← Сира

Сира · id 9789

تثبيت دلائل النبوة

القاضى عبد الجبار

Полный текст (708 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وطلبوا عثرة تكون له فما وجدوا، ولو كان كما قد ادعيتم لكانت سبيله سبيل أئمتكم، فقد علمتم حال سعيد، «١» الذي زعم ان ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان بن سعيد الغضبان الخرميّ، وأبو القاسم بن الأبيض العلويّ، وغيره من أهل هذه الدعوة ويزعمون «٢» ان سعيدا هذا ليس هو ابن الحسين وإنما هو ابن امرأة الحسين هذا، وأبوه يهوديّ حدّاد من أهل سلمية من أرض الشام، وأن الحسين لما تزوج بأمه حظيت عنده، فأحب ولدها سعيدا هذا، وإنما رغب فيها لفرط جمالها وكمالها. [كيف ظهرت الباطنية وقامت دولتهم في المغرب ثم في غيرها] وكان سعيد ابنها هذا يشبهها في الجمال، وكان له ذكاء وفطنة، فتولى الحسين زوج أمه تربيته وتعليمه وتخرجه على ما يحب ويختار، فقبل منه وأخذ عنه، فعرفه حال هذه الدعوة ورجالها وأسرارها ودعاتها، وأين هم وكم هم، وكيف كان أولها وابتداؤها، وزوجة الحسين زوج أمه بنت أبي الشلعلع، وأبو الشلعلع هذا من ولد عبد الله بن ميمون القداح، وكان ذلك، فولدت لسعيد ابن فسماه عبد الرحمن. ثم صار سعيد إلى سجلماسه/ من أرض المغرب «٣» ، وتسمى بعبيد الله «٤» واكتنى بأبي محمد، وادّعى أنه من نواحي الأهواز ومن بناتها ورؤسائها وأنه هرب هو وأبوه من جور عمرو بن الليث، وأن ضياعهم بكور الاهواز كثيرة، ولهم بها «٥» ، وأن المواد تأتيه منها، وكان يقول لمن يثق به ويأنس به في

стр. 597

ابنه عبد الرحمن أنه يتيم في حجره، وأنه وصيّ أبيه، وأن أباه من أهل البيت، وكان يحتال على اليسع ابن المدرار أمير سجلماسة وعلى أهل بيته بالدعاوى. فلما تمكن وأمكنته الحيلة بأبي عبد الله الحسين بن احمد بن زكريا الكوفي الداعية غدر ببني المدرار، وقد كانوا اجاروه وأحسنوا إليه، فغدر بهم ذلك الغدر الفاحش، فقال له أبو عبد الله: قد كانت كتبك ورسائلك تأتيني بأنك مع بني المدرار بكل خير وأنك ما نزلت بأكرم منهم، وقد قتلتهم فما أبقيت منهم رجلا، حتى قتلت صبيا من صبيانهم واستبحت أموالهم ونساءهم فقال له: هو كما كتبت إليك، ولكن اليسع ما ألعقني لعقة عسل إلا ومعها لعقة صبر، وأما هذا الصبيّ، فإنه جاءني برسالة من عمه، أحمد بن المدرار جافية، فكانت هذه أول فضائحه ولها تفصيل طويل. وسمى ابنه عبد الرحمن الحسن، ثم لما تمكن وملك قال هو ابني، وسماه محمدا، وكناه بأبي القاسم. ولما أراد الرحيل من سجلماسة إلى القيروان وأفريقية من أرض المغرب دخل المغاربة أصحاب أبي عبد الله لإخراج رجله، فوجدوا ملابس الحرير والديباج وأواني الذهب والفضة وخصيان رومة وآثار الانبذة، فأنكروا ذلك في أنفسهم مع بلادة البربر، وسألوا أبا عبد الله الداعية عن ذلك، وإنما/ أنكروا ذلك لأن أبا عبد الله هذا كان مقيما سنين كثيرة في كتامة يدعوهم إلى المهديّ الذي هو حجة الله ويزعم أنه صاحبه، وكان أبو عبد الله يتقشف ويلبس الخشن ويأكل الخشب، ويعدهم عن المهديّ بمثل ذلك، فلهذا أنكروا وسألوا، فقال لهم أبو عبد الله هذه الآثار لأصحابه وأتباعه وكان معه أتباع كثير. ثم إن أبا عبيد الله بعد قتل أبي موسى هرون بن يونس شيخ المشايخ،

стр. 598

وأبي عبد الله الحسن بن احمد بن زكريا الداعية، وأخيه أبي العباس محمد بن أحمد بن زكريا، وأبي زاكى تمام بن معارك وكان من كبار الشيعة، بعد قتله لهؤلاء وتمكنه بالمغرب، استصفى أهل الثروة وأخذ أموالهم كلها، وأرسل ابنه وجعله وليّ العهد بعده والخليفة، وسماه القائم، فكان ينزل في العساكر على بلد بلد فيستصفي أمواله، ويهدم حصونه وقلاعه، ويأخذ ما فيه من الأسلحة والأمتعة، ويقتل الرؤساء والوجوه والفقهاء وأصحاب الحديث، ويتخذ جهالهم ويجعل لهم الاحوال والأموال، ويسلطهم على أهل الفضل، ويضع المكوس والضرائب، ويتوصل إلى ازالة النعم، والتضييق على المسلمين بكل ما يقدر عليه وما يطول شرحه. وكان يرسل على الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين. وكان الشيعة ببغداد، مثل بني بسطام، وبني أبي البغل، وآل الفرات، يرجفون أن المهدي قد ظهر بالمغرب، وهو هناك يحيى الموتى ويقف على المقبرة فينادي الموتى فيقومون من قبورهم، وكان أبو الحسن محمد بن احمد النسفى صاحبهم بخراسان، فذكر لنصر بن أحمد مثل ذلك، وأبو حاتم أحمد بن حمدان يذكر مثل ذلك بالريّ لأسفار بن شيرويه. / وكثرت الروايات عن رسول الله ﷺ وأهل بيته في أن المهدي يظهر بالمغرب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها، وينفذ أمره فيها وأحكامه على أهلها في سنة ثلثمائة للهجرة، وهو معنى ما جاء في الحديث من طلوع الشمس من مغربها، وكم كان لهم من الخطب المنسوبة إلى أمير المؤمنين بأن ولده المهدي يظهر من المغرب ويملك الأرض في سنة ثلثمائة للهجرة، وأن هذا موجود في الملاحم. وصدرت رسل بني بسطام وغيرهم من الشيعة إلى المغرب: بادر فإن

стр. 599

الأرض كلها لك والخليفة ببغداد يومئذ جعفر المقتدر بالله، وهو صبي ونحن أجلسناه، وله اثنتا عشر سنة، وأولياؤه ومن حوله شيعته، من آل الفرات وآل بسطام وآل القاسم بن عبد الله وآل أبي البغل والكرخيين وآل نوبخت، فسير ابنه في سنة ثلثمائة في عساكر عظيمة من البر والبحر، وعنده أنه يظهر على الأرض كلها بسبب ما تقدم ذكره، ولأجل من بخراسان والبحرين من أهل هذه الدعوة. فقدم مصر ونزل عليها في سنة اثنين وثلثمائة، وإذا أبو سعيد الجنابي قد قتل بالبحرين وقد ظهرت الفضيحة بها، ولقيه بظاهر مصر القاسم بن سيما الفرغاني في سبعة الاف فردّ تلك العساكر كلها ورجع ابن عبيد الله إلى أبيه بالمغرب بالخيبة والهزيمة، وذهبت تلك الاموال، وجاءت جواسيسه إلى الشيعة المقدم ذكرهم بالعراق تعنفهم فيما كان من إطماعهم له وما كان من القاسم بن سيما الفرغاني، فاعتذروا إليه وقالوا له: ارجع، فرد ابنه في سنة سبع وثلثمائة بأكثر من تلك الجيوش في البر والبحر، فنزل على مصر سنين متوالية، ونزل على/ عسكره في الماء ثممل الخادم من طرسوس في ثمانية عشر مركبا فهزمهم، فرجع إلى أبيه بالخيبة والهزيمة، ثم ردّ العسكر إلى مصر. وقد قتل المقتدر، فرجع بالخيبة والهزيمة. وكان مع هذه الحال يشتد على أهل القيروان وما يملكه من أرض المغرب بالجور وقتل الرجال واستصفاء الأموال وقصد الفقهاء والعلماء، وقد كان بثّ دعاته فيها يدعون الناس إليه وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود، ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم واحتمال كل طبقة منهم، فمنهم من يلقون إليهم أنه المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقي أنه رسول الله وحجة الله، ومنهم من يلقي أنه الله الخالق الرازق، فكان إذا ضج الناس من هذا وظهر منهم الانكار يأخذ

стр. 600

الدعاة، فمرة يحبس بعضهم، ومرة يقتلهم، ويقول: ما أمرت بهذا، ويقول الدعاة هو أمرنا وبأمره فعلنا، وله أن يمتحننا. وكان من جوره وكذبه وفضائحه ما يطول، فإنه مكث في ملكه نيفا وعشرين سنة. ولما هلك، قام ابنه الّذي قد تقدم ذكره مقامه، وتسمى بالقائم أمير المؤمنين، وزاد شره على شر أبيه أضعافا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق أفريقية والمهدية وهي مدينة كان بناها أبوه وحصنها، فكان يقال: العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى، وقتل الفقهاء والعلماء القتل الذريع، واستولى من بلدان المغرب على أكثر ما استولى عليه أبوه، فإن بلدان المغرب واسعة عظيمة وهي تشبه بخراسان في السعة وكثرة الرجال وهي في يد عدة من الملوك، وكانوا «١» يقولون في هذا أنه هو الذي يظهر ويملك الأرض، وأنه هو الحجة والمهدي، وكتب إلى أبي طاهر القرمطي المقيم بالبحرين البلاغ/ السابع والناموس الأعظم، وهو سر الدعوة وحقيقتها، وبعثه على قتل المسلمين، واحراق المساجد والمصاحف، وكان قد كتب هذا في الكتاب في حياة أبيه، وكان أبوه في أول أمره يقول: إن هذا يتيم في حجري وهو علوي من ولد اسماعيل بن جعفر بن محمد، وكان في أول أمره يظن أنه لا يتم له أمر الملك فلما تمكن وفعل هذا قال: هذا ابني وهو علويّ. وشرح ظلم هذا القائم وقسوته وفجوره يطول، وهو أكثر مما أتى أبوه. وكان لهذا الذي يسمى بأمير المؤمنين القائم بن المهدي ابن يقال له القاسم، وكان قد تأدب وقال الشعر، وكان فارسا، فاستخلفه ونصّ عليه، وقال: هذا القائم الامام الذي أمر باستخلافه عليكم، وهو القائم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. فمات هذا القاسم في حياة أبيه، فكان يقال بالقيروان ما أكثر كذب هؤلاء المشارقة.

стр. 601

ولكثرة ما كان من جور هذا وقتله للناس واستصفائه الأموال، اجتمع قوم من أهل الجبل بالمغرب على رجل من الأباضية يقال له أبو يزيد مخلد بن كيداد فبايعوه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا لا يمكنه لضعفه أن يستمسك على فرس. فكان يركب حمارا، وكان له وزير يستشيره أعمى، فأنفذ اليه هذا الذي تسمى بالقائم بن المهديّ بعسكر فكسره وردّه، وتسامع به الناس، وأنه ينكر المنكر، فاجتمعوا إليه وأتوه، وسار من الجبل إلى الأمصار، ولقيته العساكر فكسرها كلها، ودخل أفريقية، وأزال الظلم والمكوس، وملك كل ما كان في أيدي هؤلاء القرامطة من أرض المغرب إلا المهدية، فإنه حاصرهم فيها، والاسقلية وطرابلس من أرض المغرب. ومات هذا المتسمي بالقائم بن المهدي في الحصار وعرض له وسواس وزال عقله مما نزل به من الذل، / وقتل الرجال، وزوال الملك، وجوع من بقي معه بالمهدية بالحصار. وقام بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل، وضمن للناس تغيير سيرة أبيه وجده، وأنه لا يتعرض لدياناتهم، وحلف على ذلك، وأكد واشهد، واستعان بأبي الحسين بن عمار، فأشار عليه بهذه الأمور. وقد كان أبو يزيد مخلد بن كيداد ملك خمس سنين، وكثرت عساكره، فانتشر عليه أمره، وأظهر أصحابه دين الأباضية، فكرهه الناس وخرج أبو طاهر إسماعيل وحاربه وكبسه في صحراء وأخذه وسلمه وصلبه، ووفى للناس بما وعد، وعدل وأنصف وأخذ الدعاة الذين كانوا لهم فحلق لحاهم، ونفاهم، وقال لأهل القيروان: من سمعتموه ينال من أصحاب رسول الله ﷺ فاقتلوه فإني معكم ومن ورائكم. وأطلق المحدثين في الحديث، والناس في إقامة التراويح، وأطلق الناس في غزو الروم، وأذلوهم، وأعزّ المسلمين والثغور على يدي أبي القاسم ابن أبي الحسن بن عمار، والثغور في يد أولاده إلى هذه الغاية، وهم قوم

стр. 602

مسلمون فيهم خير كثير، والشرك مقموع بهم هناك، ولهم سيرة حسنة طويلة مذكورة. واشتغل اسماعيل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم خوفا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد مخلد بن كيداد، وتقدم إسماعيل إلى الفقهاء بأن يتركوا له حلقة في الجامع خاصة له يقعد فيها أصحابه تكون حلقة لجعفر بن محمد، فجلس فيها جماعة لا يختلطون بالفقهاء، وكانوا يتذاكرون في حلقهم ذكر أفلاطن وبطليموس وأرسطو، فقال الناس: هؤلاء ملحدة وزنادقة وأعداء الأنبياء فكيف تكون هذه الحلقة حلقة جعفر بن محمد، وإذا نية إسماعيل غير صافيه في الاسلام، وإنما أظهر الرجوع عن سيرة أبيه/ وجده خوفا مما جرى. وكان لإسماعيل أخ يقال له يوسف، وكان ينظر في الكتب ويسأل العلماء، وكان فيه فضل، وكان يقول: إنا أولاد النبيّ ولا نعظم إلا أعداء الأنبياء من الفلاسفة، ودعاتنا كل سفلة كذاب، ركاب لكل فاحشة، ولو كنا من أولاد الأنبياء ونحب الأنبياء ما كانت هذه حالنا، ثم يسمى الدعاة واحدا واحدا ويذكرهم بما فيهم، فقد كان فيهم أبو الأسود وكان ينكح بنته. وقصة يوسف هذا معروفة ومات بأحدابيه في مصيره إلى مصر، وفيما أظن أن ولده بمصر إلى هذه الغاية. ثم إن اسماعيل استخلف ابنه أبا تميم معدّا وجعله وليّ عهده، وسماه بالمعز لدين [الله] «١» . ومات إسماعيل في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وقام أبو تميم بعده، وسار سيرته، ورفق بالناس وتمكن، وصفت له المغرب فما تحرك عليه أحد، واتسع ملكه وجبى الأموال. ثم تغيّر وقرّب الدعاة فقالوا: هذا هو المهديّ، وهو الذي يملك، وهو الشمس التي

стр. 603

تطلع من غربها. واتفق أن الروم أخذت ثغور المسلمين من طرسوس وأذنة والمصيصة وعين زربة وغيرها في أيامه، واحتوت عليها، فاشتد طمعه في الاسلام، وسره المصائب التي نزلت بالمسلمين، وبلغه أنه قد كتب على المساجد ببغداد لعن خلفاء رسول الله ﷺ ، فطار سرورا بهذا وطغى وتجبر، وهمّ بغزو مصر لأن فيها شيعة كثرا، وإنما سلطانها خصيّ أسود مولى لموالي بني العباس وقال: عقله عقل امرأة، والذين معه من الجند أسوأ حالا منه، قد اعتادوا الترفه والأكل والشرب، وليست لهم بالحرب عادة، ومن بها من الشيعة يكاتبنا ويهون أمر هذا الخصيّ، والثغور فقد ذهبت، وما بقي للاسلام سلطان ولا/ ملك، والديلم الذين بالعراق والجبال شيعة لنا ومن قبلنا. فكان يقول له من حوله مثل ولد أبي الحسين بن عمار وجعفر بن فلاح بن مرزوق، ومحمد بن سليمان: يا أمير المؤمنين، مصر قد أفنت رجالكم وفرغت بيوت أموالكم، وقد طمع فيها آباؤك مرة بعد مرة فما تم ما أرادوا. وكان الدعاة يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود، وليس هذا كغيره، فإن لم نملك هذه الأرض كلها فكلما نقول لكم باطل. يعنون بالحجر الأسود كافورا الخصيّ الأسود أمير مصر. فمات كافور في سنة ست وخمسين وثلثمائة، واختلف العسكر بمصر، وكان أميرهم ابن عبيد الله بن الأخشيد وكان شيعيا قد دخل في الدعوة، وكان رخوا مخنثا، فقال له أبو جعفر بن نصر. أيها الأمير، أمير المؤمنين أبو تميم المعز لدين الله هو لك كالوالد، والجند فقد طمعوا فيك، فإن شئت أن تدع الأمر له حتى يدبره لك، فإنه أبصر بتدبير الجند وأقدر، فقال: إي والله أريد الراحة منهم، وأقبل على أبي يعقوب بن الأزرق الكاتب الأنباري

стр. 604

فقال له: يا أبا يعقوب، قد جعل هؤلاء الجند في فؤادي كل دودة مثل هذه، وأشار إلى إصبعه، وأخذ ابن نصر كتابه إلى أبي تميم بذلك. فأرسل أبو تميم صاحبه وهو عبد كان لهم من الروم يقال له جوهر، فخرج في مائة ألف فوافى مصر ودخلها بلا حرب ولا قتال ولا خلاف في في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، واستولى على الكنوز وبيوت الأموال، وخرج أميرها أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن الأخشيد فأقام بالرملة، فخرج إليهم جعفر بن فلاح في عسكره فكبسه وأنفذه/ إلى جوهر، فأنفذه إلى المغرب «١» ، إلى أبي تميم. فلما حصل عنده أظهر له البشر والبشاشة وقال له: أنت ولدي ولحمي ودمي، وإنما أنفذت جوهرا لنصرتك وطاعتك، والله يا بني ما حصل جوهر بقلشانة حتى لزمني عليه أربعة ألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وقلشانة هو منزل بالغرب من أفريقيه. فطن أبن عبيد الله أن الأمر كما قال، فقعد يسعى بجوهر والقواد الذين استأمنوا إليه من المصريين، مثل نحرير الأزغلي، ونحرير شويزان، وشمول، وغيرهم من القواد والأمراء، وكان كل واحد منهم كقارون في الغنى، فكتب المعز إلى جوهر فقبض عليهم وغدر بهم أجمعين، وحملهم إلى المغرب وقبض نعمهم وكنوزهم. وحصلوا بالمغرب مع ابن عبيد الله بن الأخشيد فما يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية. ووافى أبو تميم معدّ بن اسماعيل مصر في سنة اثنين وستين وثلثمائة. وقد كان للقرامطة الذين بالأحساء عليه أتاوه وجزية يأخذونها منه عن أعماله وما في يده، فأخرها عنهم واستطال عليهم وعلى الناس كلهم بملكه مصر. وقال جوهر وقد ذكرت له قرامطة الأحساء والجزية التي لهم عليهم،

стр. 605

فقال: من هؤلاء الكلاب، الآن أنفذ كتامة إلى الأحساء فيشدون براذينهم على أبوابهم ويسبونهم. واحتجب المعز بمصر، فكان لا يصل إليه إلا الواحد بعد الواحد من خواصه، وبث جواسيسه وعيونه وثقاته من الرجال والنساء في الناس يتعرفون له أخبارهم، من الجند والعامة، ويأتون بها، ويلقون من الأراجيف في الناس ما يوصيهم به. وطال استئثاره حتى أرجف الناس بموته، وهو متوفر على التنعم والأغذية التي تشحّم وتسمّن، والأطلبة التي تنقىّ/ البشرة وتحسن اللون والصورة. ثم ظهر للناس بعد مدة طويلة، وجلس لهم في حرير فائق رائق أخضر مذهب وعمامته منه، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت وهي تلمع كالكواكب، وأوهم أنه كان غائبا في السماء، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما كان يأتيه به أصحاب أخباره في حال استتاره، ويوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب، ويعرض بالجمل دون التفصيل، ويقول: قوم: قالوا كذا، وقوم قالوا كذا، وقوم عزموا على كذا، وبث الجواسيس بالأراجيف بأنه كان في السماء وأن الله استزاره ورفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه، وظنوا ذلك، وأن كل ما يتوعد به ويعد به من تلك الأرض كلها حق. ووافى العراق أبو عليّ الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي من الأحساء في عسكر، والسلطان ببغداد أبو منصور بختيار بن معز الدولة، فسأله أبو عليّ هذا القرمطيّ أن يأخذ له عهدا ولواء من الخليفة المطيع لله ولاية على مصر والشام، وقال لهم: أنا أعرف بهذا الممخرق أبي تميم منكم، وأعرف أصله وأبوته ومخاريق عبد الله بن ميمون القدّاح وأولاده، وأن أبلغ به أقصى المغرب وأردّه من حيث جاء. فقال الخليفة المطيع لله لبختيار وقد سأله ذلك: لا

стр. 606

أفعل هذا، هؤلاء كلهم قرامطة، وهؤلاء قتلوا الحجاج بمكة، فإن تابوا من ذلك وبرئوا ممن فعله وتركوا التسمي بالسادة وليتهم، وإلا لم أفعل. فثقل على أبي عليّ هذا وكان يعترف بالتقصير وبريء من فعل إخوته وبنى عمه من من أبي سعيد وأبي طاهر وغير هما من آبائه وأخذ يعتذر لما صنعوا بمعاذير طويلة، وأنهم ما فعلوا ذلك عداوة للاسلام ولا خروجا عن طاعة الخلفاء من بني العباس، فما قبل/ ذلك المطيع، وأقام على منعهم. وطال خضوع أبي عليّ هذا فما أجابهم المطيع، فأشار عليه بختيار أو غيره بأن يذهب ويدّعي أن المطيع قد ولاك، وقيل له: العسكر الذين معك جندك وأهلك وأصحابك ومن مالك تنفق عليهم، ولست تطمع في أن يعطيك المطيع شيئا من مال ولا جند، فقبل ذلك. وما كان رغبته في تقليد المطيع إلا لتقبله العامة بالشام ومصر، فلما لم يجبه المطيع إلى ذلك اتخذ هو لنفسه اعلاما سودا ورايات، وكتب عليها المطيع لله أمير المؤمنين، وتحته: السادة الراجعين إلى الحق، ثم سار إلى الشام. فلقي عساكر أبي تميم وواقعهم وقتلهم، وقتل أميرهم ابن فلاح، وقتل أصحابه، واستولى على الشام، وأقام الدعوة للمطيع ولخلفاء بين العباس، وأظهر تعظيمهم ووجوب طاعتهم، وأخذ في لعن أبي تميم، وذكر آبائه واحدا واحدا، وأنهم ولد القداح، وأنهم ما كانوا قط إلا كذابين ممخرقين أعداء الإسلام، يذهبون مذاهب الزنادقة. وأبو تميم قد انحجز مع عساكره بمصر، ومع هذا فيبذل له من الجزية والاتاوة أكثر مما «١» كان يأخذ قبل هذا، والحسن هذا يقرأ كتبه على الناس ويبين فيها عيّه ومخاريقه، وبلغ بأبي تميم الخوف منه إلى أن حصن مدينته بمصر وهي التي يسمونها القاهرة، وشيد سورها وأوثقه،

стр. 607

وحفر خندقها وعمقه، والحسن يبلغه ما ينادي به أبو تميم من فضائحهم تحريضا للناس عليه، فيقوم بالشام وينادي بفضائحهم وعداوتهم للاسلام كما هو مذكور في كتبه وأشعاره فيهم. ولكثرة ما قال وبيّن من ذلك، قال أبو بكر النابلسي/ رئيس الفقهاء بالشام: جهاد هؤلاء أولى من جهاد الروم، وغزو هؤلاء أولى وأوجب من غزو الروم، إذ الروم أهل كتاب وهؤلاء كفار مشركون ليسوا أهل كتاب بل هم أعداء جميع الأنبياء وجميع الكتب التي أنزلها الله، والروم لا تكتم دينها بل تفضح بما تدعوا إليه، وهؤلاء يضمرون الشرك ويخدعون الناس بإظهار التشيع. وسار الحسن هذا حتى نزل على خندق القاهرة وحاصر أبا تميم وأشرف على أخذه، فبذل أبو تميم الأموال لابن الجراح الطائي هذا الذي هو حيّ وهو كثير العشيرة، فغدر بالحسن هذا، وأخذ سواده من ورائه وشغله بنفسه، وأفسد تدبيره فانصرف عن الخندق وانهزم بمن معه، ولحق أبو تميم المنهزمين من أصحاب الحسن فأخذهم وأخذ أتباع العسكر وأهل السوق في العسكر، وأرسل إلى الشام وأخذ أبا بكر النابلسي الفقيه، وسأله عما بلغه عنه وما أفتى فيه، فاعترف به وقال له ما هو أغلظ منه، فأمر بسلخه حيا فسلخ، وهذه عادة لهم في سلخ المسلمين أحياء، قد فعل ذلك سعيد وغيره، وأخذ من ظفر به من قرامطة الاحساء فأكرمهم ووصلهم وخلع عليهم وعاتبهم وردهم مكرمين إلى الاحساء. وضمن أبو تميم لابن منجا القرمطي صاحب الحسن الأموال له خاصة إلى أن أصلح بينه وبين الحسن وبين أهل الاحساء فضمن ابن المنجا ذلك له، وكان

стр. 608

من الماسورين فأطلقه وأطلق غيره من الاسارى، فذهبوا وأصلحوا بينهم، وقبلوا الأموال والأتاوة من أبي تميم وأجراها لهم في كل سنة، فكفوا عنه، وأخذوها منه في حياته إلى أن مات، وأخذوها من ابنه هذا المتسمى بالعزيز، وهو نزار أبو المنصور بن معدّ، إلى أن حاصر الأصفر العقيلي/ القرامطة بالاحساء وقتل من يخرج منهم، فهم إلى هذه الغاية ما يحرج لهم سرية خوفا من الأصفر «١» . وبادر نزار بن أبي تميم هذا فهادى الاصفر بهدايا كثيرة نفيسة، وحمل إليه أموالا عظيمة، وسأله أن يرسل إليه ثقة له، فأرسل الأصفر ابن أخته فأكرمه نزار الكرامة التامة، وحمل على سرج من ذهب، وقاد بين يديه الخيول، وأعطاه الأموال على أن يدعو خاله للدخول في دعوتهم على أن يقطعه البلدان العظيمة من أرض الشام. فمنع الأصفر من ذلك رجل معه من أصحاب أبي حنيفة يقال له أبو بكر محمد بن محمد النيسابوري، فقال له: لا تغتر بما يظهره نزار من أنه من المسلمين وأنه يدعو إلى الإسلام وإلى الحق، فإنه شر من هؤلاء القرامطة الذين بالاحساء، وهم الأصل في الفساد الذي وقع في الاسلام، وخذ الاموال التي أعطوك فإنما هي هدايا أهدوها لك، وابتدؤوك بها. فأرسل الاصفر إلى نزار في جواب الرسالة: إني لست أجيبك إلى قبول ما بذلت من الاقطاع بالشام إلى أن أفرع من الاحساء وأهلها وأعرفك ما عندي. فيقال لهؤلاء الدعاة: قد تفرغتم لشتم رسول الله ﷺ ، وأكثرتم الطعن فيما أتى به والتعجب من اتباعه والاقامة على دينه، من غير أن تجدوا له كذبة أو عثرة أو زلة كما لم يجده أسلافكم من اعدائه قبلكم، ولو كان كما

стр. 609

تزعمون لافتضح كما تفتضحون في كل طرفة عين فضائح لا تحصى لكثرتها، ولو اعملتم النظر والتفكر والتدبر لعلمتم صدقه ونبوته، وكان علمكم بذلك يزيد على علم غيركم، فإنكم مع تستركم في ابتداء أمركم به صلى الله عليه، وإظهاركم الاعتصام بشريعته والدعاء إلى المهديّ من ولده، ومع أخذكم له العهود والمواثيق بستر ما يلقونه إلى الناس، / ومع كونكم في الاطراف والبوادي ومعدن الجهل والغافلة من المغرب، ومع تجنبكم الفطناء والأدباء وأهل البحث والنظر قد افتضحتم هذه الفضائح، فلو كان كاذبا ومحتالا كما تقولون لكانت سبيله سبيلكم. قالوا: إذا حقت الحقائق وحصلنا مع من قد نظر واعتبر اعترفنا بأنا مبطلون ومحتالون، وأنا قد سخرمنا حين دعينا، وسخرنا من الناس بالتشيع، وخدعناهم كما خدعنا وما ها هنا إلا مبطل. قلنا: أما أنتم فقد صدقتم عن أنفسكم وثبتت فضائحكم، فهاتوا له» ﷺ هفوة أو زلة أو كذبة حتى يكون في مثل حالكم، فإنكم ومن تقدمكم لا تجدون ذلك ولا تهتدون اليه. فقال الزنجاني القاضي وهو رئيس من رؤسائهم وله أتباع، كتاب ورؤساء «٢» فأين الشعر الذي هجى به. قيل له: في الشعر الذي هجي به، الدعوى عليه بأنه كذاب وساحر مثل

стр. 610

ما تدعي أنت وأمثالك عليه، وفي القرآن مما أدّعوه عليه أكثر مما في شعر أولئك الشعراء، من ادعائهم عليه أنه ساحر وكاهن، وأنه قد اكتتب أساطير الأولين وأعانه على ذلك قوم آخرون، وأحد لا يكون كاذبا بدعوى خصومه عليه كما لا يكون نبيّا بدعوى أوليائه له، وإنما يكون نبيا بالحجة كما قدمنا ويكون كاذبا بأن يشار إلى أكاذيبه وحيله، وتذكر وتفصل كما أشرنا إلى أكاذيبكم وحيلكم وفضائحكم وبيّناها مفصلة. وإنما أشرنا إلى هذا الزنجاني القاضي لأنه كبير فيهم، ومن اتباعه زيد ابن رفاعه الكاتب، وأبو أحمد النهرجورى، والعوقى، وأبو محمد بن أبي البغل الكاتب المنجم، وهؤلاء بالبصرة أحياء وغيرهم في غير البصرة. / ومما يلجئون اليه ويفرحون به وهو عندهم أكبر حجة لهم، قالوا: قلنا لأبي تميم: يا أمير المؤمنين: إن ابن رزام قد وقف على سر الدعوة وعرف أصولها، قال: أليس مع هذا قد صرنا جماعة وصارت لنا مقالة. قالوا: فإذا كنا مبطلين ولنا من الحيل والفضائح والأكاذيب أكثر مما عرفه ابن رزام، وأكثر مما عرفه من بعده، ومع هذا فقد صرنا جماعة وصار لنا ملك وصار الخلق الكثير أتباعا لنا يدّعون لنا المعجزات والآيات والدلالات وأن صاحبنا المهدي وحجة الله على خلقه وإن كان لا أصل لذلك، فأمرنا من أدل الدليل على كذب كل من ادّعى النبوة وأطاعه الناس وكانت له جماعة ومقالة وشريعة. وقد قال أبو تميم مرة: لا يهولنكم ما صنعه ابن رزام، فما تحوي الأرض كلها مئتي إنسان يعرف ذلك، فاستغلوا بطلب الملك فإن الناس في غفلة، فاذا ملكتم الناس قبلتم هؤلاء الذين يعرفون سرّ مقالتكم.

стр. 611

قالوا: وهذا نزار يخطب له في الحرمين والمواسم، وينادى في الحرمين أمير المؤمنين العزيز نزار صاحب الدلالات والعلامات والمعجزات، فلا ينكر ذلك منكر، وما يعرف له من المعجزات إلا بيع الخمور وإقامة دور الزواني والقوادين ونكاح الذكران وأخذ المكوس. فإن قلتم لنا: إن السيف أسكت الناس عن الانكار، قلنا: وكذا حال من قبلنا من الذين ادّعيتم لهم النبوة. قيل لهم: مع كونكم قاهرين غالبين وتمام حيلكم على الناس لستم تخرجون من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، وإن قل من يعرف فضائحكم، ولو لم يكن واحد من الناس كلهم اشتغل بطلب عيوبكم/ لما خرجتم من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، حتى لو رام كل عاقل في الأرض أن يعرف فضائحكم وكيف كان ابتداء أمركم لعرف ذلك، ولو طلبه لوجده ولأحاط به من أوله إلى آخره، فليس تمام حيلكم على من خدعتموه وسخرتم منه بجاعلكم من المحقين، ولو تمت حيلكم على أهل الأرض أجمعين، ولو أسكتهم خوفكم وسيفكم، وهو كما قال بعض الناصحين للملوك الظالمين: إنكم إن قدرتم على ختم أفواه الرجال فلا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح حسنا. وإن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم، فما أثمرت غلبتكم وتمام حيلكم ووصايا أبي تميم لكم إلا الويل الطويل والخزي المقيم الذي يسكت أولكم وآخركم، وما أنتم في هذا إلا كمن خدع رجلا وعاهده وبذل له غليظ الأيمان أنه من أنصح الناس له، حتى وثق به وائتمنه على نفسه وماله. ثم وثب به فقتله واحتوى على نعمته، ثم أخذ يفتخر بما ملكه واحتوى عليه، فقيل له: أنت وإن وصلت إلى هذا فلست تخرج من أن تكون كاذبا غادرا. وقولكم: إن من ادّعى النبوة في مثل حالنا في الباطل، وقول رئيسكم: أفسد أمور الناس ثلاثة: راعي وطبيب وجمّال وأغيظهم لنا الجمّال «١» فإنه أفسد سائر

стр. 612

الناس، يعنون بالراعي موسى، وبالطبيب عيسى، وبالجمال محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فهل معكم إلا الدّعوى والتكذب عليهم والغيظ منهم. وانظروا في أمر هذا الذي غيظكم منه أشد، فعهده أقرب، وأعلامه أظهر وهو ما قد ذكرناه لكم من القرآن ففيه أتم الحجة، وما جاء مجيء القرآن ففيه زيادة الحجة، / فيجدون أول أمره كاخره، وظاهره كباطنه، وسريرته كعلانيته، وكيف يفضح الله الطاعنين عليه من الأولين والآخرين ولا تزداد حجته إلا قوة ولا برهانه إلا إنارة. وانظروا في أول أمركم وفي آخره، وفي ظاهره وباطنه، فإنكم تجدون ذلك في غاية الفضيحة، فإنكم في مبتدأ أمركم وظاهره تدعون اليه وإلى التمسك بشريعته، وباطن أمركم خلاف ذلك، فما لبثّم أن افتضحتم تلك الفضائح. وبعد، فلو صدقتم الناس عن دعوتكم وكاشفتموهم بها، كما فعل رسول الله ﷺ فيما دعا إليه والأنبياء قبله، لما اتبعكم مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، ولا كان يتبعكم من يقر بالربوبية، فأمركم أصدق شاهد في سلامة النبوة من كل عيب، فتركتم هذا وقلتم: دعونا منه وخذوا فيما تم لنا وفيمن خدعناه وان افتضحنا، ونحن فما قلنا: إن أحدا لا تتم عليه حيلة ولا يسخر منه ولا يخدع، وان المبطل لا يتبعه أحد. وكانوا قديما إذا وعدوا الناس سرعة خروج المهديّ فأخلف ذلك عن ميقاته الذي ذكروه قالوا لمن يستبطيء ذلك ويسأل عنه، فيقول: ألم تقولوا لنا إن الفرج يكون في هذه السنة وما رأينا فرجا، فيقولون له: استغفر الله وتب اليه فهذا كفر، ويتلون قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي «١»

стр. 613

ومثل قوله: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» «١» فيتحير ذاك اليائس وفي عنقه أيمان قد قيدته عن الشكوى ولقاء العلماء ويخاف أيضا مما قد توعدوه به من أن جعفر بن محمد قال: من أفشى سرنا أذاقه الله حر الحديد في الدنيا والنار في الآخرة، وربما قالوا قد سخط الله على أهل الأرض فبدا له من إظهاره/ في الوقت الذي وعد أن يظهر فيه، والله يؤخر المقدم ويقدم المؤخر. وجواباتهم تحسب ما يرون في السائل من فطنة أو بلادة أو فقر أو غنى، أو عز أو ذل، فيورون عن فضائحهم بألوان الحيل. فيقال لهم: قولكم أخر الله خروجه عن الوقت الذي وقّته لذنوب العباد ولسخطه عليهم، كل هذا سخرية وفضيحة لكم، فإن الله لا يعاقب عباده بإخلاف مواعيده وبكذب إخباره، وإذا قال الله إنه يفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، أو أن فلانا سيفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فإن ذاك يكون كما أخبر وكما قال في الوقت الذي قال لا يتأخر عن ذلك ولا يتقدم عليه، لأنه عالم لنفسه لم يزل كذلك ولا يزال، يعلم ما سيكون قبل أن يكون وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون: وقولكم: هذا مما بدا لله فيه، فإنما يجوز البداء على المخلوقين، وعلى من لا يعلم العواقب، وأما علام الغيوب ومن يعلم ما يكون قبل أن يكون، فلا تعرض له البدوات، ولكن الله أبدى للعباد كذبكم وأظهر بهذا فضائحكم، فأحلتم كذبكم على ربكم وبرّأتم منه أنفسكم. [حول بعض الشكوك التي يطلقها الباطنية عن أحاديث الرسول ص وتعليق واسع حول التداوي والأدوية واستعمالها] ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله ﷺ : «بيت لا تمر فيه جياع أهله» . وهذا قصر مولانا العزيز ما فيه أحد يأكل التمر ولا يشتهيه، وما هم جياع بل شباع «٢» قلنا: قد علم هو ﷺ وأصحابه الذين قال لهم

стр. 614

هذا أن ها هنا أمما كثيرة لا تجد التمر وفيهم من لا يشتهيه، وهم شباع، وإنما أراد بذلك أهل المدينة وأمثالهم من بلدان النخل، والقوم الذين هم أكلة التمر، وأقواتهم التمر، فحضهم على اتخاذ النخل لقوت عيالهم، وهذا من مسائل أهل الخيبة/ والافلاس. ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله: ﷺ «الشفاء في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله» وقوله: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» فقالوا: نحن لو أطعمنا العسل المحموم والمبرسم أضررنا به وربما قتلناه، وكذا صاحب الصفراء، ولو حجمنا المفلوج والملقو وصاحب الرطوبة لضره ذلك وأسقمه، قالوا: وقد يقرأ القرآن كله على العليل فلا يبرأ، وربما مات، ولا يعرف الناس في أدوية العين ما الكمأة. قلنا «١» : ما قال النبيّ ﷺ لا دواء إلا هذا ولا شفاء إلا في هذا، وإنما قال: في هذا الشفاء، وقد صدق ﷺ . فإن الناس يجدون في العسل من الشفاء في الأدوية والأغذية والمطاعم ما يعم نفعه ولا يمكن دفعه، وفي الحجامة شفاء عظيم لخلق كثير، ولم يأمر ﷺ بذلك في كل مرض فيكون لقائل مقال، وقد قال ﷺ : ماذا في الأمرّين من الشفاء: الصبر والشقاء. وذكر ﷺ الشفاء في أشياء كثيرة من فواكه ونبات يطول شرحها، ونهى عن أكل أشياء كثيرة في أمراض، ونهى الرمد عن أكل التمر، إلى غير ذلك مما جاء عنه ﷺ مما يطول شرحه، وإن لم يكن معالجا طبيبا فما وجد في قوله مع كثرة ما قاله كذب، وقد علم هو ﷺ والذين قال لهم هذا الذي أراده، وأن الناس قد يتداوون بهذه الأشياء ومع هذا فيموتون ويهرمون، وعلى أن هذه الأدوية

стр. 615

لا تفعل الشفاء بل لا تفعل شيئا البتة لأن الفعل لا يكون إلا من الحيّ القادر وهذه الأدوية موات، والشفاء لا يفعله إلا الله ، وقد يفعله بلا دواء ويفعل السقام مع التداوي، ولكنه/ قد أجرى العادة بأن يفعل الشفاء عند التداوي في بعض الأحوال والأوقات دون بعض، كما قد يفعل النبات عند البذر والسقي وقد لا يفعله مع ذلك، وقد ينبت ما لا يحرثه العباد وقد أجرى العادة بالشفاء من الأمراض المتفاوتة المتضادة بالدواء الواحد وهو القرآن فما كان للناس دواء في القديم غيره، حتى لا يكاد يحصى من شفاه الله بذلك لكثرتهم، ولا يحصي عددهم إلا الله وحده، وكانوا يستحيون من الله أن يصفوا أمراضهم للاطباء والمخلوقين وإن كان في ذلك رخصة، لأنهم قد علموا أن السقام والشفاء من الله لا يفعله غيره ولا يقدر عليه سواه، فكانوا لا يشكون ذلك إلا إليه ولا يعرفون قارورة ولا ذكر طبيعة. ولما مرض أبو بكر الصديق ﵁ قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: لا الطبيب أمرضني. ولما مرض الربيع بن خيثم قيل له: ألا شاورت طبيبا؟ فقال: قد أردت هذا، ثم ذكرت عادا والقرون الخالية وقد كان لهم أطباء فماتوا ومات الأطباء. وقال الحسن: أدركت أقواما والله ما كانوا يعرفون الهليلج ولا التليلج «١» وهذا ماء زمزم وهو غليظ وهو لما شرب له، ولو جمع جميع من داواه المتطببون فماتوا عن علاجهم لما كانوا أشطر من وهب الله له الشفاء من علته عند شرب ماء زمزم وحده. وعلى أن ذلك الماء وحده يصلح للامراض المتفاوتة المتضادة المختلفة، وهذا الذي ادّعينا في القرآن وفي ماء زمزم هو ما كان عليه الصحابة في الصدر الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، إلى تابعي التابعين والذين بعدهم، يعرفه

стр. 616

كل من سمع أخبارهم وتصفح سيرهم، وخلق/ كثير على مثل طرائقهم في بلدان الاسلام يستشفون بالقرآن وبماء زمزم من أمراض متفاوتة. وربما ادّعوا ذلك عند سماع كلامنا، فيقولون: الترياق الكثير قد نعطيه في الأمراض المتفاوتة، ولو كان ذلك كما ادّعوا لكان آكد لما قلنا، ولكن ما يكاد يوجد ذلك في أدويتهم وأخلاطهم كما وجد الناس ذلك في القرآن وفي ماء زمزم. فأما قولهم ليس في أدوية العين ماء الكمأة فإن هذا قول من لا يعرف الربوبية ولا العادة ولا الطب ولا الأطباء، فان أدوية الأمم مختلفة غير متفقة، فطبّ الهند غير طبّ العرب، وطبّ الروم غير طبّ الفرس، وطبّ سكان المدن غير طب سكان القرى، وطبّ البوادي وسكان الجبال وبيوت الشعر والوبر غير طب أهل القرى، ولحنين ابن إسحق كتاب ذكر فيه أدوية كثيرة لا يعرفها بقراط ولا جالينوس ولا ذكرها، منها: الجدريّ والحصبة، وزعموا أنه لا يعرفها، حتى قال ابن زكريا الرازي: يشبه أن يكون قد عرفها. فإنه قال: العدس جيد لغليان الدم، فقيل له: كذا تظن أنت يا ابن زكريا. فإن قيل: مثل هذه الأمراض الهائلة العامة الشاملة حتى لا يكاد ينجو منها إنسان إلا القليل، وحتى صارت تعرض لبعض البهائم، وهي خطيرة، لا تقتصر من جالينوس وبقراط وطب الروم واليونانيين على هذا المقدار مع كثرة كلام جالينوس في كتبه في صفة الأمراض والمرض ومن داواه. وكثير من بلدان خراسان يتداوون من الحمايات الحادة باللحمان وبالشواء والاسفيداج وهو الشفاء عندهم، وأهل هراة/ وقاين وما إلى ذلك، «١»

стр. 617

يتداوون من الحمايات بتذويب الإلية والشحوم ويتحسونه حارا ويستشفون به، وأهل نيسابور يتخذون من ورائهم في الحمايات بالسمن، وأهل طبرستان يتداوون من الأمراض بالثوم في الشتاء والصيف ويقولون: هو في الشتاء حار وفي الصيف بارد، وأهل جبال فارس يتداوون من الحمايات بالفراخ ولا يتدافعون انها باردة. وحتى أن كثيرا من الادوية تنفع حينا ثم لا تنفع بعد ذلك بل يكون داء قاتلا، لا لشيء أكثر من انهم وجدوه كذلك. ألا ترى أن جالينوس كان يعالج المقروحين ومن في صدره قرحة السعال وحمى الدق بالفلفل والزنجبيل وما أشبه ذلك، وهذا عند غيره، وفي هذا الزمان، وفي هذه الأمراض من الادواء القاتلة. ولقد عرض ببغداد في زمن موسى بن سنان، وإبراهيم بن بكس أبو ابن بكس هذا الضرير الطبيب، والحسن اليهودي وأمثالهم من حذاق المتطببين ببغداد وهي إذ ذاك أعمر ما كانت، وهؤلاء القوم على البيمارستانات وخدمة الملوك، فعرض القفّاع وكثر، فقال موسى بن سنان لإبراهيم بن بكس خذ يا أبا إسحق الى ساعورك من هؤلاء المقفعّين مائة وتقاسموهم، فقال ابن بكس فرجعت في علاجهم إلى أدوية جالينوس وأوصافه، فما داويت أحدا منهم إلا مات، وما زالت الجنائز حتى مات منهم ستون، فكففت عن علاج الباقي وهم أربعون، فما مات منهم أحد. والكتاب المعروف بالميمر لجالينوس وهو سيفه وتجاربه الذي كان يداوي به المرضى، لا يقربه المتطببون ولا يداوون أحدا به، وكذا الكثير من كتبه «١» ،

стр. 618

وقد كان أبو الحسن بن زهرون الصابي الحراني واحد الطب ببغداد ورئيسه يتسقط جالينوس في صناعة الطب ويستجهله لما ذكرنا من علاجه. وكان أبو الحسن بن/ نفيس وهو أحد رؤساء المتطببين. (وهو أستاذ ابن بكس هذا) «١» . يعتذر هو وغيره لجالينوس بأن الادوية ما تجري على سنن واحد، وأنها قد تنفع في أمراض بعينها في زمن من الأزمان ثم تضر في تلك الأمراض في زمن آخر. وكانوا يقولون: اعتبروا بما وجدنا في سني نيف وثلاثين وثلثمائة لما حدث القحط والغلاء ببغداد، وعدم أكثر الناس الاقوات وصاروا مرضى مطرّحين على الطرقات لا دواء لهم ولا غذاء، ونحن نتردد إلى المياسير والملوك نداويهم ونصف لهم التفاح الشامي والبنفسج ويجدونه ويتداوون بما نصف لهم، ولهم من يمرضهم ويخدمهم فيموتون ويبرأ الكثير من أولئك الذين على الطرقات. واختلاف الأدوية كاختلاف الأغذية، ألا ترى أن أجناس الانعام وذوات الحوافر تغتذي بالاحطاب والأتبان والحشائش المرة الكرهة القاتلة لحيوان آخر من الانس وبالنوى، فيصير هذا الحطب وغيره شحما ولحما ولبنا. والسمك والخنازير والدجاج وكثير من الحيوان يأكل القذرة ويخلق الله بذلك في أجوافها شحما ولحما ولبنا، والنعام يغتذي بالحصا والنار والحديد ويحمى له سيخ الحديد فيبلعها فتذوب في قوانصه ويخلق الله من ذلك شحما ولحما وبيضا ويدرق الثفل مثل الماء الجاري، والظبي يغتذي بالحنظل ويشرب ماء البحر، والأرانب تغتذي بالأيهل وهو سمّ قاتل، والسقمونيا ترعاه البهائم

стр. 619

والاقنيمون الأقريطشي ترعاه البهائم وتحيا به والبيش تأكله البهائم التي هي على هيئة الفأر وهي معروفة به، وكل هذه سموم قاتلة لحيوان الانس، والحيات يأكلها قوم، ويأكلها الأيّل والقنفذ والسنّور وغير هذا من الحيوان، / ولا ينكر اختلاف الأغذية والأدوية إلا جاهل. على أن الطب ليس بعلم، وإنما هو شيء وجد بالتجارب، ثم لا تدوم تلك التجارب ولا تمضي على طريقة واحدة، بل تختلف اختلافا كثيرا متفاوتا كما قد رأيت وسمعت، وذلك من آيات الله ودلائل توحيده وإنما أجرى به العادات ولا يديمه على طريقة واحدة بل يزيد فيه وينقص منه ويجعله في وقت ولا يجعله في آخر، حراسة للحق، ولئلا يلتبس الدليل بما ليس بدليل، لأنه لا يفعل الجهل والضلال. وقولنا في الطب ليس بعلم لأن كان علما لا يتغير قطّ، كالعلم بأن الفعل لا يكون إلا من فاعل، ولا بد من أن يكون قبل الفعل، ويكون حيا قادرا، وإن كان فعله منسقا محكما فلا بد أن يكون عالما. ولهذا يقول حذاق الطب: إذا قيل لهم في مريض قد أجمعوا على دوائه بدواء معين، فيقال لهم: إن سقيناه هذا يعافى ولا بد؟ قالوا: لا ندري. قيل لهم: فإن لم نسقه يموت لا محالة؟ قالوا: لا ندري، ونحن فقد يطيعنا القليل فنداويه ونرى أمارات الصلاح فيه ثم يرد من زيادة المرض ما لا نحتسبه، وقد يعصينا ونرى أمارات الهلاك ويرد من العافية ما لا نحسبه. هذا معروف مذكور في كتبهم، ولسنا مع ذلك ننهي عن التداوي، بل سبيل كل أحد أن يرجع إلى الله ويستشفي بالقرآن وبماء زمزم وبالصدقة فمن شاء أن يقتصر على ذلك فعل، ثم إن كانت له عادة بالتداوي

стр. 620

تداوى بعد أن يقدم ما ذكرنا، فقد جاءت الرخصة بالتداوي بما يحل من الشريعة لأنه قد جاء في الأثر: «ما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم، «١» » وجاء: «عود بدنا ما اعتاد» «٢» . ثم ليس إلى السلامة/ سبيل وإن دامت الصحة، وقد قال ﷺ الله كفانا بالسلامة داء، وهذه كلمة قصيرة كثيرة المعاني، فإن الانسان وإن دامت صحته فهو معها يهرم ويبلي ويتغير وإن كان طبيبا حاذقا مقتدرا، وكان أبو عثمان عمرو عبيد كثيرا ينشد قول القائل: يهوى البقاء فان مدّ البقاء له ... وصادفت نفسه فيه أمانيها أبقا البقاء له في نفسه شغلا ... مما يرى من تصاريف البلى فيها وقال آخر: إذا مات المعالج من سقام ... فأحرى بالمعالج أن يموتا وقال آخر: يعيش راعي الضأن في جهله ... عيشة جالينوس في طبه وربما كان راعي الضأن في جهله أدوم صحة وجلدا وبقاء من جالينوس ومن حذاق الأطباء، وأنت تجد هذا عيانا من الرعاة والملاحين والزبالين وأشباههم، وقل ما يوجد طبيبا حاذقا سليما من الأمراض، هذا أبو الحسن بن بكس عرض له الرمد وأبوه حيّ وبالغ في علاجه، فذهبت احدى عينيه، ثم طب وحذق وزادت صناعته وذهبت الآخرى بعد ذلك، والمعروف بالتلميذ،

стр. 621

به فتق وغيره من الأمراض، وابن سابور قد عرضت له في خصيتيه أذرة قد أثقلته لا يمكنه أن يركب، وسنان الصابيء أكثر أسقاما، وتلميذه أبو عبد الله بن المعلم ها أنت تشاهده أصفر سقيما قد نهكته البواسير، وابن المهزول وأبوه طبيب حاذق مات وما بلغ ثلاثين سنة، وابن بنت أبي الحسن ابن بكس امرأة أبي الحسين الطبيب عرض لها مرض أشب ما كانت، وأبوها طبيب، وزوجها طبيب، وعمها طبيب، وحموها طبيب، قد اجمعوا على علاجها فماتت بأسرع من ذاك. وهذا بيت بني زهرون/ الصابئين ومحلهم في الطب والعلم بصنعته المحل العظيم، ولهم من القيام على أنفسهم والمراعاة للطب وتوفيته حقه، وهم خلق كثير ومنزلتهم في الجانب الشرقي من سويقة عباسه، وأمراضهم وأسقامهم تكاد تزيد على أمراض الجهال الفقراء الذين تقل مبالاتهم بالحياة والصحة، وأكثرهم يموتون في الشباب والكهولة، ويقل فيهم من تعلو سنه ويهرم، والذي بلغ منهم نيفا وثمانين سنة هو أبو الحسن بن هرون أبو أبي الخطاب، وابنه أبو الخطاب دفنه شابا في حياته، وهذا أبو الحسن بن أبي الخطاب يحيا وهو شاب وبه مرض عظيم، وهؤلاء حذاق الطب وأبناء الحذاق. ولم تعيرهم بالأمراض فإنها من فعل الله ومما يبتلي به عباده، ولكن ذكرنا هذا للاعتبار والتنبيه على آيات الله وهو المبتلي والمعافي، ولأن أكثر هؤلاء الأطباء يعتقدون أن الأدوية تفعل، ولها طبائع تفعل الصحة، وتنفي الأمراض، وغير ذلك من الجهالات، وينكرون النبوات، ويكذبون الانبياء ويستجهلون المسلمين وأهل الشرائع، وينكرون الربوبية والبعث والنشور، وعندهم من الحمق والجهل والعجب ما لا يبالون بمن قتلوا من المرضى وأسقموا من الأصحاء، ويقولون في أنفسهم وفيما بينهم إن التقينا فاقتصوا منا كيف

стр. 622

شئتم، وإلى غير ذلك من جهلهم وحمقهم وإرصادهم للمسلمين بما يطول شرحه. وقد عرفت حال من تقدم في زمانك من أسلافهم وتجريدهم في الإلحاد مثل قسطا بن لوقا، وحنين بن اسحق، وابنه اسحق، وأشباههم. وقد عرفت مكاشفة ابن زكريا الرازي، فهذا كان نصرانيا بن نصراني، يتستر بالنصرانية ويذهب مذاهب الملحدة، ثم أظهر الإسلام وتسمى/ بمحمد، وكان اسمه يوحنا. وإنما فعل ذلك مكيدة للإسلام، وكان يقول: محال أن يقدر الله أن يخلق الانسان من غير تناسل ويكمل له عقله وقوته ضربة، وأنه لو قدر على ذلك لفعله ولم يفعله كما نرى حالا بعد حال، وليس ما يشاهده العقلاء من خروج الفروج من بيضته كاسيا كاسبا غنيا عن أبيه وأمه وعن أمثاله، وخروج فرخ الوز سابحا لا يحتاج إلى ما يحتاج اليه العقلاء من المعلمين للسباحة، وما يبنيه النحل، وينسجه العنكبوت ودود القز، وكل هذا ضربة واحدة، وقد تقدم لك ذكر أمثاله في المصباح. ونسي ما خلقه الله ضربة واحدة من السموات والأرضين والجبال، ومن بياض القطن والطير والخيل، وما خلق الله ألوانه ضربة واحدة، وكذا طعومه وأرائحه، فإنه كان ينكر القدرة على خلق العنب وأمثاله ضربة، وكان يقول: لا بد من أن يكون أولا حصرما أخضر، ثم بدت فيه بعد ذلك الحلاوة الحلاوة والسواد. وكان يقول في الشيب: إنه من تعفن الرطوبات في أصول الشعر، فيقال له: الخيول والطيور وغيرها من المخلوقات بيضاء ضربة ولا رطوبة. وكان يقول: ليس لله نعمة في خلقهم، وما خلق الله من الصحة والاسماع والأبصار والقول والجلد والشهوات وما يجدونه من اللذات، ويقول: هؤلاء

стр. 623

الذين اعتقدوا هذا جهال حمير لا يميزون، وإنما الذي يجدونه من اللذة راحة من ألم فيهم ووجع يعتريهم، كالذي يجد من الراحة من أثقله بوله وغائطه حين يضعه، وكالذي يستريح بحك جربه ويضع المرهم على شجّته وجرحه. وكل عاقل في الدنيا يفرق بين ما يلتذ به وبين ما يتداوى به من جرحه، ويتمنى بقاء ما فيه من شهوة وشباب وجلد ويحرص على اجتلا به، / ويأسا على ما فاته منه، ويبكي وينوح على ما فاته منه كما يبكي على فقد أحبابه، ولذهاب سمعه وبصره، ويتمنى ردّ ذلك عليه، ويستوصف الأطباء ما يقوي الشهوة ويعيدها وهو لا يتمنى الجرب ليحتك، ولا القروح والجراح ليتداوى، ولا أثقال الغائط والبول له ليقعد لإخراجه. وهذا من الجهل الواضح الذي يعرف بالحس، والعجب أن لابن زكريا في مواضع من كتبه في الطب أبوابا في حفظ الشهوة والصحة والشباب والجلد والقوة، ويوصي بذلك أتم الوصايا. ثم فهم ينسون المشاهدات، ويدفعون الضرورات، وقد شغلهم الغيظ على من جعل هذه نعما من الله ووعد بأمثالها في الجنة، ويدعون لأنفسهم ولمن أطاعهم في ظنهم أنهم يبرّونه ويديمون صحته وجلده، وحالهم وحال الملوك الذين استطبوهم وأطاعوهم ما قد عرفه الناس. وبنزار هذا الذي زعم أنه العزيز وفرعون مصر ظهرت بثرة في مشط قدمه قد أضنته ونغّصت عيشه وقد جمع لها حذاق الأطباء، وبذل لهم الرغائب، وهم حوله ومعه لا يفارقونه، وهم آثر الناس وأوجبهم عنده، وما يزداد مرضه إلا قوة، وهو جلد وسيم جسيم. وقد كان سلطان بلخ عرض له مرض فوصف له ابن زكريا الرازي ما رغبه حتى رحل اليه، فاقترح على هذا السلطان مسألة أبي القاسم البلخي رحمة الله عليه إجابته عما يسأله، ففعل السلطان ذلك، وألزم أبا القاسم هذا فأجابه،

стр. 624

ثم قال لابن زكريا: قبل كل شيء فما رأيت أحمق منك، فقال له ابن زكريا: ليس هذا من خلقك وأنت موصوف بالحلم وحسن الأدب، فقال له أبو القاسم ﵀: أنا أبين لك ذلك، أنت رجل تنكر ما يقوله المسلمون وأهل الشرائع/ في الربوبية والنبوات وتراه جهلا، وهم يرون ما أنت فيه كفرا يحل دم من ذهب اليه ورآه، وأنت بينهم وهم معك وحولك في ألوف فراسخ، وأنت تبدي ذلك وتناظر فيه ولست تحسب الأجر والثواب في المعاد ولا في العاجل على ذلك لأنك لا ترى بالمعاد والجزاء، فهذه واحدة. وأخرى، أنك تدعي صحة الكيمياء، وأنك تجعل الحجر والمدر ذهبا وفضة، ولك في ذلك كتب تنكر على من أنكر ذلك وكذّب به، ومع هذا فقد خاصمتك امرأتك في نفقتها ونفقة ولد لك وأحوجتها إلى أن رفعتك إلى الحكام ليفرضوا عليك كما يفعل ذلك بأفقر الناس وأقلهم حيلة، فهذه ثانية. وأخرى، أن ينصرك من الضعف، ويعينك من المرض اللازم ما هو بيّن، وأنت تدعي علم الطبائع ولك حذق في الطب والتقدم فيه والازراء على من تقدمك من الأطباء، كابن ماسويه وغيره، وعلى أطباء أهل زمانك، فكان من عذر الرازي في سقم بصره حبّه الباقلاء وكثرة أكله له، وأنه يفضله على اللوز، وأنه أطيب منه، ثم من بعد هذا نزل الماء في عيني الرازي هذا وعمي، وكان يجيء بمن يقدح الماء منه ويجيء بمن عمي من نزول الماء في عينه فيستوصفهم كيف عموا، ومتى نزل الماء في أعينهم، وما كانت أغذيتهم، ويجيء بمن يقدح الماء من عيونهم عنده ويدبرهم على أحوط ما يكون في ذلك ليجرب وينظر كيف الأثر في ذلك. وكد وبذل وجمع الأطباء فما رجع عليه بصره، ومات أعمى. وقد كان يعرض له من وجع أذنه ما يقلق القلق العظيم، ويمنعه النوم والقرار، ويتداوى بكل ما ذكره المتطببون في ذلك وهو على كل حال/ يتقدم في صنعة الطب،

стр. 625

كثير الكتب والمقالات في ذلك، حتى دخلت امرأة على امرأته ورأت ما به من القلق، فسألت امرأته عن ذلك فقالت: من وجع أذنه، فقالت المرأة الداخلة: هذا وهو طبيب، وقد سمعت أن الخنفساء الميتة إذا أغليت مع دهن الورد وقطر في الأذن من ذلك الدهن منع من وجع الأذن، فقالت له امرأته ذلك، فقال: افعلوا وبادروا لعله ينفعنى، ففعلوا وقطروا في أذنه فزعم أنه نفعه. ومثل هذا من الأدوية يحكيه جالينوس كثيرا أنه استفاده من القوابل ومن الأكرة ومن الملاحين، وكم قد عرض لحذاق الطب من الأمراض التي لا تظهر، وكم هي فيهم وبأي أمراض ماتوا، فنعوذ بالله من الذهاب عن الله ومن التوكل على غير الله، وإنما ذكرنا هذا لكثرة دعاوى هؤلاء الجهال. وكم قد بقي الناس وهم لا يعرفون الفصد، وكانوا أطول أعمارا وأصح أجساما، والروم لا تعرف اليوم لا الفصد ولا الحجامة، ولا الدواء المسهل ولا القيء، ولا تتداوى بشيء من ذلك، هذا الغالب عليهم، وأجسامهم صحيحة وصحتهم وجلدهم متصل حتى يقال إن أكثرهم إنما مرضهم مرض موته، ولو أراد المسلمون أن يستغنوا عن الأطباء بمعرفة صنعة الطب لفعلوا، وكان مطلب ذلك والوقوف عليه أقرب وأيسر من معرفة اللغة والنحو والعروض، وهو أن يقرأ شيئا «١» من كتبهم، وطول مشاهدة المرضى، ولو تكلف هذا من قد عرف صنعة الكلام، وأن الفعل لا يكون من الجماد ولا من الموات، ولا يقع إلا من الحي القادر، وأنّ هذه الأدوية إنما هي بمجرى العادة، وأنه قد يكون ولا يكون، وينفع ولا ينفع، وأراح المسلمين من هؤلاء/ الأطباء فإنهم جهال بالأصول، والغالب عليهم الالحاد والقسوة وقلة

стр. 626

المبالاة، ومن كان منهم يظهر المجوسية فليس بمجوسي، أو يظهر النصرانية فليس بنصراني، أو يظهر اليهودية فليس بيهودي، أو يظهر الإسلام فليس بمسلم، هذا الغالب عليهم، وكذا وجدهم من خالطهم وبحث عنهم، فما أحوج الناس إلى من يجعل الطب في أمناء المسلمين الأتقياء، فإنها أمانة عظيمة، وإن كان ليس في البقاء مطمع، ولا إلى السلامة سبيل، ولكن يتخلص المرضى من تعذيب الملحدين لهم، وممن يتمنى الاسقام ليأخذ أموالهم وتسؤه صحتهم وسلامتهم، فما في الأرض أغيظ من دوام صحة الناس من هؤلاء الأطباء، لما في ذلك من الاستغناء عنهم، وعلى أن الناس ممن هو طبيب نصراني وليس بملحد في مكاره وكذا الصيدلاني وبائع الدواء إذا كان ذلك. وقد كان الشيخ أبو عبد الله الحسن بن علي البصري ﵀ «١» يذكر عن ثقة حدثه أن قوما من النصارى قالوا لعبد الله غلام إسرائل الصيدلاني النصراني، وكان في المخرم في الجانب الشرقي ببغداد، أن فلانا يؤذي النصارى ومنك يشتري الأدوية فأكفيناه، فقال: أفعل. وأبو الحسن بن كعب الأنصاري أحد علماء المسلمين، وكان صديقا للشيخ أبي بكر أحمد بن علي الرازي رحمهما الله، وكان بينه وبين الصابئين المتطببين خصومة في صنيعه، فدسوا إلى طبيبه وأعطوه مجمعا للمباضع ففصده وأشار بالفصد عليه فقتله. وذكر الشيخ أبو عبد الله عن حنون المتطبب وكان صديقه وصديق أبي الحسن الكرخي ﵀، وحنون هذا، هو أبو أبي الطيب المؤمل هذ الذي يحيا وأسلم.

стр. 627

/ قال حنون قال لي المروزي الطبيب وكان أستاذي: يا حنون، اذهب إلى فلان فقل له: عني ينبغي أن تفصد، وافصده ولا تكثر فضولك، قال: فذهبت وأبلغت الرجل هذا فقبل وفصدته ورجعت اليه، وقلت له: ما كان به حاجة إلى الفصد، فقال لي: كذا هو، ولكن كان لي عليه وظيفة من دراهم يحملها إليّ، وقد قطعها عني، فأردت أن يحتاج إليّ فقصدت إسقامه بالفصد. وأما أبو هاشم بن أبي علي رحمهما الله «١» ، فقتله أبو حسن اليهودي المتطبب لاعتراضه ونقضه لكتب أرسطاطالس، وكان جاره يؤنسه ويخالطه ويريه المحبة، فشكى اليه يوما شيئا يجده، فقال: المصلحة أن تفصد، فركن إلى قوله، واستدعى حسن أخاه موسى ففصده، فلما خرج الدم، قال له أبو هاشم هذا دم جيد صافي فلم تخرجه، فقال له موسى هو جيد الكيفية إلا أنه كثير الكمية، فمرض أبو هاشم عقيب ذلك ومات. وكان حسن هذا ظاهر اليهودية وهو ملحد، وكان أحد أطباء الملوك ببغداد. أما موسى هذا، فذكر عنه أحد تلاميذه أنه دخل على عليل وسأله عن خبره فأخبره بما يتداوى به وبما يغتذى به فقال له موسى من أشار عليك بهذا قال فلان الطبيب، قال: نعم ما أشار عليك، وقام وخرج وركب، قال تلميذه وهو يعقوب بن يوحنا هذا الواسطي، منزله الجانب الشرقي في دار الروم وفي درب البصرى، فلما ركب موسى مشيت مع البغل وجاريته في أصل ذلك المرض من غير أن أشير إلى العليل، واستفتيه في أدويته فأفتاني بضد ما كان ذكر له ذلك المريض، فقلت له فهذا/ العليل هذا مرضه وقد أخطأ

стр. 628

عليه طبيبه واستصوبته أنت قال: نعم على عمد، قلت له: [قلت] «١» ولم؟ قال: عليك بين طبيبين اقتل حتى يمر. وكم لهم مثل هذا ولقد قال طبيب لسلطان كبير وهو موفق بن المتوكل، وكان جسيما وسيما أكولا، وهناك من يكره حياته، فأكل يوما ألبانا كثيرة في ألوان كثيرة، قال طبيبه وأنا واقف وهو يأكل ولا أنهاه وأقول في نفسي هذا يفلج اليوم، لأنه زمن ويأكل هذا لا محالة، فإن لم يفلج، فالطب باطل. فلما أكل وفرغ دخل الخيش ونام فيه، وصرت إلى منزلي، فلما كان بعد قليل سمعت قعقعة بغل البريد فقيل لي: أجب الأمير، فقلت في نفسي: فلج لا محالة فركبت وحثيته؛ فإذا هو في حمى عظيمة مطبقة دموية، فاحتاج أن يفصد من يديه ويخرج من الدم أربعمائة درهم، فكان ذلك بالضد من صناعة الطب وقوانينه. ومن تدبر وجد العجائب من آيات الله في كل شيء، وخيانات هؤلاء كثيرة، وقد أساء إلى نفسه من استعملهم في الطب والجراح وائتمنهم. وهذه الصفة مما ذكرنا أن هذه الصنعة ليست بعلم وإنما هي تجارب بحسب ما أجرى الله العادة. وفي الأفاعي ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، وتلسع بعض الناس فتموت الأفاعي ولا ينال الملسوع مكروها، وقد تلسع الإبل والقنفد والسنّور وابن عرس وغيرها فلا تضرّ، هذا عام في الحيوانات، فأما في الإنسان فنادر. وزعم الكندي المتطبب «٢» ، أن الخليفة المعتصم استدعاه قال فقال لي من

стр. 629

تكون: قلت: أنا يعقوب ابن اسحق الكندي، فقال لي: عندنا إنسان يرسل عليه الأفاعي فإذا لسعته/ ماتت ولم يضره، وأنا أحب أن تشاهد ذلك. قال: فأتى برجل طوال نحيف أسمر خلاسيّ، ثم دعا بسلال الأفاعي فقال: يا فتى نرسلها عليك؟ فقال: على اسم الله، رسمى قبله. فأقبل عليّ المعتصم وقال: رسمه علينا أن نطعمه الكباب ونسقيه النبيذ وتعطيه دينارا، أحسبه قال على كل أفعى. قال: ففعلوا ذلك، وأرسلوا عليه الأفاعي فأي أفعي لسعته ماتت مكانها وهو كأنشط ما يكون، فقال لي المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقلت: أنظر فيه وأعاود الفكر وأعرّف أمير المؤمنين، قال الكندي: وقد عمل رسالة في هذا الباب، فعدت إلى المعتصم فأخبرته أن هذه الأفعى قد طال مكثها وقد ضعف سمّها وشربت الماء، فهات الأفاعي التي ما شربت الماء قال الكندي: فجيء بها وأرسلت عليه فمات. وهذه غفلة من الكندي، هب الأمر كما قال وسمّها قد بطل أصلا فما السبب أنها تموت إذا لسعت، وقد كان ينبغي أن تجرب هذه الأفاعي في غير هذا الرجل، فإن لم تضر أحدا غيره فقد أصاب الكندي. وعقارب الفاطول «١» يموت بعضها من لسع بعض ولا تموت عن لسعها غير العقارب، ومن عجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى، وقد تلسع أكثر الناس فلا تموت، والعقرب التي يحدث من لسعها الموت على غايته ضعف الخلقه، ولعلها أن تكون أضعف من العنكبوت الصغير وأبرتها كالشعرة، وهي توجد بالبنذنجيين «٢» وبرامهرمز وبعسكر مكرم من كور الأهواز، والأطباء يرجعون في التداوي من لسعها إلى أهل تلك البلدان، فيقولون لهم:

стр. 630

بأي شيء جرت عادتكم بالتداوي من هذه العقارب، فيذكر شيوخهم وعجائزهم للاطباء، / فيعلمونهم ويكتبونه في كتبهم. وعقارب () «١» قتالة، وثم عقارب كبار تضرب القمقم وغيره فتحرقه بإبرتها ولا يكاد يموت أحد من لسعتها، بل ربما ماتت هي، وكل ذلك من آيات الله . وفي الحيوان من يعرض له عند لسع العقارب البرد والخدر، ومنهم من يعرض له الحمى والالتهاب. ولقد لسعت العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج، وهي مشهورة ذكرها الأطباء في كتبهم. وكم يجدون في تجاربهم وما يحدث على الأيام مما ليس في كتب المتطببين ولا في تجاربهم بل هو بالضد مما كتبوه فيكتبونه ويخلدونه وكل ذلك من آيات الله، ويزيدك علما أن الطب تجارب، وشيء قد أجرى الله به العادة لقوم خلاف قوم، ثم لا يستمر كما قد تقدم لك بيانه. ومن الناس من يأكل العقارب والحيات. وهذا الكندي هو أحد الملحدة الذين ظاهرهم الاسلام، وهو كوفيّ، وكان أحد المياسير، فأنفق أمواله كلها «٢» في مكاره الاسلام وفي الطعن على الأنبياء أجمعين، وله رسالة يدعي فيها أن سبب المد والجزر إنما هو زيادة القمر، وفي الأرض بحار كثيرة ليس فيها من المد والجزر ما في بحر فارس، وكلها تحت السماء، وعلى جميعها يطلع القمر. وكم لهذا الكنديّ من الجهالات كما لابن زكريا الرازي في الخواص والكيمياء، فاطلب كتبه في الكيميا وقف عليها وما يحكيه عن نفسه وغيره، لتعرف غباء أعداء الاسلام وكذبهم وفضائحهم. والرازي يزعم أنه خرج إلى ملك بخارى ليعالجه وأن الثلج منعه في طريقه

стр. 631

من الاجتياز، فنزل على رجل كبير واسع النعمة، وكان له ابن قد أضناه المرض فطال عليه فصار كالخيال لطول الضنا، قال/ فأرانيه وشاورني فيه، فلم يكن له دواء ولا فيه رمق، فيئست منه وأمرت بمداراته والرفق به لقرب أجله، وخرجت إلى بخارى وأقمت طويلا، ثم عدت فنزلت عليه، وإذا بحضرته فتى ذكيّ حرك ظريف فأعجبني ذكاؤه وحركته، فسألته عنه، فقال: هذا هو العليل الذي كنت رأيته، فاشتد تعجبي، فقلت، كيف كان؟ وبأي شيء داويتموه؟ فقال: ضاق صدره وأشتد ضجره، فقال لامرأة كانت ربته قد حمل إليها يوما سكباج: أطعميني، فأبت وبقى السكباج في الدار مكشوفا «١» ، فأقبلت حية فأكلت ما في الصفحة ثم قذفته في الصفحة وتقايأته، فمشى الغلام الى الصفحة فشرب ما فيها وأكله ليقل المرض ولعله يستريح، ثم أن المرأة جاءت ورأت الصفحة فهمت تأكل ما بقي فيها فنهاها الغلام، وأخبرها الخبر فأرمت «٢» القصعة ثم عرض للغلام عرق وألقى من جلده كالنمشاء ثم أفاق وقام، وهذا كما ترى، فقال الرازي: أنا ما يدريني أن في دارك حية عمرها خمسة آلاف سنة. فانظر إلى كذبه وقله تحصيله وقلة حيائه وتحرزه مما يتحرز منه العقلاء فيها، أنه لا يعلم ان الأمر كما أخبر الغلام وإن غلب الظن على صدقه، وأخرى أنه لو كان يعرف أن دواء هذا العليل في قيء حية عمرها خمسة آلاف سنة لو صفه لهم لما رأى العليل، وأخرى إخباره بعمرها كأنه قد حصل ذلك واضطر إلى العلم به، وما يدريه لعل عمرها ثلاث سنين ولشبابها نفع سمها ولو كانت هرمة لما انتفع، فهو لا ينفصل من الدعاوي، وهذا من جنس قولهم: إن

стр. 632

أفعى ولغت في خمر وقذفته/ في وعائه، وأن رجلا مجذوما «١» شربه فبرىء، وهو سبب إيجادهم أقراص الأفاعي. فإن كانوا صادقين فهذا من الجنس الذي أخبرنا عنه من آيات الله في إجراء العادة وما تقدم من ذكر ذلك. ويحيى بن خالد صاحب مربعة الأحنف يذكر أن العقارب لسعت أصحاب «٢» ضروب من الحمايات فافاقوا. ويحيى بن خالد هذا [كان] «٣» طبيبا حاذقا مأمونا معروفا بالصدق، وكان يعالج ولا يتكسب بصناعة الطب، ويحفظ له الناس من اللطائف وحسن التأني شيئا كثيرا. وكم تجد منهم من يصف الدواء للعليل وهو حريص على برئه فيقول له: إن قبلت رأيي وشربت هذا الدواء وفصدت عوفيت من ساعتك، فيطيعه فيموت. فإن قيل له في ذلك أخذ في التخريج والدعاوي، وإذا قيل للعقلاء منهم: ما السبب أن الإنسان إذا صب عليه الماء الحار بوّله؟ قال: نريد عللا مشدودة بخوص إن أردتها ذكرناها. وكذا قيل لهم ما السبب المثير للعطش عند أكل السمك واللبن والباقلاء وهذه كلها باردة رطبة بطبع الماء، وما السبب في انقطاع العطش عند أكل الثوم وهو حار يابس والعطشان يدخل الحمام فينقطع عطشه ويدخله الريان فيحدث له العطش، فأما الجاهل الملحد المعاند فيأخذ في البهت والكذب والدعوى الباطله.

стр. 633

ومن جناياتهم انهم يرسمون في الطب والمدخل الى الطب الكذب الذي ليس من الطب بسبيل، كمسائل حنين في المدخل إلى الطب، أن أجسام هذه الحيوانات مركبة من الهواء/ وهو حار رطب، والعقلاء كلهم إذا أرادوا أن يبردوا شيئا أو يجففونه أبرزوه للهواء، ثم يقول: ومن الأرض وهي باردة يابسة، والأرض جسم من الأجسام تجوز عليه الحرارة والبرودة وكذا الماء وكذا النار يجوزان يغلبها الله ويخلقها شجرا ومدرا وثلجا ويخرجها من أن تكون نارا، وحنين لا يدري أمن هذه الأشياء خلق الله السماء وغيرها من الأجسام أم من شيء آخر أم من لا شيء، كما خلق النار لا من نار ولا من شيء، وكما خلق الماء لا من ماء ولا من شيء، وكما خلق الأرض لا من أرض ولا من شيء، وكما خلق الشمس لا من شمس، وكذا القمر والكواكب خلقها لا من كواكب ولا من شيء، وقد خلق السماء من دخان كما خلق كثيرا من الحيوان من الماء، وإنما فعل ذلك ليعتبر العقلاء من الملائكة والانس والجن، ولو شاء أن يخلق كل ذلك لا من شيء لفعل كما خلق ما قدمنا ذكره وما لم يذكره لا من شيء ولا لشيء. أما ترى الإنسان المدبر المصنوع كيف يفعل الاصوات والحركات والتأليف والإرادات والاعتقادات والسكون لا من شيء، فيكتب ويا بني ويصوغ ويخيط وينسج وغير ذلك من أفعاله لا من شيء، فكيف للقديم الأزلي الحيّ القادر العالم الحكيم الغنيّ عن كل شيء الذي لم يزل ولا يزال. على أنه . إن كان قد خلق الرمّان والتفاح والسفرجل وأشباه ذلك من النار والماء والهواء والأرض أو من الكواكب والسماء فهو أبدع من خلق أعيانها لا من شيء، وأدل على القدرة وسعة العلم، ولكن نحتاج في هذا إلى خبر منه .

стр. 634

فإن قالوا وجدنا في هذه/ الاجسام ماء ورطوبة، قلنا: غير منكر أن يخلق الماء الذي فيها لا من هذا الماء كما خلق هذا الماء لا من ماء بل خلقه لا من شيء. وإذا قيل لهم زعمتم أن الهواء حار رطب فتبردون البارد بالحار، وزعمتم أن الصفراء حارة يابسة والعقلاء يجدونها رطبة سيالة يطفأ بها النار، قالوا: إنما قلنا الهواء حار رطب والصفراء حارة يابسة بالطبع قلنا: فهذا طبع وقول يكذبه الحس واللمس، وهذا كما قيل لابن عبد الوهاب الكاتب وكان قصيرا معجبا: أنت وإن كنت عند الناس قصيرا فأنت في الحكومة والطبيعة والحقيقة وعند الله طويل، وعلى أن القول: من أي شيء خلق الله هذه الاجسام؟ ليس من الطب بسبيل بل هو مشغلة عن الطب؛ وقد فطن لهذا حذاق الأطباء فانصرفوا عنه وتوفروا على معرفة العادات والتجارب، وعلى أن فرط الجهل والحيرة تحمل هؤلاء على الكلام في مثل هذا، ولفرط غيظهم من الأنبياء والمسلمين لقولهم: إن الله خلق الأشياء لا من شيء، واخترعها بغير شيء. وأنت تجدهم يغتاظون من تحريم الخمر والأنبذة ولحم الخنزير، يشيرون بذلك على المرضى، فإن وجدوا مسلما يتوقى شرب الأنبذة كلها قالوا: الأنبذة من دوائك، وأهل العراق يبيحون لك. وإن وجدوا من يترخص ويأخذ بقول أبي حنيفة في الأنبذة، ذموا عنده التمر وما يكون من التمر، فإن وجدوه يشرب مطبوخ العنب ويتوقى ما سواه قالوا: ليس المطبوخ بشيء وإنما الشفاء في الذي لم تمسه النار، ولذا قال جالينوس: وبها تعجن الأدوية، كل هذا عداوة/ لرسول الله ﷺ ، ويذكرون عن أفلاطن أنه قال: ما دخل جوف ابن آدم شيء شرّ من الماء.

стр. 635

وكان أبو جعفر المنصور وجد مرضا، فذكر له طبيب بجند يسابور فأحضره، فمكث في داره زمانا وأقام فيها لعلاجه، فلما طعم طلب من الخدم خمرا، فقالوا له: ما في هذا القصر خمر ولا شيء من الأنبذة ولا لك إلى هذا، سبيل فقال: أنا رجل ذمىّ وأستحله وبه أحفظ صحتي، وما شربت ماء مذ كذا وكذا خوفا من شرّه، وأنا أخشى إن عدمت الخمر أن أمرض وأموت، فقيل له: ما شاء فليصبك مالك إلى هذا سبيل، فشرب الماء على كره فلما أصبح أخذ قارورته فإذا هي كما كانت وهو يشرب الخمر، فاشتد تعجبه وذكر ذلك لإخوانه. وعندهم أن الحرارة الغريزية تقوى بشرب الخمر وتضعف بشرب الماء، حتى قال قائل منهم: والله ما حرم نبيّ العرب الخمر والأشربة على أتباعه إلا لفضل عقله، فانّ الأنبذة المسكرة مضرة بالعقل جدّا محيلة له وكذا الغناء، وما شيء أفضل من العقل، فكل ما أضر به وأثر فيه فخبيث رديء، وقد وجد في العسل وغيره ما ينوب عن الخمر وسائر الأنبذة في إسخان المزاج وتعديل الطبع مع سلامة العقل، فجناية الأشربة المسكرة في تغيير العقل أعظم الجنايات وأكبر الأمراض، وليس الطبيب من داوى مرضا بدواء أعقب مرضا هو أعظم منه. قال فأما ما يحدث لشارب السكر وسامع الغناء من الطرب وسرور النفس والنزاقة والخفة فما هو إلا لنقصان عقله ولا فضلة لها ولا خير منها، فنبيّ العرب أطب الأطباء وأفطن العقلاء، هذا قول من كان له عدوا ومكذبا. وقد ذكر الناس/ فضل عقول أكلة التمر ولحم الجزور على أكلة لحم الخنزير بما هو مذكور في غير هذا الموضع، والناس يعاينون حياة الحيوان والنبات بوجود الماء وتلفهم مع عدمه، ولا يغنيهم عنه خمر ولا غيره، بل تزيد الخمر
следующие страницы →