لكلّ واحد منهما تقريظا مقصورا عليه، وكتابا منسوبا إليه، كما فعلت بأبي عثمان. قرأت في كتاب ابن فورجة المسمى ب «الفتح على أبي الفتح» في تفسير قول المتنبي [٣] :

стр. 260

فدع عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي وقال فيه ما لم يرضه ابن فورجة، ونسبه إلى أنه سأل عنه أبا الطيب، فأجاب بهذا الجواب، فأورد ابن فورجة هذه الحكاية: زعموا أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه وقضى سلامه قال له عيسى: أيها الشيخ ما الشاة المجثّمة التي نهى النبي ﷺ عن أكل لحمها؟ فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة، فقال: هل من شاهد؟ قال: نعم قول الراجز: لم يبق من آل الحميد نسمه ... إلا عنيز لجبة مجثّمه فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلما دخل قال له: أيها الشيخ ما الشاة المجثّمة التي نهينا عن أكل لحمها؟ فقال: هي التي جثمت على ركبها وذبحت من خلف قفاها، فقال: كيف تقول وهذا شيخ أهل العراق- يعني أبا العباس المبرد- يقول هي مثل اللجبة، وهي القليلة اللبن، وأنشده البيتين، فقال أبو حنيفة: أيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه، وإن كان البيتان إلا لساعتهما هذه، فقال أبو العباس: صدق الشيخ أبو حنيفة، فإنني أنفت أن أرد عليك من العراق وذكري ما قد شاع فأول ما تسألني عنه لا أعرفه، فاستحسن منه هذا الإقرار وترك البهت. قال ابن فورجة: وأنا أحلف بالله العليّ إن كان أبو الطيب قطّ سئل عن هذا البيت فأجاب هذا الجواب الذي حكاه ابن جني، وإن كان إلّا متزيدا مبطلا في ما يدعيه، عفا الله عنه وغفر له، فالجهل والإقرار به أحسن من هذا. وذكره محمد بن إسحاق النديم فقال [١] : وله من الكتب المصنفة: كتاب الباه. كتاب ما يلحن فيه العامة. كتاب الشعر والشعراء. كتاب الفصاحة. كتاب الأنواء. كتاب في حساب الدور [٢] . كتاب البحث في حساب الهند. كتاب الجبر والمقابلة. كتاب البلدان. كتاب النبات [٣] لم يصنّف في معناه مثله. كتاب الردّ على لغدة

стр. 261

الأصفهاني. كتاب الجمع والتفريق. كتاب الأخبار الطوال [١] . كتاب الوصايا. كتاب نوادر الجبر. كتاب إصلاح المنطق. كتاب القبلة والزوال. كتاب الكسوف. قال أبو حيان: وله كتاب في تفسير القرآن. - ٨٢- أحمد بن رشيق الاندلسي الكاتب أبو العباس : ذكره الحميدي وقال: كان أبوه من موالي بني شهيد، ونشأ هو بمرسية، وانتقل إلى قرطبة وطلب الأدب فبرّز فيه، وبسق في صناعة الرسائل، مع حسن الخطّ المتفق على نهايته، وتقدم فيهما، وشارك في سائر العلوم، ومال إلى الفقه والحديث، وبلغ من رياسة الدنيا أبلغ [٢] منزلة، وقدمه الأمير الموفق أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامريّ على كلّ من في دولته لأسباب أكّدت له ذلك عنده: من المودّة والثقة والنصيحة والصحبة في النشأة. وكان ينظر في أمور الجهة التي كان فيها [٣] نظر العدل والسياسة، ويشتغل بالفقه والحديث، ويجمع العلماء والصالحين ويؤثرهم، ويصلح الأمور جهده، وما رأينا من أهل الرياسة من يجري مجراه من هيبة مفرطة وتواضع وحلم عرف به مع القدرة، مات بعد الأربعين وأربعمائة عن سنّ عالية. وله كتاب رسائل مجموعة متداولة منها رسالة إلى أبي عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج نجح الفاسي وأبي بكر ابن عبد الرحمن فقيهي القيروان في الاصلاح بينهما، وكتاب على تراجم كتاب الصحيح للبخاري ومعاني ما أشكل منه. وقد رأيته غير مرة إذا غضب في مجلس الحكم أطرق ثم قام ولم يتكلم بين اثنين، فظننته كان يذهب إلى حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ :

стр. 262

«لا يحكم حاكم بين اثنين وهو غضبان» ، وظننت [١] أن قيامه عند الغضب شيء ما سبق إليه، حتى رأيت بعض المصنفين القدماء قد حكى عن يزيد بن أبي حبيب أنه قال: إنما غضبي في نعليّ، إذا سمعت ما أكره أخذتهما ومضيت. - ٨٣- أحمد بن رضوان أبو الحسن النحوي : أظنه ممن أخذ النحو من أصحاب أبي علي الفارسي. - ٨٤- أحمد بن زهير أبي خيثمة : هو أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب بن شداد النسائي الأصل، سمع أبا نعيم الفضل بن دكين ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وأخذ علم النسب عن مصعب بن عبد الله الزبيري، وأيام الناس عن أبي الحسن المدائني، والأدب عن محمد بن سلام الجمحي، ومات في شوال سنة تسع وسبعين ومائتين في خلافة المعتمد على الله عن أربع وتسعين سنة، ذكر ذلك كله الخطيب. قال: وله «كتاب التاريخ» الذي أحسن تصنيفه وكثّر فائدته، قال: ولا أعرف أغزر فوائد من كتاب التاريخ الذي ألفه أحمد بن أبي خيثمة، وكان لا يرويه إلا على الوجه، فسمعه منه الشيوخ الأكابر، كأبي القاسم البغوي ونحوه. قال: واستعار أبو العباس محمد بن إسحاق السراج من أبي بكر ابن أبي خيثمة شيئا من التاريخ فقال: يا أبا العباس عليّ يمين أن لا أخذت بهذا الكتاب إلا على الوجه، فقال أبو العباس: وعليّ عزيمة ألا اكتب الا ما أستفيد فردّه عليه ولم يحدّث في تاريخه عنه بحرف. وأنشد الخطيب لابن أبي خيثمة:

стр. 263

قالوا اهتجارك من تهواه تسلاه ... فقد هجرت فما لي لست أسلاه من كان لم ير في هذا الهوى أثرا ... فليلقني ليرى آثار بلواه من يلقني يلق مرهونا بصبوته ... متيّما لا يفكّ الدهر قيداه متيم شفّه بالحبّ مالكه ... ولو يشاء الذي أدواه داواه قال الخطيب: وكان ابن أبي خيثمة كثير الكتاب، أكثر الناس عنه السماع. في كتاب الفرغاني انه مات سنة سبع وتسعين قال: وفي آخر شوال مات ابن أبي خيثمة صاحب التاريخ من سكتة، وكانت له معرفة بأخبار الناس وأيامهم، وله مذهب كان الناس ينسبونه إلى القول بالقدر، وكان مختصا بعليّ بن عيسى. - ٨٥- أحمد بن سعد أبو الحسين الكاتب : ذكره حمزة في أهل أصبهان فقال: ندب في أيام القاهر بالله إلى عمل الخراج أبو الحسين أحمد بن سعد، فورد أصبهان غرّة جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ثم صرف بأبي علي ابن رستم في جمادى الآخرة من هذه السنة، ثم قدم أبو الحسين ابن سعد من فارس متقلدا لتدبير البلد وعمل الخراج من قبل الأمير علي بن بويه يعني عماد الدولة في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ثم صرف في سنة أربع وعشرين. قال: ثم ردت جباية الخراج في سنة أربع وعشرين إلى أبي القاسم سعد بن أحمد بن سعد. قال: ثم إن أبا الحسين عزل في شوال من هذه السنة، ولم يذكره بعد ذلك. وعدّ فضلاء أصبهان من أصحاب الرسائل ثم قال: وأما أبو مسلم محمد بن [ ... ] وأبو الحسين أحمد بن سعد فقد استغنينا بشهرة هذين وبعد صوتهما في كور المشرق والمغرب وعند كتّاب الحضرة وإجماع أهل الزمان عن وصفهما وسياقة [١] الرسائل لهما.

стр. 264

ثم ذكره في المصنفين فقال: له من الكتب كتاب الاختيار من الرسائل لم يسبق إلى مثله، وكتاب آخر في الرسائل سماه «فقر البلغاء» . وكتاب الحلي والشيات [١] . وكتاب المنطق. وكتاب الهجاء. قرأت في كتاب عتيق: حدثني سرح دسر [٢] قال: تنبأ في مدينة أصبهان رجل في زمن أبي الحسين ابن سعد، فأتي به وأحضر العلماء والعظماء والكبراء كلهم، فقيل له: من أنت؟ فقال: أنا نبي مرسل، فقيل له: ويلك إن لكل نبي آية فما آيتك وحجتك؟ فقال: ما معي من الحجج لم يكن لأحد قبلي من الأنبياء والرسل، فقيل له: أظهرها، فقال: من كان منكم له زوجة حسناء أو بنت جميلة أو أخت صبيحة فليحضرها إليّ أحبلها بابن في ساعة واحدة. فقال أبو الحسين ابن سعد: أما أنا فأشهد أنك رسول وأعفني من ذلك، فقال له رجل: نساء ما عندنا ولكن عندي عنز حسناء فأحبلها لي، فقام يمضي، فقيل له: إلى أين؟ قال: أمضي إلى جبرئيل وأعرّفه أن هؤلاء يريدون تيسا ولا حاجة بهم إلى نبيّ، فضحكوا منه وأطلقوه [٣] . وأنشد للاصبهاني أبي الحسين هذا أشعارا منها في جواب معمّى: رماني أخ أصفي له الودّ جاهدا ... ومن يتطوّع بالمودة يحمد بداهية تعيا على كلّ عالم ... بوجه المعمّى بالصواب مؤيد وحمّل سرّ الوحش والطير سرّه ... وأرسلها نكرا ببيداء قردد فأنهضت قلبي في هوى نفس جارح ... ومن يغد يوما بالجوارح يصطد فحاش لي الصنفين من بين أرنب ... يقود الوحوش طائعات وهدهد يسوق لنا أسراب طير تتابعت ... على نسق مثل الجمان المنضد وفرّقتها بالزّجر حين تجاوبت ... وعادت عباديدا بشمل مبدّد وراوضتها بالفكر حتى تذلّلت ... فمن مسمح طوعا ومن متجلد

стр. 265

فأخرجت السرّ الخفّي وأنشدت ... قريض رهين بالصبابة ذي دد وإني وإياها لكالخمر والفتى ... متى يستطع منها الزيادة يزدد وله في أبي الفضل محمد بن الحسين ابن العميد: البين أفردني بالهمّ والكمد ... والبين جدّد حرّ الثّكل في كبدي فارقت من صار لي من واحدي عوضا ... يا ربّ لا تجعلنها فرقة الأبد أمسك حشاشة نفسي أن يطيف بها ... كيد من الدهر بعد الفقد للولد لا في الحياة فانّي غير مغتبط ... بالعيش بعد انقصاف الظهر والعضد بل أبق لي الخلف المأمول حيطته ... على عيال وأطفال ذوي عدد من أن يروا ضيعة في عرصة البلد ... وأن يروا نهزة في كفّ مضطهد ربّي رجائي، وحسب المرء معتمدا ... نجل العميد وصنع الواحد الصمد وله إلى أبي الحسين ابن لرة في مملوك له أسود كان تبناه: حذّر فديتك «بشرى» من تبرّزه ... إني أخاف عليه لقعة العين إذا بدت لك منه طرّة سبلت ... على الجبين وتحذيف كنونين حسبت بدرا بدا تمّا فأكلفه ... غمامة نشرت في الأرض ثوبين كأنما خطّ في أصداغه قلم ... بالحبر خطّين جاءا لفق قوسين لكنّ ذلك منه غير دافعه ... عن الفتون وعن بعد من الشّين وهذه قطعة شعر لأبي الحسين ابن سعد على أربع قواف كلما أفردت قافية كان شعرا برأسه إلى آخر الأبيات: وبلدة قطعتها. بضامر. خفيدد. عيرانة ركوب ... وليلة سهرتها. لزائر. ومسعد. مواصل حبيب وقينة وصلتها. بطاهر. مسوّد. ترب العلا نجيب ... إذا غوت أرشدتها. بخاطر. مسدّد. وهاجس مصيب وقهوة باكرتها. لتاجر. ذي عند. في دينه وحوب

стр. 266

سورتها كسرتها. بماطر. مبرّد. من جمّة القليب ... وحرب خصم هجتها. بكاثر. ذي عدد. في قومه مهيب معودا بل سقتها. بباتر. مهند. يفري الطّلى رسوب ... وكم حظوظ نلتها. من قادر. ممجّد. بصنعه الغريب كافيت إذ شكرتها. في سامر. ومشهد. للملك الرقيب - ٨٦- أحمد بن سعيد بن عبد الله الدمشقي أبو الحسن : نزل بغداد وحدث عن الزبير بن بكار ب «الموفقيات» وغيرها من مصنفاته، وكان مؤدّب ولد المعتز، واختص بعبد الله بن المعتز. روى عنه إسماعيل الصفار وغيره، وكان صدوقا، مات سنة ست وثلاثمائة. ذكره المرزباني في كتابه فقال: [قال] أبو بكر محمد بن القاسم الانباري حدثني أحمد بن سعيد قال: كنت أؤدب أولاد المعتز، فتحمّل أحمد بن يحيى بن جابر الفلاذري [١] على قبيحة أم المعتز بقوم سألوها أن تأذن له في أن يدخل إلى ابن المعتز وقتا من النهار، فأجابت أو كادت تجيب، فلما اتصل الخبر بي جلست في منزلي غضبان مسكّرا لما بلغني عنها، فكتب إليّ أبو العباس عبد الله بن المعتز وله إذ ذاك ثلاث عشرة سنة: أصبحت يا ابن سعيد حزت مكرمة ... عنها يقصّر من يحفى وينتعل سربلتني حكمة قد هذّبت شيمي ... وأجّجت غرب ذهني فهو مشتعل أكون إن شئت قسّا في خطابته ... أو حارثا وهو يوم الفخر مرتجل [٢]

стр. 267

وإن أشأ فكزيد في فرائضه ... أو مثل نعمان ما ضاقت بي الحيل أو الخليل عروضيا أخا فطن ... أو الكسائيّ نحويا له علل تغلي بداهة ذهني في مركّبها ... كمثل ما عرفت آبائي الأول وفي فمي صارم ما سلّه أحد ... من غمده فدرى ما العيش والجذل عقباك شكر طويل لا نفاد له ... تبقى معالمه ما أطّت الإبل قسّ هو ابن ساعدة الأيادي، والحارث بن حلزة كان ارتجل قصيدته: آذنتنا ببينها أسماء وزيد بن ثابت الأنصاري، والنعمان أبو حنيفة صاحب الرأي والفقه. وحدث أيضا قال: كتب ابن المعتز إلى أحمد بن سعيد الدمشقي جوابا عن كتاب استزاره فيه: قيّد نعمتي عندك بمثل ما كنت استدعيتها به، وذبّ عنها أسباب الظن، واستدم ما تحبّ مني بما أحبّ منك. وكتب ابن المعتز إلى الدمشقي جوابا عن اعتذار كان من الدمشقي في شيء بلغ ابن المعتز عنه [١] : والله لا قابل إحسانك مني كفر، ولا تبع إحساني إليك منّ، فلك منّي يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ظلمك، ومهما تسخطني فإني أصون وجهك عن ذلّ الاعتذار. - ٨٧- أحمد بن سعيد بن شاهين البصري أبو العباس : هو أحمد بن سعيد بن شاهين بن علي بن ربيعة، ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو من أهل الأدب، وله من الكتب كتاب ما قالته العرب وكثر في أفواه العامة.

стр. 268

- ٨٨- أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي الاندلسي المنتجيلي أبو عمر: ذكره الحميدي فقال: سمع بالأندلس جماعة منهم محمد بن أحمد الزرّاد، وذكر غيره [١] ورحل فسمع إسحاق بن إبراهيم بن النعمان وأحمد بن عيسى المصري المعروف بابن أبي عجينة وغيرهما، وألف «كتاب تاريخ الرجال» كبيرا، جمع فيه جميع ما أمكنه من أقوال الناس في أهل العدالة والتجريح، سمعه منه خلف بن أحمد المعروف بابن أبي جعفر وأحمد بن محمد الاشبيلي المعروف بابن الحرار، قال ابن عبد البر: ويقال إنه لم يكمل سماعه إلا لهما. ومات أبو عمر الصدفي سنة خمسين وثلاثمائة، كل هذا من كتاب الحميدي. وذكر بعض الناس [٢] أنه من ولد جعفر بن الحارث من أهل قرطبة ويكنى أبا عمر، وعني بالآثار والسنن وجمع الحديث والتاريخ، وروى عن جماعة بالأندلس منهم أحمد بن ثوابة وأسلم بن عبد العزيز وطبقتهم، ورحل إلى المشرق سنة إحدى عشرة وثلاثمائة مع أحمد بن عبادة الرعيني فسمع بمكة من أبي جعفر العقيلي وأبي بكر ابن المنذر صاحب الإشراق والدبيلي أبي جعفر محمد بن إبراهيم وأبي سعيد ابن الأعرابي وغيرهم. وسمع بمصر على جماعة منهم أبو عبد الله محمد بن الربيع بن سليمان، وبالقيروان من أحمد بن نصر ومحمد بن محمد بن اللباد، ثم انصرف الى الأندلس فصنف تاريخا في المحدّثين بلغ فيه الغاية، قرىء عليه، ولم يزل يحدّث إلى أن مات ليلة الخميس لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة خمسين وثلاثمائة، ومولده يوم الجمعة لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وثمانين ومائتين.

стр. 269

- ٨٩- أحمد بن سليمان الطوسي أبو عبد الله : هو أبو عبد الله أحمد بن سليمان بن داود بن محمد بن أبي العباس الطوسي، واسم أبي العباس الفضل بن سليمان بن المهاجر بن سنان بن حكيم، وكان فاضلا مات في ما ذكره الخطيب في صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة عن ثلاث وثمانين سنة. قال ابن شاذان قال الطوسي: ولدت سنة أربعين ومائتين. روى عنه أبو حفص ابن شاهين وأبو الفرج الأصبهاني صاحب «كتاب الأغاني» وأبو عبيد الله المرزباني، وكان صدوقا. حدث محمد بن طاهر الناشي [١] أبو عبد الله المعروف بقتيبة [٢] ، سمعت الخضر بن داود بمكة يقول: قدم علينا سليمان بن داود الطوسي وهو على البريد، وكان الزبير قد فرغ من كتاب النسب، فأهدى إليه الطوسي هدايا كثيرة، فأهدى إليه الزبير «كتاب النسب» فقال له سليمان: أحبّ أن تقرأه عليّ، فقرأه عليه، وسمع ابنه أحمد بن سليمان مع أبيه جميع الكتاب. روى عنه أبو بكر ابن شاذان وأبو حفص ابن شاهين وأبو عبيد الله المرزباني والمخلص. - ٩٠- أحمد بن سليمان بن وهب بن سعيد الكاتب أبو الفضل : وأبوه أبو أيوب سليمان بن وهب الوزير وعمه الحسن بن وهب معروفان مشهوران مذكوران في هذا الكتاب [٣] ، ونسب هذا البيت مستقصى في ترجمة الحسن بن وهب. مات في ما ذكره أبو عبيد الله في كتاب «معجم الشعراء» في سنة خمس وثمانين ومائتين، وكان أبو الفضل هذا بارعا فاضلا ناظما ناثرا قد تقلد الأعمال ونظر للسلطان في جباية الأموال،

стр. 270

وأخوه عبيد الله بن سليمان والقاسم بن عبيد الله وزيرا المعتضد والمكتفي. ولأحمد من التصنيفات كتاب ديوان شعره وكتاب ديوان رسائله. حدث الصولي قال: وجدت بخطّ بعض الكتاب أن أحمد بن سليمان سأل صديقا له حاجة فلم يقضها له فقال: قل لي نعم مرة إني أسرّ بها ... وإن عداني ما أرجوه من نعم فقد تعودت لا حتى كأنك لا ... تعدّ قولك لا إلا من الكرم قال: وحدثني الطالقاني [قال] : كنا عند أحمد بن سليمان على شرب ومعنا رجل من الهاشميين ورجل من الدهاقين، فعربد الهاشميّ على الدهقان فأنشد أحمد بن سليمان: إذا بدأ الصديق بيوم سوء ... فكن منه لآخر ذا ارتقاب وأمر باخراج الهاشمي، فقال له: أتخرجني وتدع نبطيا؟ فقال: نعم رأس كلب أحبّ إليّ من ذنب أسد. وحدث عن الحسين بن إسحاق قال: كنت عند أحمد بن سليمان بن وهب ونحن على شراب، فوافته رقعة فيها أبيات مدح، فكتب الجواب فنسخته، ولم أنسخ الرقعة الواردة عليه، وكان جوابه: وصلت رقعتك- أعزك الله- فكانت كوصل بعد هجر، وغنى بعد فقر، وظفر بعد صبر، ألفاظها درّ مشوف، ومعانيها جوهر مرصوف، وقد اصطحبا أحسن صحبة، وتآلفا أقرب ألفة، لا تمجّها الآذان، ولا تتعب بها الأذهان. وقرأت في آخرها من الشعر ما لم أملك نفسي أن كتبت لجلالته عندي، وحسن موقعه من نفسي، بما لا أقوم به مع تحيّف الصهباء لبي وشربها من عقلي مقدار شربي، ولكني واثق منك بطيّ سيئتي ونشر حسنتي: نفسي فداؤك يا أبا العباس ... وافى كتابك بعد طول الياس وافى وكنت بوحشتي متفردا ... فأصارني للجمع والإيناس وقرأت شعرك فاستطلت لحسنه ... فخرا على الخلفاء والجلّاس عاينت منه عيون وشي سدّيت ... ببدائع في جانب القرطاس

стр. 271

فاقت دقائقة وجلّ لحسنه ... عن أن يحدّ بفطنة وقياس شعر كجري الماء يخرج لفظه ... من حسن طبعك مخرج الأنفاس لو كان شعر الناس جسما لم يكن ... لكماله إلا مكان الراس وكان لأحمد خادم يقال له عرّام، ويكنى أبا الحسام، وكان يهواه جدا، فخرج مرة إلى الكوفة بسبب رزقه مع إسحاق بن عمران، فكتب إلى إسحاق: دموع العين مذروفه ... ونفس الصبّ مشغوفه من الشوق إلى البدر ال ... ذي يطلع بالكوفه فلما قرأ كتابه وفّاه رزقه وأنفذه إليه سريعا. ومن كلامه: النعم- أيدك الله- ثلاث: مقيمة ومتوقّعة وغير محتسبة، فحرس الله لك مقيمها، وبلّغك متوقّعها، وآتاك ما لم تحتسب منها. قال: ودخل أحمد بن سليمان إلى صديق له ولم يره كما ظنّ من السرور، فدعا بدواة وكتب: قد أتيناك زائرين خفافا ... وعلمنا بأنّ عندك فضله من شراب كأنه دمع مرها ... ء أضاءت لها من الهجر شعله ولدينا من الحديث هنات ... معجبات نعدّها لك جمله إن يكن مثل ما تريد وإلا ... فاحتملنا فإنما هي أكله ومن مشهور شعره الذي لا تخلو مجاميع أهل الفضل منه قوله يصف السرو من أبيات، وربما نسبوه إلى غيره: حفّت بسرو كالقيان تلحّفت ... خضر الحرير على قوام معتدل فكأنها والريح حين تميلها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل وكتب في صدر كتاب إلى ابن أخيه الحسن بن عبيد الله بن سليمان: يا ابني ويا ابن أخي الأدنى ويا ابن أبي ... والمرتدي برداء العقل والأدب ومن يزيد جناحي من قواك به ... ومن إذا عدّ مني زان لي حسبي

стр. 272

ومن منثوره: كتب إلى ابن أبي الاصبع: لو أطعت الشوق إليك والنزاع نحوك لكثر قصدي لك وغشياني إياك، مع العلّة القاطعة عن الحركة، الحائلة بيني وبين الركوب، فالعلة إن تخلّفت مخلّفتي، وإيثار التخفيف يؤخّر مكاتبتي، فأما مودة القلب وخلوص النية ونقاء الضمير والاعتداد بما يجدده الله لك من نعمة ويرفعك إليه من درجة ويبلغك إياه من رتبة، فعلى ما يكون عليه الأخ الشقيق وذو المودة الشقيق. وأرجو أن يكون شاهدي على ذلك من قلبك أعدل الشهود، ووافدي باعلامك إياه أصدق الوفود، وبحسب ذلك انبساطي إليك في الحاجة تعرض قبلك، ويعنى بالنجاح فيها عندك، وعرضت حاجة ليس تمنعني قلتها من كثير الشكر عليها، والاعتداد بما يكون من قضائك اياها، وقد حمّلتها يحيى [١] لتسمعها منه وتتقدم بما أحبّ فيها، جاريا على كرم سجيتك وعادة تفضلك [٢] ، إن شاء الله. وكتب الى أخيه الوزير عبيد الله وقد سافر ولم يودّعه: أطال الله بقاء الوزير مصحبا له السلامة الشاملة، والغبطة المتكاملة، والنعم المتظاهرة، والمواهب المتواترة، في ظعنه ومقامه، وحلّه وترحاله، وحركته وسكونه، وليله ونهاره، وعجّل إلينا أوبته، وأقرّ عيوننا برجعته، ومتّعها بالنظر إليه. كان شخوص الوزير- أعزه الله- في هذه المدة بغتة أعجل عن توديعه فزاد ذلك في ولهي وأضرم لوعتي، واشتدت له وحشتي، وذكرت قول كثير [٣] : وكنتم تزينون البلاد ففارقت ... عشية بنتم زينها وجمالها فقد جعل الراضون إذ أنتم بها ... بخصب البلاد يشتكون وبالها والوزير- أعزه الله- يعلم ما قيل في يحيى بن خالد: ينسى صنائعه ويذكر وعده ... ويبيت في أمثاله يتفكّر [٤]

стр. 273

وكتب إلى صديق له: ليس عن الصديق المخلص والأخ المشارك في الأحوال كلّها مذهب، ولا وراءه للواثق به مطلب، والشاعر يقول [١] : وإذا يصيبك والحوادث جمّة ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق وأنت الأخ الأوثق، والوليّ المشفق، والصديق الوصول، والمشارك في المكروه والمحبوب، قد عرّفني الله من صدق صفائك، وكرم وفائك، على الأحوال المتصرفة والأزمنة المتقلبة، ما يستغرق الشكر ويستعبد الحر. وما من يوم يأتي عليّ إلا وثقتي بك تزداد استحكاما، واعتمادي عليك يزداد توكّدا والتئاما، أنبسط في حوائجي، وأثق بنجح مسألتي، والله أسأل لك طول البقاء في أدوم النعمة وأسبغها، وأكمل العوافي وأتمها، وألّا يسلب الدنيا نضرتها بك، وبهجتها ببقائك، فما أعرف بهذا الدهر المتنكر في حالاته حسنة سواك، ولا حلية غيرك، فأعيذك بالله من العيون الطامحة، والألسن القادحة، وأسأله أن يجعلك في حرزه الذي لا يرام، وكنفه الذي لا يضام، وأن يحرسك بعينه التي لا تنام، إنه ذو المنّ والإنعام. - ٩١- أحمد بن سليمان المعبدي أبو الحسين : ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: روى عن علي بن ثابت عن أبي عبيد، وعن ابن أخيه أبي الوزير عن الأعرابي. روى عنه أبو بكر محمد بن الحسين بن مقسم، وخطه يرغب فيه، وهو أحد العلماء المشاهير الثقات. قرأت بخط ابن أبي نواس قال أبو عمر ابن حيويه، قال لي أبو عمران: مات المعبدي ليلة الأربعاء، ودفن يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين.

стр. 274

- ٩٢- أحمد بن سهل البلخي أبو زيد : كان فاضلا قائما بجميع العلوم القديمة والحديثة، يسلك في مصنفاته طريقة الفلاسفة، إلا أنه بأهل الأدب أشبه. وكان معلما للصبيان ثم رفعه العلم إلى مرتبة علية، كما اقتصصنا في أخباره. وقد وصفه أبو حيان في كتابه في «تقريظ الجاحظ» بوصف ذكرته في أخبار أبي حنيفة أحمد بن داود [١] فاحتسبت به كعادتي في الايجاز وترك التكرير. مات في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة على ما اذكره فيما بعد، عن سبع أو ثمان وثمانين سنة. حكي عنه أنه قال [كان] الحسين بن علي المروروذي وأخوه صعلوك [٢] يجريان عليّ صلات معلومة دائمة، فلما صنفت كتابي «في البحث عن التأويلات» قطعاها عني. وكان لأبي علي محمد بن أحمد بن جيهان من خرخان الجيهاني وزير نصر بن أحمد الساماني جوار [٣] يدرّها عليّ، فلما أمليت كتاب «القرابين والذبائح» حرمنيها، قال: وكان الحسين قرمطيا، وكان الجيهانيّ ثنويّا. وكان أبو زيد يرمى بالإلحاد، ذكر ذلك كله محمد بن إسحاق النديم. قال [٤] : ولأبي زيد من الكتب: كتاب أقسام العلوم. كتاب شرائع الأديان. كتاب اختيارات السير. كتاب السياسة الكبير. كتاب السياسة الصغير. كتاب كمال الدين. كتاب فضل صناعة الكتابة. كتاب مصالح الأبدان والأنفس، يعرف بالمقالتين. كتاب أسماء الله تعالى وصفاته. كتاب صناعة الشعر. كتاب فضيلة علم الأخبار. كتاب الأسماء والكنى والألقاب. كتاب أسامي الأشياء. كتاب النحو

стр. 275

والتصريف. كتاب الصورة والمصور. كتاب رسالته [في] حدود الفلسفة. كتاب ما يصحّ من أحكام النجوم. كتاب الردّ على عبدة الأوثان. كتاب فضيلة علوم الرياضيات. كتاب في أقسام علوم الفلسفة. كتاب القرابين والذبائح. كتاب عصمة الأنبياء. كتاب نظم القرآن. كتاب قوارع القرآن. كتاب الفتاك والنساك. كتاب ما أغلق من [١] غريب القرآن. كتاب في أن سورة الحمد تنوب عن جميع القرآن. كتاب أجوبة أبي القاسم الكعبي. كتاب النوادر في فنون شتى. كتاب أجوبة أهل فارس. كتاب تفسير صور كتاب السماء والعالم لأبي جعفر الخازن. كتاب أجوبة أبي علي ابن محتاج. كتاب أجوبة أبي إسحاق المؤدب. كتاب المصادر. كتاب أجوبة مسائل أبي الفضل السكّري. كتاب الشطرنج. كتاب فضائل مكة على سائر البقاع. كتاب جواب رسالة أبي علي ابن المنير الزيادي. كتاب منية الكتاب. كتاب البحث عن التأويلات كبير. كتاب الرسالة السالفة إلى العاتب [عليه] . كتاب رسالته في مدح الوراقة. كتاب وصية. كتاب صفات الأمم. كتاب القرود. كتاب فضل الملك. كتاب المختصر في اللغة. كتاب صولجان الكتبة. كتاب نثارات من كلامه. كتاب أدب السلطان والرعية. كتاب فضائل بلخ. كتاب تفسير الفاتحة والحروف المقطعة في أوائل السور. كتاب رسوم الكتب. كتاب كتبه إلى أبي بكر ابن المستنير عاتبا ومنتصفا في ذمّه المعلمين والوراقين. كتاب كتبه إلى أبي بكر ابن المظفر في شرح ما قيل في حدود الفلسفة. كتاب أخلاق الأمم. وقرأت بخط أبي سهل أحمد بن عبيد الله بن أحمد مولى أمير المؤمنين وتصنيفه كتابا في أخبار أبي زيد البلخي [وأبي القاسم الكعبي البلخي] وأبي الحسن شهيد البلخي فلخّصت منه ما ذكرته في تراجم الثلاثة، قال في أخبار أبي زيد: ولد أبو زيد أحمد بن سهل ببلخ بقرية تدعى شامستيان من رستاق نهر غربنكي من جملة اثني عشر نهرا من أنهار بلخ، وكان أبوه سجزيا يعلم الصبيان، هذا ما ذكره أبو محمد الحسن بن محمد الوزيري، وله كتاب في أخبار أبي زيد البلخي، وسمعت أنه كان يعلّم بهذه القرية المدعوة شامستيان- أعني

стр. 276

أباه- وكان أبو زيد يميل إليها ويحبّها لأجل مولده بها ونزعه إليها حبّ المولد ومسقط الرأس والحنين إلى الوطن الأول، ولذلك لما حسنت حاله ودعته نفسه إلى اعتقاد الضياع والأسباب، والنظر للأولاد والأعقاب، اختارها من قرى بلخ، فاعتقد بها ضيعته، ووكل بها همته، وصرف إلى اتخاذ العقد بها عنايته. وقد كانت تلك الضياع بعد باقية إلى قريب من هذا الزمان في أيدي أحفاده وأقاربه بها وبالقصبة، ثم إنهم- كما أقدّر- قد فنوا وانقرضوا في اختلاف هذه الحوادث ببلخ وغيرها من سائر البلدان، فلا أحسب أنه بقي منهم نافخ ضرم ولا عين تطرف هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (مريم: ٩٨) سمعت أن الأمير أحمد بن سهل بن هاشم كان ببلخ، وعنده أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي وأبو زيد ليلة من الليالي وفي [يد] الأمير عقد لآلىء نفيسة ثمينة تتلألأ كاسمها ويتوهج نورها، وكان حمل إليه من بعض بلاد الهند حين افتتحت، فأفرد الأمير منها عشرة أعداد وناولها أبا القاسم، وعشرة أعداد أخر وناولها أبا زيد، وقال: هذه اللآلىء في غاية النفاسة، فأجببت أن أشرككما فيها ولا أستبدّ بها دونكما، فشكرا له ذلك. ثم إنّ أبا القاسم وضع لآلئه بين يدي أبي زيد وقال: إن أبا زيد من هو مهتمّ بشأنهنّ فأردت أن أصرف ما برّني به الأمير إليه لينتظم في عقدهن، فقال الأمير: نعمّا فعلت ورمى بالعشرة الباقية إلى أبي زيد وقال: خذها فلست في الفتوة بأقلّ حظا ولا أوكس سهما من أبي القاسم، ولا تغبننّ عنها فانها ابتيعت للخزانة من الفيء بثلاثين ألف درهم، فاجتمعت الثلاثون عند أبي زيد برمّتها، وباعها بمال جليل، وصرف ثمنها إلى الضيعة التي اشتراها بشامستيان. قال: وكان أبو زيد كما ذكر أبو محمد الحسن الوزيري- وكان رآه واختلف إليه- ربعة نحيفا مصفارّا أسمر اللون جاحظ العينين فيهما تأخر وقبل، بوجهه آثار جدريّ، صموتا سكّيتا ذا وقار وهيبة. وقد وصفه أبو علي أحمد المنيري الزيادي في رسالته التي كتبها إليه وأراد أن يهدم بنيانه، ويضع شانه، ويوهي أركانه، فردّ عليه أبو زيد في جوابها ما ألبسه الشّنار والصّغار، ونبّه العالم أنّ حظه من العلوم حظّ منكود، وأنه فيما أجرى له من كلامه غير سديد، قرأت على أبي محمد الوزيري كلتا الرسالتين فزعم أنه قرأهما عليهما- أعني أبا زيد والمنيري كليهما- فذكر المنيري في رسالته في جملة

стр. 277

ما هجّنه به: و «إنك لا تصلح إلا أن تكون زامرا أو مغبّرا [١] أو مخنكرا» ، فدلّ هذا الكلام على أنه كان جاحظ العين أشدق مع قصر قامة ودنّو هامة. قال: ثم حدّثت أنه كان في عنفوان شبابه وطراءة زمانه وأول حداثته ومائه دعته نفسه إلى أن يسافر ويدخل إلى أرض العراق ويجثو بين يدي العلماء، ويقتبس منهم العلوم، فتوجّه إليها راجلا مع الحاجّ، وأقام بها ثماني سنين، وجازها فطوّف البلدان المتاخمة لها، ولقي الكبار والأعيان، وتتلمذ لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي وحصّل من عنده علوما جمة، وتعمّق في علم الفلسفة، وهجم على أسرار علم التنجيم والهيئة، وبرز في علم الطب والطبائع، وبحث عن أصول الدين أتمّ بحث وأبعد استقصاء حتى قاده ذلك إلى الحيرة وزلّ به عن النهج الأوضح، فتارة كان يطلب الإمام، ومرّة كان يسند الأمر إلى النجوم والأحكام، ثم انه لما كتبه الله في الأول من السعداء، وحكم بأنه لا يتركه يتسكّع [٢] في ظلمات الأشقياء، بصّره أرشد الطرق وهداه لأقوم السبل، فاستمسك بعروة من الدين وثيقة، وثبت من الاستقامة على بصيرة وحقيقة؛ فذكر أبو الحسن الحديثي قال: كان أبو بكر البكري فاضلا خليعا لا يبالي ما قال، وكان يحتمل عنه لسنّه [٣] قال: أذكر إذ كنا عنده وقد قدّمت المائدة وأبو زيد يصلّي، وكان حسن الصلاة، فضجر البكريّ من طول صلاته، فالتفت إلى رجل من أهل العلم يقال له محمد الخجندي فقال: يا أبا محمد ريح الإمامة بعد في رأس أبي زيد، فخفّف أبو زيد الصلاة وهما يضحكان، قال أبو الحسن: فلم أدر ما ذلك، حتى سألت لا أدري الخجندي أو أبا بكر الدمشقي، فقال أحدهما: اعلم أنّ أبا زيد في أول أمره كان خرج في طلب الإمام إلى العراق، إذ كان قد تقلّد مذهب الإمامية، فعيّره البكريّ بذلك. قال: وكان حسن الاعتقاد، ومن حسن اعتقاده انه كان لا يثبت من علم النجوم الأحكام، بل كان يثبت ما يدلّ عليه الحسبان. ولقد جرى ذكره ﵀ في مجلس الامام أبي بكر أحمد بن محمد بن العباس البزار، وهو الامام ببلخ والمفتي بها، فأثنى عليه خيرا وقال: إنه كان قويم المذهب حسن الاعتقاد، لم يقرف بشيء في ديانته كما

стр. 278

ينسب إليه من نسب إلى علم الفلسفة، وكلّ من حضر من الفضلاء والأماثل أثنى عليه ونسبه إلى الاستقامة والاستواء، وأنه لم يعثر له مع ما له من المصنفات الجمة على كلمة تدلّ على قدح في عقيدته. ثم لما قضى وطره من العراق وصار في كلّ فنّ من فنون العلم قدوة، وفي كلّ نوع من أنواعه إماما قصد العود إلى بلده، فتوجّه إليها مقبلا على طريق هراة حتى وصل إلى بلخ وانتشر بها علمه. فلما ورد أحمد بن سهل بن هاشم المروزي بلخ واستولى على تخومها، راوده على أن يستوزره فأبى عليه، واختار سلامة الأولى والعقبى، فاتخذ أبا القاسم الكعبيّ وزيرا، وأبا زيد كاتبا. وكان أبو القاسم الوزير وأبو زيد من الكتاب، وعظم محلّهما عنده، وأصبحا بأرفع طرف عنده مرموقين، وبأروى كأس من جنابه مصبوحين ومغبوقين، وكان رزق أبي القاسم في الشهر ألف درهم ورقا، ولأبي زيد خمسمائة درهم ورقا، وكان أبو القاسم يأمر الخازن بزيادة مائة درهم لأبي زيد من رزقه ونقصان مائة درهم من رزق نفسه، فكان يصل إلى أبي زيد ستمائة درهم، وإلى أبي القاسم تسعمائة درهم، وكان يأخذ لنفسه مكسّرة ويأمر لأبي زيد بالوضح الصحاح، فبقوا على ذلك مدة غير طويلة، وعاشوا على جملة جميلة، حتى فتك بهم يد المنون، وهلك أحمد بن سهل عن عمر قصير واستمتاع بامامة غير كبير. قال: أخبرني أبو محمد الحسن بن [محمد] الوزيري، وكان لقي أبا زيد وتتلمذ له، قال: كان أبو زيد ضابطا لنفسه ذا وقار وحسن استبصار، قويم اللسان جميل البيان، متثبتا نزر الشعر قليل البديهة، واسع الكلام في الرسائل والتأليفات، إذا أخذ في الكلام أمطر اللآلىء المنثورة، وكان قليل المناظرة حسن العبارة، وكان يتنزه عما يقال في القرآن إلا الظاهر المستفيض من التفسير والتأويل والمشكل من الأقاويل، وحسبك ما ألفه من كتاب «نظم القرآن» الذي لا يفوقه في هذا الباب تأليف. قرأت في «كتاب البصائر» لأبي حيان الفارسي [١] من ساكني بغداد قال، قال أبو حامد القاضي: لم أر كتابا في القرآن مثل كتاب لأبي زيد البلخي، وكان فاضلا

стр. 279

يذهب في رأي الفلاسفة، لكنه تكلم في القرآن بكلام لطيف دقيق في مواضع، وأخرج سرائره وسمّاه «نظم القرآن» ولم يأت على جميع المعاني فيه. قال: وللكعبيّ كتاب في التفسير يزيد حجمه على كتاب أبي زيد. قال الوزيري: وكان أيضا يتحرّج عن تفضيل الصحابة بعضهم على بعض، وكذلك عن مفاخرة العرب والعجم ويقول: ليس في هذه المناظرات الثلاث ما يجدي طائلا ولا يتضمن حاصلا، لأن الله تعالى يقول في معنى القرآن أنزلناه قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ (الزمر: ٢٨) الآية. وأما معنى الصحابة وتفضيل بعضهم فقوله ﵇: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وكذلك العربي والشعوبي فإنه سبحانه يقول فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (المؤمنون: ١٠١) ويقول في موضع آخر إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (الحجرات: ١٣) . قال: وسمعت بعض أهل الأدب يقول: اتفق أهل صناعة الكلام أن متكلمي العالم ثلاثة الجاحظ وعلي بن عبيدة اللطفي وأبو زيد البلخي، فمنهم من يزيد لفظه على معناه وهو الجاحظ، ومنهم من يزيد معناه على لفظه وهو علي بن عبيدة، ومنهم من توافق لفظه ومعناه وهو أبو زيد. وقال أبو حيان في «كتاب النظائر» : أبو زيد البلخيّ يقال له بالعراق جاحظ خراسان. وحكى ان أبا زيد لما دخل على أحمد بن سهل أول دخوله عليه سأله عن اسمه فقال له: أبو زيد، فعجب أحمد بن سهل من ذلك حين سأله عن اسمه فأجاب عن كنيته، وعدّ ذلك من سقطاته، فلما خرج ترك خاتمه في مجلسه عنده، فأبصره أحمد بن سهل فازداد تعجبا من غفلته، فأخذه بيده ونظر في نقش فصّه فإذا عليه «أحمد بن سهل» فعلم حينئذ أنه إنما أجاب عن كنيته للموافقة الواقعة بين اسمه واسمه، وانه أخذ بحسن الأدب، وراعى حدّ الاحتشام، واختار وصمة التزام الخطأ والمحال في الوقت والحال على أن يتعاطى اسم الأمير بالاستعمال والابتذال. وحكى أنّ أبا زيد في حداثته وحال فقره وخلّته كان التمس من أبي علي المنيري حنطة، فأمره بحمل جراب إليه ففعل، فلم يعطه حنطة وحبس الجراب، ومضى على هذا أعوام كثيرة، وخرج شهيد بن الحسين إلى محتاج بن أحمد بالصغانيان، وكتب

стр. 280

إلى أبي زيد كتبا لم يجبه أبو زيد عنها، فكتب إليه شهيد بهذين البيتين يعيّره بحديث الجراب: أمنّي النفس منك جواب كتبي ... وأقطعها لتسكن وهي تابى إذا ما قلت سوف يجيب قالت ... إذا ردّ المنيريّ الجرابا قال: وقرأت بخط أبي الحسن الحديثي على ظهر كتاب «كمال الدين» لأبي زيد: قال أبو بكر الفقيه: ما صنّف في الإسلام كتاب أنفع للمسلمين من كتاب «البحث عن التأويلات» صنّفه أبو زيد البلخي، وهذا الكتاب- يعني كتاب «كمال الدين» . وكان لأبي زيد حافد يقال له علي بن محمد بن أبي زيد. قال: ولأبي زيد نحو من ستين تأليفا. قال: ولقي أحمد بن سهل الأمير أبا زيد في طريق وقد أجهده السير فقال له: عييت أيها الشيخ، فقال له أبو زيد: نعم أعييت أيها الأمير، فنبهه أنه لحن في قوله «عييت» إذ العيّ في الكلام والإعياء في المشي. وأنشد أبو زيد: لكلّ امرىء ضيف يسرّ بقربه ... وما لي سوى الأحزان والهمّ من ضيف تناءت بنا دار الحبيب اقترابها ... فلم يبق إلا رؤية الطيف للطيف وقال أبو زيد: كان ببلخ مجنون من عقلاء المجانين، وكان يعرف بأبي إبراهيم إسحاق بن اسحاق البغداذي دخل اليّ وكنت ألاعب الأهوازيّ بالشطرنج، فقال: أبو زيد والأهوازي لك، فتحيرت في هذا الكلام، فقال لي: احسب فحسبت بحروف الجمل فكان ستون، قال فصل بين كنيتك والأهوازي، قال: فوصلت فإذا أبو زيد ثلاثون والأهوازي ثلاثون، فقضيت عجبا من اختراعه في تلك الوهلة هذا الحساب. وأما خبر وفاته، قال صاحب الكتاب المذكور، ذكر أبو بكر الدمشقي قال: دخلت على أبي زيد ﵀ يوم الجمعة ضحوة لعشر بقين من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فوجدته ثقيلا من علته، فسلّمت عليه سلاما ضعيفا، ثم قال: يا أبا بكر قد انقطع السبب، وما هو إلا فراق الاخوان، ودمعت عينه وبكيت أنا، وقلت: أرجو أن يشفّع الله الشيخ فينا وفي غربتنا بعافيته، فقال: أيهات، وقرأ هذه الآية

стр. 281

أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (الشعراء: ٢٠٥) ثم قال: لا تغب عنّي وكن بالقرب، فلما كان عند العتمة قال: انصرفوا حتى أدعوكم، وقال لابنه الحسين: إذا طلع القمر ونزل في الدار فأعلمني، فلما طلع القمر أعلمه، فصاح بهم فجاءوا، وقال: أطلع القمر؟ فقالوا: نعم، قال: اجتمعوا كلّ من في المنزل فاجتمعوا عليه، فسأل كلّ واحد منهم عن حاله وعن كسوته وعن آلة الشتاء، ثم قال: بقي شيء لم أصلحه لكم؟ قالوا: لا، فاستحلّهم، ثم قال: عليكم السلام، هذا آخر اجتماعي معكم، ثم جعل يتشهّد ويستغفر، ثم قال: قوموا فقد جاء نوبة غيركم، فخرجوا من باب الطارمة وهم يسمعون تشهده، ثم سكت فرجعوا وقد قضى نحبه، رحم الله هذا العقل والتمييز، فصار كما قال أبو تمام: ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام قال المؤلف: هذا آخر ما كتبته من كتاب أبي سهل أحمد بن عبيد الله من أخبار أبي زيد، وما أرى ان أحدا جاء من خبر أبي زيد بأحسن مما جاء به، أثابه الله على اهتمامه الجنة. وسأكتب أخبار أبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي البلخي عنه في موضعه [١] ، ولم أخلّ من أخبار أبي زيد التي ذكرها بشيء مما يتعلق به، إنما تركت أشياء من فوائده تتعلق بكتب المجاميع. وقال المرزباني: أحمد بن سهل البلخي محدّث معتمدي، هو القائل يرثي الحسن بن الحسين العلوي وقد توفي ببلخ: إن المنية رامتنا بأسهمها ... فأوقعت سهمها المسموم بالحسن أبو محمد الأعلى فغادره ... تحت الصفيح مع الأموات في قرن يا قبر إنّ الذي ضمّنت جثّته ... من عصبة سادة ليسوا ذوي أفن محمد وعليّ ثم زوجته ... ثم الحسين ابنه والمرتضى الحسن صلّى الاله عليهم والملائكة المقربون طوال الدهر والزمن

стр. 282

قال المؤلف: هكذا قال المرزباني، ولا أدري أيريد صاحبنا هذا أو غيره فإنه لم يذكره بأكثر مما كتبناه. وقرأت في «كتاب البلدان» لأبي عبد الله البشاري أنّ صاحب خراسان استدعاه إلى بخارى ليستعين به على سلطانه، فلما بلغ جيحون ورأى تغطمط أمواجه وجرية مائه وسعة قطره كتب إليه: إن كنت استدعيتني لما بلغك من صائب رأيي فإني إن عبرت هذا النهر فلست بذي رأي، ورأيي يمنعني من عبوره. فلما قرأ كتابه عجب منه وأمره بالرجوع إلى بلخ. - ٩٣- أحمد بن الصنديد العراقي : يكنى أبا مالك، كان من أهل الأدب والشعر، روى شعر المعرّي عنه وله فيه شرح، وله مع الحصريّ [١] مناقضات، دخل الاندلس وكان عند بني طاهر [٢] ومدح الرؤساء والأكابر. - ٩٤- أحمد بن أبي طاهر أبو الفضل واسم أبي طاهر طيفور : مروروذي الأصل أحد البلغاء الشعراء الرواة، من أهل الفهم المذكورين بالعلم، وهو صاحب «كتاب تاريخ بغداد في أخبار الخلفاء والأمراء وأيامهم» مات سنة ثمانين ومائتين ودفن بباب الشام ببغداد، ومولده سنة أربع ومائتين مدخل المأمون بغداد من خراسان، ذكر ذلك ابنه عبيد الله فيما ذيله على تاريخ والده وحكاه عنه، قال: وروى عن عمر بن شبة، روى عنه ابنه عبيد الله ومحمد بن خلف بن المرزبان.

стр. 283

وحدث جعفر بن حمدان صاحب «كتاب الباهر» [١] كان أحمد بن أبي طاهر مؤدّب كتّاب عاميّا ثم تخصّص وجلس في سوق الوارقين في الجانب الشرقي. قال: ولم أر ممن شهر بمثل ما شهر به من التصنيف للكتب وقول الشعر أكثر تصحيفا منه ولا أبلد علما ولا ألحن، ولقد أنشدني شعرا يعرضه عليّ في إسحاق بن أيوب لحن في بضعة عشر موضعا منه، وكان أسرق الناس لنصف بيت وثلث بيت، قال: وكذا قال لي البحتريّ فيه، وكان مع هذا جميل الأخلاق ظريف المعاشرة حلوا من الكهول. وحدث أبو هفّان قال [٢] : كنت أنزل في جوار المعلّى بن أيوب صاحب العرض والجيش في أيام المأمون، وكان أحمد بن أبي طاهر ينزل عندي [٣] ، فأضقنا إضاقة شديدة تعذّرت علينا وجوه الحيلة، فقلت لابن أبي طاهر: هل لك في شيء لا بأس به، تدعني حتى أسجّيك وأمضي إلى منزل المعلى بن أيوب فأعمله أنّ صديقا لي قد توفي فآخذ منه ثمن كفن فننفقه، فقال: نعم، وجئت إلى وكيل المعلى فعرّفته خبرنا، فصار معي إلى منزلي، فتأمل ابن أبي طاهر ثم نقر أنفه فضرط، فقال لي: ما هذا؟ فقلت: هذه بقية من روحه كرهت نكهته فخرجت من استه، فضحك وعرّف المعلّى خبرنا فأمر لنا بجملة دنانير. والمعلّى هذا هو الذي يقول فيه دعبل وقيل أبو علي البصير [٣] : لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكنّ البلاد إذا اقشعرّت ... وصوّح نبتها رعي الهشيم وحدّث الجهشياريّ في كتاب الوزراء قال [٤] : مدح أحمد بن أبي طاهر الحسن بن مخلد وزير المعتمد فأمر له بمائة دينار وقال: إيت رجاء الخادم فخذها منه

стр. 284

فلقي أحمد رجاء فقال له: لم يأمرني بشيء، فكتب إلى الحسن: أما رجاء فأرجا [١] ما أمرت به ... فكيف إن كنت لم تأمره يأتمر بادر بجودك مهما كنت مقتدرا ... فليس في كلّ حال أنت مقتدر فأمر باضعافها له. وذكره محمد بن اسحاق النديم وقال [٢] له من الكتب: كتاب المنثور والمنظوم أربعة عشر جزءا، والذي بيد الناس ثلاثة عشر جزءا. كتاب سرقات الشعراء. كتاب بغداد. كتاب الجواهر. كتاب المؤلفين. كتاب الهدايا. كتاب المشتق المختلف من المؤتلف. كتاب أسماء الشعراء الأوائل. كتاب الموشّى. كتاب ألقاب الشعراء ومن عرف بالكنى ومن عرف بالاسم. كتاب المعرقين [٣] من الأنبياء. كتاب المعتذرين. كتاب اعتذار وهب من ضرطته [٤] . كتاب من أنشد شعرا وأجيب بكلام. كتاب الحجاب. كتاب تربية [٥] هرمز بن كسرى أنو شروان. كتاب خبر الملك العاتي في تدبير المملكة والسياسة. كتاب الملك المصلح والوزير المعين. كتاب الملك البابلي والملك المصري الباغيين والملك الحكيم [٦] الرومي. كتاب المزاح والمعاتبات. كتاب مفاخرة الورد والنرجس. كتاب مقاتل الفرسان. كتاب مقاتل الشعراء. كتاب الخيل كبير. كتاب الطرد. كتاب سرقات البحتري من أبي تمام. كتاب جمهرة [نسب] بني هاشم. كتاب رسالته إلى إبراهيم بن المدبر. كتاب الرسالة في النهي عن الشهوات. كتاب الرسالة إلى علي بن يحيى. كتاب الجامع في الشعراء وأخبارهم. كتاب فضل العرب على العجم. كتاب لسان العيون. كتاب أخبار المتظرفات. كتاب اختيار أشعار الشعراء. كتاب اختيار شعر بكر بن النطاح. كتاب المؤنس. كتاب الغلة

стр. 285

والغليل. كتاب اختيار شعر العتابي. كتاب اختيار شعر منصور النمري. كتاب اختيار شعر أبي العتاهية. كتاب أخبار بشار واختيار شعره. كتاب أخبار مروان وآل مروان واختيار أشعارهم. كتاب أخبار ابن مناذر. كتاب أخبار ابن هرمة ومختار شعره. كتاب اختيار شعر ابن الدمينة [١] . كتاب أخبار وشعر عبيد الله بن قيس الرقيات. وأنشد له ابنه عبيد الله في كتابه: وما الشعر الا السيف ينبو وحده ... حسام ويمضي وهو ليس بذي حدّ ولو كان بالإحسان يرزق شاعر ... لأجدى الذي يكدي وأكدى الذي يجدي ومن قوله أيضا: قد كنت أصدق في وعدي فصيّرني ... كذابة ليس ذا في جملة الأدب يا ذاكرا حلت عن عهدي وعهدكم ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب حدث المرزباني في «كتاب المقتبس» [٢] عن عبد الله بن محمد الحليمي قال: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه في أبي العباس المبرد: كملت في المبرّد الآداب ... واستقلّت في عقله الألباب غير أنّ الفتى كما زعم النا ... س دعيّ مصحّف كذاب وحدّث عن الصولي عن أبي علي ابن عينويه الكاتب قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: خرجت من منزل أبي الصقر نصف النهار في تموز فقلت: ليس بقربي منزل أقرب من منزل المبرد إذ كنت لا أقدر أصل إلى منزلي بباب الشام، فجئته فأدخلني إلى حويشة له، وجاء بمائدة فأكلت معه لونين طيبين، وسقاني ماء باردا وقال لي: أحدثك إلى أن تنام، فجعل يحدثني أحسن حديث، فحضرني لشؤمي وقلة شكري بيتان فقلت: قد حضر بيتان أنشدهما؟ فقال: ذاك إليك، وهو يظن أني قد مدحته، فأنشدته: ويوم كحرّ الشوق في صدر عاشق ... على أنه منه أحرّ وأومد
следующие страницы →