وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢].
وفي تفسير السعدي: "يقول تعالى مبينًا لفضل الإيمان واغتباط أهله به يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ أي: إذا كان يوم القيامة، وكورت الشمس، وخسف القمر، وصار الناس في الظلمة، ونصب الصراط على متن جهنم، فحينئذ ترى المؤمنين والمؤمنات، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فيمشون بأيمانهم ونورهم في ذلك الموقف الهائل الصعب، كل على قدر إيمانه، ويبشرون عند ذلك بأعظم بشارة، فيقال: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فلله ما أحلى هذه البشارة بقلوبهم، وألذها لنفوسهم! حيث حصل لهم كل مطلوب محبوب، ونجوا من كل شر ومرهوب" (١).
ويقول الله لهم وهم قد حطوا رحالهم في الجنة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٧٣].
ويقول الله تعالى لهم وهم يتنعمون بنعيم الجنة:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].
стр. 457
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣].
ويقول تعالى عن أعظم نعيم أهل الجنة وهو رؤية وجه تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وصح في ذلك الخبر أن الزيادة رؤية وجه الله تعالى (١).
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].
أما الأحاديث الدالة على الفوز بنعيم الجنة فكثيرة، منها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (٢).
وأخفى الله ما أعده لعباده الصالحين في جنات النعيم، ووصفه بهذا الوصف المجمل للتتشوق إليه القلوب، وتتعلق به، وتهيج إليه النفوس (٣)، وتسارع وتسابق في أسباب الحصول على هذا النعيم، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
وقال تعالى حاثًّا لعباده في المسارعة إلى الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ
стр. 458
رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣].
والذي ينبغي أن يكون مضمار التنافس على أشده في الحصول عليه، كما قال تعالى بعد ذكر نعيم الجنة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ (١)، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لَا يَسْقَمُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَبْصُقُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمْ الأَلُوَّةُ -قَالَ أَبُو اليَمَانِ: يَعْنِي العُودَ -، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ» (٣).
وفي الحديث ما يدل على عظيم نعيم الجنة، ووصفه ﷺ له للتتشوق النفوس إليها، وتسارع وتسابق وتنافس في أسباب الحصول على هذا النعيم والفوز الكبير، ومن مظاهره التي دلت عليها النصوص السابقة ما يأتي:
١ - جمال وجوه أهل الجنة الذي يتجدد.
стр. 459
٢ - ذهاب أسباب الاختلاف والتباغض من القلوب حتى لا يتكدر النعيم.
٣ - التنعم بالحور العين.
٤ - التلذذ بذكر الله بدون جهد منهم، بل يكون بطريقة لا إرادية، كما يتنفس الإنسان في الدنيا.
٥ - يبعد الله عنهم كل أسباب تكدير النعيم وتنغيصه من الأمور التي تتقذر منها النفوس؛ مثل البصاق والمخاط والحيض عند النساء ونحوه، ويجعل الله الرشح مسكًا يفوح من أجسادهم.
٦ - لا يمرضون لأن في المرض تنغيصًا ومشقة وأذى يتنافى مع التلذذ بنعيم الجنة.
٧ - ومن كمال النعيم وزيادة الترفه في الجنة آنية أكلهم وشربهم من الذهب والفضة.
٨ - ومن كمال التلذذ بالنعيم أن رائحة بخور العود لا تنقطع عنهم، وهذا البخور في الجنة لا يلزم منه أن يكون بنار مما لا يتناسب مع نعيم الجنة، وهذا أمر ممكن حاصل في زمننا، هناك مباخر لا يستخدم فيها الجمر، والله على كل شيء قدير (١).
وعن أَبُي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا» (٢).
وهذا النعيم في الجنة لا يستطيع الخيال مهما سبح أن يصل إلى تصوره، وهو مندرج ضمن قول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ».
بَشَرٍ»، قَالَ: «وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللهِ : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الْآيَةَ [السجدة: ١٧]» (١).
كل هذه الأدلة تقرب لنا شيئاً من نعيم الجنة، وذلك بقياس ما يعطى أقل أهل الجنة منزلة على أعلاهم في المنازل العالية.
стр. 465
الفصل الثاني:
من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في دعوته
المبحث الأول: الإخلاص لله في الدعوة، والتجرد من حظوظ النفس.
المبحث الثاني: الاهتمام العظيم بعقيدة التوحيد.
المبحث الثالث: الدعوة إلى الله على بصيرة.
المبحث الرابع: الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة.
المبحث الخامس: الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة.
المبحث السادس: المجادلة بالتي هي أحسن.
المبحث السابع: الحرص على هداية الناس.
المبحث الثامن: الرحمة والشفقة بالمدعوين.
المبحث التاسع: إقبال الناس على دعوته.
المبحث العاشر: نبذ أسباب التفرق والاختلاف.
المبحث الحادي عشر: التأييد والتمكين في الأرض.
стр. 466
الفصل الثاني: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في دعوته
توطئة:
ولقد وفقني الله تعالى -وله الحمد والمنة- في الفصل السابق لذكر آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه، وهذه الآثار التي يجدها الداعية إلى الله تعالى في نفسه يمتد أثرها على دعوته، فإن من آثار ذلك عليه في دعوته أن يرزقه الله السير في دعوته على منهج الأنبياء، ويهديه ويعينه على ذلك، إذا جاهد نفسه لله من أجل صلاح قلبه، فإن الله يهديه لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وكما قال في خطابه لنبيه ﷺ ، ومن ثَمّ لأتباع منهجه في الدعوة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
والمقصود بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ في الآية هم الأنبياء الذين سبقوا النبي ﷺ ، وهو الذي اختاره ابن جرير ﵀، حيث يقول في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ذكره: ﴿أُولَئِكَ﴾ هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين هم الذين هداهم الله لدينه الحق، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه، والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه، والعمل بما فيه من أمر الله، والانتهاء عما فيه من نهيه، فوفقهم -جل ثناؤه- لذلك، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يقول تعالى ذكره: فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم، اقتده يا محمد، أي: فاعمل وخذ به واسلكه، فإنه عمل لله فيه رضًا، ومنهاج من سلكه اهتدى.
стр. 467
وهذا التأويل على مذهب من تأول قوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] أنهم الأنبياء المسمون في الآيات المتقدمة (١)، وهو القول الذي اخترناه في تأويل ذلك" (٢).
وقال تعالى عن منهج نبيه في الدعوة إليه تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
ولا شك أن الداعية إلى الله تعالى الموفق إذا سار على هذا المنهج، نجح في دعوته، وجعل الله له قبولًا وأثرًا على الناس، وثبته وأمده بعونه وتوفيقه، فيبارك الله في دعوته، وينصره ويؤيده.
ودونك شيئًا من معالم هذا المنهج بإجمال، وسيأتي التفصيل في المباحث القادمة بحول الله وإعانته:
- كانت دعوة الأنبياء ﵈ خالصة لله، لا يريدون من أحد جزاءً ولا شكورًا.
стр. 468
- كان الأنبياء ﵈ أول ما يدعون إليه توحيد الله وإفراده بالعبادة، وتحذير أممهم من الشرك كبيره وصغيره، وتحذيرهم كذلك من الذرائع والسبل الموصلة إليه.
- ومن المعالم البارزة في دعوة الأنبياء الدعوة إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.
- كان الأنبياء ﵈ حريصين على هداية الناس، وإنقاذهم من الجاهلية، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
- ومن معالم دعوة الأنبياء ﵈ الرحمة والشفقة بالمدعوين، مما يجعل قلوب المدعوين تهوي إليهم، وتقبل عليهم، فيفتح الله لهم مغاليق القلوب.
- ومن المعالم البارزة في دعوة الأنبياء ﵈ أنهم يدعون إلى نبذ أسباب التفرق والاختلاف والتنازع، ويحذّرون من ذلك، وفي المقابل يدعون إلى الألفة والمحبة والاجتماع على الحق والاعتصام بالوحي.
- ومن سنن الله الكونية التي يجريها لأنبيائه، وللدعاة إلى الله الذين يقتفون أثر أنبيائه أن ينصرهم الله ويمكن لهم.
وهذا أوان الشروع في تفصيل هذه المعالم لمنهج الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، وفق المباحث الآتية:
стр. 469
المبحث الأول: الإخلاص لله في الدعوة، والتجرد من حظوظ النفس
إن الأنبياء ﵈ لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورًا على دعوتهم، بل يريدون من الله وحده الأجر والثواب، وكان كل نبي يقول لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩].
قالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأقوامهم، وقالها نبينا ﷺ لقومه، كما قال تعالى عنه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦].
يقول ابن كثير ﵀: "يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ -يا محمد- لهؤلاء المشركين: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على هذا البلاغ وهذا النصح أجرًا تعطونيه من عَرَض الحياة الدنيا، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: وما أزيد على ما أرسلني الله به، ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة" (١).
وهكذا كل داعية إلى الله تعالى صدق مع الله، وأخلص دعوته لله، وسار على منهج الأنبياء ﵈، لا يريد بدعوته من أحد جزاء ولا شكورًا، ولا يريد مكسبًا دنيويًّا، أو شهرة أو ذكرًا وثناء من الناس، لا يريد جاهًا أو منصبًا، أو
стр. 470
مكاسب سياسية أو نحوها، بل يريد وجه الله تعالى والأجر والثواب منه وحده لا شريك له.
فيكون مقصد الداعية: الدعوة إلى الله وحده لا شريك له، لا يدعو لنفسه ولا لجهة أو طائفة معينة، أو لحزب أو لجماعة، بل همه وغايته من دعوته إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولأجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، ويكون دين الله وشرعه هو الظاهر، وهو المحكّم في الأرض، لا ينتصر لنفسه أو لغيره، إنما ينتصر للمنهج الحق (١).
عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٢).
والدعوة إلى الله تعالى من أفضل أنواع الجهاد كما قرره ابن القيم، فيقول ﵀: "وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم" (٣).
وعلى هذا فينبغي على الداعية أن يتحرر من المقاصد التي تفسد نيته، ويتجرد من حظوظ النفس، والرغبة فيما عند الناس، ويصبر على ما يلقاه في ذات الله، ولا ينتقم لنفسه، ولا يطلب لنفسه شيئًا من الدنيا وحظوظها.
ذكر شيخ الإسلام ﵀ كلامًا متينًا رصينًا حول بيان تعلق النفس بالحظوظ
стр. 471
الشخصية وهي تظهر أنها تدعو لله تعالى والأمر على غير ذلك، فيقول: "وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولًا أن يكون أمره لله وقصده طاعة الله فيما أمره به، وهو يحب صلاح المأمور، أو إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته، وتنقيص غيره، كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطًا، ثم إذا رُدَّ عليه ذلك وأوذي، أو نسب إلى أنه مخطئ وغرضه فاسد، طلبت نفسه الانتصار لنفسه، وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي.
وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة؛ فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم، وإن كان جاهلًا سيئ القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله .. ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة" (١).
والداعية الموفق يسير على منهج قدوته ﷺ في إخلاص دعوته لله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ
стр. 472
الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وفي قوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ تنبيه على الإخلاص في الدعوة؛ لأن من الناس من يدعو إلى نفسه (١).
ولأن الدعاة ينقسمون إلى داع إلى الله تعالى، وداع إلى الله -فيما يزعم- وهو يدعو إلى غيره، فالداعي إلى الله هو المخلص الذي يهمه إيصال الناس إلى الله، وأن يحذرهم مما يبعدهم عنه، ولا يريد من أحد جزاء ولا شكورًا، وإنما يريد الجزاء من الله وحده لا شريك له، أما الداعي الذي يزعم أنه يدعو إلى الله وهو في الحقيقة يدعو إلى غيره، قد يكون داعيًا إلى نفسه، لأجل أن يحصل على مكاسب سياسية، أو يدعو لأجل أن يعظّم بين الناس ويحترم، ولهذا تجده يغضب إذا لم يفعل الناس ما أمرهم به، ولا يغضب إذا ارتكبوا نهيًا أعظم منه، لكن لم يدع إلى تركه (٢).
ويغضب لنفسه إذا لم يُسْمَع كلامه أو لم يؤخذ بمشورته؛ لأن المصلحة مثلًا اقتضت عدم الأخذ برأيه، فتثور ثائرته لأجل ذلك، وربما يصل به الشطط إلى البحث عن العيوب لينتقم لنفسه، وإذا حصل خلل ما استغله ليبين أنه لم يؤخذ بمشورته، وهذه نتيجة ذلك، وحين ينكشف ما في النفوس، تظهر أن الحمية هنا ليست لله بل لمصالح شخصية.
وقد يغضب في داخل نفسه إذا لم يصدّر في المجلس، أو لم تقدم له التسهيلات، بحجة سابقته في الدعوة، أو مكانته العلمية، أو منصبه العلمي، أو بأنه القائد والمربي الذي ينبغي احترامه وتبجيله وتقديره فتوسع له المجالس، أو نحو ذلك من الأمور المغلفة بحظوظ النفس.
وقد يكون داعيًا إلى حزب أو جماعة، فهو لا يخرج في دعوته عن مطالب هذه
стр. 473
الجهة التي يتبع لها يتلمس رضاها، وقد يترك أمورًا من الدعوة هي من أسسها؛ لأجل أن الجماعة التي ينتمي إليهم لا يريدون ذلك، ومن أوضح الأمثلة على ذلك: ترك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة على منهج السلف؛ لأن جماعته الدعوية مثلًا لهم وجهة نظر في هذه المسألة يرون أن الدعوة إلى ذلك تفرق الناس، أو أنهم في الأصل يحاربون دعوة التوحيد.
وقد يكون المنضم إلى هذه الجماعة مقتنعًا بأهمية ذلك، لكنه يتركه حتى لا يخسر الانتماء إليهم، فيترك هذا الحق العظيم الذي هو من أعظم الحقوق في الدعوة إلى الله بمثل هذه الحجج الواهية أو المتوهمة، ولا شك أن هذا الأسلوب في الدعوة يجانب دعوة الأنبياء ﵈.
стр. 474
المبحث الثاني: الاهتمام العظيم بعقيدة التوحيد
إن من الأسس البارزة في دعوة الأنبياء ﵈ الاهتمام بالعقيدة والحرص على سلامتها.
ولكن لما كانت عقيدة التوحيد التي هي عبادة الله وحده لا شريك له، يحصل فيها الانحراف الكبير من البشر كانت محور اهتمام الأنبياء جميعًا، فقال تعالى في بيان رسالة الأنبياء جميعًا إلى أممهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
يقول السعدي ﵀: "يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له" (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
قال الطبري ﵀ في تفسيره للآية: "يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ يا محمد ﴿مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى أمة من الأمم، ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ﴾ لا معبود في السماوات والأرض تصلح العبادة له سواي، ﴿فَاعْبُدُونِ﴾، يقول: فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهة" (٢).
стр. 475
وذكر الله تعالى أن جميع الأنبياء ﵈ كانوا يقولون لأقوامهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وقالها النبي ﷺ لقومه حتى إنهم عجبوا من هذه الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهي مقتضى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله التي بلغها لهم، فقالوا مستعجبين كما ذكر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
وعَنْ رجل من بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ (١) يَتَخَلَّلُهَا يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ تُفْلِحُوا»، قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ، وَتَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، قَالَ: وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ .. الحديث (٢).
وعَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ (٣) قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ تُفْلِحُوا»، وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وَكَعْبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا
فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (١).
٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (٢).
قال ابن حجر ﵀ في ذكر وجه الجمع بين هذه الألفاظ: "ووجه الجمع بينها: أن المراد بالعبادة التوحيد، والمراد بالتوحيد الإقرار بالشهادتين، والإشارة بقوله: «ذَلِكَ» إلى التوحيد، وقوله: «فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ» أي: عرفوا توحيد الله، والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية، فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة وبالله التوفيق" (٣).
ومما يدل على أهمية الدعوة إلى التوحيد وأن البداءة تكون به أنه حق الله على العبيد كما في حديث معاذ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ»، قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا
стр. 478
يُعَذِّبَهُمْ» الحديث (١).
وعلى هذا فكل دعوة لا تجعل التوحيد في أول اهتمامها، فقد انحرفت عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، وفي المقابل يحرص الداعية على بيان ما يضاد التوحيد، فينقضه أو ينقص كماله من الشرك بكل أنواعه، والذرائع الموصلة إليه، وهكذا كان الأنبياء ﵈، وعلى رأسهم نبينا ﷺ ، يقول تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
وقال تعالى عن نبينا ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 479
المبحث الثالث: الدعوة إلى الله على بصيرة
المطلب الأول: تعريف البصيرة.
المطلب الثاني: أسباب البصيرة.
المطلب الثالث: مجالات البصيرة:
الفرع الأول: البصيرة بمن يدعو إليه، وهو الله .
الفرع الثاني: البصيرة فيما يدعو الناس إليه.
الفرع الثالث: البصيرة في حال المدعوين، وطرائق دعوتهم.
المطلب الرابع: أسباب ضعف البصيرة.
стр. 480
المبحث الثالث: الدعوة إلى الله على بصيرة
توطئة:
من توفيق الله تعالى للداعية الذي اجتهد في تحقيق أعمال القلوب أن يرزقه الله البصيرة في دعوته، فيجعل الله له نورًا يفتح له به مغاليق القلوب، ويجعل له أثرًا في المدعوين.
ذكر الله تعالى عن نبيه محمد ﷺ وهو يبين منهجه وطريقته في الدعوة إلى الله تعالى، وكذلك من اتبعه، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، يقول السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ للناس ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي: طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، المتضمنة للعلم بالحق والعمل به وإيثاره، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أحث الخلق والعباد إلى الوصول إلى ربهم، وأرغبهم في ذلك وأرهبهم مما يبعدهم عنه. ومع هذا فأنا ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ من ديني، أي: على علم ويقين من غير شك ولا امتراء ولا مرية، ﴿وَ﴾ كذلك ﴿مَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يدعو إلى الله كما أدعو على بصيرة من أمره. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ عما نسب إليه مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في جميع أموري، بل
стр. 481
أعبد الله مخلصًا له الدين" (١).
وسيكون الكلام عن البصيرة في الدعوة وفق المطالب الآتية:
المطلب الأول: تعريف البصيرة.
المطلب الثاني: أسباب البصيرة.
المطلب الثالث: مجالات البصيرة.
المطلب الرابع: أسباب ضعف البصيرة.
المطلب الأول: تعريف البصيرة:
البصيرة في اللغة تطلق على عدة معان منها:
العلم، فيقال: بَصُرْتُ بالشيء: علمته، وهو بصير به، وعلى الرؤية بالعين، فتقول: أبصرت الشيء أي رأيته، وعلى الحجة والاستبصار في الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، قال الأخفش (٢) في معنى الآية: جعله هو البصيرة كما يقول الرجل للرجل: أنت حُجَّةٌ على نفسك.
стр. 482
وتطلق على الفطنة (١)، تقول العرب: أعمى الله بصائره أي: فِطَنَه (٢).
وفي المعجم الوسيط ذكر بعض معاني البصيرة في اللغة: "البصيرة: قوة الإدراك، والفطنة، والعلم والخبرة، ويقال: فراسة ذات بصيرة صادقة، وفعل ذلك عن بصيرة عن عقيدة ورأي، والحجة، والرقيب، والعبرة" (٣).
البصيرة في الاصطلاح:
البصيرة في معناها العام: نور يقذفه الله في قلب عبده، يميز به بين الحق والباطل، ويرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم (٤).
والبصيرة في الدعوة إلى الله تعالى: أن يكون الداعية عالمًا بما يدعو إليه، عالمًا بمن يدعوه، فطنًا مدركًا للأساليب، والطرائق المؤثرة في المدعوين، وكل ذلك في إطار النصوص الشرعية، وما عليه سلف الأمة ﵏ (٥).
المطلب الثاني: أسباب البصيرة:
للبصيرة أسباب من سعى في حصولها وجدها، منها:
١ - العلم:
وللعلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ أثر على حصول البصيرة لدى الداعية إلى الله تعالى، فإن العلم النافع نور يقذفه الله في القلوب، فبه يفرق العبد بين الحق
стр. 483
والباطل والخطأ والصواب (١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
والنور يهبه الله لمن بذل أسبابه، فالعلم بكتاب الله تعالى وتدبره والعمل به له أثره على حصول نور البصيرة في القلب، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]، فالنور في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ هو القرآن العظيم (٢) الذي من تمسك به جعل الله له نورًا يشرق في قلبه يعرف به الحق من الباطل، فقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: يهدي به الله من اجتهد وحرص على مرضاة الله إلى أقوم طريق وأوضح سبيل، وهو العلم بالحق والعمل به إجمالًا وتفصيلًا، فيخرجهم بالقرآن من ظلمات الكفر والبدعة والمعاصي إلى نور الإيمان والسنة والطاعة والعلم والذكر، وكل هذه الهداية بإذن الله الذي لا يكون إلا ما يشاء (٣).
وجاءت النصوص في بيان أثر العلم بالقرآن والسنة في حصول نور البصيرة الذي له أعظم الأثر في هداية العبد إلى الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
стр. 484
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].
وسمى القرآن روحًا لأنه تحيا به القلوب والأرواح، كما تحيا الأجساد بالروح، وجعله نورًا يهدي به من يشاء، فيستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم (١).
وكذلك العلم بسنة النبي ﷺ والعمل بها له أثر في حصول نور البصيرة فعن زيد بن ثابت ﵁ قال ﷺ : «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ» الحديث.
ومن دعا له النبي ﷺ بالنضرة؛ لأنه يحمل الحديث ليعلمه الناس، فإن ذلك من أسباب نور بصيرة قلبه؛ لأن من يعلم الناس الخير، ويبلغهم حديث رسول الله ﷺ يفتح الله له أبواب التوفيق، قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ».
وإذا كان الخالق يثني عليه، وبقية المخلوقات تدعو له، فالتوفيق حليفه، ويقذف الله في قلبه نور البصيرة، فيكون له الأثر الكبير على من يدعوهم إلى الخير.
٢ - الإيمان والتقوى:
ومن أسباب نور البصيرة تحقيق الإيمان والتقوى في القلب، فإذا جاهد الداعية نفسه على تحقيق الإيمان والتقوى في قوله وفعله وظاهره وباطنه، قذف الله في قلبه نور البصيرة، وفتحت أمامه أبواب التوفيق، وجعل الله في قلبه نورًا يفرق به بين الحق والباطل، ويفتح الله له مغاليق القلوب، ويجعل لكلمته ودعوته قبولًا في قلوب الناس؛
стр. 485
لأن من حقق الإيمان والتقوى ظاهرًا وباطنًا، أحبه الله وأقبل بقلوب الناس إليه، وفتح له نور البصيرة وجعل كلماته تصل إلى القلوب، وتأثر فيها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» (١).
وقد بين الله في كتابه أثر الإيمان والتقوى في حصول البصيرة، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
كل هذه الآيات تدل على أثر الإيمان والتقوى على العبد، ومن آثارهما أن يؤتيه الله البصيرة، ويوفقه لها.
٣ - ومن أسباب البصيرة كثرة التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض:
لقوله ﷺ : «إن الله قال: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي
стр. 486
يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» الحديث.
وفي الحديث إشارة إلى أن العبد إذا تقرب الله بالنوافل بعد الفرائض أحبه الله تعالى، وجعل جوارحه تتحرك في مرضاة الله تعالى، وإذا كان أمره كذلك رزقه الله البصيرة في دعوته، وأقبل بالقلوب عليه كما سبق.
٤ - ومن أسبابها الاعتصام بالله:
دلت الآيات على أثر الاعتصام بالله وهو أنه إذا استمسك بدينه بكتاب الله وسنة رسوله وتوكل عليه، فإنه يفتح له نور بصيرته ويوفقه ويسدده، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. قال ابن كثير ﵀: "أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد" (١).
٥ - الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بقلب حاضر مقبل على الله، يستشعر حاجته وفقره لتوفيق الله له في كل حاله، وألا يكله إلى حوله وقوته، ويسأل الله أن يرزقه البصيرة في دعوته، وذلك يستدعي أمورًا منها:
أولًا: حسن ظنه بربه، قال ﷺ : «يقول الله تعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي».
стр. 487
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي».
وقال ﷺ عَنِ اللهِ : «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (١).
فمن حسُن ظنه بالله بأن يرزقه البصيرة وفقه الله لذلك.
ثانيًا: أن يكثر من الأدعية النبوية التي يظهر منها عجزه وحاجته وفقره إلى ربه، وأن يطلب منه العون والتوفيق، ومن أمثلة ذلك:
- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (٢).
- وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٣).
- وعن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ: «مَا يَمْنَعُكِ أَنْ
стр. 488
تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ؟! أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرَفَةَ عَيْنٍ» (١).
- والإكثار من دعاء: «يا مقلب القلوب، ثبتي قلبي على دينك»، وكان من أكثر أدعية النبي ﷺ .
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ؛ إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ».
- والإكثار من الدعاء الذي كان يفتتح به ﷺ صلاته من الليل: «اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
يقول ابن القيم ﵀: "وشهدت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار، والاستغاثة بالله واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق هذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من
стр. 489
التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم" (١).
٦ - الفراسة (٢) دليل على البصيرة، ولها أثر فيها، وعلامة دالة عليها، وللفراسة أسباب، ذكرها شجاع الكرماني ﵀ فقال: "من غض بصره عن المحارم، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال، وكف نفسه عن الشهوات، لم تخطئ له فراسة" (٣)، وهذه الأسباب من حققها حصل على البصيرة وظفر بالفراسة، وهي:
أ - غض البصر عن المحارم:
إن من ثمرات غض البصر عن المحارم صفاء القلب وسلامته من التعلق بالصور، وذلك الذي يورث نور البصيرة وقوة الفراسة، فإذا تعلقت القلوب بالنظر الحرام انطفأ نور بصيرتها، قال تعالى عن قوم لوط الذين تعلقت قلوبهم وأبصارهم بالنظر والشهوة المحرمة: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، فالتعلق بالصور يوجب
стр. 490
عمى البصيرة، وفساد العقل، وسكر القلب، وهو أشد من سكر الخمر (١).
ب - دوام مراقبة الله في الباطن:
وهي من ثمرات إيمان العبد بأن الله مطلع عليه لا يخفى عليه من أمره شيء، عالم بسره ونجواه، يسمعه ويراه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ البقرة: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣].
وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
ومراقبة الله في الباطن من أسبابها كذلك خشية العبد لربه بالغيب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].
وإذا داوم الداعية على مراقبة الله في سره استنار قلبه، وقويت بصيرته، وصدقت فراسته.
стр. 491
ت - أن يظهر عليه اتباع السنة في قوله وفعله:
إذا جاهد الداعية نفسه على دوام اتباع السنة، وظهرت عليه آثارها في قوله وفعله، وحرص على الاهتداء بهدي النبي ﷺ في سلوكه وتعاملاته، رزقه الله البصيرة في دعوته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، قال الطبري ﵀: "وإن تطيعوا -أيها الناس- رسول الله فيما يأمركم وينهاكم، ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم" (١).
ث - حرصه على أكل الحلال، والابتعاد عن المشتبهات:
أكل الحلال يورث صفاء القلب ورقته ونور بصيرته، فإذا حرص الداعية على تحري أكل الحلال، وابتعد عن المشتبهات، صلح قلبه، ورزق البصيرة في دعوته، فإن من أعظم العوائق التي تبعد الداعية عن التوفيق وتطفئ نور بصيرته وقوعه في أكل الحرام.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]»، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!».
وإذا لم يستجب الله لدعائه وحيل بينه وبين الإجابة بسبب أكل الحرام، وذلك عقوبة له، ويترتب على هذه العقوبة، ظلمة القلب، وذهاب نور بصيرته، وحرمانه من التوفيق.
стр. 492
ج - كف النفس عن الشهوات:
ومن أسباب حصول البصيرة في الدعوة: كف الداعية لنفسه عن الشهوات المحرمة أو التي فيها شبهة؛ لأن من وقع في الشهوات أثر ذلك على قلبه، فتضعف بصيرته أو تضمحل.
المطلب الثالث: مجالات البصيرة:
للبصيرة عدة مجالات، لا ينجح الداعية في دعوته حتى يلم بها، وهي على سبيل الإجمال:
الفرع الأول: البصيرة بمن يدعو إليه، وهو الله :
وذلك في عدة أمور:
أولًا: إيمانه الحق بالله تعالى، وتتجلى البصيرة فيه فيما يلي:
- بصيرته في الإيمان بالألوهية والربوبية.
- بصيرته في الإيمان بالأسماء والصفات.
ثانيًا: العلم بشرع الله الذي أنزله على رسوله ﷺ .
ثالثًا: علمه بوعد الله ووعيده.
الفرع الثاني: البصيرة فيما يدعو الناس إليه، وتبنى على المسائل الآتية:
المسألة الأولى: علمه بالعقيدة الصحيحة وما يضادها.
المسألة الثانية: أن يكون على علم بفقه السيرة النبوية.
المسألة الثالثة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه الدعوة إلى الله وضوابطه.
المسألة الرابعة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه التيسير في الدعوة.
المسألة الخامسة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه مقاصد الدعوة.
المسألة السادسة: أن يكون ملمًّا بفقه السنن الاجتماعية في الدعوة.
الفرع الثالث: البصيرة في حال المدعوين، وطرائق دعوتهم، وفيه مسألتان:
стр. 493
المسألة الأولى: الاطلاع على حال المدعوين، وهذا يستدعي من الداعية أن يكون ملمًّا بما يأتي:
الأول: معرفة الداعية ببيئة المدعوِّين بكل مجالاتها.
الثاني: أن يكون حريصًا على دعوة أهل التأثير في هذه البيئة، وقادة الرأي فيها.
الثالث: أعداء الدعوة، وكيفية التعامل معهم.
المسألة الثانية: البصيرة بطريقة الدعوة المناسبة.
وإليك شيئاً من التفصيل اليسير لهذه الفروع والمسائل:
الفرع الأول: البصيرة بمن يدعو إليه، وهو الله -:
وتتجلى هذه البصيرة في عدة أمور، منها:
أولًا: إيمانه الحق بالله تعالى:
إذا قوي إيمان الداعية بالله تعالى، وكان إيمانه حقًّا، وكانت بصيرته في إيمانه بينة واضحة، وحرص على تحقيق أعمال القلب، كان ذلك أدعى لتحركه في دعوته بقوة، وانطلاقة عظيمة لا يعتريها الفتور والعجز والكسل، ولا تعوقه العوائق، مهما كانت قوتها وعظيم أثرها؛ لأنه قلب موصول بإيمانه بالله تعالى، ويستمد قوته في دعوته من قوة بصيرته بإيمانه، وتتجلى البصيرة في الإيمان بالله تعالى فيما يأتي:
١ - بصيرة في الإيمان بالألوهية والربوبية:
الداعية المؤمن بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فقلبه موصول بالله، متعلق به، منطرح بين يديه، يلتجئ إليه في كل أحواله، لا يلتفت إلى غيره، متبرئ من حوله وقوته، ويؤمن يقينًا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ويؤمن بالله خالقًا رازقًا مالكًا مدبرًا، "فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا خالق غيره، ولا رب