← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١ - الأمر بها ورد في كثير من الآيات، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ٢ - ذكر صفات أهلها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. ٣ - ذكر الأسباب الموصلة إليها، ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].

стр. 247

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ٤ - ذكر فوائد التقوى وثمراتها في الدنيا والآخرة، وهي كثيرة جدًّا في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤]. وغير ذلك من الأحوال والأوجه الكثيرة التي ذكرها الله في كتابه عن التقوى والمتقين.

стр. 248

ومن السنة: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ النَّارَ فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (١). وعن أبي أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» (٢). وهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على مكانة التقوى العظيمة، وأنها من أعظم أعمال القلوب كما قال ﷺ : «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّات. ثالثًا: أقوال العلماء في التقوى: قال ابن عباس ﵄: "المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به" (٣). وقال ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: "أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر" (٤). وقال أبو هريرة ﵁ وقد وسأل سائل عن التقوى: "هل أخذت طريقًا ذا

стр. 249

شوك؟ "، قال: نعم، قال: "فكيف صنعت؟ "، قال: إذا رأيتُ الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: "ذاك التقوى" (١). وقال الحسن عليه رحمة الله: "المتقون اتَّقَوا ما حرم الله عليهم، وأدوا ما افترض عليهم" (٢). وقال عمر بن عبد العزيز (٣) ﵀: "ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير" (٤). وقال ميمون بن مهران (٥) ﵀: "المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه" (٦).

стр. 250

المبحث العاشر: الورع: أولًا: التعريف: الورع في اللغة: يطلق على الكف والانقباض، ومنه العفة وهي الكف عما لا ينبغي، ويطلق على التأثم والتحرج، وتورع من كذا أي تحرج، والوَرِعُ بِكَسْرِ الرَّاءِ: الرجل التقي المتحرج (١). الورع في الاصطلاح: قال عنه شيخ الإسلام: "وأما الورع فإنه الامساك عما قد يضر، فتدخل فيه المحرمات والشبهات؛ لأنها قد تضر، فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه" (٢). وقال ابن القيم في معناه: "يعني أن يتوقى الحرام والشبه، وما يخاف أن يضره أقصى ما يمكنه من التوقي" (٣). وقال الجرجاني: "الورع هو: اجتناب الشبهات خوفًا من الوقوع في المحرمات" (٤). ثانيًا: الورع في السنة: ورد الورع في نصوص السنة، ومن ذلك:

стр. 251

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١). قال الخطابي ﵀: "هذا الحديث أصل في الورع وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبهة والريب" (٢). وعَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ» (٣). ودل الحديث على مكانة الورع، وأنه خير الدين، فعلى الداعية الموفق الحرص على هذا العمل القلبي العظيم والتخلق به، فإنه من الصفات العظيمة التي لها أثر في نجاح الداعية في دعوته. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 252

الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]»، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ: «يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» (١). قال ابن رجب ﵀: "ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله" (٢). وهذا أعظم الورع الذي يثمر التوفيق للداعية في دعوته، وما قد يحصل من خلل في الدعوة وقصور، إذا فتشت وجدته من قبل عدم التورع عن المطعم أو المشرب أو الملبس أو المركب أو المال المشتبه فيه. وعَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْديِّ (٣) قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْهُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٤). وعلق ابن رجب على هذا الحديث فقال: "وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى" (٥). وهذا الحديث قاعدة عظيمة في الورع.

стр. 253

ثالثًا: أقوال العلماء في الورع: عن عمر ﵁ قال: "بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح" (١). وقال ﵁: "أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله " (٢). وقال حسان بن أبي سنان (٣) ﵀: "ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء فدعه" (٤). وعلق ابن رجب ﵀ على مقولة حسان فقال: "وهذا إنما يسهل على مثل حسان ﵀" (٥). وقال الشافعي ﵀: "أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف" (٦). وعن الضحاك (٧) قال: "لقد رأيتنا وما يتعلم بعضنا من بعض، إلا الورع" (٨).

стр. 254

وعن الحسن البصري ﵀ قال: "أفضل العبادة التفكر والورع" (١). قال الفضيل بن عياض ﵀ عن الورع: "اجتناب المحارم" (٢). وقال الفضيل أيضًا: "أشد الورع في اللسان"، وأثر هذا عن عبد الله بن المبارك (٣) عليه رحمة الله (٤). وعن طاووس (٥) ﵀ قال: "مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا شيء سماه، وثمرها الورع لا خير في شجرة، لا ثمر لها، ولا خير في إنسان، لا ورع له" (٦).

стр. 255

الفصل الثاني: أمثلة وتطبيقات على بعض دعاة علماء السلف وأثر عمل القلب عليهم وعلى دعوتهم. المبحث الأول: مواقف من حياة الإمام أحمد عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته. المبحث الثاني: مواقف من حياة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته. المبحث الثالث: مواقف من حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته.

стр. 256

توطئة: رأيت في الجانب العملي التطبيقي لأثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة أن يكون على ثلاث شخصيات من عصور مختلفة، وهم يمثلون نموذجًا من ذلك الركب المبارك من علماء سلف هذه الأمة المباركة، وكان الاختيار على النحو الآتي: المبحث الأول: مواقف من حياة الإمام أحمد عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته. المبحث الثاني: مواقف من حياة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته. المبحث الثالث: مواقف من حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته. ونبدأ أولًا بالخصائص المشتركة بين هؤلاء الأئمة الثلاثة عليهم رحمة الله: وبهذا أردت أن أبتعد عن الطريقة التقليدية في عرض هذه الشخصيات، ويمكن أن يرجع لها في مصادرها المعروفة، ولكني أحببت أن أغوص بعمق -فيما أزعم- في كل من هذه الشخصيات لأخرج ببعض المقارنات العامة قبل البداية بالحديث عن كل شخصية بمفردها، وهذه سمات مشتركة -فيما ظهر لي- بين سير هؤلاء الأئمة، ولكثير منها شواهد ستأتي في أثناء المواقف المستخرجة من حياتهم. مع ملاحظة أن هذه السمات والخصائص قد تكون بارزة عند أحدهم أكثر من غيره، وقد يكون استفاد اللاحق من السابق وتأثر ببعض خصائصة وسماته، كما هو الحال في سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب، فقد تأثر كثيرًا بشخصيتين لهما أثر كبير في نشر عقيدة السلف والدفاع عنها، وهما شيخ الإسلام والحافظ ابن القيم عليهما رحمة الله، وقد تأثر ابن عبد الوهاب بمنهجية الشيخين في الدعوة إلى عقيدة السلف والدفاع عنها، وتربى عليها، وذلك واضح بين في دعوته وما كتبه من رسائل وكتب، ودونك هذه الخصائص والسمات المشتركة بين هؤلاء الأئمة.

стр. 257

الأول: التمكن العلمي المتين الرصين، ومن ثمراته المنهج العلمي المتسق الذي اتسم به هؤلاء الأئمة، وله ملامح من أبرزها: ١ - مهارة التأصيل في التعامل مع المقالات، والمذاهب، والردود، والنقد، والربط بالكتاب والسنة وأقوال السلف. ٢ - الاستقلال المعرفي .... ٣ - الاتزان في النقد. ٤ - الانفتاح على جميع معارف العصر، والأخذ منها وفق معايير دقيقة من أهمها سلامتها من مصادمة الشرع (١). الثاني: الهمة العالية، وتتجلى معالمها في طلب العلم، وكثرة العبادة، والجهاد في سبيل الله، والدعوة إليه، وتمثل قيم الإسلام وأخلاقه واقعًا عمليًّا، وسيأتي مزيد بيان لهذا في الجانب التطبيقي من حياتهم. الثالث: الاطلاع على العلوم المنتشرة في عصرهم التي يستعين بها أهل البدع والضلال لنشر باطلهم، مع هضمها بشكل كبير والقيام بغربلة دقيقة لها، ووضعها تحت مجهر الشرع وقبول النافع منها، ورد الضار وبيان عواره وتحذير الناس منه، مما أكسبهم قدرة كبيرة على النقد والحوار والمجادلة وهم على بينة من الأمر واضحة، مما يجعل الخصم يقر ويذعن إما ظاهرًا أو باطنًا. الرابع: النظرة الثاقبة واستشراف المستقبل وفق معايير سليمة تستضيء بنور الوحي؛ مما يكسب هذه النظرة بعدًا إستراتجيًّا عميقًا وفراسة لا تكاد تخطئ. الخامس: الصبر واليقين الذي أثمر العزيمة الصادقة التي لا تقف أمامها العوائق

стр. 258

حتى النصر والتمكين. السادس: القدرة الفكرية الهائلة في المحاربة على جميع الجبهات من دون كلل ولا ملل، مع ردود قوية عميقة على أعداء عقيدة أهل السنة والجماعة تقتلع مذاهبهم من جذورها. السابع: التمكن التام من القدرة على مجادلة الخصم ورد شبهه بطريقة علمية رصينة متينة. وبعد هذه المقارنة السريعة في الخصائص والسمات المشتركة بين هؤلاء الأئمة، أنتقل إلى جوانب عملية من حياة هؤلاء العلماء، يظهر فيها أثر أعمال القلوب في حياتهم ودعوتهم.

стр. 259

المبحث الأول: مواقف من حياة الإمام أحمد عليه رحمة الله يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم. الفرع الثاني: تعليمه العلم للناس وبذله لطالبه، وما تركه للأمة من مؤلفات. المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته: الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة. الفرع الثاني: تعلق القلب بالله وكثرة الذكر والعبادة. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام أحمد على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وعفوه عمن آذوه.

стр. 260

توطئة: حسن السمت من أخلاق الأنبياء والصالحين، يدل على كمال الإيمان، وله الأثر الكبير في قلوب الناس، وهو مدعاة لمحبة الناس للمتَّصف به، وإقبالهم عليه، وحسن الاقتداء به، وغالبًا ما يدل على صفاء القلب ونقاء السريرة، ويكسب المرء هيبة ووقارًا، ووجاهة ومنزلة في قلوب الخلق (١). ويعني حسن السمت: "حسن المظهر الخارجيّ للإنسان من طريقة الحديث والصّمت، والحركة والسّكون والدّخول والخروج والسّيرة العمليّة في النّاس، بحيث يستطيع من يراه أو يسمعه أن ينسبه لأهل الخير والصّلاح والدّيانة والفلاح" (٢). عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (٣). قال الخطابي ﵀ في معنى هذا الحديث: "يريد أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن الخصال المعدودة من خصالهم، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها، وليس معنى الحديث أن النبوة تتجزأ، ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوة مكتسبة ولا مجتلبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله سبحانه وخصوصية لمن أراد إكرامه بها من عباده، والله يعلم حيث يجعل رسالاته، وقد انقطعت النبوة بموت محمد ﷺ " (٤).

стр. 261

ويقول ابن الجوزي ﵀: "وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته" (١). إن النظر إلى سمت العالم وأدبه وأخلاقه مما يعين على الاقتداء والانتفاع بعلمه، وهو منهج سار عليه السلف، ودونك هذه المواقف: قال ابن الماجشون: "إن رؤية محمد بن المنكدر لتنفعني في ديني" (٢). وقال أبو زرعة الرازي: "سمعت أبا جعفر الجمال يقول: أتينا وكيعاً، فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به، فزعنا من النور الذي رأيناه يتلألأ من وجهه، فقال رجل بجنبي: أهذا ملك؟! فتعجبنا من ذلك النور" (٣). أما خبر الإمام أحمد ﵀ في هديه وسمته الحسن فأمره في ذلك عجب، ودونك شيئًا من خبره: يقول محمد بن مسلم ﵀: "كنا نهاب أن نردَّ أحمد بن حنبل في الشيء أو نحاجه في شيء من الأشياء، يعني لجلالته ولهيبة الإسلام الذي رزقه" (٤). ويروي ابن الجوزي (٥) ﵀ فيقول: "كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمس مائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب

стр. 262

وحسن السمت" (١). وربما البعض ممن يحضرون مجالس العلم هدفهم من ذلك رؤية هدي العالم وخُلُقِه كما يذكر ابن الجوزي عن أبي بكر بن المُطَّوِّعِيِّ (٢) يقول: "اختلفت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده، ما كتبت منه حديثًا واحدًا؛ إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه وآدابه" (٣). وكان الإمام ﵀ يشبه في هديه وسمته ودَلِّه (٤) الصحابيَّ الجليل ابن مسعود ﵁. قال حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي (٥): "يقال: لم يكن أحد من الصحابة أشبه هديًا وسمتًا ودلًّا من ابن مسعود بالنبي ﷺ ، وكان أشبه الناس به علقمة (٦)، وكان أشبه

стр. 263

الناس بعلقمة إبراهيم (١)، وكان أشبههم بإبراهيم منصور بن المعتمر (٢)، وأشبه الناس به سفيان الثوري (٣)، وأشبه الناس به وكيع (٤)، وأشبه الناس بوكيع -فيما قاله محمد بن يونس الجمال (٥) - أحمد بن حنبل" (٦). والنظر في حياة العالم ومواقفه لأخذ العظة والعبرة مطلب تربوي ملح، ولا شك ولا ريب أن للإمام أحمد ﵀ شخصية فذة فريدة، وقد جمع قدرًا وافرًا من مكامن القدوة في حياته، وفي هذا المطلب سيدور الحديث عن هذه الشخصية في أبرز

стр. 264

الملامح والمواقف التي لها علاقة بدعوة الإمام وأثر أعمال القلوب فيها، ألتمسها من بين السطور، وأقتنصها من المواقف، وأتأمل في مواطن العظات والعبر منها، وفق المحاور الآتية، وأسأل الله التوفيق والإعانة: المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم: لا شك أن من أعظم أسباب حصول العلم وبركته في حياة من يطلبه إخلاص النية لله تعالى في طلبه لوجه الله تعالى، وهناك أيضًا أعمال قلبية لها أثر عظيم في حصول العلم وبركته، وتوفيق الله للعبد فيه، منها: صدق النية مع الله تعالى، وكان للإمام أحمد ﵀ سهم وافر في هذا الأمر، وتعامل قلبي مع الله عظيم أثمر له الرفعة والمكانة العالية. قال أبو بكر المروذي (١): "سمعت رجلًا يقول لأبي عبد الله -وذكر له الصدق والإخلاص- فقال أبو عبد الله: بهذا ارتفع القوم" (٢). وبالإخلاص والصدق مع الله رفع الله الإمام أحمد حتى صار علمًا من أعلام الأمة، يضرب به المثل في الثبات على هذا الدين، ودونك هذا الموقف العظيم الذي يظهر من خلاله قوة العزيمة بسبب صدق النية مع الله تعالى، حيث يروي صالح (٣) ابن الإمام أحمد هذا الخبر فيقول عليه رحمة الله: "عزم أَبي على الخروج إلى مكة يقضي

стр. 265

حجة الإسلام، ورافق يحيى بن معين (١)، وقال له: نمضي إن شاءَ الله فنقضي حجنا، ثم نمضي إلى عبد الرزاق (٢) إلى صنعاء نسمع منه. قال أَبي: فدخلنا مكة وقمنا نطوف طواف الورود (٣)، فإذا عبد الرزاق في الطواف يطوف، وكان يحيى بن معين قد رآه وعرفه، فخرج عبد الرزاق لما قضى طوافه، فصلى خلف المقام ركعتين ثم جلس، فقضينا طوافنا وجئنا فصلينا خلف المقام ركعتين، فقام يحيى بن معين، فجاء إلى عبد الرزاق فسلم عليه، وقال له: هذا أَحمد بن حنبل أَخوك، فقال: حياه الله وثبَّته، فإنه يبلُغني عنه كُلُّ جميل. قال له يحيى: نجيء إليك غدًا -إن شاء الله- حتى نسمع ونكتب. قال: وقام عبد الرزاق فانصرف، فقال أبي ليحيى بن معين: لم أَخذت على الشيخ موعدًا؟ قال: لنسمع منه، قد أربحك الله مسيرةَ شهر ورجوع شهر والنفقة. فقال أَبي: ما كان الله يراني وقد نويتُ نيةً لي أفسدها بما تقول، نمضي فنسمع منه. فمضى حتى سمع منه بصنعاء" (٤). وهذه مواقف عظيمة لهذا الإمام العظيم، يظهر فيها حرصه على طلب العلم في كل مراحل حياته، فليس لديه زمن محدد ينتهي فيه طلب العلم، يطلبه في صغره وكبره الأمر سواء؛ لأن طلب العلم عبادة لا تتوقف بزمن معين، وهذه ثمرة من ثمرات

стр. 266

إخلاص النية لله تعالى، وإذا أخلص العبد لربه في طلب العلم وصدق معه، فتح الله عليه لذة العلم وحلاوته، فلا يشبع منه ولا يمل، ويستسهل الصعب من أجل الحصول عليه، وقال أحمد بن سنان الواسطي (١): "بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن، وأكرى نفسه من ناس من الحمالين عند خروجه، وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يقبلها منه" (٢) (٣)، ودونك أيضًا هذه الإشارات كما يرويها ابن الجوزي ﵀ في مناقبه: ١ - قال عبد الله بن أَحمد بن حنبل (٤): "سمعتُ أَبي يقول: كنتُ ربما أَردتُ البكور في الحديث، فتأخذ أُمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يُصبحوا. وكنت ربما بَكّرت إلى مجلس أبي بكر بن عياش (٥) وغيره" (٦).

стр. 267

٢ - ويقول صالح عن أبيه: "رأى رجل مع أَبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إِمام المسلمين! فقال: مع المحبرة إلى المقبرة" (١). ٣ - وقال عبد الله بن محمد البغَوي (٢): "سمعت أبا عبد اللَّه أَحمد بن حنبل يقول: أَنا أَطلب العلم إلى أن أَدخل القبر" (٣). ٤ - وقال محمد بن إسماعيل الصايغ (٤): "كنت أَصوغ مع أَبي ببغداد، فمر بنا أَحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يده، فأَخذ أَبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد اللَّه، أَلا تستحي؟! إِلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان؟! قال: إلى الموت" (٥). الفرع الثاني: تعليمه العلم للناس وبذله لطالبه، وما تركه للأمة من مؤلفات: تعليم الناس العلم وبذله لطالبه صفة نبيلة عالية المقام عند الله تعالى، وهي من صفات الأنبياء، ومن اقتدى بهم من الدعاة المصلحين. والأنبياء لم يتركوا شيئًا من الدنيا لأتباعهم إلا هذا العلم الذي بذلوه لهم، وهكذا من سار على دربهم. ومن آثار عمل القلب -من صدق العالم وإخلاصه- توفيق الله له لتعليم الناس ونشر علمه بينهم، وقد أظهر الله لهذه الأمة علماء تستنير بهم الأرض كما تستنير

стр. 268

بضوء القمر بدرًا، فيبدد الله بهم ظلام الجهل، ويكشف عوار البدع، ويحيي بهم معالم السنة، وقد كان الإمام أحمد ﵀ أحد هذه البدور الساطعة التي أضاءَت للأمة دربها، حينما كادت تعصف بها رياح البدع والأهواء، فيقول ﵀ عن صفة هؤلاء العلماء المصلحين في أول كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه! وكم من ضالٍّ تائه قد هدوه! فما أحسن أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم. يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين" (١). ويروي ابن الجوزي هذه الحادثة عن الإمام أحمد، يظهر منها اهتمامه بطالب العلم، وبالأخص الغريب؛ لأنه قد لا يُؤبَه به، لكن هذا لا يحصل عند العلماء الربانيين، فيقول أبو بكر المروذي: "رأيت أبا العلاء الخادم (٢) قد جاء إلى أبي عبد الله، وكان شيخًا مُشمّرًا يشبه القراء متواضعًا، فاستأذن على أبي عبد الله، فخرج إليه، وإذا في المسجد رجلٌ غريب عليه أطمار (٣) ومعه محبرة، فلما قعد أبو عبد الله حانت منه التفاتة فرأى الرجل، فقال لأبي العلاء: لا يشتدّ عليك الحرّ، فقام.

стр. 269

ثم جعل أبو عبد الله يلاحظ الرجل، فلما لم يسأله قال له أبو عبد الله: ألك حاجة؟ فقال: تُعلِّمني مما عَلّمك الله، فقال: فدخل إلى منزله فأخرج كتبًا وقال له: ادنُه، فَجعل يُملي عليه، ثم يقول للرجل: اقرأ ما كتبتَ" (١). إن المتأمل في هذا الموقف العظيم النبيل مع هذا الطالب للعلم الغريب يخرج ببعض اللفتات التربوية منها: ١ - حسن الأسلوب في تصريفه للطالب الذي معه، ويظهر فيه حرصه عليه وشفقته على طلابه. وهذا موقف آخر يصبُّ في هذا الاتجاه، يظهر حرص المعلم على طلابه وتربيته لهم على الشفقة بالمتعلمين: يروي ابن الجوزي هذا الموقف فيقول: "قال هارون بن عبد الله الحمال (٢): جاءني أحمد بن حنبل بالليل، فدق الباب عليّ، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت إليه فمسَّاني ومسَّيته، قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، شغلت اليوم قلبي، قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزت عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرَّةً أخرى، إذا قعدتَ فاقعد مع الناس" (٣). ٢ - عدم احتقار المتعلم مهما كان مظهره، فالعبرة ليست بالظواهر، وإنما بحقائق ما في القلوب التي لا يعلمها إلا الله، والتي هي محل نظره ، فكم من طالب لا يُلتفت إليه ولا يُؤبَه به في أعين ضعاف البصيرة، صار بعد ذلك إمامًا يُشار له

стр. 270

بالبنان، وما خبر عطاء بن أبي رباح (١) ببعيد. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (٢). ٣ - إذا رأيتَ من المتعلم عدمَ سؤال وأقبال عليك فأقبِل عليه، فربما لغربته أو لموقف ما أحجم عن سؤالك، فابتدِئه واسأل عن حاله، وقدِّم له ما تستطيع من خدمة. أما مصنفاته عليه رحمة الله فقد صنف المسند الذي جمع فيه أكثر ما تحتاجه الأمة من حديث الرسول ﷺ ، يقول ابن الجوزي "فصنف المسنَد وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند؛ فإنه سَيكون للناس إمامًا" (٣). وهو ﵀ يعتبر من المقلين في التصنيف (٤)؛ لأنه كان ينهى عن كتابة كلامه تواضعًا منه، وقد قدر الله أن يكتب علمه ويرتَّب ويشاع (٥)، وهذه بعض آثار تلك الأعمال التي في القلوب، مما لا يعلمه إلا الله .

стр. 271

المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته: الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة: من الصفات العظيمة في الداعية المصلح أن يكون قلبه متعلقًا بالآخرة، تظهر عليه سمة الورع والزهد في الدنيا، وهذه لا تظهر إلا إذا صلح القلب وسلم من الآفات، وكانت هذه الصفات من سمات الإمام أحمد ﵀، وهو يتمثلها في حياته منهجًا وسلوكًا، وفق منهج أهل السنة والجماعة، وهو المنهج الذي ترك النبي ﷺ أصحابه عليه، قبل أن تتكدر هذه الصفات بالمناهج الوافدة فيما بعد، ودونك شذرات من مواقف هذا الإمام في ورعه وزهده نستنطق منها العظات والعبر. ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس من الزهد ما يقع فيه بعض من تكدرت مشاربه بصوفية استُقِيت من وثنيات الشرق أو الغرب، فصار الزهد يعني لبس الرث من الثياب، وعدم الاعتناء بالنظافة، رهبانية ابتدعوها. أما إمامنا -وهو الزاهد الذي على منهاج النبوة- فهو على منهج الوسط والاعتدال، فقد كان ﵀ كما يذكر الذهبي عن عبد الملك الميموني (١) أنه قال: "ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف بدنًا، ولا أشد تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا بشدة بياض من أحمد بن حنبل ﵁. كان ثيابه بين الثوبين، تسوى ملحفته خمسة عشر درهمًا، وكان ثوب قميصه يؤخذ بالدينار ونحوه، لم يكن له دقة تنكر، ولا غلظ ينكر، وكان ملحفته مهذبة" (٢).

стр. 272

ويقول المروذي أيضًا: "سمعت أبا عبد الله يقول للشجاع بن مخلد (١): يا أبا الفضل، إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل" (٢). ونقل أبو نعيم (٣) عن نصر بن علي (٤) يقول: «أحمد بن حنبل أمره بالآخرة كان أفضل؛ لأنه أتته الدنيا فدفعها عنه» (٥). وقال أبو داود (٦): "كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط" (٧). ومن الأمثلة العظيمة على الورع تورُّعه ﵀ في الفتوى، وهو إمام أهل السنة ومن أكثر علماء الأمة فقهًا. وقد سأل الإمام أبو داود السجستاني أحمد بن حنبل عن طلاق السَّكران، فرد

стр. 273

عليه بقوله: "سل غيري" (١). وعن أحمد بن محمد المروذي قال: "سأَلتُ أحمد بن حنبل ما لا أُحصي عن أشياء، فيقول فيها: لا أدري" (٢). ويقول: "ربما مكثتُ في المسألة ثلاث سنين قبل أن أعتقد منها شيئًا" (٣). فهؤلاء الأئمة العظماء الذين شهد لهم القاصي والداني بسعة العلم والاطلاع إلا أنهم يتورعون عن الفتوى خشية لله، وتجد اليوم طويلب علم لا يبلغ عشر معشار ما بلغ هؤلاء من العلم، يتقحم على الفتوى في النوازل ولا يبالي، وماذاك إلا لنقص العقل والتقوى. الفرع الثاني: تعلق القلب بالله وكثرة الذكر والعبادة: إن القلوب إذا تعلقت بالله وأقبلت عليه بصدق وإخلاص فتح عليها من التوفيق والإعانة ما لا يخطر على بال، وأمدها بقوة عظيمة في العبادة والإقبال عليه، وأنها لتعمل أعمالًا يعجز عنها غيرها، والقوة من الله، وهي قوة القلوب وليست قوة الأبدان، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال ﷺ : «إن الله قال: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ

стр. 274

سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» الحديث. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد يصف عبادة أبيه: "كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وقد كان قرب من الثمانين، وكان يقرأ في كل يوما سُبْعًا، يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليالٍ سوى صلاة النهار، ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم، وكان يكثر الدعاء ويخفيه، ويصلي بين العشاءين، فإذا صلى عشاء الآخرة ركع ركعات صالحة، ثم يوتر وينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو، وكانت قراءته لينة، ربما لم أفهم بعضها، وكان يصوم ويدمن، ثم يفطر ما شاء الله، ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض، فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات" (١). وقال المرُّوذي: "كنت مع أبي عبد الله نحوًا من أربعة أشهر بالعسكر، ولا يدع قيام الليل وقراءات النهار، فما علمت بختمة ختمها، وكان يُسرُّ ذلك" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يومًا يقول: ما صليت اليوم غير الفريضة، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي" (٣). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافًا، لا علي ولا لي" (٤).

стр. 275

ويقول المروذي: "قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعين لك! فتغرغرت عينه، وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا" (١). وعن المروذي قال: "أدخلت إبراهيم الحصري (٢) على أبي عبد الله -وكان رجلًا صالحًا- فقال: إن أمي رأت لك منامًا، هو كذا وكذا، وذكرت الجنة. فقال: يا أخي، إن سهل بن سلامة (٣) كان الناس يخبرونه بمثل هذا، وخرج إلى سفك الدماء، وقال: الرؤيا تسرُّ المؤمن ولا تغرُّه" (٤). وقال عباس الدوري (٥): "حدثنا علي بن أبي فزارة (٦) قال: كانت أمي مُقعدة من نحو عشرين سنة، فقالت لي يوما: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو لي، فأتيت، فدققت عليه وهو في دِهْليزه (٧)، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي -وهي مقعدة- أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب، فقال: نحن

стр. 276

أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفًا، فخرجت عجوز، فقالت: قد تركته يدعو لها. فجئت إلى بيتنا، ودققت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي" (١). وقال أبو بكر المروذي: "قلت لأبي عبد الله: إن بعض المحدثين قال لي: أبو عبد الله لم يزهد في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس، فقال أبو عبد الله: ومن أنا حتى أزهد في الناس؟! الناس يريدون يزهدون فيّ، وقال أبو عبد الله: أسأل الله أن يجعلنا خيرًا مما يظنون، ويغفر لنا ما لا يعلمون" (٢). المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام أحمد على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك: الصبر والثبات من المعالم البارزة في حياة الدعاة إلى الله تعالى، الذين يحرصون على تحقيق أعمال القلوب، فإن ذلك من أعظم أسباب الثبات، وبالأخص ثباتهم على الصراط المستقيم والمنهج القويم، من غير تغيير ولا تبديل، يدعون إلى الله على بصيرة على منهاج النبوة، ويصبرون على ما يلقونه في ذات الله تعالى، وهذا المعلم من المعالم الواضحة في حياة إمامنا عليه رحمة الله، فقد ضرب أروع الأمثلة في الصبر والثبات، وثبته الله ثبات الجبال، ونصر به السنة، وقمع به البدعة، في يوم من أيام الله الخالدة، وذلك في فتنة القول بخلق القرآن التي تولى كبرها أئمة الضلال من الجهمية وأهل الاعتزال، مع الاستعانة بقوة السلطان التي مالت إليهم، فحصل بلاء عظيم وفتنة شرها مستطير؛ ولكن الله ثبت الإمام أحمد ليقول كلمة الحق، ويصبر على المحنة والسجن والضرب؛ ليخرج من هذه الفتنة منتصرًا للمنهج الحق، منهج أهل السنة والجماعة؛ ليكون موقفه معلمًا بارزًا في حياة الأمة، وقد جعل الله له قبولًا في الأرض،

стр. 277

ومكَّن له وثبته، ليرتبط اسمه بهذا اللقب العظيم، وليبقى حيًّا في ذاكرة الأمة باسم إمام أهل السنة. يقول الأئمة عنه في ثباته ﵀ يوم المحنة: عن ابن المديني (١) قال: "أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة" (٢). ويروي الذهبي ﵀ عن بشر بن الحارث (٣) قوله: "إن أحمد أُدخِل الكير (٤)، فخرج ذهبًا أحمر" (٥). ويقول أيضًا (٦): "قام أحمد مقام الأنبياء، وأحمد عندنا امتحن بالسراء والضراء، فكان فيهما معتصمًا بالله" (٧). و"قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله، أولا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟! قال: كلا، إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة،

стр. 278

وقلوبنا بعد لازمة للحق" (١). وينقل الإمام الذهبي عن محمد بن إبراهيم البوشنجي (٢) قوله: "جعلوا يذاكرون أبا عبد الله في التُّقية (٣) وما روي فيها، فقال: كيف تصنعون بحديث خباب: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُنْشَرُ أَحَدُهُمْ بِالمِنْشَارِ، لَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِيْنِهِ»؟! (٤)، فأيسنا منه" (٥). وقال: "لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلًا بالسيف، إنما أخاف فتنة السوط، فسمعه بعض أهل الحبس، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سُرِّي عنه" (٦). يقول الذهبي: قال ابن أبي دؤاد (٧): "ما رأيت أحدًا أشدَّ قلبًا من هذا -يعني: أحمد-، جعلنا نكلمه، وجعل الخليفة يكلمه، يسميه مرة ويكنيه مرة، وهو يقول: يا

стр. 279

أمير المؤمنين، أوجدني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله ﷺ حتى أجيبك إليه" (١). وحكى ابن الجوزي عن أبي بكر المروذي قال في محنة أحمد بن حنبل: "يا أستاذ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فقال أحمد: يا مروذي، اخرج انظر، أي شيء ترى؟ قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددَهم إلا الله، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكبته، فقال المروذي: مكانكم، فدخل إلى أحمد بن حنبل، فقال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه، فقال: يا مروذي، أُضِلُّ هؤلاء كلَّهم! أَقتلُ نفسي ولا أُضِلّ هؤلاء كلهم" (٢). المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وعفوه عمن آذوه: قال أبو الحسين بن المنادي: "سمعت جدي (٣) يقول: كان أحمد من أحيا الناس،

стр. 280

وأكرمهم نفسًا، وأحسنهم عشرة وأدبًا، كثير الإطراق والغضّ، معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بشَّ به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظِّمونه، وكان يفعل بيحيى بن مَعين ما لم أره يفعل بغيره من التواضع والتبجيل، وكان يحيى أكبر منه بنحو سبع سنين" (١). وقال المرُّوذي: "كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جُهِل عليه احتمل وحلم، ويقول: يكفي اللَّه. ولم يكن بالحقود ولا العجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة، فكانوا يجيئون إلى أبي عبد الله فلا يظهر لهم ميله مع عمه، ولا يغضب لعمه، ويتلقاهم بما يعرفون من الكرامة، وكان كثير التواضع، يحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلسه، مائلًا إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر، يقعد حيث انتهى به المجلس، وكان لا يمد قدمه في المجلس، ويكرم جليسه، وكان حسن الخلق دائم البشر لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، وكان يحب في الله ويبغض في الله، وكان إذا أحب رجلًا أحب له ما يحب لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه، ولم يمنعه حبه إياه أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظلم أو إثم أو مكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، وكان رجلًا فطنًا إذا كان شيء لا يرضاه اضطرب لذلك، يغضب لله ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، فإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان حسن

стр. 281

الجوار، يؤذى فيصبر ويحتمل الأذى من الجار، ولقد أخبرني بعض جيرانه ممن بينه وبينه حائط قال: كان لي برج فيه حمام، وكان يشرف على أبي عبد الله، فكنت أصعد وأنا غلام أشرف عليه، فمكث على ذلك صابرًا لا ينهاني، فبينا أنا يومًا إذ صعد عمّي فنظر إلى البرج مشرفًا على أبي عبد الله، فقال: ويحك! أما تستحي أن تؤذِي أبا عبد اللَّه؟! قلت له: فإنه لم يقل لي شيئًا، قال: فلست أبرح حتى تهب لي هذِه الطيور، فما برح حتى وهبتها له فذبحها وهدم البرج" (١). قال حنبل (٢): "صليت بأبي عبد الله العصر، فصلى معنا رجل يقال له: محمد بن سعيد الخُتَّلِيّ (٣)، وكان يعرفه بالسنة، فقعد أبو عبد الله بعد الصلاة، وبقيت أنا وهو والخُتَّلِيّ في المسجد ما معنا رابع، فقال لأبي عبد الله: نهيتَ عن زيد بن خَلَف (٤) أن لا يُكَلَّم! قال: كتب إليَّ أهل الثغر يسألوني عن أمره، فكتبت إليهم، فأخبرتهم بمذهبه وما أحدث، وأمرتهم أن لا يجالسوه، فاندفع الخُتَّلِيّ على أبي عبد الله، فقال: والله، لأردنك إلى محبسك، ولأدقَّن أضلاعك … في كلام كثير. فقال لي أبو عبد الله: لا تكلِّمه ولا تجبه. وأخذ أبو عبد الله نعليه، وقام فدخل، وقال: مُرِ السكان أن لا يكلِّموه ولا يردّوا عليه.

стр. 282

فما زال يصيح، ثم خرج، فلما كان بعد ذلك ذهب هذا الخُتَّلِيّ إلى شعيب (١)، وكان قد ولي على قضاء بغداد، وكانت له في يديه وصية، فسأله عنها، ثم قال له شعيب: يا عدو الله، وَثَبتَ على أحمد بالأمس ثم جئتَ تطلب الوصية! إنما أردت أن تتقرب إليَّ بذا؟! فزبره (٢)، ثم أقامه، فخرج بعد إلى حسبة العسكر" (٣). وذكر الذهبي عنه أنه كان يقول: "كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق -يعني: المعتصم (٤) - في حل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح (٥)، قال أبو عبد الله: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟! " (٦).

стр. 283

المبحث الثاني: مواقف من حياة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم. الفرع الثاني: تعليمه العلم للناس وبذله لطالبه، وما تركه للأمة من مؤلفات. المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته: الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة. الفرع الثاني: تعلق القلب بالله وكثرة الذكر والعبادة. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام ابن تيمية على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وعفوه عمن آذوه. المطلب الخامس: أثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

стр. 284

المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم: الإخلاص والصدق مع الله في طلب العلم مفتاح التوفيق للعبد والعون من الله تعالى، وهذا ما تلمسه من سيرة هذا الإمام الكبير، ودونك هذه الشذرات من سيرته في طلبه للعلم كما صاغها -ملخصة- العلامة بكر أبو زيد (١) ﵀ في مقدمته لجامع سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون حيث يقول ﵀: "أخذ عن أكثر من مائتي شيخ .. أوائل في حياته تدل على النبوغ المبكر: • حفظ القرآن وهو في الصِّغر. • أتقن العلوم من التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية والتاريخ والجبر والمقابلة والمنطق والهيئة، وعلم أهل الكتابين، والملل الأخرى، وعلم أهل البدع، وغيرها وهو ابن بضع عشرة سنة، حتى إنه حذق العربية في أيام، وفهم كتاب سيبويه (٢) في أيام، وفي الحديث سَمِع المسند مرات، وما ضبطت عليه لحنة متفق عليها، وكان إقباله

стр. 285

على التفسير إقبالًا كليًّا منقطع النظير. • ناظر واستدل وهو دون البلوغ. • أفتى في سن السابعة عشرة من عمره. • بدأ درس التفسير بالجامع الأموي وهو ابن ثلاثين سنة، واستمر سنين متطاولة. • حَجَّ مرة واحدة سنة (٦٩٢ هـ) أي: وعمره (٣١) سنة، وبعد عودته من الحجِّ آلت إليه الإمامة في العلم والدين. • نشر العلم في: دمشق، ومصر، والقاهرة، والإسكندرية (١)، وفي سجونها، وفي الثغر (٢)، والجامع الأموي (٣). • دَرَّس بالمدرسة الحنبلية في شعبان سنة (٦٩٥ هـ). • أول رحلاته إلى مصر في القاهرة والإسكندرية، مرتان سنة (٧٠٠ هـ)، ثم عاد
следующие страницы →