стр. 106
← Ракаик, адаб, азкар следующие страницы →
Ракаик, адаб, азкар · id 978
أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة
إبراهيم بن حسن الحضريتي
Полный текст (777 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 107
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
استدل الإمام الآجُرِّيُّ (١) ﵀ بهذه الآية على فرضية الإيمان باللسان (٢).
ولكن هذا القول باللسان يستلزم أن يكون القلب متواطئًا مع اللسان ليترتب عليه الثواب والجزاء؛ لأن نطق اللسان بدون اعتقاد القلب نفاقٌ وكفر، وقول اللسان الخالي من عمل القلب عديم الفائدة قليل النفع، وإن العبد يؤجر عليه إذا كان خيرًا ومعه أصل الإيمان، ولكن الفرق كبير بين قول مجرد وقول حضر معه القلب (٣)، والله أعلم.
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
استدل الإمام ابن بطة (٤) ﵀ بهذه الآية على عمل القلب فقال: "وقال:
стр. 108
﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فذلك ما فرضه على القلب من الإقرار والمعرفة والتصديق، وهو رأس الإيمان وهو عمله، وفرض على اللسان القول والتعبير عن القلب، وما عقد عليه وأقر به" (١).
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢]، وذكر الله ذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
وذكر الإمام الآجري كلامًا متينًا معلّقًا على هذه الآيات الكثيرة التي جمعت بين الإيمان والعمل، فقال ﵀: "اعلموا -رحمنا الله وإياكم يا أهل القرآن، ويا أهل العلم، ويا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله تعالى في الدين بعلم الحلال والحرام- أنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله تعالى؛ علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار، إلا الإيمان والعمل الصالح، وقرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي قد وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقًا بقلبه، وناطقًا بلسانه، وعاملًا بجوارحه.
لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجده كما ذكرت، واعلموا -رحمنا الله تعالى وإياكم- أني قد تصفَّحت القرآن، فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله (٢)، أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفَّقهم له من الإيمان به والعمل الصالح" (٣).
стр. 109
الدليل الخامس: قَالَ أَبَو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» (١).
قال الآجري ﵀ في تعليقه على هذا الحديث: "فهذا الإيمان باللسان نطقا فرضًا واجبًا، وأما الإيمان بما فرض على الجوارح تصديقًا بما آمن به القلب ونطق به اللسان فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ إلى قوله: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، في غير موضع من القرآن" (٢).
والأدلة في إثبات أن الإيمان قول وعمل كثيرة جدًّا، وليس من مقصود الدراسة التفصيل في ذلك (٣).
المسألة الثانية: أقوال السلف في أن الإيمان قول وعمل:
يقول الإمام البخاري ﵀: "كتبتُ عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال: الإيمان قول" (٤).
وقد نقل الحافظ ابن عبد البر (٥) ﵀ الإجماع على ذلك، فقال: "أجمع أهل
стр. 110
стр. 111
أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" (١).
ومنهم من يقول: الإيمان قول وعمل ونية.
قال الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" (٢).
ومنهم من يقول: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٣).
وهذه العبارات معناها عند السلف واحد، فهي تدل على حقيقة الإيمان وماهيّته الظاهرة والباطنة (٤).
وذكر شيخ الإسلام ﵀ تنوع أقوال السلف في تفسير الإيمان، وقال: إنها كلها صحيحة (٥).
ثم ذكر خلاصة مهمَّة في سبب ذلك التنوع، وبين أن المقصود منها الرد على
стр. 112
المرجئة، فيقول ﵀: "والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة؛ فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله إلا باتباع السنة. وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه أربعة أقسام، فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري (١) عن الإيمان: ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة (٢) " (٣).
المسألة الثالثة: مسمَّى الإيمان عند السلف يشمل أربعة أمور (٤):
قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، وعلى هذا بنى السلف
стр. 113
معتقدهم في أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهو عندهم يشمل ما يلي:
الأول: قول القلب، قال عنه شيخ الإسلام: "فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ " (١).
الثاني: عمل القلب، يشمل: "حب الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة للمعلول" (٢).
الثالث: قول اللسان ويندرج فيه عمله، يشمل: "النطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله والإقرار بلوازمها" (٣). والعمل الذي يكون به من تلاوة، وذكر، ودعاء، واستغفار، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ودعوة إلى الله ونحو ذلك.
الرابع: عمل الجوارح، يشمل: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد في سبيل الله ونحو ذلك.
المسألة الرابعة: الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه:
ومن الأمور التي تدل على تأثير عمل القلب مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فكلما قوي عمل القلب زاد الإيمان، وإذا ضعف عمل القلب نقص الإيمان، ولا ينفي هذا أثر أعمال الجوارح في زيادة الإيمان ونقصانه؛ لارتباط الظاهر بالباطن.
ولقد توافرت الأدلة على إثبات زيادة الإيمان ونقصانه، ومنها:
стр. 114
الدليل الأول: قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وفي الآية إثبات صريح أن المؤمنين إذا تُلِيت عليهم آيات الكتاب العزيز زاد إيمانهم، وذلك بسبب -كما قال السعدي ﵀: "أنهم يلقون له السمع، ويحضرون قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبيِّن لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكَّرون ما كانوا نَسوه، أو يُحدِث في قلوبهم رغبةً في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان" (١).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
قيل للإمام سفيان بن عيينة (٢) ﵀: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: "أليس تقرءون القرآن: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ في غير موضع؟!، قيل: ينقص؟ قال: "ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص" (٣).
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
قال العلامة السعدي ﵀: "وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه، كما
стр. 115
قاله السلف الصالح" (١).
الدليل الرابع: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخدري ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (٢).
دل الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص من جهة كونه فيه تفاضل بين ما هو أقوى وأضعف، فالدرجة الأولى من إنكار المنكر تدل على زيادة الإيمان، وتليها الثانية، والدرجة الثالثة تدل على ضعف الإيمان ونقصه، والله أعلم.
الدليل الخامس: حديث الشفاعة الطويل، وفيه قوله ﷺ : "فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ -أَوْ: خَرْدَلَةٍ- مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ" (٣).
стр. 116
وقال الإمام النووي ﵀ في شرحه على مسلم: "وقوله ﷺ : «أدنى أدنى أدنى» هكذا هو في الأصول مكرر ثلاث مرات، وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة" (١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص" (٢).
وقد أجمع أئمة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص (٣).
стр. 117
المبحث الثاني:
مجمل قول المخالفين لأهل السنة والجماعة في أعمال القلوب
الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في مسألة مسمى الإيمان وإدخال أعمال القلوب فيه أو عدم إدخالها ينقسمون إلى عدة أقسام، من أبرزها:
أولًا: الخوارج (١) والمعتزلة (٢):
يرون أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ولكنهم يخالفون أهل السنة بكونهم يرون أن الإيمان شيء واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، وعلى هذا فإذا ذهب بعضه ذهب كله، فهو لا يزيد ولا ينقص (٣).
стр. 118
стр. 119
أعمال الجوارح غير داخلة فيه، ولا يزيد ولا ينقص (١).
قال شيخ الإسلام عن قول الأشاعرة في الإيمان: "وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة، وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري وعليه أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأمثالهما، ولهذا عدَّهم أهل المقالات من المرجئة، والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: إن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه" (٢) (٣).
وقد استقر المذهب الأشعري على رأي الجهمية في هذه المسألة (٤)، وعليه جمهور الماتريدية (٥) أيضًا.
٣ - الكرامية (٦): يرون أن الإيمان هو القول باللسان فقط، وأخرجوا منه
стр. 120
стр. 121
الكبير بأعمال القلوب، وتسميتها أحوالًا ومقامات وتفصيل دقائقها، ولكنهم ضلوا عن المنهج القويم في فهم هذه الأعمال بسبب بعدهم عن الكتاب والسنة وفهم السلف، وبسبب كذلك تأثرهم بصوفية الهند واليونان وقعوا في خلل عظيم في أعمال القلوب.
وهذه شواهد على هذه الانحرافات من كتاب ظاهرة الأرجاء: "فمن ذلك ضلالهم في الرضا -الجامع للانقياد والقبول- فقد خرجوا فيه عما كان عليه السلف إلى معنى فلسفي وثنيٍّ، هو الرضا المطلق بكل ما في الوجود لأنه من إرادة الله وقدره، حتى اعتقدوا وجوب الرضا بالكفر والفسوق والعصيان، ووقعوا في الجبر المحض تحت ستار ما أسموه شهادة الحقيقة الكونية والاستبصار بسر الله في القدر (١).
وضلوا في الرجاء والمحبة: حيث افتعلوا بينهما تناقضًا، فاحتقروا الرجاء واعتبروه أضعف مقامات المريدين، وغلوا في المحبة حتى أسقطوا ما يقابلها من الخوف، وجعلوا
стр. 122
همهم -بزعمهم- عبادة الله لذاته، لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره، وجعلوا ذروة المحبة الفناء (١) في المحبوب؛ ولهذا قال فيهم السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق (٢). وأفضى بهم هذا إلى احتقار الجنة والنار، واحتقار مقام الأنبياء، بل اعتقاد الحلول (٣) والوحدة (٤) عياذًا بالله.
ومن الناحية العملية وضعوا قاعدة: (المحبة نار في القلب تحرق ما سوى المحبوب)، واتخذوها ذريعة للتنصل من التعبدات التي تشغلهم عن المحبوب -بزعمهم- كالاشتغال بجهاد أعدائه وتعلم دينه وتعليمه ونشر دعوته بين العالمين.
وضلوا في التوكل فجعلوه سلبية مطلقة، وتواكلًا رخيصًا، وتسولًا للمعطين، وتعمدًا لإلحاق الضرر بالنفس، وتركًا للأسباب المشروعة، بل تركًا لأعظم التعبدات
стр. 123
كالدعاء مثلًا، فأسقطوا به وبالمحبة من أعمال القلوب الشيء الكثير، فضلًا على أنهم غفلوا عن أعظم درجات التوكل، وهو التوكل على الله في إقامة دينه، والجهاد في سبيله، ومقاومة الكفر والفساد كما هو توكل الأنبياء.
وضلوا في الزهد فأخرجوه من عمل قلبي إيجابي إلى مظهر سلبي، حتى إنهم حرموا به طلب العلم؛ لأن ذلك كما قالوا يؤدي إلى تقدير الناس للعالم، وهذا -بزعمهم- ينافي الزهد، وعبّدوا الأمة للفقر وبه، وحتى سموا أنفسهم الفقراء، وسموا الله تعالى الفقر" (١).
стр. 124
المبحث الثالث:
مجمل الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة في أعمال القلوب
يذكر شيخ الإسلام عليه رحمة الله أن سبب ضلال هذه الفرق هو تنكُّبها للحق وعدم أخذه من مصدريه الكتاب والسنة، والبعد عن منهج السلف الصالح ﵏، فيقول عن هذه الفرق التي ضلت: "وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم، وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس (١).
ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم؛ وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم .. يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي ﷺ وأصحابه .. وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل" (٢).
ومجمل الرد على فرق المرجئة في إخراجهم للأعمال من مسمى الإيمان في النقاط الآتية:
стр. 125
أولًا: قولهم: إن الإيمان هو ما في القلب من المعرفة والتصديق فقط دون الأعمال:
ويرد عليهم بأن هذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بأن الإيمان اعتقاد القلب وعمله، وقول باللسان، وعمل بالجوارح (١).
وقد مرت الأدلة في أول المبحث على إثبات ذلك وذكر إجماع الأمة عليه (٢)، وهذه الأدلة الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي حفلت بها دواوين السنة، وكذلك أقوال السلف ﵏ في الرد على هذه الشبهة، بعض ذلك يكفي من يريد الحق في بطلان هذا القول، فكيف وقد اجتمع هذا الحشد من الأدلة وأقوال السلف في فهمها وإجماعهم على ذلك؟! قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].
ثانيًا: وهؤلاء جميعًا (٣) وقعوا في الانحراف في مسمى الإيمان بسبب شبهة اشتركوا فيها جميعًا، وهي أن الإيمان شيء واحد لا يتبعّض ولا يتجزأ، إما يبقى كله أو يذهب كله، وأنه لا يمكن أن يجتمع في الإنسان إيمان وكفر (٤).
قال شيخ الإسلام في بيان سبب نزاع هذه الفرق والرد عليها: "وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (٥) " (٦).
стр. 126
والرد أيضًا على هذه الشبهة بقول إمامين عظيمين من أئمة السنة:
الرد الأول: بعث الإمام أحمد ﵀ بجواب إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني (١) بخراسان فيه ردود على المرجئة، ومن ضمن الردود: "وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج إلى أن يكون مصدقًا بما أقر، وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرًّا ومصدقًا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء، فإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال عظيمًا، فكذلك العمل مع هذه الأشياء" (٢).
الرد الثاني: قال الإمام أبو ثور (٣) ﵀ في رده على المرجئة في تفنيد شبهة أن الإيمان لا يتجزأ: "فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ما أراد الله من العباد إذ قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] إلا إقرارًا بذلك، أو الإقرار والعمل؟
стр. 127
فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت عند أهل العلم، من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟
فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل.
قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعًا لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعًا؟!
أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به، أيكون مؤمنًا؟
فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئًا أيكون مؤمنًا؟
فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنًا، لا فرق بين ذلك" (١).
وعلق شيخ الإسلام على كلام الإمامين بقوله: "قلت: أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه؛ فلا يكون إلا شيئًا واحدًا، فلا يكون ذا عدد: اثنين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه، بل لا يكون إلا شيئًا واحدًا؛ ولهذا قالت الجهمية: إنه شيء واحد في القلب، وقالت الكرامية: إنه شيء واحد على اللسان، كل ذلك فرارًا من تبعض الإيمان وتعدده، فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئًا واحدًا كما قلتم" (٢).
стр. 128
ثالثًا: وقال المخالفون لأهل السنة والجماعة: إن الأعمال ليست داخلةً في مسمى الإيمان؛ لأن الله قد قرن في كتابه بين الإيمان والعمل بواو العطف في كثير من الآيات، وهذا يقتضي المغايرة (١).
والرد على هذه الشبهة أن هذا العطف لا يقتضي المغايرة؛ لأنه من باب عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فهذا العطف في هاتين الآيتين لا يقتضي المغايرة، فجبريل وميكائيل من الملائكة، والصلاة الوسطى من الصلوات، وإذا تقرر هذا فعطف العمل على الإيمان لا يقتضي المغايرة، بل هو كما قال شيخ الإسلام: "وحيث عطفت عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يُكتَفَى بإيمان القلب، بل لا بد معه من الأعمال الصالحة" (٢).
ولأن الدراسة لا تقتضي التوسع في هذه الردود، فيكفي ما سبق.
стр. 129
الفصل الثالث:
أسباب صلاح القلب
المبحث الأول: الأسس العقدية لصلاح أعمال القلوب.
المبحث الثاني: الأسس التعبدية لصلاح أعمال القلوب.
стр. 130
توطئة:
الداعية إلى الله تعالى كما أنه يعتني بأعمال القلب، ويجتهد في تحقيقها، ويحاسب نفسه على ذلك، فهو أحرص ما يكون على أسباب صلاح قلبه، وذلك من خلال رسوخ الأسس العقدية لديه من التوحيد لله رب العالمين لا شريك له، إلى أركان الإيمان وأسسه العظيمة، ومباني الإسلام العالية، مع المسارعة والمسابقة بالتقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل، وذلك وفق العناصر الآتية:
стр. 131
المبحث الأول:
الأسس العقدية لصلاح أعمال القلوب
المطلب الأول: التوحيد.
المطلب الثاني: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل.
المطلب الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.
المطلب الرابع: الإيمان باليوم الآخر.
стр. 132
المبحث الأول
الأسس العقدية لصلاح أعمال القلوب
لا شكَّ أن الأسس العقدية لصلاح القلب هي من أهم ما ينبغي الاجتهاد فيه، والحرص عليه، فلن تصلح أعمال القلب إلا إذا بنيت على عقيدة صحيحة سليمة من شوائب الشرك، بني فيها الاعتقاد بأركانه الستة على اليقين والإيمان بالغيب، توحيد سلم من الشرك وشوائبه، وإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر وبالقضاء والقدر، كل ذلك وفق معتقد السلف أهل السنة والجماعة، وهذه إشارات إلى ذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول: التوحيد:
أولًا: تعريفه:
التوحيد لغة: من وحّد يوحّد توحيدًا، والتوحيد الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد ذو الوحدانية، وقال ابن فارس (١): "الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد" (٢).
والتوحيد شرعًا: عرفه الشيخ ابن عثيمين فقال ﵀: "إفراد الله بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات" (٣).
стр. 133
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١) ﵀: "وسمي دين الإسلام توحيدًا؛ لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين الذين جاؤوا به من عند الله، وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر" (٢).
وعرفه الشيخ صالح آل الشيخ (٣) حفظه الله بقوله: "التوحيد هو: اعتقاد أن الله جل وعلا واحد في ربوبيته لا شريك له، واحد في إلهيته لا ند له، واحد في أسمائه وصفاته لا مِثْل له ، قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وذلك يشمل أنواع التوحيد جميعًا، فالتوحيد إذن: هو اعتقاد أن الله
стр. 134
واحد في هذه الثلاثة أشياء" (١).
وقال ابن رجب ﵀ بعد أن بيّن حقيقة التوحيد وذكر أنه: " معنى قول: لا إله إلا الله، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له، ولو كان في السماوات والأرض إله يؤله سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] " (٢).
ثانيًا: أقسامه: ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وهي:
الأول: توحيد الألوهية:
• معناه:
الألوهية من أله يأله ألوهة فهو مألوه أي: معبود، يقول ابن فارس: "الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد. فالإله الله تعالى" (٣)، وأصله إله على فِعَال بمعنى: مفعول؛ لأنه مألوه أي: معبود، ويقال: تأله الرجل: إذا تعبد (٤).
ومعنى توحيد الألوهية في الشرع: عرفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله: "هو إفراد الله بالعبادة" (٥).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٦) ﵀: "هو إفراد الله تعالى بأنواع العبادة
стр. 135
الباطنة والظاهرة" (١).
• الأدلة عليه:
وهذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو موضع النزاع بين الأنبياء وأممهم، وهذه بعض الأدلة عليه:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقالها صالح وهود وشعيب وكل نبي لقومه.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
ومن السنة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ
стр. 136
وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (١)، وفسر في الرواية الثانية عبادة الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ … » الحديث (٢).
وفي الرواية الثالثة: أن يوحدوا الله، عن ابْن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى … » الحديث (٣).
قال ابن القيم ﵀: "ولهذا كان الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٤)، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد أول الأمر وآخره" (٥).
стр. 137
الثاني: توحيد الربوبية:
• معناه:
الربوبية من الرب، والرب في اللغة: يطلق على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم، فرب كل شيء: مالكه، والربُّ: اسم من أسماء الله ، ولا يقال في غيره إلا على سبيل الإضافة (١).
وعرف العلماء توحيد الربوبية في الاصطلاح بعدة تعريفات، منها:
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "هو: الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك" (٢).
وقال ابن سعدي ﵀: "بأن يعتقد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وربى خواص خلقه -وهم الأنبياء وأتباعهم- بالعقائد الصحيحة والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة والأعمال الصالحة، وهذه هي التربية النافعة للقلوب والأرواح المثمرة لسعادة الدارين" (٣).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: "فأما توحيد الربوبية: فمعناه توحيد الله بأفعاله. وأفعال الله كثيرة، منها: الخلق، والرِّزْق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الملك، والنفع، والضُّر، والشفاء، والإجارة كما قال تعالى في التنزيل: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وإجابة دعوة المضطر، وإجابة دعوة
стр. 138
الداعي، ونحو ذلك من أفراد الربوبية، فالمتفرد بذلك على الكمال هو الله جل وعلا، فتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله سبحانه" (١).
• الأدلة عليه:
قال تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
الثالث: توحيد الأسماء والصفات:
• معناه:
عرفه شيخ الإسلام ﵀ بقوله: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف وتعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. فلا يجوز نفي صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين؛ بل هو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" (٢).
وقال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث" (٣).
وقال ابن سعدي ﵀: "وهو اعتقاد انفراد الرب ﷻ بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلالة والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه
стр. 139
من الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب، وعن كل ما ينافي كماله" (١).
• الأدلة عليه:
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
والآيات في ذلك كثيرة.
ثالثًا: أثر التوحيد على القلب (٢):
للتوحيد أثر عظيم على القلوب، فكلما قوي توحيد العبد أثمر في قلبه ثمرات جليلة، وعاد ذلك عليه وعلى دعوته بآثار مباركة عظيمة، ومن ذلك:
١ - يقول ابن القيم ﵀: "فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى، بل يفرد الله بالمخافة،
стр. 140
وقد أمَّنه منه، وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره، فيرى أن إعمالَه فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا (١)، فإن كان مؤمنًا فالله يدافع عنه ولا بد، وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه" (٢).
٢ - التوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، وعلى حسب قوته وكماله يكون انشراح صدر صاحبه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه، ومنها: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج، وصار في أضيق سجن وأصعبه (٣).
٣ - يحصل لصاحب التوحيد الهدى والكمال والأمن التّامّ في الدّنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. قال ابن كثير ﵀ "أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله
стр. 141
وحده لا شريك، له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة" (١)، فبالتوحيد يحصل الأمن والاهتداء التام في الدنيا والآخرة، وبالشرك تصرف الهداية عن العبد، ويذهب الأمن ويحصل الخلل فيه في الدنيا وفي الآخرة.
٤ - التوحيد مع اعتراف العبد بظلمه وذنبه من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله في قضاء الحوائج، ولذا جاء عن النبي ﷺ في دعوة ذي النون قوله: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (٢).
يقول ابن القيم ﵀: "وأما دعوة ذي النون فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج" (٣).
المطلب الثاني: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل:
معناه:
الإيمان الجازم الذي لا شك فيه بالملائكة والكتب والرسل من حيث الإجمال والتفصيل.
стр. 142
قال الشيخ ابن باز (١) ﵀ في بيان معتقد أهل السنة والجماعة في الملائكة والكتب والرسل: "وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم، كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة (٢).
وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» خرجه مسلم في صحيحه (٣).
وهكذا الإيمان بالكتب، يجب الإيمان إجمالًا بأن الله أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
стр. 143
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن؛ والقرآن هو أفضلها وخاتمتها، وهو المهيمن عليها والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله ﷺ ؛ لأن الله بعث رسوله محمدًا ﷺ رسولًا إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور وتبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]، وقال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهكذا الرسل، يجب الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فنؤمن أن الله أرسل إلى عباده رسلًا منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق، فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله ﷺ تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين، كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم، صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم" (١).
стр. 144
أثر الإيمان بالملائكة والكتب والنبيين على القلب (٢):
١ - من آثار الإيمان بالملائكة على القلب:
أولًا: العلم بعظمة خالقهم ﵎ وقوته وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.
ثانيًا: زيادة حب الله وشكره تعالى على عنايته بعباده، حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.
ثالثًا: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى على الوجه الأكمل، واستغفارهم للمؤمنين.
رابعًا: أن تتطهر عقيدة المسلم من شوائب الشرك وأدرانه؛ لأن المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بهذه الأعمال العظيمة تخلص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهمية تسهم في تسيير الكون.
خامسًا: أن يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم.
سادسًا: ومن آثار الإيمان بالملائكة على القلب: أن الله جعلهم من أسباب ثبات المؤمن في مواجهة أعداء الإسلام، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].
стр. 145
٢ - من آثار الإيمان بالكتب والرسل على القلب:
أولًا: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه، حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم به، ورسلًا يهدونهم ويرشدونهم.
ثانيًا: ظهور حكمة الله تعالى، حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسبها، وكان خاتم هذه الكتب القرآن العظيم مناسبًا لجميع الخلق في كل عصر ومكان إلى يوم القيامة.
ثالثًا: زيادة حب الله وشكر نعمته تعالى على ذلك.
المطلب الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر:
معناه:
معنى القضاء لغة:
القاف والضاد والحرف المعتل يدل على إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه لجهته.
والقضاء: الحكم، ولذلك سمي القاضي قاضيًا؛ لأنه يحكم الأحكام وينفذها. وسميت المنية قضاءً؛ لأنها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق (١).
تعريف القدر لغة:
القاف والدال والراء يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، فالقدر: مبلغ كل شيء، يقال: قدره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القدر.
وقدرت الشيء أقدره وأقدره من التقدير، وقدرته أقدره.
والقدر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القدر أيضًا، وهو ما يقدره الله من القضاء، ويأتي بمعنى القدرة والتقدير (٢).