← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وحده لا شريك، له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة" (١)، فبالتوحيد يحصل الأمن والاهتداء التام في الدنيا والآخرة، وبالشرك تصرف الهداية عن العبد، ويذهب الأمن ويحصل الخلل فيه في الدنيا وفي الآخرة. ٤ - التوحيد مع اعتراف العبد بظلمه وذنبه من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله في قضاء الحوائج، ولذا جاء عن النبي ﷺ في دعوة ذي النون قوله: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (٢). يقول ابن القيم ﵀: "وأما دعوة ذي النون فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج" (٣). المطلب الثاني: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل: معناه: الإيمان الجازم الذي لا شك فيه بالملائكة والكتب والرسل من حيث الإجمال والتفصيل.

стр. 142

قال الشيخ ابن باز (١) ﵀ في بيان معتقد أهل السنة والجماعة في الملائكة والكتب والرسل: "وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم، كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة (٢). وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» خرجه مسلم في صحيحه (٣). وهكذا الإيمان بالكتب، يجب الإيمان إجمالًا بأن الله أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 143

ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن؛ والقرآن هو أفضلها وخاتمتها، وهو المهيمن عليها والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله ﷺ ؛ لأن الله بعث رسوله محمدًا ﷺ رسولًا إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور وتبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]، وقال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وهكذا الرسل، يجب الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فنؤمن أن الله أرسل إلى عباده رسلًا منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق، فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله ﷺ تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين، كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم، صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم" (١).

стр. 144

أثر الإيمان بالملائكة والكتب والنبيين على القلب (٢): ١ - من آثار الإيمان بالملائكة على القلب: أولًا: العلم بعظمة خالقهم ﵎ وقوته وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق. ثانيًا: زيادة حب الله وشكره تعالى على عنايته بعباده، حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم. ثالثًا: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى على الوجه الأكمل، واستغفارهم للمؤمنين. رابعًا: أن تتطهر عقيدة المسلم من شوائب الشرك وأدرانه؛ لأن المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بهذه الأعمال العظيمة تخلص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهمية تسهم في تسيير الكون. خامسًا: أن يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم. سادسًا: ومن آثار الإيمان بالملائكة على القلب: أن الله جعلهم من أسباب ثبات المؤمن في مواجهة أعداء الإسلام، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].

стр. 145

٢ - من آثار الإيمان بالكتب والرسل على القلب: أولًا: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه، حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم به، ورسلًا يهدونهم ويرشدونهم. ثانيًا: ظهور حكمة الله تعالى، حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسبها، وكان خاتم هذه الكتب القرآن العظيم مناسبًا لجميع الخلق في كل عصر ومكان إلى يوم القيامة. ثالثًا: زيادة حب الله وشكر نعمته تعالى على ذلك. المطلب الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر: معناه: معنى القضاء لغة: القاف والضاد والحرف المعتل يدل على إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه لجهته. والقضاء: الحكم، ولذلك سمي القاضي قاضيًا؛ لأنه يحكم الأحكام وينفذها. وسميت المنية قضاءً؛ لأنها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق (١). تعريف القدر لغة: القاف والدال والراء يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، فالقدر: مبلغ كل شيء، يقال: قدره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القدر. وقدرت الشيء أقدره وأقدره من التقدير، وقدرته أقدره. والقدر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القدر أيضًا، وهو ما يقدره الله من القضاء، ويأتي بمعنى القدرة والتقدير (٢).

стр. 146

معنى القضاء والقدر في الاصطلاح: عرفه العلماء بعدة تعريفات، كلها تدور حول مراتب القدر الأربع، ومن ذلك: - ما ذكر ابن القيم بأنه "خلق الله تعالى لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه" (١). - هو "ما سبق به العلم وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأنه قدَّر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها" (٢). - وعُرِّف بأنه: "تقدير الله تعالى للأشياء في القِدَم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخلقه لها" (٣). مراتب القدر والدليل عليه: وملخص مراتب القدر كما ذكر شيخ الإسلام ﵀: بأن الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الموصوف به أزلًا، فعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق قال ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ

стр. 147

قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١)، كما قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير -التابع لعلمه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء: وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا؛ فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد (٢)؛ ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكره اليوم قليل. وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه ، لا خالق غيره ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر

стр. 148

بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم؛ والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]. وهذه الدرجة من القدر يكذِّب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة (١)، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حِكَمها ومصالحها (٢). ومن الأدلة على القدر قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وحديث جبريل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁، وفيه: قال: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٣). أثر الإيمان بالقضاء والقدر على القلب (٤): للإيمان بالقضاء والقدر آثار عظيمة على القلب، ومن ذلك:

стр. 149

١ - هداية الله له، وصفاء العقيدة: قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]. ٢ - الإخلاص لله تعالى. ٣ - صحة التوكل على الله. ٤ - الخوف والرجاء. ٥ - من أكبر دواعي العمل والنشاط، والسعي في الأرض بما يرضي الله تعالى. ٦ - يخلِّص القلوب من كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات من الحسد ونحوه. ٧ - تحرير العقول من الخرافة. ٨ - القناعة وعزة النفس. ٩ - يبعث في القلوب الشجاعة والصبر على المكاره. ١٠ - من أعظم الأسباب المعينة للداعية في الصدع بدعوته، والصبر على ما يلقاه في سبيل الله من أذى. المطلب الرابع: الإيمان باليوم الآخر: معنى الإيمان باليوم الآخر، والدليل عليه (١): التصديق الجازم بوقوعه لا محالة، والعمل بموجب ذلك، ويدخل فيه الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور، وما في موقف القيامة

стр. 150

من الأهوال وتفاصيل المحشر. و الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور: الأول: الإيمان بالبعث: وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية؛ فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غُرلًا -غيرَ مختونين-، قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. والبعث: حق ثابت، دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦]. وقال النبي ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» (١). وأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة، حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادًا، يجازيهم فيه على ما شرعه لهم فيما بعث به رسله، قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. الثاني مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالحساب والجزاء والميزان، وهو أن يحاسب الله العبد على عمله، وينصب له الميزان، ويجازى على ما قدَّم، وقد جاءت الأدلة بذلك، ومنها: قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].

стр. 151

وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ المازِنِيِّ (١) قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» (٢). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (٣).

стр. 152

وقد أجمع المسلمون على إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة؛ فإن الله تعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به منه، وأوجب قتال المعارضين له وأحل دماءهم، وذرّياتهم، ونساءهم، وأموالهم، فلو لم يكن حساب ولا جزاء؛ لكان هذا من العبث الذي ينزهُ الرب الحكيم عنه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦، ٧]. الثالث مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار وأنهما المآل الأبدي للخلق: فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله، متبعين لرسوله، فيها من أنواع النعيم، قال تعالى: ﴿(٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧، ٨]، وقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]» (١).

стр. 153

وأما النار: فهي دار العذاب التي أعدَّها الله تعالى للكافرين الظالمين، الذين كفروا به وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب، والنَّكال ما لا يخطر على البال، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]. ومن الأدلة عليه غير ما ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الآية [النساء: ١٣٦]. وقد قرن الله في كتابه الإيمان به مع الإيمان باليوم الآخر في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦].

стр. 154

وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وغير ذلك من الآيات. أثر الإيمان باليوم الآخر على القلب: الإيمان باليوم الآخر له أثر عظيم على أعمال القلوب، بل لعله من أعظم الأسباب لحصول أعمال القلوب والحرص عليها، ومن تلك الآثار: ١ - الخوف من الله تعالى الذي يثمر الانكفاف عن معصية الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]. ٢ - الرجاء فيما عند الله من نعيم الآخرة. ٣ - تعلق القلب بالآخرة مما يؤدي إلى المسابقة والمسارعة والمنافسة في الحصول على نعيم الآخرة: قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].

стр. 155

وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٦]. ٤ - معرفة الدنيا على حقيقتها بالنسبة للآخرة، فيؤدي ذلك إلى أن يصبح العبد ويمسي وهمه الآخرة: قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. وقال الرسول ﷺ : «وَاللهِ، مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ -وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟» (١).

стр. 156

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ». وسيأتي مزيد بيان لهذا (١).

стр. 157

المبحث الثاني: الأسس التعبدية لصلاح أعمال القلوب المطلب الأول: التقرب إلى الله بالفرائض، وعلى رأسها الصلاة الخاشعة، وأثرها على القلب. المطلب الثاني: الزكاة، وأثرها على القلب. المطلب الثالث: الصيام، وأثره على القلب. المطلب الرابع: الحج، وأثره على القلب. المطلب الخامس: الدعاء، وأثره على القلب. المطلب السادس: التقرب إلى الله بالنوافل.

стр. 158

المبحث الثاني: الأسس التعبدية لصلاح أعمال القلوب إن أعمال القلوب التي تبنى على أسس تعبدية خالصة لوجه الله موافقة لسنة رسول الله ﷺ تثمر بإذن الله تعالى صلاحًا للقلب، وسلامة له من الأمراض، وقربًا من الله عظيم، قال ﷺ : «إن الله قال: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» الحديث (١). ودونك توضيح ذلك وفق المطالب الآتية: المطلب الأول: التقرب إلى الله بالفرائض، وعلى رأسها الصلاة الخاشعة، وأثرها العظيم على القلب: قد جعل الله الخشوع في الصلاة على رأس صفات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]. والصلاة الخاشعة لها أعظم الأثر في صلاح القلب بعد صلاح المعتقد، ولكن ليست كل صلاة تثمر ذلك، بل الصلاة التي بذل فيها المؤمن أسباب الخشوع، وجاهد نفسه على ذلك، وكابدها حتى وجد حلاوتها ولذتها في قلبه، كما قال ﷺ عنها: «يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ؛ أَرِحْنَا بِهَا»، وقال ﷺ كذلك: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».

стр. 159

قال ابن حجر ﵀: "وفي الحديث (١) عظم قدر الصلاة، فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها، وذلك لأنها محل المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وربه، ولا شيء أقر لعين العبد منها، ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح، ومن كانت قرة عينه في شيء، فإنه يود أن لا يفارقه، ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمَه، وبه تطيب حياته، وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النصب، فإن السالك غرضُ الآفات والفتور" (٢). وقال بعض السلف ﵀: "كابدت (٣) الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة" (٤). وهذه بعض الأسباب المعينة على الخشوع في الصلاة، فجاهِد نفسك -أيها الداعي- على القيام بها، وحاسب نفسَك عليها، فإن المكابدةَ في ذلك من أعظم أسباب التلذُّذ بالصلاة التي تصلح القلب. أولًا: أسباب الخشوع في الصلاة: ولما كان الخشوع في الصلاة مطلبًا عظيمًا وعملًا قلبيًّا له أثره المبارك على صلاة العبد، فقد اقتضى ذلك أن يبذل المسلم أسباب الحصول عليه، وأن يجتهد في السير في الطريق الموصل إليه، وبما أن الكلام عن الداعية الحيِّ الذي يريد حياة قلبه، فلا بد أن يجتهد حتى تكونَ صلاته حيةً بالخشوع؛ ليذوق حلاوة الصلاةِ ولذتَها في قلبه، ومن ثَمَّ يدعو الناس إلى ذلك، وهذه بعض الأسباب الموصلة إلى الخشوع والمعينة عليه:

стр. 160

١ - الإخلاص لله تعالى في هذه العبادة. وسيأتي الكلام على الإخلاص (١) (٢). ٢ - المتابعة للنبي ﷺ في هذه العبادة، وإقامتها على السنة، حيث يقول ﷺ من حديث مالك بن الحويرث ﵁: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣). فإن من أسباب الخشوع إقامة العبد للصلاة كما أمر الله؛ مخلصًا له فيها، متبعًا لهدي النبي ﷺ في صفتها كما أمر. ٣ - الشعور في قلبه بحاجته الماسة لعبادة الخشوع، مع شعوره بالخلل الكبير الحاصل منه في هذه العبادة في صلاته، وهذا الأمر إذا وجد في القلب حرك العبد إلى بذل الأسباب في الحصول على الخشوع. ٤ - الدعاء: من الأسباب العظيمة الجالبة للخشوع، وسيأتي الحديث عنه (٤).

стр. 161

٥ - دفع كيد الشيطان الذي يسعى لإشغال المسلم في صلاته حتى يفقد حضور قلبه في عبادته، فيذهب منه الخشوع، وهذه بعض الوسائل المعينة على دفع كيد الشيطان: الاستعاذة منه في موطنين: أولًا: خارج الصلاة؛ وذلك بقول الأذكار والأوراد المشروعة لدفع كيده، ومنها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ، يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» (١). والذكر عمومًا من أقوى الحروز من كيد الشيطان، وسيأتي الحديث عنه (٢). ذكر الخروج من المنزل: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ -يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ-: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ» (٣). ذكر دخول المسجد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» … قَالَ: «فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ» (٤).

стр. 162

ثانيًا: الاستعاذة منه في داخل الصلاة في موضعين: الأول: قبل قراءة الفاتحة في الصلاة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. والثاني: إذا أتاه الشيطان في صلاته يستعيذ بالله ويتفل عن يساره ثلاثًا: عن عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي، وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي (١). ٦ - التبكير إلى الصلاة والمسارعة إلى ذلك: من أسباب الخشوع التبكير إلى الصلاة، وذلك حينما يبكر العبد إلى صلاته، فيتمكن من إقبال قلبه على صلاته، وصفاء القلب من شواغل الدنيا، والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة بين الأذان والإقامة، كل ذلك مما يعين على الخشوع وحضور القلب، ولهذا جاء الحث على التبكير فقال ﷺ : «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» (٢). قال النووي ﵀: "التهجير التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت" (٣). قال ابن رجب ﵀: "وقد ندب النبي ﷺ إلى التهجير إلى الصلاة، وهو

стр. 163

القصد إلى المساجد في الهجير، إما قبل الأذان أو بعده .. وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان، منهم: سعيد بن المسيب، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر .. وقال بعض السلف في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]: إنهم أول الناس خروجًا إلى المسجد، وإلى الجهاد" (١). ٧ - ويشعر بعظمة الموقف بين يدي الله في الصلاة، وأن الله مطلع عليه يعلم ما في قلبه، ويسمعه ويراه: ويحدث هذا المعنى العظيم إذا استشعر القلب معاني الأسماء والصفات، وبالأخص أسماء الله وصفاته: العليم السميع البصير، وحصل في قلبه بأن الله مطلع عليه، لا تخفى منه خافية، يعلم ما في قلبه، ويستحضر في موقفه في صلاته سمع الله له وبصره، فيقف بين يديه وكأنه يرى الله أمامه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].

стр. 164

وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١]. وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. وما ورد في هذا المعنى من الآيات كثير في كتاب الله، فحين يستحضر المصلي معاني هذه الآيات، فإنه يشعر بعظمة الموقف بين يدي ربه العالم بسره ونجواه، والمطلع على ما تخفيه الصدور، والذي أحاط علمًا بكل شيء، الذي يسمعه ويراه، فحضور هذه المعاني العظيمة يحدث في القلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها بوجهه وقلبه، فيخرج إلى الصلاة وهو يستحضر في قلبه هذه المعاني، ويجاهد نفسه على هذا، حتى وهو يمشي إلى الصلاة لا بد أن يلتزم أدب المشي إلى الصلاة، الذي سأشير إليه في الفقرة التالية، وذلك لأنه في مشيه إلى الصلاة فهو في صلاة كما ورد في الحديث يقول ﷺ : «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» الحديث (١). ٨ - المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار: عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ

стр. 165

فَأَتِمُّوا» (١). وفي الرواية الأخرى يقول المصطفى ﷺ : «وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» الحديث (٢). وفي معنى السَّكِينَة وَالْوَقَار قال النووي ﵀: "قيل: هما بمعنى (٣)، وجمع بينهما تأكيدًا، والظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغض البصر، وخفض الصوت، والإقبال على طريقه بغير التفات، ونحو ذلك والله أعلم" (٤). ٩ - إسباغ الوضوء مع الإقبال على الله بقلبه ووجهه في صلاته: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٥). وفي قوله ﷺ : «مقبل عليهما بقلبه ووجهه» قد جمع ﷺ في هاتين اللفظتين أنواع الخشوع والخضوع لله تعالى في الصلاة؛ لأن الخشوع في القلب والخضوع في الأعضاء (٦).

стр. 166

١٠ - أن يكون حاضر القلب يعلم ما يقوله في صلاته: عن عقبة بن عامر يَقُولُ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ (١) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ» (٢). أي: يعلم ما يقوله في صلاته، ويدرك بقلب حاضر معاني الآيات التي يقرؤها أو يسمعها من الإمام ويتدبرها، ويدرك معاني ما يقوله ويردده من أذكار في صلاته: الله أكبر، وفي الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وما يقوله بين السجدتين، وفي جلسة التشهد، وهكذا في سائر صلاته. ١١ - أن يفرغ قلبه لله في صلاته: ومن حديث عَمْرِو بْن عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ في فضل الوضوء قال في آخره عن النبي ﷺ : «فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٣). وقوله ﷺ : «وفرغ قلبه لله» أي: جعله حاضرًا لله، وفرغه من الأشغال الدنيوية (٤).

стр. 167

وهذا هو الخشوع أي: حضور القلب بين يدي الله في الصلاة. قال ابن كثير ﵀: "والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين" (١). ١٢ - إسباغ الوضوء وعدم تحديث النفس بأمور الدنيا في الصلاة: عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢). ١٣ - ويشعر بقلبه عند تكبيرة الإحرام وفي بقية صلاته بأنه يناجي ربه، وأن الله قد نصب وجهه الكريم لوجه المصلي، فلا ينبغي له أن يلتفت عن ربه بلقبه ووجهه: وبوّب ابن خزيمة فقال ﵀: "باب الأمر بالخشوع في الصلاة، إذ المصلي يناجي ربه، والمناجي ربه يجب عليه أن يفرغ قلبه لمناجاة خالقه ، ولا يشغل قلبه التعلق بشيء من أمور الدنيا يشغله عن مناجاة خالقه" (٣).

стр. 168

ومن الأحاديث في ذلك: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» الحديث (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلًا كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟! أَلَا تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟! إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ، إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» (٢). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (٣). ومن حديث الحارث الأشعري ﵁ قال ﷺ : «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» الحديث (٤).

стр. 169

وقال ابن رجب معلقًا على هذه الأحاديث: "وكأن مقصود النبي ﷺ بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وأنه مناج له، وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي» (١) وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها. فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه" (٢). ١٤ - ويشعر في قلبه بأن الله يخاطبه في صلاته عند قراءته لسورة الفاتحة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ

стр. 170

الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي-، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١). فينبغي على المسلم أن يستعشر عظمة هذا الدعاء الذي يردده في كل يوم فقط في الفرائض سبع عشرة مرة، وهذا يشعر بعظيم أهمية الدعاء في حياة المسلم؛ بل هو من أعظم ما يدعو به في نهاره وليلته؛ لأن هذا الدعاء يتضمن سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، وكذلك سؤاله الثبات على الهداية إلى أن يلقى ربه، ويختم له بالحسنى. ولهذا لا يحسن للداعية بالأخص أن يغفل عن ذلك لكثرة تكراره لهذا الدعاء، بل ينبغى أن يكون حاضر القلب، يجاهد نفسه على ذلك؛ ليتحقق أثر هذا الدعاء العظيم عليه ثباتًا على الحق، وصبرًا على ما يلقاه في طريق دعوته. ١٥ - الطمأنينة في جميع الأركان والواجبات، وبالأخص إتمام الركوع والسجود: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ

стр. 171

حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (١). ١٦ - ويدرك بقلبه عظمة السجود بين يدي الله تعالى، وأنه من أعظم مقامات الصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد: قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (٢). وقال ﷺ : «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٣). ثانيًا: أثر الصلاة الخاشعة على القلب: ١ - راحة القلب. ٢ - نفور القلب من الفحشاء والمنكر. ٣ - الاستقرار وطمأنينة القلب. ٤ - تطهير القلب من الأمراض والآفات. المطلب الثاني: الزكاة وأثرها على القلب: إن لهذه الفريضة أثرًا على صلاح القلب، إذا قام بها العبد وفق أمر الله مخلصًا فيها لله رب العالمين، وتحققت شروط وجوبها.

стр. 172

أولًا: مكانة الزكاة: مما يدل على مكانة الزكاة وأثرها الكبير أن القرآن الكريم قرن بينها وبين الصلاة في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. ثانيًا: أثر الزكاة على القلب: ١ - تطهير القلب من الشح والبخل. ٢ - انشراح النفس وسعادة القلب.

стр. 173

المطلب الثالث: الصيام وأثره على القلب: الصيام عبادة عظيمة لها أثر كبير على حياة المسلم، ولذا افترضه الله على هذه الأمة لتحقيق هدف عظيم، وهو التقوى، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ومن فضائل الصوم: ما ورد عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» (١). وعَنْ سَهْلٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» (٢). والأدلة على فضل الصوم كثيرة. أما آثاره على القلب، فمنها ما يلي على سبيل الإجمال: ١ - حصول التقوى. ٢ - الإخلاص. ٣ - حصول الصبر.

стр. 174

٤ - مراقبة الله. ٥ - الورع. ٦ - مجاهدة النفس. ٧ - الرحمة والشفقة على الفقراء. المطلب الرابع: الحج وأثره على القلب: الحج مدرسة تربوية عظيمة، تجمع بين العبادة البدنية والمالية، ولها أثر كبير على صلاح القلب. فضل الحج: عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» (٢). والأحاديث في فضله كثيرة. أما أثره على القلب فأثره عظيم، ومن ذلك: ١ - أنه يثمر الصبر. ٢ - تعظيم شعائر الله التي تثمر تقوى القلوب. ٣ - تحقيق التوحيد في القلب وتطهيره من الشرك.

стр. 175

٤ - أنه يثمر محبة الله والخوف والرجاء. المطلب الخامس: الدعاء وأثره على القلب: ومما يدل على المكانة العظيمة للدعاء قول النبي ﷺ : «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (١). وأفاد الملا على القاري ﵀ في شرحه لهذا الحديث بأن الدعاء: "هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه، قائمًا بوجوب العبودية، معترفًا بحق الربوبية، عالمًا بنعمة الإيجاد، طالبًا لمدد الإمداد على وفق المراد وتوفيق الإسعاد" (٢). فضل الدعاء: قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ» (٣).

стр. 176

وكان من أكثر أدعية النبي ﷺ كما يقول أَنَس ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: فَقَالَ: «نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا». أما أثر الدعاء على صلاح القلب فأثره عظيم، ومن ذلك: ١ - الشعور بمعية الله له وقربه منه. ٢ - قوة القلب وثباته وشجاعته. ٣ - صلاح القلب وثباته على الحق. المطلب السادس: التقرب إلى الله بالنوافل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» الحديث. وإذا تقرب المسلم إلى الله بالنوافل بعد الفرائض أصلح الله له قلبه، ومن ثم صلحت جوارحه وانقادت لأمر الله، ودونك طرفًا من هذه النوافل:

стр. 177

الفرع الأول: طلب العلم النافع: العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ هو العلم الشرعي النافع الذي يحيي الله به القلوب كما تحيا الأرض بوابل القطر، وفي المقابل الجهل بذلك تموت به القلوب، فإذا هي دار خراب، قد عششت فيها الشياطين، وتمكنت منها الفتن. وقال ابن حجر ﵀ في معنى العلم: "والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه" (١). وذكر ابن القيم ﵀ جهات تفضيل العلم على غيره، وأن الحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام، بل فوق الحاجة إلى النَفَس، فقال: "إن فضيلة الشيء وشرفه يظهر تارة من عموم منفعته، وتارة من شدة الحاجة إليه وعدم الاستغناء عنه، وتارة من ظهور النقص والشر بفقده، وتارة من حصول اللذة والسرور والبهجة بوجوده لكونه محبوبًا ملائمًا، فإدراكه يعقب غاية اللذة، وتارة من كمال الثمرة المترتبة عليه وشرف علته الغائية وإفضائه إلى أجل المطالب، وهذه الوجوه ونحوها تنشأ وتظهر من متعلقه، فإذا كان في نفسه كمالًا وشرفًا بقطع النظر عن متعلقاته جمع جهات الشرف والفضل في نفسه ومتعلقاته، ومعلوم أن هذه الجهات بأسرها حاصلة للعلم، فإنه أعم شيء نفعًا، وأكثره وأدومه، والحاجة إليه فوق الحاجة إلى الغذاء، بل فوق الحاجة إلى التنفس؛ إذ غاية ما يتصور من فقدهما فقد حياة الجسم، وأما فقد العلم ففيه فقد حياة القلب والروح، فلا غنى للعبد عنه طرفة عين، ولهذا إذا فُقِدَ من الشخص كان شرًّا من الحمير، بل كان شرًّا من الدواب عند الله، ولا شيء أنقص منه حينئذ. وأما حصول اللذة والبهجة بوجوده؛ فلأنه كمال في نفسه وهو ملائم غاية الملاءمة للنفوس؛ فإن الجهل مرض ونقص، وهو في غاية الإيذاء والإيلام للنفس، ومن

стр. 178

لم يشعر بهذه الملاءمة والمنافرة فهو لفقد حسه وموت نفسه" (١). وذكر ﵀ في المقابل أثر الجهل على قلب العبد وروحه، فقال: "فإن الجاهل ميت القلب والروح وإن كان حي البدن، فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. وشبههم في موت قلوبهم بأهل القبور، فإنهم قد ماتت أرواحهم، وصارت أجسامهم قبورًا لها، فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور، كذلك لا يسمع هؤلاء، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة وملزومهما، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان، ولم تتحرك له: كانت ميتة حقيقة، وليس هذا تشبيهًا لموتها بموت البدن، بل ذلك موت القلب والروح. وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد من كلام لقمان، أنه قال لابنه: (يا بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل القطر) (٢) " (٣).

стр. 179

الفرع الثاني: قيام الليل: ومن العبادات التي لها أثر كبير على صلاح القلب القيام بين يدي الله في الليل: قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧]. وقال تعالى عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨]. وقيام الليل من الأعمال التي تعين الداعية على القيام بدعوته خير قيام؛ ولهذا فرضه الله على رسوله وعلى الأمة في أول الأمر، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٦]، ثم نسخت فرضيته عن الأمة بآخر سورة المزمل، وبقي مستحبًّا في حقِّها، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الآية [المزمل: ٢٠] (١). وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ» (٢).

стр. 180

الفرع الثالث: تلاوة القرآن الكريم بالتدبر: لتلاوة القرآن الكريم وتدبره أثر على صلاح القلب، وحياته، ونوره، وطمأنينته، وزيادة الإيمان فيه، وهو زاد للداعية يعينه على القيام بمهمته خير قيام، فيجد فيه سلوته في الاطلاع على سير الأنبياء، ويجد فيه أسباب سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وذكر الله كما مر سابقًا (١) يقصد به ذكر العبد ربه، والقرآن الكريم تلاوة وتدبرًا، ولا شك أنه أعلى ما يُذكر الله به، وبه تطمئن القلوب، ويزول عنها الشك والريب. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والقرآن العظيم أعظم نور يهتدي به المؤمن إلى الصراط المستقيم، ويثبت به عليه، وبه يسلم من الحيرة والشكوك وظلمات الجهل والهوى، وكلما فتح له في تدبره وجد أثر ذلك في قلبه ثباتًا وصدقًا، ووضوحًا في المنهج الحق، وذلك بعض بركة تدبره. قال تعالى عن في وصف المؤمنين الذين أقبلوا بقلوبهم على تدبره: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
следующие страницы →