← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وهو قريب العهد تقارب وفاته سنة تسعين وخمسمائة، وهو القائل: لعمرك ما اللحن من شيمتي ... ولا أنا من خطإ ألحن ولكنني قد عرفت الأنام ... فخاطبت كلا بما يحسن [٣١٠] الحسن بن أسد بن الحسن الفارقي أبو نصر: شاعر رقيق الحواشي مليح النظم متمكن من القافية كثير التجنيس قلما يخلو له بيت من تصنيع وإحسان وبديع، كان في أيام نظام الملك والسلطان ملكشاه، وشمله منهما الجاه بعد أن قبض عليه وأساء إليه، فإنه كان مستوليا على آمد وأعمالها، مستبدّا باستيفاء أموالها، فخلصه الكامل الطبيب «١» . وكان نحويا رأسا وإماما في اللغة يقتدى، وصنف في الآداب تصانيف تقوم له مقام شاهدي عدل بفضله وعظم قدره، منها: كتاب شرح اللمع كبير. كتاب الإفصاح في شرح أبيات مشكلة «٢» . حدثني الشيخ الإمام موفق الدين أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي قال: حدثني قاضي عسكر نور الدين محمود بن زنكي قال: قدم على ابن مروان صاحب ديار بكر شاعر من العجم يعرف بالغساني، وكان من عادة ابن مروان إذا قدم عليه شاعر يكرمه وينزله ولا يجتمع به إلى ثلاثة أيام ليستريح من سفره ويصلح شعره ثم يستدعيه، واتفق أن الغسانيّ لم يكن أعدّ شيئا في سفره ثقة بقريحته، فأقام ثلاثة أيام فلم يفتح عليه بعمل بيت واحد، وعلم أنه يستدعى ولا يليق به أن يلقى الأمير بغير مديح، فأخذ قصيدة من شعر ابن أسد لم يغير فيها إلا اسمه، فغضب من ذلك وقال:

стр. 842

يجيء هذا العجمي فيسخر منا؟! ثم أمر بمكاتبة ابن أسد، وأمر أن يكتب القصيدة بخطّه ويرسلها إليه، فخرج بعض الحاضرين فأنهى القضية إلى الغساني، وكان هذا بآمد، وكان له غلام جلد، فكتب من ساعته إلى ابن أسد كتابا يقول فيه: إني قدمت على الأمير فأرتج عليّ قول الشعر مع قدرتي عليه، فادّعيت قصيدة من شعرك استحسانا لها وعجبا بها ومدحت بها الأمير، ولا أبعد أن تسأل عن ذلك، فإن سئلت فرأيك الموفق في الجواب، فوصل غلام الغساني قبل كتاب ابن مروان، فجحد ابن أسد أن يكون عرف هذه القصيدة أو وقف على قائلها قبل هذا، فلما ورد الجواب على ابن مروان عجب من ذلك وأساء إلى الساعي وشتمه وقال: إنما قصدكم فضيحتي بين الملوك، وإنما يحملكم على هذا الفعل الحسد منكم لمن أحسن إليه، ثم زاد في الإحسان إلى الغساني وانصرف إلى بلاده. فلم يمض على ذلك إلا مديدة حتى اجتمع أهل ميافارقين إلى ابن أسد، ودعوه إلى أن يؤمّروه عليهم، ويساعدوه على العصيان، وإقامة الخطبة للسلطان ملكشاه وحده، وإسقاط ابن مروان بن الخطبة، فأجابهم إلى ذلك، وبلغ ذلك ابن مروان فحشد له، ونزل على ميافارقين محاصرا فأعجزه أمرها، فأنفذ إلى نظام الملك والسلطان يستمدّهما، فأنفذا إليه جيشا ومددا مع الغساني الشاعر المذكور آنفا، وكان تقدّم عند نظام الملك والسلطان وصار من أعيان الدولة، وصدقوا في الزحف على المدينة حتى أخذوها عنوة وقبض على ابن أسد وجيء به إلى ابن مروان، فأمر بقتله، فقام الغساني وجرّد العناية في الشفاعة، فامتنع ابن مروان امتناعا شديدا من قبول شفاعته، وقال: إن ذنبه وما اعتمده من شقّ العصا يوجب أن يعاقب عقوبة من عصى وليس عقوبة غير القتل، فقال: بيني وبين هذا الرجل ما يوجب قبول شفاعتي فيه، وأنا أتكفّل به ألا يجري منه بعد شيء يكره، فاستحيى منه وأطلقه له، فاجتمع به الغسّاني وقال له: أتعرفني؟ قال: لا والله ولكني أعرف أنك ملك من ملائكة «١» السماء منّ الله بك عليّ لبقاء مهجتي، فقال له: أنا الذي ادّعيت قصيدتك وسترت عليّ، وما جزاء الإحسان إلا الاحسان، فقال ابن أسد: ما رأيت ولا سمعت بقصيدة جحدت فنفعت صاحبها أكثر من نفعها إذا ادّعاها

стр. 843

غير هذه، فجزاك الله عن مروءتك خيرا، وانصرف الغساني من حيث جاء. وأقام ابن أسد مدة ورقّت «١» حاله، وجفاه إخوانه وعاداه أعوانه، ولم يقدم أحد على مقاربته ولا مرافدته حتى أضرّ به العيش، فعمل قصيدة مدح بها ابن مروان وتوصّل حتى وصلت إليه فلما وقف ابن مروان عليها غضب وقال: لا يكفيه ان يخلص منا رأسا برأس حتى يريد منا الرفد والمعيشة، لقد أذكرني بنفسه، فاذهبوا به فاصلبوه، فذهبوا به فصلبوه، ﵀. ومن شعر الحسن بن أسد الفارقي ﵀: بنتم فما كحل الكرى ... لي بعد وشك البين عينا ولقد غدا كلفي بكم ... أذنا عليّ لكم وعينا (رقيب) فأسلت بعد فراقكم ... من ناظري بالدمع عينا (عين الماء) فحكت مدامعها الغزار ... من الغيوم الغرّ عينا (عين السحاب) جادت على أثر شفى ... عينا لهم لم تلق عينا (شخص) من كلّ واضحة الترا ... ئب سهلة الخدين عينا (واسعة العين) غراء تحسب وجهها ... للشمس حين تراه عينا أمسيت في حيّ لها ... عبدا أضام وكنت عينا (سيد) لا حركت ركب الركائب ... إذ بهنّ سريت عينا (حر من النوق) غار الحسود من الوصال ... فلا رعاه الله عينا (مصدر) فذممت حرفا عاينت ... عيناي في أولاه عينا (عين الحرف) كانت تناصفنا وصافي ... الودّ لا ورقا وعينا (ذهب) لهفي وقد أبصرت في ... ميزان ذاك الوصل عينا (نقصان) كم من أخ فينا وعى ... ما لم نكن فيه وعينا (سمعنا) ومصاحب صنّفت في ... عدوائه للعين عينا (كتاب الخليل)

стр. 844

وقال في الشمعة «١» : ونديمة لي في الظلام وحيدة ... مثلي مجاهدة كمثل جهادي فاللون لوني والدموع كأدمعي «٢» ... والقلب قلبي والسهاد سهادي لا فرق فيما بيننا لو لم يكن ... لهبي خفيّا وهو منها بادي وله أيضا «٣» : أريقا من رضابك أم رحيقا ... رشفت فلست من سكري مفيقا وللصهباء أسماء ولكن ... جهلت بأنّ في الأسماء ريقا حمتني عن حميّا الكأس نفس ... إلى غير المعالي لن تتوقا وما تركي لها شح ولكن ... طلبت فما وجدت لها صديقا وله أيضا «٤» : وإخوان بواطنهم قباح ... وإن كانت ظواهرهم ملاحا حسبت مياه ودهم عذابا ... فلما ذقتها كانت ملاحا وله أيضا «٥» : ووقت غنمناه من الدهر مسعد ... معار وأوقات السرور عواري معانيه مما نبتغيه جميعه ... كواس ومما لا نريد عواري أدار علينا الكاس فيه ابن أربع ... وعشر له بالكأس أي مدار تناولتها منه بكفّ كأنها ... أناملها تحت الزجاج مداري وله أيضا «٦» : تيّم قلبي شادن أغيد ... ملّك «٧» فالناس له أعبد لو جاز أن يعبد في حسنه ... وظرفه كنت له أعبد

стр. 845

وله أيضا «١» : هويت بديع الحسن للغصن قدّه ... وللظبي عيناه وخدّاه للورد غزال من الغزلان لكن أخافه ... وإن كنت مقداما على الأسد الورد وله أيضا «٢» : ولربّ دان منك يكره قربه ... وتراه وهو عشاء عينك والقذى فاعرف وخلّ مجرّبا هذا الورى ... واترك لقاءك ذا كفافا والق ذا وله أيضا «٣» : أيا ليلة زار فيها الحبيب ... أعيدي لنا منك وصلا وعودي فإني شهدتك مستمتعا ... به بين رنة ناي وعود وطيب حديث كزهر الرياض ... تضوّع ما بين مسك وعود سقتك الرواعد من ليلة ... بها اخضرّ يابس عيشي وعودي وفي لي بوعد ولا تخلفيه ... إخلاف دهر به لي وعودي فلما تقضيت أمرضتني ... فزوري مريضك يوما وعودي وله أيضا «٤» : يا من حكى «٥» ثغره الدرّ النظيم ومن ... تخال أصداغه السود العناقيدا اعطف على مستهام ضمّ من أسف ... على هواك وفي حبل العنا قيدا وله أيضا «٦» : بنتم فما لحظ الطرف الولوع بكم ... شيئا يسرّ به قلبي ولا لمحا فلو محا فيض دمع من تكاثره ... إنسان عين إذا إنسانه لمحا وله أيضا «٧» : أيا كم أعاني الوجد في كلّ صاحب ... ولست أراه لي كوجدي واجدا

стр. 846

إذا كنت ذا عدم فحرب مجانب ... وتلقاه لي سلما اذا كنت واجدا أحاول في دهري خليلا مصافيا ... وهيهات خلّا صافيا لست واجدا وله أيضا «١» : بعدت فأما الطرف مني فساهد ... لشوقي وأما الطرف منك فراقد فسل عن سهادي أنجم الليل إنها ... ستشهد لي يوما بذاك الفراقد قطعتك إذ أنت القريب لشقوتي ... وواصلني قوم إليّ أباعد فيا أهل ودّي إن أبى وعد قربنا ... زمان فأنتم لي به إن أبى عدوا وله أيضا «٢» : لا يصرف الهمّ إلا شدو محسنة ... أو منظر حسن تهواه أو قدح والراح للهمّ أنفاها فخذ طرفا ... منها ودع أمّة في شربها قدحوا بكر تخال إذا ما المزج خالطها ... سقاتها أنهم زندا بها قدحوا وله أيضا «٣» : بعدت فقد أضرمت ما بين أضلعي ... ببعدك نارا شجو قلبي وقودها وكلفت نفسي قطع بيداء لوعة ... تكلّ بها هوج المهارى وقودها وله أيضا «٤» : تجلّد على الدهر واصبر بما ... عليك الإله من الرزق أجرى ولا يسخطنّك صرف القضاء ... فتعدم إذ ذاك حظا وأجرا فما زال رزق امرىء طالب ... بعيدا إليه دجى الليل يسرى توقع إذا ضاق أمر عليك ... خيرا فإنّ مع العسر يسرا وله أيضا «٥» : قد كان قلبي صحيحا كالحمى زمنا ... فمذ أبحت الهوى منه الحمى مرضا فلم سخطت على من كان شيمته ... وقد أبحت له فيك الحمام رضى

стр. 847

يا من إذا فوّقت سهما لواحظه ... أضحى لها كلّ قلب قلّب غرضا أنا الذي إن يمت حبّا يمت أسفا ... وما قضى فيك من أغراضه غرضا ما إن قضى الله شيئا في خليقته ... أشدّ من زفرات الحب حين قضى فلا قضى كلف نحبا فأوجعني ... إن قيل إن المحبّ المستهام قضى وله أيضا «١» : تراك يا متلف جسمي ويا ... مكثر إعلالي وإمراضي من بعد ما أضنيتني ساخط ... عليّ في حبّك أم راضي [٣١١] الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي النحوي الكاتب ، أبو القاسم: صاحب «كتاب الموازنة بين الطائيين» : كان حسن الفهم جيد الدراية والرواية، سريع الإدراك، رأيت سماعه على «كتاب القوافي» لأبي العباس المبرد، وقد سمعه على نفطويه سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، ثم وجدت خطّه على كتاب «تبيين [غلط] قدامة بن جعفر في نقد الشعر» وقد ألفه لأبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد، وقد قرأه عليه وكتب خطه في سنة خمس وستين وثلاثمائة. وقال ابن النديم في «الفهرست» «٢» الذي ألفه في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة: هو من أهل البصرة قريب العهد، وأحسبه يحيا إلى الآن، ثم وجدت «كتاب القوافي» للمبرد بخط أبي منصور الجواليقي ذكر في إسناده أن عبد الصمد بن حنيش النحوي قرأه على أبي القاسم الآمدي في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. وفي «تاريخ»

стр. 848

هلال بن المحسن: في هذه السنة- يعني في سنة سبعين- مات الحسن بن بشر الآمدي بالبصرة. وقال أبو علي المحسن التنوخي «١» حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، كاتب القضاة من بني عبد الواحد بالبصرة، وله شعر حسن واتساع تامّ في الأدب، ودراية وحفظ وكتب مصنفة، قال: حدثني أبو إسحاق الزجاج قال: كنا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله نشرب، وهو وزير، فغنت بدعة جارية عريب «٢» : أدلّ فأكرم به من مدلّ ... ومن ظالم لدمي مستحلّ إذا ما تعزز قابلته ... بذلّ وذلك جهد المقلّ وأسلمت خدّي له خاضعا ... ولولا ملاحته لم أذلّ «٣» فأدّت فيه صنعة حسنة جدّا، فطرب القاسم عليه طربا شديدا واستحسن الصنعة جدّا والشعر فأفرط، فقالت بدعة: يا مولاي إن لهذا الشعر خبرا حسنا أحسن منه، قال: وما هو؟ قالت: هو لأبي خازم «٤» القاضي، قال: فعجبنا من ذلك، مع شدة تقشف القاضي أبي خازم وورعه وتقبّضه «٥» ، فقال لي الوزير: بالله يا أبا إسحاق اركب «٦» إلى أبي خازم واسأله عن هذا الشعر وسببه، فباكرته وجلست حتى خلا وجهه ولم يبق إلا رجل بزيّ القضاة عليه قلنسوة، فقلت: بيننا شيء أقوله على خلوة، فقال: ليس هذا ممن أكتمه شيئا، فقصصت عليه الخبر، وسألت عن الشعر والخبر، فتبسّم ثم قال: هذا شيء كان في الحداثة، قلته في والدة هذا- وأومأ الى القاضي الجالس وإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لي مملوكة ولقلبي مالكة، فأما الآن

стр. 849

فلا عهد لي بمثله منذ سنين، ولا عملت شعرا منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى. قال: فوجم الفتى حتى ارفضّ عرقا، وعدت إلى القاسم فأخبرته فضحك من خجل الابن وقال: لو سلم من العشق أحد لكان أبو خازم مع تقبضه «١» وكنا نتعاود ذلك زمانا. قال المؤلف: كان هذا الخبر بترجمة أبي إسحاق الزجاج أحرى إلا أنّ في أوله من إيضاح حال الآمدي ما ساق باقي الحديث «٢» . قال أبو علي «٣» : كان قد ولي القضاء بالبصرة في سنة نيف وخمسين وثلاثمائة رجل لم يكن عندهم بمنزلة من صرف به، لأنه ولّي صارفا لأبي الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي، فقال فيه أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي كاتب القاضيين أبي القاسم جعفر «٤» وأبي الحسن محمد بن عبد الواحد: رأيت قلنسوة «٥» تستغيث ... من فوق رأس تنادي خذوني وقد قلقت فهي طورا تميل ... من عن يسار ومن عن يمين فطورا تراها فويق القفا ... وطورا تراها فويق الجبين فقلت لها أيّ شيء دهاك ... فردّت بقول كئيب حزين دهاني أن لست في قالبي ... وأخشى من الناس أن يبصروني وأن يعبثوا بمزاح معي ... وإن فعلوا ذاك بي قطعوني فقلت لها مرّ من تعرفين ... من المنكرين لهذي الشؤون [ومن كان يشهق إما رآك ... ويخرج من جوفه كالرنين] ومن كان يصفع في الدين «٦» لا ... يملّ ويشتدّ في غير لين

стр. 850

ويسلح «١» ملأك كيل التمام ... إما على صحة أو جنون ففارقها ذلك الإنزعاج ... وعادت إلى حالها في السكون وحدث ابن نصر «٢» قال: حدّثت يوما أبا الفرج الببغا الشاعر أن أبا الفرج منصور بن بشر النصراني الكاتب، وكان منقطعا إلى أبي العباس ابن ماسرجس، فأنفذه مرة إلى أبي عمر إسماعيل بن أحمد عامل البصرة في بعض حاجاته، فعاد من عنده مغضبا لأنه لم يستوف له القيام عند دخوله، وأراد أبو العباس إنفاذه بعد أيام فأبى وقال: لو أعطيتني زورق ابن الخواستيني مملوءا كيمياء، كلّ مثقال منه إذا وضع على ألف مثقال صفرا صار ذهبا إبريزا ما مضيت إليه، فأمسك عنه مغيظا (وهذا زورق معروف بالبصرة، وحمله ثلاثمائة ألف رطل، وقد رأيت دواتي أبي العباس سهل بن بشر، وقد حكي له أن ابن علان قاضي القضاة بالأهواز ذكر أنه رأى قبجة «٣» وزنها عشرة أرطال، فقال: هذا محال، فقيل له: تردّ قول ابن علان؟ قال: فإن قال ابن علان إن على شاطىء جيحون نخلا يحمل غضار صيني مجزّع بسواد أقبل) وقلت لأبي الفرج: وللناس عادات في المبالغات، وهذا من أعجبها، فقال لي: كان الآمدي النحويّ صاحب «كتاب الموازنة» يدّعي هذه المبالغات على أبي تمام ويجعلها استطرادا لعيبه إذا ضاق عليه المجال في ذمه، وأورد في كتابه قوله من قصيدته التي أولها «٤» : من سجايا الطلول ألا تجيبا خضبت خدّها إلى لؤلؤ العقد دما أن رأت شواتي خضيبا كلّ داء يرجى الدواء له الا الفظيعين ميتة ومشيبا

стр. 851

ثم قال: هذه من مبالغاته المسرفة؛ ثم قال أبو الفرج: هذه والله المبالغة التي يبلغ بها السماء. وله من الكتب: كتاب المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء «١» . كتاب نثر المنظوم. كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري «٢» . كتاب في أن الشاعرين لا تتفق خواطرهما. كتاب ما في عيار الشعر لابن طباطبا من الخطأ. كتاب فرق ما بين الخاصّ والمشترك من معاني الشعر. كتاب تفضيل شعر امرىء القيس على الجاهليين. كتاب في شدة حاجة الإنسان إلى أن يعرف نفسه. كتاب تبيين غلط قدامة بن جعفر في «كتاب نقد الشعر» . كتاب معاني شعر البحتري. كتاب الرد على ابن عمار فيما خطأ فيه أبا تمام. كتاب فعلت وأفعلت، غاية لم يصنف مثله. كتاب الحروف من الأصول في الأضداد، رأيته بخطه في نحو مائة ورقة. كتاب ديوان شعره نحو مائة ورقة. وقرأت في كتاب ألفه أحد بني عبد الرحيم الوزراء الذين مدحهم مهيار وغيره ولم يذكر اسمه، قال أخبرني القاضي أبو القاسم التنوخي «٣» عن أبيه أبي علي المحسن أن مولد أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي بالبصرة وأنه قدم بغداد يحمل عن الأخفش والحامض والزجاج وابن دريد وابن السراج وغيرهم اللغة والنحو، وروى الأخبار في آخر عمره بالبصرة، وكان يكتب «٤» بمدينة السلام لأبي جعفر هارون بن محمد الضبي خليفة أحمد بن هلال صاحب عمان بحضرة المقتدر بالله ووزارته ولغيره من بعده، وكتب بالبصرة لأبي الحسن أحمد وأبي أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى، وبعدهما لقاضي البلد أبي القاسم جعفر ابن عبد الواحد الهاشمي على الوقوف التي تليها القضاة ويحضر به في مجلس حكمه، ثم لأخيه أبي الحسن محمد بن عبد الواحد لما ولي قضاء البصرة، ثم لزم بيته إلى أن مات. وكان كثير الشعر حسن الطبع جيد الصنعة

стр. 852

مشتهرا بالتشبيهات. ولأبي القاسم تصانيف كثيرة جيدة مرغوب فيها منها «كتاب الموازنة بين البحتري وأبي تمام» في عشرة أجزاء وهو كتاب حسن، وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه، ونسب إلى الميل مع البحتري فيما أورده، والتعصّب على أبي تمام فيما ذكره، والناس بعد فيه على فريقين: فرقة قالت برأيه حسب رأيهم في البحتري وغلبة حبّهم لشعره، وطائفة أسرفت في التقبيح لتعصّبه، فإنه جدّ واجتهد في طمس محاسن أبي تمام وتزيين مرذول البحتري. ولعمري إن الأمر كذلك، وحسبك أنه بلغ في كتابه إلى قول أبي تمام: أصمّ بك الناعي وإن كان أسمعا وشرع في إقامة البراهين على تزييف هذا الجوهر الثمين، فتارة يقول: هو مسروق، وتارة يقول: هو مرذول، ولا يحتاج المنصف إلى أكثر من ذلك؛ إلى غير ذلك من تعصباته، ولو أنصف وقال في كلّ واحد بقدر فضائله لكان في محاسن البحتري كفاية عن التعصب بالوضع من أبي تمام. وله أيضا «كتاب الخاص والمشترك» تكلم فيه على الألفاظ والمعاني التي تشترك العرب فيها ولا ينسب مستعملها إلى السرقة وإن كان سبق إليها، وبيّن الخاصّ الذي ابتدعه الشعراء وتفردوا به ومن اتبعهم، وما أقصر في إيضاح ذلك وتحقيقه، إلى غير ذلك من تصانيفه التي ذكرنا منها ما قدرنا عليه فيما تقدم. ومن شعره «١» : يا واحدا بان في الزمان ... ممن يجاريه أو يداني دعني من نائل جزيل ... يعجز عن شكره لساني فلست والله مستميحا ... ولا أخا مطمع «٢» تراني وهب إذا كنت لي وهوبا ... من بعض أخلاقك الحسان

стр. 853

وقال في أبي محمد المافروخي، وكان عالما فاضلا لا يجارى لكنه كان تمتاما: لا تنظرنّ إلى تتعتعه إذا ... رام الكلام ولفظه المعتاص وانظر إلى الحكم التي يأتي بها ... تشفيك عند تطلّق وخلاص فالدرّ ليس يناله غوّاصه ... حتى تقطّع أنفس الغوّاص وفي «النشوار» «١» : حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي قال، قال أبو أحمد طلحة بن الحسن بن المثنّى، وقد تجارينا على خلوة الحديث فيما كان بينه وبين أبي القاسم البريدي وتدبير كلّ واحد منهما على صاحبه في القبض عليه، وأشرت عليه بأن يهرب ولا يقيم، وأنه لا يجب أن يغترّ «٢» ، فقال: لست أفكر في هذا الرجل لأمور «٣» كثيرة منها: رؤيا رأيتها منذ ليال كثيرة، فقلت: ما هي؟ فقال: رأيت ثعبانا عظيما قد خرج من هذا الحائط، وأومأ بيده إلى حائط في مجلسه، وهو يريدني، فطلبته [وضربته] فأثبتّه في الحائط، فتأولت ذلك أن الثعبان البريديّ وأني أغلبه؛ قال: فحين قال: «فأثبتّه في الحائط» سبق إلى قلبي أنّ البريديّ هو الثابت، وأن الحائط حياطة له «٤» دون أبي أحمد، فأردت أن أقول له إن الخبر مستفيض بما كان عبد الملك رأى في منامه كأنه وابن الزبير اصطرعا في صعيد من الأرض، فطرح ابن الزبير عبد الملك تحته على الأرض، وأوتده بأربعة أوتاد فيها، وأنه أنفذ راكبا إلى البصرة حتى لقي ابن سيرين فقصّ عليه الرؤيا كأنها له، وكتم [ذكر] ابن الزبير، فقال له ابن سيرين: هذه الرؤيا ليست رؤياك فلا أفسّرها لك، فألحّ عليه فقال له: هذه الرؤيا يجب أن تكون لعبد الملك، فإن صدقتني فسّرتها لك، فقال: هو كما وقع لك، فقال: قل له إن صحّت رؤياك هذه فستغلب ابن الزبير على الأرض، ويملك الأرض من صلبك أربعة ملوك. فمضى الرجل إلى عبد الملك فأخبره، فعجب من فطنة ابن سيرين، فقال: ارجع إليه فقل له من أين قلت ذلك؟ فرجع الرجل إليه فقال

стр. 854

له: إن الغالب في النوم هو المغلوب، وتمكنه على الأرض غلبته عليها، والأوتاد الأربعة التي أوتدها في الأرض هم ملوك يتمكنون من الأرض كما تمكنت الأوتاد. قال أبو القاسم الآمدي: فأردت أن أقول لأبي أحمد هذا، وما وقع لي من القياس عليه في تفسير رؤياه، فكرهت ذلك، لأنه كان يكون سوء أدب وقباحة عشرة ونعيا «١» لنفسه، فما مضت إلا أيام حتى قبض البريديّ عليه وكان من أمره ما كان. [٣١٢] أبو الحسن البوراني : معتزلي نحويّ ذكره المقدر عند ذكره لجماعة من المعتزلة النحويين فقال: وأبو الحسن البوراني، وناهيك تدقيقا في مسائل الكتاب، وكان في أيام أبي علي الفارسي وطبقته. [٣١٣] الحسن بن الحسين بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن العلاء بن أبي صفرة المعروف بالسكري، أبو سعيد النحوي اللغوي الراوية الثقة المكثر: مات في سنة خمس وسبعين ومائتين ومولده في سنة اثنتي عشرة ومائتين. سمع يحيى بن معين وأبا حاتم السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي ومحمد بن حبيب والحارث بن أبي أسامة وأحمد بن الحارث الخراز وخلقا سواهم، وأخذ عنه محمد بن عبد الملك التاريخي. وكان ثقة صادقا يقرىء القرآن، وانتشر عنه في كتب الأدب ما لم ينتشر عن أحد من نظرائه، وكان إذا جمع جمعا فهو الغاية في الاستيعاب والكثرة.

стр. 855

حدث أبو الكرم خميس بن علي الحوزي النحوي الحافظ الواسطي في أماليه- وله في هذا الكتاب باب «١» قال: قدم أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري بغداد فحضر مجلس أبي زكريا الفراء، وهو يومئذ شيخ الناس بها، فأملى الفراء بابا في التصغير قال فيه: العرب تقول: هو الهن وتصغيره الهنيّ، وتثنيته في الرفع الهنيّان، وفي النصب والجر الهنيّين، وأنشد عليه قول القتّال الكلابي «٢» : يا قاتل الله صلعانا تجيء بهم ... أمّ الهنيّين من زند لها واري فأمسك أبو سعيد حتى إذا انقضى المجلس ولم يبق فيه أحد سوى الفراء تقدم أبو سعيد حتى جلس بين يديه وقال له: أكرمك الله، أنا رجل غريب، وقد مرّ شيء أتأذن لي في ذكره؟ فقال: اذكره، فقال: إنك قلت هو الهن وتثنيته في الرفع الهنيان وفي النصب والجر الهنيين، وهذا جميعه كما قلت، ثم أنشدت قول الكلابي: يا قاتل الله صلعانا تجيء بهم ... أم الهنيين من زند لها واري وليس هكذا أنشدناه أشياخنا، قال الفراء: ومن أشياخك؟ قال: أبو عبيدة وأبو زيد والأصمعي، قال الفراء: وكيف أنشده أشياخك؟ قال: فزعموا أن الهنبر بوزن الخنصر ولد الضبع، وأن القتّال قال: يا قاتل الله صلعانا تجيء بهم ... أم الهنيبر من زند لها واري على التصغير؛ ففكر الفراء ساعة وقال: أحسن الله عن الإفادة وحسن «٣» الأدب جزاءك. قال المؤلف ياقوت بن عبد الله: هكذا وجدت هذا الخبر في أمالي الحوزي، وهو ما علمت من الحفاظ، إلا أنه غلط فيه من وجوه: وذلك أن السكري لم يلق الأصمعي ولا أبا عبيدة ولا أبا زيد، وإنما روى عمن روى عنهم كابن حبيب وابن أبي أسامة والخراز وطبقتهم، ثم إن السكري ولد في سنة اثنتي عشرة ومائتين، وأبو عبيدة

стр. 856

مات سنة تسع عشرة ومائتين وأبو زيد مات سنة خمس عشرة ومائتين، والأصمعي مات في سنة ثلاث عشرة ومائتين أو خمس عشرة ومائتين فمتى قرأ عليهم، وهذه الجماعة المذكورة هم في طبقة الفراء لأن الفراء مات في سنة سبع ومائتين، ولعل هذه الحكاية عن غير السكري وأوردها خميس عنه سهوا وأوردتها أنا كما وجدتها. وللسكري من الكتب على ما ذكره محمد بن اسحاق النديم «١» : كتاب أشعار هذيل. كتاب النقائض. كتاب النبات. كتاب الوحوش، جوّد في تصنيفه. كتاب المناهل والقرى. كتاب الأبيات السائرة. وعمل أشعار جماعة من الشعراء منهم: امرؤ القيس. النابغة الذبياني. النابغة الجعدي. زهير. الحطيئة. لبيد. تميم بن أبي بن مقبل. دريد بن الصمة. الأعشى. مهلهل. متمم بن نويرة. أعشى باهلة. الزبرقان بن بدر. بشر بن أبي خازم. المتلمس. الراعي. الشماخ. الكميت. ذو الرمة. الفرزدق. ولم يعمل شعر جرير، وعمل شعر أبي نواس، وتكلم على معانيه وغريبه في نحو ألف ورقة ولم يتمّ، وإنما عمل مقدار ثلثيه؛ قال محمد بن إسحاق النديم: ورأيته بخط الحلواني، وكان الحلواني قريب أبي سعيد السكري. وعمل شعر قيس بن الخطيم وهدبة بن خشرم وابن أحمر العقيلي والأخطل وغير هؤلاء. وأما أشعار القبائل فإنه عمل منهم: أشعار بني هذيل. أشعار بني شيبان. أشعار بني ربيعة. أشعار بني يربوع. أشعار بني طيء. أشعار بني كنانة. أشعار بني ضبة. أشعار بجيلة. أشعار بني القين. أشعار بني يشكر. أشعار بني حنيفة. أشعار بني محارب. أشعار الأزد. أشعار بني نهشل. أشعار بني عدي. أشعار بني أشجع. أشعار بني نمير. أشعار بني عبد ودّ. أشعار بني مخزوم. أشعار بني سعد. أشعار بني الحارث. أشعار الضباب. أشعار فهم وعدوان. أشعار مزينة. وحدث الصولي قال: كنت عند أحمد بن يحيى ثعلب فنعي إليه السكري فتمثل «٢» :

стр. 857

المرء يخلق وحده ... ويموت يوم يموت وحده والناس بعدك إن هلكت ... فمن رأيت الناس بعده [٣١٤] الحسن بن الخطير أبو علي الفارسي المعروف بالظهير : كان فقيها لغويا نحويا، مات بالقاهرة من الديار المصرية في شهور سنة ثمان وتسعين وخمسمائة؛ حدثني بجميع ما أورده عنه ها هنا من خبره ووفاته تلميذه الشريف أبو جعفر محمد بن عبد العزيز الادريسي الحسني الصعيدي بالقاهرة في سنة اثنتي عشرة وستمائة قال: كان الظهير يكتب على كتبه في فتاويه «الحسن النعماني» فسألته عن هذه النسبة فقال: أنا نعماني، أنا من ولد النعمان بن المنذر، ومولدي بقرية تعرف بالنعمانية، ومنها ارتحلت إلى شيراز فتفقهت بها فقيل لي الفارسي، وأنتحل مذهب النعمان «١» وأنتصر له فيما وافق اجتهادي. وكان عالما بفنون من العلم: كان قارئا بالعشر والشواذّ، عالما بتفسير القرآن وناسخه ومنسوخه والفقه والخلاف والكلام والمنطق والحساب والهيئة والطب، مبرزا في اللغة والنحو والعروض والقوافي ورواية أشعار العرب وأيامها وأخبار الملوك من العرب والعجم، وكان يحفظ في كلّ فن من هذه العلوم كتابا فكان يحفظ في علم التفسير كتاب «لباب التفسير» لتاج القراء، وفي الفقه كتاب «الوجيز» للغزالي، وفي فقه أبي حنيفة كتاب «الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن الشيباني نظم النسفي، وفي الكلام كتاب «نهاية الاقدام» للشهرستاني، وفي اللغة كتاب «الجمهرة» لابن دريد، كان يسردها كما يسرد القارىء الفاتحة. وقال لي: كنت أكتب ألواحا وأدرسها كما أدرس القرآن، فحفظتها في مدة أربع عشرة

стр. 858

سنة. وكان يحفظ في النحو «كتاب الإيضاح» لأبي علي، وعروض الصاحب ابن عباد، وكان يحفظ في المنطق أرجوزة أبي علي ابن سينا، وكان قيّما بمعرفة قانون الطب له، وكان عارفا باللغة العبرانية ويناظر أهلها بها، حتى لقد سمعت بعض رؤساء اليهود يقول له: لو حلّفت أنّ سيدنا كان حبرا من أحبار اليهود لحلفت فإنه لا يعرف هذه النصوص بالعبرانية إلّا من تدرّب بهذه اللغة. وكان الغالب عليه علم الأدب، حتى لقد رأيت الشيخ أبا الفتح عثمان بن عيسى النحوي البلطي، وهو شيخ الناس يومئذ بالديار المصرية، يسأله سؤال المستفيد عن حروف من حوشيّ «١» اللغة. وسأله يوما بمحضري عمّا وقع في ألفاظ العرب على مثال شقحطب فقال: هذا يسمى في كلام العرب المنحوت، ومعناه أن الكلمة منحوتة من كلمتين كما ينحت النجار خشبتين ويجعلهما واحدة «٢» ، فشقحطب منحوت من شق وحطب، فسأله البلطي أن يثبت له ما وقع من هذا المثال إليه ليعوّل في معرفتها عليه فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه، وسماها «كتاب تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب» . قال: ورأيت السعيد أبا القاسم هبة الله بن الرشيد جعفر بن سناء الملك يسأله على وجه الامتحان عن كلمات من غريب كلام العرب وهو يجيب عنها بشواردها، وكان القاضي الفاضل عبد الرحيم بن البيساني قد وضعه على ذلك. قال: وحدثني عن نفسه قال: لما دخلت خوزستان لقيت بها المجير البغدادي تلميذ الشهرستاني، وكان مبرزا في علوم النظر، فأحبّ صاحب خوزستان أن يجمع بيننا للمناظرة في مجلسه، وبلغني ذلك فأشفقت من الانقطاع لمعرفتي بوفور بضاعة المجير من علم الكلام، وعرفت أنّ بضاعته من اللغة نزرة، فلما جلسنا للمناظرة والمجلس غاصّ بالعلماء فقلت له بعرض الكلام: إذا اشرأبت الطلّة إلى قرينها فأرّها في وبصان أو الجماد إذا تأشّب في المغث «٣» ، فاحتاج إلى أن يستفسر ما قلت، فشنّعت عليه وقلت: انظر إلى المدّعي رتبة الإمامة يجهل لغة العرب التي بها نزل كلام

стр. 859

ربّ العالمين وجاء حديث سيد المرسلين، والمناظرة إنما اشتقّت من النظير، وليس هذا بنظيري لجهله بأحد العلوم التي يلزم المجتهد القيام بها، وكثر لغط أهل المجلس وانقسموا فريقين: فرقة لي وفرقة عليّ، وانفكّ المجلس على ذلك وشاع في الناس أني قطعته. وكان الظهير قد أقام بالقدس مدة، فاجتاز به الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف فرآه عند الصخرة يدرس، فسأل عنه فعرّف منزلته من العلم، فأحضره عنده ورغّبه في المصير معه ليقمع به شهاب الدين أبا الفتح الطوسي لشيء نقمه عليه، فورد معه إلى القاهرة، وأجرى عليه كلّ شهر ستين دينارا ومائة رطل خبزا وخروفا وشمعة كلّ يوم، ومال إليه الناس من الجند وغيرهم من العلماء، وصار له سوق قائم إلى أن قرّر العزيز المناظرة بينه وبين الطوسي في غد عيد، وعزم الظهير أن يسلك مع الطوسيّ وقت المناظرة طريق المجير من المغالطة، لأن الطوسيّ كان قليل المحفوظ إلا أنه كان جريئا مقداما شديد العارضة، واتفق أن ركب العزيز يوم العيد، وركب معه الظهير والطوسي، فقال الظهير للعزيز، في أثناء الكلام: أنت يا مولانا من أهل الجنة، فوجد الطوسيّ السبيل إلى مقتله فقال: وما يدريك أنه من أهل الجنة؟ وكيف تزكّي على الله تعالى؟ فقال له الظهير: قد زكّى رسول الله ﷺ أصحابه فقال: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، فقال له: أبيت يا مسكين إلا جهلا، ما تفرّق بين التزكية عن الله والتزكية على الله، وأنت من أخبرك أن هذا من أهل الجنة؟ ما أنت إلّا كما زعموا أنّ فأرة وقعت في دنّ خمر فشربت فسكرت، فقالت: أين القطاط؟ فلاح لها هرّ فقالت: لا تؤاخذ السكارى بما يقولون. وأنت شربت من خمر دنّ نعمة هذا الملك، فسكرت فصرت تقول خاليا: أين العلماء؟ فأبلس [الظهير] ولم يحر جوابا، وانصرف وقد انكسرت حرمته عند العزيز، وشاعت هذه الحكاية بين العوامّ وصارت تحكى في الأسواق والمحافل، فكان مآل أمره أن انضوى إلى المدرسة التي أنشأها الأمير تركون الأسدي يدرّس بها مذهب أبي حنيفة إلى أن مات، وكان قد أملى كتابا في تفسير القرآن وصل منه بعد سنين إلى تفسير قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض (البقرة: ٢٥٣) في نحو مائتي ورقة، ومات ولم يختم تفسير سورة البقرة.

стр. 860

وله كتاب في شرح الصحيحين على ترتيب الحميدي سمّاه «كتاب الحجة» اختصره من كتاب «الإفصاح في تفسير الصحاح» للوزير ابن هبيرة وزاد عليه أشياء وقع اختياره عليها. وكتاب في اختلاف الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار «١» ولم يتم. وله خطب وفصول وعظيّة مشحونة بغريب اللغة وحوشيّها. [٣١٥] الحسن بن داود الرقي أبو علي : لا أعرف من أمره إلا ما وجدته بخط أبي الحسن علي بن عبيد الله السمسمي اللغوي، حدثنا النيسابوري قال، حدثنا أبو الحسن محمد بن يوسف الناقط قال حدثنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل ابن خلف بن شجرة قال، قال لي أبو أحمد محمد بن موسى البردي: سمعت من الحسن بن داود أبي علي الرقي بسرّ من رأى سنة ثمان وثلاثين ومائتين كتابه الذي يسميه «كتاب الحلي» وكان وقت كتبنا عنه قد جاز الثمانين، وأخرج إليّ أبو أحمد الكتاب فإذا هو الكتاب الذي سماه أحمد بن يحيى «فصيح الكلام» . قال أبو الحسن الناقط، قال ابن كامل: وكان الحسن بن داود مؤدّب عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد. [٣١٦] الحسن بن داود بن الحسن القرشي المعروف بالنقاد المقرىء، يكنى أبا علي: أمويّ كوفي، قرأ على أبي محمد القاسم بن أحمد المعروف بالخياط التميمي المعروف بابن القملي أيضا، عن أبي جعفر محمد بن حبيب الشموني

стр. 861

الكوفي، عن أبي يوسف يعقوب بن خليفة الأعشى، عن أبي بكر ابن عياش عن عاصم قراءة عاصم، ومات بالكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وصنف كتبا منها كتاب قراءة الأعشى. كتاب اللغة في مخارج الحروف وأصول النحو. ذكر الحافظ أبو العلاء الهمذاني في «كتاب القراءات العشر» له في نسب النقاد: الحسن بن داود بن الحسن بن عون بن منذر بن صبيح القرشي النحوي، وكان موصوفا بحسن القراءة وطيب النغم جدا. وقال ابن النجار في «تاريخ الكوفة» : ومن تأريخ رجال عاصم: محمد بن غالب الصيرفي، وبينه وبين القملي اختلافات في حروف يسيرة، وقرأ عليه جماعة من أهل الكوفة، فمنهم أبو علي الحسن بن داود النقاد، وكان حاذقا بالنحو لفاظا بالقرآن صاحب ألحان، وكان يصلّي بالناس تراويح بالجامع بالكوفة، وصلى فيه ثلاثا وأربعين سنة، وكان أحد المجوّدين. [٣١٧] الحسن بن رشيق القيرواني مولى الأزد : كان شاعرا أديبا نحويا لغويا حاذقا عروضيا كثير التصنيف حسن التأليف، وكان بينه وبين ابن شرف الأديب مناقضات ومحاقدات، وصنّف في الردّ عليه عدة تصانيف. كان أبوه رشيق روميا- ذكر ذلك هو في الردّ على ابن شرف بعد ذكره نسب ابن شرف: هو اسم امرأة نائحة، ثم قال: وأما أنا فنظر الله في وجهة هذا الشيخ إليّ، وأتمّ به النعمة عليّ، فما أبغى به أبا، ولا أرضى بمذهبه مذهبا، رضيت به روميا لا دعيّا ولا بدعيّا.

стр. 862

تأدب ابن رشيق على أبي عبد الله ابن جعفر القزاز القيرواني النحوي اللغوي وغيره من أهل القيروان، ومات بالقيروان سنة ست وخمسين وأربعمائة عن ست وستين سنة، ذكر ابن رشيق هذا نفسه في كتابه الذي صنفه في شعراء عصره ووسمه ب «الأنموذج» فقال في آخره: صاحب الكتاب هو حسن بن رشيق، مولى من موالي الأزد، ولد بالمحمدية سنة تسعين وثلاثمائة، وتأدّب بها يسيرا وقدم إلى الحضرة سنة ست وأربعمائة، وامتدح سيدنا خلّد الله دولته (قال المؤلف: يعني المعز بن باديس بن المنصور) سنة عشر بقصيدة أوّلها «١» : ذمّت لعينك أعين الغزلان ... قمر أقرّ لحسنه القمران ومشت ولا والله ما حقف النقا ... مما أرتك ولا قضيب البان وثن الملاحة غير أنّ ديانتي ... تأبى عليّ عبادة الأوثان منها: يا ابن الأعزّة من أكابر حمير ... وسلالة الأملاك من قحطان من كلّ أبلج واضح بلسانه ... يضع السيوف مواضع التيجان قال: ومن مدح القصيدة التي دخل بها في جملته، ونسب إلى خدمته فلزم الديوان، وأخذ الصلة والحملان «٢» : لدن الرماح لما تسقى أسنّتها ... من مهجة القيل أو من ثغرة البطل لو أثمرت من دم الأعداء سمر قنا ... لأورقت عنده سمر القنا الذبل إذا توجّه في أولى كتائبه ... لم تفرق العين بين السهل والجبل فالجيش ينفض حوليه أسنته ... نفض العقاب جناحيها من البلل يأتي الأمور على رفق وفي دعة ... عجلان كالفلك الدوار في مهل قال: ومن رثائه «٣» :

стр. 863

أما لئن صحّ ما جاء البريد به ... ليكثرنّ من الباكين أشياعي ما زلت أفزع من يأس الى طمع ... حتى ترفّع يأسي فوق أطماعي فاليوم أنفق كنز العمر أجمعه ... لمّا مضى واحد الدنيا باجماع قال: ومن هجائه «١» : قالوا رأينا فراتا ليس يوجعه ... ما يوجع الناس من هجو إذا قذفا وله من كتاب «سر السرور» «٢» : معتقة يعلو الحباب متونها ... فتحسبه فيها نثير جمان رأت من لجين راحة لمديرها ... فطافت له من عسجد ببنان ومن غير كتابه، له «٣» : ومن حسنات الدهر عندي ليلة ... من العمر لم تترك لأيامها ذنبا خلونا بها ننفي القذى عن عيوننا ... بلؤلؤة مملوءة ذهبا سكبا قال الأبيوردي: هذا أحسن من قول ابن المعتز: كم من عناق لنا ومن قبل ... مختلسات حذار مرتقب نقر العصافير وهي خائفة ... من النواطير يانع الرّطب وله أيضا «٤» : قد أحكمت «٥» مني التجارب ... كلّ شيء غير جودي أبدا أقول لئن كسبت ... لأقبضنّ يدي شديد حتى إذا أثريت عدت ... إلى السماحة من جديد إنّ المقام بمثل حالي ... لا يتمّ مع القعود لا بد لي من رحلة ... تدني من الأمل البعيد

стр. 864

وله أيضا «١» : في الناس من لا يرتجى نفعه ... إلا إذا مس باضرار كالعود لا يطمع في طيبه ... إن أنت لم تمسسه بالنار ومما أورده ابن رشيق لنفسه في «الأنموذج» «٢» : أقول كالمأسور في ليلة ... ألقت على الآفاق كلكالها يا ليلة الهجر التي ليتها ... قطّع سيف الهجر أوصالها ما أحسنت جمل ولا أجملت ... هذا وليس الحسن إلا لها وأنشد لنفسه أيضا «٣» : أحبّ أخي وإن أعرضت عنه ... وقلّ على مسامعه كلامي ولي في وجهه تقطيب راض ... كما قطّبت في وجه المدام وربّ تجهم من غير بغض ... وضغن كامن تحت ابتسام وله أيضا «٤» : من جفاني فإنني غير جاف ... صلة أو قطيعة في عفاف ربما هاجر الفتى من يصافيه ... ولاقى بالبشر من لا يصافي وأنشد لنفسه في كتاب «فسح اللمح» «٥» : المرء في فسحة كما علموا ... حتى يرى شعره وتأليفه فواحد منهما صفحت له ... عنه وجازت له زخاريفه وآخر أنت «٦» منه في غرر ... إن لم يوافق رضاك تثقيفه وقد بعثنا كيسين ملؤهما ... نقد امرىء حاذق وتزييفه

стр. 865

فانظر وما زلت أهل معرفة ... يا من لنا علمه ومعروفه ثم قال في ورقة أخرى: تمام الأبيات العينية «١» (وما وجدتها، أعني الأبيات التي هذه تمامها) : ولو غيرك الموسوم عندي برتبة ... لأعطيت فيه مدعي القوم ما ادّعى فلا تتخالجك الظنون فإنها ... مآثم واترك للصنائع موضعا فو الله ما طوّلت باللوم فيكم ... لسانا ولا عرّضت للذمّ مسمعا ولا ملت عنكم بالوداد ولا انطوت ... حبالي ولا ولّى ثنائي مودّعا بلى ربما أكرمت نفسي فلم تهن ... وأجللتها عن أن تذلّ وتخضعا فباينت لا أنّ العداوة باينت ... وقاطعت لا أنّ الوفاء تقطعا وختم كتاب «العمدة» بهذه الأبيات «٢» : إن الذي صاغت يدي وفمي ... وجرى لساني فيه أو قلمي مما عنيت بسبك خالصه ... واخترته من جوهر الكلم لم أهده إلا لتكسوه ... ذكرا يجدده على القدم لسنا نزيدك فضل معرفة ... لكنهنّ مصايد الكرم فاقبل هدية من أشدت به ... ونسخت عنه آية العدم لا تحسن الدنيا أبا حسن ... «٣» تأتي بمثلك فائق الهمم

стр. 866

[٣١٨] الحسن بن شهاب بن الحسن بن علي بن شهاب أبو علي العكبري: قال الخطيب: ولد بعكبرا في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، ومات في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وسمع الحديث على كبر السنّ من أبي علي ابن الصوّاف وابن مالك القطيعيّ وغيرهما. وكان فاضلا يتفقّه على مذهب أحمد بن حنبل. حدث قال: كسبت بالوراقة خمسة وعشرين ألف درهم، قال: وكنت أشتري كاغدا بخمسة دراهم، فأكتب فيه ديوان المتنبي في ثلاث ليال وأبيعه بمائتي درهم وأقله بمائة وخمسين درهما، وكذلك كتب الأدب المطلوبة. وأخذ السلطان من تركة ابن شهاب ألف دينار سوى ما خلّفه من العقار والمتجر، وكان قد أوصى بثلث ماله للمتفقهة الحنابلة فلم يعطوا شيئا. [٣١٩] الحسن بن أبي الحسن صافي أبو نزار النحوي : وكان أبوه صافي مولى الحسين الأرموي «١» التاجر، وكان لا يذكر اسم أبيه إلا بكنيته لئلا يعرف أنه مولى، وهو المعروف بملك النحاة. قال أبو القاسم علي بن عساكر الحافظ «٢» : ذكر لي أنه

стр. 867

ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة في الجانب الغربي بشارع دار الرقيق، ثم انتقل الى الجانب الشرقي الى جوار حرم الخلافت، وهناك قرأ العلم وتخرج، وسمع الحديث من الشريف أبي طالب الزينبي، وقرأ الفقه على أحمد [الأشنهي] ، وأصول الفقه على أبي الفتح ابن برهان «١» ، والخلاف على أسعد الميهني «٢» ، والنحو على أبي الحسن علي بن أبي زيد الأستراباذي الفصيحي، وفتح له الجامع ودرّس، ثم سافر إلى بلاد خراسان وكرمان وغزنة، ودخل إلى الشام وقدم دمشق، ثم خرج منها وعاد إليها واستوطنها إلى أن مات بها في تاسع شوال سنة ثمان وستين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الباب الصغير، وكان قد ناهز الثمانين. كان صحيح الاعتقاد كريم النفس، ذكر لي أسماء مصنفاته: كتاب الحاوي في النحو مجلدتان: كتاب العمد في النحو مجلدة، وهو كتاب نفيس. كتاب المقتصد في التصريف مجلدة ضخمة. كتاب أسلوب الحق في تعليل القراءات العشر وشيء من الشواذ مجلدتان. كتاب التذكرة السفرية، انتهت إلى أربعمائة كراسة. كتاب العروض، مختصر محرر. كتاب في الفقه على مذهب الشافعي سماه «الحاكم» مجلدتان. كتاب مختصر في أصول الفقه. كتاب مختصر في أصول الدين. كتاب ديوان شعره. كتاب المقامات حذا حذو الحريري. ومن شعره يمدح النبي ﷺ «٣» : يا قاصدا يثرب الفيحاء مرتجيا ... أن يستجير بعليا خاتم الرسل خذ عن أخيك مقالا إن صدعت به ... مدحت في آخر الأعصار والأول قل يا من الفخر موقوف عليه فإن ... تذوكر الفخر لم يصدف ولم يمل صيت إذا طلبت غاياته خرقت ... سبعا طباقا فبذّت كلّ ذي أمل علوت وازددت حتى عاد مبتذخا ... جبريل عمّا له قد كان لم يطل

стр. 868

وعدت والكبر قد نافى علاك فما ... عدوت شيمة سبط الخلق مبتهل أتتك غرّ قوافي المدح خاضعة ... لديك فاقبل ثناء غير منتحل ثناء من لم يجد وجناء تحمله ... إليك أو صدّ بالاقتار عن جمل ومن شعره أيضا «١» : حنانيك إن راعتك «٢» يوما خصائصي ... وهالك أصناف الكلام المسخّر فسل منصفا عن قالتي «٣» غير جائر ... يخبّرك أنّ الفضل للمتأخّر وقال أحمد بن منير «٤» يهجو ملك النحاة وكان قد كتب أبو نزار إلى بعض القضاة «القاضويّ» «٥» : أيا ملك النحو والحاء من ... تهجّيه من تحت قد أعجموها أتانا قياسك هذا الذي ... يعجم أشياء قد أعربوها ولما تصنّعت «٦» في القاضويّ ... غدا وجه جهلك «٧» فيه وجوها وقالوا: قفا الشيخ، إنّ الملوك ... إذا دخلوا قرية أفسدوها فبلغت أبياته ملك النحاة فأجابه بأبيات منها: أيا ابن منير حسبت الهجاء ... رتبة فخر فبالغت فيها جمعت القوافي من ذا وذا ... وأفسدت أشياء قد أصلحوها «٨» وفي آخرها: فقالوا قفا الشيخ إنّ الملوك ... إذا أخطأت سوقة أدّبوها

стр. 869

قال البلطي: كان ملك النحاة قدم إلى الشام فهجاه ثلاثة من الشعراء ابن منير والقيسراني والشريف الواسطي، واستخف به ابن الصوفي ولم يوفه قدر مدحه، فعاد إلى الموصل ومدح جمال الدين وجماعة من رؤسائها وقضاتها، فلما نبت به الموصل قيل له: لو رجعت إلى الشام، فقال: لا أرجع إلى الشام إلا أن يموت ابن الصوفي وابن منير والقيسراني والشريف الواسطي، فقتل الشريف الواسطي ومات ابن منير والقيسراني في مدة سنة، ومات الصوفي بعدهم بأشهر. وحدثني شيخنا أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي قال: بلغني أنه كان لملك النحاة غلام، وكان سيّء العشرة قليل المبالاة بمولاه ملك النحاة، فأرسله يوما في شغل ليتعجل في إنجازه، فأبطأ فيه غاية الإبطاء، ثم جاء بعذر غير جميل، وكان يحضر ملك النحاة جماعة من أصدقائه والتلامذة، فغضب ملك النحاة وخرج عن حدّ الوقار الذي كان يلتزمه ويتوخّاه وقال له: ويلك أخبرني ما سبب قلة مبالاتك بي واطّراحك لقبول أوامري؟ أنكتك قط؟ فبادر الغلام وقال: لا والله يا مولاي معاذ الله أن تفعل ذلك بي فإنك أجلّ من ذلك، قال: ويلك فنكتني قط؟ فحرك الغلام رأسه متعجبا من كلامه وسكت، فقال له: ويلك أدركني بالجواب، هذا موضع السكوت لا رعاك الله يا ابن الفاعلة؟ عجّل قل ما عندك قل، فقال: لا والله، قال: فما السبب في أنك لا تقبل قولي ولا تسرع في حاجتي؟ فقال له: إن كان سبب الانبساط لا يكون إلا هذين فسأعدك ولا أعود إلى ما تكره إن شاء الله. قال العماد «١» : أقام ملك النحاة بالشام في رعاية نور الدين محمود بن زنكي، وكان مطبوعا متناسب الأحوال والأفعال، يحكم على أهل التمييز بحكم ملكه فيقبل ولا يستثقل «٢» . وكان يقول: هل سيبويه إلا من رعيتي؟ ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي، مرّ الشيمة حلو الشتيمة، يضم يده على المائة والمائتين، ويمشي وهو منها صفر اليدين، مولع باستعمال الحلاوات السكرية وإهدائها إلى جيرانه وإخوانه، مغرى بإحسانه إلى خلصانه وخلانه.

стр. 870

قال العماد: أذكره وقد وصلت إليه خلعة مصرية وجائزة سنية، فأخرج القميص الدبيقيّ إلى السوق فبلغ دون عشرة دنانير، فقال: قولوا هذا قميص ملك كبير أهداه إلى ملك كبير ليعرف الناس قدره فيحلّوا عليه البدر على البدار، وليجلّوا قدره في الأقدار، ثم قال: أنا أحق به إذا جهلوا حقه، وتنكبوا فيه سبل الواجب وطرقه. ومن طريف ما يحكى عن ملك النحاة أن نور الدين محمودا خلع عليه خلعة سنية ونزل ليمضي إلى منزله، فرأى في طريقه حلقة عظيمة، فمال إليها لينظر ما هي، فوجد رجلا قد علّم تيسا له استخراج الخبايا، وتعريفه من يقول له من غير إشارة، فلما وقف عليه ملك النحاة قال الرجل لذلك التيس: في حلقتي رجل عظيم القدر، شائع الذكر، ملك في زي سوقة، أعلم الناس وأكرم الناس وأجمل «١» الناس، فأرني إياه، فشقّ ذلك التيس الحلقة وخرج حتى وضع يده على ملك النحاة، فلم يتمالك ملك النحاة أن خلع تلك الخلعة ووهبها لصاحب التيس، فبلغ ذلك نور الدين فعاتبه وقال: استخففت بخلعتنا حتى وهبتها من طرقيّ؟! فقال: يا مولانا عذري في ذلك واضح لأنّ في هذه المدينة زيادة على مائة ألف تيس، ما فيهم من عرف قدري إلا هذا التيس، فجازيته على ذلك، فضحك منه نور الدين وسكت. وحكي عنه أنه كان يستخفّ بالعلماء، فكان إذا ذكر واحد منهم يقول: هو كلب من الكلاب، فقال رجل يوما: فلست إذا ملك النحاة، إنما أنت ملك الكلاب، فاستشاط غضبا وقال: أخرجوا عني هذا الفضولي. وقال السمعاني: دخل أبو نزار بلاد غزنة وكرمان، ولقي الأكابر وتلقي مورده بالإكرام، ولم يدخل بلاد خراسان، وانصرف إلى كرمان وخرج منها إلى الشام. قال: وقرأت فيما كتبته بواسط ولا أدري عمن سمعته لأبي نزار النحوي «٢» : أراجع لي عيشي الفارط ... أم هو عني نازح شاحط ألا وهل تسعفني أوبة ... يسمو بها نجم المنى الهابط أرفل في مرط ارتياح وهل ... يطرق سمعي: هذه واسط

стр. 871

يا زمني عدلي فقد رعتني ... حتى عراني شيبي الواخط كم أقطع البيداء في ليلة ... يقبض ظلّي خوفها الباسط أأرقب الراحة أم لا وهل ... يعدل يوما دهري القاسط أيا ذوي ودّي «١» أما اشتقتم ... إلى إمام جأشه رابط وهل عهودي عندكم غضة ... أم أنا في ظني إذا غالط لتهنكم ما عشتم واسط ... إني لكم يا سادتي غابط وأنشد له «٢» : الخيش والبرم الكبير ... منظوم ذلك والنثير «٣» ودخان عود الهند و ... الشمع المكفّر «٤» والعبير ورشاش ماء الورد قد ... عرفت «٥» به تلك النحور ومثالث العيدان يسعد ... جسّها «٦» بمّ وزير وتخافق النايات يخفق ... «٧» بينها الطبل القصير والشرب بالقدح الصغير ... يحثّه القدح الكبير أحظى لديّ «٨» من الأبا ... عر والحداة بها تسير للعبد أن يلتذّ في ... دنياه والله الغفور

стр. 872

ومن شعره أيضا «١» : يا ابن الذين ترفعوا في مجدهم ... وعلت أخامصهم فروع شمام أنا عالم ملك بكسر اللام ... فيما أدعيه لا بفتح اللام أنشدني عفيف الدين أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل أحمد بن عبد الوهاب بن الزاكي بن أبي الفوارس السلمي الحراني المعروف بابن الصيرفي الدمشقي قال: أنشدني فتيان بن علي بن فتيان الأسدي النحوي في ملك النحاة، وكانت قد عضّت يد ملك النحاة سنّور فربطها بمنديل عظيم: عتبت على قطّ ملك النحاة ... وقلت أتيت بغير الصواب عضضت يدا خلقت للندى ... وبثّ العلوم وضرب الرقاب فأعرض عني وقال اتئد ... أليس القطاط أعادي الكلاب قال: فبلغته الأبيات فغضب منها إلا أنه لم يدر من قائلها، ثم بلغه أنني قلتها فبلغني ذلك، فانقطعت عنه حياء مدة، فكتبت إليه شعرا أعتذر إليه، فكتب إليّ: يا خليليّ نلتما النعماء ... وتسنّمتما العلا والعلاء ألمما بالشاغور والمسجد ... المعمور واستمطرا به الأنواء وامنحا صاحبي الذي كان فيه ... كلّ يوم تحية وثناء ثم قولا له اعتبرنا الذي فهت ... به مادحا فكان سماء وقبلنا فيه اعتذارك عمّا ... قاله الجاهلون عنك افتراء الشاغور: محلة بدمشق بالباب الصغير. وقال فتيان بن علي بن فتيان الأسدي المعلم الدمشقي: رأيت أبا نزار في النوم بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أنشدته قصيدة [ما] في الجنة مثلها فتعلق بحفظي منها أبيات وهي: يا هذه أقصري عن العذل ... فلست في الحلّ ويك من قبلي

стр. 873

يا ربّ ها قد أتيت معترفا ... بما جنته يداي من زلل ملآن كفّ بكلّ مأثمة ... صفر يد من محاسن العمل فكيف أخشى نارا مسعّرة ... وأنت يا ربّ في القيامة لي قال: فو الله منذ «١» فرغت من إنشادها ما سمعت حسيس النار. حدث «٢» شمس الدين محمد بن هبة الله الشيرازي قاضي دمشق قال: سمعت ملك النحاة يقول: للحيص بيص بيتان لو باعنيهما بجميع شعري: سأرحل عن بغداد في طلب العلا ... الى بلدة يحنو عليّ أميرها إلى بلدة فيها الكلاب تخالها ... كلابا وما ردّت إليها أمورها [٣٢٠] الحسن بن عبد الله المعروف بلغدة- ولكذة أيضا، الأصبهاني أبو علي: قدم بغداد، وكان جيّد المعرفة بفنون الأدب، حسن القيام بالقياس، موفقا في كلامه. وكان إماما في النحو واللغة، وكان في طبقة أبي حنيفة الدينوري، مشايخهما سواء، وكان بينهما مناقضات. قال حمزة بن حسن الأصبهاني في «كتاب أصبهان» : وأقدم علي بن رستم الديمرتي «٣» من سامرّا إبراهيم بن غيث البغدادي، وكان أصبهانيا، فخرج في صغره إلى العراق، فبرع في علم النحو واللغة، وهو جدّ عبد الله بن يعقوب الفقيه، وروى عن أبي عبيدة وأبي زيد، وأقدم الخصيب بن أسلم الباهليّ صاحب الأصمعي. وعن

стр. 874

أبي إسحاق إبراهيم بن غيث وأبي عمر الخرقي- وهو أول من قدم أصبهان من أهل الأدب واللغة- وعن الباهلي صاحب الأصمعي وعن الكرماني صاحب الأخفش أخذ أبو علي لغدة علم اللغة. وكان أبو علي يحضر مجلس أبي إسحاق ويكتب عنه، ثم خالفه وقعد عنه وجعل ينقض عليه ما يمليه. قال حمزة: وأنبأنا [ ... أن] من تقدم من أهل اللغة من أصبهان، وصار فيها رئيسا يؤخذ عنه جماعة منهم: أبو علي لغدة، وكان رأسا في اللغة والعلم والشعر والنحو، حفظ في صغره كتب أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي، ثم تتبع ما فيها فامتحن بها الأعراب الوافدين على أصبهان، وكانوا يفدون على محمد بن يحيى بن أبان فيضربون خيمهم بفناء داره في باغ سلم بن عود، ويقصدهم أبو علي كلّ يوم، فيلقي عليهم مسائل شكوكه «١» من كتب اللغة ويثبت تلك الأوصاف عن ألفاظهم في الكتاب الذي سماه «كتاب النوادر» ثم لم يكن له في آخر أيامه نظير بالعراق. قال: وكتاب النوادر هذا كتاب كبير يقوم بإزاء كلّ ما خرج إلى الناس من كتب أبي زيد في النوادر. وله من الكتب الصغار: كتاب الصفات. كتاب خلق الانسان. كتاب خلق الفرس. وكتب أخرى كثيرة من صغار الكتب؛ وله ردود على علماء اللغة وعلى رواة الشعر والشعراء قد جمعناها نحن في كتاب وأنفذناه إلى أبي إسحاق الزجاج ﵀. قال محمد بن إسحاق النديم «٢» : وله من التصانيف كتاب الردّ على الشعراء، نقضه عليه أبو حنيفة الدينوري. كتاب النطق. كتاب الرد على أبي عبيد في غريب الحديث. كتاب علل النحو. كتاب مختصر في النحو. كتاب الهشاشة والبشاشة. كتاب التسمية. كتاب شرح معاني الباهلي. كتاب نقض علل النحو. كتاب الرد على ابن قتيبة في غريب الحديث. وأفرد حمزة الأصبهاني في «كتاب أصبهان» أشعارا للغدة منها «٣» :

стр. 875

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكلّ أمر منكر وبقيت في خلف يزيّن بعضهم ... بعضا ليستر معور من معور ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر الجدّ أنهض بالفتى من كدّه ... فانهض بجد في الحوادث أو ذر وإذا تعسرت الأمور فأرجها ... وعليك بالأمر الذي لم يعسر ومن شعره أيضا «١» : خير إخوانك المشارك في المرّ ... وأين الشريك في المرّ أينا الذي إن شهدت سرّك في القوم ... وإن غبت كان أذنا وعينا مثل تبر العقيان إن مسّه النا ... ر جلاه الجلاء فازداد زينا وأخو السوء ان يغب عنك يسبعك ... وان يحتضر يكن ذاك شينا جيبه غير ناصح ومناه ... أن يعيب الخليل إفكا ومينا فاصرمنه ولا تلهّف عليه ... إنّ صرما له كنقدك دينا ومن شعره أيضا: بذلت لك الصفاء بكلّ جهدي ... وكنت كما هويت فصرت خزّا «٢» فرحت بمدية فحززت أنفي ... وحبل مودّتي بيديك حزّا ولم تترك إلى صلح مجازا ... ولا فيه لمطلبه مهزّا ستمكث نادما في العيش منّي ... وتعلم أن رأيك كان عجزا «٣» وتذكرني إذا جربت غيري ... وتعلم أنني لك كنت كنزا

стр. 876

وله من أبيات «١» : يا قصير العمر ما هذا الأمل ... كل ذا الحرص وقد حان الأجل ارتض الدنيا وكن ذا وجل ... فجنان الخلد حفّت بالوجل [٣٢١] الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي أبو سعيد النحوي القاضي: وسيراف بليد على ساحل البحر من أرض فارس، رأيته أنا، وبه أثر عمارة قديمة وجامع حسن، إلا أنه الآن الغالب عليه الخراب. وكان قد ولي القضاء على بعض الأرباع ببغداد، ومات ﵀ يوم الاثنين ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة في خلافة الطائع، ودفن في مقابر الخيزران، وكان أبوه مجوسيا اسمه بهزاد فسمّاه أبو سعيد عبد الله. وكان أبو سعيد يدرس ببغداد القرآن والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض، وكان قد قرأ على أبي بكر ابن مجاهد القرآن، وعلى أبي بكر ابن دريد اللغة، ودرسا جميعا عليه النحو، وقرأ على أبي بكر ابن السراج وأبي بكر المبرمان النحو، وقرأ أحدهما عليه القرآن ودرس الآخر عليه الحساب. قال الخطيب «٢» : وكان ﵀ زاهدا ورعا لم يأخذ على الحكم أجرا إنما

стр. 877

كان يأكل من كسب «١» يمينه، فكان لا يخرج إلى مجلس الحكم ولا إلى مجلس التدريس حتى ينسخ عشر ورقات يأخذ أجرتها عشرة دراهم تكون بقدر مؤونته ثم يخرج إلى مجلسه. وصنّف كتبا: منها شرح كتاب سيبويه. قال أبو حيان التوحيدي: رأيت أصحاب أبي علي الفارسي يكثرون الطلب لكتاب «شرح سيبويه» ويجتهدون في تحصيله، فقلت لهم: إنكم لا تزالون تقعون فيه وتزرون على مؤلّفه فما لكم وله؟ قالوا: نريد أن نردّ عليه ونعرّفه خطأه فيه. قال أبو حيان: فحصّلوه واستفادوا منه ولم يردّ عليه أحد منهم، أو كما قال أبو حيان فإني لم أنقل ألفاظ الخبر لعدم الأصل الذي قرأته منه. وكان أبو علي وأصحابه كثيري الحسد لأبي سعيد، وكانوا يفضلون عليه الرماني، فحكى ابن جني عن أبي علي أن أبا سعيد قرأ على ابن السراج خمسين ورقة من أول الكتاب ثم انقطع، قال أبو علي: فلقيته بعد ذلك فعاتبته على انقطاعه فقال لي: يجب على الانسان أن يقدم ما هو أهم، وهو علم الوقت من اللغة والشعر والسماع من الشيوخ، فكان يلزم ابن دريد ومن جرى مجراه من أهل السماع. وقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني صاحب «كتاب الأغاني» يهجو أبا سعيد السيرافي: لست صدرا ولا قرأت على صدر ... ولا علمك البكيّ بشاف «٢» لعن الله كلّ شعر ونحو ... وعروض يجيء من سيراف وذكره محمد بن إسحاق النديم فقال «٣» : قال لي أبو محمد «٤» ولد أبي سعيد: [ولد أبي] بسيراف، وفيها ابتدأ بطلب العلم، وخرج عنها قبل العشرين، ومضى إلى عمان فتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف ومضى إلى العسكر فأقام بها مدة (قال المؤلف: وبها قرأ فيما أحسب على المبرمان) قال: كان فقيها على مذهب العراقيين، وورد إلى

стр. 878

بغداد فخلف أبا محمد ابن معروف قاضي القضاة على قضاء الجانب الشرقي، وكان أستاذه في النحو، ثم استخلفه على الجانبين؛ ومولده قبل التسعين ومائتين، وله من الكتب: كتاب شرح سيبويه «١» . ألفات القطع والوصل. كتاب أخبار النحويين البصريين. كتاب شرح مقصورة ابن دريد. كتاب الإقناع في النحو، لم يتم، فتممه ابنه يوسف. وكان يقول: وضع أبي النحو في المزابل ب «الاقناع» يريد أنه سهّله حتى لا يحتاج إلى مفسّر. كتاب شواهد كتاب سيبويه. كتاب الوقف والابتداء. كتاب صنعة الشعر والبلاغة. كتاب المدخل إلى كتاب سيبويه. كتاب جزيرة العرب. قرأت «٢» بخط أبي حيان التوحيدي في كتابه الذي ألفه في «تقريظ عمرو بن بحر» ، وقد ذكر جماعة من الأئمة كانوا يقدّمون الجاحظ ويفضلونه فقال: ومنهم أبو سعيد السيرافي شيخ الشيوخ وإمام الأئمة معرفة بالنحو والفقه واللغة والشعر والعروض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث والكلام والحساب والهندسة، أفتى في جامع الرصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ ولا عثر منه على زلة، وقضى ببغداد، وشرح «كتاب سيبويه» في ثلاثة آلاف ورقة بخطه في السليماني، فما جاراه فيه أحد ولا سبقه إلى تمامه إنسان، هذا مع الثقة والديانة والأمانة والرواية، صام أربعين سنة وأكثر الدهر كله. قال لنا الأندلسي: فارقت بلدي في أقصى الغرب طلبا للعلم وابتغاء مشاهدة العلماء، فكنت إلى أن دخلت بغداد ولقيت «٣» أبا سعيد وقرأت عليه «كتاب سيبويه» نادما سادما في اغترابي عن أهلي ووطني من غير جدوى في علم أو حظّ من دنيا «٤» ، فلما سعدت برؤية هذا الشيخ علمت أن سعيي قرن بسعدي، وغربتي اتصلت ببغيتي، وأن عنائي لم يذهب هدرا، وأنّ رجائي لم ينقطع يأسا. قرأت بخط أبي علي المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابىء، قرأنا على أبي سعيد الحسن بن عبد الله في «كتاب ما يلحن فيه العامة» لأبي حاتم «هو الشّمع مفتوح الشين والميم» فسألناه عما يحكى عن أبي بكر ابن دريد أنه قال: «شمع بكسر

стр. 879

الشين» فقال: لا يعاج عليه، قلنا له: فهو صحيح عن ابن دريد؟ فقال: نعم هو عنه بخطّي في «كتاب الجمهرة» . قال: وكان أبو الفتح ابن النحوي وأبو الحسن الدريدي سألاني عن ذلك فاستعفيت من الإجابة لئلا أنسب إلى أبي بكر حرفا أجمع الناس على خلافه. وقال أبو حيان في «كتاب محاضرات العلماء» قال: وحضرت مجلس شيخ الدهر، وقريع العصر، العديم المثل، المفقود الشكل، أبي سعيد السيرافي، وقد أقبل على الحسين بن مردويه الفارسي يشرح له ترجمة «المدخل إلى كتاب سيبويه» من تصنيفه، فقال له: علّق عليه، واصرف همتك إليه، فإنك لا تدركه إلا بتعب الحواسّ، ولا تتصوّره إلا بالاعتزال عن الناس. فقال: أيّد الله القاضي، أنا مؤثر لذلك، ولكنّ اختلال الأمر وقصور الحال يحول بيني وبين ما أريده، فقال له: ألك عيال؟ قال: لا، قال: عليك ديون؟ قال: دريهمات، قال: فأنت ريّح القلب حسن الحال ناعم البال، اشتغل بالدرس والمذاكرة والسؤال والمناظرة واحمد الله تعالى على خفّة الحاذ وحسن الحال، وأنشده: إذا لم يكن للمرء مال ولم يكن ... له طرق يسعى بهنّ الولائد وكان له خبز وملح ففيهما ... له بلغة حتى تجيء العوائد وهل هي إلا جوعة إن سددتها ... فكلّ طعام بين جنبيك واحد قال: وكان يقرأ على أبي سعيد السيرافي «الكامل» للمبرد فجاءه أبو أحمد ابن مردك «١» ، وكان هذا من ساوة واستوطن بغداد وولد [له] بها، وكان له قرب ومنزلة من أبي سعيد يوجب حقّه ويرعى له، فقال له يوما: أيها الشيخ عندي ابنة بلغت حدّ التزويج، وجماعة من الغرباء والبغداديين يخطبونها، فما ترى؟ ممن أزوجها؟ فقال: ممّن يخاف الله تعالى وأكثرهم تقية وخشية منه، فإن من يخاف الله إن أحبها بالغ في إكرامها، وإن لم يحبها تحرّج من ظلمها، فاستحسنّا ذلك وأثبتناه. ثم قال: لا تنسبوا هذا إليّ إنما هذا قول الحسن. قال: وشبيه هذه الحكاية أن رجلا وقف على الحسن فقال: علمني ما يقربني

стр. 880

إلى الله تعالى وإلى الناس، قال: أما ما يقربك إلى الله فمسألته، وأما ما يقرّبك إلى الناس فترك مسألتهم. وقال: وتأخر بعض أصحابه عن مجلسه في يوم السبت، وكان يرعى حقّ أبيه فيه لأنه كان وجيها شريفا، فلما كان يوم الأحد قال له: ما الذي أخّرك؟ فأشار إلى شرب الدواء ولأجله تأخر عن المجلس فأنشدنا: لنعم اليوم يوم السبت حقّا ... لصيد إن أردت بلا امتراء وفي الأحد البناء فإنّ فيه ... تبدّى الله في خلق السماء وفي الاثنين إن سافرت حقا ... يكون الأوب فيه بالنماء وان ترم الحجامة في الثلاثا ... ففي ساعاته درك الشفاء وإن شرب امرؤ يوما دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء وفي يوم الخميس قضاء حاج ... ففيه الله آذن «١» بالقضاء ويوم الجمعة التزويج فيه ... ولذات الرجال مع النساء قال: ولما قبل ابن معروف شهادته عاتبه على ذلك بعض المختصين به وقال: أيها الشيخ إنك إمام الوقت وعين الزمان والمنظور إليه والصدر، وإذا حضرت محفلا كنت البدر، قد اشتهر ذكرك في الأقطار والبلاد، وانتشر علمك في كلّ محفل وناد، والألسنة مقرّة بفضلك، فما الذي حملك على الانقياد لابن معروف، واختلافك إلى مجلسه، وصرت تابعا بعد أن كنت متبوعا، ومؤتمرا بعد أن كنت آمرا؟ وضعت من قدرك، وضيّعت كثيرا من حرمتك، وأنزلت نفسك منزلة غيرك، وما فكّرت في عاقبة أمرك، ولا شاورت أحدا من صحبك، فقال: اعلموا أن هذا القاضي سبب اكتساب ذكر جميل، وصيت حسن، ومباهاة لأقرانه، ومنافسة لإخوانه، ومع ذلك له من السلطان منزلة، وبلغني أنه يستضيء برأيه ويعدّه من جملة ثقاته وأوليائه، وعرّض لي وصرّح في الأمر مرة بعد أخرى وثانية عقب أولى، فلم أجب إليه، ولم أسلس قيادي له، فخفت مع كثرة الخلاف اعتمادي بما أستضرّ به وينتفع به غيري،
следующие страницы →