← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بسيدنا والرئيس، ولست مفضلا عليه في دنيا ولا دين، بل شادّ راحلتي إليه لاستفادة إن وردت موردها أو صادفت نهلا أو علّا منها قابلتها بالشكر لنعمته والإسجال على نفسي بأستاذيته. وبعد، فإني أعلمه- أدام الله سلامته- أني شققت جيب الأرض من أقصى دياري إلى مصر، وشاهدت الناس بين رجلين: إما منتحل لشريعة صبا إليها ولهج بها إلى الحدّ الذي إن قيل له من أخبار شرعه: إن فيلا طار أو جملا باض لما قابله إلا بالقبول والتصديق، ولكان يكفّر من يرى غير رأيه فيه ويسفّهه ويلعنه، والعقل عند من هذه سبيله في مهواة وفي مضيعة، فليس يكاد ينبعث [لأن يعلم] ان هذه الشريعة التي هو منتحلها لم يطوّق طوقها ولم يسوّر سوارها الا بعد لموع نور العقل منه، فكيف يصحّ تولّيه أولا وعزله آخرا؟ [أو منتحل للعقل يقول إنه حجة لله تعالى على عباده، مبطل لجميع ما للناس فيه، مستخفّ بأوضاع الشرائع] ... [١] . فلما رمت بي المرامي إلى الشام وسمعت أن الشيخ- وفقه الله- بفضل في الأدب والعلم قد اتفقت عليه الأقاويل، ووضح به البرهان والدليل، ورأيت الناس في ما يتعلّق بدينه مختلفين، وفي أمره متبلبلين، فكلّ يذهب فيه مذهبا، وحضرت مجلسا جليلا أجري فيه ذكره، فقال الحاضرون فيه غثا وسمينا فحفظته في الغيب، وقلت: إن المعلوم من صلابته في زهده يحميه من الظنة والريب، وقام في نفسي أن عنده من حقائق دين الله سرّا قد أسبل عليه من البقية سترا، وأمرا يميز به عن قوم يكفّر بعضهم بعضا، ولما سمعت البيت: غدوت مريض العقل ... توثقت من خلدي فيما حدثت عقوده، وتأكدت عهوده، وقلت: إن لسانا يستطيع بمثل هذه الدعوى نطقا، ويفتق من هذا الفخر العظيم رتقا، للسان صامت عنده كلّ ناطق، من ذروة جبل للعلم شاهق، فقصدته قصد موسى للطور أقتبس منه نارا، وأحاول أن أرفع بالفخر منارا، لمعرفة ما تخلّف عن معرفته المتخلفون، واختلف في حقيقته المختلفون، فأدليت دلوي بالمسألة الخفيفة التي سألت عنها ترقّيا من دون إلى فوق، وتدرّجا من

стр. 352

صغير إلى كبير، فكان جوابه أنه يصغر عن أن يكون للاسترشاد محلا، فقلت: هذه زيادة في فضله، وما يجوز صدور مثله عن مثله. ثم انتهى إلى الإحالة على كون الناس ممن تقدّم أو تأخر في وادي الحيرة تائهين، وفي أذيالها متعثرين، من قائل يقول إن الخير والشرّ من الله، ومجيب يجيبه هل كان ما كان يستعيذ منه رسول الله ﷺ من وعث السفر وكلّ مستعاذ منه خيرا أو شرا؟ فإن كان خيرا فالاستعاذة منه باطلة، وان كان شرا والله مريده فالاستعاذة منه كذلك فضول وزيادة في المعنى. وسؤال من يسأل هل كان سمّ الحسن وقتل الحسين ﵉ خيرا أو شرا؟ فإن كان خيرا فاللعنة على القاتل من أي جهة، وان كان شرا والله مريده زال اللوم عن القاتل. وقائل يقول: إنّ الخير من الله والشرّ من غيره، ومجيب يجيب بالجواب الذي يقطع به الأسباب، وغير ذلك مما أطال به الخطاب من أشعار الملحدة وأقوالهم، فكان جوابي- أدام الله سلامته- أنني من هؤلاء الذين [ذكرتهم] تبريت اليك، وتطارحت عليك، وان كلامهم عندي قبل أن علّلته عليل، وهو على مسامع القبول منّي ثقيل، فافتح لي إلى ما عندك بابا، وافسح لي من لدنك جنابا، فلم يفعل. ثم خاطبته على امتناعه من أكل اللحوم فاحتجّ بكونه متحرجا من قصدها- أعني البهائم- بالمضرّة والايلام، متعففا عنها لهذه الجهة، فقطعت لسان حجته بعد تناهيها وقلت: إذا كان الله تعالى سلّط بعضها ليأكل بعضا، وهو أعرف بوجوه الحكمة وأرأف بالخليقة، فلا يكن أرأف بها من ربها ولا أعدل فيها من خالقها. ثم عدل إلى قصور يد الاستطاعة دون ذلك، إذ كان القدر الذي هو له في السنة منصرفا إلى من يتولّى خدمته أكثره وخالصا له أقلّه، فقطعت الحجة في هذا الباب أيضا، وعيّنت له على جهة كريمة من الذين لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى من يقوم بقدر كفايته من أطيب ما يأكلون، وأزكى ما في البيوت يدّخرون؛ فتجافت نفسه- وقاها الله السوء- عن هذا الباب أيضا، وكتب في الجواب الثاني بأنه لا يؤثر ذلك ولا يرغب فيه ولا يخرق عادته المستمرة في الترك، وابتدأ يقول إني طلبت الرشد ممن لا رشد عنده وان البيت الذي قاله مما تعلقت به وجعلته محجة إلى استقراء طريقته ومذهبه، إنما أراد الإعلام باجتهاده في التديّن، وما حيلته في الآية المنزلة مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (الكهف: ١٧) فجمع بين

стр. 353

المتضادّين في كلمة واحدة. إنه إن كانت الآية حقا كان الاجتهاد باطلا، وقال: إن لله سبحانه أسرارا لا يقف عليها إلا الأولياء، فنحن على ذلك السرّ ندور، وعلى باب من هو عنده نطوف. فإن قلنا إنه- حرسه الله- من أصحابه بدعوى صحّته في دينه وعقله ومرض الناس على موجب قوله، قال: لا رشد عندي، فنظمه في هذا المعنى يناقض نثره، ونثره يخالف نظمه، فكيف الحيلة؟ ثم قال إن البيت المقول: غدوت مريض العقل والدين فالقني ... لتعلم أنباء العقول الصحائح يؤدي معناه البيت الثاني: فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالما ... ولا تبغ قوتا من غريض الذبائح فكان مرض الدين والعقل من جهة أكل اللحوم وشرب الألبان وتناول العسل، فمن ترك هذه المطاعم كان صحيحا دينه وعقله، وهو يعلم أن مصحّة الأديان والعقول لا تقوم بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا البيت الثاني ناسخا لحكم الأول، فيكون محصول دعواه في فقر الناس إلى أن يصحّ دينهم وعقلهم هو أن يقول لهم: لا تأكلوا اللحم واللبن. وأما قوله: إنّ الحيوان البحريّ كاره أن يخرج إلى البرّ وأنه ليس يقبح في العقول ترك أكله، وإن كان حلالا، لأن المتدينين لم يزالوا يتركون ما لهم طلق، فما من حيوان بحريّ ولا برّي هو أجلّ من هذا الانسان الحيّ العاقل، وهو كاره للموت، فيموت، وكاره لأن يأكله شيء، والدود تأكله في قبره، فإن كان ذلك صادرا عن موضع حكمة كان ما ذكره من الحيوان البريّ والبحري جاريا في مضمار هذا مثلا بمثل، وان كان معدولا به عن وجه الحكمة كان محالا أن يكون صانعي سفيها، وأكون وأنا مصنوعه حكيما. وأما قوله إن النبي ﷺ صلّى إلى أن تقرّحت قدماه، فقيل له فيه فقال: أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا، فما هذا مما نحن عليه في شيء، والانسان له أن يصلّي ما شاء من الصلوات في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة على أن لا يزيد في الفرائض ولا ينقص منها، وهذا الكلام شرعيّ، وكانت النصبة للتكلّم على العقليات. وأما قوله إنه ﵇ حرّم صيد الحرم، وان لغيره أن يحرّم صيد الحلّ تقربا

стр. 354

إلى الله سبحانه، فليس لأحد أن يحلّل أو يحرّم غيره. وأما قوله إن عليا ﵇ لما قدّم الخبيص سأل: هل أكل النبي ﷺ منه؟ فلما قالوا: لا، رفعه ولم يأكله، فهذه الحجة عليه لا له، فإن الناس مجمعون على أن النبي ﷺ لم يفارق أكل اللحم، وهو يهجره دهره، وذلك بالضدّ سواء، ولو أنه حرسه الله لم يستظهر عليّ بالشريعة ولم يتجاوز نصبة العقل لصنته عن هذا الجواب الذي عسى أن يشغل سرّه، ويعز عليّ ذلك. وأما ما شكاه من ضعفه وقصور حركته وأنه لم يبق فيه بقية لأن نسأل ولا أن يجيب، فما هو- حرسه الله- على علّاته من الضعف والقوة إلا من محاسن الزمان، وممن سارت بذكر فضله الركبان، إلا أنه على عدوان الدهر عليه عدا على نفسه بحرمانها ملاذّ دنياها، فإن وثقت نفسه بملاذّ تعتاض عنها مما هو خير وأبقى منها فما خسرت صفقته وقام مصداق قوله بالبيت المقدم ذكره، وان كان يوسم بميسم الشحّ بمنع المنتجعين وردّ السائلين. وان كان شقّ على نفسه من غير بصيرة، كما يدّعيه الآن، خوضا مع الخائضين، وتحيرا مع أمثالنا من المتحيرين، فقد أضاعها وجنى عليها وادعى في البيت المقدّم ذكره ما لا برهان له. والغرض في السؤال والجواب الفائدة، وإذا عدمت فقد خفّف الله عنه أن يتكلّف جوابا. واما الأسجاع ومسألتي التخلي عنها فما كانت إلّا شحا بالمعاني ان نضلّ بتتبعها، ولأنني إذا تتبعت فضله بصناعته في الأدب والشعر وجدت في أرضه مراغما كثيرا وسعة، ومن أين لي أن أظهر على مكنون جواهر علوم دينه كظهوري على مصنفّات أدبه وشعره. وقبل وبعد فأنا أعتذر عن سرّ له أدام الله حراسته أذعته، وزمان منه بالقراءة والاجابة شغلته، لأنني من حيث ما نفعته ضررته، والله تعالى يعلم أني ما قصدت به غير الاستفادة من علمه، والاغتراف من بحره، والسلام. وكنا بحضرة القاضي الأكرم الوزير جمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- حرس الله مجده- وفيه جماعة من أهل الفضل والأدب، فقال أبو الحسن علي بن عدلان النحوي الموصلي: حضرت بدمشق عند محمد بن نصر بن عنين الشاعر وزير المعظم، فجاءته رقعة طويلة عريضة خالية من معنى، فارغة من

стр. 355

فائدة فألقاها إليّ قائلا: هل رأيت قطّ رقعة أسقط أو أدبر من هذه، مع طول وعرض، فتناولتها فوجدتها كما قال، وشرعت أخاطبه فأومأ إليّ بالسكوت وهو مفكر، ثم أنشدني لنفسه: وردت منك رقعة أسأمتني ... وثنت صدري الحمول ملولا كنهار المصيف ثقلا وكربا ... وليالي الشتاء بردا وطولا فاستحسن أهل المجلس هذه البديهة وعجبوا من حسن المعنى، فقال القاضي الأكرم: ما زلت أستحسن كلاما وجدته على ظهر كتاب ديوان الأعشى في مدينة قفط في سنة خمس وثمانين يتضمن لأبي العلاء المعري [شعرا] يشبه ما في هذين البيتين من المقابلة ضدا بضدّ في موضعين، ولعل هذين البيتين يفضلان على ذلك، فقلنا له: وما ذلك الكلام؟ فقال: حكي أن صالح بن مرداس صاحب حلب نزل على معرّة النعمان محاصرا ونصب عليها المناجيق، واشتدّ في الحصار لأهلها، فجاء أهل المدينة إلى الشيخ أبي العلاء لعجزهم عن مقاومته، لأنه جاءهم بما لا قبل لهم به، وسألوا أبا العلاء تلافي الأمر بالخروج إليه بنفسه، وتدبير الأمر برأيه، إما بأموال يبذلونها أو طاعة يعطونها، فخرج ويده في يد قائده، وفتح له بابا من أبواب معرّة النعمان وخرج منه شيخ قصير يقوده رجل، فقال صالح: هو أبو العلاء فجيئوني به، فلما مثل بين يديه سلّم عليه ثم قال: الأمير أطال الله بقاءه كالنهار الماتع قاظ وسطه وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع لان متنه وخشن حدّاه، خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف: ١٩٩) فقال صالح (لا تثريب عليكم اليوم) قد وهبت لك المعرة وأهلها وأمر بتقويض الخيام والمناجيق فنقضت ورحل، ورجع أبو العلاء وهو يقول: نجّى المعرة من براثن صالح ... ربّ يعافي كلّ داء معضل ما كان لي فيها جناح بعوضة ... الله ألحفهم جناح تفضل قال أبو غالب ابن مهذب المعري في تاريخه: في سنة سبع عشرة وأربعمائة صاحت امرأة يوم الجمعة في جامع المعرة، وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغتصبها نفسها، فنفر كلّ من في الجامع وهدموا الماخور، وأخذوا خشبه، ونهبوه.

стр. 356

وكان أسد الدولة في نواحي صيدا، فوصل الأمير أسد الدولة فاعتقل من أعيانها سبعين رجلا، وذلك برأي وزيره تادرس بن الحسن الأستاذ، وأوهمه أنّ في ذلك إقامة للهيبة. قال: ولقد بلغني أنه دعي لهؤلاء المعتقلين بآمد وميافارقين على المنابر، وقطع تادرس عليهم ألف دينار، وخرج الشيخ أبو العلاء المعري إلى أسد الدولة صالح وهو بظاهر المعرة، وقال له الشيخ أبو العلاء: مولانا السيد الأجلّ أسد الدولة ومقدّمها وناصحها كالنهار الماتع اشتدّ هجيره وطاب أبراده، وكالسيف القاطع لان صفحه وخشن حداه، خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف: ١٩٩) فقال صالح: قد وهبتهم لك أيها الشيخ، ولم يعلم أبو العلاء أنّ المال قد قطع عليهم، والا كان قد سأل فيه، ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعرا وهو [١] : تغيبت في منزلي برهة ... ستير العيون فقيد الحسد فلما مضى العمر إلا الأقلّ ... وحمّ لروحي فراق الجسد بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد فيسمع منّي سجع الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد فلا يعجبنّي هذا النّفاق ... فكم نفّقت محنة ما كسد - ١٠٢- أحمد بن عبد الرحمن بن نخيل الحميري أبو العباس الشنتمري: يقول فيه أبو العباس أحمد بن عبد العزيز بن غزوان [٢] الكاتب الشنتمري، وقد حضر القراءة عليه هو وجماعة من طلبته بشنتمرية: ومجلس ليس لعمري به ... باغ، وباع الخير فيه مديد

стр. 357

وربما تقضى حياة به ... وينثني العالم فيه بليد يزينه في جمعه فتية ... غرّ كما تدري صباح الخدود ما منهم في جمعهم واحد ... إلا أخو نبل وذهن حديد تجمعوا حول فقيه حوى ... حلما وعلما مع رأي سديد إن خانك التفكير في مشكل ... فانه يبلغ ما قد تريد وإن يقل كان الذي قاله ... ولم يكن فيه لخلق مزيد كأنه بين تلاميذه ... بدر بدا بين نجوم السعود - ١٠٣- أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير : من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني، له شرح كتاب اللمع. - ١٠٤- أحمد بن عبد السيد بن علي يعرف بابن الأشقر النحوي أبو الفضل: متأخر من ساكني قطيعة باب الأزج، ذكره أبو عبد الله ابن الدبيثي في كتابه الذي ذيله على تاريخ السمعاني وقال: هو أديب فاضل، قرأ على أبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي ولازمه حتى برع في فنه، وسمع على علوّ سنه من أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي؛ قال: وسمعت من يذكر أنه رأى أبا محمد ابن الخشّاب النحويّ بالقطيعة من باب الازج وهو يسأله عن مسائل من النحو ويباحثه. وقد روى [ابن] الأشقر وأقرأ العربية إلا أن الروايات عنه قليلة.

стр. 358

- ١٠٥- أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد أبو عامر : أشجعي النسب من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك يوم المرج، ذكره الحميدي وقال: إنه مات في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة بقرطبة ومولده سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وأبوه عبد الملك بن أحمد شيخ من شيوخ وزراء الدولة العامرية ومن أهل الأدب والشعر، وجدّه أحمد بن عبد الملك ذو الوزارتين من أهل الأدب وكان في أيام عبد الرحمن الناصر له شعر وبديهة ولم يخلف لنفسه نظيرا في علمي النظم والنثر. قال: وهو من العلماء بالأدب ومعاني الشعر وأقسام البلاغة، وله حظ من ذلك، بسق فيه، ولم ير لنفسه في البلاغة أحدا يجاريه، وله كتاب «حانوت عطار» في نحو من ذلك، وسائر رسائله وكتبه نافعة الجد كثيرة الهزل، وشعره كثير مشهور. وقد ذكره أبو محمد علي بن أحمد [١] مفتخرا به فقال: ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وله من التصرّف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار ينطق فيه بلسان مركّب من لساني عمرو وسهل [٢] ومن شعر أبي عامر المختار [٣] : وما ألان قناتي غمز حادثة ... ولا استخفّ بحلمي قطّ إنسان أمضي على الهول قدما لا ينهنهني ... وأنثني لسفيهي وهو حردان

стр. 359

ولا أقارض جهالا بجهلهم ... والأمر أمري والأيام أعوان أهيب بالصبر والشحناء ثائرة ... وأكظم الغيظ والأحقاد نيران وقوله [١] : ألمت بالحبّ حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم وذادني كرمي عمن ولهت به ... ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم قال، وقال أبو محمد علي بن أحمد: ولم يعقب أبو عامر، وانقرض عقب الوزير أبيه بموته، وكان جوادا لا يليق شيئا ولا يأسى على فائت، عزيز النفس مائلا إلى الهزل، وكان له من علم الطبّ نصيب وافر. - ١٠٦- أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر المؤذن أبو صالح النيسابوري : الحافظ الأمين الخيّر الثقة المحدّث الصوفي نسيج وحده في طريقته وجمعه وإفادته. ولد في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة ومات لتسع خلون من شهر رمضان سنة سبعين وأربعمائة، وذكره أبو سعد السمعاني في «المذيل» فقال، ومن خطه نقلت: كان عليه الاعتماد في الودائع من كتب الحديث المجموعة في الخزائن الموروثة عن المشايخ، الموقوفة على أصحاب الحديث، وكان يصونها ويتعهّد حفظها ويتولّى أوقاف المحدثين من الحبر والكاغد وغير ذلك، ويقوم بتفرقتها عليهم وإيصالها إليهم، وكان يؤذّن على منارة المدرسة البيهقية سنين احتسابا، ووعظ المسلمين وذكرهم، وكان يأخذ صدقات الرؤساء والتجار ويوصلها إلى ذوي الحاجات، ويقيم مجالس الحديث. وكان إذا فرغ جمع وصنّف وأفاد. وكان حافظا ثقة دينا خيرا كثير السماع واسع الرواية، جمع بين الحفظ والإفادة والرحلة وكتب الكثير بخطه.

стр. 360

ثم ذكر أبو سعد جماعة كثيرة ممن سمع عليه بجرجان والريّ والعراق والحجاز والشام ثم قال: كما تنطق به تصانيفه وتخريجاته، ولم يتفرغ للإملاء لاشتغاله بالمهمات التي هو بصددها. ثم ذكر جماعة رووا عنه، ثم قال: وصنّف التصانيف وجمع الفوائد وعمل التواريخ، منها: كتاب التاريخ لبلدنا مرو، ومسوّدته عندنا بخطّه، وأثنى عليه ثناء طويلا، وذكر أن الخطيب أبا بكر ذكره في تاريخه، وأنه كتب عنه وكتب هو عن الخطيب [١] ، ووصفه بالحفظ والمعرفة والذبّ عن حديث النبي ﷺ ، ثم روى عنه أخبارا وأسانيد لغيره منها ما أسنده إليه، وقال: أنشد الشريف أبو الحسن عمران بن موسى المغربي لنفسه: جزيت وفائي منك غدرا وخنتني ... كذاك بدور التمّ شيمتها الغدر وحاولت عند البدر والشمس سلوة ... فلم يسلني يا بدر شمس ولا بدر وفي الصدر منّي لوعة لو تصورت ... بصورة شخص ضاق عن حملها الصدر أمنت اقتدار البين من بعد بينكم ... فما لفراق بعد فرقتكم قدر - ١٠٧- أحمد بن عبد الوهاب بن هبة الله بن محمد بن علي بن الحسين بن يحيى بن السيبيّ أبو البركات بن أبي الفرج مؤدب الخلفاء: كانت له معرفة حسنة بالآداب، ومات في سادس عشري المحرم سنة أربع عشرة وخمسمائة عن ست وخمسين سنة وثلاثة أشهر. قال أبو الفرج ابن الجوزي: كان أبو البركات يعلّم أولاد المستظهر، وكان له أنس بالمسترشد، فلما قبض على ابن الجزري صاحب المخزن ولي ابن السيبي مكانه

стр. 361

النظر في المخزن سنة وثمانية أشهر، وكان عالما بالأدب والشعر، كثير الإفضال على أهل العلم، وخلّف من المال ما حزر بمائة ألف دينار، ووقف وقوفا على مكة والمدينة. - ١٠٨- أحمد بن عبيد بن ناصح بن بلنجر أبو جعفر النحوي الكوفي : يعرف بأبي عصيدة، ديلمي الأصل من موالي بني هاشم، حدّث عن الواقديّ والأصمعي وأبي داود الطيالسي وزيد بن هارون وغيرهم، وروى عنه القاسم بن محمد بن بشار الأنباري وأحمد بن حسن بن شهير، ومات فيما ذكره أبو عبد الله محمد بن شعبان بن هارون ابن بنت الفريابي في «تاريخ الوفيات» له في سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قالوا: وكان ضعيفا فيما يرويه. وله من التصانيف: كتاب المقصور والممدود. وكتاب المذكر والمؤنث. وكتاب الزيادات في معاني الشعر لابن السكيت في إصلاحه. وكتاب عيون الأخبار والأشعار. وحدث محمد بن إسحاق النديم قال: كان أبو عصيدة وابن قادم يؤدّبان ولد المتوكل، قال: لما أراد المتوكل أن يتخذ المؤدبين لولده جعل ذلك إلى إيتاخ، فأمر إيتاخ كاتبه أن يتولّى ذلك، فبعث إلى الطوال والأحمر وابن قادم وأبي عصيدة هذا وغيرهم من أدباء ذلك العصر، فأحضرهم مجلسه وحضر أبو عصيدة فقعد في آخر الناس، فقال له من قرب منه: لو ارتفعت، فقال: بل أجلس حيث انتهى بي المجلس، فلما اجتمعوا قال لهم الكاتب: لو تذاكرتم وقفنا على موضعكم من العلم واخترنا، فألقوا بينهم بيت ابن غلفاء [٢] الفزاري:

стр. 362

ذريني إنما خطأي وصوبي ... عليّ وإن ما أنفقت مال فقالوا: ارتفع مال بانما إذ كانت ما بمعنى الذي، ثم سكتوا، فقال لهم أحمد بن عبيد من آخر الناس: هذا الإعراب فما المعنى؟ فأحجم الناس عن القول، فقيل له: فما المعنى عندك؟ قال: أراد ما لومك إياي وإنما أنفقت مالا ولم أنفق عرضا، فالمال لا ألام على إنفاقه؛ فجاءه خادم من صدر المجلس فأخذ بيده حتى تخطّى به إلى أعلاه وقال له: ليس هذا موضعك، فقال: لأن أكون في مجلس أرتفع منه إلى أعلاه أحبّ إليّ من أن أكون في مجلس أحطّ عنه. فاختير هو وابن قادم. قرأت بخطّ أبي منصور الأزهري في «كتاب التهذيب في اللغة» [١] له، أخبرني المنذري عن القاسم بن محمد الأنباري عن أحمد بن عبيد بن ناصح قال: كنا نألف مجلس أبي أيوب ابن أخت الوزير، فقال لنا يوما- وكان ابن السكيت حاضرا- ما تقول في الأدم من الظباء؟ فقال: هي البيض البطون السّمر الظهور، يفصل بين لون ظهورها وبطونها جدّتان مسكيّتان، قال: فالتفت إليّ وقال: ما تقول يا أبا جعفر؟ فقلت: الأدم على ضربين، أما التي مساكنها الجبال في بلاد قيس فهي على ما وصف، وأما التي مساكنها الرمل في بلاد تميم فهي البيض الخوالص البياض [فأنكر يعقوب] . واستأذن ابن الأعرابي على أثر ذلك، فقال أبو أيوب: قد جاءكم من يفصل بينكم، فدخل فقال له أبو أيوب: يا أبا عبد الله، ما تقول في الأدم من الظباء، فتكلم كأنما ينطق عن لسان ابن السكّيت، فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في ذي الرمة؟ قال: شاعر، قلت: ما يقول في قصيدته صيدح؟ قال: هو بها أعرف منّا بها. قال: فأنشدته قوله: من المؤلفات الرمل أدماء حرّة ... شعاع الضّحى في متنها يتوضّح فسكت ابن الأعرابي وقال: هي العرب تقول ما شاءت. وبخط عبد السلام البصري، حدثنا أبو الحسن محمد بن يوسف بن موسى سبط [ ... ] قال حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي قال: سمعت أحمد بن

стр. 363

عبيد بن ناصح يقول: لما أراد المتوكل أن يعقد للمعتز ولاية العهد حططته عن مرتبته [١] قليلا وأخّرت غداءه عن وقته، فلما كان وقت الانصراف قلت للخادم: احمله، فضربته من غير ذنب، فكتب بذلك إلى المتوكل، فأنا في الطريق منصرفا إذ لحقني صاحب رسالة، فقال: أمير المؤمنين يدعوك، قال: فدخلت على المتوكل وهو جالس على كرسيّ، والغضب يتبيّن في وجهه، والفتح بن خاقان قائم بين يديه متكئا على السيف، فقال لي: ما هذا الذي فعلته يا أبا عبد الله؟ قلت: أقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: قل فاني إنما سألتك لتقول، قلت: بلغني ما عزم عليه أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- فدعوته وحططت منزلته، ليعرف هذا المقدار فلا يعجل بزوال نعمة أحد، وأخّرت غداءه ليعرف هذا المقدار من ألم الجوع فإذا شكي إليه الجوع عرف ذلك، وضربته من غير ذنب ليعرف مقدار الظلم فلا يعجل على أحد، قال فقال لي: أحسنت، وأمر لي بعشرة آلاف درهم ثم لحقني رسول قبيحة بعشرة آلاف أخرى، فانصرفت بعشرين ألفا. قال وحدثنا أبو القاسم الأزدي قال: سمعت أحمد بن عبيد بن ناصح يحدث أبي قال، قال لي المعتز يوما: يا مؤدبي تصلّي جالسا وتضربني قائما؟ قال فقلت له: كيف تراني أؤدي فرضي؟ قائما أو قاعدا؟ قال فقال لي: بل تؤدي الفرض قائما، فقلت له: وضربك أيضا من الفروض ولا أؤدي فرضي إلا قائما. وقال عبد الله بن عدي الحافظ: أحمد بن عبيد أبو عصيدة النحوي كان بسرّ من رأى يحدّث عن الأصمعيّ ومحمد بن مصعب القرقساني بمناكير. وقال أبو أحمد الحافظ النيسابوري وذكره فقال: لا يتابع على جلّ حديثه. قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنشدني أبي قال: أنشدنا أحمد بن عبيد: ضعفت عن التسليم يوم فراقها ... فودّعتها بالطّرف والعين تدمع وأمسكت عن ردّ السلام فمن رأى ... محبا بطرف العين قبلي يودع رأيت سيوف البين عند فراقها ... بأيدي جنود الشّوق بالموت تلمع [٢] عليك سلام الله مني مضاعفا ... إلى أن تغيب الشمس من حيث تطلع

стр. 364

- ١٠٩- أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار أبو العباس الثقفي الكاتب المعروف بحمار العزيز: كذا قال الخطيب قال: وله مصنفات في مقاتل الطالبيين وغير ذلك، وكان يتشيع، ومات في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، حدث عن عثمان بن أبي شيبة وسليمان بن أبي شيخ وعمر بن شبة ومحمد بن داود بن الجراح وغيرهم. روى عنه القاضي الجعابي وابن زنجي الكاتب وأبو عمرو ابن حيويه وأبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني وغيرهم. وفيه يقول ابن الرومي [١] : وفي ابن عمّار عزيريّة ... يخاصم الله بها والقدر ما كان لم كان وما لم يكن ... لم لم يكن فهو وكيل البشر هذا ما ذكره الخطيب. ووجدت في كتاب ألفه أبو الحسن علي بن عبيد الله بن المسيب الكاتب في «أخبار ابن الرومي» - وكان ابن المسيّب هذا صديقا لابن الرومي وخليطا له- قال: كان أحمد بن محمد بن عبيد الله بن عمار (هكذا قال في نسبه بتقديم محمد على عبيد الله) صديقا لابن الرومي كثير الملازمة له، وكان ابن الرومي يعمل له الأشعار وينحله إياها يستعطف بها من يصحبه، وكان ابن عمار محدودا فقيرا وقّاعة في الأحرار، وكان أيام افتقاره كثير التسخّط لما تجري به الأقدار، في آناء الليل والنهار، حتى عرف بذلك، فقال له علي بن العباس بن الرومي يوما: يا أبا العباس قد سمّيتك العزير، قال له: وكيف وقعت لي على هذا الاسم؟ قال: لأن العزير خاصم ربه بأن أسال من دماء بني إسرائيل على يدي بخت نصر سبعين ألف دم، فأوحى الله [إليه] لئن لم تترك مجادلتي في قضائي لأمحونّك من ديوان النبوة. وقال فيه: وفي ابن عمار عزيرية

стр. 365

وذكر البيتين اللذين في كتاب الخطيب، وزاد: لا بل فتى خاصم في نفسه ... لم لم يفز قدما وفاز البقر وكلّ من كان له ناظر ... صاف فلا بدّ له من نظر وكتب ابن الرومي إلى أحمد بن محمد بن بشر المرثدي قصيدة يمدحه بها ويهنئه بمولود ولد له، ويحضه على برّ ابن عمار والاقبال عليه، يقول فيها [١] : ولي لديكم صاحب فاضل ... أحبّ أن يبقى [٢] وأن يصحبا مبارك الطائر ميمونه ... خبّرني عن ذاك من جرّبا بل عندكم من يمنه شاهد ... قد أفصح القول وقد أعربا جاء فجاءت معه غرّة ... تقيّل الناس بها كوكبا إن أبا العباس مستصحب ... يرضي أبا العباس مستصحبا لكنّ في الشيخ عزيرية ... قد تركته شرسا مشغبا فاشدد أبا العباس كفّا به ... فقد ثقفت المخطب المحربا باقعة إن أنت خاطبته ... أعرب أو فاكهته أغربا أدّبه الدهر بتصريفه ... فأحسن التأديب إذ أدبا وقد غدا ينشر نعماءكم ... في كلّ ناد موجزا مطنبا والقصيدة طويلة. قال: وصار محمد بن داود بن الجراح يوما إلى ابن الرومي مسلّما عليه، فصادف عنده أبا العباس أحمد بن محمد بن عمار، وكان من الضيق والإملاق في النهاية، وكان علي بن العباس مغموما به، فقال محمد بن داود لابن الرومي ولأبي عثمان الناجم: لو صرتما إليّ وكثرتما بما عندي لأنس بعضنا ببعض، فأقبل ابن الرومي على محمد بن داود فقال: أنا في بقية علة، وأبو عثمان مشغول بخدمة صاحبه

стр. 366

- يعني إسماعيل بن بلبل- وهذا أبو العباس ابن عمار له موضع من الرواية والأدب، وهو على غاية الإمتاع والإيناس بمشاهدته، وأنا أحبّ أن تعرف مثله، وفي العاجل خذه معك لتقف على صدق القول فيه. فأقبل محمد بن داود على أحمد بن عمار وقال له: تفضل بالمصير إليّ في هذا اليوم، وقبله قبولا ضعيفا، فصار إليه ابن عمار في ذلك اليوم، ورجع إلى ابن الرومي فقال له: إني أقمت عند الرجل وبتّ، وأريد أن تقصده وتشكره وتؤكّد أمري معه، ومحمد بن داود في هذا الوقت متعطّل ملازم منزله، فصار إليه وأكّد له الأمر معه، وطال اختلافه إليه إلى أن ولي عبيد الله بن سليمان وزارة المعتضد واستكتب محمد بن داود بن الجراح وأشخصه معه، وقد خرج إلى الجبل، ورجع وقد زوّجه بعض بناته وولّاه ديوان المشرق، فاستخرج لابن عمار أقساطا أغناه بها وأجرى عليه أيضا من ماله، ولم يزل يختلف إليه أيام حياة محمد بن داود، وكان السبب في أن نعشه الله بعد العثار، وانتاشه من الإقتار ابن الرومي، فما شكر ذلك له، وجعل يتخلّفه ويقع فيه ويعيبه، وبلغ ابن الروميّ ذلك فهجاه باهاج كثيرة، منها وهو مصحّف [١] : قل لعمّار بن عمّار ... ألا تعظم قدري بخراجيك وخرؤ الد ... يك لا تعرض لشعري وتذكّر حين تنسى ... حرّ عمّيك وأثري وأذقني فرح الرّو ... حة منقادا لأمري حر حالاتك للجييران ... لكن لست تدري قال ابن المسيّب: ومن عجيب أمر عزير هذا أنه كان يتنقص ابن الرّومي في حياته، ويزري على شعره، ويتعرّض لهجائه، فلمّا مات ابن الروميّ عمل كتابا في تفضيله ومختار شعره وجلس يمليه على النّاس.

стр. 367

وذكره محمد بن إسحاق النديم في كتاب الفهرست [١] فقال: كان يصحب محمد بن داود بن الجراح ويروي عنه، ثمّ توكّل للقاسم بن عبيد الله بن سليمان وولده. وله من الكتب: كتاب المبيّضة، وهو في مقاتل الطالبيين. كتاب الأنواء. كتاب مثالب أبي نواس. كتاب أخبار سليمان بن أبي شيخ. كتاب الزّيادة في أخبار الوزراء لابن الجراح. كتاب أخبار حجر بن عديّ. كتاب أخبار أبي نواس. كتاب أخبار ابن الرومي ومختار شعره. كتاب المناقضات. كتاب أخبار أبي العتاهية. كتاب الرّسالة في بني أميّة. كتاب الرسالة في تفضيل بني هاشم ومواليهم وذمّ بني أميّة وأتباعهم. كتاب الرسالة في المحدب والمحدث، كتاب أخبار عبد الله بن معاوية الجعدي، كتاب الرسالة في مثالب معاوية. وذكره أبو عبد الله [٢] المرزباني في «كتاب المعجم» فقال: وذكر أنه مات في سنة عشر وثلاثمائة قال: وهو القائل: وعيّرتني النّقصان والنّقص شامل ... ومن ذا الّذي يعطى الكمال فيكمل؟ وأقسم أنّي ناقص غير أنني ... إذا قيس بي قوم كثير تقلّلوا تفاضل هذا الخلق بالعلم والحجى ... ففي أيّما هذين أنت فتفضل ولو منح الله الكمال ابن آدم ... لخلّده والله ما شاء يفعل وذكر ابن زنجيّ أبو القاسم الكاتب قال: كان الوزير أبو الحسن عليّ بن محمد بن الفرات قد أطلق في وزارته الأخيرة للمحدّثين عشرين ألف درهم، فأخذت لأبي العبّاس أحمد بن عبيد الله بن عمّار، لأنّه كان يجيئني ويقيم عندي، وسمعت منه أخبار المبيّضة، ومقتل حجر، وكتاب صفّين، وكتاب الجمل، وأخبار المقدّمي، وأخبار سليمان بن أبي شيخ وغير ذلك، خمسمائة درهم.

стр. 368

- ١١٠- أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسين الكلوذاني المعروف بابن قرعة: من أهل الأدب والفضل الغزير، كتب بخطّه الكثير من المصنّفات الطّوال، ولازم أبا بكر الصّوليّ، وتضلّع عليه من أدبه، وروى عنه، وطلب الأدب طول عمره، ثمّ عاد إلى بلده كلواذى، فأقام بها طول عمره، وقصده الناس، فكان أديبها وفاضلها، ولم يزل بها إلى آخر عمره. - ١١١- أحمد بن عبيد الله بن الحسن بن شقير، أبو العلاء البغداديّ : ذكره الحافظ أبو القاسم في «تاريخ دمشق» [١] وقال: حدّث عن أبي بكر محمّد بن هارون بن المحدوّ [٢] ، وحامد بن شعيب البلخيّ والهيثم بن خلف وأبي بكر الباغندي والبغوي وأبي عمر الزاهد وأبي بكر ابن الأنباري وابن دريد وأحمد بن فارس وأبي بكر أحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني. روى عنه تمام الرازي ومكي بن محمد بن الغمر وأبو نصر عبد الوهاب ابن عبد الله بن الحيان ومحمد بن عبد الله بن الحسن الدوري.

стр. 369

- ١١٢- أحمد بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم أبو عيسى : نذكر كلّ واحد من آبائه وأعمامه وأهل بيته في بابه إن شاء الله تعالى وحده، وأما نسبهم وولاؤهم وأوليتهم فنذكره في باب جده يحيى بن أبي منصور المنجم إن شاء الله. وكان أحمد هذا نبيلا فاضلا، وذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: وله كتاب تاريخ سني العالم. - ١١٣- أحمد بن علي أبو بكر الميموني البرزندي النحوي : ذكره أبو الفتح منصور بن المعذر النحوي الأصفهاني المتكلم، وقد ذكر جماعة من المعتزلة النحويين، فذكر أبا سعيد السيرافي وأبا علي الفارسي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهم ثم قال: وأبو بكر أحمد بن علي النحوي البرزندي الشافعي النحوي [١] المعتزلي القائل: إذا مت فانعيني إلى العلم والنهى ... وما حبّرت كفّي بما في المحابر فاني من قوم بهم يفخر الهدى ... إذا أظلمت بالقوم طرق البصائر - ١١٤- أحمد بن علي بن وصيف المعروف بابن خشكنانجه : يكنى أبا الحسين، وكان أبوه علي الملقب بخشكنانجه فاضلا، وقد ذكر في بابه [٢] . مات أحمد ببغداد. وذكره محمد بن اسحاق النديم [٣] وقال: كان كاتبا بليغا فصيحا شاعرا، وله من الكتب: كتاب النثر الموصول بالنظم. كتاب صناعة البلاغة. كتاب الفوائد.

стр. 370

- ١١٥- أحمد بن علي القاساني اللغوي أبو العباس : يعرف بلوه وقيل بابن لوه، لا أعرف من أمره إلا ما قرأته بخطّ بديع بن عبد الله فيما كتبه عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي، أنشدني أحمد بن علي القاساني اللغوي: اغسل يديك من الثقات ... فاصرمهم صرم البتات واصحب أخاك على هوا ... هـ وداره بالترّهات ما الودّ الا باللسا ... ن فكن لسانيّ الصفات وقال في موضع آخر منه: سمعت أبا العباس أحمد بن علي القاساني يقول: سمعت أعرابيا بالبادية يقول: قل لدنيا أصبحت تلعب بي ... سلّط الله عليك الآخره قلت أنا: هذا البيت معروف للحسين بن الضحاك مع بيت آخر هو [١] : إن أكن أبرد من قنينة ... أو من الريش فأمي فاجره وقال في موضع آخر: أخبرني أبو العباس أحمد بن علي القاساني، يعرف بلوه، وقال في موضع آخر: يعرف بابن لوه، بقزوين قال: كنت بالبصرة وبها أبو بكر ابن دريد، فبينا نحن في مجلسه ورد علينا رجل من أهل الكوفة فجعل يسأله عن مسائل يظهر فيها لنا أنه يتعنته ويتسقّطه، فأقبل عليه أبو بكر فقال له: يا هذا قد عرفت مغزاك وأحبّ أن تجمع ما تريد أن تسألني عنه في قرطاس وتأتيني به وتأخذ مني الجواب بديهة إن شئت أو روية، فمضى الرجل وجاءه بعد ثلاث، وقد جمع له، فما سأله عن مسألة إلا وأبو بكر يبادره بالجواب والرجل يكتب، ثم إنا سألنا الرجل فأعطانا المسائل والجواب فكتبتها وهي هذه سماعي من أبي بكر لفظا: القهوسة: مشية بسرعة. القعسرة: الصلابة والشدة. القعنسة: الانتصاب في الجلسة، ويقال

стр. 371

القعنسة: أن يرفع الرجل رأسه وصدره. القعوسة: التذلل. العرطسة: استرخاء وبلادة في الإنسان. البحدلة: القصر. بهدل: طائر. الكهدل: الشابة الناعمة. غطمش من قولنا تغطمش علينا إذا ظلمنا. هجعم من الهجعمة وهي الجرأة. خضارع من الخضرعة: وهي التسمح بأكثر مما عند الانسان. التخثعم: الانقباض. الخثعمة: التلطخ بالدم. الشغفر. المرأة الحسناء. الكلحبة: العبوس، ويقال كلحبت النار إذا مدّت لسانها. سنبس من الصلابة واليبس. البلندي: الغليظ الصلب. القرثعة: تقرّد الصوف، في حروف نحو هذه. قال ابن فارس، أنشدني أبو العباس أحمد بن علي القاساني، وكان يعرف بابن لوه، قال أنشدني أبو عبد الله نفطويه لبعض الأعراب: إذا واله حنّت من الليل حنّة ... إلى إلفها جاوبتها بحنين هنالك لا روّادهم يبلغوننا ... ولا خبر يجلو العمى بيقين وقال، قال أبو العباس: حججت فوقفت على أعرابية فقلت لها: كيف أصبحت؟ فقالت: بخير على أنّ النوى مطمئنة ... بليلى وان العين باد معينها وإني لباك من تفرّق شملهم ... فمن مسعد للعين أم من يعينها قال وأنشدني: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد به الجثجاث والسّلم النّضر قال ابن فارس، وأنشدني أحمد بن علي القاساني: وأمست أحبّ الناس قربا ورؤية ... إلى قلبه سلمى وإن لم تحبّب حببت إليه كلّ واد تحلّه ... سليمى خصيبا كان أو غير مخصب قال وأنشدني: وإذا دعا داع بها فدّيتها ... وعضضت من جزع لفرقتها يدي لا تبعدن تلك الشمائل والحلى ... منها وإن سكنت محلّ الأبّد

стр. 372

- ١١٦- أحمد بن علي بن هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم، أبو الفتح : أحد من سلك سبيل آبائه في طرق الأداب واهتدى بهم في التولج إلى الفضائل من كلّ فن، روى عنه أبو علي التنوخي في «نشواره» فأكثر، ووصفه بالفضل وما قصّر، وأنشد له أشعارا قال: أنشدني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون بن يحيى المنجم في الوزير أبي الفرج محمد بن العباس بن فسانجس في وزارته، وقد عمل على الانحدار إلى الأهواز لنفسه: قل للوزير سليل المجد والكرم ... ومن له قامت الدنيا على قدم ومن يداه معا تجري ندى وردى ... يجريهما عدل حكم السيف والقلم ومن إذا همّ أن تمضي عزائمه ... رأيت ما تفعل الأقدار في الأمم ومن عوارفه تهمي وعادته ... في ربّ بدأته تنمي على القدم لأنت أشهر في رعي الذمام وفي ... حكم التكرّم من نار على علم العبد عبدك في قرب وفي بعد ... وأنت مولاه إن تظعن وإن تقم فمره يتبعك أو لا فاعتمده بما ... تجري به عادة الملّاك في الخدم قال: وأنشدني لنفسه، وذكر أنه لا يوجد لها قافية رابعة من جنسها في الحلاوة [١] :

стр. 373

سيدي أنت ومن عادته ... باعتداء وبجور جاريه أنصف المظلوم وارحم عبرة ... بدموع ودماء جاريه ربما أكني بقولي سيدي ... عند شكواي الهوى عن جاريه قال: وأنشدني لنفسه والقافية كلها «عود» باختلاف المعنى: العيش عافية والراح والعود ... فكلّ من حاز هذا فهو مسعود ضهذا الذي لكم في مجلس أنق ... أشجاره العنبر الهندي والعود وقينة وعدها بالخلف مقترن ... بما يؤمّله راج وموعود وفتية كنجوم الليل دأبهم ... إعمال كأس حذاها النار والعود فاغدوا عليّ بكاس الراح مترعة ... عودا وبدءا فإن أحمدتم عودوا - ١١٧- أحمد بن علي أبو الحسن البتي الكاتب : كان يكتب للقادر بالله عند مقامه بالبطيحة، ولما وصلته البيعة كتب عنه إلى بهاء الدولة. وكان البتي حافظا للقرآن تاليا له مليح المذاكرة بالأخبار والآداب، عجيب النادرة ظريف المزح والمجون. قال ابن عبد الرحيم: كان البتي في بدء أمره يلبس الطيلسان ويسمع الحديث ويقرأ القرآن على شيوخ عصره، وكان يذكر أنه قرأ القرآن على زيد بن أبي بلال، وكان غاية في جميع [١] خلال الأدب، يتعلق بصدور وافرة من فنون العلم، ويكتب خطا جيدا، ويترسّل ترسلا لا بأس به، وينظم شعرا دون ما كان حظي به من العلم؛ ثم لبس من بعد الدرّاعة وسلك في لبسه مذاهب الكتاب القدماء، وكان يلبس الخفّين والمبطّنة ويتعمم العمّة الثغرية وإن لبس لالجة [٢] لم تكن إلا مربدية [٣] ، وكان لا

стр. 374

يتعرض لحلق شعره جريا على السنة السالفة. وكتب من بعد في ديوان الخلافة، وكان له حرمة بالقادر بالله رعاها له، ثم غلب على أخلاقه الهزل وتجافى الجدّ بالواحدة وانقطع إلى اللعب، وكان شكله ولفظه وما يورده من النوادر يدعو إلى مكاثرته والرغبة إلى مخالطته، فحضر مجلس بهاء الدولة في جملة الندماء، ونفق عليه نفاقا لا مزيد عليه، ولم يكن لأحد من الرؤساء مسرّة تتمّ ولا أنس يكمل إلا بحضوره، فكانوا يتداولونه ولا يفارقونه، ونادم الوزراء حتى انتهى إلى منادمة فخر الملك، وأعجب به غاية الإعجاب وأحسن إليه غاية الاحسان، ومات في أيامه. وكانت له نوادر مضحكة وجوابات سريعة لا يكاد يلحقه فيها أحد، وتعرّض لغيبة الناس تعرضا قلّ ما أخلّ به على الوجه المضحك الذي يكون سببا إلى تدارك تلك المنقصة وطريقا إلى [تغمد] زلته فيها بما اعتمده من التطايب. وكان يذهب مذهب المعتزلة ويميل إلى فقه أبي حنيفة، ويتعصّب للطائيّ تعصبا شديدا، ويفضل البحتريّ على أبي تمام ويغلو فيه غاية الغلو. فمن نوادره الشائعة أنه انحدر مع الرضيّ والمرتضى وابن أبي الريان الوزير وجماعة من الأكابر لاستقبال بعض الملوك، فخرجوا عليهم اللصوص ورموهم بالحذّافات، وجعلوا يقولون: ألا حلوا يا أزواج القحاب؛ فقال البتي: ما خرج هؤلاء علينا إلا بعين، قالوا: ومن أين علمت؟ قال: وإلا فمن أين علموا أنا أزواج قحاب؟!. وكان البتي صاحب الخبر والبريد في الديوان القادري ومات في شعبان سنة ثلاث وأربعمائة؛ وله تصانيف منها: كتاب القادري. وكتاب العميدي. كتاب الفخري. قال الوزير أبو القاسم المغربي: كان أبو الحسن البتي أحد المتفننين في العلوم لا يكاد يجارى في فنّ من فنون العلوم فيعجز عنه، وكان مليح المحاضرة كثير المذاكرة طيّب النادرة مقبول المشاهدة، رأيته على باب أحد رؤساء العمال وقد حجب عنه فكتب اليه: على أي باب أطلب الإذن بعدما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه فخرج الاذن له في الحال.

стр. 375

وحدث الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن قال: كنت مع فخر الملك أبي غالب ابن خلف بالأهواز فكتب الى أبي ياسر عمار بن أحمد الصيرفي: احمل إلى أبي الحسن البتي مائتي دينار مع امرأة لا يعرفها، واكتب معها رقعة غير مترجمة، وقل فيها: قد دعاني ما آثرته من مخالطتك، ورغبت فيه من مودتك، الى استدعاء المواصلة منك، وافتتاح باب الملاطفة بيني وبينك، وقد أنفذت مع الرسول مائتي دينار. فأخذها أبو الحسن وكتب على ظهر الرقعة: مال لا أعرف مهديه فأشكر له ما يوليه، إلا أنه صادف إضاقة دعت إلى أخذه والاستعانة في بعض الأمور به، وقلت [١] : ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض وإذا سهّل الله لي اتساعا رددت العوض موفورا، وكان المبتدىء بالبر مشكورا. وكان أبو الحسن قد فطن للقصة، وكتب ما كتب على بصيرة. ولما أنفذ أبو ياسر بالجواب أقرأنيه فخر الملك، فاستحسنت وقوع هذا البيت موقعه من التمثل. ومن شعر الرضيّ الموسوي إليه الأبيات المشهورة [٢] : أبا حسن أتحسب أن شوقي ... يقلّ على مكاثرة [٣] الخطوب يهشّ لكم على العرفان قلبي ... هشاشته إلى الزّور الغريب وألفظ غيركم ويسوغ عندي ... ودادكم مع الماء الشروب ورثاه الرضيّ الموسوي بقوله [٤] : ما للهموم كأنها ... نار على قلبي تشبّ والدمع لا يرقا له ... غرب كأن العين غرب ما كنت أحسب أنني ... جلد على الأرزاء صعب ما أخطأتك النائبا ... ت إذا أصابت من تحبّ

стр. 376

ورثاه المرتضى أخو الرضي بقوله [١] : عرّج على الدار مغبرّا جوانبها ... فاسأل بها عجلا عن ساكن الدار وقل لها أين ما كنّا نراه على ... مرّ المدى بك من نقض وإمرار وأين أوعية الآداب فاهقة ... تجري خلالك جري الجدول الجاري يا أحمد بن عليّ والردى عرض ... يزور بالرغم منّا كلّ زوار علقت منك بحبل غير منتكث ... عند الحفاظ وعود غير خوّار وقد بلوتك في سخط وعند رضى ... وبين طيّ لأنباء وإظهار فلم تفدني إلا ما أضنّ به ... ولم تزدني إلا طيب أخبار لا عار فيما شربت اليوم غصّته ... من المنون وهل بالموت من عار ولم ينلك سوى ما نال كلّ فتى ... عالي المكان ولاقى كلّ جبار وأمر بهاء الدولة أبا الحسن البتي أن يعمل شعرا يكتب على تكة إبريسم فقال [٢] : لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور وإذا قسمت فإنني ... بين الترائب والنحور ولقد نشأت صغيرة ... بأكفّ ربّات الخدور وله يصف كوز الفقاع [٣] : يا ربّ ثدي مصصته بكرا ... وقد عراني خمار مغبوق له هدير إذا شربت به ... مثل هدير الفحول في النوق كأن ترجيعه إذا رشف ... الراشف فيه صياح مخنوق

стр. 377

وله أيضا: ما احمرت العين من دمع أضرّ بها ... في عرصتي طلل أو إثر مرتحل لكن رآها الذي يهوى وقد نظرت ... في وجه آخر فاحمرّت من الخجل قال ابن عبد الرحيم: وكان القادر بالله استتر عنده لما طلبه الطائع قبل انحداره، وأخذ يده أن يستلينه، فلما ولي وقضي الأمر صرف ابن حاجب النعمان ورتبه في كتابته، واتفق أن كان ذلك في وقت الأضحى، فخرج إليه خادم على العادة في مثل ذلك فقال له: رسم أن تحصى أسقاط الأضاحي، فقال لغلامه: خذ الدواة فإنّ القوم يريدون كيرعانيا [١] ولا يريدون كاتبا، وانصرف بهذا المزح من الخدمة، وكان الهزل قد غلب عليه وعزب عنه الجدّ جملة. وكان بينه وبين الرضيّ مقارضة لكلام جرى بينهما، فاتفق أن اجتاز بقرب دار الرضيّ عند مسجد الأنباري، فقال لغلامه: مل بنا عن تلك الدار فإني أكره المرور بها، فالتفت فوقعت عينه على الرضي، فتمم كلامه من غير أن يقطعه وقال: فإنني لا وجه لي في لقائه لطول جفائه، فاستحسن هذا من بديهته، ودخل دار الرضيّ واصطلحا. ومن نوادره أنه سمع يوما أصوات الملاحين وارتفاع ضجة فقال: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء أولاد أبي الفضل ابن حاجب النعمان وأبي سعيد ابن أبي الخطاب وجماعة أولادهم، فقال: ما بيننا وبين هؤلاء إلا موت الآباء؟ ورأى معلما قبيح الوجه يعرف بنفّاط الجن، وكان وحشا انكشفت سوءته، فقال له: يا هذا استر عورتك السفلى، فإنك قد أدليت ولكن بغير حجّة. واستقبل أبا عبد الله ابن الدرّاع في ميدان بستان فخر الدولة، وهو متكىء على يد غلام أسود، فقال أبو عبد الله: هذا الأسود يصلح لخدمة سيدنا، فقال البتي: أي الخدم؟ فقال: خدمة الفراش، فقال: اللهم غفرا أرمى بالبغاء وليس في منزلي خنفساء ويعرى منه سيدنا وفي داره جميع بني حام؟!

стр. 378

بشر ابن الحواري بمولود، وكان ابن الحواري سمج الخلقة، فقال له البتي: إن كان هذا المولود يشبهك فويه ثم ويه. وسقاه الفقاعي في دار فخر الدولة فقاعا فلم يستطبه، فردّ الكوز مفكرا، فقال له الفقاعي: في أيّ شيء تفكر؟ فقال: في دقة صنعتك، كيف أمكنك أن تخرى في هذه الكيزان كلّها مع ضيق رأسها. واتاه غلامه في مجلس حفل فقال له: ان ابنك وقع من ثلاث درج، فقال: ويلك من ثلاث بقين أو خلون؟ فلم يفهم عنه، فقال: إن كان خلون فسهل وان بقين فيحتاج إلى نائحة. ودخل الرقي العلويّ على فخر الملك فقال: أطال الله بقاء مولانا وأسعده بهذا اليوم، فقال له: وأيّ يوم هذا؟ فقال: أيلون، فقال البتي، بالنون؟ فقال: ما قرأت النحو، فقال البتي: أنت إذا معذور فإنك ثلاثة أرباع رقيع (أراد رقيّ إذا ألحقت به العين وهو الحرف الرابع صار رقيع) . قال ابن عبد الرحيم: وكان بين البتي وبين أبي القاسم ابن فهد ملاحاة ومنابذة ثم أصلح فخر الملك بينهما، فعمل فيه أبياتا يقول فيها: قلت للبتيّ لما ... رام صلحي من بعيد وكان يرمى بالبخر ويزنّ بالأبنة أيضا. وقال فيه أيضا: وكلّ شرط للصلح أقبله ... إن أنت أعفيتني من القبل وحدث ابن عبد الرحيم قال: وكان البتي مقبولا مستملحا في جميع أحواله ولم يكن فيه أقلّ من شعره، فإنه كان في غاية البرد وعدم الطبع، وكان قد عمل في فخر الملك وهو يسدّ بثق النهروان قصيدة يصف فيها السّكر قال فيها: إذا أتاه الماء من جانب ... عاجله بالسدّ من جانب فقال له: هذا والله أيها الاستاذ بارد، وأعاده فحكى البيت وتأمله، وقال: نعم والله هو بارد، وجعل يعوج على نفسه ويكرر الانشاد مستبردا له، فضحك فخر الملك منه وقطع الإنشاد ولم يتممه.

стр. 379

قال: ولم يكن يسلم أحد من لسانه وتعويجه وثلبه له، وإذا اتفق أن يسمعه من يقول ذلك فيه التفت إليه كالمعتذر وقال: مولاي هاهنا؟ ما علمت بحضوره، ويجعل كونه ما علم بحضوره اعتذارا كأنه مباح له ثلبه بالغيبة. قال: وكان مع ذكائه وتوقده وكثرة طنزه وتولّعه أشدّ الناس غباوة في الأمور الجديات وأبعدهم من تصورها، وكان له معرفة تامة بالغناء وصنعته، ولا تكاد المغنية تغنّي بصوت إلا ذكر صنعته وشاعره وجميع ما قيل في معناه. وله من قصيدة في ابن صالحان: سل الربع بالخبتين كيف معاهده ... وأنّى برجع القول منه هوامده عفت حقبا بعد الأنيس رسومه ... فلم يبق إلا نؤيه وخوالده ديار نزفت الدمع في عرصاتها ... تؤاما إلى أن أقرح الجفن فارده أرقت دما بعد الدموع نزحته ... من القلب حتى غيّضته شوارده سأستعتب الدهر الخؤون بسيّد ... يردّ جماح الدهر إذ هو قائده سواء عليه طارف المال في الندى ... إذا ما انتحاه السائلون وتالده وله فيه: قرم إذا اعتذرت نوافل برّه ... لم يلف دافع حقّها بمعاذر من معشر ورثوا المكارم والعلا ... وتقسّموها كابرا عن كابر قوم يقوم حديثهم بقديمهم ... ويسير أولهم بمجد الآخر وكان أبو إسحاق الصابيء قد عمل لأبي بشر ابن طازاد نسخة كتاب أراد إنشاءه ونحله اياه، فكتب إليه أبو الحسن البتي يعرّض بذلك: زكاة العلوم زكاة الندى ... وعرف المعارف بذل الحجى ولكن يجرّ به أهله ... فأجر بنيلك فضل التقى لئن كنت أوجبته قربة ... لما وقع الموقع المرتضى وما صدقاتك مقبولة ... إذا ما تنكبت فيها الهدى

стр. 380

قد عرفت- أطال الله بقاء سيدي- العارية والمستعير وكيف جرى الأمر في ذلك، وما ظننت أن هذا يجري مجرى الماعون الذي لا يحسن منعه ولا يقع المعرض موقعه بل يسلّ لوقته عن لابسه. - ١١٨- أحمد بن علي بن محمد أبو عبد الله الرماني النحوي المعروف بابن الشرابي: ذكره أبو القاسم [١] فقال: سمع عبد الوهاب بن حسن الكلابي وأبا الفرج الهيثم بن أحمد الفقيه وأبا القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحسن بن علي بن يعقوب بن أبي العقب. حدث بكتاب «اصلاح المنطق» ليعقوب بن السكيت عن أبي جعفر محمد بن أحمد الجرجاني عن أبي علي الحسن بن إبراهيم الآمدي عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن ابن السكيت. روى [٢] عنه ابو نصر ابن طلاب الخطيب. قال ابن الاكفاني: حدثنا عبد العزيز بن أحمد الكناني توفي أبو عبد الله احمد بن علي الرماني الشرابي النحوي يوم الجمعة ليومين مضيا من ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة. - ١١٩- أحمد بن علي بن خيران الكاتب المصري أبو محمد : الملقب بوليّ الدولة، صاحب ديوان الانشاء بمصر بعد أبيه، وكان أبوه أيضا فاضلا بليغا أعظم قدرا من ابنه

стр. 381

وأكثر علما، وكان أبو محمد هذا يتقلّد ديوان الانشاء للظاهر ثم للمستنصر، وكان رزقه في كلّ سنة ثلاثة آلاف دينار، وله عن كلّ ما يكتبه من السجلات والعهود وكتب التقليدات رسوم يستوفيها من كل شيء يحسبه، وكان شابا حسن الوجه جميل المروءة واسع النعمة طويل اللسان جيّد العارضة. وسلّم إلى أبي منصور ابن الشيرازي رسول [أبي] كاليجار إلى مصر من بغداد جزءين من شعره ورسائله، واستصحبهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضى أبي القاسم وغيره ممن يأنس به من رؤساء البلد، ويستشير في تخليدهما دار العلم، لينفذ بقية الديوان والرسائل إن علم أنّ ما أنفذه منها ارتضي واستجيد، وانه فارقه حيا، ثم ورد الخبر بأنه مات في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في أيام المستنصر. قال ابن عبد الرحيم: ووقع إليّ الجزء من الشعر فتأملته فما وجدته طائلا، وعرّفني الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن أن الرسائل صالحة سليمة، قال: وقد انتزعت من المنظوم، على خلوّه إلا من الوزن والقافية. فمن شعره: عشق الزمان بنوه جهلا منهم ... وعلمت سوء صنيعه فشنئته نظروه نظرة جاهلين فغرّهم ... ونظرته نظر الخبير فخفته ولقد أتاني طائعا فعصيته ... وأباحني أحلى جناه فعفته ومن شعره أيضا: ولي لسان صارم حدّه ... يدمي إذا شئت ولا يدمى ومنطق ينظم شمل العلا ... ويستميل العرب والعجما ولو دجا الليل على أهله ... فأظلموا كنت لهم نجما ومن شعره أيضا: أخذ المجد يميني ... ليفيضنّ يميني ثم لا أرجىء إحسا ... نا إلى [من] يرتجيني ومن شعره أيضا: ولقد سموت على الأنام بخاطر ... الله أجرى منه بحرا زاخرا

стр. 382

فإذا نظمت نظمت روضا حاليا ... وإذا نثرت نثرت درا فاخرا وقال على لسان بعض العلويين يخاطب العباسيين [١] : وينطقنا فضل البدار إلى الهدى [٢] ... ويخرسكم عن ذكر فضل [لكم] بدر وقد كانت الشورى علينا غضاضة ... ولو كنتم فيها استطاركم الكبر ومن شعره أيضا: يا من إذا أبصرت طلعته ... سدّت عليّ مطالع الحزم قد كفّ لحظي عنك مذ كثرت ... فينا الظنون فكفّ عن ظلمي ومن شعره أيضا: حيّوا الديار التي أقوت مغانيها ... واقضوا حقوق هواها بالبكا فيها ديار فاترة الألحاظ فاتنة ... جنت عليك ولجّت في تجنيها ظلّت تسحّ دموعي في معاهدها ... سحّ السحاب إذا جادت عزاليها ومن شعره أيضا: أيها المغتاب لي حسدا ... مت بداء البغي والحسد حافظي من كلّ معتقد ... فيّ سوءا حسن معتقدي ومن شعره أيضا: أما ترى الليل قد ولّت كواكبه ... والصبح قد لاح وانبثت مواكبه ومنهل العيش قد طابت موارده ... والدهر وسنان قد أغفت نوائبه فقم بنا نغتنم صفو الزمان فما ... صفا الزمان لمخلوق يصاحبه ومن شعره أيضا [٣] : خلقت يدي للمكرمات ومنطقي ... للمعجزات ومفرقي للتاج

стр. 383

وسموت للعلياء أطلب غاية ... يشقى بها الغاوي ويحظى الراجي ومن شعره [١] : أنا شيعيّ لآل المصطفى ... غير أني لا أرى سبّ السلف ضأقصد الإجماع في الدين ومن ... قصد الاجماع لم يخش التلف لي بنفسي شغل عن كلّ من ... للهوى قرّظ قوما أو قذف ومن شعره: فقام يباهي غرة الشمس نوره ... وتنصف من ظلم الزمان عزائمه أغرّ له في العدل شرع يقيمه ... وليس له في الفضل ندّ يقاومه وقال على لسان ذلك الملك يخاطب الظاهر لاعزاز دين الله حين أمر بالختم على جميع ما له هذين البيتين، وكانا السبب في الإفراج عما أخذ منه والرضى عنه: من شيم المولى الشريف العلي ... ألّا يرى مطّرحا عبده وما جزا من جنّ من حبكم ... أن تسلبوه فضلكم عنده وكان ابن خيران قد خرج إلى الجيزة متنزها ومعه جماعة من أصحابه المتقدمين في الأدب والشعر والكتابة، وقد احتفوا به يمينا وشمالا، فأدّى بهم السير إلى مخاضة مخوفة، فلما رأى إحجام الجماعة من الفرسان عنها وظهور جزعهم منها قنّع بغلته فولّجها حتى قطعها، وانثنى قائلا مرتجلا: ومخاضة يلقى الردى من خاضها ... كنت الغداة إلى العدا خوّاضها وبذلت نفسي في مهاول خوضها ... حتى تنال من العلا أغراضها وله أيضا: من كان بالسيف يسطو عند قدرته ... على الأعادي ولا يبقى على أحد ضفإن سيفي الذي أسطو به أبدا ... فعل الجميل وترك البغي والحسد

стр. 384

وله أيضا: قد علم السيف وحدّ القنا ... أنّ لساني منهما أقطع والقلم الأشرف لي شاهد ... بأنني فارسه المصقع قال ابن عبد الرحيم: وهو كثير الوصف لشعره والثناء على براعته ولسنه، وجميع ما في الجزء بعد ما ذكرته لا حظّ فيه، وليس فيه مدح إلا في سلطانهم المستنصر، والباقي على نحو ما ذكرته في مراثي أهل البيت ﵈، ولو كان فيه ما يختار لاخترته. - ١٢٠- أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب أبو بكر البغدادي : الفقيه الحافظ أحد الأئمة المشهورين المصنفين المكثرين، والحفاظ المبرزين، ومن ختم به ديوان المحدّثين. سمع ببغداد شيوخ وقته، وبالبصرة وبالدينور وبالكوفة، ورحل إلى نيسابور في سنة خمس عشرة وأربعمائة وقدم دمشق سنة خمس وأربعين وأربعمائة حاجّا فسمع بها، ثم قدمها بعد فتنة البساسيري لاضطراب الأحوال ببغداد، فآذاه الحنابلة بجامع المنصور سنة إحدى وخمسين فسكنها مدة وحدث بها بعامّة كتبه ومصنفاته إلى صفر سنة سبع وخمسين، فقصد صور فأقام بها، وكان يتردد إلى القدس للزيارة ثم يعود إلى صور، إلى أن خرج من صور في سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتوجه إلى طرابلس وحلب، فأقام في كل واحدة من البلدتين أياما قلائل، ثم عاد إلى بغداد في أعقاب سنة اثنتين وستين وأقام بها سنة إلى أن توفي وحينئذ روى «تاريخ بغداد» . وروى عنه من شيوخه أبو بكر البرقاني والأزهري وغيرهما.

стр. 385

وقال غيث بن علي الصوري [١] : سألت أبا بكر الخطيب عن مولده فقال: ولدت يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. وكان [٢] الخطيب يذكر انه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات، أخذ بقول النبي ﷺ ماء زمزم لما شرب له، فالحاجة الأولى أن يحدّث بتاريخ بغداد ببغداد، والثانية أن يملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة أن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي. فلما عاد إلى بغداد حدّث بالتاريخ بها، ووقع إليه جزء فيه سماع الخليفة القائم بأمر الله، فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة وسأل أن يؤذن له في قراءة الجزء فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث فليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصّل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته، فسئل فقال: حاجتي أن يؤذن لي أن أملي بجامع المنصور، فتقدم الخليفة إلى نقيب النقباء بأن يؤذن له في ذلك، فحضر النقيب وأملى. ولما مات أرادوا دفنه عند قبر بشر بوصيّة منه، قال ابن عساكر [٣] : فذكر شيخنا إسماعيل بن أبي سعد الصوفي- وكان الموضع الذي بجنب بشر قد حفر فيه أبو بكر أحمد بن علي الطّريثيثي [٤] قبرا لنفسه وكان يمضي إلى ذلك الموضع فيختم فيه القرآن ويدعو، ومضى على ذلك عدة سنين- فلما مات الخطيب سألوه أن يدفنوه فيه فامتنع فقال: هذا قبري قد حفرته وختمت فيه عدة ختمات، ولا أمكن أحدا من الدفن فيه، وهذا مما لا يتصور. فانتهى الخبر إلى والدي فقال له: يا شيخ لو كان بشر في الأحياء ودخلت أنت والخطيب إليه أيكما كان يقعد إلى جنبه أنت أو الخطيب؟ فقال: لا بل الخطيب، فقال له: كذا ينبغي أن يكون في حالة الموت، فإنه أحقّ به منك، فطاب قلبه ورضي بأن يدفن الخطيب في ذلك الموضع فدفن فيه. وقيل إنه كان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري.

стр. 386

عن أبي الفرج الاسفرايني، كان الشيخ أبو بكر الخطيب معنا في طريق مكة، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب، قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون حدثنا فيحدثهم. وقال المؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من الخطيب. وذكر في «المنتظم» [١] ان الخطيب لقي في مكة أبا عبد الله ابن سلامة القضاعي فسمع منه بها، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد فقرب من رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة وزير القائم بأمر الله تعالى. وكان قد أظهر بعض اليهود كتابا وادّعى أنه كتاب رسول الله ﷺ باسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنه خطّ عليّ بن أبي طالب ﵁، فعرضه رئيس الرؤساء على أبي بكر الخطيب فقال: هذا مزوّر، فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وكان قد مات يوم الخندق في سنة خمس، فاستحسن ذلك منه. وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني أن رئيس الرؤساء تقدّم إلى القصّاص والوعّاظ أن لا يورد أحد حديثا عن رسول الله ﷺ حتى يعرضه على أبي بكر الخطيب، فما أمرهم بايراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه. ومن «المنتظم» [٢] قال: ولما جاءت نوبة البساسيري استتر الخطيب وخرج من بغداد إلى الشام وأقام بدمشق، ثم خرج إلى صور ثم إلى طرابلس وإلى حلب ثم عاد إلى بغداد في سنة اثنتين وستين فأقام بها سنة ثم مات. قال: وله ستة وخمسون مصنفا بعيدة المثل منها كتاب تاريخ بغداد. كتاب شرف أصحاب الحديث [٣] . كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع. كتاب الكفاية في معرفة علم الرواية. كتاب المتفق

стр. 387

والمفترق. كتاب السابق واللاحق. كتاب تلخيص المتشابه في الرسم. كتاب في التلخيص. كتاب الفصل والوصل. كتاب المكمل في بيان المهمل. كتاب الفقيه والمتفقه. كتاب الدلائل والشواهد على صحة العمل باليمين مع الشاهد. كتاب غنية المقتبس في تمييز الملتبس. كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة. كتاب الموضح وهو أوهام الجمع والتفريق. كتاب المؤتنف تكملة المختلف والمؤتلف. كتاب نهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب. كتاب الجهر بالبسملة. كتاب الخيل. كتاب رافع الارتياب في القلوب من الأسماء والالقاب. كتاب القنوت. كتاب التبيين لأسماء المدلّسين. كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد. كتاب من وافق كنيته اسم أبيه. كتاب من حدّث فنسي. كتاب رواية الآباء عن الابناء. كتاب الرحلة في طلب الحديث. كتاب الرواة عن مالك بن أنس. كتاب الاحتجاج للشافعي فيما أسند إليه والردّ على الجاهلين بطعنهم عليه. كتاب التفصيل لمبهم المراسيل. كتاب اقتضاء العلم العمل. كتاب تقييد العلم. كتاب القول في علم النجوم. كتاب روايات الصحابة عن التابعين. كتاب صلاة التسبيح. كتاب مسند نعيم بن همار [١] جزء. كتاب النهي عن صوم يوم الشك. كتاب الاجازة للمعلوم والمجهول. كتاب روايات السنة من التابعين. كتاب البخلاء. كتاب الطفيليين. كتاب الدلائل والشواهد. كتاب التنبيه والتوقيف على فضائل الخريف. قال ابن الجوزي: فهذا الذي ظهر لنا من تصانيفه، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيّء له مما لم يهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره. وحدث أبو سعد السمعاني [٢] ، قرأت بخطّ والدي، سمعت أبا الحسين ابن الطيوري ببغداد يقول: أكثر كتب الخطيب سوى التاريخ مستفاد من كتب الصوريّ [٣] ، كان الصوري بدأ بها ولم يتمها، وكانت للصوريّ أخت بصور، مات

стр. 388

وخلّف عندها اثني عشر عدلا محزوما من الكتب، فلما خرج الخطيب إلى الشام حصّل من كتبه ما صنف منها كتبه. قال: وكان سبب وفاة الصوري أنه افتصد، وكان الطبيب الذي فصده قد أعطي مبضعا مسموما ليفصد به غيره، فغلط ففصده فقتله. قال ابن الجوزي [١] عند سماع هذه الحكاية: وقد يضع الانسان طريقا فتسلك، وما قصّر الخطيب على كلّ حال. وكان حريصا على علم الحديث، كان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسن القراءة فصيح اللهجة عارفا بالأدب، يقول الشعر الحسن. قال ابن الجوزي [٢] : ونقلت من خطه من شعره قوله: لعمرك ما شجاني رسم دار ... وقفت بها ولا ذكر المغاني ولا أثر الخيام أراق دمعي ... لأجل تذكري عهد الغواني ولا ملك الهوى يرما قيادي ... ولا عاصيته فثنى عناني رأيت فعاله بذوي التصابي ... وما يلقون من ذلّ الهوان فلم أطمعه فيّ وكم قتيل ... له في الناس لا يحصى وعان طلبت أخا صحيح الودّ محضا ... سليم الغيب مأمون اللسان فلم أعرف من الإخوان إلا ... نفاقا في التباعد والتداني وعالم دهرنا لا خير فيه ... ترى صورا تروق بلا معاني ووصف جميعهم هذا فما إن ... أقول سوى فلان أو فلان ولما لم أجد حرّا يؤاتي ... على ما ناب من صرف الزمان صبرت تكرما لفراغ دهري ... ولم أجزع لما منه دهاني ولم أك في الشدائد مستكينا ... أقول لها ألا كفّي كفاني ولكني صليب العود عود ... ربيط الجأش مجتمع الجنان أبيّ النفس لا أختار رزقا ... يجيء بغير سيفي أو سناني

стр. 389

لعزّ في لظى باغيه يشوى ... ألذّ من المذلة في الجنان ومن طلب المعالي وابتغاها ... أدار لها رحى الحرب العوان ومن شعره أيضا [١] : لا تغبطنّ أخا الدنيا لزخرفها ... ولا للذة وقت عجّلت فرحا فالدهر أسرع شيء في تقلّبه ... وفعله بيّن للخلق قد وضحا كم شارب عسلا فيه منيّته ... وكم تقلّد سيفا من به ذبحا قال أبو الفرج ابن الجوزي [٢] : وكان الخطيب قديما على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي وتعصّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمّهم وصرّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: سيّد المحدّثين، وفي ترجمة الشافعي تاج الفقهاء فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال [٣] في ترجمة حسين الكرابيسي انه قال عن أحمد: أيش نعمل بهذا الصبي، إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق قال بدعة، وان قلنا غير مخلوق قال بدعة، ثم التفت إلى أصحاب أحمد فقدح فيهم بما أمكن. وله دسائس في ذمهم عجيبة، وذكر شيئا مما زعم أبو الفرج أنه قدح في الحنابلة وتأول له، ثم قال: أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي عن أبيه قال سمعت إسماعيل بن أبي الفضل القومسي، وكان من أهل المعرفة بالحديث يقول: ثلاثة من الحفاظ لا أحبّهم لشدة تعصبهم وقلة إنصافهم: الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر الخطيب. قال أبو الفرج: وصدق إسماعيل، وكان من أهل المعرفة [٤] فإن الحاكم كان متشيعا ظاهر التشيّع، والآخران كانا يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة. قال: وما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن الحديث جاء في ذمّ الكلام، وقد أكدّ الشافعيّ في هذا حتى قال: رأيي في أصحاب الكلام أن يحملوا على البغال ويطاف بهم. قال:

стр. 390

وكان للخطيب شيء من المال، فكتب إلى القائم بأمر الله، إني إذا متّ كان مالي لبيت المال، وأنا استأذن أن أفرّقه على من شئت، فأذن له ففرقه على أصحاب الحديث، وكان مائتي دينار، ووقف كتبه على المسلمين وسلّمها إلى أبي الفضل ابن خيرون فكان يعزها، ثم صارت إلى ابنه الفضل فاحترقت في داره. ووصّى الخطيب أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب. قال ابن طاهر: سألت أبا القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي قلت: هل كان أبو بكر الخطيب كتصانيفه في الحفظ؟ فقال: لا، كنا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، وكانت له بادرة وحشة، وأما تصانيفه فمصنوعة مهذّبة، ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه. وذكر أبو سعد السمعاني في ترجمة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز قال: سمع جميع كتاب تاريخ مدينة السلام من مصنفه أبي بكر الخطيب الحافظ إلا الجزء السادس والثلاثين فإنه قال: توفيت والدتي واشتغلت بدفنها والصلاة عليها، ففاتني هذا الجزء وما أعيد لي، لأن الخطيب كان قد شرط في الابتداء أن لا يعاد الفوت لأحد، فبقي الجزء غير مسموع. قال السمعاني: لما رجعت إلى خراسان حصل لي تاريخ الخطيب بخطّ شجاع بن فارس الذهلي الأصل الذي كتبه بخطّه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وعلى وجه كلّ واحد من الأجزاء مكتوب سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن ولأخيه عبد المحسن، الا هذا الجزء السادس والثلاثين [والجزء ... ] فإنه كتب على وجهيهما إجازة لأبي غالب وابنه أبي منصور، وشجاع أعرف الناس فيكون قد فاته الجزءان المذكوران لا جزء واحد. ونقلت من خط أبي سعد السمعاني ومنتخبه لمعجم شيوخ عبد العزيز بن محمد النخشبي قال [١] : ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، يخطب في بعض قرى بغداد، حافظ فهم، ولكنه كان يتّهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني
следующие страницы →