قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
• وعاقب الله من أخلف وعده معه وكذب بمرض النفاق في قلبه:
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
• وعاقب الله من أراد الدنيا بعمله الصالح أن يحبط عمله، ويرده عليه، ولا يقبله في الآخرة، وجعل له النار.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
٣ - ومما يدل على عظم خطورة الانحراف في عمل القلب على الأمة ما حدث ويحدث من فتن عظيمة بسبب زيغ القلوب التي تتَّبع المتشابه وتترك المحكم، فقال تعالى عنهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 72
وقد حذَّر ﷺ منهم أمته، فعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (١).
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: "ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم" (٢).
وقال السعدي ﵀ في تفسيره لآية آل عمران: "وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين، الذي لا يشتبه بغيره، ومنه آيات متشابهات، تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها، حتى تضم إلى المحكم، فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف -لسوء قصدهم- يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة وآرائهم الزائفة، طلبًا للفتنة، وتحريفًا لكتابه، وتأويلًا له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضِلوا ويُضِلوا.
стр. 73
وأما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأن كله حق، محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف.
فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابه إلى المحكم، فيعود كله محكمًا، ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ للأمور النافعة والعلوم الصائبة، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أهل العقول الرزينة. ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة والعقول الواهية والقصود السيئة" (١).
٤ - ومما يدل على خطر آفات القلوب أن مما صد القوم عن التوحيد وجعل قلوبهم تستنكره عدم إيمانهم بالآخرة، ووجود آفة الكبر في قلوبهم:
قال تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢].
قال ابن جرير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ذكره: معبودكم الذي يستحق عليكم العبادة وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء معبود واحد؛ لأنه لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا معه شريكًا سواه، ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]، يقول تعالى ذكره: فالذين لا يصدقون بوعد الله ووعيده ولا يقرون بالمعاد إليه بعد الممات ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]، يقول تعالى ذكره: مستنكرة لما نقص عليهم من
стр. 74
قدرة الله وعظمته وجميل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلا له، والألوهة ليست لشيء غيره، يقول: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن إفراد الله بالألوهة، والإقرار له بالوحدانية، اتباعًا منهم لما مضى عليه من الشرك بالله أسلافهم" (١).
٥ - ومن خطر أمراض القلوب: أن الشيطان يتسلط بالفتنة على أصحابها، قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣].
المطلب الثاني: نصوص السنة النبوية في بيان مكانة أعمال القلوب:
إن مما يدل على المكانة العظيمة لأعمال القلوب كثرة ورودها في السنة بالحديث عن القلب وما يتعلق به من أعمال قلبية يحبها الله أو يبغضها، ونظرًا لكثرة الأحاديث في ذلك فإني أكتفي بذكر طرف منها، مع الإشارة إلى بيان الأهمية، والله الموفق والمعين: …
١ - إن من الدلائل العظيمة على مكانة عمل القلب أن صلاح الجوارح أو فسادها مرتبطٌ بصلاح القلب أو فساده:
يقول ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
٢ - ويكفي في الدلالة على أهمية عمل القلوب أنها موطن نظر الرب :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (٢).
٣ - إكثار النبي ﷺ من الدعاء بتثبيت القلوب على الدين يدل على كثرة
стр. 75
تقلبها بسبب كثرة أمراضها، وهذا يجعل المؤمن مهتمًّا بالإكثار من هذا الدعاء؛ لخوفه على قلبه من التقلب، فعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١).
٤ - ومما يدل على أهمية عمل القلب أن أحد شرطي (٢) قبول العمل إخلاص العبد لله رب العالمين: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (٣).
стр. 76
٥ - ودل على مكانة عمل القلب أن شروط لا إله إلا الله ارتبطت بأعمال القلوب، وهي لا تنفع قائلها في الآخرة إلا إذا حقق هذه الشروط، وهذه إشارة إلى ذلك:
أ) شهادة التوحيد مع إخلاص القلب بها سبب لشفاعة النبي ﷺ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَنْ لَا يَسْأَلنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّل مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، أَوْ: «نَفْسِهِ».
ب) شهادة التوحيد مع يقين القلب بها سبب للبشارة بالجنة: من حديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» (١).
ج) شهادة التوحيد مع علم القلب بمعناها ومقتضاها ولوازمها وصدقه فيها سبب لدخول الجنة: فعَنْ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢)، وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣).
стр. 77
٦ - وكذلك يدل على عظم عمل القلب أن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، سبب حصولهم على ذلك ما وقر في قلوبهم من أعمال قلبية عظيمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (١).
٧ - وتبرز مكانة عمل القلب وأثره في الحياة أن السعادة مرتبطة بتعلق القلب بالآخرة، فمن جعل همه الآخرة، وسعى لها سعيها وهو مؤمن، رزقه الله السعادة بالقناعة والرضا بما قسم الله له، وفتح له أبواب الرزق والبركة من حيث لا يحتسب، ومن جعل همه الدنيا ضاقت عليه الدنيا، وتشعبت همومه في أوديتها، وسيطر على قلبه الطمع في الدنيا، ونزع الله البركة منه: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (٢).
стр. 78
٨ - ومما يدل على مكانة عمل القلب أن حلاوة الإيمان ولذته وطعمه مرتبطة بتحقيق أعمال القلوب: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١)، ويَقُولُ ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (٢).
٩ - ومما يشعر بأهمية عمل القلب وأثره العظيم أن الله جعل موطن التقوى في القلوب، وجعل أسبابها في عمله: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. الحديث.
١٠ - ودل على مكانة عمل القلب مدحُ النبي ﷺ لأهل اليمن وثناؤه عليهم برقة القلوب ولينها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ،
١٣ - للإيمان أثر عظيم إذا خالطت حلاوته القلوب، فيفرح العبد به ويستبشر، ويكون ذلك من أسباب الثبات على الإيمان: فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ (١).
١٤ - الكبر من الآفات المفسدة للقلوب، والصادة لها عن الحق، ومن كان في قلبه شيء منه، ولو مثقال ذرة لا يدخل الجنة: فقَالَ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ (٢)، وَغَمْطُ النَّاسِ (٣)» (٤).
стр. 84
المبحث الثاني:
النصوص من الكتاب والسنة في بيان أثر عمل القلب وتأثره.
المطلب الأول: من نصوص القرآن الكريم في إثبات أثر عمل القلب وتأثره.
المطلب الثاني: من نصوص السنة في في إثبات أثر عمل القلب.
стр. 85
المبحث الثاني:
النصوص من الكتاب والسنة في بيان أثر عمل القلب وتأثره (١).
المطلب الأول: من نصوص القرآن الكريم في إثبات أثر عمل القلب وتأثره:
أولًا: ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة في إثبات أثر عمل القلب وتأثره بما يعمل صاحبه، فقد ذكر الله أن قلوب المؤمنين يصيبها الوجل، وتطمئن بذكره، وأنها تخشع وتخضع لأمره، وذكر كذلك أثر عمل القلب في نزول السكينة على المؤمن في وقت الشدائد، والثبات على الحق، والنصر على الأعداء، وأثر عمل القلب على كلمة التوحيد، والنصوص في ذلك كثيرة، ودونك أمثلة على ذلك:
١ - وجل القلب وخوفه من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢]. وفيها إثبات أثر ذكر الله على القلب بحصول الوَجَل، ومعناه: الخوف من الله (٢)، ولا شك أن الذكر لا يحدث أثره في حصول وجل القلب من الله تعالى إلا إذا تواطأ القلب مع الحواس.
٢ - طمأنينة القلب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، دلت الآية على أثر ذكر الله على قلب المؤمن، فهو يأنس ويطيب ويسكن بذكر الله تعالى (٣).
стр. 86
ذكر ابن القيم ﵀ في بيان المقصود بقوله تعالى: ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قولين:
"أحدهما: أنه ذكر العبد ربه، فإنه يطمئن إليه قلبه ويسكن، فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله …
والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله، به طمأنينة قلوب المؤمنين، فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن، فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه، والقرآن هو المحصل لليقين، الدافع للشكوك والظنون والأوهام، فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به. وهذا القول هو المختار" (١).
ولا شك أن أعظم ما يطمئن به القلب القرآن العظيم، ثم يليه ما ورد في السنة من أذكار.
٣ - تثبيت الله للقلوب المؤمنة على الحق عند الشدائد، قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]، وفي الآية بيان لأثر تثبيت الله لقلوب أصحاب الكهف على الحق، حيث ربط الله على قلوبهم، بمعنى: ثبتهم وصبرهم، وجعل قلوبهم مطمئنة في تلك الحال المزعجة، وهذا منّة منه ولطف بهم ورحمة، حيث ثبتهم وصبرهم على فراق قومهم، ومفارقة ما كانوا فيه من رغد العيش وكثرة النعم (٢)، وهكذا تكون القلوب إذا اتصلت بالله وقربت منه، يذيقها الله في الدنيا جنة
стр. 87
معجلة قبل جنة الآخرة، تغنيها عن لذائذ الدنيا ومتعها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك في أثناء البحث.
٤ - إخبات القلب، قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]، أثبت للقلوب صفة الإخبات، وهو من أعمال القلوب ومعناه: "تخشع وتخضع، وتسلّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم" (١).
والإخبات له أثره على العبد المؤمن في صلاحه واستقامته، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥].
وفي الآيتين دليل على أثر الإخبات -وهو عمل قلبي عظيم- في حصول الأمور الآتية:
- وجل القلب وخوفه من الله عند ذكره.
- الصبر على المصائب.
- إقامة الصلاة.
- الإنفاق في وجوه البر.
وهذا يدل على الأثر العظيم للإخبات في حياة العبد المؤمن.
٥ - نزول السكينة على القلب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
أي: علم ما في قلوبهم من الإيمان والوفاء والصدق والسمع والطاعة، فأنزل في
стр. 88
قلوبهم الطمأنينة، وأجرى على أيديهم الصلح الذي حصل به الخير العظيم من فتح خيبر ومكة، وما حصل من النصر والعزة والرفعة (١).
ثانيًا: وإذا تقرر هذا في حق المؤمنين في بيان أثر أعمال القلوب عليهم، وتأثر قلوبهم بما يعملون، فإن القرآن الكريم قد ذكر في مقابل ذلك حال الكفار وتأثر قلوبهم بما يعملون، وذكر كذلك أثر أمراض قلوبهم عليهم؛ من الختم والطبع، وما أصابها من مرض النفاق، والزيغ عن الحق، والقسوة … وقد جاءت آيات كثيرة في بيان ذلك، ودونك أمثلة عليه:
١ - من عقوبة الله لأصحاب القلوب المريضة الختم على القلب، وزيغه عن الحق، فقال تعالى عن الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧].
قال البغوي (٢) ﵀ في تفسيره لمعنى الختم على القلوب: "فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾: طبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا تعي خيرًا ولا تفهمه" (٣).
стр. 89
وهذا الختم على القلوب عقوبة لهم بسبب منهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
وقال السعدي (١) ﵀ في بيان أثر الزيغ الذي حدث منهم على قلوبهم: " ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ أي: انصرفوا عن الحق بقصدهم، ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عقوبة لهم على زيغهم الذي اختاروه لأنفسهم ورضوه لها، ولم يوفقهم الله للهدى؛ لأنهم لا يليق بهم الخير، ولا يصلحون إلا للشر، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الذين لم يزل الفسق وصفًا لهم، لا لهم قصد في الهدى. وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده، ليس ظلمًا منه، ولا حجة لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعد ما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ الذي لا حيلة لهم في دفعه، وتقليب القلوب عقوبة لهم وعدلًا منه بهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] " (٢).
стр. 90
٢ - خطر النفاق على القلب، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، ذكر أن في قلوبهم مرض النفاق (١)، وزاده الله في قلوبهم عقوبة لهم، وفي ذلك بيان لأثر مرض النفاق على القلوب في فسادها وانحرافها.
٣ - الطبع على القلوب فلا تسمع الحق سماع الانتفاع به لنفورها من الحق وكرهها له، قال عنهم: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٠، ١٠١].
وهذا الطبع بمعنى الختم على القلب (٢)، فلا يدخل إليه الحق، ولا يصل إليه الخير، ولا يسمع ما ينفعه إلا سماع ما تقوم به الحجة عليه (٣)، وكل ذلك عقوبة لهم على ما حصل منهم من كره الحق والنفور منه.
٤ - من آثار النفاق على القلوب تقييدها عن الخير بما يحدث لها من التردد والتذبذب والشك والحيرة والكسل عن الطاعات وكرهها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]. والريب هو الشك، وهو من أثر أمراض النفاق على القلوب، فيتولد منه أثره على
стр. 91
القلب بالتردد والتذبذب والكسل عن الطاعة وكرهها، فقال تعالى في بيان أثر النفاق على القلب: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢، ١٤٣].
وقال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤].
وقال تعالى في بيان أثر مرض النفاق على القلب وأن الله لا يمكِّن صاحبه من العمل، بل يقعده عنه عقوبةً له على ما في قلبه من مرض: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].
وإذا وجد العبد أنه يثبَّط عن الطاعات، ويحال بينه وبينها، فليفتِّش عن مرض في قلبه.
٥ - من آثار الشرك وعدم الإيمان بالآخرة على القلب إنكاره للتوحيد (١)، ووقوعه في آفة الكبر التي صدته عن عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى في بيان أثر ذلك على القلب: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢].
стр. 92
٦ - حجب أثر القرآن الكريم عن القلب، فلا ينتفع بمواعظه، بل يحال بينه وبين تأثير القرآن عليه بسبب كفره ورده للحق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥، ٤٦].
قال السعدي ﵀: "يخبر تعالى عن عقوبته للمكذبين بالحق الذين ردوه وأعرضوا عنه أنه يحول بينهم وبين الإيمان، فقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ الذي فيه الوعظ والتذكير والهدى والإيمان والخير والعلم الكثير، ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ يسترهم عن فهمه حقيقة، وعن التحقق بحقائقه والانقياد إلى ما يدعو إليه من الخير، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي: أغطية وأغشية لا يفقهون معها القرآن، بل يسمعونه سماعًا تقوم به عليهم الحجة، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: صممًا عن سماعه، ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ﴾ داعيًا لتوحيده ناهيًا عن الشرك به، ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ من شدة بغضهم له ومحبتهم لما هم عليه من الباطل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] " (١).
стр. 93
٧ - قال الله تعالى في أثر الغفلة على القلب: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢، ٣].
وصف الله قلوبهم بأنها غافلة معرضة، فقد اشتغلت الأبدان باللعب والقلوب باللهو بمطالب الدنيا، واشتغلوا بتناول الشهوات المحرمة، والعمل بالباطل، والأقوال الردية (١).
٨ - مرض قلب العبد بالشبهات والشهوات بسببه يضرب القلب بالقسوة، ويتسلط عليه الشيطان، ويتمكن من فتنة العبد، قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣].
٩ - عمى القلوب الذي يجعلها غافلة عن الآخرة، ولا تنتفع بمواعظ القرآن، ولا بغيره من باب أولى، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣].
قال الطبري ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "ولكن ﴿قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: عمى عن هذا القرآن. وعني بالغمرة: ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج" (٢).
стр. 94
١٠ - حمية الجاهلية وأثرها على القلب في صده عن الحق، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦].
والحمية هي الأنفة والعصبية التي حالت بينهم وبين الحق.
وذلك حين صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام ﵃ عن البيت حتى لا تقول عنهم العرب: إنهم قتلوا أبناءهم ودخلوا مكة قاهرين لهم.
ومن حمية الجاهلية لم يقروا بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم، وأنكروا أن محمدًا رسول الله ﷺ ، تلك هي حمية الجاهلية التي انطوت عليها قلوبهم (١).
١١ - أثر الذنوب على القلب في تغطيته وحجبه عن رؤية الحق، كما في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤].
أثبت الله تعالى أن الذنوب تغطي على القلوب، فتحجبها عن رؤية الحق فلا تقبله.
كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ (٢) فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ (٣) قَلْبُهُ، وَإِنْ
стр. 95
عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤]» (١).
فإذا غطت الذنوب القلب عمي عن رؤية الحق وانطمست بصيرته، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
١٢ - يعاقب الله المتكبر الجبار بالطبع على قلبه عقوبة له، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
١٣ - بشر الله عباده الصالحين بأنه يعاقب الكافرين بإلقاء الرعب في قلوبهم، فيصيبهم الخوف من المؤمنين الصادقين والهزيمة، وذلك من أثر الشرك والكفر على قلوبهم (٢)، فقال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١].
وغير ذلك من الآيات الكثيرة في بيان أثر عمل القلب وتأثره.
стр. 96
المطلب الثاني: من نصوص السنة في إثبات أثر عمل القلب:
وقد ورد في السنة ما يبين تأثر عمل القلب بما يعمل صاحبه، وإثبات أثره عليه، ومن ذلك:
١ - أثر عمل القلب على صلاح الجسد أو فساده، ويدل عليه ما رواه النعمان بن بشير ﵁ قال: قال ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
وفي الحديث إشارة -كما يقول ابن رجب (١) ﵀: "إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقٍ للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.
وإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب" (٢).
стр. 97
ويقول شيخ الإسلام ﵀: "وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له (١) لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلوله" (٢).
٢ - ارتباط التقوى بعمل القلب، يقول ﷺ : «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ …
وذكر النووي (٣) في شرحه للحديث أن التقوى إنما تحصل بما في القلب من الأعمال، فيقول ﵀: "إن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته" (٤).
٣ - ومما يدل على خطر أثر عمل القلب عليه أنه يتقلب كثيرًا بسبب الفتن ؛ ولذا لا بد من سؤال الله تعالى ثبات القلب على الدين، وأن يكثر من هذا الدعاء في ليله ونهاره، كما كان يفعل ﷺ ، فعَنْ أَنَسٍ ﵁
стр. 98
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ؛ إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ».
والحديث يدل على خوف النبي ﷺ على أصحابه من تقلب القلوب، فكيف بمن عداهم؟!
٤ - أثر الفتن على القلب، فعن حذيفة ﵁، يَقُولُ ﷺ : «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا (١) كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (٢).
وفي هذا الحديث دليل على خطر الفتن على القلوب، وأنه ينبغي على الداعية أن يحذر على قلبه من فتن الشبهات والشهوات، ويحرص على سلامة قلبه من آثار الفتن بالحذر منها، والبعد عن مواطنها، ومحاسبة نفسه ومجاهدتها، والحرص على ملازمة الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ
стр. 99
كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].
قال ابن القيم ﵀ في شرحه لحديث حذيفة السابق: "فشبَّه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا كعرض عيدانِ الحصير -وهي طاقاتها (١) - شيئًا فشيئًا، وقسَّم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين:
قلب إذا عُرضت عليه فتنة أُشْرِبها، كما يشرب السِّفِنْج الماء، فتُنكَت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يُشرب كل فتنة تعرض عليه، حتى يسودّ وينتكس، وهو معنى قوله: «كالكوز (٢) مُجَخِّيًا» أي: مكبوبًا منكوسًا، فإذا اسودَّ وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان (٣) إلى الهلاك:
أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، وربما استحكم فيه هذا المرض، حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا والباطل حقًّا.
الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول ﷺ ، وانقياده للهوى واتباعه له.
وقلب أبيض، قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وكرهَها، فازداد نوره وإشراقه وقوَّته.
والفتن التي تُعرَض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن
стр. 100
الشبهات، وفتن الغي والضلال، وفتن المعاصي والبدع، وفتن الظلم والجهل؛ فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد" (١).
٥ - أثر عمل القلب على كلمة التوحيد، وذلك أنها لا تنفع قائلها حتى يحقق شروطها من الإخلاص والصدق واليقين والعلم، كما نصت على ذلك الأحاديث الآتية:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَنْ لَا يَسْأَلنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّل مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، أَوْ: «نَفْسِهِ» (٢).
وقال رسول الله ﷺ : «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ».
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وقَالَ ﷺ : «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (٣).
وهذه الأحاديث تدل على أثر أعمال القلب على قول: لا إله إلا الله، وأنها لا تنفع قائلها إلا إذا حقق عمل القلب بالإخلاص في قولها، واليقين الذي ينافي الشك، والعلم الذي ينافي الجهل بمعناها وشروطها وأركانها، وبلوازمها ومقتضياتها، والصدق الذي ينافي الكذب في قولها.
стр. 101
٦ - وعن ثوبان ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا (١)»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟! قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ (٢)، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» (٣).
وفي هذا الحديث دلالة على أثر عمل القلب على الأمة في مجموعها، إذا غلب عليها تعلق القلوب بحب الدنيا وكراهية الموت في سبيل الله، فعند ذلك يقل قدرها وهيبتها في أعين عدوها، وصار العدو يدعو بعضه بعضًا لحرب الأمة، مثلما يُدْعَى الناس إلى الطعام، لا مشقة في ذلك ولا كلفة بل فيه اللذة.
وذلك مع كثرة الأمة إلا أنها لا رصيد لها في الواقع، وذكر النبي ﷺ سبب ذلك في الحديث: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» حثًّا للأمة على علاج الخلل، والله المستعان.
٧ - في بيان أثر مرض الكبر على القلب، فعن عبد الله بن مسعود ﵁: قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ
стр. 102
رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».
وفي الحديث دليل على أثر آفة الكبر على من تلبس بها، وهو من أخطر أمراض القلوب، ومن أعظم ما يصد القلوب عن الهدى.
стр. 103
الفصل الثاني:
أعمال القلوب بين السلف والمخالفين لهم
المبحث الأول: مجمل معتقد أهل السنة والجماعة في أعمال القلوب.
المبحث الثاني: مجمل قول المخالفين لأهل السنة والجماعة في أعمال القلوب.
المبحث الثالث: مجمل الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة في أعمال القلوب.
стр. 104
توطئة:
إن مما منّ الله به على أهل السنة والجماعة وضوحَ المنهج وثباتَه وصفاءَ المعتقد؛ لاعتصامهم بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، ويظهر ذلك في مسألة أعمال القلوب وارتباطها بالإيمان، فهم يعتقدون أن أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، وأنها الأصل، وأعمال الجوارح تبع لها ولا تصح بدونها.
وعلى هذا فسيكون الحديث في هذا الفصل -إن شاء الله تعالى- عن مجمل معتقد أهل السنة والجماعة في أعمال القلوب، وكذلك مجمل معتقد المخالفين لهم في مسألة دخول أعمال القلوب في مسمى الإيمان، ومن ثَمَّ الرد على هذه الفرق المخالفة برد إجمالي، وبالله التوفيق.
стр. 105
المبحث الأول:
مجمل معتقد أهل السنة والجماعة في أعمال القلوب
فيما يلي خلاصةُ عقيدة أهل السنة والجماعة في أعمال القلوب وعلاقتها بالإيمان، وذلك وفق المسائل التالية:
المسألة الأولى: الأدلة على أن الإيمان قول وعمل:
أهل السنة والجماعة يرون أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، وهي قول القلب وعمله.
وجاءت نصوص الكتاب والسنة دالة على أن الإيمان قول وعمل، ومن ذلك:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وفي هذه الآية الكريمة جعل الله الدين في عمل القلب وعمل الجوارح، فشملت القول والعمل، روى الإمام اللالكائي (١) عن الإمام البخاري (٢) -رحمهما
стр. 106
الله- أنه لقي أكثر من ألف رجل كلهم يقول: الدين قول وعمل، ويستدل بهذه الآية (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير لهذه الآية الكريمة: "وقد استدل كثير من الأئمة -كالزهري (٢) والشافعي (٣) - بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان" (٤).
стр. 107
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
استدل الإمام الآجُرِّيُّ (١) ﵀ بهذه الآية على فرضية الإيمان باللسان (٢).
ولكن هذا القول باللسان يستلزم أن يكون القلب متواطئًا مع اللسان ليترتب عليه الثواب والجزاء؛ لأن نطق اللسان بدون اعتقاد القلب نفاقٌ وكفر، وقول اللسان الخالي من عمل القلب عديم الفائدة قليل النفع، وإن العبد يؤجر عليه إذا كان خيرًا ومعه أصل الإيمان، ولكن الفرق كبير بين قول مجرد وقول حضر معه القلب (٣)، والله أعلم.
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
استدل الإمام ابن بطة (٤) ﵀ بهذه الآية على عمل القلب فقال: "وقال:
стр. 108
﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فذلك ما فرضه على القلب من الإقرار والمعرفة والتصديق، وهو رأس الإيمان وهو عمله، وفرض على اللسان القول والتعبير عن القلب، وما عقد عليه وأقر به" (١).
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢]، وذكر الله ذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
وذكر الإمام الآجري كلامًا متينًا معلّقًا على هذه الآيات الكثيرة التي جمعت بين الإيمان والعمل، فقال ﵀: "اعلموا -رحمنا الله وإياكم يا أهل القرآن، ويا أهل العلم، ويا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله تعالى في الدين بعلم الحلال والحرام- أنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله تعالى؛ علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار، إلا الإيمان والعمل الصالح، وقرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي قد وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقًا بقلبه، وناطقًا بلسانه، وعاملًا بجوارحه.
لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجده كما ذكرت، واعلموا -رحمنا الله تعالى وإياكم- أني قد تصفَّحت القرآن، فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله (٢)، أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفَّقهم له من الإيمان به والعمل الصالح" (٣).
стр. 109
الدليل الخامس: قَالَ أَبَو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» (١).
قال الآجري ﵀ في تعليقه على هذا الحديث: "فهذا الإيمان باللسان نطقا فرضًا واجبًا، وأما الإيمان بما فرض على الجوارح تصديقًا بما آمن به القلب ونطق به اللسان فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ إلى قوله: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، في غير موضع من القرآن" (٢).
والأدلة في إثبات أن الإيمان قول وعمل كثيرة جدًّا، وليس من مقصود الدراسة التفصيل في ذلك (٣).
المسألة الثانية: أقوال السلف في أن الإيمان قول وعمل:
يقول الإمام البخاري ﵀: "كتبتُ عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال: الإيمان قول" (٤).
وقد نقل الحافظ ابن عبد البر (٥) ﵀ الإجماع على ذلك، فقال: "أجمع أهل
стр. 110
الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل" (١).
وورد عنهم أيضًا قولهم: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ونقل اللالكائي هذا القول عن الكثير من السلف، ومنهم: "أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) قال: سألت أبي (٣) وأبا زرعة (٤) عن مذاهب أهل السنة في