[٣٠٠]
حسان بن مالك بن أبي عبدة اللغوي الأندلسي
«١» ، كنيته أبو عبدة، الوزير: من أئمّة اللغة والأدب وأهل بيت جلالة ووزارة، مات عن سن عالية قبل عشرين وأربعمائة «٢» . له كتاب على مثال كتاب أبي السري سهل بن أبي غالب الذي ألفه في أيام الرشيد وسماه «كتاب ربيعة وعقيل» وهو من أحسن ما ألف في هذا المعنى، وفيه من أشعاره ثلاثمائة بيت، وذاك أنه دخل على المنصور بن أبي عامر وبين يديه كتاب السري وهو معجب به، فخرج من عنده وعمل هذا الكتاب، وفرغ منه تأليفا ونسخا «٣» وجاء به في مثل ذلك اليوم من الجمعة الأخرى، وأراه إياه فسرّ به ووصله عليه.
وكتب أبو عبدة إلى المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر «٤» المسمّى بالخلافة أيام الفتنة وكان استوزره:
إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل ... فسيان مني مشهد ومغيب
فأصبحت تيميّا وما كنت قبلها ... لتيم ولكنّ الشبيه نسيب
أشار في هذا البيت إلى قول الشاعر:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
قال ابن خاقان «٥» : وكان لأبي عبدة أيام الفتنة حين أدجت الفتنة ليلها، وأزجت
стр. 807
إبلها وخيلها، اغتراب كاغتراب الحارث بن مضاض «١» ، واضطراب بين العوالي والمواضي كالحيّة النضناض، ثم اشتهر بعد، وافترّ له السّعد، وفي تلك المدة يقول يتشوق إلى أهله:
سقى بلدا أهلي به وأقاربي ... غواد بأثقال الحيا وروائح
وهبّت عليهم بالعشيّ وبالضحى ... نواسم من برد الظلال فوائح
تذكرتهم والنأي قد حال دونهم ... ولم أنس لكن أوقد القلب لافح
وممّا شجاني هاتف فوق أيكة ... ينوح ولم يعلم بما هو نائح
فقلت اتّئد يكفيك أني نازح ... وأنّ الذي أهواه عنّي نازح
ولي صبية مثل الفراخ بقفرة ... مضى حاضناها فاطّحتها الطوائح
إذا عصفت ريح أقامت رؤوسها ... فلم تلقها إلا طيور بوارح
[٣٠١]
الحسن بن إبراهيم بن زولاق أبو محمد
: هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن «٢» بن علي بن خلف بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق المصري الليثي، من أعيان علماء أهل مصر ووجوه أهل العلم فيهم، وله عدة تصانيف في التواريخ المصرية. مات يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة ست وثمانين وثلاثمائة في أيام المتلقب بالعزيز بالله، وقيل إنه مات في ذي القعدة سنة
стр. 808
سبع وثمانين وثلاثمائة في أيام الحاكم، والأول أظهر. وكان لمحبته للتواريخ والحرص على جمعها وكتبها كثيرا ما ينشد:
ما زلت تكتب في التاريخ مجتهدا ... حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا
وله من الكتب: كتاب سيرة محمد بن طغج الأخشيد. كتاب سيرة جوهر.
كتاب سيرة الماذرائيين. كتاب التاريخ الكبير على السنين. كتاب فضائل مصر.
كتاب سيرة كافور. كتاب سيرة المعز. كتاب سيرة العزيز، وغير ذلك.
وكان قد سمع الحديث ورواه، فسمع منه عبد الله بن وهبان بن أيوب بن صدقة وغيره.
وحدث ابن زولاق في «كتاب سيرة العزيز» المتغلّب على مصر، المنتسب إلى العلويين، من تصنيفه حاكيا عن نفسه قال: لما خلع على الوزير يعقوب بن كلس وكان يهوديا فأسلم، وكان مكينا من العزيز، فلما أسلم قلّده وخلع عليه، قال ابن زولاق: وكنت حاضرا مجلسه فقلت: أيها الوزير روى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حدثني الصادق رسول الله ﷺ أنّ الشقيّ من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه، وهذا علوّ سماوي. فقال الوزير: ليس الأمر كذلك، وإنما أفعالي وتوفيراتي وكفايتي ونيابتي ونيّتي وحرصي الذي كان يهجّن ويعاب، وقد مات قوم ممن كان وبقي قوم، وكان هذا القول بحضرة القوم الذين حضروا قراءة السجلّ الذي خرج من العزيز في ذكر تشريفه؛ قال ابن زولاق:
فأمسكت وقلت: وفّق الله الوزير، إنما رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا، وقمت وخرجت وهو ينظر إليّ، وانصرف الوزير إلى داره بما حباه العزيز به، قال:
فحدثني أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الحسيني الزينبي: عاتبت الوزير على ما تكلّم به وقلت: إنما روى حديثا صحيحا بجميع طرقه وما أراد إلا الخير، فقال لي، وخفي عنك؟ إنما هذا مثل قول المتنبي «١» :
ولله سرّ في علاك وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان
стр. 809
وأجمع الناس على أن ذلك هجو في كافور لأنه أعلمه أنه تقدّم بغير سبب، وابن زولاق هجاني على لسان صاحب الشريعة ﷺ فما أمكنني السكوت، وكان في نفسي شيء فجعلت كلامه سببا.
قال أبو عبد الله الزينبي: فأشهد أن الوزير لم ينقض يومه حتى تكلّم بمثل كلامي الذي أوردته عن النبي ﷺ وذلك أن رجلا عرض عليه رقعة فقال: كم رقاع؟
كم حرص؟ هو ذا الرجل يطوف البلدان، ويتقلّب في الدول ويسافر فلا ينجح، وآخر يأتيه أمله عفوا، قد فرغ الله من الأرزاق والآجال والمراتب ومن الشقاوة والسعادة، ثم التفت إليّ وضحك وقطع كلامه.
قال ابن زولاق: وكنت هنّأت ابن رشيق بهذه التهنئة في مجلس عظيم حفل حين جاءته الخلع من بغداد والتقليد وألبسوه، ورويت له هذا الخبر فبكى وشكر، وحسدني على ذلك أكثر الحاضرين، وكافأني عليه أحسن مكافأة.
[٣٠٢]
الحسن بن أحمد بن يعقوب، يعرف بابن الحائك الهمداني
، من
стр. 810
مفاخرها: له «كتاب الإكليل «١» في مفاخر «٢» قحطان. وذكر اليمن» وله قصيدة سماها «الدامغة في فضل قحطان» «٣» أولها:
ألا يا دار لولا تنطقينا ... فانّا سائلوك فخبرينا
وله كتاب جزيرة العرب وأسماء بلادها وأوديتها ومن يسكنها «٤» .
وقرأت بخطّ الأمير عبد الكريم بن علي البيساني أخي الفاضل عبد الرحيم في فهرست كتبه وذكر خبرا من كتاب الاكليل في أنساب حمير وأخبارها تصنيف الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني وكان في سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة «٥» .
[٣٠٣]
الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود
بن سليمان الشاعر المعروف بابن الدمينة «٦» ، بن عمرو بن الحارث بن أبي حبش بن منقذ بن الوليد بن الأزهر بن عمرو بن طارق بن أدهم بن قيس بن قيس «٧» بن ديبع «٨» بن عبد بن عليان بن أرحب ابن الذعّام بن مالك بن ربيعة «٩» بن صعب بن دويثان «١٠» بن جشم بن خيوان بن سرف «١١» بن همدان: وكان آباؤه ينزلون المواشي من بلاد بكيل، ثم انتقل داود بن
стр. 811
سليمان ذي الدمينة إلى الرحبة من نواحي صنعاء، وكان رجلا عرّيضا محسّدا في أهل بلدته، وارتفع له صيت عظيم، وكان قد صحب أعلام أهل زمانه «١» .
[٣٠٤]
الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي
: أبو علي الفارسي، المشهور في العالم اسمه، المعروف تصنيفه ورسمه، أوحد زمانه في علم العربية، كان كثير من تلامذته يقول: هو فوق المبرد.
قال أبو الحسن علي بن عيسى الربعي: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي، وأمه سدوسية من سدوس شيبان من ربيعة الفرس، مات ببغداد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة في أيام الطائع لله عن نيف وتسعين سنة، أخذ النحو عن جماعة من أعيان أهل هذا الشأن كأبي إسحاق الزجاج وأبي بكر ابن السراج وأبي بكر مبرمان وأبي بكر الخياط، وطوّف كثيرا من بلاد الشأم، ومضى إلى طرابلس فأقام بحلب مدة، وخدم سيف الدولة ابن حمدان، ثم رجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات.
حدث الخطيب «٢» قال، قال التنوخي: ولد أبو علي الفارسي بفسا، وقدم
стр. 812
بغداد واستوطنها، وعلت منزلته في النحو حتى قال قوم من تلامذته: هو فوق المبرد وأعلم منه، وصنف كتبا عجيبة حسنة لم يسبق إلى مثلها، واشتهر ذكره في الآفاق، وبرع له غلمان حذّاق مثل عثمان بن جني وعلي بن عيسى الربعي، وخدم الملوك ونفق عليهم، وتقدّم عند عضد الدولة، فكان عضد الدولة يقول: أنا غلام أبي علي النحوي في النحو وغلام أبي الحسين الرازي الصوفي في النجوم. وكان متهما بالاعتزال.
وذكر أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي في «كتاب شرح الجمل» للزجاجي في باب التصريف منه يحكي عن أبي علي الفارسي أنه حضر يوما مجلس أبي بكر الخياط، فأقبل أصحابه على أبي بكر يكثرون عليه المسائل، وهو يجيبهم ويقيم عليها الدلائل، فلما أنفدوا أقبل على أكبرهم سنا وأكبرهم عقلا وأوسعهم علما عند نفسه فقال له: كيف تبني من سفرجل مثل عنكبوت، فأجابه مسرعا سفرروت، فحين سمعها قام من مجلسه وصفق بيديه وخرج وهو يقول سفرروت، فأقبل أبو بكر على أصحابه وقال: لا بارك الله فيكم ولا أحسن جزاءكم، خجلا مما جرى واستحياء من أبي علي.
ومما يشهد بصفاء ذهنه وخلوص فهمه أنه سئل قبل أن ينظر في العروض عن خرم متفاعلن، فتفكر وانتزع الجواب فيه من النحو، فقال: لا يجوز لأن متفاعلن ينقل إلى مستفعلن إذا خبن، فلو خرم لتعرض للابتداء بالساكن لا يجوز له (الخرم حذف الحرف الأول من البيت والخبن تسكين ثانيه) .
ولما خرج «١» عضد الدولة لقتال ابن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة دخل عليه أبو علي الفارسي فقال له: ما رأيك في صحبتنا؟ فقال له: أنا من رجال الدعاء لا من رجال اللقاء، فخار الله للملك في عزيمته، وأنجح قصده في نهضته، وجعل العافية زاده والظفر تجاهه والملائكة أنصاره، ثم أنشده:
ودّعته حيث لا تودّعه ... نفسي ولكنّها تسير معه
ثم تولّى وفي الفؤاد له ... ضيق محلّ وفي الدموع سعه
فقال له عضد الدولة: بارك الله فيك، فإني واثق بطاعتك وأتيقّن صفاء
стр. 813
طويتك، وقد أنشدنا بعض أشياخنا بفارس:
قالوا له إذ سار أحبابه ... فبدّلوه البعد بالقرب
والله ما شطّت نوى ظاعن ... سار من العين إلى القلب
فدعا له أبو علي وقال: أيأذن مولانا في نقل هذين البيتين؟ فأذن فاستملاهما منه.
وكان «١» مع عضد الدولة يوما في الميدان فسأله بماذا ينتصب الاسم المستثنى في نحو قام القوم إلا زيدا، فقال أبو علي: ينتصب بتقدير أستثني زيدا، فقال له عضد الدولة: لم قدّرت «أستثني زيدا» فنصبت؟ هلّا قدرت «امتنع زيد» فرفعت؟
فقال أبو علي: هذا الذي ذكرته جواب ميدانيّ فإذا رجعت قلت لك الجواب الصحيح. وقد ذكر أبو علي في «كتاب الإيضاح» أنه انتصب بالفعل المتقدم بتقوية إلّا.
قالوا: ولما صنف أبو علي «كتاب الإيضاح» وحمله إلى عضد الدولة استقصره عضد الدولة وقال له: ما زدت على ما أعرف شيئا، وإنما يصلح هذا للصبيان، فمضى أبو علي وصنّف «التكملة» «٢» وحملها إليه، فلما وقف عليها عضد الدولة قال: غضب الشيخ وجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو.
وحكى ابن جني عن أبي علي الفارسي: قرأ عليّ علي بن عيسى الرماني «كتاب الجمل» و «كتاب الموجز» لابن السراج في حياة ابن السراج. وكان أبو طالب العبدي يقول: لم يكن بين أبي علي وبين سيبويه أحد أبصر بالنحو من أبي علي.
قرأت بخط سلامة بن عياض النحوي ما صورته: وقفت على نسخة من «كتاب الحجة» لأبي علي الفارسي في صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة بالري في دار كتبها التي وقفها الصاحب ابن عباد ﵀، وعلى ظهرها بخط أبي علي ما حكايته: هذا- أطال الله بقاء سيدنا الصاحب الجليل- أدام الله عزه ونصره وتأييده وتمكينه- كتابي في قراء الأمصار الذين بينت قراءتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى المعروف بكتاب السبعة، فما تضمّن من أثر وقراءة ولغة فهو عن المشايخ الذين
стр. 814
أخذت ذلك عنهم وأسندته إليهم، فمتى آثر سيدنا الصاحب الجليل- أدام الله عزه ونصره وتأييده وتمكينه- حكاية شيء منه عنهم أو عني لهذه المكاتبة فعل، وكتب الحسن بن أحمد الفارسي بخطه.
ولأبي علي من التصانيف: كتاب الحجة «١» . كتاب التذكرة، قد ذكرت حاله في ترجمة محمد بن طويس القصري. كتاب أبيات الإعراب. كتاب الإيضاح الشعري «٢» . كتاب الإيضاح النحوي. كتاب مختصر عوامل الإعراب. كتاب المسائل الحلبية. كتاب المسائل البغدادية. كتاب المسائل الشيرازية. كتاب المسائل القصرية. كتاب الاغفال، وهو مسائل أصلحها على الزجاج. كتاب المقصور والممدود. كتاب نقض الهاذور. كتاب الترجمة. كتاب المسائل المنثورة «٣» . كتاب المسائل الدمشقية. كتاب أبيات المعاني. كتاب التتبع لكلام أبي علي الجبائي في التفسير نحو مائة ورقة. كتاب تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة
(المائدة: ٦) كتاب المسائل البصرية. كتاب المسائل العسكرية «٤» . كتاب المسائل المصلحة من كتاب ابن السراج. كتاب المسائل المشكلة. كتاب المسائل الكرمانية.
ذكر المعرّيّ في «رسالة الغفران» «٥» أن أبا علي الفارسي كان يذكر أن أبا بكر ابن السراج عمل من «الموجز» النصف الأول لرجل بزّاز ثم تقدم إلى أبي علي الفارسي بإتمامه، قال: وهذا لا يقال إنه من إنشاء أبي علي لأن الموضوع في الموجز هو منقول من كلام ابن السراج في «الأصول» وفي «الجمل» ، فكأن أبا علي جاء به على سبيل النسخ لا أنه ابتدع شيئا من عنده.
نقلت من خطّ الشيخ أبي سعيد معن بن خلف البستي مستوفي بيتي الزرد والفرس الملكشاهي بتولية نظام الملك من كتاب ألّفه بخطه، وكان عالما فاضلا
стр. 815
حاسبا، قال الأستاذ أبو العلاء الحسين بن محمد بن مهرويه في كتابه الذي سماه «أجناس الجواهر» : كنت بمدينة السلام أختلف إلى أبي علي الفارسي النحوي ﵀، وكان السلطان رسم له أن ينتصب لي كلّ أسبوع يومين لتصحيح «كتاب التذكرة» لخزانة كافي الكفاة، فكنا إذا قرأنا أوراقا منه تجارينا في فنون الآداب، واجتنينا من فوائد ثمار الألباب، ورتعنا في رياض ألفاظه ومعانيه، والتقطنا الدرّ المنثور من سقاط فيه. فأجرى يوما بعض الحاضرين ذكر الأصمعي، وأسرف في الثناء عليه وفضّله على أعيان العلماء في أيامه، فرأيته ﵀ كالمنكر لما كان يورده، وكان فيما ذكر من محاسنه ونشر من فضائله أن قال: من ذا الذي يجسر أن يخطّىء الفحول من الشعراء غيره؟ فقال أبو علي: وما الذي ردّ عليهم؟ فقال الرجل: أنكر على ذي الرمة مع إحاطته بلغة العرب ومعانيها، وفضل معرفته بأغراضها ومراميها، وانه سلك نهج الأوائل في وصف المفاوز إذا لعب السراب فيها، ورقص الآل في نواحيها، ونعت الحرباء وقد سبح على جذله، والظليم وكيف ينفر من ظله، وذكر الركب وقد مالت طلاهم من غلبة المنام، حتى كأنهم صرعتهم كؤوس المدام، فطبّق مفصل الإصابة في كلّ باب، وساوى الصدر الأول من أرباب الفصاحة، وجارى القروم البزل من أصحاب البلاغة، فقال له الشيخ أبو علي: وما الذي أنكر على ذي الرمة؟ فقال قوله:
وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم
لأنه كان يجب أن ينوّنه، فقال: أما هذا فالأصمعي مخطىء فيه وذو الرمة مصيب، والعجب أن يعقوب بن السكيت قد وقع عليه هذا السهو في بعض ما أنشده، فقلت: إن رأى الشيخ أن يصدع لنا بجلية هذا الخطأ تفضّل به. فأملى علينا، أنشد ابن السكيت لأعرابي من بني أسد:
وقائلة أسيت فقلت جير ... أسيّ إنني من ذاك إنّه
أصابهم الحمى وهم عواف ... وكنّ عليهم نحسا لعنّه
فجئت قبورهم بدءا ولمّا ... فناديت القبور فلم يجبنه
وكيف يجيب أصداء وهام ... وأبدان بدرن وما نخرنه
стр. 816
قال يعقوب: هو جير أي حقا وهي مخفوضة غير منوّنة، فاحتاج إلى التنوين.
قال أبو علي: هذا سهو منه لأنّ هذا يجري مجرى الأصوات، وباب الأصوات كلها والمبنيات بأسرها إلا ما خصّ منها لعلة الفرقان فيها بين نكرتها ومعرفتها بالتنوين، فما كان منها معرفة جاء بغير تنوين فإذا نكرته نوّنته، من ذلك أنك تقول في الأمر صه ومه تريد: السكوت يا فتى، فإذا نكرت قلت: صه ومه تريد سكوتا، وكذلك قول الغراب غاق أي صوتا، وكذلك إيه يا رجل تريد الحديث وإيه تريد حديثا، وزعم الأصمعي أن ذا الرمة أخطأ في قوله: «وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم» وكان يجب أن ينوّنه ويقول إيه وهذا من أوابد الأصمعي التي يقدم عليها من غير علم، فقوله جير بغير تنوين في موضع قوله الحق وتجعله نكرة في موضع آخر فتنونه، فيكون معناه قلت حقا، ولا مدخل للضرورة في ذلك إنما التنوين للمعنى المذكور، وبالله التوفيق. وتنوين هذا الشاعر على هذا التقدير.
قال يعقوب: قوله أصابهم الحمى يريد الحمام، وقوله: بدرن أي طعنّ في بوادرهم بالموت، والبادرة النحر، وقوله: فجئت قبورهم بدءا أي سيدا، وبدء القوم سيدهم وبدء الجزور خير أنصبائها، وقوله ولما أي ولم أكن سيدا إلا حين ماتوا فإني سدت بعدهم.
قرأت في «معجم السّفر» «١» للسلفي: أنشدني أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوثر المحاربي الغرناطي بديار مصر قال، أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف النحوي لنفسه بالأندلس في «كتاب الإيضاح» لأبي علي الفارسي النحوي:
أضع الكرى لتحفّظ الإيضاح ... وصل الغدوّ لفهمه برواح
هو بغية المتعلّمين ومن بغى ... حمل الكتاب يلجه بالمفتاح
لأبي عليّ في الكتاب إمامة ... شهد الرواة لها بفوز قداح
يفضي إلى أسراره بنوافذ ... من علمه بهرت قوى الأمداح
стр. 817
فيخاطب المتعلمين بلفظه ... ويحلّ مشكله بومضة واحى
مضت العصور فكلّ نحو ظلمة ... وأتى فكان النحو ضوء صباح
أوصى ذوي الاعراب أن يتذاكروا ... بحروفه في الصّحف والألواح
فإذا هم سمعوا النصيحة أنجحوا ... إن النصيحة غبّها لنجاح
وكتب الصاحب إلى أبي علي في الحال المقدم ذكرها: كتابي- أطال الله بقاء الشيخ، وأدام جمال العلم والأدب بحراسة مهجته وتنفيس مهلته- وأنا سالم ولله حامد، وإليه في الصلاة على النبي وآله راغب، ولبرّ الشيخ أيده الله بكتابه الوارد شاكر. وأما أخونا أبو الحسين قريبه- أعزه الله- فقد ألزمني بإخراجه إليّ أعظم منة، وأتحفني من قربه بعلق مضنّة، لولا أنه قلّل المقام، واختصر الأيام، ومن هذا الذي لا يشتاق ذلك المجلس، وأنا أحوج من كلّ حاضريه إليه، وأحقّ منهم بالمثابرة عليه، ولكنّ الأمور مقدّرة، وبحسب المصالح ميسرة، غير أنا ننتسب إليه على البعد ونقتبس فوائده عن قرب، وسيشرح هذا الأخ هذه الجملة حقّ الشرح بإذن الله، والشيخ- أدام الله عزه- يبرّد غليل شوقي إلى مشاهدته، بعمارة ما افتتح من البرّ بمكاتبته، ويقتصر على الخطاب الوسط دون الخروج في إعطاء الرتب إلى الشطّ، كما يخاطب الشيخ المستفاد منه التلميذ الآخذ عنه، ويبسط إليّ في حاجاته، فإنني أظنني أجدر إخوانه بقضاء مهماته، إن شاء الله تعالى. قد اعتمدت على صاحبي أبي العلاء أيده الله لاستنساخ «التذكرة» وللشيخ- أدام الله عزه- رأيه الموفّق في التمكين من الأصل، والإذن بعد النسخ في العرض، بإذن الله تعالى.
قال حدثني علم الدين أبو محمد القاسم بن أحمد الأندلسي- أيده الله تعالى- قال «١» : وجدت في مسائل نحوية تنسب إلى ابن جني قال: لم أسمع لأبي علي شعرا قطّ إلى أن دخل إليه في بعض الأيام رجل من الشعراء، فجرى ذكر الشعر فقال أبو علي: إني لأغبطكم على قول هذا الشعر، فإن خاطري لا يواتيني على قوله، مع تحقّقي للعلوم التي هي من موارده، فقال له ذلك الرجل: فما قلت قطّ شيئا منه البتة؟
стр. 818
فقال: ما أعهد لي شعرا إلا ثلاثة أبيات قلتها في الشيب، وهي قولي:
خضبت الشيب لما كان عيبا ... وخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خلّ ... ولا عيبا خشيت ولا عتابا
ولكنّ المشيب بدا ذميما ... فصيرت الخضاب له عقابا
فاستحسناها وكتبناها عنه، أو كما قال، لأني كتبتها في المفاوضة ولم أنقل ألفاظها.
أخبركم أبو الحسن علي بن عمر الفرّاء عن أبي الحسين نصر بن أحمد بن نوح المقرىء، قال: أنبأنا أبو الحسن علي بن عبيد الله السمسمي اللغوي ببغداد، أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي قال: جئت إلى أبي بكر السراج لأسمع منه الكتاب، وحملت إليه ما حملت، فلما انتصف الكتاب عسر عليه في تمامه، فقطعت عنه لتمكني من الكتاب، فقلت لنفسي بعد مدة: إن سرت إلى فارس وسئلت عن تمامه، فإن قلت: نعم كذبت، وإن قلت لا سقطت الرواية والرحلة، ودعتني الضرورة فحملت إليه رزمة، فلما أبصرني من بعيد أنشد «١» :
وكم تجرعت من غيظ ومن حزن ... إذا تجدّد حزن هوّن الماضي
وكم غضبت فما باليتم غضبي ... حتى رجعت بقلب ساخط راضي
قرأت بخط الشيخ أبي محمد الخشاب: كان شيخنا- يعني أبا منصور موهوب بن الخضر الجواليقي- قلّ ما ينبل عنده ممارس للصناعة النحوية ولو طال فيها باعه، ما لم يتمكن من علم الرواية وما تشتمل عليه من ضروبها، ولا سيما رواية الأشعار العربية وما يتعلق بمعرفتها من لغة وقصة، ولهذا كان مقدّما لأبي سعيد السيرافي على أبي علي الفارسي رحمهما الله، وأبو علي أبو عليّ في نحوه، وطريقة أبي سعيد في النحو معلومة، ويقول: أبو سعيد أروى من أبي علي، وأكثر تحققا بالرواية، وأثرى منه فيها، وقد قال لي غير مرة: لعلّ أبا علي لم يكن يرى ما يراه أبو سعيد من معرفة هذه الاخباريّات والأنساب وما جرى في هذا الأسلوب كبير أمر؛
стр. 819
قال الشيخ أبو محمد: ولعمري إنه قد حكي عنه- أعني أبا علي- أنه كان يقول: لأن أخطىء في خمسين مسألة مما بابه الرواية أحبّ إليّ من أن أخطىء في مسألة واحدة قياسية، هذا كلامه أو معناه، على أنه كان يقول: قد سمعت الكثير في أول الأمر وكنت أستحي أن أقول أثبتوا اسمي.
قال الشيخ أبو محمد: وكثيرا ما تبنى السقطات على الحذاق من أهل الصناعة النحوية لتقصيرهم في هذا الباب فمنه يذهبون ومن جهته يؤتون- تمام هذا الكلام في أخبار ابن الخشاب.
وقرأت «١» في تاريخ أبي غالب ابن مهذب المعري قال، حدثني الشيخ أبو العلاء أن أبا علي مضى إلى العراق وصار له جاه عظيم عند الملك فناخسرو، فوقعت لبعض أهل المعرة «٢» حاجة في العراق احتاج فيها إلى كتاب من القاضي أبي الحسن سليمان إلى أبي علي، فلما وقف على الكتاب قال: إني قد نسيت الشام وأهله ولم يعره طرفه.
قال عثمان بن جني ﵀: وإن وجدت فسحة وأمكن الوقت عملت بإذن الله كتابا أذكر فيه جميع المعتلّات في كلام العرب، وأميّز ذوات الهمزة من ذوات الواو والياء، وأعطي كلّ جزء منها حظّه من القول مستقصى، إن شاء الله تعالى. وذكر شيخنا أبو علي أن بعض إخوانه سأله بفارس إملاء شيء من ذلك، فأملى عليه صدرا كثيرا وتقصّى القول فيه، وأنه هلك في جملة ما فقده وأصيب به من كتبه. وحدثني أيضا أنه وقع حريق بمدينة السلام فذهب به جميع علم البصريين قال: وكنت قد كتبت ذلك كلّه بخطي وقرأته على أصحابنا فلم أجد من الصندوق الذي احترق شيئا البتة إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن، وسألته عن سلوته وعزائه فنظر إليّ معجبا ثم قال: بقيت شهرين لا أكلّم أحدا حزنا وهمّا، وانحدرت إلى البصرة لغلبة الفكر عليّ وأقمت مدة ذاهلا متحيرا. انقضى كلامه في هذا الفصل.
قرأت في «المسائل الحلبية» نسخة كتاب كتبه أبو علي إلى سيف الدولة جوابا
стр. 820
عن كتاب ورد عليه منه يردّ فيه على ابن خالويه في أشياء أبلغها سيف الدولة عن أبي علي، نسخته: قرأ- أطال الله بقاء سيدنا الأمير سيف الدولة- عبد سيدنا الرقعة النافذة من حضرة سيدنا، فوجد كثيرا منها شيئا لم تجر عادة عبده به، لا سيما من صاحب الرقعة، إلا أنه يذكر من ذلك ما يدلّ على قلة تحفّظ هذا الرجل فيما يقوله، وهو قوله: «ولو بقي عمر نوح ما صلح أن يقرأ على السيرافي» مع علمه بأن ابن بهزاد السيرافي يقرأ عليه الصبيان، هذا ما لا خفاء به، كيف وهو قد خلّط فيما حكاه عني، وأني قلت إن السيرافي قد قرأ عليّ، ولم أقل هذا إنما قلت «تعلّم مني» أو «أخذ عني» هو وغيره ممن ينظر اليوم في شيء من هذا العلم، وليس قول القائل: «تعلم مني» مثل «قرأ عليّ» لأنه قد يقرأ عليه من لا يتعلم منه وقد يتعلم منه من لا يقرأ عليه. وتعلّم ابن بهزاد منّي في أيام محمد بن السريّ وبعده لا يخفى على من كان يعرفني ويعرفه كعليّ بن عيسى الوراق ومحمد بن أحمد بن يونس ومن كان يطلب هذا الشأن من بني الأزرق الكتّاب وغيرهم، وكذلك كثير من الفرس الذين كانوا يرونه يغشاني في صفّ شونيز كعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، لأنه كان جاري بيت بيت قبل أن يموت الحسن بن جعفر أخوه فينتقل إلى داره التي ورثها عنه في درب الزعفراني. وأما قوله: «إني قلت إنّ ابن الخياط كان لا يعرف شيئا» فغلط في الحكاية، كيف أستجيز هذا وقد كلمت ابن الخياط في مجالس كثيرة؟ ولكني قلت:
إنه لا لقاء له لأنه دخل إلى بغداد بعد موت محمد بن يزيد وصادف أحمد بن يحيى وقد صم صمما شديدا لا يخرق الكلام معه سمعه، فلم يمكن تعلم النحو منه، وإنما كان يعوّل فيما كان يؤخذ عنه على ما يملّه دون ما كان يقرأ عليه، وهذا الأمر لا ينكره أهل هذا الشأن ومن يعرفهم. وأما قوله: «قد أخطأ البارحة في أكثر ما قاله» فاعتراف بما إن استغفر الله منه كان حسنا. والرقعة طويلة فيها جواب عن مسائل أخذت عليه كانت النسخة غير مرضية فتركتها إلى أن يقع علي ما أرتضيه، وأكثر النسخ بالحلبيات لا توجد هذه الرقعة فيها.
قرأت بخطّ أبي الفتح عثمان بن جني الذي لا أرتاب به قال: وسألته- يعني أبا علي- فقلت: أقرأت أنت على أبي بكر؟ فقال: نعم قرأت عليه وقرأ أبو بكر على أبي سعيد السكري، قال: وكان أبو بكر قد كتب من كتب أبي سعيد كثيرا وكتب أبي
стр. 821
زيد. قال: وذاكرته بكتب أبي بكر وقلت: لو عاش لظهر من جهته علم كثير، وكلاما هذا نحوه، فقال: نعم إلا أنه كان يطوّل كتبه، وضرب لذلك مثلا قد ذهب عني، أظنه، بارك الله لأبي يحيى في كتبه أو شيئا نحو ذلك. قال: وفارقت أبا بكر قبل وفاته وهو يشغل بالعلة التي توفي فيها، وراجعت البلد فارس ثم عدت وتوفي.
ورأيت في آخر كتابه في «معاني الشعر» خطّي الذي كان يملّه عليّ لأكتبه فيه «فعلمت أنه لم يزد فيه شيئا. قال: وكان الأصمعي يتّهم في تلك الأخبار التي يرويها، فقلت له: كيف هذا وفيه من التورع ما دعاه إلى ترك تفسير القرآن ونحو ذلك؟ فقال: كان يفعل ذلك رياء وعنادا لأبي عبيدة لأنه سبقه إلى عمل كتاب في القرآن، فجنح الأصمعي إلى ذلك.
[٣٠٥]
الحسن بن أحمد أبو محمد الأعرابي
المعروف بالأسود الغندجاني اللغوي النسابة: وغندجان بلد قليل الماء لا يخرج منه إلا أديب أو حامل سلاح، وكان الأسود صاحب دنيا وثروة، وكان علّامة نسّابة عارفا بأيام العرب وأشعارها، قيّما بمعرفة أحوالها، وكان مستنده فيما يرويه عن محمد بن أحمد أبي الندى «١» ، وهذا رجل مجهول لا معرفة لنا به، وكان أبو يعلي ابن الهبارية الشاعر يعيره بذلك ويقول: ليت شعري من هذا الأسود الذي قد وطّن «٢» نفسه على الرد على العلماء، وتصدّى للأخذ على الأئمة القدماء، بماذا نصحّح قوله ونبطل قول الأوائل، ولا تعويل له فيما يرويه إلا على أبي الندى، ومن أبو الندى في العالم؟ لا شيخ مشهور ولا ذو علم مذكور.
стр. 822
قال المؤلف: ولعمري إنّ الأمر لكما قال أبو يعلى، هذا رجل يقول: أخطأ ابن الأعرابي في أن هذا الشعر لفلان، إنما هو لفلان بغير حجّة واضحة، ولا أدلة لائحة، أكثر من أن يكون ابن الاعرابي الذي كان يقاوم الأصمعي وقد أدرك صدرا من العرب الذين عنهم أخذ هذا العلم ومنهم استمد أولو الفهم. وكان الأسود لا يقنعه أن يرد على أئمة العلم ردّا جميلا حتى يجعله من باب السخرية والتهكم وضرب الأمثال والطنز.
والحكاية عنه مستفاضة في أنه كان يتعاطى تسويد لونه وأنه كان يدّهن بالقطران ويقعد في الشمس ليحقّق لنفسه التلقيب بالأعرابي. وكان قد رزق في أيامه سعادة وذاك أنه كان في كنف الوزير العادل أبي منصور بهرام بن مافنّه وزير الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه صاحب شيراز، قد خطب له ببغداد بالسلطنة، فكان الأسود إذا صنّف كتابا جعله باسمه، فكان يفضل عليه إفضالا جما، فأثرى من جهته، ومات أبو منصور الوزير في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
وقرأت في بعض تصانيفه أنه صنّف في شهور سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وقرىء عليه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
وللأسود من التصانيف: كتاب السلّ والسرقة. كتاب فرحة الأديب في الردّ على يوسف بن أبي سعيد السيرافي في شرح أبيات سيبويه. كتاب ضالّة الأديب في الردّ على ابن الأعرابي في النوادر التي رواها ثعلب. كتاب قيد الأوابد في الردّ على ابن السيرافي أيضا في شرح أبيات إصلاح المنطق. كتاب الردّ على النمريّ في «شرح مشكل أبيات الحماسة» . كتاب نزهة الأديب في الردّ على أبي علي في «التذكرة» .
كتاب الخيل مرتّب على حروف المعجم. كتاب في أسماء الأماكن.
стр. 823
[٣٠٦]
الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء
، أبو علي المقرىء المحدث الحنبلي: ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة، وقرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي وغيره، وسمع الحديث من ابن بشران [وهلال الحفار] وغيرهما، وتفقه على القاضي أبي يعلى ابن الفراء ومات في خامس رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وصنف في كلّ فنّ حتى بلغت تصانيفه مائة وخمسين مصنفا، منها كتاب «شرح الإيضاح» لأبي عليّ الفارسيّ في النحو، رأيته. وكان له حلقة بجامع القصر يفتي فيها ويقرأ الحديث وحلقة بجامع المنصور.
وحدث السمعاني قال «١» : سمعت أبا القاسم ابن السمرقندي يقول: كان واحد من أصحاب الحديث اسمه الحسن بن أحمد بن عبد الله النيسابوري، وكان سمع الكثير، وكان ابن البنّاء يكشط من التسميع «بوري» ويمدّ السين، وقد صار الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء، قال: كذا قيل إنه كان يفعل؛ قال أبو الفرج «٢» : وهذا القول بعيد من الصحة [لثلاثة أوجه، أحدها] أنه قال: «كذا قيل» ولم يحك عن علمه بذلك فلا يثبت هذا، والثاني أن الرجل مكثر لا يحتاج إلى الاستزادة لما يسمع، ومتديّن ولا يحسن أن يظنّ بالمتدين الكذب، والثالث أنه قد اشتهرت كثرة رواية أبي علي ابن البناء، فأين هذا الرجل الذي يقال له الحسن بن أحمد بن عبد الله النيسابوري ومن ذكره ومن يعرفه؟ ومعلوم أنّ من اشتهر سماعه لا يخفى.
وقال السمعاني، ونقلته من خطه: الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء المقرىء الحافظ أبو علي أحد الأعيان، والمشار إليهم في الزمان، له في علوم القرآن
стр. 824
والحديث والفقه والأصول والفروع عدة مصنفات، حكى بعض أصحاب الحديث عنه أنه قال: صنف خمسمائة مصنف، وكان حلو العبارة.
قال السمعاني: وقرأت بخط الامام والدي: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني بها يقول: سمعت أبا علي ابن البناء ببغداد وقال «١» : ذكرني أبو بكر الخطيب في التاريخ بالصدق أو بالكذب؟ فقالوا: ما ذكرك في التاريخ أصلا، فقال ليته ذكرني في الكذابين.
قال السمعاني أنبأنا أبو عثمان العصائدي أنبأنا أبو علي ابن البناء قال: كتب إليّ بعض إخواني من أهل الأدب كتابا وضمنه قول الخليل بن أحمد «٢» :
إن كنت لست معي فالذكر «٣» منك معي ... يراك قلبي وإن غيّبت عن بصري
العين تبصر ما تهوى وتفقده ... وباطن القلب لا يخلو من النظر
فكتب إليه أبو علي لنفسه «٤» :
إذا غيّبت أشباحنا كان بيننا ... رسائل صدق في الضمير تراسل
وأرواحنا في كلّ شرق ومغرب ... تلاقى بإخلاص الوداد تواصل
وثمّ أمور لو تحققت بعضها ... لكنت لنا بالعذر فيها تقابل
وكم غائب والصدر منه مسلّم «٥» ... وكم زائر في القلب منه بلابل
فلا تجزعن يوما إذا غاب صاحب ... أمين فما غاب الصديق المجامل
стр. 825
[٣٠٧]
الحسن بن أحمد الاستراباذي، أبو علي
: النحوي اللغوي الأديب الفاضل حسنة طبرستان وأوحد ذلك الزمان، وله من التصانيف: شرح الفصيح. كتاب شرح الحماسة.
[٣٠٨]
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل
بن سلمة بن عثكل بن حنبل بن إسحاق العطار الحافظ، أبو العلاء الهمذاني المقرىء: من أهل همذان، مات في تاسع عشر جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة، وذكره بعض الثقات من أهل العلم فذكر له مناقب كثيرة، وذكر نسبه وولادته فقال: هو أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة بن عثكل بن إسحاق العطار الهمذاني، وكان عثكل من العرب. وأما ولادته فإنها كانت يوم السبت قبل طلوع الشمس الرابع عشر من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بهمذان، وذكر من مناقبه: سمعته ﵀ يقول: سلّمت في صغري إلى رجل معلم- قال:
سمّاه ونسيت اسمه- قال: وكنت أحفظ عليه القرآن، فحفظت عليه إلى سورة يوسف، ثم أجرى الله لساني بحفظ الباقي من القرآن دفعة واحدة من غير تحفظ وتكرار فضلا منه ﷻ . وسار في ليلة واحدة في طلب الحديث من جرباذقان الى أصفهان، وسمعته يقول: لما حججت كنت أمشي في البادية راجلا قدّام القافلة أحيانا مع الدليل، وأحيانا أخلّف الدليل، حتى عرفني الدليل واستأنس بي ومال إليّ وهو
стр. 826
يسير على ناقة له تكاد تردّ الريح، وكنت أرى الدليل يتعجّب من قوّتي على السير، وكان أحيانا يضرب ناقته ويمعن في السير، وكنت لا أخلّي الناقة تسبقني، فقال لي الدليل يوما: تقدر أن تسابق ناقتي هذه؟ فقلت: نعم، فضربها وعدوت معها فسبقتها.
قال: وكان كثير الحفظ للعلوم، كثير المجاهدة في تحصيلها، فسمعته يقول ﵀: حفظت «كتاب الجمل» في النحو لعبد القاهر الجرجاني في يوم واحد من الغداة الى وقت العصر. قال: وسمعت الشيخ أبا حفص عمر بن الحسين الوشاء المقرىء يقول: سمعت الإمام الحافظ ﵀ يقول: حفظت يوما ثلاثين ورقة من القراءة. قال: وسمعت الإمام الحافظ أبا بكر محمد بن شيخ الاسلام الحافظ أبي العلاء قال: سمعت الشيخ الصالح إبراهيم المرجي قال: سمعت الشيخ ﵀ يقول: لو أن أحدا أتاني بحديث واحد من أحاديث رسول الله ﷺ لم يبلغني لملأت فاه ذهبا. قال: وكان الشيخ ﵀ حفظ «كتاب الجمهرة» لأبي بكر ابن دريد و «كتاب المجمل» لابن فارس و «كتاب النسب» للزبير بن بكار. قال: وبلغني عن الثقة أنّ الحافظ أبا جعفر ﵀ كان يقول: لو أن الله تعالى يقول لي يوم القيامة:
ماذا أتيتني به؟ أقول ربي وسيدي أتيتك بأبي العلاء العطار.
قال: وكان الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الجوزي، ﵀، يملي يوما في الجامع بأصفهان، وعنده جماعة من المحدثين، إذ دخل الشيخ الحافظ أبو العلاء، ﵀، من باب الجامع، فلما نظر الحافظ أبو القاسم إليه أمسك من الاملاء، ونظر إلى أصحابه وقال: أيها القوم إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها، وهذا الرجل المقبل من جملتهم، قوموا نسلّم عليه، فقاموا واستقبلوه وسلّموا عليه واعتنقوه.
قال: وكان يقرأ على الشيخ أبي العز المقرىء «١» القلانسي الواسطي ﵀، وكان يفضله على أصحابه، فشقّ ذلك عليهم، فاجتمع بعضهم يوما وفيهم الشيخ أبو العلاء ﵀، فسألهم الشيخ أبو العزّ عن اختلاف القرّاء في قوله
стр. 827
تعالى: كوكب دري يوقد
(النور: ٣٥) وأقاويل الأئمة فيها، فسقط في أيديهم وتاهوا في شرحها، وما أجابوا بطائل، ثم أقبل الشيخ أبو العز على الشيخ ﵀ وقال: تكلم أنت فيها يا أبا العلاء، فشرع فيها الشيخ وعدّ بضعة عشر قولا، وأدّى فيها حقّها بأحسن إشارة وأبلغ عبارة، فلما فرغ نظر الشيخ أبو العز إلى أصحابه الحاضرين وقال: بهذا أفضّله عليكم، لو أمهلتكم مدة لما قدرتم على الذي ذكر هو بديهة من غير عزيمة سابقة ورويّة سالفة.
قال: وكان محترما عند الخلفاء والسلاطين، كتب إليه المقتفي لأمر الله «١» أمير المؤمنين كتابا من جملته: وبعد فإن الأب القدّيس النفيس خامس أولي العزم، وسابع السبعة على الجزم، وارث علم الأنبياء، حافظ شرع المصطفى أبا العلاء، ثم ذكر كلاما واستدعى منه الدعاء.
قال: وسمعت ولده أبا محمد عبد الغني بن الشيخ الحافظ أبي العلاء ﵀ يقول: لما أدخل أبي على أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله، ﵁، بعد استدعاء أمير المؤمنين إياه، كان يأمره خواصّ الخليفة بتقبيل الأرض في المواضع، وكان يأبى ذلك، فلما أكثروا عليه قال: دعوني إنما السجود لله تعالى، فكفّوا عنه حتى وصل إليه، وسلم بالخلافة عليه، فقام له أمير المؤمنين وأجلسه، ثم كلّمه ساعة وسأل منه الدعاء فدعا، وأذن له في الرجوع فرجع، وكانوا قد أحضروا الخلعة والصلة فاستعفى عن ذلك فأعفي، وخرج من بغداد حذرا من فتنة الدنيا وآفاتها.
وحدثني غير واحد أن السلطان محمدا «٢» لما دخل عليه داره نصحه كثيرا ووعظه، وكان السلطان جالسا بين يديه مقبلا عليه بوجهه مصغيا إلى كلامه، فلما قام ليخرج أمره بتقدمة رجله اليمنى وأخذه الطريق من الجانب الأيمن.
وسمعت الإمام أبا بشر الثاني ﵀ يقول: سمعت عبد الغني بن سرور المقدسي يقول: كنت يوما في خدمة الحافظ أبي طاهر السلفي بثغر الاسكندرية نقرأ الحديث، فجرى ذكر الحفّاظ إلى أن انتهى الكلام إلى ذكر الحافظ أبي العلاء
стр. 828
رحمه الله، فأطرق الحافظ أبو طاهر عند ذكره، ثم رفع رأسه وقال: قدّمه دينه، قدّمه دينه.
قال: وسمعت أبا بشر محمد بن محمد بن منصور المقرىء الخطيب بشيراز يذكر الحافظ أبا العلاء، ﵁، ويثني عليه، ثم أنشد يقول:
فسار مسير الشمس في كلّ موطن ... وهبّ هبوب الريح في الشرق والغرب
قال: وسمعت الامام أبا نصر أحمد بن الامام الحافظ أبي الفرج ابن عبد الملك بن الشعار يقول: سمعت الامام أبا الحسن الحراني يقول: كنت أطوف بالكعبة فرأيت شيخا في الطواف، فلما نظرت إليه تفرّست فيه الخير والصلاح، وانتظرته حتى قضى طوافه، فدنوت منه وسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، فسألته عن الوطن فسمّى لي موضعا بعيدا، ذكره أبو الحسن ونسيه أبو نصر، قال أبو الحسن:
أيّ شيء المقصد بعد بلوغك بيت ربك؟ فقال: مقصدي الحافظ أبو العلاء، فتعجبت في نفسي وقلت: ستظفر إن شاء الله بمقصودك وتنال مطلوبك، وبكيت حتى غلبني البكاء، فقال: وممّ بكاؤك؟ فقلت: ان الحافظ أبا العلاء الذي تقصده وتأمل بلوغه قد كنت مستفيدا منه كذا وكذا سنة، قرأت عليه القرآن ختما، وسمعت منه الحديث الكثير، فتعجّب من قولي وقام إليّ وقبّل بين عيني، وهو يفدّيني بأبيه وأمه، وغاب عني.
قال: وسمعت أبا بشر يقول: لما دخلت على الامام أبي المبارك المقرىء بشيراز جعل يذكر شيخ الاسلام الحافظ أبا العلاء الهمذاني، ﵀، ويثني عليه، ثم أنشد متمثلا:
فسار مسير الشمس في كلّ موطن ... وهبّ هبوب الريح في الشرق والغرب
قال: رحل إليه رجل من أقصى المغرب، وكان له حظّ في كلّ علم، ومدحه بقصيدة هي من غرر القصائد، وذكر أحواله في سفرته وما أصابه من التعب والمشاقّ، ومن شعره فيه أيضا:
سعى إليك على قرب ومن بعد ... من كان ذا رغبة في العلم والسّند
стр. 829
حتى أناخ بمغناك الكريم وقد ... كلّت ركائبه في الخبت والسّند «١»
كذاك أثرى وما أوعت أنامله ... لكن وعى قلبه ما شاء من مدد
وما أناخ بمغنى غيركم أحد ... إلا ونودي ما بالربع من أحد
وقد قصدتك من أقصى المغارب لا ... أبغي سواك لوحي الواحد الصمد
وما امتطيت سوى رجليّ راحلة ... وقد غنيت عن العيرانة الأجد
وهذه رحلة بكر كشفت لها ... عن ساق ذي عزمات غير متئد
عناية لم تكن قبلي لذي طلب ... وحظوة لكم في غابر الأبد
هل كان قبلك حبر أمّه رجل ... وسار مدة حول سير مجتهد
أبا العلاء العلاء الكلّ إنك في ... أقصى العراق مقيم منه في بلد
وقد فشا لك ذكر في البلاد كما ... فاحت أزاهر روض للغمام ندي
قال: وسمعت الشيخ، ﵀، يقول يوما لمن حضره: إن خلّف أبو العلاء دينارا أو درهما بعد موته فلا تصلّوا عليه. وكان، ﵀، لا يبقي على الذهب والفضة، وكلّ ما آتاه الله منها يصرفه في اليوم، وينفقه في قضاء الديون ومراعاة الناس، فمات ولم يخلّف دينارا ولا درهما، حتى بيعت داره وقضي منه دينه.
قال: وكان، ﵀، شديد التمسك بسنن رسول الله ﷺ ، فكان لا يسمع باطلا أو يرى منكرا إلّا غضب لله ولم يصبر على ذلك ولم يداهن؛ قال: سمعت أبا رشيد راشد بن إسماعيل المعدّل يقول: كنت عند الشيخ يوما، فدخل عليه أبو الحسين العبادي الواعظ زائرا، وجلس عنده زمانا، وجعل يكلم الشيخ إلى أن جرى في كلامه: وعزمت غير مرة على الاتيان إلى الخدمة لكني منعني كون الكوكب الفلانيّ في البرج الفلاني، فزبره «٢» الشيخ وقال: السنّة أولى أن تتّبع، فقام العباديّ خجلا وخرج.
وكان من ورعه في رواية الحديث عن رسول الله ﷺ أنه ما كان يترجم الحديث للعامة
стр. 830
رعاية منه للصدق. واستدعي منه بهمذان أن يفسّر للناس حديثا واحدا فأجاب وقعد لذلك، فلما شرع في الكلام قال، قال رسول الله ﷺ . واستدعي منه ثانيا بالكرخ كذلك، فروى حديثا في فضائل الأعمال وفي بعض ألفاظه «حتى يدخل الجنة» ، ففسر لفظة الجنة قبل أن يفسر لفظة «حتى يدخل» ، كأنه قدم لفظة «الجنة» على لفظة «حتى يدخل» في ترجمته، فاستغفر ورجع وأتى بها على الوجه المنطوق به في حديث رسول الله ﷺ . وكان ﵀ يتحرّج عن القصص والكلام فيها والتنميق والتكلّف حذرا من الزيادة والنقصان.
ولما قصد السلطان محمد بغداد وحاصرها، وخالف الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، ﵁، كان الشيخ، ﵀، يقرأ «صحيح البخاري» بهمذان على الشيخ عبد الأوّل، ﵀، على اسليهر «١» يحضره لسماع الكتاب عامّة أهل البلد من الأمراء والفقهاء والعلماء والصوفية والعوام، فصرّح القول قائما على المنبر بأنّ السلطان ومن معه من جنوده خارجة مارقة، ثم قال: لو أنّ رجلا من عسكر أمير المؤمنين رمى رجلا من أصحاب السلطان بسهم، وجاءه آخر من غير الفريقين فنزع السهم من جراحته، يكون هو أيضا خارجيا باغيا، وكرّر القول في ذلك مرارا.
قال: وسئل الشيخ ﵀ عن سبب أكثر اشتغاله بعلم الكتاب والسنة فقال:
إني نظرت في ابتداء أمري فرأيت أكثر الناس عن تحصيل هذين العلمين معرضين، وعن دراستهما لاهين، فاشتغلت بهما وأنفقت عمري على تحصيلهما حسبة.
قال: ورأى ﵀ قلة رغبة الخلق في تحصيل العلم والرحلة ولقاء الشيوخ، فاتخذ مهدا وعزم على المضّي إلى بغداد وأصفهان للرواية، ورفع منائر «٢» العلم وإحياء السنة حسبة، فمنعه الضعف والكبر، وأدركته المنية وهو على هذه النية.
قال: سمعت الثقة يقول: سمعت الشيخ ﵀ يقول: كنت واقفا يوما على باب دار الشيخ أبي العز القلانسي ﵀ في حرّ شديد أنتظر الاذن، فمرّ بي إنسان فرآني على تلك الحال واقفا، فقال لي: أيها الرجل لو أنك تصير إماما يقرأ
стр. 831
عليك ويقتدى بك، أهكذا كنت تفعل أنت بطلبة العلم ومن يأتيك من الغرباء؟ فذرفت عيناي فقلت: لا إن شاء الله، وأشهدت الله تعالى في نفسي في تلك الحال على أني لا آخذ على التعليم والاقراء والتحديث أجرا، ولا أبخل بعلمي على أحد، وأبذله حسبة، فكان كما قال، ويقعد لطلبة العلم من أول النهار إلى آخره.
قال: وكان الشيخ ﵀ لا يرى طول نهاره إلّا كاتبا لحديث رسول الله ﷺ ، أو مطالعا له، أو مشتغلا به، أو مصغيا إلى قراءة القرآن وطلبة العلم، هكذا كان دأبه بالنهار، ويجعل ليلته ثلاثة أثلاث، يكتب في ثلث، ويتفكر في ثلث، وينام في ثلث. وكان كثيرا ما يقول عند انتباهه من النوم: يا كريم أكرمنا، وكان من كرامته على الناس وإقبال الناس عليه والتبرك به أنه كان يصعب عليه المرور يوم الجمعة في مضيّه ورجوعه لازدحام الخلق عليه، وكان جماعة من الشبان يتحلقون حواليه يدفعون عنه زحمة الناس، وهو يمر في وسطهم مطرقا لا يشتغل بأحد، وهو يقول: يا من أظهر الجميل وستر على القبيح.
قال: سمعت العدل عمر بن محمد يقول: دخلنا على الإمام الحافظ أبي العلاء ﵁ وهو يكتب، فقعدنا عنده ساعة، فوضع ما في يده وقام ليتوضأ، فنظرنا فيما كتب فإذا هو قد بيّض كلّ موضع فيه اسم من أسماء الله تعالى أو ذكر لرسول الله ﷺ ، فتعجبنا من ذلك، فلما رجع سألناه عن ذلك فقال: إني لما كنت أكتب ذلك شككت في الوضوء فما جوّزت أن أكتب بيدي أسماء الله تعالى أو ذكر الرسول ﷺ وأنا شاكّ في الوضوء.
وكان الشيخ ﵀ إذا نزل بالناس شدة أو بلاء يجيء إليه الناس ويسألونه الدعاء فيقول: اللهم إني أخاف على نفسي أكثر مما يخافون على أنفسهم. وكان كثيرا ما يقول: ليتني كنت بقّالا او حلّاجا، ليتني نجوت من هذا الأمر رأسا برأس لا عليّ ولا ليا.
قال: وسمعت والدي يحكي عن الامام عبد الهادي بن علي رحمة الله عليه أنه قال: كنت أمشي يوما مع الشيخ الامام الحافظ ﵀ في الشتاء في وحل شديد، وفي رجليه مداس خفيفة يكاد يدخل فيها الطين، فقلت له: يا أخي لو لبست مداسا غير هذا يصلح للشتاء، فقال: إذا لبست غيرها لهت عيني عن النظر إليها، فربما
стр. 832
نظرت إلى منكر أو فاحشة، وفي دوام نظري إليها وحفظي لها عن الوحل شغل عن ذلك وحفظ للبصر.
قال: وكراماته مشهورة بين الناس، منها: ما كتب به إليّ الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقرىء قال: سمعت الأستاذ بهلة الطحان يقول: حملت أحمال الحنطة من دار الشيخ ﵁ لأطحنها لأهله، فلما طحنتها ووضعت بعضها على بعض قصد بعض من في الطاحونة من المستحقين أن يأخذ شيئا من ذلك الدقيق ليخبز منه رغيفا، فصحت عليه ومنعته من الأخذ، فلما رددت الأحمال إلى دار الشيخ من الغد تبسّم الشيخ في وجهي وقال: ويلك يا بهلة، لم منعت الرجل أن يأخذ قبضات من الدقيق؟! فتحيرت من قوله، وقبّلت في الحال رجليه، وتبت على يديه، واستغفرت الله عما سلف مني من الذنوب، وصرت معتقدا في كرامات أولياء الله تعالى.
قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن عمر يقول: كنت يوما في خدمة الشيخ رضي الله تعالى عنه نأكل الغداء فدقّ الباب داقّ، فقمت وفتحت له الباب، فإذا بالشيخ الصالح مسعود النّعال، فاستأذنت له، فدخل وقعد عند الشيخ إلى الطعام، فلما كان بعد ساعة نظر إلى مسعود وقال: يا مسعود لو أن النطفة التي قدّر الله في سابق علمه أن يخلق منها خلقا صبّت على الأرض لظهر منها ذلك الخلق، فلما سمع مسعود النعال هذا الكلام انزعج وبكى وصاح، فتعجبنا من تلك الحالة، فلما سكن سألته عن سبب انزعاجه وتواجده من كلام الشيخ، فقال لي: اعلم أني تزوجت امرأة منذ سنين كثيرة وما رزقت منها ولدا، وأني جئت اليوم لأسأل منه الدعاء حتى يرزقني الله ولدا صالحا، فقبل سؤالي إياه حدّثني بما في قلبي، وأظهر لي سري، وأسمعني ما سمعتم. قال: ثم دعاه الشيخ ﵁ ودعا له، وسأل الله له الولد، وناوله شيئا من بقية الطعام وقال: أطعمها أهلك، قال: ثم رأيته بعد ذلك بمدة فقال: قد رزقني الله والحمد لله ابنا وبنتا ببركة دعاء الشيخ وهمته.
قال: وسمعت الشيخ أبا عبد الله يقول: سمعت الشيخ أبا بكر عبد الغفار بن محمد بن عبد الغفار- وكان خال ولد الشيخ ﵁ يقول لي: هل علمت
стр. 833
سبب وفاة أختي، يعني التي كانت حليلة الشيخ رحمة الله عليهما؟ قلت: لا، قال قالت أختي: كان للشيخ في الدار بيت مختصّ به لا يدخله غيره، وكان يأذن لي في بعض الليالي بدخولي فيه، وفي أكثر الأوقات وأغلب الليالي يغلق الباب على نفسه ويخلو فيه بنفسه، وأبيت أنا في الدار وحدي، فاشتدّ ذلك عليّ حتى أقلق نهاري وأسهر ليلي، فبينا أنا متفكرة في بعض تلك الليالي إذ قلت في نفسي: لم لا أقوم فأرتقي الرواق وأنظر إليه من كوّة البيت لأقف على حاله، فقمت وارتقيت الرواق، فقبل بلوغي الكوة رأيت نورا عظيما وضياء ساطعا من البيت أضاء منه شيء، فتقدمت ونظرت في البيت، فرأيت الشيخ جالسا في مكانه، وحوله جماعة يقرأون عليه، وكنت أرى سوادهم وأسمع حسّهم غير أني لا أرى صورهم، فهالني ذلك ووقعت مغشيّا عليّ لا أشعر شيئا، إلا أني رأيت الشيخ واقفا على رأسي، فأقامني وتلطّف بي وقال لي: ماذا دهاك؟ فقصصت عليه قصتي، فقال لي: كفي عن هذا ولا تخبري بما رأيت أحدا من الناس إن كنت تريدين رضاي، فقبلت منه ذلك وكتمت سرّه حتى أمرضني، وحملت مريضة إلى دار أبي؛ قال الامام أبو عبد الله وقال لي الشيخ أبو بكر واشتدّ عندنا مرضها، وكنا نسألها عن سبب مرضها، وكانت تعلل بأشياء، إلى أن وقعت في هول الموت وسياق النزع، ثم نظرت إلينا وبكت ثم قالت: أوصيكم بزوجي أبي العلاء واسترضائه، والآن بدا لي أن أخبركم بسبب موتي، ثم قصّت علينا هذه القصة، وفارقت الدنيا، رحمها الله.
قال: وسمعت الشيخ أبا العلاء أحمد بن الحسن الحداد العارف يقول: سمعت الشيخ عمر بن سعد بن عبد الله بن حذيفة من نسل حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: كنت مع الحافظ أبي العلاء في بعض الأسفار، فأدركنا شيخا من أهل الحديث، وانتخب عليه الحافظ جزءا من مسموعه وسماعه عليه، وارتحلنا من عنده فوصلنا إلى نهر عظيم، فلما عبرنا النهر وقع ذلك الجزء منّا وضاع، وضاق قلب الحافظ لذلك ضيقا شديدا، فلما كان بعد ذلك بأيام استقبلنا رجل حسن الوجه حسن الشارة وسلّم علينا، ثم أقبل على الحافظ وقال: ما الذي أصابكم وما سبب حزنك؟
فقصّ عليه الحافظ قصة الجزء وكيفية ضياعه، فقال: خذ القلم واكتب عني جميع ما ضاع عنك في ذلك الجزء، وأخذ الحافظ القلم متعجبا ننظر إليه وهو يملي والحافظ
стр. 834
يكتب إلى أن فرغ، فلما فرغ الحافظ أخذ ببعض ثيابه فقال: أنشدك الله من أنت؟
فقال: أنا أخوك الخضر، وبعثت إليك لهذا الأمر، ثم غاب عنا فلم نره.
سمعت الشيخ الصالح سنقر بن عبد الله غلام شيخنا أبي طاهر محمد بن الحسن بن أحمد العطار، ﵀ ابن الشيخ ﵁ يقول: إني خدمت الشيخ ﵁ سنين كثيرة فرأيت العجائب الكثيرة في خلواته، منها: أنه قام ليلة ليتوضأ فقال لي: استق الماء من البئر، فجئت وأرسلت الدلو فيها، فلما بلغ الدلو إلى رأس البئر نظرت فيها فإذا الدلو مملوءة ذهبا أحمر أضاء الدار حمرته، فصحت صيحة عظيمة، فقال لي: أيها الشيخ ماذا أصابك؟ فأريته الدلو فاسترجع، ثم استأخر وقال لي: اقلب الدلو في البئر فإنا نطلب الماء لا الذهب، قال: فقلبتها، ثم أخذ الدلو من يدي واستقى الماء وقال لي: يا سنقر إياك إياك أن تخبر بما رأيت أحدا من الناس ما دمت حيا.
قال: رأيت بخط الثقة، ذكر أنه نقل من خط الشيخ أبي الفتح محمد بن الحسين بن وهب: سمعت الشيخ أبا عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الجوزقاني يقول: كنت نائما ذات ليلة، فرأيت فيما يرى النائم كأنّ الناس يهرعون إلى رباط أبي الفرج أحمد بن علي المقرىء رحمة الله عليه، قال: فسألت ما لهؤلاء؟ فقالوا: إنّ أنس بن مالك ﵁ نزل في رباط المقرىء، ففرحت وأسرعت وقصدت الإمام الحافظ أبا العلاء وأخبرته بذلك، فلما سمع مني فرح ونشط، وقام وأخذ جزءا واحدا من أحاديث أنس بن مالك ﵁ وجاء معي حتى دخلنا الرباط، فإذا رسول الله ﷺ جالس في الرباط، ورأينا أنس بن مالك عن يساره، فقدمنا إلى رسول الله ﷺ وسلّمنا عليه وجلسنا بين يديه، فاستأذنه أبو العلاء في قراءة ذلك الجزء عليه فأذن له، فابتدأ أبو العلاء بالقراءة، وقرأ ذلك الجزء قراءة حسنة مبينة صحيحة، ورأيته ﷺ يتبسم من الفرح مرة إلى وجهه ومرة إلى وجهي، فلما قرأ الجزء انتبهت من النوم وقمت وتوضأت وصليت الصلاة شكرا لله تعالى على ما رأيت في المنام.
قال: وسمعت الشيخ عمر بن أبي رشيد بن طاهر الزاهد يقول: رآني يوما الشيخ علي الشاذاني صاحب الكرامات الظاهرة فقال: يا عمر اذهب إلى الحافظ أبي
стр. 835
العلاء وقبّل جبينه عني، فإني رأيت الليلة في المنام من قبّل جبهته موفيا محتسبا غفر الله له.
قال: وسمعت الشيخ الزاهد، وكان من الأبدال إن شاء الله يقول: سمعت الشيخ سعيدا المتقي، وكان من الصالحين يقول: رأيت جنات عدن مفتوحة أبوابها، وإذا الناس كلّهم وقوف ينظرون دخول شخص، فلما قرب من الباب وكاد يدخل جنة عدن سألت من هذا الشخص الذي يدخل جنة عدن قبل دخول الخلائق؟ فقالوا:
الحافظ أبو العلاء ومن كان يحبّه في الله ، فتضرعت وبكيت وقلت: وأنا أيضا ممن يحبّه في الله ، دعوني أدخل، فقال شخص: صدق دعوه يدخل، فدخلت مع القوم وهم يقولون: ادخلوها بسلام آمنين
(الحجر: ٤٦) .
قال المصنف: وحكى لي الشيخ الإمام أبو عبد الله زبير بن محمد بن زبير المشكاني ﵀ قال: رأيت ليلة من الليالي في المنام كأنّ الإمام أبا العلاء ﵁ يمشي إلى الحجّ، وهو جالس في المهد متربع، والمهد يمشي في الهواء بين السماء والأرض، فعدوت خلفه، فنزل المهد من السماء إلى الأرض، وشيء مثل الوتد حتى خرج من ذلك المهد، فتعلّقت به، فقام المهد يمشي في الهواء وأنا متعلق به حتى وصلنا الفرات، فأخذني العطش، فقلت للحافظ، إني عطشان أريد أشرب، فقال لي: تعال حتى نشرب من زمزم، فمشينا حتى وصلنا مكة، فدخلت الحرم، وشربت من ماء زمزم، ورأيت في الحرم خلقا كثيرا، ورأيت رسول الله ﷺ مع الحافظ أبي العلاء جالسا على تلّ في الحرم أعلى من سطح الحرم، وما معهما أحد غيرهما، وهما يستقبلان الكعبة وينظران إلى فوق، ورأيت رسول اللهّ ﷺ يتكلّم مع أحد نحو فوق الكعبة، وإذا أراد أن يتكلم قام إليه، ورأيت شيخنا أبا العلاء شاخصا ببصره إلى الذي يكلم النبي ﷺ فوق الكعبة، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، فقلت في نفسي: أذهب فأبصر من الذي يكلّم النبيّ ﷺ وينظر إليه الحافظ أبو العلاء، فتقدمت ونظرت إلى فوق الكعبة فرأيت عرش الرحمن ﷻ واقفا فوق الكعبة، ورأيت الرحمن ﷻ عليه، فأشار إليّ النبي ﷺ أن «أسأل الله ﵎» ، فسألت الله تعالى أربع حاجات، فسمعته يقول بالفارسية، كردم، وسألت رسول الله ﷺ حاجة ففعل، فنويت الرجوع، فقال لي
стр. 836
رسول الله ﷺ : أتذهب؟ فوقفت أنتظر أمره، فقال لي رسول الله ﷺ بالفارسية:
شكرانه گو، فوقفت وقرأت: قل هو الله أحد
(الإخلاص: ١) خمسمائة مرة، فقال لي رسول الله ﷺ : حسن، فرجعت وتركت رسول الله ﷺ جالسا مع الحافظ أبي العلاء على ذلك التلّ وينظران إلى الله .
وقد مدحه أفاضل عصره بأشعار كثيرة، منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله المغربي وقد خرج الشيخ فحجبت الشمس غمامة فقال لي في ذلك:
ظهرت فأخفت وجهها الشمس هيبة ... وشوقا إلى مرآك أسبلت الدمعا
ولما رأت مسعاك كفّت شوؤنها ... لئلّا ترى حيّا يصدّك عن مسعى
وقد كان ذاك القطر أيضا دلالة ... على أنّ مولى الجمع قد رحم الجمعا
ولا شكّ أن الله يرحم أمة ... حللت بها قطعا أقول بذا قطعا
وقد مدحه أبو عبد الله المغربي هذا بقصائد حسان، وقد أفردها الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن محمود بن إبراهيم بن الفرج مؤلف هذه المناقب ﵀، والأصل يشتمل على ستة أجزاء بخطه كلّها ﵀، وقد ذكر فيه بعد ذكر القصائد التي ذكرتها:
سمعت أبا بشر محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله بن عبد الله بن سهل ﵀ يقول: كان أبو عبد الله المغربي بأصفهان في مدرسة النظام وهو يقرأ القرآن، فلما بلغ قوله : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
(الحجر: ٩٩) قام وصرخ وترك أمتعته وكتبه وأقبل إلى الصحراء هائما، وما رؤي بعد ذلك ولا سمع له خبر ولا أثر.
وأنشد موفق بن أحمد المكي الخطيب في مدحه:
حفظ الامام أبي العلاء الحافظ ... بالرجل ينكت هام حفظ الجاحظ
عمرو بن بحر بحره من جدول ... متشعّب من بحر بحر الحافظ
ما إن رأينا قبل بحرك من [له] ... بحر طفوح كالأتيّ اللافظ «١»
стр. 837
أحييت ما قد فاظ من سنن العلا ... والعلم قبلك في انتزاع الفائظ
بهظ البرايا عبء أدنى علمه ... أعظم به من عبء علم باهظ
كم واعظ لي أن أجاور مجده «١» ... لو كان ينجع فيّ وعظ الواعظ
غاظ الأعادي جاهه كعلومه ... فرددت «٢» غيظهم بهذا الغائظ
وأنشد أيضا في مدحه:
وليس اعتراف الحاسدين بفضله ... لشيء سوى أن ليس يمكنهم جحد
بدا كعمود الفجر ما فيه شبهة ... فهل لهم من أن يقرّوا به بدّ
وأنشد الإمام العلامة أفضل الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الملك بن عبيد الله بن أحمد بن سعيد الدمانخير الكرخي رحمة الله عليه في مدحه:
صبرا فأيام الهموم تزول ... والدهر يعطيك المنى وينيل
ويبين «٣» من فلك السعادة باقيا ... قمر الأماني والنحوس أفول
لا تأيسنّ إذا تلمّ «٤» ملمة ... إن الشدائد تعتري وتحول
والفضل لا يزري به عدم الغنى ... أفليس يحسن في الرماح ذبول
ما إن يضرّ العضب بعد مضائه ... يوم القراع إذا عرته فلول
لا تشتغل بالعسر واطو مشمّرا ... بسط الفيافي والشعاب «٥» مقيل
والبس سواد الليل مرتديا به ... إنّ التجلّد للرجال جميل
حتى تنيخ العيس في كنف العلا ... حيث التكرّم بالنجاح «٦» كفيل
كنف الإمام القرم قطب الدين من ... جوب الفلا إلا إليه فضول
صدر الزمان أبي العلاء سميدع ... غرّ المعالي في ذراه تقيل
وهي طويلة.
стр. 838
ولموفق الدين مكي خطيب خوارزم أشعار كثيرة في مدحه منها:
بقيت بقاء الدهر في الناس خالدا ... أيا خير من في الأرض خالا ووالدا
لتروي أحاديث النبيّ محمد ... وتحيي مسانيدا وتزوي معاندا
فهذا دعائي بالحجون وبالصفا ... وهذا مرامي حيث ما كنت ساجدا
قال: وسمعت الثقة يقول: سمعت الشيخ ﵁ يقول: لما مات فلان- أحد أصدقائه ذكر اسمه ونسيته- شقّ عليّ موته، وأثر فيّ وفاته، فكنت بعد ذلك أكتب كلّ سنة كتاب الوصية، وأنا سمعت منه حينئذ صغيرا وهو يقول غدا من شهر رجب، شهر الله الأصم، وأنا أريد أن أجدّد مع ربي عهدا. وهذا كتاب وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا عبد القادر اليوسفي وهبة الله بن أحمد الشيباني قالا، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي التميمي، أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ﵄، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما حقّ امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده. وأخبرنا الشيخ أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو عثمان سعد بن محمد النّجيرمي، أخبرنا أبو الخير الحنبلي وأبو بكر محمد بن أحمد بن عقيل قالا، أخبرنا أبو بكر محمد بن حفص بن جعفر حدثنا إسحاق بن إبراهيم الغضبي، حدثنا خالد بن يزيد الأنصاري، حدثني محمد بن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: من لم يحسن الوصية عند الموت كان نقصا في مروءته وعقله، قيل: وكيف يوصي؟ قال يقول: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا ﷺ عبدك ورسولك، وأن الجنة حقّ، وأن النار حق، وأن البعث حق، والحساب والقدر حق والميزان حق، وأن الدين كما وصفت، وأن الاسلام كما شرعت، وأن القول كما حدّثت، وأن القرآن كما أنزلت، جزى الله محمدا ﷺ عنّا خير الجزاء، وحيّا محمدا منا بالسلام. اللهم يا عدتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدتي، ويا وليّ نعمي،
стр. 839
إلهي وإله آبائي، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإنك إن تكلني إلى نفسي أقرب من الشرّ وأتباعد من الخير، فآنسني في قبري من وحشتي، واجعل لي عهدا يوم ألقاك، ثم يوصي بحاجته. وتصديق هذه الوصية في القرآن لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا
(مريم: ٨٧) فهذا عهد الميت.
وهذه وصيته سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، ونقلتها من خطه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار طوعا، في صحة عقله وبدنه وجواز أمره، أوصى وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذّلّ وخلق كل شيء فقدّره تقديرا ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
(الأعراف: ٥٤) ، ويشهد أن محمدا عبده أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وعلى أصحابه وسلّم تسليما كثيرا، ويشهد أن الجنة حق، والنار حق، والبعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأنه جلّ وعزّ جامع الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ويشهد أن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وهو أول المسلمين، وأنه رضي بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما، وبالمؤمنين إخوانا، وأنه يدين لله بمذهب أصحاب الحديث، ويتضرّع إلى الله ويتوسّل إليه بجميع كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وكلماته التامّات وجميع ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، [أن] يحييه على ذلك حيا ويميته على ذلك إذا توفاه، وأن يبعثه عليه يوم الدين، وأوصى نفسه وخاصّته وقرابته ومن سمع وصيّته بتقوى الله، وأن يعبدوه في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، ويذكروه في الذاكرين، ولا يموتنّ إلّا وهم مسلمون، وأوصى إلى الشيخ أبي مسعود إسماعيل بن أبي القاسم الخازن في جميع تركته وما يخلفه بعده، وفي قضاء ديونه واقتضاء ديونه وإنفاذ وصاياه، وذكره في ذلك بتقوى الله وإيثار طاعته، وحذّره أن يبدّل شيئا من ذلك أو يغيّره، وقد قال الله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم
(البقرة: ١٨١) وكتب هذه الوصية موصيها الحسن بن أحمد بن الحسن بن
стр. 840
أحمد بن محمد بن العطار في يوم الثلاثاء السابع من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
قال: وحدثني من شهد قبض روح الشيخ ﵁ قال: كنا قعودا في ذلك الوقت، وكنا نحبّ أن نلقنه كلمة الشهادة رعاية للسنة، ومع هذا كنا نخشى من هيبته ونحذر سوء الأدب، فبقينا متحيّرين حتى قلنا للرجل من أصحاب الشيخ: اقرأ أنت سورة يس، فرفع الرجل صوته يقرأ السورة، وكنا ننظر إليه ونراقب حاله، فدهش القارىء وأخطأ في القراءة، ففتح الشيخ عينه وردّ عليه، فسررنا بذلك وحمدنا الله . ثم جيء إليه بقدح فيه شيء من الدواء، ووضع القدح على شفته فولّى وجهه وردّ القدح بفيه وفتح عينه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله رافعا بها صوته، وفاضت نفسه ﵀ ورضي عنه وأرضاه، وجعل أعلى الجنان مأواه، وكان ذلك قبيل العشاء الآخرة ليلة الخميس التاسع عشر من جمادى الأولى عام سبعة وستين وخمسمائة، ودفن يوم الخميس في مسجده، وصلى عليه ابنه الإمام ركن الدين شيخ الإسلام ابو عبد الله أحمد القائم مقامه وخليفته على أولاده وأصحابه واتباعه ﵀. والكتاب الذي يشتمل على مناقبه كتاب ضخم جليل، وإنما كتبت هذه النبذة ليستدلّ به على فضله ومرتبته، رحمة الله عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبيه محمد وآله أجمعين.
[٣٠٩]
الحسن بن إسحاق بن أبي عباد اليمني النحوي
: من وجوه اليمن، كان يصحب الفقيه يحيى بن أبي الخير «١» ، وعمه إبراهيم بن أبي عباد نحوي أيضا يذكر في موضعه «٢» ، وصنف الحسن هذا مختصرا في النحو مشهورا باليمن يقرأه المبتدئون،
стр. 841
وهو قريب العهد تقارب وفاته سنة تسعين وخمسمائة، وهو القائل:
لعمرك ما اللحن من شيمتي ... ولا أنا من خطإ ألحن
ولكنني قد عرفت الأنام ... فخاطبت كلا بما يحسن
[٣١٠]
الحسن بن أسد بن الحسن الفارقي
أبو نصر: شاعر رقيق الحواشي مليح النظم متمكن من القافية كثير التجنيس قلما يخلو له بيت من تصنيع وإحسان وبديع، كان في أيام نظام الملك والسلطان ملكشاه، وشمله منهما الجاه بعد أن قبض عليه وأساء إليه، فإنه كان مستوليا على آمد وأعمالها، مستبدّا باستيفاء أموالها، فخلصه الكامل الطبيب «١» . وكان نحويا رأسا وإماما في اللغة يقتدى، وصنف في الآداب تصانيف تقوم له مقام شاهدي عدل بفضله وعظم قدره، منها: كتاب شرح اللمع كبير. كتاب الإفصاح في شرح أبيات مشكلة «٢» .
حدثني الشيخ الإمام موفق الدين أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي قال: حدثني قاضي عسكر نور الدين محمود بن زنكي قال: قدم على ابن مروان صاحب ديار بكر شاعر من العجم يعرف بالغساني، وكان من عادة ابن مروان إذا قدم عليه شاعر يكرمه وينزله ولا يجتمع به إلى ثلاثة أيام ليستريح من سفره ويصلح شعره ثم يستدعيه، واتفق أن الغسانيّ لم يكن أعدّ شيئا في سفره ثقة بقريحته، فأقام ثلاثة أيام فلم يفتح عليه بعمل بيت واحد، وعلم أنه يستدعى ولا يليق به أن يلقى الأمير بغير مديح، فأخذ قصيدة من شعر ابن أسد لم يغير فيها إلا اسمه، فغضب من ذلك وقال:
стр. 842
يجيء هذا العجمي فيسخر منا؟! ثم أمر بمكاتبة ابن أسد، وأمر أن يكتب القصيدة بخطّه ويرسلها إليه، فخرج بعض الحاضرين فأنهى القضية إلى الغساني، وكان هذا بآمد، وكان له غلام جلد، فكتب من ساعته إلى ابن أسد كتابا يقول فيه: إني قدمت على الأمير فأرتج عليّ قول الشعر مع قدرتي عليه، فادّعيت قصيدة من شعرك استحسانا لها وعجبا بها ومدحت بها الأمير، ولا أبعد أن تسأل عن ذلك، فإن سئلت فرأيك الموفق في الجواب، فوصل غلام الغساني قبل كتاب ابن مروان، فجحد ابن أسد أن يكون عرف هذه القصيدة أو وقف على قائلها قبل هذا، فلما ورد الجواب على ابن مروان عجب من ذلك وأساء إلى الساعي وشتمه وقال: إنما قصدكم فضيحتي بين الملوك، وإنما يحملكم على هذا الفعل الحسد منكم لمن أحسن إليه، ثم زاد في الإحسان إلى الغساني وانصرف إلى بلاده. فلم يمض على ذلك إلا مديدة حتى اجتمع أهل ميافارقين إلى ابن أسد، ودعوه إلى أن يؤمّروه عليهم، ويساعدوه على العصيان، وإقامة الخطبة للسلطان ملكشاه وحده، وإسقاط ابن مروان بن الخطبة، فأجابهم إلى ذلك، وبلغ ذلك ابن مروان فحشد له، ونزل على ميافارقين محاصرا فأعجزه أمرها، فأنفذ إلى نظام الملك والسلطان يستمدّهما، فأنفذا إليه جيشا ومددا مع الغساني الشاعر المذكور آنفا، وكان تقدّم عند نظام الملك والسلطان وصار من أعيان الدولة، وصدقوا في الزحف على المدينة حتى أخذوها عنوة وقبض على ابن أسد وجيء به إلى ابن مروان، فأمر بقتله، فقام الغساني وجرّد العناية في الشفاعة، فامتنع ابن مروان امتناعا شديدا من قبول شفاعته، وقال: إن ذنبه وما اعتمده من شقّ العصا يوجب أن يعاقب عقوبة من عصى وليس عقوبة غير القتل، فقال: بيني وبين هذا الرجل ما يوجب قبول شفاعتي فيه، وأنا أتكفّل به ألا يجري منه بعد شيء يكره، فاستحيى منه وأطلقه له، فاجتمع به الغسّاني وقال له: أتعرفني؟ قال: لا والله ولكني أعرف أنك ملك من ملائكة «١» السماء منّ الله بك عليّ لبقاء مهجتي، فقال له: أنا الذي ادّعيت قصيدتك وسترت عليّ، وما جزاء الإحسان إلا الاحسان، فقال ابن أسد: ما رأيت ولا سمعت بقصيدة جحدت فنفعت صاحبها أكثر من نفعها إذا ادّعاها
стр. 843
غير هذه، فجزاك الله عن مروءتك خيرا، وانصرف الغساني من حيث جاء.
وأقام ابن أسد مدة ورقّت «١» حاله، وجفاه إخوانه وعاداه أعوانه، ولم يقدم أحد على مقاربته ولا مرافدته حتى أضرّ به العيش، فعمل قصيدة مدح بها ابن مروان وتوصّل حتى وصلت إليه فلما وقف ابن مروان عليها غضب وقال: لا يكفيه ان يخلص منا رأسا برأس حتى يريد منا الرفد والمعيشة، لقد أذكرني بنفسه، فاذهبوا به فاصلبوه، فذهبوا به فصلبوه، ﵀.
ومن شعر الحسن بن أسد الفارقي ﵀:
بنتم فما كحل الكرى ... لي بعد وشك البين عينا
ولقد غدا كلفي بكم ... أذنا عليّ لكم وعينا (رقيب)
فأسلت بعد فراقكم ... من ناظري بالدمع عينا (عين الماء)
فحكت مدامعها الغزار ... من الغيوم الغرّ عينا (عين السحاب)
جادت على أثر شفى ... عينا لهم لم تلق عينا (شخص)
من كلّ واضحة الترا ... ئب سهلة الخدين عينا (واسعة العين)
غراء تحسب وجهها ... للشمس حين تراه عينا
أمسيت في حيّ لها ... عبدا أضام وكنت عينا (سيد)
لا حركت ركب الركائب ... إذ بهنّ سريت عينا (حر من النوق)
غار الحسود من الوصال ... فلا رعاه الله عينا (مصدر)
فذممت حرفا عاينت ... عيناي في أولاه عينا (عين الحرف)
كانت تناصفنا وصافي ... الودّ لا ورقا وعينا (ذهب)
لهفي وقد أبصرت في ... ميزان ذاك الوصل عينا (نقصان)
كم من أخ فينا وعى ... ما لم نكن فيه وعينا (سمعنا)
ومصاحب صنّفت في ... عدوائه للعين عينا (كتاب الخليل)
стр. 844
وقال في الشمعة «١» :
ونديمة لي في الظلام وحيدة ... مثلي مجاهدة كمثل جهادي
فاللون لوني والدموع كأدمعي «٢» ... والقلب قلبي والسهاد سهادي
لا فرق فيما بيننا لو لم يكن ... لهبي خفيّا وهو منها بادي
وله أيضا «٣» :
أريقا من رضابك أم رحيقا ... رشفت فلست من سكري مفيقا
وللصهباء أسماء ولكن ... جهلت بأنّ في الأسماء ريقا
حمتني عن حميّا الكأس نفس ... إلى غير المعالي لن تتوقا
وما تركي لها شح ولكن ... طلبت فما وجدت لها صديقا
وله أيضا «٤» :
وإخوان بواطنهم قباح ... وإن كانت ظواهرهم ملاحا
حسبت مياه ودهم عذابا ... فلما ذقتها كانت ملاحا
وله أيضا «٥» :
ووقت غنمناه من الدهر مسعد ... معار وأوقات السرور عواري
معانيه مما نبتغيه جميعه ... كواس ومما لا نريد عواري
أدار علينا الكاس فيه ابن أربع ... وعشر له بالكأس أي مدار
تناولتها منه بكفّ كأنها ... أناملها تحت الزجاج مداري
وله أيضا «٦» :
تيّم قلبي شادن أغيد ... ملّك «٧» فالناس له أعبد
لو جاز أن يعبد في حسنه ... وظرفه كنت له أعبد
стр. 845
وله أيضا «١» :
هويت بديع الحسن للغصن قدّه ... وللظبي عيناه وخدّاه للورد
غزال من الغزلان لكن أخافه ... وإن كنت مقداما على الأسد الورد
وله أيضا «٢» :
ولربّ دان منك يكره قربه ... وتراه وهو عشاء عينك والقذى
فاعرف وخلّ مجرّبا هذا الورى ... واترك لقاءك ذا كفافا والق ذا
وله أيضا «٣» :
أيا ليلة زار فيها الحبيب ... أعيدي لنا منك وصلا وعودي
فإني شهدتك مستمتعا ... به بين رنة ناي وعود
وطيب حديث كزهر الرياض ... تضوّع ما بين مسك وعود
سقتك الرواعد من ليلة ... بها اخضرّ يابس عيشي وعودي
وفي لي بوعد ولا تخلفيه ... إخلاف دهر به لي وعودي
فلما تقضيت أمرضتني ... فزوري مريضك يوما وعودي
وله أيضا «٤» :
يا من حكى «٥» ثغره الدرّ النظيم ومن ... تخال أصداغه السود العناقيدا
اعطف على مستهام ضمّ من أسف ... على هواك وفي حبل العنا قيدا
وله أيضا «٦» :
بنتم فما لحظ الطرف الولوع بكم ... شيئا يسرّ به قلبي ولا لمحا
فلو محا فيض دمع من تكاثره ... إنسان عين إذا إنسانه لمحا
وله أيضا «٧» :
أيا كم أعاني الوجد في كلّ صاحب ... ولست أراه لي كوجدي واجدا