← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال الحافظ الإمام السمعاني: سمعت أبا القاسم الطريفي يقول: سمعت أبا سعد الهرويّ المؤدب يقول: سئل سفيان الثوريّ عن التقوى فأنشد: إني وجدت فلا تظنّوا غيره ... هذا التورّع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركته ... فاعلم بأن هناك تقوى المسلم وكان الرشيد محمد بن محمد بن عبد الجليل الملقب بالوطواط [١] كاتب الإنشاء لخوارزمشاه [٢] من تلاميذ الشيخ أبي سعد آدم بن أحمد الهروي وانتقل الرشيد من بلخ إلى خوارزم وأقام بها في خدمة خوارزمشاه أشهرا. وكان يكاتب الشيخ أبا سعد ويخضع له ويقر بفضله فمما كتب إليه رسالة نسختها [٣] : كتابي وفي الأحشاء وجد على وجد ... إلى الصدر مولانا الأجلّ أبي سعد أشمّ طويل الباع أصبح رافعا ... إلى قمة الأفلاك ألوية المجد سراة بني الإسلام عقد جواهر ... وفيهم أبو سعد كواسطة العقد سقى الله أيامنا بالعقيق ودهورنا [٤] باللوى، وأعوامنا بالخليصاء وشهورنا بالحمى؛ فإن هذه المعاني، لألفاظ المسرّات كالمعاني: جنينا [٥] فيه أثمار أطايب الأماني، من أشجار وصال الغواني؛ لا بل سقى مواقفنا ببلخ في المدرسة النظامية، واجتماعنا في المجالس الأجليّة الإمامية: مجالس مولانا أبي سعد الذي ... به سعد الأيام والدين والدنيا همام حوى يوم الفخار بنانه ... على رغم آناف العدى قصب العليا

стр. 37

الامام أبو سعد، وما أدراك ما الإمام أبو سعد، سعد كلّه، خير قوله وفعله، صاحب جيوش الفصاحة، ومالك رقاب البلاغة، وناظم عقد المحامد، وجامع شمل المكارم، وناشر أردية الفضل والكرم، وعامر أبنية الأدب والحكم: لله درّ إمام كلّه أدب ... بفضله يتحلّى العجم والعرب [١] الله يعلم أني وإن شطّ المزار، وشحطت الديار، لا أقطع أكثر أوقاتي، ولا أزجي أغلب ساعاتي، إلا في مدح معاليه، وشرح أياديه، لو أنفقت جميع عمري في ذلك، وسلكت طول دهري تلك المسالك: لما كنت أقضي بعض واجب حقه ... ولا كنت أحصي من صنائعه عشرا وكيف لا أبالغ في ثنائه، ولا أواظب على دعائه، وهو الذي رفع قدري وشرح للآداب صدري، وسقاني كؤوس العلم وأحشائي صادية، وكساني حلل الفضل وعوراتي بادية، اغترفت ما اغترفت من بحاره، واقتطفت ما اقتطفت من ثماره: وأنت الذي عرفتني طرق العلا ... وأنت الذي هدّيتني كلّ مقصد وأنت الذي بلّغتني كلّ رتبة ... مشيت إليها فوق أعناق حسّدي عبد مجلسه الشريف أخي عمر، أيده الله، ورد من خراسان ذاكرا لما يجري على لسانه الكريم في المجالس والمحافل، بين أيدي الأكابر والأماثل، من مدحي وثنائي، وتقريظي وإطرائي، فما استبدعت ذلك من خصائص [٢] كرمه، ولا استغربته من لطائف شيمه. وكانت كلماته حاملة إياي على هذا التصديع، لمجلسه الرفيع، ورأيه في سحب ذيل العفو على هذا التجاسر، وتبليغ تحيتي الى القارئين عليه والمختلفين إليه من أبناء جنسي، وشركاء درسي، يقتضي الشرف، والسلام.

стр. 38

- ٢- أبان بن تغلب بن رياح الجريري أبو سعيد البكري مولى بني جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل: ذكره أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي [١] في مصنفي الإمامية [٢] ومات أبان في سنة إحدى وأربعين ومائة. قال أبو جعفر: هو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة في أصحابنا لقي أبا محمد علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله ﵈ [٣] وروى عنهم، وكانت له عندهم حظوة وقدم، قال له أبو جعفر: اجلس في مسجد [٤] المدينة وأفت الناس فإني أحبّ أن أرى في شيعتي مثلك. وقال أبو عبد الله لما أتاه نعيه: أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان [قال] : وكان قارئا فقيها لغويا نبيها [٥] تبدّى وسمع من العرب وحكى عنهم، وصنف كتاب الغريب في القرآن وذكر شواهده من الشعر، فجاء فيما بعد عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي فجمع من كتاب أبان ومحمد بن السائب الكلبي وأبي روق عطية بن الحارث فجعله كتابا واحدا وبيّن ما اختلفوا فيه وما اتفقوا عليه، فتارة يجيء كتاب أبان مفردا، وتارة يجيء مشتركا على ما عمله عبد الرحمن. ولأبان أيضا كتاب الفضائل.

стр. 39

- ٣- أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي يعرف بالأحمر البجليّ أبو عبد الله مولاهم: ذكره أبو جعفر الطوسي في «كتاب أخبار مصنّفي الإمامية» [١] وقال: أصله الكوفة [٢] وكان يسكنها تارة والبصرة أخرى، وقد أخذ عنه من أهل البصرة أبو عبيدة معمر بن المثنّى وأبو عبد الله محمد بن سلّام الجمحي، وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء [٣] والنسب والأيام. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى بن جعفر، وما عرف من مصنّفاته إلا كتاب جمع فيه المبدأ والمبعث والمغازي والوفاة والسقيفة والردّة. - ٤- إبراهيم بن أحمد بن محمد توزون الطبري النحوي : أحد أهل الفضل والأدب، سكن بغداد وصحب أبا عمر الزاهد، وكتب عنه كتاب الياقوتة، وعلى النسخة التي بخطه الاعتماد من كتاب أبي عمر [٤] كما ذكرناه في ترجمة أبي عمر [٥]

стр. 40

ولقي أكابر العلماء من هذه الطبقة، وكان صحيح النقل جيّد الخطّ والضبط. ذكر أبو القاسم [بن] الثلاج أنه حدثه عن إبراهيم بن عبد الوهاب الأبزاري الطبري صاحب أبي حاتم السجستاني. لا أعرف له تصنيفا غير جمعه لشعر أبي نواس فإنها رواية مشهورة بأيدي الناس. وقال أبو القاسم التنوخي: حدثني أبو الحسن الطبري غلام الزاهد غلام ثعلب. وكان منقطعا إلى بني حمدان، وقرأت بخطه قصيدة شبيل بن عزرة الضّبعي [١] وقد قرأها على أبي عمر الزاهد وتناولها من أبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه وقد قرأ عليه إلى «سيبا من حر سئل» [٢] ثم قال: بلغت بقراءتي إلى هاهنا، وقال لي ابن درستويه قد دفعت إليك كتابي بخطي من يدي إلى يدك، وقد أجزت لك القصيدة فاروها عنّي فإن هذا ينوب عن السماع والقراءة- فقبلت ذلك منه- وكتب إبراهيم بن محمد الطبري الروياني بخطه والاعتماد عليه أولى، ولكن الخطيب قال: إبراهيم بن أحمد بن محمد المعروف بتيزون، فإن كان نسب نفسه الى جدّه فذاك، والله أعلم. - ٥- إبراهيم بن أحمد بن الليث الأزدي اللغوي الكاتب : لا أعرف من حاله إلا ما قاله السّلفيّ: أنشدني أبو القاسم الحسن بن أبي الفتح الهمذاني قال: أنشدني أبو المظفر إبراهيم بن أحمد بن الليث الأزدي اللغوي الكاتب، قدم علينا همذان وقد حضر مجلسه الأدباء والنحاة لمحلّه من الأدب:

стр. 41

وقد أغدو وصاحبتي محوص ... على عذراء ناء بها الرهيص [١] كان بني النحوص على ذراها ... حوائم ما لها عنه محيص - ٦- إبراهيم بن إسحاق الحربي : نقلت من كتاب أبي بكر الخطيب قال: إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربي، ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وثمانين ومائتين في ذي الحجة، ودفن في بيته في شارع باب الأنبار، وكان الجمع كثيرا جدا. وكان قد سمع أبا نعيم الفضل بن دكين وعفّان بن مسلم وعبيد الله بن محمد بن عائشة وأحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وعبيد الله القواريري وخلقا من أمثالهم. روى عنه موسى بن هارون الحافظ ويحيى بن صاعد وأبو بكر ابن أبي داود والحسين المحاملي ومحمد بن مخلد وأبو بكر الأنباري النحوي وأبو عمر الزاهد صاحب ثعلب وخلق كثير غيرهم. وكان إماما في العلم رأسا في الزهد، عارفا بالفقه بصيرا بالأحكام، حافظا للحديث مميزا لعلله، قيما بالأدب جماعا للغة، وصنّف كتبا كثيرة منها: كتاب غريب الحديث [٢] ، وأصله من مرو؛ وكان يقول أمي تغلبية وأخوالي نصارى أكثرهم. وقيل: لم سمّيت إبراهيم

стр. 42

الحربي؟ فقال: صحبت قوما من الكرخ على الحديث وعندهم ما جاز القنطرة العتيقة من الحربية [١] فسموني الحربي بذلك. وحدّث [٢] أحمد بن عبد الله بن خالد بن ماهان المعروف بابن أسد قال: سمعت إبراهيم الحربيّ يقول: أجمع عقلاء الأمة أنه من لم يجر مع القدر لم يهنأ بعيشه، كان يكون قميصي أنظف قميص وإزاري أوسخ إزار، ما حدثت نفسي أنهما يستويان قط، وفرد عقبي مقطوع، وفرد عقبي الآخر صحيح، أمشي بهما وأدور بغداد كلّها هذا الجانب وذاك الجانب، لا أحدّث نفسي أني أصلحهما، وما شكوت إلى أمي ولا إلى أختي ولا إلى امرأتي ولا إلى بناتي قطّ حمّى وجدتها؛ الرجل هو الذي يدخل غمه على نفسه ولا يغمّ عياله، كان بي شقيقة خمسا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا، وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين [٣] في اليوم والليلة إن جاءتني بهما امرأتي أو إحدى بناتي أكلت وإلا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الأخرى، والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كان برنيا، أو نيفا وعشرين إن كان دقلا [٤] . ومرضت ابنتي فمضت امرأتي فأقامت عندها شهرا فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف. ودخلت الحمام واشتريت لهم صابونا بدانقين فقام نفقة شهر رمضان كلّه بدرهم وأربعة دوانيق ونصف، ولا تروّحت [٥] ولا روّحت قطّ ولا أكلت من شيء واحد في يوم مرتين. وحدث [٦] أحمد بن سليمان القطيعي قال: أضقت إضاقة شديدة فمضيت إلى إبراهيم الحربي لأبثّه ما أنا فيه، فقال لي: لا يضيق [٧] صدرك فإنّ الله من وراء المعونة. وإني أضقت مرة حتى انتهى أمري في الإضافة إلى أن عدم عيالي القوت،

стр. 43

فقالت لي الزوجة: هب أني وإياك نصبر فكيف نصنع بهاتين الصبيتين؟ فهات شيئا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه، فضننت بذلك وقلت: اقترضي لهما شيئا وأنظريني بقية اليوم والليلة، وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي، فكنت أجلس فيه للنسخ والنظر، فلما كان في تلك الليلة إذا داقّ يدقّ الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: رجل من الجيران، فقلت: ادخل، فقال أطف السراج حتى أدخل، فكببت على السراج شيئا وقلت: ادخل، فدخل وترك إلى جانبي شيئا وانصرف، فكشفت عن السراج ونظرت فإذا منديل له قيمة وفيه أنواع من الطعام وكاغد فيه خمسمائة درهم، فدعوت الزوجة وقلت: أنبهي الصبيان حتى يأكلوا. ولما كان من الغد قضينا دينا كان علينا من تلك الدراهم. وكان [وقت] [١] مجيء الحاجّ من خراسان، فجلست على بابي من غد تلك الليلة، وإذا جمّال يقود جملين عليهما حملان ورقا وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربي، فانتهى إليّ فقلت: أنا إبراهيم الحربي، فحطّ الحملين وقال: هذان الحملان أنفذهما لك رجل من أهل خراسان، فقلت: من هو؟ فقال: قد استحلفني ألا أقول لك من هو. وحدث [٢] أبو عثمان الرازي قال: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن [أمر] أمير المؤمنين تفرقة ذلك، فردّه وانصرف الرسول ثم عاد فقال له: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرّقة في جيرانك، فقال له: عافاك الله، هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين إن تركتنا وإلّا تحوّلنا من جوارك. وحدث أبو القاسم الجبّلي [٣] قال: اعتلّ إبراهيم بن إسحاق الحربيّ علة حتى أشرف على الموت، فدخلت عليه يوما فقال: يا أبا القاسم أنا في أمر عظيم مع

стр. 44

ابنتي، ثم قال لها: قومي واخرجي إلى عمك، فخرجت وألقت على وجهها خمارها، فقال إبراهيم: هذا عمّك كلميه، فقالت لي: يا عمّ نحن في أمر عظيم لا في الدنيا ولا في الآخرة، والشهر والدهر ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح، وربما عدمنا الملح، وبالأمس قد وجّه إلينا المعتضد مع بدر [١] بألف دينار فلم يأخذها، ووجّه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منها شيئا، وهو عليل، فالتفت الحربيّ إليها وتبسّم وقال: يا بنية إنما خفت الفقر؟ فقالت: نعم، فقال لها: انظري إلى تلك الزاوية، فنظرت فإذا كتب، فقال لها: هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبته بخطي، إذا مت فوجّهي في كلّ يوم بجزء تبيعينه بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم ليس هو فقيرا. وحدث أبو عمر الزاهد وابن المنادي [٢] : سمعت ثعلبا مرارا يقول: ما فقدت إبراهيم الحربي في مجلس لغة أو نحو خمسين سنة. وحدث أبو بكر الشافعّي قال [٣] ، قال إبراهيم الحربيّ: ما أخذت على علم قطّ أجرا إلّا مرة واحدة فإني وقفت على بقال فوزنت له قيراطا إلا فلسا، فسألني عن مسألة فأجبته فقال للغلام: أعط بقيراط ولا تنقصه شيئا، فزادني فلسا. وحدث [٤] إبراهيم الحربي وقد سألوه عن حديث عباس البقال فقال: خرجت إلى الكبش [٥] ووزنت لعباس البقال دانقا إلا فلسا فقال لي: يا أبا إسحاق حدثني حديثا في السخاء فلعلّ الله يشرح صدري فأعمل شيئا، قال: قلت له نعم، روي عن الحسن بن عليّ ﵄ أنه كان مارا في بعض حيطان المدينة فرأى أسود وبيده رغيف يأكل منه لقمة ويطعم الكلب لقمة إلى أن شاطره الرغيف، فقال له الحسن: ما

стр. 45

حملك على أن شاطرته فلم تغابنه فيه بشيء؟ فقال: استحيت عيناي من عينيه أن أغابنه، فقال له الحسن: غلام من أنت؟ فقال: غلام أبان بن عثمان، فقال: والحائط؟ فقال: لابان بن عثمان. فقال له الحسن: أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك، فمرّ اشترى الغلام والحائط، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك، فقام قائما فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي، قال: وقد اشتريت الحائط وأنت حرّ لوجه الله تعالى، والحائط هبة منّي إليك، فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. قال إبراهيم، فقال عباس البقال: حسن والله يا أبا إسحاق، يا غلام لأبي إسحاق دانق إلا فلسا أعطه بدانق ما يريد ولا تنقصه شيئا، فقلت: والله لا أخذت إلا بدانق إلا فلسا. وحدث [١] عبد الله بن أحمد بن حنبل قال، كان أبي يقول لي: امض إلى إبراهيم الحربيّ يلقي عليك الفرائض. قال: ولما مات سعيد [٢] بن أحمد بن حنبل جاء إبراهيم الحربي إلى عبد الله فقام إليه عبد الله فقال: تقوم إليّ؟ فقال: لم لا أقوم إليك؟ والله لو رآك أبي لقام إليك، قال: والله لو رأى ابن عيينة أباك لقام إليه. وقال إبراهيم الحربي [٣] : في كتاب «غريب الحديث» الذي صنّفه أبو عبيد ثلاثة وخمسون حديثا ليس لها أصل وقد أعلمت عليها في كتاب السروي، منها: أتت امرأة النبيّ ﷺ وفي يدها مناجد [٤] ، ونهى النبيّ ﷺ عن لبس السراويلات المخرفجة [٥] ، وأتى النبي ﷺ أهل قاهة [٦] ، وقال عمر للنبي ﷺ : لو أمرت بهذا

стр. 46

البيت فسفروا [١] ، عن النبي أنه قال للنساء [٢] : «إذا جعتنّ دقعتن وإذا شبعتن خجلتن» . وحدث أبو العباس ابن مسروق قال [٣] ، قال لي إبراهيم الحربي: لا تحدّث فتسخن عينك كما سخنت عيني، قلت له: فما أعمل؟ قال: تطأطىء رأسك وتسكت، قلت له: فأنت لم تحدث؟ قال: ليس وجهي من خشب. وحدث محمد بن عبد الله الكاتب [٤] قال كنت يوما عند المبرد فأنشدنا: جسمي معي غير أنّ الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن فليعجب الناس مني أنّ لي بدنا ... لا روح فيه ولي روح بلا بدن ثم قال: ما أظن أن الشعراء قالوا أحسن من هذا، قلت: ولا قول الآخر؟ قال: هيه، قلت: الذي يقول [٥] : فارقتكم وحييت بعدكم ... ما هكذا كان الذي يجب فالآن ألقى الناس معتذرا ... من أن أعيش وأنتم غيب قال: ولا هذا، قلت: ولا قول خالد الكاتب [٦] : روحان لي روح تضمنها ... بلد وأخرى حازها بلد وأظنّ غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد قال: ولا هذا، قلت: أنت إذا هويت الشيء ملت إليه ولم تعدل إلى غيره، قال: لا ولكنّه الحق، فأتيت ثعلبا فأخبرته، فقال ثعلب: ألا أنشدته:

стр. 47

غابوا فصار الجسم من بعدهم ... لا تنظر العين له فيّا بأيّ وجه أتلقاهم ... إذا رأوني بعدهم حيّا يا خجلتي منهم ومن قولهم ... ما ضرّك الفقد لنا شيّا قال: فأتيت إبراهيم الحربي فأخبرته، فقال: ألا أنشدته [١] : يا حيائي ممن أحبّ إذا ما ... قلت بعد الفراق إني حييت لو صدقت الهوى حبيبا ... على الصّحة لما نأى لكنت أموت قال: فرجعت إلى المبرد، فقال: أستغفر الله إلا هذين البيتين يعني بيتي إبراهيم. قال [٢] : وأنشد رجل إبراهيم قول الشاعر: أنكرت ذلّي فأيّ شيء ... أحسن من ذلّة المحبّ أليس شوقي وفيض دمعي ... وضعف جسمي شهود حبّي فقال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات. قال [٣] : وأنشد بعضهم لإبراهيم الحربّي: هما [اثنان] إذا عدّا ... فخير لهما الموت فقير ما له زهد ... وأعمى ما له صوت وروي عن إبراهيم الحربي أنه قال: ما أنشدت شيئا من الشعر قط إلا قرأت بعده قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاث مرات. وحدث الطوماري قال: دخلت على إبراهيم الحربيّ وهو مريض، وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب وكان يجيء إليه ويعالجه [فجاءت الجارية] [٤] وردّت الماء وقالت: مات الطبيب، فقال:

стр. 48

إذا مات المعالج من سقام ... فيوشك للمعالج أن يموتا ودخل عليه قوم يعودونه فقالوا: كيف تجدك يا أبا اسحاق؟ قال: أجدني كما قال [الشاعر] [١] : دبّ في السقام سفلا وعلوا ... وأراني أذوب عضوا فعضوا بليت جدّتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا قال أبو الحسن الدارقطني [٢] : إبراهيم الحربي ثقة، وكان إماما يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه، وهو إمام مصنّف عالم بكلّ شيء، بارع في كلّ علم، صدوق، وذكر وفاته كما تقدم. هذا آخر ما نقلته من تاريخ الخطيب. نقلت [٣] من خط الإمام الحافظ أبي نصر عبد الرحيم بن وهبان صديقنا ومفيدنا قال، نقلت من خطّ أبي بكر محمد بن منصور السمعاني، سمعت أبا المعالي ثابت بن بندار البقال يقول، حكى لنا البرقانّي ﵀ قال: كان إسماعيل بن إسحاق القاضي [٤] يشتهي رؤية إبراهيم الحربي، وكان إبراهيم لا يدخل عليه، يقول: لا أدخل دارا عليها بواب، فأخبر إسماعيل بذلك فقال: أنا أدع بابي كباب الجامع، فجاء إبراهيم إليه، فلما دخل عليه خلع نعليه، فأخذ أبو عمر محمد بن يوسف القاضي [٥] نعليه ولفّهما في منديل دبيقيّ وجعله في كمه، وجرى بينهما علم كثير، فلما قام إبراهيم التمس نعليه، فأخرج أبو عمر النعل من كمّه، فقال له إبراهيم: غفر الله

стр. 49

لك كما أكرمت العلم، فلما مات أبو عمر القاضي رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أجيبت فيّ دعوة إبراهيم الحربي ﵀. وحدثني [١] صديقنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار [٢] حرسه الله قال، حدثني أبو بكر أحمد بن سعيد بن أحمد الصباغ الأصبهاني بها قال، حدثنا أحمد بن عمر بن الفضل الحافظ الأصبهاني، ويعرف بجنك، إملاء قال، أخبرنا الحسن بن أحمد المقرىء يعني أبا علي الحداد [٣] ، قال: أظنه عن أبي نعيم: إنه كان يحضر في مجلس إبراهيم الحربي جماعة من الشبان للقراءة عليه، ففقد أحدهم أياما، فسأل عنه من حضر فقالوا: هو مشغول، فسكت، ثم سألهم مرة أخرى في يوم آخر، فأجابوه بمثل ذلك، وكان الشاب قد ابتلي بمحبّة شخص شغله عن حضور مجلسه، وعظّموا إبراهيم الحربيّ أن يخبروه بجليّة الحال، فلمّا تكرّر السؤال عنه وهم لا يزيدونه على أنه مشغول قال لهم: يا قوم إن كان مريضا فقوموا بنا لعيادته [٤] ، أو مديونا اجتهدنا في مساعدته، أو محبوسا سعينا في خلاصه، فخبّروني عن جليّة حاله [٥] ، فقالوا: نجلّك عن ذلك، فقال: لا بدّ أن تخبروني، فقالوا: إنه رجل قد ابتلي بعشق صبّي، فوجم إبراهيم ساعة ثم قال: هذا الصبّي الذي ابتلي بعشقه مليح هو أم قبيح؟ فعجب القوم من سؤاله عن مثل ذلك مع جلالته في أنفسهم وقالوا: أيها الشيخ مثلك يسأل عن مثل هذا؟ فقال: إنه بلغني أنّ الانسان إذا ابتلي بمحبة صورة قبيحة كان بلاء يجب الاستعاذة من مثله، وإن كان مليحا كان ابتلاء يجب الصبر عليه واحتمال المشقة فيه، قال: فعجبنا مما أتى به. قلت: هذه الحكاية مع الإسناد حدثنيه مفاوضة بحلب ولم يكن أصله معه فكتبته بالمعنى واللفظ يزيد وينقص.

стр. 50

وكان [١] فيه ملح وفكاهة، وربما جاء في أثناء كلامه أشياء سخيفة، منها، قال إبراهيم الحربي: كنت يوما جالسا فجاءني رجل فقال لي: هل يجوز أن يجامع الرجل حموه؟ فقلت: عساه يريد حماته، فقال: لا، تلك أعرف أنها حلال، إنما سؤالي عن الحمو، فقلت: اخرج قبحك الله؟ هكذا قاله حمو ملحونا. وقال: جاءني يوما رجل آخر فقال لي: يا سيدي أنا شاب وطلبت نفسي الجماع حتى قام ذكري، فكشفته وجعلت ألعب به، فما أحسست إلا بصبي وقد قعد عليه، فلما أحسست بذلك أخذت بأكتافه ولم أزل حتى فرغت منه، أأكون زانيا؟ قال، فقلت له: أما زان أو غير زان فلا أقول فيه شيئا، ولكني أقول: إن أيرك هذا أير مرزوق. ومن [٢] مصنفات إبراهيم الحربي: كتاب غريب الحديث. كتاب سجود القرآن. كتاب مناسك الحج. كتاب الهدايا والسنّة فيها. كتاب الحمّام وآدابه. والذي خرج من تفسيره لغريب الحديث: مسند أبي بكر ﵁. مسند عمر ﵁. مسند عثمان ﵁. مسند علي بن أبي طالب ﵁. مسند الزبير ﵁. مسند طلحة ﵁. مسند سعد بن أبي وقاص ﵁. مسند عبد الرحمن بن عوف ﵁. مسند العباس ﵁. مسند شيبة بن عثمان ﵁. مسند عبد الله بن جعفر. مسند المسور بن مخرمة. مسند المطّلب بن ربيعة. مسند السائب. مسند خالد بن الوليد. مسند أبي عبيدة بن الجراح. مسند ما روي عن معاوية. مسند ما روي عن عاصم بن عمر. مسند صفوان ابن أمية. مسند جبلة بن هبيرة. مسند عمرو بن العاص. مسند عمران بن الحصين. مسند حكيم بن حزام. مسند عبد الله بن زمعة. مسند عبد الرحمن بن سمرة. مسند عبد الله بن عمرو. مسند عبد الله بن عمر.

стр. 51

- ٧- إبراهيم بن إسحاق الأديب اللغوي أبو إسحاق الضرير البارع : سمع الحديث بالبصرة والأهواز وببغداد بعد الأربعين والثلاثمائة، وكان من الشعراء المجودين [١] ، طاف بعض الدنيا ثم استوطن نيسابور إلى أن مات بها في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. وكان من الشعراء المجودين [١] وممن تعلم الفقه والكلام، قال ذلك كله الحاكم ولقيه وروى عنه شيئا. - ٨- إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الطرابلسي : يعرف بابن الاجدابي، وأجدابية من نواحي افريقية، له أدب وحفظ ولغة وتصانيف، ومن مشاهيرها كتاب كفاية المتحفظ، صغير الحجم كثير النفع، وكتاب الأنواء. - ٩- إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق النحوي : قال الخطيب: كان من أهل الدين والفضل حسن الاعتقاد جميل المذهب، وله مصنفات حسان في الأدب،

стр. 52

مات في جمادى الآخرة سنة أحدى عشرة وثلاثمائة. وحكى ابن مهذب في تاريخه [١] حدثني الشيخ أبو العلاء المعري أنه سمع عنه ببغداد أنه لما حضرته الوفاة سئل عن سنه فعقد لهم سبعين، وآخر ما سمع منه: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل. وأبو إسحاق هو أستاذ أبي علي الفارسي، قال الخطيب [٢] باسناده قال أبو محمد عبد الله بن درستويه النحوي، حدثني الزجاج قال: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلّمه، وكان لا يعلّم مجانا ولا يعلم بأجرة إلا على قدرها، فقال لي: أيّ شيء صناعتك، قلت: أخرط الزجاج وكسبي في كل يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك في كلّ يوم درهما، وأشرط لك أن أعطيك إياه أبدا إلى أن يفرّق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. قال: فلزمته وكنت أخدمه في أموره مع ذلك وأعطيه الدرهم، فينصحني في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب بعض بني مارمة [٣] من الصراة يلتمسون معلّما نحويا لأولادهم، فقلت له: أسمني لهم فأسماني، فخرجت فكنت أعلمهم وأنفذ إليه في كلّ شهر ثلاثين درهما وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه. ومضت مدة على ذلك، فطلب منه عبيد الله بن سليمان مؤدبا لابنه القاسم، فقال له: لا أعرف لك إلّا رجلا زجّاجا بالصراة مع بني مارمة، قال: فكتب إليهم عبيد الله فاستنزلهم عني فنزلوا له، فأحضرني وأسلم القاسم إليّ، فكان ذلك سبب غناي. وكنت أعطي المبرد ذلك الدرهم في كلّ يوم إلى أن مات ولا أخليه من التفقد بحسب طاقتي، قال: فكنت أقول للقاسم بن عبيد الله [٤] إن بلّغك الله مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي؟ فيقول: ما أحببت، فأقول له: تعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غاية أمنيتي. فما

стр. 53

مضت إلّا سنون حتى ولي القاسم الوزارة وأنا على ملازمتي له وصرت [٣] نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم هبته، فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا أبا إسحاق لم أرك أذكرتني بالنذر، فقلت: عوّلت على رعاية الوزير أيده الله وأنه لا يحتاج إلى إذكار بنذر عليه في أمر خادم واجب الحقّ، فقال لي: إنه المعتضد ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد، ولكنّي أخاف أن يصير لي معه حديث فاسمح بأخذه متفرقا، فقلت: يا سيدي أفعل، فقال: اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار واستجعل [٢] عليها ولا تمتنع من مسألتي شيئا تخاطب فيه، صحيحا كان أو محالا، إلى أن يحصل لك مال النذر، قال: ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه كلّ يوم رقاعا فيوقّع لي فيها، وربما قال لي: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول لي غبنت، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد، فأراجع القوم، فلا أزال أماكسهم ويزيدوني حتى أبلغ الحدّ الذي رسمه. قال وعرضت عليه شيئا عظيما فحصلت عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مديدة، فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحاق حصل مال النذر؟ فقلت: لا، فسكت، وكنت أعرض عليه فيسألني في كلّ شهر أو نحوه حصل المال؟ فأقول: لا، خوفا من انقطاع الكسب، إلى أن حصل لي ضعف ذلك المال، وسألني يوما فاستحييت من الكذب المتّصل فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير، فقال: فرّجت والله عني فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك، قال: ثم أخذ الدواة فوقع إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة لي فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئا ولم أدر كيف أقع منه، فلما كان من الغد جئته وجلست على رسمي، فأومأ إليّ أن هات ما معك- يستدعي مني الرقاع على الرسم- فقلت: ما أخذت من أحد رقعة لأن النذر وقع الوفاء به ولم أدر كيف أقع من الوزير، فقال: يا سبحان الله أتراني أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة وعلم به الناس وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدوّ ورواح إلى بابك ولا يعلم سبب انقطاعه فيظنّ ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك عندي، أعرض عليّ رسمك وخذ بلا

стр. 54

حساب، فقبّلت يده وباكرته من غد بالرقاع، فكنت أعرض عليه كلّ يوم شيئا إلى أن مات وقد تأثّلت حالي هذه. وحدث [١] أبو علي الفارسيّ النحوي قال: دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم بن عبيد الله الوزير، فورد عليه خادم وسارّه بشيء استبشر له، ثم تقدم إلى شيخنا أبي إسحاق بالملازمة إلى أن يعود ثم نهض فلم يكن بأسرع من أن عاد وفي وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك لأنس كان بينه وبينه، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى المغنّيات فسمتها أن تبيعني إياها فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها أن تهديها إليّ رجاء أن أضاعف لها ثمنها، فلما وردت أعلمني الخادم بذلك فنهضت مستبشرا لافتضاضها فوجدتها قد حاضت فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه وكتب: فارس ماض بحربته ... حاذق بالطعن في الظّلم رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم وحدث [٢] أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، قال: قال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: أتيت أبا العباس ابن يزيد المبرد حين دخل بغداد لأقرأ عليه الكتاب- يعني كتاب سيبويه- فقال لي: ما صنعتك؟ فقلت: زجاج، فقال لي: كم تكسب في كلّ يوم؟ قلت: عشرة فما دونها، قال: جىء كلّ يوم بنصف ما تعمل فتطرحه في هذا الصندوق، وكان عنده صندوق معمول لهذا، قال: فبدأت بقراءة الكتاب، وكلما جئت بشيء طرحته في الصندوق، ولما فرغت من الكتاب وختمته رمى بمفتاح الصندوق إليّ وقال لي: افتح وخذ ما تركت فيه، ففتحت وأخذت جميع ما فيه وكان قد اجتمع شيئا كثيرا كبيرا، فرحم الله أبا العباس، فلقد آساني وأغناني وعلمني.

стр. 55

قال: وجرى بين الزجاج وبين المعروف بمسينة [١] ، وكان من أهل العلم، شرّ فاتصل ونسجه إبليس وأحكمه حتى خرج إبراهيم بن السريّ إلى حدّ الشتم فكتب إليه مسينة: أبى الزجاج إلا شتم عرضي ... لينفعه فآثمه وضرّه وأقسم صادقا ما كان حرّ ... ليطلق لفظة في شتم حره ولو أني كررت لفرّ مني ... ولكن للمنون عليّ كرّه فأصبح قد وقاه الله شرّي ... ليوم لا وقاه الله شرّه فلما اتصل هذا الشعر بالزجاج قصده راجلا حتى اعتذر إليه وسأله الصفح؛ كل هذا من تاريخ الخطيب. أنبأنا زيد بن الحسين الكندي [٢] عن أبي منصور الجواليقي عن المبارك الصيرفي [٣] عن علي بن أحمد بن الدهان عن عبد السلام بن حسين البصري [٤] قال: كتب إلينا أبو الحسن علي بن محمد الشمشاطي [٥] من الموصل قال: قال أبو إسحاق ابن السري الزجاج ﵀ [٦] : دخلت على أبي العباس ثعلب ﵀ في أيام أبي العباس محمد بن يزيد المبرد وقد أملى شيئا من «المقتضب» فسلمت عليه وعنده أبو موسى الحامض وكان يحسدني شديدا ويجاهرني بالعداوة، وكنت ألين له وأحتمله لموضع الشيخوخة، فقال لي أبو العباس: قد حمل إليّ بعض

стр. 56

ما أملاه هذا الخلدي [يعني المبرد] فرأيته لا يطوع لسانه بعبارة فقلت له: إنه لا يشكّ في حسن عبارته اثنان، ولكن سوء رأيك فيه يعيبه عندك، فقال: ما رأيته إلا ألكن متغلقا، فقال أبو موسى: والله إن صاحبكم ألكن- يعني سيبويه- فأحفظني ذلك. ثم قال: بلغني عن الفراء أنه قال: دخلت البصرة فلقيت يونس وأصحابه فسمعتهم يذكرونه بالحفظ والدراية وحسن الفطنة فأتيته فإذا هو أعجم لا يفصح، سمعته يقول لجارية له هات ذيك الماء من ذاك الجرة، فخرجت من عنده ولم أعد إليه. فقلت له: هذا لا يصحّ عن الفرّاء، وأنت غير مأمون في هذه الحكاية، ولا يعرف أصحاب سيبويه من هذا شيئا، وكيف تقول هذا لمن يقول في أول كتابه: هذا باب علم ما الكلم من العربية، وهذا يعجز عن إدراك فهمه كثير من الفصحاء فضلا عن النطق به؟ فقال ثعلب: قد وجدت في كتابه نحوا من هذا، قلت: ما هو؟ قال يقول في كتابه، في غير نسخة: «حاشا» حرف يخفض ما بعده كما تخفض حتى وفيها معنى الاستثناء، فقلت له: هذا كذا في كتابه وهو صحيح، ذهب في التذكير إلى الحرف وفي التأنيث إلى الكلمة، قال: والأجود أن يحمل الكلام على وجه واحد، قلت: كلّ جيد، قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً (الأحزاب: ٣١) وقرىء وتعمل صالحا وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ (يونس: ٤٢) ذهب إلى المعنى ثم قال وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ (يونس: ٤٣) إلى اللفظ. وليس لقائل أن يقول: لو حمل الكلام على وجه واحد في الاثنين كان أجود، لأن كلّا جيد، فأما نحن فلا نذكر «حدود» الفراء لأنّ خطأه فيه أكثر من أن يعد، ولكن هذا أنت عملت «كتاب الفصيح» للمبتدىء المتعلم وهو عشرون ورقة، أخطأت في عشرة مواضع منه، قال لي: اذكرها، قلت له: نعم، قلت وهو عرق النّسا [١] ولا يقال عرق النسا كما لا يقال عرق الأبهر ولا عرق الأكحل، قال امرؤ القيس [٢] . فأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر

стр. 57

وقلت حلمت في النوم أحلم حلما [١] [وحلم] ليس بمصدر وإنما هو اسم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ (النور: ٥٨) وإذا كان للشيء مصدر واسم لم يوضع الاسم موضع المصدر، ألا ترى أنك تقول حسبت الشيء أحسبه حسبا وحسبانا والحسب المصدر والحساب الاسم، ولو قلت ما بلغ الحسب إليك ورفعت الحسب إليك لم يجز وأنت تريد ورفعت الحساب إليك وقلت: رجل عزب وامرأة عزبة [٢] : وهذا خطأ إنما يقال رجل عزب وامرأة عزب لأنه مصدر وصف به فلا يجمع ولا يثنى ولا يؤنث، كما يقال رجل خصم وامرأة خصم. وقد أتيت بباب من هذا النوع في الكتاب وأفردت هذا منه قال الشاعر [٣] : يا من يدلّ عزبا على عزب وقلت كسرى بكسر الكاف [٤] وهذا خطأ إنما هو كسرى، والدليل على ذلك أنا وإياكم لا نختلف في النسب إلى كسرى يقال كسروي، بفتح الكاف، وليس هذا مما يغير بالنسب لبعده منها ألا ترى أنك لو نسبت إلى معزى لقلت معزوي وإلى درهم قلت درهمي ولا يقال معزوي ولا درهمي. وقلت وعدت الرجل خيرا أو شرا [٥] فإذا لم تذكر الشرّ قلت أوعدته بكذا نقضا لما أصّلت لأنك قلت بكذا، وقولك بكذا كناية عن الشر، والصواب أن تقول إذا لم تذكر الشر قلت أوعدته. وقلت: وهم المطوعة [٦] وإنما هم المطّوعة بتشديد الطاء كما قال الله تعالى: يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ (التوبة: ٧٩) فقال: ما قلت إلا المّطوّعة، فقلت: هكذا قرأته عليك وقرأه غيري وأنا حاضر أسمع مرارا. وقلت: هو لرشدة وزنية كما قلت هو لغيّة [٧] الباب فيها واحد، لأنه إنما يريد المرة الواحدة، ومصادر الثلاثي إذا أردت المرة الواحدة لم

стр. 58

تختلف، تقول ضربته ضربة وجلست جلسة وركبت ركبة، لا اختلاف في ذلك بين أحد من النحويين، وإنما تكسر من ذلك ما كان هيئة حال فتصفها بالحسن والقبح وغيرهما فتقول: هو حسن الجلسة والسيرة والركبة وليس هذا من ذلك. وقلت أسنمة للبلدة [١] ورواه الأصمعي بضم الهمزة أسنمة، فقال: ما روى ابن الأعرابي وأصحابنا إلا أسمنة، فقلت: قد علمت أنت أن الأصمعيّ أضبط لما يحكي وأوثق فيما يروي. وقلت إذا عزّ أخوك فهن [٢] ، والكلام فهن، وهو من هان يهين إذا لان، ومنه قيل هين لين، لأنّ هن من هان يهون من الهوان، والعرب لا تأمر بذلك، ولا معنى لهذا الكلام يصحّ لو قالته العرب، ومعنى عزّ ليس من العزة التي هي المنعة والقدرة وإنما هو من قولك عزّ الشيء إذا اشتد، ومعنى الكلام: اذا صعب أخوك واشتدّ فذلّ من الذلّ له ولا معنى للذلّ هاهنا كما تقول اذا صعب أخوك فلن له. قال فما قرىء عليه «كتاب الفصيح» بعد ذلك علمي. ثم بلغني أنه سئم ذلك فأنكر كتاب الفصيح أن يكون له. قال المؤلف: وهذه المآخذ التي أخذها الزجاج على ثعلب لم يسلّم إليه العلماء باللغة فيها، وقد ألفوا تآليف في الانتصار لثعلب يضيق هذا المختصر عن ذكرها. وحدث الزجاج قال: أنشدنا أبو العباس المبرد: فيّ انقباض وحشمة فإذا ... رأيت أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيتها ... وجئت ما جئت غير محتشم قال عبيد الله الفقير: وهذان البيتان يرويان لمحمد بن كناسة، وقد رواهما آخرون لأبي نواس. قال الزجاج: فقلت له: أليس يقول الأصمعي الحشمة الغضب فقال: الحشمة: الغضب، والحشمة الاستحياء، لأن الغضب والاستحياء جميعا نقصان في النفس وانحطاط عن الكمال فلذلك كان مخرجهما واحدا، قال فقلت له: أليس الحياء محمودا والغضب مذموما، وقد روي أن الحياء شعبة من الايمان، وقد قيل إذا لم تستح فاصنع ما شئت، فقال: الحياء محمود في الدين وفي اجتناب المحارم وفي

стр. 59

الإفضال، وأما في ترك الحقوق والنكوص عن الخصوم عند الحجاج فهو نقصان في النفس. قال أبو العباس وسمعت المازني يقول: معنى قولهم إذا لم تستح فاصنع ما شئت، أي إذا صنعت ما لا تستحي من مثله فاصنع منه ما شئت، وليس على ما يذهب إليه العوامّ، وهذا تأويل حسن. قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في «كتاب الموازنة» [١] : كان الزجاج يزعم أن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف، وإن نقص حروف إحداهما عن حروف الأخرى، فإن إحداهما مشتقة من الأخرى، فيقول: الرجل مشتق من الرجل [٢] ، والثور إنما يسمّى ثورا لأنه يثير الأرض، والثوب إنما سمي ثوبا لأنه ثاب لباسا بعد أن كان غزلا، حسيبه الله كذا قال. قال: وزعم أن القرنان إنما سمي قرنانا لأنه مطيق لفجور امرأته كالثور القرنان أي المطيق لحمل قرنه، وفي القرآن وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (الزخرف: ١٣) أي مطيقين. قال: وحكى يحيى بن علي بن يحيى المنجم أنه سأله بحضرة عبد الله بن أحمد بن حمدون النديم: من أي شيء اشتق الجرجير؟ قال: لأنّ الريح تجرجره، قال: وما معنى تجرجره؟ قال: تجرره، قال: ومن هذا قيل للحبل الجرير لأنه يجر على الأرض، قال: والجرة لم سميت جرة؟ قال: لأنها تجرّ على الأرض، فقال: لو جرت على الأرض لانكسرت، قال: فالمجرة لم سميت مجرة؟ قال: لأن الله جرها في السماء جرا، قال: فالجرجور الذي هو اسم المائة من الابل لم سميت به؟ قال: لأنها تجرّ بالأزمة وتقاد، قال: فالفصيل المجرّ الذي يشقّ طرف لسانه لئلا يرتضع أمه ما قولك فيه؟ قال: لأنهم جروا لسانه حتى قطعوه، قال: فان جروا أذنيه فقطعوه تسميه مجرا؟ قال: لا يجوز ذلك، فقال يحيى بن علي: قد نقضت العلة التي أتيت بها على نفسك، ومن لم يدر أنّ هذا مناقضة فلا حسّ له. قال خيرة: وشهدت ابن العلاف الشاعر وعنده من يحكي عن كتاب الزّجاج

стр. 60

أشياء من شنيع الاشتقاق الذي فيه، ثم قال: إني حضرته وقد سئل عن اشتقاق القصعة، قال: لأنها تقصع الجوع أي تكسره، قال ابن العلاف: يلزمه أن يقول الخضض مشتق من الخضيض، والعصفر مشتق من العصفور، والدب مشتق من الدبّ، والعذب من الشراب مشتق من العذاب، والخريف من الخروف، والعقل مشتق من العاقول، والحلم مشتق من الحلمة، والاقليم مشتق من القلم، والخنفساء من الفساء، والخنثى من الأنثى، والمخنث من المؤنث، ضرط إبليس على ذا من أدب!! وقال ابن بشران [١] : كان أبو إسحاق الزجاج ينزل بالجانب الغربي من بغداد في الموضع المعروف بالدويرة وأنشدت له: قعودي لا يردّ الرزق عني ... ولا يدنيه إن لم يقض شيّ قعدت فقد أتاني في قعودي ... وسرت فعافني والسير ليّ فلما أن رأيت القصد أدنى ... إلى رشدي وأن الحرص غيّ تركت لمدلج دلج الليالي ... ولي ظلّ أعيش به وفيّ حكي أن [٢] عبيد الله بن سليمان الوزير وجّه أبا إسحاق الزجاج إلى أبي خازم عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد المجيد وأبي عمر محمد بن يوسف يسألهما في رجل محبوس بدين ثابت عندهما، فبدأ الزجاج بأبي خازم، فجاء إليه وقد علا النهار ودخل داره فقال أبو إسحاق للبواب: استأذن لإبراهيم الزجّاج، فقال: إن القاضي الآن دخل الدار، وليست العادة بعد أن يقوم من مجلسه ويدخل الدار أن يستأذن عليه حتى تصلّى العصر، فقال أبو إسحاق: تعلمه أنّ الزجاج بالباب، فقال: لو جاء الوزير الساعة لم أستأذن عليه، فانصرف أبو إسحاق وقعد في المسجد مغتاظا مما جرى، غير أنه لا يشتهي الانصراف إلى الوزير إلا بعد قضاء الحاجة، وقعد إلى وقت العصر، فخرج البواب وكنس الباب ورشّ الماء وقال للزجّاج: القاضي قد جلس،

стр. 61

فإن كان لك رأي في الدخول إليه فقم. فقام أبو إسحاق فدخل على أبي خازم فسلّم عليه وتعرّف كلّ واحد منهما خبر صاحبه، غير أنه لم يكن منه من الإقبال ما كان أبو إسحاق يعتقد منه، فأدّى أبو إسحاق رسالة الوزير، فقال أبو خازم: تقرأ على الوزير- أعزّه الله- السلام وتقول له: إن هذا الرجل محبوس لخصمه في دينه وليس بمحبوس لي، فإن أراد الوزير إطلاقه فإما أن يسأل خصمه إطلاقه أو يقضي دينه، فإن الوزير لا يعجزه ذلك. قال أبو إسحاق: جئت إلى هاهنا قبل الظهر فامتنع البواب من الاستئذان على القاضي، فجلست إلى الآن للدخول عليك. (وهو يقصد بهذا أن ينكر القاضي على البواب) . فقال له: نعم، هكذا عادتي، إذا قمت من مجلسي ودخلت داري اشتغلت ببعض الحوائج التي تخصّني، فإن القاضي لا بدّ له من خلوة وتودّع. فاغتاظ أبو إسحاق من ذلك أكثر وقال له: كنت بحضرة الوزير في بعض الليالي، فأنشد بين يديه [١] : أدلّ فيا حبذا من مدلّ ... ومن سافك لدمي مستحلّ إذا ما تعزّز قابلته ... بذلّ وذلك جهد المقلّ فسأل عن ذلك فقيل: إنها للقاضي- أعزه الله- فقال القاضي أبو خازم: نعم، هذه أبيات قلتها في والدة هذا الصبيّ- لغلام قاعد بين يديه، في يده كتاب من الفقه يقرأ عليه وهو ابنه- فإني كنت ضعيف الحال أوّل ما عرفتها، وكنت مائلا إليها، ولم يمكن إرضاؤها بالمال، فكنت أطيّب قلبها بالبيت والبيتين. فقام أبو إسحاق وودّعه ومضى إلى أبي عمر، فاستقبله حجّابه من باب الدار، وأدخلوه إلى الدار، فاستقبله القاضي من مجلسه خطوات وأجلسه في موضعه وأكرمه كما يكرم من يكون خصّيصا بوزير إذا جاء إلى ناظر من قبله، فقال له: في أيّ معنى وأي شيء ترسم؟ فأدّى إليه رسالة الوزير في باب الرجل المحبوس، فقال أبو عمر: السمع والطاعة لأمر الوزير، أنا أسأل صاحب الحقّ حتى يفرج عنه، فإن فعل وإلا وزنت الدين من مالي إجابة لمسألة الوزير- أعزه الله- فقام أبو إسحاق وودعه وانصرف إلى الوزير ضيّق الصّدر

стр. 62

من أبي خازم مسرورا بصنيع أبي عمر، فاستبطأه الوزير، فحكى ما جرى من كلّ واحد منهما، فقال له الوزير: فأيّ الرجلين أفضل عندك يا أبا إسحاق؟ فقال: أبو عمر في عقله وسداده وحسن عشرته ومعرفته بحقوق الوزير (يغري بأبي خازم) فقال الوزير: دع هذا عنك، أبو خازم دين كله، وأبو عمر عقل كله. حدث أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي البصري قال: لما مات أبو العباس أحمد بن يحيى بكى أبو إسحاق الزجاج، فقلت: ما بكاؤك؟ فقال لي: أين يذهب بك؟ أليس كان يقال أحمد بن يحيى جالس وإبراهيم الزجاج اليوم، فقال الزجاج ونفطويه وابن الأنباري: مات الناقد ونفقت البهارج. وحدث المرزباني في كتابه المقتبس [١] ولم يذكر من خبره غير هذه القصة وذكرها ابن النديم في فهرسته [٢] قالا جميعا: كان السبب في اتصال أبي إسحاق الزجاج بالمعتضد أن بعض الندماء وصف للمعتضد «كتاب جامع النطق» الذي عمله محبرة النديم، (قال محمد بن إسحاق خاصة: واسم محبرة محمد بن يحيى بن أبي عباد ويكنى أبا جعفر، واسم أبي عباد: جابر بن زيد بن الصباح العسكري، وكان حسن الأدب ونادم المعتضد وجعل كتابه جداول) . رجع الكلام إلى اتفاقهما: فأمر المعتضد القاسم بن عبيد الله أن يطلب من يفسّر تلك الجداول، فبعث إلى ثعلب وعرضه عليه، فلم يتوجه إلى حساب الجداول وقال: لست أعرف هذا، وإن أردتم كتاب العين فموجود ولا رواية له. فكتب ابن عبيد الله إلى المبرد أن يفسّرها فأجابهم إنه كتاب طويل يحتاج إلى تعب وشغل، وإنه قد كبر [٣] وضعف عن ذلك، وإن دفعتموه إلى صاحبي إبراهيم بن السريّ رجوت أن يفي بذلك. فتغافل القاسم عن مذاكرة المعتضد بالزجاج حتى ألحّ عليه المعتضد، فأخبره بقول ثعلب والمبرد وأنه أحال على الزجاج، فتقدم إليه بالتقدم إلى الزجاج بذلك، ففعل القاسم، فقال الزجاج: أنا أعمل ذلك على غير نسخة ولا نظر في جدول، فأمره بعمل الثنائي، فاستعار الزجاج كتب اللغة من ثعلب والعسكري وغيرهما

стр. 63

لأنه كان ضعيف العلم باللغة، ففسر الثنائيّ كلّه وكتبه بخط الترمذي الصغير أبي الحسن وجلّده وحمله إلى الوزير، وحمله الوزير إلى المعتضد فاستحسنه وأمر له بثلاثمائة دينار وتقدم إليه بتفسيره كله، ولم يخرج لما عمله الزجاج نسخة إلى أحد إلا إلى خزانة المعتضد ووزيره. (وقال ابن النديم: ثم ظهر في كتاب [١] السلطان هذا التفسير منقطعا ورأيناه في طلحيّ لطيف) . وصار للزجاج بهذا السبب منزلة عظيمة وجعل له رزق في الندماء ورزق في الفقهاء ورزق في العلماء نحو ثلاثمائة دينار. قال ابن النديم [٢] : وللزجاج من الكتب: كتاب ما فسره من جامع النطق. كتاب معاني القرآن (قرأت على ظهر كتاب المعاني: ابتدأ أبو إسحاق بإملاء كتابه الموسوم بمعاني القرآن في صفر سنة خمس وثمانين ومائتين وأتمه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثمائة) . كتاب الاشتقاق. كتاب القوافي. كتاب العروض. كتاب الفرق. كتاب خلق الإنسان. كتاب خلق الفرس. كتاب مختصر النحو. كتاب فعلت وأفعلت. كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف [٣] . كتاب شرح أبيات سيبويه. كتاب النوادر. - ١٠- إبراهيم بن سعدان بن حمزة الشيباني المؤدب : ذكره المرزباني في كتابه وقال: كان أبو [علي] الحسن العنزي [٤] كثير الرواية عنه، يروي عنه الأخبار

стр. 64

ومستحسن الأشعار، وكان لسعدان بن المبارك النحوي [١] ابن يسمى إبراهيم روى عن أبيه النقائض ورواها عنه أبو سعيد السكري، ولست أعلم أهو هذا الذي نسبه العنزي إليه أو غيره، لأن العنزي نسبه إلى سعدان بن حمزة الشيباني، والله أعلم. كل هذا كلام المرزباني. وكان إبراهيم بن سعدان النحوي فيما رواه أحمد بن أبي طاهر يؤدب المؤيد، وكان ذا منزلة عنده، وحدث المرزباني في ما رفعه إلى أبي إسحاق الطلحي أحمد بن محمد بن حسان في حمار إبراهيم بن سعدان [٢] : الا أيها العير المصرّف لونه ... بلونين في قرّ الشتاء وفي الصيف هلمّ وقاك الله من كلّ آفة ... إلى مجد مولاك الشفيق على الضيف وحدث المرزباني عن عبد الله بن يحيى العسكري عن أبي إسحاق الطلحي قال: أخبرنا إبراهيم بن سعدان قال: حرفان فيهما أربع وعشرون نقطة لا يعرف مثلهما حكاهما أبو الحسن اللحياني «تتقتقت» أي صعدت في الجبل و «تبشبشت» من البشاشة، وحرف في القرآن هجاؤه عشرة أحرف متصلة ليس في القرآن مثله في سورة النور لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (النور: ٥٥) . وحدث المرزباني عن الصولي عن أبي العيناء قال، قال لي المتوكل [٣] : بلغني أنك رافضي، فقلت: يا أمير المؤمنين وكيف أكون رافضيا وبلدي البصرة، ومنشأي مسجد جامعها، وأستاذي الأصمعي، وجيراني باهلة، وليس يخلو الناس من طلب دين أو دنيا، فإن أرادوا دينا فقد أجمع المسلمون على تقديم من أخروا وتأخير من قدموا، وإن أرادوا دنيا فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك، أبوك مستنزل الغيث، وفي يديك خزائن الأرض، وأنا مولاك، فقال: إن ابن سعدان زعم ذلك فيك، فقلت: ومن ابن سعدان؟ والله ما يفرّق ذلك بين الإمام والمأموم والتابع والمتبوع، إنما ذاك حامل درّة، ومعلّم صبية، وآخذ على كتاب الله أجرة،

стр. 65

فقال: لا تفعل لأنه مؤدب المؤيد، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه لم يؤدّبه حسبة وإنما أدّبه بأجرة، فإذا أعطيته حقّه فقد قضيت ذمامه. فقام ابن سعدان فقال: يا أبا العيناء لا والله ما صدق أمير المؤمنين في شيء مما حكاه عني، ثم أقبل على المتوكل فقال: أيّ شيء أسهل عليك يا أمير المؤمنين من أن ينقضي مجلسك على ما تحبّ ثم يخرج هذا فيقطعني؟! قال: فضحك المتوكل. - ١١- إبراهيم بن سعيد بن الطيب أبو إسحاق الرفاعي : قال أبو طاهر السلفي [١] وسألته يعني أبا الكرم الحوزي [٢] عن الرفاعي فقال: هو من عبد السي [٣] وكان ضريرا، قدم صبيا ذا فاقة إلى واسط، فدخل الجامع إلى حلقة عبد الغفّار الحضيني [٤] فتلقن القرآن، فكان معاشه من أهل الحلقة، ثم أصعد إلى بغداد فصحب أبا سعيد السيرافي وقرأ عليه «كتاب شرح سيبويه» وسمع منه كتب اللغة والدواوين، وعاد إلى واسط. وقد مات عبد الغفار، فجلس صدرا يقرىء الناس في الجامع، ونزل الزيدية من واسط، وهناك تكون الرافضة والعلويون، فنسب إلى مذهبهم ومقت على ذلك وجفاه الناس: وكان شاعرا حسن الشعر جيده. وجدت في كتاب أبي غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي [٥] أنشدني أبو إسحاق الرفاعي لنفسه:

стр. 66

وأحبة ما كنت أحسب أنني ... أبلى بينهم فبنت وبانوا نأت المسافة فالتذكر حظّهم ... مني وحظّي منهم النسيان ومات سنة إحدى عشرة وأربعمائة. سمعت [١] أبا نعيم أحمد بن علي بن أخي سكّرة [٢] المقرىء الإمام يقول: رأيت جنازة أبي إسحاق الرفاعيّ مع غروب الشمس تخرج إلى الجبانة وخلفها رجلان، فحدثت بها شيخنا أبا الفتح ابن المختار النحوي [٣] فقال: سمّى لك الرجلين؟ فقلت: لا، فقال: كنت أنا أحدهما وأبو غالب ابن بشران الآخر، وما صدقنا أنا نسلم خوفا أن نقتل. ومن عجائب [٤] ما اتفق أن هذا الرجل توفي، وكان على هذا الوصف من الفضل فكانت هذه حاله، وتوفي في غد يوم وفاته رجل من حشو العامة يعرف بدبّاءة [٥] كان سواديا [٦] فأغلق البلد لأجله وصلّى عليه الناس كافة ولم يوصل إلى جنازته من كثرة الزحام. آخر كلام الحوزي. وذكر لي أبو عبد الله محمد بن سعيد الذهبي- وذكره في «أخبار النحويين الواسطيين» - أنه توفي في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، فذاكرته بما قاله الحوزي فقال: الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي في الباطل؛ الذي ذكره الحوزي هو الحق، وأنا واهم. وحدث أبو غالب ابن بشران قال أنشدنا أبو إسحاق الرفاعيّ، وما رأيت قط أعلم منه، قال أنشدنا عبد الغفار بن عبد الله، قال أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد نفطويه:

стр. 67

اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من أرضاك [١] ظاهره ... وقد أجلّك من يعصيك مستترا - ١٢- إبراهيم بن سفيان الزيادي : هو إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه، كان نحويا لغويا راوية، قرأ كتاب سيبويه على سيبويه ولم يتمه، وروى عن الأصمعيّ وأبي عبيدة ونظرائهما، وكان شاعرا مات سنة تسع وأربعين ومائتين، ومن شعره الذي رواه المرزباني في حجر النار الهاشميّ [٢] : دفع الرحمن [لي] عن ... ك فذاك الدفع عنّي وأراني فيك من يع ... ذلني قارع سنّ إن تكن برّزت في ... الحسن فقد برّز حزني حدّث المرزباني عن المبرد عن الزياديّ قال: كان في جواري حقّ قد دعيت [إليه] فحضرت وجيء بنبيذ وطنبور فغنّى مغنيهم: قولا لمن يتعرّى ... ومن يبدد سرّا تركت فتيان صدق ... يجلون في الحسن درّا وصرت إلف خسيس ... يعيد خيرك شرّا ضهيهات فاتك واللّ هـ من يغرك غرّا فقلت: لمن هذا الشعر أصلحك الله؟ قال: لي يا سيدي، وأنا جوان بن دست الباهليّ سيدي، قلت: ليس جوان ودست عافاك الله من أسماء العرب، قال:

стр. 68

أيش عليك من ذا سيدي؟ قلت: فردّد الصوت، قال: تريد تقمشه كنّك عقاب أو كنّي [١] ما أعرفك، ما تركت على كبد ابن عمي الأصمعي الماء وقد جئت إليّ، طارت فراخ برجك طارت، قال: فوثبت مما حلّ بي فلم أعد إليهم. وحدث قال: كان الزيادي يشبّه بالأصمعي في معرفته للشعر ومعانيه، وكان فيه دعابة ومزاح، فمن شعره في ذلك: قد خرج الهجر على الوصل ... وانقطع الحبل من الحبل ودبّق الهجر جناح الهوى ... وانفلت الوصل من البخل فليت ذا الهجر قبيل الهوى ... فيسلم الوصل من القتل وقال الجمّاز يهجو الزياديّ: ليس بكذّاب ولا آثم ... من قال إبراهيم ملعون حكم رسول الله في جدّه ... ما ناله إلا الملاعين وبعد هذا كلّه إنه ... يعجبه القثّاء والتين وللزيادي من التصانيف: كتاب النقط والشكل. كتاب الأمثال. كتاب تنميق الأخبار. كتاب أسماء السحاب والرياح والأمطار. كتاب شرح نكت [٢] كتاب سيبويه. وقال إبراهيم الزيادي في جارية سوداء كان يحبها: ألا حبّذا حبّذا حبذا ... حبيب تحملت فيه الأذى ضويا حبّذا برد أنيابه ... إذا الليل أظلم واجلوّذا - ١٣- إبراهيم بن سليمان بن عبد الله بن حبان [٣] النّهمي ، بطن من همدان،

стр. 69

الخزاز الكوفي أبو إسحاق، أخباري، ذكره أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في «كتاب مصنفي الإمامية» وقال: هو ثقة في الحديث، سكن الكوفة في بني تميم فربما قيل التميمي؛ قال: ثم سكن في بني هلال فربما قيل الهلالي، ونسبه في نهم. له من الكتب: كتاب النوادر. كتاب الخطب. كتاب الدعاء. كتاب المناسك. كتاب أخبار ذي القرنين. كتاب إرم ذات العماد. كتاب قبض روح المؤمن والكافر. كتاب الدفائن. كتاب خلق السماوات. كتاب أخبار جرهم. - ١٤- إبراهيم بن صالح الوارق أبو إسحاق تلميذ أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: ذكره الباخرزي في «كتاب دمية القصر» [١] فقال: أنشدني له الأديب يعقوب بن أحمد، وهو أحسن ما قيل في معنى دود القز: وبنات جيب ما انتفعت بعيشها ... ووأدتها فنفعنني بقبور ثم انبعثن عواطلا فإذا لها ... قرن الكباش إلى جناح طيور قال: ومن المعاني المثارة من دود القز قول أبي الفتح البستي: ألم تر أن المرء طول حياته ... معّنى بأمر لا يزال يعالجه [تراه] كدود القز ينسج دائبا ... ويهلك غما وسط ما هو ناسجه ولأبي إسحاق يهجو ابن زكريا المتكلم الأصبهاني [٢] : أبا أحمد يا أشبه الناس كلهم ... خلاقا وخلقا بالرّخال النواسج [٣] لعمرك ما طالت بتلك اللحى لكم ... حياة ولكن بالعقول الكواسج

стр. 70

- ١٥- إبراهيم بن أبي عباد اليمني : وهو ابن أخي الحسن بن إسحاق بن أبي عباد النحوي، ذكر في موضعه [١] ، وإبراهيم هذا من أعيان النحويين باليمن وله تصنيفان في النحو مختصران سمّى أحدهما التلقين والآخر يعرف بمختصر إبراهيم، وكان متأخرا بعد الخمسمائة. - ١٦- إبراهيم بن العباس الصولي أبو إسحاق الكاتب: هو إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول مولى يزيد بن المهلب كنيته أبو إسحاق، مات في شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين بسامرا وهو يتولى ديوان النفقات والضياع، مولده سنة ست وسبعين ومائة وقيل: سنة سبع وستين. وكان صول رجلا تركيا، وكان هو وأخوه فيروز ملكي جرجان وتمجّسا بعد التركية وتشبّها بالفرس، فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان أمنهما، فأسلم صول على يده، ولم يزل معه حتى قتل يزيد يوم العقر [٢] . وكان يزيد بن المهلب لما دعا إلى نفسه لحق به صول وغيره فصادفه قد قتل. وذكر الصولي أن صولا [جدّه] شهد الحرب مع يزيد بن المهلب، وأن يزيد وجد مقتولا بلا طعنة ولا ضربة بل انسدّت أذناه ومنخراه وامتلأ فمه بغبار العسكر فمات، فلا يعرف مثله

стр. 71

قتيل غبار، قال: ومعه قتل صول وجماعة من أصحابه وغلمانه وقيل: بل انحاز إلى العباس بن الوليد في جماعة من غلمانه فأعطاه العباس أمانا وبعض أولاد المهلب معه، فلما حصلوا في يده غدر بهم وقتلهم جميعا، وكان [١] يقاتل كلّ من بينه وبين يزيد من جيوش بني أمية ويكتب على سهامه: صول يدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فاغتاظ وجعل يقول: ويلي على ابن الغلفاء ما له وللدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيّه، ولعله لا يفقه صلاته. وكان محمد بن صول من رجال الدولة العباسية ودعاتها وكان يكنى أبا عمارة، وقتله عبد الله بن علي لما خالف مع مقاتل بن حكيم العكي. وكان بعض أهليهم ادّعوا أنهم عرب وأنّ العباس بن الأحنف الشاعر خالهم. وكان إبراهيم بن العباس وأخوه عبد الله من وجوه الكتّاب، وكان عبد الله أسنّهما وأشدّهما تقدما، وكان إبراهيم آدبهما وأحسنهما شعرا، وكان إذا قال شعرا اختاره وأسقط رذله وأثبت نخبته، فمن ذلك قوله [٢] : ولكنّ الجواد أبا هشام ... وفيّ العهد مأمون المغيب بطيء عنك ما استغنيت عنه ... وطلّاع عليك مع الخطوب وهذا من نادر الشعر وجيده. ومن ذلك قوله لأخيه عبد الله [٣] : ولكنّ عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين إخوانه مال رأى خلّة منهم تسدّ بماله ... فساهمهم حتى استوت بهم الحال وهذا يدل على أن قبله غيره، ولولا أن يكون قبله غيره لقال: «ألا إن الجواد أبا هشام» و «ألا إنّ عبد الله» أو يكون قصد الإيهام بمدح قد تقدم هذه الأبيات من جملته والله أعلم. وكان إبراهيم كاتبا حاذقا بليغا فصيحا منشئا. وإبراهيم [٤] وأخوه عبد الله من

стр. 72

صنائع ذي الرياستين الفضل بن سهل، اتصلا به فرفع منهما، وتنقل إبراهيم في الأعمال الجليلة والدواوين إلى أن مات وهو متولّي ديوان الضياع والنفقات بسرّ من رأى سنة ثلاث وأربعين ومائتين للنصف من شعبان. وكان دعبل يقول: لو تكسّب إبراهيم بالشعر لتركنا في غير شيء، ويعجب من قوله [١] : إنّ امرءا ضنّ بمعروفه ... عني لمبذول له عذري ما أنا بالراغب في خيره ... إن كان لا يرغب في شكري وكان إبراهيم صديقا لمحمد بن عبد الملك الزيات فولي محمد الوزارة وإبراهيم على الأهواز فقصده ووجّه إليه بأبي الجهم أحمد بن سيف [٢] وأمره بكشفه، فتحامل عليه تحاملا شديدا، فكتب إبراهيم إلى محمد بن عبد الملك [٣] : واني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير فأقام محمد على أمره، ولجّ أبو الجهم في التحامل عليه، فكتب [٤] إبراهيم إلى ابن الزيات يشكو إليه أبا الجهم ويقول: هو كافر لا يبالي ما عمل، وهو القائل لما مات غلامه يخاطب ملك الموت: تركت عبيد بني طاهر ... وقد ملأوا الأرض عرضا وطولا وأقبلت تسعى إلى واحدي ... ضرارا كأني قتلت الرسولا فسوف أدين بترك الصلاة ... وأصطبح الخمر صرفا شمولا فكان محمد لعصبيته على إبراهيم وقصده له يقول: ليس هذا الشعر لأبي الجهم وإنما إبراهيم قاله ونسبه إلى أبي الجهم. وكتب [٥] إبراهيم إلى ابن الزيات يستعطفه: كتبت وقد بلغت المدية المحزّ، وعدت الأيام عليّ بعد عدواني بك عليها، وكان أسوأ ظنّي وأكثر خوفي أن تسكن في

стр. 73

وقت حركتها، وتكفّ عند أذاتها، فصرت أضرّ عليّ منها، فكفّ الصديق عن نصرتي خوفا منك، وبادر إليّ العدوّ تقربا إليك، وكتب تحت ذلك [١] : أخ بيني وبين الدّهر صاحب أيّنا غلبا ... صديقي ما استقام وإن نبا دهر عليّ نبا ... وثبت على الزمان به فعاد به وقد وثبا ... ولو عاد الزمان لنا لعاد به أخا حدبا وكتب إليه [٢] : أما والله لو أمنت ودّك لقلت، ولكني أخاف منك عتبا لا تنصفني فيه، وأخشى من نفسي لائمة لا تحتملها لي، وما قدّر فهو كائن، وعن كلّ حادثة أحدوثة، وما استبدلت بحالة كنت فيها مغتبطا حالا أنا في مكروهها وألمها أشدّ علي من أني فزعت إلى ناصري عند ظلم لحقني فوجدت من ظلمني أخفّ نية في ظلمي منه، وأحمد الله كثيرا، وكتب تحتها [٣] : وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا وكنت أذمّ إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذمّ الزمانا وكنت أعدّك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا قال [٤] : ثم وقف الواثق على تحامله عليه فرفع يده عنه، وأمره أن يقبل منه ما رفعه ويردّ إلى الحضرة مصونا، فلما أحسّ إبراهيم بذلك بسط لسانه في ابن الزيات وهجاه هجاء كثيرا، منه [٥] : قدرت فلم تضرر عدوا بقدرة ... وسمت بها إخوانك الذلّ والرغما وكنت مليا بالتي قد يعافها ... من الناس من يأبى الدنية والذما

стр. 74

وقال أيضا فيه [١] : أبا جعفر خف خفضة بعد رفعة ... وقصّر قليلا عن مدى غلوائكا فإن كنت قد أوتيت عزا ورفعة ... فإن رجائي في غد كرجائكا وقال أيضا فيه [٢] : دعوتك في بلوى ألمّت صروفها ... فأوقدت من ضغن عليّ سعيرها وإني إذا أدعوك عند ملمة ... كداعية بين القبور نصيرها ولما مات ابن الزيات قال إبراهيم [٣] : لما أتاني خبر الزيات ... وأنه قد عدّ في الأموات أيقنت أن موته حياتي ولما انحرف [٤] محمد بن عبد الملك عن إبراهيم تحاماه الناس أن يلقوه، وكان الحارث بن بسخنّر الزريم المغني صديقا له مصافيا وهجره في من هجره من الإخوان، فكتب إليه [٥] : تغيّر لي في من تغير حارث ... وكم من أخ قد غيرته الحوادث أحارث إن شوركت فيك فطالما ... غنينا وما بيني وبينك ثالث ومن مستحسن شعر إبراهيم بن العباس قوله [٦] : خلّ النفاق لأهله ... وعليك فالتمس الطريقا وارغب بنفسك أن ترى ... إلّا عدوا أو صديقا ومنه [٧] : أميل مع الصديق على ابن أمّي ... وأقضي للصديق على الشقيق وأفرق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق

стр. 75

فإن ألفيتني حرّا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق وكان [١] إبراهيم يهوى جارية لبعض المغنين بسرّ من رأى يقال لها ساهر [٢] شهر بها، وكان منزله لا يخلو منها، ثم دعيت في وليمة لبعض أهلها فغابت عنه ثلاثة أيام، ثم جاءته ومعها جاريتان لمولاها وقالت له: قد أهديت صاحبتيّ إليك عوضا عن مغيبي عنك، فقال: أقبلن يحففن مثل الشمس طالعة ... قد حسّن الله أولاها وأخراها ما كنت فيهنّ إلا كنت واسطة ... وكنّ دونك يمناها ويسراها وجلس [٣] يوما مع إخوانه للشرب وبعث خلفها فابطأت عليه، وتنغّص عليه وعلى جلسائه يومه، وكان عندهم عدة من القيان، ثم وافت فسرّي عنه وطابت نفسه وشرب وطرب، وقال [٤] : ألم ترنا يومنا إذ نأت ... ولم تأت من بين أترابها وقد غمرتنا دواعي السرور ... بإشعالها وبالهابها ونحن فتور إلى أن بدت ... وبدر الدجى تحت أثوابها ولما نأت كيف كنّا بها ... ولما دنت كيف صرنا بها فتغضبت [٥] فقالت: ما القصة كما ذكرت، وقد كنتم في قصفكم مع من حضر، وإنما تجملتم لي لما حضرت فقال [٦] : يا من حنيني إليه ... ومن فؤادي لديه ومن إذا غاب من بي ... نهم أسفت عليه
следующие страницы →