← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عن أبي الفرج الاسفرايني، كان الشيخ أبو بكر الخطيب معنا في طريق مكة، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب، قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون حدثنا فيحدثهم. وقال المؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من الخطيب. وذكر في «المنتظم» [١] ان الخطيب لقي في مكة أبا عبد الله ابن سلامة القضاعي فسمع منه بها، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد فقرب من رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة وزير القائم بأمر الله تعالى. وكان قد أظهر بعض اليهود كتابا وادّعى أنه كتاب رسول الله ﷺ باسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنه خطّ عليّ بن أبي طالب ﵁، فعرضه رئيس الرؤساء على أبي بكر الخطيب فقال: هذا مزوّر، فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وكان قد مات يوم الخندق في سنة خمس، فاستحسن ذلك منه. وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني أن رئيس الرؤساء تقدّم إلى القصّاص والوعّاظ أن لا يورد أحد حديثا عن رسول الله ﷺ حتى يعرضه على أبي بكر الخطيب، فما أمرهم بايراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه. ومن «المنتظم» [٢] قال: ولما جاءت نوبة البساسيري استتر الخطيب وخرج من بغداد إلى الشام وأقام بدمشق، ثم خرج إلى صور ثم إلى طرابلس وإلى حلب ثم عاد إلى بغداد في سنة اثنتين وستين فأقام بها سنة ثم مات. قال: وله ستة وخمسون مصنفا بعيدة المثل منها كتاب تاريخ بغداد. كتاب شرف أصحاب الحديث [٣] . كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع. كتاب الكفاية في معرفة علم الرواية. كتاب المتفق

стр. 387

والمفترق. كتاب السابق واللاحق. كتاب تلخيص المتشابه في الرسم. كتاب في التلخيص. كتاب الفصل والوصل. كتاب المكمل في بيان المهمل. كتاب الفقيه والمتفقه. كتاب الدلائل والشواهد على صحة العمل باليمين مع الشاهد. كتاب غنية المقتبس في تمييز الملتبس. كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة. كتاب الموضح وهو أوهام الجمع والتفريق. كتاب المؤتنف تكملة المختلف والمؤتلف. كتاب نهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب. كتاب الجهر بالبسملة. كتاب الخيل. كتاب رافع الارتياب في القلوب من الأسماء والالقاب. كتاب القنوت. كتاب التبيين لأسماء المدلّسين. كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد. كتاب من وافق كنيته اسم أبيه. كتاب من حدّث فنسي. كتاب رواية الآباء عن الابناء. كتاب الرحلة في طلب الحديث. كتاب الرواة عن مالك بن أنس. كتاب الاحتجاج للشافعي فيما أسند إليه والردّ على الجاهلين بطعنهم عليه. كتاب التفصيل لمبهم المراسيل. كتاب اقتضاء العلم العمل. كتاب تقييد العلم. كتاب القول في علم النجوم. كتاب روايات الصحابة عن التابعين. كتاب صلاة التسبيح. كتاب مسند نعيم بن همار [١] جزء. كتاب النهي عن صوم يوم الشك. كتاب الاجازة للمعلوم والمجهول. كتاب روايات السنة من التابعين. كتاب البخلاء. كتاب الطفيليين. كتاب الدلائل والشواهد. كتاب التنبيه والتوقيف على فضائل الخريف. قال ابن الجوزي: فهذا الذي ظهر لنا من تصانيفه، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيّء له مما لم يهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره. وحدث أبو سعد السمعاني [٢] ، قرأت بخطّ والدي، سمعت أبا الحسين ابن الطيوري ببغداد يقول: أكثر كتب الخطيب سوى التاريخ مستفاد من كتب الصوريّ [٣] ، كان الصوري بدأ بها ولم يتمها، وكانت للصوريّ أخت بصور، مات

стр. 388

وخلّف عندها اثني عشر عدلا محزوما من الكتب، فلما خرج الخطيب إلى الشام حصّل من كتبه ما صنف منها كتبه. قال: وكان سبب وفاة الصوري أنه افتصد، وكان الطبيب الذي فصده قد أعطي مبضعا مسموما ليفصد به غيره، فغلط ففصده فقتله. قال ابن الجوزي [١] عند سماع هذه الحكاية: وقد يضع الانسان طريقا فتسلك، وما قصّر الخطيب على كلّ حال. وكان حريصا على علم الحديث، كان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسن القراءة فصيح اللهجة عارفا بالأدب، يقول الشعر الحسن. قال ابن الجوزي [٢] : ونقلت من خطه من شعره قوله: لعمرك ما شجاني رسم دار ... وقفت بها ولا ذكر المغاني ولا أثر الخيام أراق دمعي ... لأجل تذكري عهد الغواني ولا ملك الهوى يرما قيادي ... ولا عاصيته فثنى عناني رأيت فعاله بذوي التصابي ... وما يلقون من ذلّ الهوان فلم أطمعه فيّ وكم قتيل ... له في الناس لا يحصى وعان طلبت أخا صحيح الودّ محضا ... سليم الغيب مأمون اللسان فلم أعرف من الإخوان إلا ... نفاقا في التباعد والتداني وعالم دهرنا لا خير فيه ... ترى صورا تروق بلا معاني ووصف جميعهم هذا فما إن ... أقول سوى فلان أو فلان ولما لم أجد حرّا يؤاتي ... على ما ناب من صرف الزمان صبرت تكرما لفراغ دهري ... ولم أجزع لما منه دهاني ولم أك في الشدائد مستكينا ... أقول لها ألا كفّي كفاني ولكني صليب العود عود ... ربيط الجأش مجتمع الجنان أبيّ النفس لا أختار رزقا ... يجيء بغير سيفي أو سناني

стр. 389

لعزّ في لظى باغيه يشوى ... ألذّ من المذلة في الجنان ومن طلب المعالي وابتغاها ... أدار لها رحى الحرب العوان ومن شعره أيضا [١] : لا تغبطنّ أخا الدنيا لزخرفها ... ولا للذة وقت عجّلت فرحا فالدهر أسرع شيء في تقلّبه ... وفعله بيّن للخلق قد وضحا كم شارب عسلا فيه منيّته ... وكم تقلّد سيفا من به ذبحا قال أبو الفرج ابن الجوزي [٢] : وكان الخطيب قديما على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي وتعصّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمّهم وصرّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: سيّد المحدّثين، وفي ترجمة الشافعي تاج الفقهاء فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال [٣] في ترجمة حسين الكرابيسي انه قال عن أحمد: أيش نعمل بهذا الصبي، إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق قال بدعة، وان قلنا غير مخلوق قال بدعة، ثم التفت إلى أصحاب أحمد فقدح فيهم بما أمكن. وله دسائس في ذمهم عجيبة، وذكر شيئا مما زعم أبو الفرج أنه قدح في الحنابلة وتأول له، ثم قال: أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي عن أبيه قال سمعت إسماعيل بن أبي الفضل القومسي، وكان من أهل المعرفة بالحديث يقول: ثلاثة من الحفاظ لا أحبّهم لشدة تعصبهم وقلة إنصافهم: الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر الخطيب. قال أبو الفرج: وصدق إسماعيل، وكان من أهل المعرفة [٤] فإن الحاكم كان متشيعا ظاهر التشيّع، والآخران كانا يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة. قال: وما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن الحديث جاء في ذمّ الكلام، وقد أكدّ الشافعيّ في هذا حتى قال: رأيي في أصحاب الكلام أن يحملوا على البغال ويطاف بهم. قال:

стр. 390

وكان للخطيب شيء من المال، فكتب إلى القائم بأمر الله، إني إذا متّ كان مالي لبيت المال، وأنا استأذن أن أفرّقه على من شئت، فأذن له ففرقه على أصحاب الحديث، وكان مائتي دينار، ووقف كتبه على المسلمين وسلّمها إلى أبي الفضل ابن خيرون فكان يعزها، ثم صارت إلى ابنه الفضل فاحترقت في داره. ووصّى الخطيب أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب. قال ابن طاهر: سألت أبا القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي قلت: هل كان أبو بكر الخطيب كتصانيفه في الحفظ؟ فقال: لا، كنا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، وكانت له بادرة وحشة، وأما تصانيفه فمصنوعة مهذّبة، ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه. وذكر أبو سعد السمعاني في ترجمة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز قال: سمع جميع كتاب تاريخ مدينة السلام من مصنفه أبي بكر الخطيب الحافظ إلا الجزء السادس والثلاثين فإنه قال: توفيت والدتي واشتغلت بدفنها والصلاة عليها، ففاتني هذا الجزء وما أعيد لي، لأن الخطيب كان قد شرط في الابتداء أن لا يعاد الفوت لأحد، فبقي الجزء غير مسموع. قال السمعاني: لما رجعت إلى خراسان حصل لي تاريخ الخطيب بخطّ شجاع بن فارس الذهلي الأصل الذي كتبه بخطّه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وعلى وجه كلّ واحد من الأجزاء مكتوب سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن ولأخيه عبد المحسن، الا هذا الجزء السادس والثلاثين [والجزء ... ] فإنه كتب على وجهيهما إجازة لأبي غالب وابنه أبي منصور، وشجاع أعرف الناس فيكون قد فاته الجزءان المذكوران لا جزء واحد. ونقلت من خط أبي سعد السمعاني ومنتخبه لمعجم شيوخ عبد العزيز بن محمد النخشبي قال [١] : ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، يخطب في بعض قرى بغداد، حافظ فهم، ولكنه كان يتّهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني

стр. 391

بالسلام، فلقيته في بعض الأيام فلم يسلّم علي، ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عنّي لحقني بعض أصحابنا وقال لي: لقيت أبا بكر الخطيب سكران، فقلت له: قد لقيته متغيرا واستنكرت حاله ولم أعلم أنه سكران، ولعله قد تاب إن شاء الله. قال السمعاني: ولم يذكر عن الخطيب ﵀ هذا إلا النخشبي مع أني لحقت جماعة كثيرة من أصحابه. وقال في «المذيل» [١] والخطيب ﵀ في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار، كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم، وكان علّامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة، وكان مهيبا وقورا نبيلا خطيرا ثقة صدوقا متحريا، حجة فيما يصنفه ويقوله وينقله ويجمعه، حسن النقل والخط، كثير الشكل والضبط، قارئا للحديث فصيحا، وكان في درجة الكمال والرتبة العليا خلقا وخلقا وهيئة ومنظرا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحفظه، وختم به الحفاظ ﵀. بدأ سماع الحديث سنة ثلاث وأربعمائة وقد بلغ احدى عشرة سنة من عمره. قال: وسمعت بعض مشايخي يقول: دخل بعض الأكابر جامع دمشق أو صور ورأى حلقة عظيمة للخطيب، والمجلس غاصّ، يسمعون منه الحديث، فقعد إلى جانبه وكأنه استكثر الجمع، فقال له الخطيب: القعود في جامع المنصور مع نفر يسير أحبّ إلي من هذا. قال: وسمعت أبا الفتح مسعود بن محمد بن أحمد أبي نصر الخطيب بمرو يقول، سمعت أبا عمر النسوي يعرف [بابن] ليلى يقول: كنت في جامع صور عند الخطيب، فدخل عليه بعض العلوية وفي كمه دنانير وقال للخطيب: فلان، وذكر بعض المحتشمين من أهل صور، يسلّم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مهماتك، فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه، وقطّب وجهه، فقال العلوي: فتصرفه إلى بعض أصحابك، قال قل له: يصرفه إلى من يريد، فقال العلوي: كأنك تستقلّه ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها وقال: هذه ثلاثمائة دينار، فقام الخطيب محمر الوجه وأخذ السجادة ونفض الدنانير على الأرض وخرج من المسجد.

стр. 392

قال الفضل ابن ليلى: ما أنسى عزّ خروج الخطيب وذلّ ذلك العلوي وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقوق الحصر ويجمعها. وحدث باسناد رفعه إلى الخطيب قال: حدثت ولي عشرون سنة، حين قدمت من البصرة كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء أدخلها في تصانيفه وسألني فقرأتها عليه وذلك في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. وحدث قال: ذكر أبو الفضل ناصر السلامي قال: كان أبو بكر الخطيب من ذوي المروءات، حدثني أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب اللغوي قال: لما دخلت دمشق في سنة ست وخمسين كان بها إذا ذاك الامام أبو بكر الحافظ، وكانت له حلقة كبيرة يجتمعون في بكرة كلّ يوم فيقرأ لهم، وكنت أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فكان إذا مر في كتابه شيء يحتاج إلى إصلاح يصلحه ويقول: أنت تريد مني الرواية وأنا أريد منك الدراية، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليّ يوما وسط النهار وقال: أحببت أن أزورك في بيتك، وقعد عندي وتحدثنا ساعة، ثم أخرج قرطاسا فيه شيء وقال لي: الهدية مستحبّة وأسألك أن تشتري به الاقلام، ونهض ففتحت القرطاس بعد خروجه فإذا فيه خمسة دنانير صحاح مصرية، ثم إنه مرة ثانية صعد وحمل إليّ ذهبا وقال لي: تشتري به كاغدا، وكان نحوا من الأول أو أكثر، قال: وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ معربا صحيحا. وقال أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الحافظ الاصبهاني يمدح مؤلفات الخطيب [١] : تصانيف ابن ثابت الخطيب ... ألذّ من الصبا الغضّ الرطيب يراها إذ حواها من رواها ... رياضا تركها رأس الذنوب [٢] ويأخذ حسن ما قد صاغ منها ... بقلب الحافظ الفطن الأريب فأيّة راحة ونعيم عيش ... يوازي كتبه أم أيّ طيب

стр. 393

وحدث محمد بن طاهر المقدسي، سمعت أبا القاسم مكي بن عبد السلام الرميلي يقول: كان سبب خروج أبي بكر الخطيب من دمشق إلى صور أنه كان يختلف إليه صبيّ صبيح الوجه- وقد سمّاه مكي أنا نكّبت عن ذكره- فتكلّم الناس في ذلك، وكان أمير البلدة رافضيا متعصبا، فبلغته القصة، فجعل ذلك سببا للفتك به، فأمر صاحب شرطته أن يأخذه بالليل ويقتله، وكان صاحب الشرطة من أهل السنة، فقصده صاحب الشرطة تلك الليلة مع جماعة من أصابه ولم يمكنه أن يخالف الأمير، فأخذه وقال له: قد أمرت بكذا وكذا، ولا أجد لك حيلة، إلا أني أعبر بك على دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي، فإذا حاذيت الباب فادخل الدار، فإني أرجع إلى الأمير وأخبره بالقصة، ففعل ذلك ودخل دار الشريف، وذهب صاحب الشرطة إلى الأمير وأخبره الخبر، فبعث الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال الشريف: أيها الأمير أنت تعرف اعتقادي فيه وفي أمثاله، ولكن ليس في قتله مصلحة، هذا رجل مشهور بالعراق وإن قتلته قتل به جماعة من الشيعة بالعراق وخرّبت المشاهد، قال: فما ترى؟ قال: أرى ان يخرج من بلدك، فأمر باخراجه فخرج إلى صور وبقي بها مدة إلى أن رجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات. ومن شعر الخطيب أيضا: قد شاب رأسي وقلبي ما يغيّره ... كرّ الدهور عن الإسهاب في الغزل وكم زمانا طويلا ظلت أعذله ... فقال قولا صحيحا صادق المثل حكم الهوى يترك الألباب حائرة ... ويورث الصبّ طول السقم والعلل وحبّك الشيء يعمي عن مقابحه ... ويمنع الأذن أن تصغي إلى العذل لا أسمع العذل في ترك الصبا أبدا ... جهدي فما ذاك من همي ولا شغلي من ادّعى الحبّ لم تظهر دلائله ... فحبّه كذب قول بلا عمل وله أيضا: تغيّب الخلق عن عيني سوى قمر ... حسبي من الخلق طرا ذلك القمر محلّه في فؤادي قد تملّكه ... وحاز روحي وما لي عنه مصطبر فالشمس أقرب منه في تناولها ... وغاية الحظّ منها للورى النظر

стр. 394

أردت تقبيله يوما مخالسة ... فصار من خاطري في خدّه أثر وكم حليم رآه ظنّه ملكا ... وراجع الفكر فيه أنه بشر قال عبد الخالق بن يوسف: أنشدني من لفظه الشيخ أبو العز أحمد بن عبد الله بن كادش عن الخطيب، وقال: هي في أبي منصور ابن النقور [١] : الشمس تشبهه والبدر يحكيه ... والدرّ يضحك والمرجان من فيه ومن سرى وظلام الليل معتكر ... فوجهه عن ضياء البدر يغنيه زوي له الحسن حتى حاز أحسنه ... لنفسه وبقي للخلق باقيه فالعقل يعجز عن تحديد غايته ... والوهم يقصر عن فحوى معانيه يدعو القلوب فتأتيه مسارعة ... مطيعة الأمر منه ليس تعصيه سألته زورة يوما فأعجزني ... وأظهر الغضب المقرون بالتيه وقال لي دون ما تبغي وتطلبه ... تناول الفلك الأعلى وما فيه رضيت يا معشر العشاق منه بأن ... أصبحت تعلم اني من محبيه وأن يكون فؤادي في يديه لكي ... يميته بالهوى منه ويحييه وله أيضا: بنفسي عاتب في كلّ حال ... وما لمحبه ذنب جناه حفظت عهوده ورعيت منه ... ذماما مثله لي ما رعاه حرمت وصاله إن كنت يوما ... جرى لي خاطر بهوى سواه ولو تلفي رضاه لهان عندي ... خروج الروح في طلبي رضاه وله أيضا: خمار الهوى يربي على نشوة الخمر ... وذو الحزم فيه ليس يصحو من السكر وللحبّ في الأحشاء حرّ أقلّه ... وأبرده يوفي على لهب الجمر أخبركم يا أيها الناس أنني ... عليم بأحوال المحبين ذو خبر

стр. 395

سبيل الهوى سهل يسير سلوكه ... ولكنه يفضي إلى مسلك وعر ويجمع أوصاف الهوى ونعوته ... لحرفين سعد الوصل أو شقوة الهجر وله أيضا: إلى الله أشكو من زماني حوادثا ... رمت بسهام البين في غرض الوصل أصابت بها قلبي ولم أقض منيتي ... ولو قتلتني كان أجمل بالفعل متى تتمايل بين قتل وفرقة ... تجد فرقة الأحباب شرا من القتل قال أبو بكر الخطيب: كتب معي أبو بكر البرقاني إلى أبي نعيم الأصبهاني الحافظ كتابا يقول في فصل منه: وقد نفذ إلى ما عندك عمدا متعمدا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت- أيده الله وسلمه- ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم به حسن. وقد رحل فيه وفي طلبه وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورّع والتحفظ وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته. وأنا أرجو إذا صحت منه لديك هذه الصفة أن يلين له جانبك، وأن تتوفر له وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في الاصطبار، فقديما حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحقّ منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلّ منهم. وقال الرئيس أبو الخطاب ابن الجراح يمدح الخطيب [١] : فاق الخطيب الورى صدقا ومعرفة ... وأعجز الناس في تصنيفه الكتبا حمى الشريعة من غاو يدنّسها ... بوضعه ونفى التدليس والكذبا جلا محاسن بغداد فأودعها ... تاريخه مخلصا لله محتسبا وقام في الناس بالقسطاس منحرفا [٢] ... عن الهوى وأزال الشكّ والريبا سقى ثراك أبا بكر على ظمأ ... جون ركام يسحّ الواكف السربا

стр. 396

ونلت فوزا ورضوانا ومغفرة ... إذا تحقق وعد الله واقتربا يا أحمد بن عليّ طبت مضطجعا ... وباء شانيك بالأوزار محتقبا وقال ابو القاسم: حدثني أبو محمد ابن الاكفاني حدثني أبو القاسم مكي بن عبد السلام المقدسي قال [١] : مرض الشيخ أبو بكر الخطيب ببغداد في نصف رمضان إلى ان اشتد به الحال غرّة ذي الحجة وأيسنا منه، وأوصى إلى أبي الفضل ابن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرّق جميع ما له في وجوه البر وعلى أهل العلم والحديث، وأخرجت جنازته من حجرد تلي المدرسة النظامية من نهر المعلى، وحمل جنازته أبو إسحاق الشيرازي [٢] وتبعه الفقهاء والخلق العظيم، وعبرت الجنازة على الجسر وحملت إلى جامع المنصور، وكان بين الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذبّ عن رسول الله ﷺ ، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله. وعبرت الجنازة بالكرخ ومعها ذلك الخلق العظيم. - ١٢١- أحمد بن علي بن قدامة ابو المعالي قاضي الأنبار : أحد العلماء بهذا الشأن المعروفين المشهورين به، وله من الكتب كتاب في علم القوافي. كتاب في النحو. مات في شوال سنة ست وثمانين وأربعمائة. - ١٢٢- أحمد بن علي بن عمر بن سوار المقرىء أبو طاهر : مات فيما ذكره

стр. 397

السمعاني في رابع شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة ودفن عند قبر معروف الكرخي. قال، وقال ابن ناصر أبو الفضل: أظنّ أن مولد ابن سوار في سنة ست عشرة وأربعمائة. قال: وسمعت أبا المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري [يقول] : سألت ابن سوار عن مولده فقال ولدت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. قال: وهو والد شيخينا أبي الفوارس هبة الله ومحمد، وكان ثقة أمينا مقرئا فاضلا، وكان حسن الأخذ للقرآن العظيم، ختم عليه جماعة كتاب الله، وكتب الكثير بخطه من الحديث، وصنف في القرآن «كتاب المستنير» وغيره، سمع [محمد بن] عبد الواحد بن رزمة صاحب أبي سعيد السيرافي النحوي وأبا القاسم علي بن المحسن التنوخي وأبا طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز وغيرهم، وروى عنه عبد الوهاب الأنماطي ومحمد بن ناصر الحافظان وغيرهما. قال: وسألت عنه الأنماطي فقال ثقة مأمون فيه خير ودين. وسألت عنه الحافظ ابن ناصر فأحسن الثناء عليه وقال: شيخ نبيل عالم ثبت متقن، ﵀. وأنشد السمعاني باسناده إلى ابن سوار المقرىء قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد السمسار، أنشدنا أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي لنفسه [١] : نعلّل بالدواء إذا مرضنا ... وهل يشفي من الموت الدواء ونختار الطبيب وهل طبيب ... يؤخر ما يقدمه القضاء وما أنفاسنا إلا حساب ... ولا حركاتنا إلا فناء وذكره أبو علي الحسين بن محمد بن فيّره الصدفي في شيوخه، فذكر نسبه ثم قال، البغدادي الضرير المقرىء، ولعله أضر على كبر، فإن المحب ابن النجار أخبرني أنه رأى خطه تحت الطباق متغيرا. سمع الصدفي منه كتابه المستنير وكتابه في المفردات، أفرد ما جمعه في المستنير. وقال: هو شيخ فاضل في الحنفية سمع كثيرا وحبس نفسه على إقراء القرآن.

стр. 398

وذكره أبو بكر ابن العربي في شيوخه فقال: واقف على اللغة مذاكر ثقة فاضل قرأ على أبوي علي الشرمقاني والعطار وأبي الحسن ابن فارس الخياط وابي الفتح ابن المقدر وأبي الفتح ابن شيطا وغيرهم. - ١٢٣- أحمد بن علي بن مخلد البيّادي الأديب أبو العباس : ذكره عبد الغافر فقال: أحد وجوه أفاضل النواحي المشهورين باللهجة الفصيحة في النظم والنثر، سمع الأحاديث وعني بجمعها. - ١٢٤- أحمد بن علي بن أبي جعفر محمد بن أبي صالح البيهقي ، أبو جعفر المقرىء اللغوي ويعرف ببو جعفرك، ومعنى هذه الكاف المزيدة في آخر الاسم الفارسي التصغير، يقولون في تصغير علي عليك، وفي تصغير حسن حسنك، وفي تصغير جعفر جعفرك، وما أشبهه: مات فيما ذكره أبو سعد السمعاني في مشيخة أبيه في سلخ شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، أخبرني بذلك الشيخ الامام أبو المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني عن والده، وأخبرني أيضا أن مولده في حدود سنة سبعين وأربعمائة. قال السمعاني: كان إماما في القراءة والتفسير والنحو واللغة، صنف التصانيف في ذلك، وانتشرت عنه في البلاد، وظهر له أصحاب نجباء وتخرج به خلق وكان

стр. 399

ملازما لبيته والمسجد القديم بنيسابور وكان إمامه، لا يخرج منه [١] إلا في أوقات الصلاة، وكان لا يزور أحدا إنما يقصده الناس إلى منزله للتعلم منه والتبرك به. سمع أبا نصر أحمد بن محمد بن صاعد القاضي وأبا الحسن علي بن الحسن بن العباس الصندلي الواعظ وغيرهما، وذكر وفاته كما تقدم. وذكر تاج الدين محمود بن أبي المعالي الخواريّ [٢] في مقدمة «كتاب ضالة الأديب» قال: أحمد بن علي البيهقي كان إماما في القراءات والأدب، حفظ «كتاب الصحاح» في اللغة عن ظهر قلب بعدما قرأه على أبي الفضل أحمد بن محمد الميداني وكتبا كثيرة، وله مؤلفات منها: كتاب المحيط بلغات القرآن. كتاب ينابيع اللغة جرّد فيه صحاح اللغة من الشواهد وضمّ إليه من تهذيب اللغة والشامل لأبي منصور الجبّان والمقاييس لابن فارس قدرا صالحا من الفوائد والفرائد، وهو كتاب صالح كبير الحجم يقرب حجمه من الصحاح. وله أيضا كتاب تاج المصادر. كتاب المحيط بعلم القرآن [٣] . وقال علي بن محمد بن علي زله الجويني يمدح بو جعفرك ويذكر كتابه «تاج المصادر» وقد راعى اللزوم: أبا جعفر يا من جعافر فضله ... موارد منها قد صفت ومصادر كتابك ذا غيل تأشّب نبته ... وأنت به ليث بخفّان خادر لبست صدار الصبر يا خير مصدر ... مصادر لا تنهى إليها المصادر فقل لرواة الفضل والأدب انتهوا ... اليها ونحو الريّ منها فبادروا - ١٢٥- أحمد بن علي بن إبراهيم بن الزبير الغساني الأسواني المصري يلقب

стр. 400

بالرشيد، وكنيته أبو الحسين: مات في سنة اثنتين وستين وخمسمائة مخنوقا- على ما نذكره. وكان كاتبا شاعرا فقيها نحويا لغويا ناشيا عروضيا مؤرخا منطقيا مهندسا عارفا بالطبّ والموسيقى والنجوم متفننا. قال السلفي [١] : أنشدني القاضي أبو الحسين [٢] أحمد بن علي بن إبراهيم الغساني الاسواني لنفسه بالثغر: سمحنا لدنيانا بما بخلت به ... علينا ولم نحفل بجلّ أمورها فيا ليتنا لما حرمنا سرورها ... وقينا أذى آفاتها وشرورها قال: وكان ابن الزبير هذا من أفراد الدهر فضلا في فنون كثيرة من العلوم، وهو من بيت كبير بالصعيد [من] الممولين، وولي النظر بثغر الاسكندرية والدواوين السلطانية بغير اختياره، وله تآليف ونظم ونثر التحق فيها بالأوائل المجيدين، قتل ظلما وعدوانا في محرم سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وله تصانيف معروفة لغير أهل مصر منها: كتاب منية الالمعي ومنيّة المدعي [٣] تشتمل على علوم كثيرة. كتاب المقامات. كتاب جنان الجنان وروضة الذهان في أربع مجلدات، يشتمل على شعر شعراء مصر ومن طرأ عليهم. كتاب الهدايا والطرف. كتاب شفاء الغلة في سمت القبلة. كتاب رسائله نحو خمسين ورقة. كتاب ديوان شعره نحو مائة ورقة. ومولده باسوان، وهي بلدة من صعيد مصر، وهاجر منها إلى مصر فأقام بها، واتصل بملوكها ومدح وزراءها وتقدّم عندهم، وأنفذ إلى اليمن في رسالة، ثم قلد قضاءها وأحكامها ولقب بقاضي قضاة اليمن وداعي دعاة الزمن. ولما استقرت بها داره سمت نفسه إلى رتبة الخلافة فسعى فيها، وأجابه قوم وسلّم عليه بها، وضربت له السكة، وكان نقش السكة على الوجه الواحد: قل هو الله أحد الله الصمد، وعلى الوجه الآخر الامام الأمجد أبو الحسين أحمد، ثم قبض عليه ونفذ مكبلا إلى قوص، فحكى من حضر دخوله إليها أنه رأى رجلا ينادي بين يديه: هذا عدو السلطان

стр. 401

أحمد بن الزبير وهو مغطّى الوجه حتى وصل إلى دار الامارة، والأمير بها يومئذ طرخان سليط [١] ، وكان بينهما ذحول قديمة، فقال: احبسوه في المطبخ الذي كان يتولّاه قديما، وكان ابن الزبير قد تولى المطبخ، وفي ذلك يقول الشريف الأخفش من أبيات يخاطب الصالح بن رزيك: يولّي على الشيء أشكاله ... فيصبح هذا لهذا أخا أقام على المطبخ ابن الزبير ... فولّى على المطبخ المطبخا فقال بعض الحاضرين لطرخان: ينبغي أن تحسن إلى الرجل فإن أخاه يعني المهذب حسن بن الزبير قريب من قلب الصالح، ولا أستبعد أن يستعطفه عليه فتقع في خجلة؛ قال: فلم يمض على ذلك غير ليلة أو ليلتين حتى ورد ساع من الصالح بن رزيك إلى طرخان بكتاب يأمره فيه باطلاقه والاحسان إليه، فأحضره طرخان من سجنه مكرما. قال الحاكي: فلقد رأيته وهو يزاحمه في رتبته ومجلسه. وكان السبب في تقدمه في الدولة المصرية في أول أمره ما حدّثني به الشريف أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد العزيز الادريسي الحسني الصعيدي قال، حدثني زهر الدولة حدثنا [ ... ] أن احمد بن الزبير دخل إلى مصر بعد مقتل الظافر وجلوس الفائز وعليه أطمار رثة وطيلسان صوف، فحضر المأتم وقد حضر شعراء الدولة فأنشدوا مراثيهم على مراتبهم، فقام في آخرهم وأنشد قصيدته التي أولها: ما للرياض تميل سكرا ... هل سقّيت بالمزن خمرا إلى أن وصل إلى قوله: أفكر بلاء بالعرا ... ق وكربلاء بمصر أخرى فذرفت العيون، وعج القصر بالبكاء والعويل، وانثالت عليه العطايا من كلّ جانب، وعاد إلى منزله بمال وافر حصل له من الأمراء والخدم وحظايا القصر، وحمل إليه من قبل الوزير جملة من المال، وقيل له لولا أنه العزاء والمأتم لجاءتك الخلع.

стр. 402

قال: وكان على جلالته وفضله ومنزلته من العلم والنسب قبيح المنظر أسود الجلدة جهم الوجه سمج الخلقة ذا شفة غليظة وأنف مبسوط كخلقة الزنوج قصيرا؛ حدثني الشريف المذكور عن أبيه قال: كنت أنا والرشيد بن الزبير والفقيه سليمان الديلمي نجتمع في القاهرة في منزل واحد، فغاب عنا الرشيد يوما وطال انتظارنا له، وكان ذلك في عنفوان شبابه وإبّان صباه وهبوب صباه، فجاءنا وقد مضى معظم النهار، فقلنا له: ما أبطأ بك عنا؟ فتبسم وقال: لا تسألوا عما جرى عليّ اليوم، فقلنا: لا بدّ من ذلك، فتمنع وألححنا عليه فقال: مررت اليوم بالموضع الفلاني وإذا امرأة شابة صبيحة الوجه وضيئة المنظر حسّانة الخلق ظريفة الشمائل، فلما رأتني نظرت إليّ نظر مطمع لي في نفسها، فتوهمت أنني وقعت منها بموقع ونسيت نفسي، وأشارت إليّ بطرفها فتبعتها وهي تدخل بي سكة وتخرج من أخرى حتى دخلت دارا، وأشارت إليّ فدخلت ورفعت النقاب عن وجه كالقمر في ليلة تمامه، ثم صفقت بيديها منادية يا ستّ الدار، فنزلت إليها طفلة كأنها فلقة قمر، فقالت لها: إن رجعت تبولين في الفراش تركت سيدنا القاضي يأكلك، ثم التفتت [إليّ] وقالت: لا أعدمني الله إحسانه بفضل سيدنا القاضي أدام الله عزه، فخرجت وأنا خزيان خجل لا أهتدي الطريق. وحدثني قال: اجتمع ليلة عند الصالح بن رزيك هو وجماعة من الفضلاء فألقى عليهم مسألة في اللغة، فلم يجب عنها بالصواب سواه، فأعجب الصالح، فقال الرشيد ما سئلت قطّ عن مسألة إلا وجدتني أتوقّد فهما، فقال ابن قادوس وكان حاضرا: إن قلت من نار خلق ... ت وفقت كلّ الناس فهما قلنا صدقت فما الذي ... أطفاك حتى صرت فحما وأما سبب مقتله فلميله إلى أسد الدين شيركوه عند دخوله إلى البلاد ومكاتبته له، واتصل ذلك بشاور وزير العاضد فطلبه، فاختفى بالاسكندرية، واتفق التجاء الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الاسنكدرية ومحاصرته لها، فخرج ابن الزبير راكبا متقلدا سيفا وقاتل بين يديه، ولم يزل معه مدة مقامه بالاسكندرية إلى أن خرج منها، فتزايد وجد شاور عليه، واشتد طلبه له، واتفق أن ظفر به على صفة لم تتحقق

стр. 403

لنا فأمر باشهاره على جمل وعلى رأسه طرطور ووراءه جلواز ينال منه. واخبرني الشريف الادريسي عن أبي الفضل بن أبي الفضل أنه رآه على تلك الحال الشنيعة وهو ينشد [١] : ان كان عندك يا زمان بقية ... مما تهين به الكرام فهاتها ثم جعل يهمهم شفتيه بالقرآن، وأمر به بعد إشهاره بمصر والقاهرة ان يصلب شنقا، فلما وصل به إلى الشنّاقة [٢] جعل يقول للمتولّي ذلك منه: عجّل عجّل، فلا رغبة لكريم في الحياة بعد هذه الحال، ثم صلب. حدثني الشريف المذكور قال: حدثني الثقة حجاج بن المسبح الاسواني أن ابن الزبير دفن في موضع صلبه، فما مضت الأيام والليالي حتى قتل شاور وسحب، فاتفق أن حفر له ليدفن فوجد الرشيد بن الزبير في الحفرة مدفونا فدفنا معا في موضع واحد، ثم نقل كلّ واحد منهما بعد ذلك إلى تربة له بقرافة مصر والقاهرة. ومن شعر الرشيد قوله يجيب أخاه المهذب عن قصيدته التي أولها: يا ربع أين ترى الأحبة يمموا ... رحلوا فلا خلت المنازل منهم ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم ... وسروا وقد كتموا العداة مسيرهم وضياء نور الشمس ما لا يكتم ... وتبدلوا أرض العقيق عن الحمى روّت جفوني أيّ أرض يمموا ... نزلوا العذيب وإنما في مهجتي نزلوا وفي قلب المتيم خيّموا ... ما ضرّهم لو ودعوا من أودعوا نار الغرام وسلّموا من أسلموا ... هم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا أو أيمنوا أو أنجدوا أو اتهموا ... وهم مجال الفكر من قلبي وإن بعد المزار فصفو عيشي معهم ... أحبابنا ما كان أعظم هجركم عندي ولكنّ التفرق أعظم ... غبتم فلا والله ما طرق الكرى جفني ولكن سحّ بعدكم الدم ... وزعمتم أني صبور بعدكم هيهات لا لقّيتم ما قلتم

стр. 404

وإذا سئلت بمن أهيم صبابة ... قلت الذين هم الذين هم هم النازلين بمهجتي وبمقلتي ... وسط السويدا والسواد الأكرم لا ذنب لي في البعد أعرفه سوى ... أني حفظت العهد لما خنتم فأقمت حين ظعنتم وعدلت ... لما جرتم وسهدت لما نمتم يا محرقا قلبي بنار صدودهم ... رفقا ففيه نار شوق تضرم أسعرتم فيه لهيب صبابة ... لا تنطفي إلّا بقرب منكم يا ساكني أرض العذيب سقيتم ... دمعي إذا ضنّ الغمام المرزم بعدت منازلكم وشطّ مزاركم ... وعهودكم محفوظة مذ غبتم لا لوم للأحباب فيما قد جنوا ... حكّمتهم في مهجتي فتحكموا أحباب قلبي أعمروه بذكركم ... فلطالما حفظ الوداد المسلم واستخبروا ريح الصّبا تخبركم ... عن بعض ما يلقى الفؤاد المغرم كم تظلمونا قادرين وما لنا ... جرم ولا سبب بمن يتظلم ورحلتم وبعدتم وظلمتم ... ونأيتم وقطعتم وهجرتم هيهات لا أسلوكم أبدا وهل ... يسلو عن البيت الحرام المحرم وأنا الذي واصلت حين قطعتم ... وحفظت أسباب الهوى إذ خنتم جار الزمان عليّ لما جرتم ... ظلما ومال الدهر لما ملتم وغدوت بعد فراقكم وكأنني ... هدف تمرّ بجانبيه الأسهم ونزلت مقهور الفؤاد ببلدة ... قلّ الصديق بها وقلّ الدرهم في معشر خلقوا شخوص بهائم ... يصدا بها فكر اللبيب ويبهم إن كورموا لم يكرموا أو علّموا ... لم يعلموا أو خوطبوا لم يفهموا لا تنفق الآداب عندهم ولا ال ... إحسان يعرف في كثير منهم صمّ عن المعروف حتى يسمعوا ... هجر الكلام فيقدموا ويقدّموا فالله يغني عنهم ويزيد في ... زهدي لهم ويفكّ أسري منهم

стр. 405

- ١٢٦- أحمد بن علي الصفاري الخوارزمي أبو الفضل : قال محمد بن أرسلان: كان من فضلاء خوارزم وبلغائهم وكتابهم، وله أشعار مونقة لطيفة، ورسائل لبقة خفيفة، جمع رسائله أبو حفص عمر بن الحسن [١] بن المظفر الأديبي وجعلها على خمسة عشر بابا، وذكر في أول جمعه: وبعد فإني رغبت في مطالعة رسائل، تكون إلى التخريج في البراعة وسائل، ثم تقلبت وتطلبت، فلم أر أعذب في السمع وأعلق بالطبع وأجرى في ميدان أهل الزمان من غرر أبي الفضل الصفاري، ثم ذكرت ما كان بينه وبين والدي ﵀ من المحبة المشتبكة اشتباك الرحم الجارية في عروقها مجرى الدم، والأخوة الصافية من الكدر الباقية على الغير، فاقترحت عليه أن يلقي إليّ ما حصل لديه من رقاعه الصادرة إليه، فأجابني إلى ملتمسي، فدونت ما ألقاه إليّ من إنشائه، وألحقت به ما وجدته عند غيره من أودّائه، وهذا أنموذج من كلامه: كتب عن أبي سعيد سهل بن أحمد السهلي إلى عميد الملك أبي نصر الكندري حين أنهض ولده إلى حضرته: كتابي- أطال الله بقاء الشيخ السيد- وأنا معترف برقّ ولائه، متصرف في شكر سوابق آلائه، حامد الله تعالى على تظاهر أسباب عزه وعلائه، ولم أزل منذ حرمت التشرف بخدمته أنطوي على مبايعته وأتلظى شوقا إلى التسعد بخدمة حضرته التي هي مجمع الوفود، ومطلع الجود، وعصرة المنجود [٢] ، وأتمنى على الله تعالى حالا تدنيني من جنابه الرحب، ومشرعه العذب، ومتى تذكرت تلك الأيام التي كانت تسعفني بالتمكن من خدمته التي هي مادة الجمال وغاية الآمال انثنيت بحسرة مرّة، وانطويت على غصّة مستمرة، وكم كاتبت شريف حضرته- لا زالت محسودة مأنوسة- فلم أؤهل لجواب، ولم أشرف بخطاب، فأمسكت عن العادة في المعاودة جريا على طريقة الأصاغر، في مراعاة حشمة الأكابر، ولو جريت في مكاتبة حضرته

стр. 406

على حكم الاعتقاد، والنية الخالصة في الوداد، لأكثرت حتى أضجرت، وهو بحمد الله أحسن أخلاقا وأوفر في الكرم والمجد خلاقا، من أن يرى عن قدماء خدمه متجافيا، ولخواصّ أصاغره جافيا، ولو كان رحيلي ممكنا لاستعملت في الخدمة قدمي دون قلمي، وحين عجزت عن ذلك لما أنا مدفوع إليه من اختلال الحال وتضاعف الاعتلال، أنهضت ولدي أبا الحسين خادمه نائبا عني في إقامة رسم حضرته التي من فاز بها فقد فاز وسعد، وعلا نجمه وصعد، فلا زال مولانا منيع الأركان، رفيع القدر والمكان، سابغ القدرة والإمكان، محروس العزّ والسلطان، تدين المقادير لأحكامه، وتجري السعود تحت راياته وأعلامه، آمين إن شاء الله. - ١٢٧- أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن المعمر بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله النقيب الطاهر، نقيب نقباء الطالبيين ابن النقيب الطاهر أبي الغنائم: أديب فاضل شاعر منشىء، له رسائل مدونة حسنة مرغوب فيها يتداولها [١] الناس، في مجلدين، وكان من ذوي الهيئات والمنزلة الخطيرة التي لا يجحدها أحد، وكان فيه كيس ومحبة لأهل العلم، وبينه وبين محمد بن الحسن بن حمدون مكاتبات كتبناها في ترجمته [٢] ، وكان وقورا عاقلا جدا، تولى النقابة بعد أبيه في سنة ثلاثين وخمسمائة، ولم يزل على ذلك إلى أن مات في سنة تسع وستين وخمسمائة تاسع عشر جمادى الآخرة، فيكون قد ولي النقابة تسعا وثلاثين سنة، وبداره بالحريم الطاهري كانت وفاته، وصلّى عليه جمع كثير، وتقدم في الصلاة عليه شيخ الشيوخ أبو القاسم

стр. 407

عبد الرحيم بن اسماعيل النيسابوري بوصية منه بذلك بعد مشاجرة جرت بينه وبين قثم بن طلحة نقيب الهاشميين، ودفن بداره المذكورة، ثم نقل بعد ذلك إلى المدائن فدفن بالجانب الغربي منها في مشهد أولاد الحسين بن علي ﵇. وكان قد سمع الحديث من أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي وأبي الحسن علي بن محمد بن العلاف وأبي الغنائم محمد بن علي الزينبي وغيرهم، وحدث عنهم. سمع منه أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع وأبو اسحاق إبراهيم بن محمود بن الشعار والشريف أبو الحسن علي بن أحمد اليزيدي وغيرهم. وله كتاب ذيله على «منثور المنظوم» لابن خلف النيرماني، وكتاب آخر مثله في انشائه. وكانت حرمته في الأيام المقتفوية وأمره لم ير أحد من النقباء مثلهما مقدرة وبسطة، ثم مرض مرضة شارف فيها التلف، فولي ولده الأسنّ النقابة موضعه، ثم أفاق من مرضه واستمرّ ولده على النقابة حتى عزل عنها، ومات ولده في سنة ثلاث وخمسين ولم تعد منزلته إلى ما كانت عليه في أيام المستنجد لأسباب جرت من العلويين. - ١٢٧ ب- أحمد بن علويه الأصبهاني الكراني : قال حمزة: كان صاحب لغة يتعاطى التأديب ويقول الشعر الجيد، وكان من أصحاب أبي علي لغذة [١] ، ثم رفض صناعة التأديب وصار في ندماء أحمد بن عبد العزيز ولد ابن أبي دلف العجلي، وله رسائل [٢] مختارة، دوّنها أبو الحسن أحمد بن سعد في كتابه المصنّف في الرسائل [٣] . وله ثمانية كتب في الدعاء من إنشائه، ورسالة في الشيب والخضاب، وله شعر جيد كثير منه في أحمد بن عبد العزيز العجلي:

стр. 408

يرى مآخير ما يبدو أوائله ... حتى كأنّ عليه الوحي قد نزلا ركن من العلم لا يهفو لمحفظة ... ولا يحيد وإن أبرمته جدلا إذا مضى العزم لم ينكث عزيمته ... ريب ولا خيف منه نقض ما قبلا بل يخرج الحيّة الصمّاء مطرقة ... من جحرها ويحطّ الأعصم الوعلا وله فيه: اذا ما جنى الجاني عليه جناية ... غفا كرما عن ذنبه لا تكرّما ويوسعه رفقا يكاد لبسطه ... يودّ بريء القوم لو كان مجرما وله يهجو زامرا اسمه حمدان: حذار يا قوم من حمدان وانتبهوا ... حذار يا سادتي من زامر زاني فما يبالي إذا ما دبّ مغتلما ... بدا بصاحب دار أو بضيفان يلهي الرجال بمزمار فإن سكروا ... ألهى النساء بمزمار له ثاني ومن شعره: حكم الغناء تسمّع ومدام ... ما للغناء مع الحديث نظام لو أنني قاض قضيت قضية ... إنّ الحديث مع الغناء حرام قال حمزة: وله وأنشدنيها في سنة عشر وثلاثمائة، وله ثمان وتسعون سنة: دنيا مغبّة من أثرى بها عدم ... ولذة تنقضي من بعدها ندم وفي المنون لأهل اللبّ معتبر ... وفي تزوّدهم منها التقى غنم والمرء يسعى لفضل الرزق مجتهدا ... وما له غير ما قد خطّه القلم كم خاشع في عيون الناس منظره ... والله يعلم منه غير ما علموا قال: وقال بعد أن أتت عليه مائة: حنى الدهر من بعد استقامته ظهري ... وأفضى إلى ضحضاح عيشته عمري ودبّ البلى في كلّ عضو ومفصل ... ومن ذا الذي يبقى سليما على الدهر

стр. 409

قال: ولأحمد بن علويه قصيدة على ألف قافية، شيعية، عرضت على أبي حاتم السجستاني فأعجب بها وقال: يا أهل البصرة غلبكم أهل أصبهان. وأول هذه القصيدة: ما بال عينك ثرّة الإنسان ... عبرى اللحاظ سقيمة الأجفان وقال أحمد بن علويه يهجو الموفق لما أنفذ الأصبغ رسولا إلى أحمد بن عبد العزيز العجلي يأمره بانفاذ قطعة من جيشه: أدّى رسالته وأوصل كتبه ... وأتى بأمر لا أبا لك معضل قال اطّرح ملك اصبهان وعزّها ... وابعث بعسكرك الخميس الجحفل فعلمت أن جوابه وخطابه ... عضّ الرسول ببظر أمّ المرسل - ١٢٨- أحمد بن عمر البصري النحوي : روى عن أبي عبد الله محمد بن المعلى بن عبد الله الأزدي عن أبي بشر عن أبي المفرج الأنصاري عن ابن السكيت. - ١٢٩- أحمد بن عمران بن سلامة الألهاني أبو عبد الله النحوي يعرف بالأخفش [١] : قديم ذكره أبو بكر الصولي في الكتاب الذي ألفه في «شعراء مصر» فقال: كان نحويا لغويا، وأصله من الشام وتأدّب بالعراق، فلما قدم مصر أكرمه

стр. 410

إسحاق بن عبد القدوس وأخرجه إلى طبرية فأدّب ولده، وله أشعار كثيرة في أهل البيت ﵈، منها: إن بني فاطمة الميمونه ... الطيبين الأكرمين الطينه ربيعنا في السنة الملعونه ... كلهم كالروضة المهتونه قال: وحدثني علي بن سراج قال، حدثني جعفر بن أحمد قال قال لي أحمد بن عمران، قال الهيثم بن عدي: ممن أنت؟ قلت: أنا من ألهان أخي همدان، قلت: نعم هم غرس الجن يسمع به ولا يرى، ما رأيت ألهانيا قبلك. قال: وكان الألهاني قد نزل على رعل، حيّ من بني سليم، فلم يقروه فقال: تضيفت بغلتي والأرض معشبة ... رعلا وكان قراها عندهم عدس [١] وأكلبا كأسود الغاب ضارية ... وواقفات [٢] بأيدي أعبد عبس والعام أرغد والأيام فاضلة ... وما ترى في سواد الحيّ من قبس يستوحشون من الضيف الملمّ بهم ... ويأنسون إلى ذي السّوءة الشرس وله يمدح جعفر بن جدلة: إذا استسلم المال عند الهذيل ... فمال الفتى جعفر خاسر وإن ضنّ جازره بالمدى ... فإن الحسام له حاضر - ١٣٠- أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي ، وقال ابن الجوزي: أحمد بن زكريا بن

стр. 411

فارس، ولا يعاج به. مات سنة تسع وستين وثلاثمائة، وقال قبل وفاته بيومين: يا ربّ إن ذنوبي قد أحطت بها ... علما وبي وباعلاني وإسراري أنا الموحّد لكنّي المقرّ بها ... فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري ووجد بخط الحميدي أن ابن فارس مات في حدود سنة ستين وثلاثمائة، وكل منهما لا اعتبار به، لأني وجدت خطّ كفه على «كتاب تتمة الفصيح» من تصنيفه، وقد كتبه في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وذكره الحافظ السلفي في «شرح مقدمة معالم السنن» للخطابي فقال: أصله من قزوين [١] . وقال غيره: أخذ أحمد بن فارس عن أبي بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب وأبي الحسن علي بن إبراهيم القطان وأبي عبد الله أحمد بن طاهر المنجم وعلي بن عبد العزيز المكي صاحب أبي عبيد وأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. وكان ابن فارس يقول: ما رأيت مثل أبي عبد الله أحمد بن طاهر ولا رأى هو مثل نفسه. وكان ابن فارس قد حمل إلى الريّ بأخرة ليقرأ عليه مجد الدولة أبو طالب ابن فخر الدولة علي بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي صاحب الري، فأقام بها قاطنا [٢] ، وكان الصاحب بن عباد يكرمه ويتتلمذ له ويقول: «شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف وأمن فيه من التصحيف» . وكان كريما جوادا لا يبقي شيئا، وربما سئل فوهب ثياب جسمه وفرش بيته. وكان فقيها شافعيا فصار مالكيا وقال: دخلتني الحمية لهذا البلد- يعني الريّ- كيف لا يكون فيه رجل على مذهب هذا الرجل المقبول القول على جميع الألسنة. وله من التصانيف: كتاب المجمل. وكتاب متخير الألفاظ. كتاب فقه اللغة. كتاب غريب إعراب القرآن. كتاب تفسير أسماء النبي ﵇. كتاب مقدمة [نحو] . كتاب دارات العرب. كتاب حلية الفقهاء. كتاب الفرق. كتاب مقدمة

стр. 412

الفرائض. كتاب ذخائر الكلمات. كتاب شرح رسالة الزهري إلى عبد الملك بن مروان. كتاب الحجر. كتاب سيرة النبي ﷺ ، كتاب صغير الحجم. كتاب الليل والنهار. كتاب العمّ والخال. كتاب أصول الفقه. كتاب أخلاق النبي ﷺ . كتاب الصاحبي صنفه لخزانة الصاحب. كتاب جامع التأويل في تفسير القرآن، أربع مجلدات. كتاب الشيات والحلى. كتاب خلق الإنسان. كتاب الحماسة المحدثة. كتاب مقاييس اللغة، وهو كتاب جليل لم يصنف مثله. كتاب كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين [١] . وحدث ابن فارس، سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسا من هذيل فجاريتهم ذكر شعرائهم فما عرفوا أحدا منهم، ولكني رأيت أمثل الجماعة رجلا فصيحا وأنشدني [٢] . إذا لم تحظ في أرض فدعها ... وحثّ اليعملات على وجاها ولا يغررك حظّ أخيك فيها ... إذا صفرت يمينك من جداها ونفسك فز بها إن خفت ضيما ... وخلّ الدار تحزن من بناها [٣] فإنك واجد أرضا بأرض ... ولست بواجد نفسا سواها ومن شعر ابن فارس: وقالوا كيف أنت فقلت خير ... تقضّى حاجة وتفوت حاج إذا ازدحمت هموم القلب [٤] قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج نديمي هرتي وسرور قلبي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج

стр. 413

ومن شعره في همذان [١] : سقى همذان الغيث لست بقائل ... سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرّم وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين وما في جوف بيتي درهم وله أيضا: إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم وله أيضا: مرّت بنا هيفاء مقدودة ... تركيّة تنمى لتركيّ ترنو بطرف فاتن فاتر ... كأنها حجّة نحوي قال الثعالبي: حدثني ابن عبد الوارث النحوي قال: كان الصاحب منحرفا عن أبي الحسين ابن فارس لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم، فأنفذ إليه من همذان «كتاب الحجر» من تأليفه، فقال الصاحب: «ردّ الحجر من حيث جاءك» [٢] . ثم لم تطب نفسه بتركه فنظر فيه وأمر له بصلة. ولابن فارس في «اليتيمة» [٣] : يا ليت لي ألف دينار موجهة ... وأن حظّي منها فلس فلّاس قالوا فما لك منها قلت تخدمني ... لها ومن أجلها الحمقى من الناس

стр. 414

وله أيضا: اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه إياك واحذر أن تبيت من الثقات على ثقه وله أيضا: وصاحب لي أتاني يستشير وقد ... أراد في جنبات الأرض مضطربا قلت اطّلب أيّ شيء شئت واسع ورد ... منه الموارد إلا العلم والأدبا وله أيضا: إذا كان يؤذيك حرّ المصيف ... وكرب الخريف وبرد الشتا ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي متى وله أيضا: عتبت عليه حين ساء صنيعه ... وآليت لا أمسيت طوع يديه فلما خبرت الناس خبر مجرّب ... ولم أر خيرا منه عدت إليه وله أيضا: تلبّس لباس الرضا بالقضا ... وخلّ الأمور لمن يملك تقدّر أنت وجاري القضاء ... مما تقدّره يضحك قال يحيى بن منده الاصبهاني: سمعت عمي عبد الرحمن بن محمد بن العبدي يقول، سمعت أبا الحسين أحمد بن زكريا بن فارس النحوي يقول: دخلت بغداد طالبا للحديث، فحضرت مجلس بعض أصحاب الحديث وليست معي قارورة، فرأيت شابا عليه سمة جمال، فاستأذنته في كتب الحديث من قارورته فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان فقد استحقّ الحرمان. قال عبد الرحمن بن منده: وسمعت ابن فارس يقول: سمعت أبا أحمد [١] بن

стр. 415

أبي التيار يقول: أبو أحمد العسكري يكذب على الصولي، مثلما كان الصولي يكذب على الغلابي، مثلما كان الغلابي يكذب على سائر الناس. قرأت بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم السلمي، وجدت بخطّ ابن فارس على وجه المجمل، والأبيات له، ثم قرأتها على سعد الخير الانصاري، وأخبرني أنه سمعها من ابن شيخه أبي زكريا عن سليمان بن أيوب عن ابن فارس: يا دار سعدى بذات الضال من إضم ... سقاك صوب حيا من واكف العين العين: سحاب ينشأ من قبل القبلة. إني لأذكر أياما بها ولنا ... في كلّ إصباح يوم قرة العين العين هاهنا: عين الانسان وغيره. تدني معشّقة منا معتقة ... تشجّها عذبة من نابع العين العين هاهنا: ما ينبع منه الماء. إذا تمززها شيخ به طرق ... سرت بقوتها في الساق والعين العين هاهنا: عين الركبة، والطرق: ضعف الركبتين. والزقّ ملآن من ماء السرور فلا ... نخشى تولّه ما فيه من العين العين هاهنا: ثقب يكون في المزادة، وتوله الماء أن يتسرب. وغاب عذّالنا عنّا فلا كدر ... في عيشنا من رقيب السوء والعين العين هاهنا: الرقيب. يقسم الودّ فيما بيننا قسما ... ميزان صدق بلا بخس ولا عين العين هاهنا: العين في الميزان. وفائض المال يغنينا بحاضره ... فنكتفي من ثقيل الدين بالعين العين هاهنا: المال الناضّ. والمجمل المجتبى تغني فوائده ... حفّاظه عن كتاب الجيم والعين

стр. 416

قال: وبخطه أيضا، سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسا من هذيل فجاريتهم ذكر شعرائهم. وجدت على نسخة قديمة بكتاب «المجمل» من تصنيف ابن فارس ما صورته: تأليف الشيخ أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الزهراوي الأستاذ خرذي [١] ، واختلفوا في وطنه فقيل كان من رستاق الزهراء من القرية المعروفة كرسف وجيانا باذ، وقد حضرت القريتين مرارا، ولا خلاف أنه قرويّ. حدثني والدي محمد بن أحمد، وكان من جملة حاضري مجالسه قال: أتاه آت فسأله عن وطنه فقال: كرسف، قال فتمثل الشيخ: بلاد بها شدّت عليّ تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها وكتبه مجمع بن محمد بن أحمد بخطه في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة. وكان في آخر هذا الكتاب ما صورته أيضا: قضى الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس ﵀ في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالريّ، ودفن بها مقابل مشهد قاضي القضاة أبي الحسن علي بن عبد العزيز يعني الجرجاني. أنشد أبو الريحان البيروني في «كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية [٢] لأحمد بن فارس: قد قال فيما مضى حكيم ... ما المرء إلا بأصغريه فقلت قول امرىء لبيب ... ما المرء إلا بدرهميه من لم يكن معه درهماه ... لم تلتفت عرسه إليه وكان من ذلّه حقيرا ... تبول سنّورة عليه وحدث هلال بن المظفر الريحاني قال: قدم عبد الصمد بن بابك الشاعر إلى

стр. 417

الري في أيام الصاحب، فتوقع أبو الحسين أحمد بن فارس أن يزوره ابن بابك ويقضي حقّ علمه وفضله، وتوقع ابن بابك أن يزوره ابن فارس ويقضي حقّ مقدمه، فلم يفعل أحدهما ما ظنّ صاحبه، فكتب ابن فارس إلى أبي القاسم ابن حسول: تعديت في وصلي فعدّي عتابك ... وأدني بديلا من نواكم إيابك تيقنت أن لم أحظ والشمل جامع ... بأيسر مطلوب فهلا كتابك ذهبت بقلب عيل بعدك صبره ... غداة أرتنا المرقلات ذهابك وما استمطرت عيني سحابة ريبة ... لديك ولا ثنّت يميني سخابك ولا نقبت والصبّ يصبو لمثلها ... عن الوجنات الغانيات نقابك ولا قلت يوما عن قلى وسآمة ... لنفسك «سلّي عن ثيابي ثيابك» وأنت التي شيّبت قبل أوانه ... شبابي سقى الغرّ الغوادي شبابك تجنّيت ما أوفى وعاتبت ما كفى ... ألم يأن سعدى أن تكفّي عتابك وقد نبحتني من كلابك عصبة ... فهلّا وقد حالوا زجرت كلابك تجافيت من مستحسن البرّ جملة ... وجرت على بختي جفاء ابن بابك فلما وقف أبو القاسم الحسولي على الأبيات أرسلها إلى ابن بابك، وكان مريضا، فكتب جوابها بديها: وصلت الرقعة أطال الله بقاء الأستاذ وفهمتها، وأنا أشكو اليه الشيخ أبا الحسين فإنه صيرني فصلا لا وصلا، وزجا لا نصلا، ووضعني موضع الخلال من الموائد، وتمّت من أواخر القصائد، وسحب اسمي منها مسحب الذيل، وأوقعه موقع الذنب المحذوف من الخيل، وجعل مكاني مكان القفل من الباب، وفذلك من الحساب، وقد أجبت عن أبياته بأبيات أعلم ان فيها ضعفا لعلتين، علتي وعلتها، وهي: أيا أثلات الشّعب من مرج يابس ... سلام على آثاركنّ الدوارس لقد شاقني والليل في شملة الحيا ... اليكنّ توليع النسيم المخالس ولمحة برق مستميت كأنه ... تردّد لحظ بين أجفان ناعس فبتّ كأني صعدة يمنيّة ... تزعزع في نقع من الليل دامس

стр. 418

ألا حبّذا صبح اذا ابيضّ أفقه ... تصدّع عن قرن من الشمس وارس ركبت من الخلصاء تركب سيلها ... ورود المطيّ الحائمات الكوانس فيا طارق الزوراء قل لغيومها اس ... تهلّي على متن من الكرخ آنس وقل لرياض القفص تهدي نسيمها ... فلست على بعد المزار بآيس ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... لقى بين أقراط المها والمحابس وهل أرينّ الريّ دهليز بابل ... وبابل [١] دهليز إلى أرض فارس ويصبح ردم السدّ قفلا عليهما ... كما صرت قفلا في قوافي ابن فارس فعرض أبو القاسم الحسولي المقطوعين على الصاحب وعرفه الحال فقال: البادي أظلم والقادم يزار، وحسن العهد من الإيمان. - ١٣١- أحمد بن الفضل بن شبانة الكاتب أبو الصقر النحوي الهمذاني: من أهل همذان، ذكره شيرويه. كان يلقب بساسي دوير، مات سنة خمسين وثلاثمائة، روى عن إبراهيم بن الحسين بن ديزيل وأبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي وأبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي وأبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا العدوي وأبي بكر محمد بن خلف وكيع وأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب وأبي العباس محمد بن يزيد المبرد وأبي بكر ابن دريد النحوي وأبي الحسن علي بن سعيد السكّري وعلي بن الفضل الرشيدي وغيرهم. روى عنه أبو بكر أحمد بن علي بن لال [٢] وأبو العباس أحمد بن إبراهيم بن تركان وأبو الحسن إبراهيم بن جعفر الأسدي وأبو بكر خلف بن محمد الخياط وأبو عبد الله أحمد بن عمر الكاتب وابن روزبه وغيرهم. حدثنا عبد الملك بن عبد الغفار الفقيه لفظا، أخبرنا عبد الله بن عيسى الفقيه،

стр. 419

حدثنا محمد بن أحمد قال، سمعت أبا الصقر ابن شبانة الكاتب يقول: كنت بالبصرة فاستأذنت على أبي خليفة وعنده جماعة من الهاشميين يتغدون، فحبسني البواب، فكتبت في رقعة فناولتها بعض غلمانه، فناولها أبا خليفة: أبا خليفة تجفو من له أدب ... وتتحف الغرّ من أولاد عباس ما كان قدر رغيف لو سمحت به ... شيئا وتأذن لي في جملة الناس فلما وصلت إليه الرقعة قال: عليّ بالهمذاني صاحب الشعر، فأدخلت إليه فقدّم إليّ طبقا من رطب وأجلسني معه. - ١٣٢- أحمد بن الفضل بن محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الباطرقاني المقرىء : مات في الثاني والعشرين من صفر سنة ستين وأربعمائة بأصبهان، قال السمعاني: كان مقرئا فاضلا ومتحدثا مكثرا من الحديث، كتب بنفسه الكثير، وكان حسن الخطّ دقيقه. قرأ القرآن على جماعة من مشاهير القدماء بالروايات وصنّف التصانيف فيه منها: كتاب طبقات القراء. كتاب الشواذ. وصلّى بالناس إماما في الجامع الكبير سنين بعد المظفر بن الشبيب. سمع الحديث من أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن خرشيدة التاجر وجماعة، وروى لنا عن جماعة كثيرة. قال ابن منده: جرى ذكر الباطرقاني عند الامام عمي ﵀، والشيخ الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن محمد النخشبي وجماعة حاضرون، فقال عبد العزيز: صنّف مسندا ضمّنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري، إلا أنه كتب المتن من الأصل ثم ألحقه الاسناد، وهذا ليس من شرط أصحاب الحديث وأهله، يتكلم في مسائل لا يسع الموضع ذكرها، لو اقتصر على الإقراء والحديث كان خيرا له.

стр. 420

- ١٣٣- أحمد بن كامل بن شجرة بن منصور بن كعب بن يزيد أبو بكر القاضي : قال الخطيب: قال القاضي ابن كامل ولدت في سنة ستين ومائتين، قال: ومات في المحرم سنة خمسين وثلاثمائة. قال الخطيب: وكان ينزل في شارع عبد الصمد، وهو أحد أصحاب محمد بن جرير الطبري، وتقلّد قضاء الكوفة من قبل أبي عمر محمد بن يوسف، وكان من العلماء بالأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر وأيام الناس والتواريخ وأصحاب الحديث، وله مصنفات في أكثر ذلك. قال النديم منها: كتاب غريب القرآن. كتاب القراءات. كتاب التقريب في كشف الغريب. كتاب موجز التأويل عن محكم التنزيل. كتاب التنزيل. كتاب الوقوف. كتاب التاريخ. كتاب المختصر في الفقه. كتاب الشروط الكبير. كتاب الشروط الصغير. كتاب البحث والحث. كتاب أمهات المؤمنين. كتاب الشعر. كتاب الزمان. كتاب أخبار القضاة. وكان قد اختار لنفسه مذهبا. قال الخطيب: وحدث ابن كامل عن محمد بن سعد العوفي ومحمد بن الجهم السمري وأبي قلابة الرقاشي وأحمد بن أبي خيثمة وأبي إسماعيل الترمذي. روى عنه الدارقطني وأبو عبد الله [١] المرزباني وحدثنا عنه ابن رزقويه وغيره، وقال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله. ولما بلغ الثمانين أنشدنا: عقد الثمانين عقد ليس يبلغه ... إلا المؤخّر للأخبار والغير قال: وأنشد القاضي ابن كامل لنفسه: صرف الزمان تنقل الأيام ... والمرء بين محلّل وحرام وإذا تقشعت الأمور تكشّفت ... عن فضل أيام وقبح أنام

стр. 421

وسئل الدارقطني عن ابن كامل فقال: كان متساهلا ربما حدث من حفظه بما ليس عنده في كتابه، وأهلكه العجب فإنه كان يختار ولا يضع لأحد من الأئمة أصلا. قيل له: أكان جريريّ المذهب؟ فقال: بل خالفه واختار لنفسه، وأملى كتابا في السير وتكلم على الاختيار [١] . أنبأنا الخطيب أبو الفضل عبيد الله بن أحمد بن عبد الله المنصوري قال، حدثنا أبو منصور موهوب بن الجواليقي، حدثنا ثابت بن بندار، حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن شجرة القاضي في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، حدثني عبد الله بن أحمد بن عيسى المقرىء يعرف بالفسطاطي، قال حدثنا أحمد بن سهل أبو عبد الرحمن، قال قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال: كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنّا عليه فلم يؤذن لنا، قال فقيل لنا: إنه لا يخرج اليكم أو يسمع القرآن، قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيّتا، فقلنا له: اقرأ، فقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (التكاثر: ١) ورفع بها صوته، قال: فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بلّ لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشّف بها الدموع من عينه، وأنشأ يقول: بلغت الثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمّل أو أنتظر أتاني ثمانون من مولدي ... وبعد الثمانين ما ينتظر؟ علتني السنون فأبلينني قال: ثم خنقته العبرة، قال وكان معنا علي بن خشرم فأتمه له فقال: فدقّت عظامي وكلّ البصر قال: ثم قال القاضي أحمد بن كامل: ولدت سنة ستين ومائتين، وأنشدنا: عقد الثمانين عقد ليس يبلغه ... إلا المؤخر للأخبار والغير

стр. 422

- ١٣٤- أحمد بن كليب النحوي : صاحب أسلم، الأندلسيّين، ذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في «المنتظم» ان أحمد بن كليب مات سنة ست وعشرين وأربعمائة، وذكر قصته التي أذكرها فيما بعد بعينها، ولا أدري من أين له هذه الوفاة، فإن الحميديّ ذكره في كتابه ولم يذكر وفاته. قال الحميدي: هو شاعر مشهور الشعر ولا سيما شعره في أسلم، وكان قد أفرط في حبّه حتى أدّاه ذلك إلى الموت، وخبره في ذلك طريف رواه محمد بن الحسن المذحجي قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحويّ [١] في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد ابن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان من أجمل من رأته العيون، وكان يجيء معنا إلى محمد بن خطاب: أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب البارع والشعر الرائق، فاشتدّ كلفه بأسلم وفارق صبره، وصرّف فيه القول متسترا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة وتنوشدت في المحافل، فلعهدي بعرس وفيه زامر يزمر في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم: أسلمني في هوا ... هـ أسلم هذا الرشا غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد ... سيسأل عمّا وشى ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس

стр. 423

على بابه، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلّا المرور على باب أسلم سائرا ومقبلا نهاره كلّه، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا، فإذا صلّى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحا وجلس على باب داره، فعيل صبر أحمد بن كليب، فتحيّل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتمّ بمثل عمائمهم، وأخذ باحدى يديه دجاجا وبالأخرى قفصا فيه بيض، وتحيّن جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبّل يده وقال: يأمر مولاي بأخذ هذا، فقال له أسلم: ومن أنت؟ قال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرّف أسماء ضياعه وأصحابه فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام، وتأمله فعرفه، فقال: يا أخي وهنا بلغت بنفسك وإلى هاهنا تبعتني؟! أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب وعن الخروج جملة وعن القعود على باب داري نهارا حتى قطعت عليّ جميع ما لي فيه راحة؟! قد صرت في سجنك، والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي [١] ولا قعدت ليلا ولا نهارا على بابي، ثم قام. وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا. قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب: قد خسرت دجاجك وبيضك، فقال: هات كلّ ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك، قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة وأضجعه المرض، قال: فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى؟ فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم فيّ البتة، فقلت له: وما دواؤك؟ قال: نظرة من أسلم، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك، وكان هو والله أيضا يؤجر. قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم، فتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة قال: وما هي؟ قلت له: قد علمت ما جمعك مع أحمد من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم ولكن قد تعلم أنه أشهر اسمي وآذاني، فقلت له: كلّ ذلك مغتفر في الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته، فقال: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلّفني هذا، فقلت له: لا بدّ، فليس عليك في ذلك شيء،

стр. 424

فإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت: فقم الآن فقال لي: لست والله أفعل ذلك، ولكن غدا، فقلت له: ولا خلف، فقال: نعم. قال: فانصرفت إلى أحمد بن كليب وأخبرته بوعده بعد تأبيه، فسرّ بذلك وارتاحت نفسه. قال: فلما كان من الغد بكّرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، فوجم وقال: والله لقد تحملني على خطّة صعبة، وما أدري كيف أطيق ذلك، فقلت له: لا بد من أن تفي بوعدك. فأخذ رداءه ونهض معي راجلا، فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، فلما توسط الدرب وقف واحمرّ وخجل وقال لي: الساعة والله أموت وما أستطيع أن أنقل قدمي ولا أن أعرض هذا على نفسي، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف؟ قال: لا سبيل والله إلى ذلك البتة، قال: ورجع مسرعا فاتبعته وأخذت بردائه فتمادى وتمزّق الرداء وبقيت قطعة منه في يدي، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل إليه إذ رآنا من أول الدرب مبشّرا، فلما رآني دونه تغير لونه وقال: وأين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستبشعت الحال وجعلت أترجّع وقمت، فثاب إليه ذهنه وقال لي يا أبا عبد الله: اسمع، وأنشد: أسلم يا راحة العليل ... رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل فقلت له: اتق الله، ما هذه العظيمة؟! فقال لي: قد كان ما كان. فخرجت عنه، فوالله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا، هذا قتيل الحبّ لا دية ولا قود. قال: وهذه قصة مشهورة عندنا، والرواة ثقات. وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان شاعرا أديبا. قال الحميدي: وقد رأيت ابنه أبا الجعد، قال: وذكرت هذه القصة لمحمد بن سعيد [١] الخولاني الكاتب فعرفها وقال لي: أخبرني الثقة، قال: لقد رأيت أسلم هذا

стр. 425

في يوم شديد المطر لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائرا له وقد تحيّن غفلة الناس في مثل ذلك الوقت. وكان أحمد بن كليب قد أهدى إلى أسلم في أول أمره «كتاب الفصيح» وكتب عليه: هذا كتاب الفصيح ... بكلّ لفظ مليح وهبته لك طوعا ... كما وهبتك روحي وقرأت في «كتاب الديارات» للخالدي [١] حكاية أعجبني أمر صاحبها، وأحببت أن يكون لها موضع من كتابي هذا، وكأن المثل يذكر بالمثل، ذكرتها عقيب خبر أحمد بن كليب فانهما خبران متقاربان، قال حدثني أبو الحسين يحيى بن الحسين الكندي الحراني الشاعر، قال حدثني أبو بكر أحمد بن محمد الصنوبري قال: كان بالرها ورّاق يقال له سعيد، وكان في دكانه مجلس كلّ أديب، وكان حسن الأدب والفهم يعمل شعرا رقيقا، وما كنّا نفارق دكانه أنا وأبو بكر المعوّج الشامي الشاعر وغيرنا من شعراء الشام وديار مصر، وكان لتاجر بالرها نصرانيّ من كبار تجارها ابن اسمه عيسى من أحسن الناس وجها وأحلاهم قدا وأظرفهم طبعا ومنطقا، وكان يجلس إلينا ويكتب عنا من أشعارنا، وجميعنا نحبّه ونميل إليه، وهو حينئذ صبي في الكتّاب، فعشقه سعيد الوراق عشقا مبرحا، وكان يعمل فيه الأشعار، فمن ذلك وقد جلس عنده في دكانه: اجعل فؤادي دواة والمداد دمي ... وهاك فابر عظامي موضع القلم وصيّر اللوح وجهي وامحه بيد ... فإن ذلك برء لي من السقم ترى المعلّم لا يدري بمن كلفي ... وأنت أشهر في الصبيان من علم ثم شاع بعشق الغلام في الرها خبره، فلما كبر وشارف الاحتلام [٢] أحبّ الرهبنة، وخاطب أباه وأمه في ذلك، والحّ عليهما حتى أجاباه وخرجا به إلى دير زكّى بنواحي الرقة، وهو في نهاية حسنه، فابتاعا له قلّاية، ورفعا إلى رأس الدير جملة من المال عنها، فأقام الغلام فيها. وضاقت على سعيد الوراق الدنيا بما رحبت، وأغلق
следующие страницы →