← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الجوار، يؤذى فيصبر ويحتمل الأذى من الجار، ولقد أخبرني بعض جيرانه ممن بينه وبينه حائط قال: كان لي برج فيه حمام، وكان يشرف على أبي عبد الله، فكنت أصعد وأنا غلام أشرف عليه، فمكث على ذلك صابرًا لا ينهاني، فبينا أنا يومًا إذ صعد عمّي فنظر إلى البرج مشرفًا على أبي عبد الله، فقال: ويحك! أما تستحي أن تؤذِي أبا عبد اللَّه؟! قلت له: فإنه لم يقل لي شيئًا، قال: فلست أبرح حتى تهب لي هذِه الطيور، فما برح حتى وهبتها له فذبحها وهدم البرج" (١). قال حنبل (٢): "صليت بأبي عبد الله العصر، فصلى معنا رجل يقال له: محمد بن سعيد الخُتَّلِيّ (٣)، وكان يعرفه بالسنة، فقعد أبو عبد الله بعد الصلاة، وبقيت أنا وهو والخُتَّلِيّ في المسجد ما معنا رابع، فقال لأبي عبد الله: نهيتَ عن زيد بن خَلَف (٤) أن لا يُكَلَّم! قال: كتب إليَّ أهل الثغر يسألوني عن أمره، فكتبت إليهم، فأخبرتهم بمذهبه وما أحدث، وأمرتهم أن لا يجالسوه، فاندفع الخُتَّلِيّ على أبي عبد الله، فقال: والله، لأردنك إلى محبسك، ولأدقَّن أضلاعك … في كلام كثير. فقال لي أبو عبد الله: لا تكلِّمه ولا تجبه. وأخذ أبو عبد الله نعليه، وقام فدخل، وقال: مُرِ السكان أن لا يكلِّموه ولا يردّوا عليه.

стр. 282

فما زال يصيح، ثم خرج، فلما كان بعد ذلك ذهب هذا الخُتَّلِيّ إلى شعيب (١)، وكان قد ولي على قضاء بغداد، وكانت له في يديه وصية، فسأله عنها، ثم قال له شعيب: يا عدو الله، وَثَبتَ على أحمد بالأمس ثم جئتَ تطلب الوصية! إنما أردت أن تتقرب إليَّ بذا؟! فزبره (٢)، ثم أقامه، فخرج بعد إلى حسبة العسكر" (٣). وذكر الذهبي عنه أنه كان يقول: "كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق -يعني: المعتصم (٤) - في حل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح (٥)، قال أبو عبد الله: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟! " (٦).

стр. 283

المبحث الثاني: مواقف من حياة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم. الفرع الثاني: تعليمه العلم للناس وبذله لطالبه، وما تركه للأمة من مؤلفات. المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته: الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة. الفرع الثاني: تعلق القلب بالله وكثرة الذكر والعبادة. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام ابن تيمية على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وعفوه عمن آذوه. المطلب الخامس: أثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

стр. 284

المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم: الإخلاص والصدق مع الله في طلب العلم مفتاح التوفيق للعبد والعون من الله تعالى، وهذا ما تلمسه من سيرة هذا الإمام الكبير، ودونك هذه الشذرات من سيرته في طلبه للعلم كما صاغها -ملخصة- العلامة بكر أبو زيد (١) ﵀ في مقدمته لجامع سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون حيث يقول ﵀: "أخذ عن أكثر من مائتي شيخ .. أوائل في حياته تدل على النبوغ المبكر: • حفظ القرآن وهو في الصِّغر. • أتقن العلوم من التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية والتاريخ والجبر والمقابلة والمنطق والهيئة، وعلم أهل الكتابين، والملل الأخرى، وعلم أهل البدع، وغيرها وهو ابن بضع عشرة سنة، حتى إنه حذق العربية في أيام، وفهم كتاب سيبويه (٢) في أيام، وفي الحديث سَمِع المسند مرات، وما ضبطت عليه لحنة متفق عليها، وكان إقباله

стр. 285

على التفسير إقبالًا كليًّا منقطع النظير. • ناظر واستدل وهو دون البلوغ. • أفتى في سن السابعة عشرة من عمره. • بدأ درس التفسير بالجامع الأموي وهو ابن ثلاثين سنة، واستمر سنين متطاولة. • حَجَّ مرة واحدة سنة (٦٩٢ هـ) أي: وعمره (٣١) سنة، وبعد عودته من الحجِّ آلت إليه الإمامة في العلم والدين. • نشر العلم في: دمشق، ومصر، والقاهرة، والإسكندرية (١)، وفي سجونها، وفي الثغر (٢)، والجامع الأموي (٣). • دَرَّس بالمدرسة الحنبلية في شعبان سنة (٦٩٥ هـ). • أول رحلاته إلى مصر في القاهرة والإسكندرية، مرتان سنة (٧٠٠ هـ)، ثم عاد

стр. 286

إلى دمشق، ثم رجع إلى مصر سنة (٧٠٤ هـ)، وكانت إقامته بها نحو سبع سنين وسبع جُمَع أي: إلى سنة (٧١٢ هـ) متنقلًا في جلها بين سجون القاهرة والإسكندرية. • بدأ في التأليف وهو ابن سبع عشرة سنة. وهكذا من البدايات المبكرة الدالة على نبوغه، وتأهله للاجتهاد والتجديد والإمامة في العلم والدين" (١). وعانية الله ورعايته إذا حفت بالعبد رأيت ما لا يخطر لك على بال من التوفيق والمدد الإلهي، وكل ذلك من أعظم أسبابه التعامل مع الله بأعمال القلوب، ومجاهدة النفس على تحقيقها مع المحاسبة والمراقبة لله تعالى، وهذا ما تلحظه في سيرة هذا الإمام، وأحسبه -والله حسيبه- من المحققين للإيمان والتقوى في حياته باطنًا وظاهرًا. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]. وذكر ابن القيم من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية وبركة الوقت لديه أنه كان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر (٢). الفرع الثاني: تعليمه العلم للناس وبذله لطالبه، وما تركه للأمة من مؤلفات: وكان دأب شيخ الإسلام ﵀ تعليم الناس الخير ونشر ما يراه من حق

стр. 287

وصواب، يقول ابن كثير ﵀: "ثم جلس الشيخ تقي الدين .. يوم الجمعة .. بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير، من كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوّعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان، واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة" (١). ويقول بكر أبو زيد ﵀: "بدأ -رحمه الله تعالى- التأليف وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان من أفراد الدهر في كثرة تأليفه، فلا يُعْلم في الإسلام من صنَّف نحو ما صنف ولا قريبًا منه، وقد قدرت مؤلفاته بخمسمائة مجلد، وبأربعة آلاف كراس أو أكثر، وقد بلغ ما يكتبه في اليوم والليلة أربع كراريس، وكان يكتب مؤلفاته من حفظه، وكان ذا قلم سريع الكتابة إذا رقم، يكاد يسابق البرق إذا لمع، لكن كان خطه في غاية التعليق والإغلاق. وكانت مؤلفاته في غاية الإبداع وقوة الحجاج وحسن التصنيف والترتيب، غير مشوبة بِكَدَرٍ، بل خالصة من الشَّبه والشُّبه، وكثير منها مسودة لم يبيض، وله في غير مسألة مصنف مفردٌ أو أكثر. ومن مؤلفاته ما ألفه في قَعْدة مثل الحموية، ألفها بين الظهرين سنة ٦٩٨ هـ وعمرة ثمان وثلاثون سنة، وألَّف لأهل الآفاق عدة كتب تَلْبيةً لطلبهم، منها: لأهل واسط (٢): العقيدة الواسطية، والحموية لأهل حماة (٣)، والمراكشية لأهل مراكش (٤)، والتدمرية لأهل تدمر (٥)، وهكذا.

стр. 288

وألَّف بعض كتبه وهو في السجن، منها في السجن بمصر: الرد على البكري (١)، والرد على الأخنائي (٢)، وألَّف منهاج السنة النبوية وهو في مصر، وألَّف ما لا يحصى في السجن بالقلعة (٣) بدمشق. وقد جرت له بسبب بعض مؤلفاته وفتاويه محن من السجن، والنيل من العرض بغير حق، كما جرى له بسبب الحموية والواسطية، وبسبب فتواه في الطلاق بالثلاث، وبالحلف بالطلاق، وفتوى الزيارة وشد الرحال، وغيرها. هذا مع ما حصل له في بعض سجناته من منع الدواة (٤) والقلم، وإخراج ما عنده

стр. 289

من الكتب والورق" (١). المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته: الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة: ذكر العلامة بكر أبو زيد بعض مواطن العبر والعظات من حياة شيخ الإسلام فقال ﵀: "- ما نال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى منزلة الإمامة في العلم والدين إلا من آثار التقوى واليقين والصبر في ذات الله على المكاره؛ ولهذا قال: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (٢). - من أعظم أسباب الفوز والنصر الزهد في المناصب والولايات، والكف عن زخرفها، وكما كان شيخ الإسلام كذلك، فقد كان أئمة الإسلام على هذه الجادة منهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ ولهذا قيل في ترجمته: "أتته الدنيا فأباها، والولايات فقلاها (٣). فمسكين من يتطلع إليها ويقول: أنا لها، ومغبون والله من دفع ثمنها مُقدّمًا بالتنازل عن شيء من دينه، والملاينة على حساب علمه ويقينه، وكُلُّ امرئ حسيب نفسه. - البذاذة (٤) من الإيمان، والاقتصاد في أمور المعاش من وظائف أهل الإسلام،

стр. 290

وهكذا كان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مجتنبًا الترفه في المعاش، وتطلب الملاذ، فما أحلاه من أدب. - ولما سافر رحمه الله تعالى إلى مصر سنة ٧٠٠ هـ نزل عند عم تلميذه ابن فضل الله العُمَري (١)، وكان سفره للحض على الجهاد، فَرُتِّبَ له مرتب وأعطيات، فلم يقبل منها شيئًا. فهل يعتبر من ابتلوا بالتسوّل على مستوى رفيع، ويتنمَّر على معارفه وإخوانه، والرفعاء منهم يعلمون أنه في الظاهر مطاع متبوع، وهو في الباطن عبد تابع ذليل مطيع. على أن الأرض لا تخلو من المتأسِّين بالصالحين، الذين تجردوا من هذه الحظوظ" (٢). وينقل ابن القيم عن شيخه هذه الكلمات التي تدل على ثبات قلبه وشدة تعلقه بربه وبالدار الآخرة: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني؛ إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبًا ما عدل عندي

стр. 291

شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرِّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها" (١). الفرع الثاني: تعلق القلب بالله وكثرة الذكر والعبادة: ذكر ابن القيم قراءة آية الكرسي عقب الصلاة، وهو يذكر هدي النبي ﷺ فيما يقوله بعد انصرافه من صلاته، ثم قال ﵀: "وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة" (٢). وقال ابن القيم وهو يحدث عن حال شيخه مع ذكر الله تعالى: "وحضرت شيخَ الإسلام ابن تيمية مرَّة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريبٍ من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غَدْوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء لسقطت قوتي. أو

стр. 292

كلامًا قريبًا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذِّكْر إلا بنيّة إجمام نفسي وإراحتها، لأستعدَّ بتلك الراحة لذِكْر آخر. أو كلامًا هذا معناه" (١). وقال ﵀ عن شيخه: "وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله" (٢). ويقول أيضًا عن شيخه عند صعوبة مسائل العلم وإشكالها عليه: "وشهدت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار، والاستغاثة بالله واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق لهذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم" (٣). وقال أيضًا: "حقيقٌ بالمفتي أن يكثر الدُّعاء بالحديث الصحيح: «اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٤)، وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك. وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: «يا معلم إبراهيم، علِّمني»، ويكثر الاستغاثة بذلك، اقتداءً بمعاذ بن جبل ﵁ حيث قال لمالك بن يَخامِر السَّكْسكي (٥)

стр. 293

عند موته وقد رآه يبكي، فقال: والله، ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنتُ أتعلمهما منك. فقال معاذ بن جبل ﵁: إنَّ العلمَ والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة: عند عُويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عَجَز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم صلوات الله عليه (١) " (٢). ويذكر عمر بن المظفر ابن الوردي (٣) ﵀ أنه صلَّى خلف ابن تيمية التراويح

стр. 294

في رمضان، فرأي على قراءته خشوعًا، وعلى صلاته رِقَّةً تأْخذ بمجامع القلوب (١). وقال البزار (٢) في وصف صلاته ﵀: "وكان إذا أحرم بالصلاة تكاد تتخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى تميله يمنة ويسرة" (٣). المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام ابن تيمية على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك: جاهد شيخ الإسلام ﵀ لنشر عقيدة السلف جهادًا مستميتًا، ولقي من أجل نشرها الكثير من الأذى، وصبر صبرًا عظيمًا، وثبت ثبات الجبال الرواسي، وصدع بكلمة الحق، ولم يبالِ في الله لومة لائم. ويقول ابن القيم معلقًا على سبب ما حصل لشيخ الإسلام، ولمن قبله من المصلحين: "ومن جنايات التأويل ما وقع في الإسلام من الحوادث بعد موت رسول الله ﷺ وإلى يومنا هذا"، ثم قال: "ولا جرى على شيخ الإسلام ابن تيمية ما جرى من خصومه بالسَّجْن وطلب قتله أكثر من عشرين مرة إلا بالتأويل" (٤). وقال أيضًا في بيان مواقف أهل الباطل من أهل الحق: "لما قضى في القِدَمِ

стр. 295

بسابقة سلمان عرج به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجُّس (١)، فأقبل يناظر أباه في دين الشرك، فلما علاه بالحجة لم يكن له جوابٌ إلا القيد، وهذا جواب يتداوله أهل الباطل … وبه أجاب فرعونُ موسى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وبه أجاب الجهمية الإمام أحمد لما عرضوه على السِّياط، وبه أجاب أهل البدع شيخَ الإسلام حين استودعوه السجن" (٢). وعلق العلامة بكر أبو زيد بقوله: "إن عالِمًا يفتح الله عليه بميراث علم النبوة، وينظر في واقع الحياة فيرى من ظلمات الإعراض عن الوحي والتنزيل ما الله به عليم: حلولية (٣)، اتحادية (٤)، طرقية (٥) بدعية، جهمية، معتزلة، أشاعرة، مقلدة متعصبة، وكل يرى أن ما هو عليه هو الحق، ثم يأتي حامل الضياء، فيكاسر هؤلاء وهؤلاء، لا شك سيكون له خصوم وخصوم؛ مما أدى إلى سجنه تارة، والترسيم عليه تارة، ومناظرته تارة، وإذايته بالمحن الأخرى تارة أخرى، وإغراء السفهاء، وتسليط الدهماء (٦)، وهكذا من صنوف الأذى، ومن كل ذلك قد نال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ومن نظر في سِيَر المصلحين وما أُلِّف من كتب مفردةٍ في إذايتهم مثل كتاب

стр. 296

"المحن" لأبي العرب (١) وغيره لم ير عالِمًا لحِقَه من صنوف الأذية من سجن وغيره مثل شيخ الإسلام ﵀. لما بلغ رحمه الله تعالى الثانية والثلاثين من عمره وبعد عودته من حجته بدأ تعرُّضه رحمه الله تعالى لأخبئة السجون، وبلايا الاعتقال، والترسيم عليه: الإقامة الجبرية (٢) خلال أربعة وثلاثين عامًا، ابتداء من عام ٦٩٣ هـ إلى يوم وفاته في سجن القلعة بدمشق يوم الاثنين ٢٠/ ١١/ ٧٢٨ هـ، وكان سجنه سبع مرات: أربعٌ بمصر بالقاهرة وبالإسكندرية، وثلاث مرات بدمشق، وجميعها نحو خمس سنين، وجميعها كذلك باستعداء السلطة عليه من خصومه الذين نابذ ما هم عليه في الاعتقاد والسلوك والتمذهب، عسى أن يفتر عنهم، وأن يقصر لسانه وقلمه عَمَّا هم عليه، لكنه لا يرجع" (٣). المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه، وعفوه عمن آذوه: يقول ابن القيم ﵀ عن شيخه وشدة تواضعه وهضمه لنفسه: "ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- من ذلك أمرًا لم أشاهده من

стр. 297

غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: أَنَا الْمُكَدِّي (١) وَابْنُ الْمُكَدِّي وَهَكَذَا كَانَ أَبِي وَجَدِّي (٢) وكان إذا أُثنِيَ عليه في وجهه يقول: والله، إني إلى الآن أجدِّد إسلامي كلَّ وقت، وما أسلمت بعد إسلامًا جيِّدًا. وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطِّه، وعلى ظهرها أبيات بخطِّه من نظمه: أَنَا الْفَقِيرُ إِلَى رَبِّ الْبَرِيَّاتِ … أَنَا الْمُسَيْكِينُ فِي مَجْمُوعِ حَالَاتِي" (٣). ومن أعظم الدلائل على سلامة القلب مقابلة الإساءة بالإحسان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. وتكلم ابن القيم عن مقابلة الإساءة بالإحسان ثم قال: "ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس يجدها هذه بعينها. ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه، ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة. وما رأيت أحدًا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.

стр. 298

وجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانَه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسُرُّوا به ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه. فرحمه الله ورضي عنه" (١). وفي إحدى المرات التي سجن فيها، وكان مما جرى فيها أن الشرف عبد الله (٢) أخا شيخ الإسلام ابتهل ودعا الله عليهم، فمنعه الشيخ وقال له: "بل قل: اللَّهمَّ هَب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق" (٣). وعلَّق العلامة بكر أبو زيد ﵀ على هذا الموقف بقوله: "فلِلَّه ما أعظمه من أدب جم! وما أعظمه من خلق رفيع، وهضم للنفس، وبحث عن الحق! وإن هذه -وايم الله- فائدة تساوي رحلة، وأين هذه من حالنا إذا نيل من الواحد شيء غضب وسخط، وجلب أنواع الدعاء على عدوه؟! فاللهم اجعل لنا ولمن آذانا فيك نورًا نهتدي به إلى الحق" (٤). ويقول ابن كثير ﵀: "وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان (٥) من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان

стр. 299

استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير (١)، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا! وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدًا منهم سوء، وقال له: إذا قتلتَ هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا، فقال الشيخ: من آذاني فهو في حلٍّ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي. وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف (٢) يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا. ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة، وعاد إلى بثّ العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه، ورحلوا إليه يشتغلون عليه، ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاءته الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه، فقال: قد جعلت الكل في

стр. 300

حل" (١). المطلب الخامس: أثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين: إن للمؤمن فراسة تزيد بقدر إيمانه وصفاء قلبه وسلامته من الآفات، وتكون له عونًا بعد الله في تفاؤله وثباته، ونظرته الصائبة للأمور، ويروى عنه ﷺ قوله: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] (٢). والنظرة التفاؤلية واستشراف المستقبل مع الثقة بنصر الله من أعظم ما يعين على الثبات، ولهذا شواهد من السيرة، منها ما حصل في وقت من أصعب الأوقات التي مرت على المسلمين في يوم الأحزاب الذي قال الله عنه في بيان الحال التي وصلوا إليها: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، في لحظةٍ اشتد فيها الخوف والجوع والبرد، لكنه ﷺ ينظرُ نظَرَ المتفائل بنصر الله الواثق بربِّه، وإن كانت الأسباب المادية في نظر أهل النفاق وأصحاب القلوب المريضة لا ترى شيئًا يلوح في الأفق القريب، وقد عبر القرآن الكريم بقوله عنهم: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي

стр. 301

قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]، ويقول عنهم في يوم الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وفي هذا الموقف العظيم ها هو يقول ﷺ لأصحابه حينما عرضت صخرة وهم يحفرون الخندق: فَأَخَذَ ﷺ الْمِعْوَلَ فَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ» فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ» وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ» وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا» (١). ولأتباع الأنبياء نصيب من هذه النظرة المستقبلية التفاؤلية التي تسمى الفراسة. و"عَنْ أَبِي قُتَيْلَةَ (٢) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّهُ حَقٌّ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى

стр. 302

عَلَى أَبْصَارِهِمْ وَفِي قُلُوبِهِمْ، وَذَكَرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَا الْفِتْنَةِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ السَّكُونِ (١): فَأَيْنَ أَسْيَافُنَا؟ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنِّي أَخَافُ إِنْ أَحْضَرْتُهَا أَنْ تَعْوِرَ عَيْنَكَ وَتَكْسِرَ سِنَّكَ، فَحَضَرَ السَّكُونِيُّ يَوْمَ صِفِّينَ، فَتَعَوَّرَتْ عَيْنُهُ وَكُسِرَتْ سِنُّهُ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَاحِدَةٌ كَانَتْ تَكْفِينِي. وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ فِي غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ (٢): نِعْمَ الْفَتَى غُضَيْفٌ؛ تَفَرَّسَ فِيهِ الْخَيْرَ" (٣). ويقول ابن القيم في بيان فراسة شيخ الإسلام ونظرته المستقبلية التفاؤلية: "ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أمورًا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفرًا ضخمًا. أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تكسر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عامّ ولا سبي عامّ، وأن كَلَب الجيش وحدته في الأموال، وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة.

стр. 303

ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام: أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا، فيقال له: قل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا .. وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر. ولما طُلب إلى الديار المصرية وأريد قتله -بعدما أنضجت له القدور، وقلبت له الأمور- اجتمع أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك، فقال: والله، لا يصلون إلى ذلك أبدًا، قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم، ويطول حبسي، ثم أخرج وأتكلّم بالسنة على رءوس الناس، سمعته يقول ذلك. ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مراده منك، فسجد لله شكرا وأطال، فقيل له: ما سبب هذه السجدة؟! فقال: هذا بداية ذلِّه ومفارقة عزِّه من الآن، وقرب زوال أمره. فقيل: متى هذا؟ فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته. فوقع الأمر مثل ما أخبر به. سمعت ذلك منه .. وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته. والله أعلم" (١).

стр. 304

المبحث الثالث: مواقف من حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم. الفرع الثاني: أثر عمل القلب على تعليمه للناس الخير وعلى رأس ذلك التوحيد، وإنكاره للشرك أينما حل، وما تركه للأمة من مؤلفات. المطلب الثاني: أثر عمل القلب على ثبات الإمام محمد بن عبد الوهاب على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في سبيل دعوته. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وسلامة قلبه، وعفوه عمن آذوه. المطلب الرابع: اثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

стр. 305

المبحث الثالث: مواقف من حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته (١) المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم: ولا شك أن المتأمل في حياة هذا الإمام يرى أثر عمل القلب عليه في طلبه للعلم، فقد أعطاه الله فهمًا وذكاء وجَلَدًا وصبرًا على تعلم العلم، وبارك الله له في علمه وعمله، وقد ولد الشيخ ﵀ في بلدة العيينة (٢) في أسرة علمية، تعلم القرآن وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حاد الفهم وقَّاد الذهن ذكيَّ القلب سريع الحفظ، قرأ على أبيه (٣) في الفقه، وكان رحمه الله تعالى في صغره كثير

стр. 306

المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه، وجدّ في طلب العلم، وأدرك وهو في سن مبكرة حظًّا وافرًا من العلم، حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام. وكتب أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوَّه فيها بشأنه وفهمه الجيّد، وأنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة من عمره، ورآه أهلًا للصلاة بالجماعة إمامًا لمعرفته بالأحكام، وزوَّجه بعد البلوغ مباشرةً، ثم طلب من أبيه الحجَّ إلى بيت الله الحرام، فأذن له فحجَّ وقصد المدينة وأقام فيها شَهرين، ثم رجع بعد ذلك إلى أبيه في العيينة، وأخذ يَدْرُسُ الفقه على مذهب الإمام أحمد على والده، ورزق مع قوة الحفظ سرعة الكتابة، بحيث إنه يخطّ كراسًا بخطّ واضح في الجلسة الواحدة، بلا سأم ولا تعب؛ مما يحير أصحابه. وقرأ الشيخ في فنون العلم، وصار له فهم قويٌّ وهمَّة عالية في طلب العلم، فصار يناظر أباه وعمه (١) في بعض المسائل بالدليل على بعض الروايات عن الإمام أحمد والوجوه عن الأصحاب (٢)، فتخرَّج عليهما في الفقه، وناظرهما في مسائل قرأها في الشرح الكبير والمغني والإنصاف، لما فيهما من مخالفة ما في متن المنتهى والإقناع.

стр. 307

وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (١) ﵀: "أمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك وعدم النسيان، سمع الحديث، وأكثر في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ مثله مع سرعة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب بل بما يقوم دليله عنده، تمسك بأصول الكتاب والسنة، وتأيد بإجماع سلف الأمة" (٢). بعد أن نهل الشيخ من علم أبيه الذي يغلب عليه الجانب الفقهي تطلع إلى المزيد، وذلك بالسير على منهج الأسلاف في الرحلة في طلب العلم الشرعي مهما كلف ذلك من مشقة وعناء. فبدأ رحلته بحج بيت الله الحرام، فلما قضى حجه سار إلى المدينة النبوية فقضى بها زمنًا أخذ فيه العلم عن علمائها المشهورين في ذلك الزمان، فأقام الشيخ في المدينة ما شاء الله، ثم خرج منها إلى نجد (٣)، فقصد بلدة العيينة، وأقام بها قرابة سنة، ثم تجهز

стр. 308

إلى البصرة (١)، والتقى بعلمائها وقرأ عليهم، وكان في رحلاته لا يفتر عن مهمته الرئيسة: الدعوة إلى التوحيد، ثم رحل الشيخ إلى الأحساء (٢)، وأخذ عن علمائها، ثم استقر به المقام في نجد وبدأ في نشر دعوته، وعندما استقر الشيخ في نجد لم تنقطع صلته بالعلم، بل كان كما يذكر الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف (٣) يقرأ على والده، وبعد فراغه من القراءة يخلو بنفسه ويعكف على دراسة الكتاب والسنة وتفاسير علماء السلف الأجلاء وشروحهم بتدبر وإمعان، فبلغ ﵀ الغاية القصوى والطريقة المثلى في معرفة معاني الكتاب والسنة، واستنباط ما فيهما من الأسرار الشرعية والأحكام الدينية، وأكب على مطالعة مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فازداد بهما علمًا وتحقيقًا ومعرفة، وبصيرة في كتاب الله تعالى، وإدراكًا لمعانيه وأسراره، والاهتداء به في شئون الحياة (٤). وهنا يظهر التوفيق الرباني لهذا الإمام الذي يعده الله لمهمة عظيمة كبيرة، وهي

стр. 309

نشر عقيدة التوحيد على منهج السلف ومحاربة الشرك بكل أنواعه، ولا يثبت في هذه المقامات العظيمة إلا من صدق مع الله وأخلص لله، وأقبل على صلاح قلبه مستعينًا بالله على تحقيق أعمال القلوب وتطبيق ما يدعو إليه عمليًّا في حياته، فحقق التوحيد، وصفَّى قلبه من شوائب الشرك، فعند ذلك يجد عون الله وتوفيقه له وعنايته تحف به من كل جانب، وهذا ما حصل لهذا الإمام ﵀، فقد رزقه الله الثبات والصبر على هذه المهمة العظيمة، فقام بها خير قيام، ثم بعد وفاة والده انطلق في دعوته الإصلاحية إلى أن توفاه الله بعد ظهور دعوته وانتشارها، فرحمه الله رحمة واسعة. الفرع الثاني: أثر عمل القلب على تعليمه للناس الخير وعلى رأس ذلك التوحيد، وإنكاره للشرك أينما حل، وما تركه للأمة من مؤلفات (١). كان الشيخ ﵀ من منهجه ودأبه أينما حل أن يبيِّنَ التوحيد ودلائله من الكتاب والسنة وأقوال السلف لمن حوله، وينكر ما يرى من الشركيات والبدع؛ لما فيها من قدح في العقيدة الصحيحة أو منافاة لها. وإن هذا الاصطفاء من الله لهذا الإمام يدل على توفيق الله له ليقوم بهذه المهمة العظيمة، ويواجه بثبات منقطع النظير المقاومة الشرسة لدعوته من القريب والبعيد، وذلك لغربة التوحيد في موطنه وفي سائر بلدان المسلمين، وهذا فيما أحسبه من هذا الإمام -والله حسيبه- دليل على عمل القلب في صدقه مع الله وإخلاصه، وتمكن عظمة التوحيد من قلبه، وشعوره بخطر الشرك العظيم عليه وعلى الأمة، وتمكَّن الشيخ من هذا الثبات العظيم وصبره على ما يلقاه في ذات الله من أذى يسقط تحت وطأته ضعاف القلوب، ويبقى ﵀ إلى آخر عمره وفيًّا لهذه المهمة في نشر التوحيد ومحاربة الشرك على كل الجبهات، إن هذا لمن الإشارات العظيمة الدالة على تمكن

стр. 310

أعمال القلوب في حياة الإمام. وقد كان الإمام محمد بن عبد الوهاب بارًّا بوالده برًّا عظيمًا، فحينما طلب منه أن يخفِّف من مواجهته للناس بهذا الأمر الذي يكرهونه لغربة التوحيد وتسلّط سدنة الشرك وحماته على مقاليد الأمور، فخاف الأب على ابنه، فأمره أن يكفَّ عن هذا الأمر أو يخفِّف من المواجهة خوفًا عليه، فما كان من الابن إلا أنِ امتثل أمر والده، ولما توفي والده استمر الشيخ في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهر بذلك، وأخذ يقرره للعام والخاص، ويزجر من يرتكب شيئًا من المنكرات، فذاع ذكره في جميع بلدان العارض (١)، في حريملاء (٢) والعيينة والدرعية (٣) والرياض ومنفوحة (٤)، وصار له أنصار ومعارضون كما هي سنة الله تعالى الجارية في الصراع بين الحق والباطل. ثم لما لم يجد الشيخ مناصرة ومؤازرة قوية توجَّه إلى العيينة وأميرُها يومئذ عثمان بن

стр. 311

حمد بن معمر (١)، فتلقاه بالإجلال والاحترام، فعرض عليه الشيخ دعوته، وبين له التوحيد، ورغبه فيه، فاتبعه وناصره، وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره. وكان في العيينة وما حولها كثير من القباب والمساجد والمشاهد المبنية على قبور الصحابة، وكثير من الأشجار التي يقدِّسونها ويتبركون بها. فأمر الشيخ بتغيير تلك المنكرات، فخرج هو والأمير فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد وعدلوا القبور على السنة. وهكذا استمرت الأمور على أحسن حال، فعلت كلمة الحق، وأُحيِيَت سنة المصطفى ﷺ ، وأقيمت الحدود، وعاد للعقيدة صفاؤها وأثرها. وعاد الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتدبرهما وتطبيقهما في واقع الحياة. فلم يرق ذلك لعلماء السوء وأرباب المصالح، بل أنكرته قلوبهم، وما أنكرت إلا التوحيد وتطبيق القرآن، ولسان حالهم يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، فتألبوا على الإنكار عليه ومخاصمته ومحاربته، وإثارة الشبهات حول دعوته: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، فكتبوا إلى علماء الأحساء والبصرة والحرمين يشوِّهون الحقائق، ويؤلِّبون على الشيخ، ويغرون به العامة والخاصة، وخصوصًا الحكام، حتى وشوا به إلى حاكم الأحساء سليمان بن محمد بن غرير الحميدي (٢).

стр. 312

فكتب سليمان هذا إلى عثمان بن معمر يأمره بقتل الشيخ أو إجلائه عن بلده، وشدَّد عليه، وهدَّده بقطع ما كان يبعث به إليه من خراج. فلما ورد كتابه على عثمان عظم الأمر في عينه، وعز عليه مخالفة أمير الأحساء، فأمر الشيخ بالخروج من العيينة. فخرج الشيخ منها محفوفًا برعاية الله سنة (١١٥٧ هـ) أو (١١٥٨ هـ)، وتوجه إلى الدرعية، حيث كان له أنصار وتلاميذ، فنزل أول ليلة على عبد الله بن سويلم (١)، ثم انتقل في اليوم التالي إلى دار تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم (٢)، ثم كان اللقاء بينه وبين الإمام محمد بن سعود (٣) أمير الدرعية، وهنا بدأ عصر جديد للدعوة، ومن ثم الظهور والتمكين. يقول الدكتور صالح العبود (٤): "ولما توفي والده عام ١١٥٣ هـ أعلن الدعوة إلى

стр. 313

تصحيح العقائد السائدة بعقيدة السلف الصالح، لكن لم تكن حريملاء صالحة لأن تكون منطلقًا لدعوته، فانتقل منها فيما يقارب عام (١١٥٥ هـ) إلى العيينة، وقد ناصره أميرها عثمان بن معمر أولَ الأمر، ثم خذله، فانتقل الشيخ إلى الدرعية والتقى بأميرها الراشد محمد بن سعود، فقام بنصرته، ووفى بعهده، وأتم وعده، فأظهر الله عقيدة السلف الصالح، ونصر الله أهلها، وتوفر الشيخ لنشرها، وتدريس العلوم النافعة، وتأليف الكتب المفيدة في أصول الإسلام وفروعه على طريقة السلف الصالح، وانطلاقًا من العقيدة السلفية السليمة، وقد أخذ عن الشيخ جموع كثيرة، وخلف من تلاميذه العلماء الكبار الذين قاموا بأدوار مهمة عظيمة، وخلف أتباعًا وأنصارًا ودولة ملأ ذكرهم الأسماع في الخافقين، وعظم شأنهم بين العالمين" (١). "وقد ألف الشيخ محمد ﵀ مؤلفات كثيرة مفيدة منها: كتاب التوحيد، وكتاب كشف الشبهات، ومفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد، وكتاب الكبائر، وكتاب أصول الإيمان وفضائل الإسلام، وكتاب أحاديث الفتن، ومختصر السيرة النبوية، ومختصر زاد المعاد، ومختصر الإنصاف والشرح الكبير، ومسائل الجاهلية، ومجموع الحديث رتبه ﵀ على أبواب الفقه، وكتاب آداب المشي إلى الصلاة، واستنباط القرآن، وكتاب نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين، وكتب رحمة الله رسائل كثيرة في تقرير التوحيد وتوضيحه" (٢). واستخدم الشيخ ﵀ وتلاميذه من بعده وسيلة مجدية في ذلك الزمن في نشر دعوته وتفنيد الشبهات المثارة ضدها، وتلك الوسيلة هي أسلوب المراسلات العلمية

стр. 314

الشخصية (١)، وهو أسلوب له فوائد منها: ١ - تأليف القلوب من حيث شعور المرسل إليه بالاختصاص والاصطفاء، وما يكون في الرسالة من ثناء ودعاء ونحوه. ٢ - سهولة حملها ونشرها. ٣ - التركيز على جانب وإشباعه من ناحية الاستدلال وبيان المقصود، أو تفنيد الشبهات. المطلب الثاني: أثر عمل القلب على ثبات الإمام محمد بن عبد الوهاب على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في سبيل دعوته: الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ له هدف واضح يسعى لتحقيقه بكل ما يمكن، وهو نشر دعوة التوحيد صافية نقية كما كانت في عهد الرسول ﷺ ، ومحاربة الشرك بكل أنواعه، وشُنت عليه بسبب ذلك حربٌ لا هوادة فيها من القريب والبعيد؛ لأن الشرك ضارب بأطنابه (٢) في المجتمعات، وعقيدة التوحيد تعيش غربة عظيمة، ومن يلق نظرة على المجتمع في نجد وما حولها في تلك المرحلة (٣) يرَ أن التبعة ثقيلة عظيمة، تحتاج إلى مصلح من نوع فريد يملك مقومات تؤهله لهذه المهمة

стр. 315

العظيمة، فكان لها بتوفيق الله وحفظه لدينه الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومن تعاون معه من الأسرة الكريمة من آل سعود. ودونك هذه النماذج من حياة الشيخ ﵀ في صبره على دعوته، وثباته على منهجه الذي اختطه لنفسه في كل مراحل حياته من نشر التوحيد أينما حل وكان، وما لقيه من الأذى في سبيل ذلك: - يذكر ابن بشر (١) ﵀ أن الشيخ لما أنكر الشرك والبدع تجمع عليه أناس في البصرة من رؤسائهم وغيرهم، فآذوه أشد الأذى، وأخرجوه منها وقت الظهيرة، فلما خرج وتوسط في الدرب فيما بينها وبين بلد الزبير (٢) أدركه العطش وأشرف على الهلاك، وكان ماشيًا على رجليه وحده، فوافاه صاحب حمار مكاري (٣) يقال له: أبو حميدان (٤)، فسقاه وحمله على حماره حتى وصل الزبير (٥). - ولما أنكر الشرك والبدع ودعا إلى التوحيد في بلدة حريملاء وقع بينه وبين الناس كلام حتى وصل الأمر إلى والده الذي كلمه فيما يظهر بأن يخفف من هذا الأنكار، فاستجاب لأمر أبيه، وبقي إلى أن توفي، فأعلن إنكاره وصدع بدعوته، ولما أنكر على

стр. 316

بعض الفاسدين كادوا أن يقتلوه لولا أن حماه الله ببعض جيران الشيخ، لما رأوهم يتسورون عليه يريدون قتله، فصاحوا بهم ففروا، فاضطر الشيخ إلى الخروج إلى بلدة العيينة (١). ولما نزل الشيخ على ابن معمر أمير العيينة ورحب به وبدعوته قام الشيخ بما يجب عليه من إنكار المنكر بلسانه ويده، وإزالة مظاهر الشرك، وتعاون معه على ذلك ابن معمر، ولما ظهر أمره سعى أعداؤه إلى تأليب الحكام عليه، فأرسل حاكم الأحساء الذي كان يتبع له ابن معمر أن يقتل الشيخ أو يخرجه من العيينة، وهدده بقطع المعونة عنه، فرضخ ابن معمر له، وأمر الشيخ بالخروج، كما سبقت الإشارة إلى ذلك (٢)، فخرج الشيخ وحيدًا فريدًا لا يملك من الدنيا شيئًا إلا مروحة خوص (٣) في يده، وفي قلبه ثقة بموعود الله ونصره له، قوي ثابت على مبدئه، يبحث عن مكان آخر ينشر فيه دعوته، لسانه لا يفتر عن ذكر الله والابتهال إليه أن يجعل له مخرجًا وفرجًا لدعوته (٤). وفي هذه المواقف الصعبة التي يسقط فيها أصحاب القلوب الضعيفة، وفي المقابل يظهر أثر عمل القلب في ثبات العبد على الحق والصبر على الأذى في سبيل الله، مع اليقين التام بنصر الله وظهور الحق، وهذا ما كان عليه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فكلّما سُدَّ في وجهه باب فتح الله له بابًا آخر، على رغم ما يواجهه من حرب من القريب والبعيد، وما زاده ذلك إلا إصرارًا على القيام بالدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك أينما حل ورحل، وما ذلك إلا من توفيق الله له.

стр. 317

المطلب الثالث: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وسلامة قلبه، وعفوه عمن آذوه: لقد ضرب الإمام محمد بن عبد الوهاب أروع الأمثلة في الصبر على الأذى في سبيل دعوته، وقد سلك أعداء الدعوة مسالك شتى في محاربتها، ومنها على سبيل الإجمال: ١ - الكتابة ضدها بالتشويه تارة وبالتنفير منها تارة أخرى. ٢ - مجادلة بعض العلماء لأتباع الدعوة. ٣ - الاتصال بالعلماء وذوي النفوذ خارج نجد وتحريضهم ضد الشيخ ودعوته. ٤ - ترويج الكتب التي ألفها علماء من غير نجد ضد الدعوة ونشرها بين الناس (١). لكن الشيخ ﵀ قابل كل ذلك بالحجج البينات القائمة على الدليل، وكان يدعو الله بهدايتهم، حتى لما أظهره الله عليهم عفا عنهم، ولم ينتقم لنفسه، بالرغم من أنهم جرَّدوا ضدَّه وضدَّ دعوته ألسنةً حدادًا، ولم يعاملهم بما عاملوه به؛ إذ لو تمكنوا منه لقطَّعوه أوصالًا، ولكن لما مكنه الله منهم عفا عنهم، حتى إنه لم يستخدم معهم أسلوب اللوم والعتاب (٢)، وتلك أخلاق الأئمة العظماء التي لا يقوى عليها إلا أفذاذ الرجال. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين: كان عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقينٌ تامٌّ بأن الله سيعلِي هذه الدعوة،

стр. 318

وسينصر من ينصرُها، وكان قوله دائمًا لمن يرغب في التعاون معه: النصر مع الصبر على دعوة التوحيد وعلى نشرها، قال ذلك لابن معمر أمير العيينة: "إني أرجو إن أنت قمتَ بنصر لا إله إلا الله أن يُظهرَك الله وتملك نجدًا وأعرابها" (١). وهذا مثال آخر تظهر فيه نظرة الشيخ الثاقبة ورؤيته الصادقة المتفائلة بأن المستقبل والنصر والتمكين لمن ينشر دعوة التوحيد خالصة لوجه الله. ودخل محمد بن سعود على زوجته (٢) فأخبرته بمكان الشيخ، وقالت له: إن هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة، فاغتنم ما خصَّك الله به، فقبل قولها، ويظهر في هذا الموقف أثر المرأة الصالحة على زوجها وبركة مشورتها، ثم دخل عليه أخوه ثنيان (٣) وأخوه مشاري (٤)، وأشاروا عليه بمساعدته ونصرته، وألقى الله في قلبه للشيخ

стр. 319

المحبة، فأراد أن يرسل إليه، فقالوا: سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به؛ لعل الناس أن يكرموه ويعظموه، فقام محمد بن سعود من فوره وسار إليه ومعه أخواه ثنيان ومشاري، فدخلوا عليه في بيت أحمد بن سويلم، فسلم عليه ورحب به، وأبدى غاية الإِكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده، وقال: أبشر ببلاد خيرٍ من بلادك، وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) من تمسَّك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجدًا وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم لبعض، فأرجو أن تكون إمامًا يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك (١). وهكذا تم اللقاء، وقد حقق الله تلك النظرة الثاقبة التي كان يعتقدها الشيخ فيمن ينصر كلمة التوحيد، وكان من ثمرة ذلك قيام هذا الكيان الشامخ المملكة العربية السعودية، والتي لا تزال على هذا العهد والميثاق في نصرة كلمة التوحيد، وهو سرٌّ من أسرار بقائها وثباتها ونصرها وتمكينها، ولله الحمد والمنة.

стр. 320

الباب الثالث: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه، وفي دعوته الفصل الأول: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه. الفصل الثاني: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في دعوته.
следующие страницы →