← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ت - أن يظهر عليه اتباع السنة في قوله وفعله: إذا جاهد الداعية نفسه على دوام اتباع السنة، وظهرت عليه آثارها في قوله وفعله، وحرص على الاهتداء بهدي النبي ﷺ في سلوكه وتعاملاته، رزقه الله البصيرة في دعوته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، قال الطبري ﵀: "وإن تطيعوا -أيها الناس- رسول الله فيما يأمركم وينهاكم، ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم" (١). ث - حرصه على أكل الحلال، والابتعاد عن المشتبهات: أكل الحلال يورث صفاء القلب ورقته ونور بصيرته، فإذا حرص الداعية على تحري أكل الحلال، وابتعد عن المشتبهات، صلح قلبه، ورزق البصيرة في دعوته، فإن من أعظم العوائق التي تبعد الداعية عن التوفيق وتطفئ نور بصيرته وقوعه في أكل الحرام. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]»، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!». وإذا لم يستجب الله لدعائه وحيل بينه وبين الإجابة بسبب أكل الحرام، وذلك عقوبة له، ويترتب على هذه العقوبة، ظلمة القلب، وذهاب نور بصيرته، وحرمانه من التوفيق.

стр. 492

ج - كف النفس عن الشهوات: ومن أسباب حصول البصيرة في الدعوة: كف الداعية لنفسه عن الشهوات المحرمة أو التي فيها شبهة؛ لأن من وقع في الشهوات أثر ذلك على قلبه، فتضعف بصيرته أو تضمحل. المطلب الثالث: مجالات البصيرة: للبصيرة عدة مجالات، لا ينجح الداعية في دعوته حتى يلم بها، وهي على سبيل الإجمال: الفرع الأول: البصيرة بمن يدعو إليه، وهو الله : وذلك في عدة أمور: أولًا: إيمانه الحق بالله تعالى، وتتجلى البصيرة فيه فيما يلي: - بصيرته في الإيمان بالألوهية والربوبية. - بصيرته في الإيمان بالأسماء والصفات. ثانيًا: العلم بشرع الله الذي أنزله على رسوله ﷺ . ثالثًا: علمه بوعد الله ووعيده. الفرع الثاني: البصيرة فيما يدعو الناس إليه، وتبنى على المسائل الآتية: المسألة الأولى: علمه بالعقيدة الصحيحة وما يضادها. المسألة الثانية: أن يكون على علم بفقه السيرة النبوية. المسألة الثالثة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه الدعوة إلى الله وضوابطه. المسألة الرابعة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه التيسير في الدعوة. المسألة الخامسة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه مقاصد الدعوة. المسألة السادسة: أن يكون ملمًّا بفقه السنن الاجتماعية في الدعوة. الفرع الثالث: البصيرة في حال المدعوين، وطرائق دعوتهم، وفيه مسألتان:

стр. 493

المسألة الأولى: الاطلاع على حال المدعوين، وهذا يستدعي من الداعية أن يكون ملمًّا بما يأتي: الأول: معرفة الداعية ببيئة المدعوِّين بكل مجالاتها. الثاني: أن يكون حريصًا على دعوة أهل التأثير في هذه البيئة، وقادة الرأي فيها. الثالث: أعداء الدعوة، وكيفية التعامل معهم. المسألة الثانية: البصيرة بطريقة الدعوة المناسبة. وإليك شيئاً من التفصيل اليسير لهذه الفروع والمسائل: الفرع الأول: البصيرة بمن يدعو إليه، وهو الله -: وتتجلى هذه البصيرة في عدة أمور، منها: أولًا: إيمانه الحق بالله تعالى: إذا قوي إيمان الداعية بالله تعالى، وكان إيمانه حقًّا، وكانت بصيرته في إيمانه بينة واضحة، وحرص على تحقيق أعمال القلب، كان ذلك أدعى لتحركه في دعوته بقوة، وانطلاقة عظيمة لا يعتريها الفتور والعجز والكسل، ولا تعوقه العوائق، مهما كانت قوتها وعظيم أثرها؛ لأنه قلب موصول بإيمانه بالله تعالى، ويستمد قوته في دعوته من قوة بصيرته بإيمانه، وتتجلى البصيرة في الإيمان بالله تعالى فيما يأتي: ١ - بصيرة في الإيمان بالألوهية والربوبية: الداعية المؤمن بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فقلبه موصول بالله، متعلق به، منطرح بين يديه، يلتجئ إليه في كل أحواله، لا يلتفت إلى غيره، متبرئ من حوله وقوته، ويؤمن يقينًا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ويؤمن بالله خالقًا رازقًا مالكًا مدبرًا، "فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا خالق غيره، ولا رب

стр. 494

سواه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما في الوجود من حركة وسكون، فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه" (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٠ - ٦٤].

стр. 495

ومن الأمثلة على وضوح البصيرة في الإيمان بالله ما حصل من سحرة فرعون من إيمان عظيم بالله تعالى، ترتب عليه ثبات عظيم، قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣٨ - ٥١]. ٢ - بصيرته في الإيمان بالأسماء والصفات: قال ابن القيم ﵀ في بيان هذه البصيرة: "فالبصيرة في الأسماء والصفات: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله، فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر. وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب ﵎ مستويًا على عرشه، متكلمًا بأمره ونهيه، بصيرًا بحركات العالم علويه وسفليه، وأشخاصه وذواته، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحت تدبيره، نازل من عنده وصاعد إليه، وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزهًا عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصف نفسه في كتابه،

стр. 496

وفوق ما يصفه به خلقه، حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعت الخليقة أفعاله عدلًا وحكمة ورحمة وإحسانًا وفضلًا، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، وآخر ليس بعده شيء، ظاهر ليس فوقه شيء، باطن ليس دونه شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، ولا ترك الإنسان سدى عاطلًا، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات، وصرّف لهم الآيات، ونوع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمّن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته تغلب غضبه. وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها. وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف، لجهلهم بالنصوص ومعانيها، وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم، وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة منهم، وأقوى إيمانًا، وأعظم تسليمًا

стр. 497

للوحي، وانقيادًا للحق" (١). ثانيًا: العلم بشرع الله الذي أنزله على رسوله ﷺ -: وبصيرة الداعية بشرع الله الذي أنزله على رسوله ﷺ تقوم على التسليم التام، والانقياد الكامل الذي لا تشوبه المعارضة بشبهة تأويل، أو تقليد، أو هوى، كما قال ابن القيم ﵀: "فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص" (٢). قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلّمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة" (٣). ثالثًا: علمه بوعد الله ووعيده: وبصيرة الداعية في الوعد والوعيد تقوم على أنه ينظر بعين بصيرته إلى وعد الله

стр. 498

ووعيده كأنه يراه، فهو يرجو وعد الله ويخاف وعيده، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]. وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. وذكر شيخ الإسلام خلاصة مسألة الوعد والوعيد فقال ﵀: "الذي عليه أهل السنة: أن الله لا يخلد في النار أحدًا من أهل الإيمان. وخالف في ذلك قوم من أهل البدع: الخوارج والحرورية والمعتزلة، فقالوا: إن أهل الكبائر يخلدون فيها، ومن دخلها لم يخرج منها بشفاعة محمد ﷺ ولا غيره، وكذبوا. وعارض هؤلاء قوم من المرجئة: زعموا أن الإيمان حاصل من الخلق جميعهم، وأن إيمان الملائكة والأنبياء والصديقين كإيمان أهل الكبائر وكذبوا. وغلاتهم تزعم أنه لا يدخل في النار أحد، ويحرفون الكلم عن مواضعه، وكل هؤلاء ضالون. فالطائفة الأولى: نظروا إلى نصوص الوعيد. والثانية: نظروا إلى نصوص الوعد. وأما أهل السنة: فآمنوا بكل ما جاء من عند الله، ولم يضربوا بعض ذلك

стр. 499

ببعض" (١). الفرع الثاني: البصيرة فيما يدعو الناس إليه: وإذا حقق الداعية البصيرة في الإيمان بربوبية الله وألوهيته، وما له من الأسماء والصفات، فهنا لا بد على الداعية إلى الله تعالى أن يحقق البصيرة فيما يدعو الناس إليه، وإذا وفقه الله لذلك كانت دعوته مباركة ينتفع بها الناس ويقبلون عليها، ويكون لها الأثر فيهم. وهذه البصيرة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية تبنى على المسائل الآتية: المسألة الأولى: علمه بالعقيدة الصحيحة وما يضادها: من الضروريات أن يكون الداعية على علم متين بالعقيدة الصحيحة وما يضادها، حتى يبلغها للناس، وأن يكون على بصيرة في ذلك؛ لأجل أن يحسن عرض العقيدة الصحيحة على الناس، وأن يحذرهم كذلك مما يضادها من الشرك، ومن كل ما ينقض العقيدة ويذهب بها كلية، أو ينافي كمالها. المسألة الثانية: أن يكون على علم بفقه السيرة النبوية (٢): وحتى ينجح الداعية في إيصال دعوته للناس كما ينبغي لا بد أن يكون على بصيرة بفقه السيرة النبوية، يترسم معالم الهدي النبوي في سيرته العملية ﷺ في الدعوة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 500

المسألة الثالثة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه الدعوة إلى الله وضوابطه: ومما ينبغي أن يعتنيَ به الداعية في دعوته أن يكون ملمًّا بقواعد فقه الدعوة وضوابطه؛ حتى يكون في دعوته على بصيرة، وأجملها في الآتي: قواعد عامة تضبط فقه الدعوة (١): ١ - إنما الأعمال بالنيات. ٢ - الأصل في العبادات التوقيف. ٣ - الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين. ٤ - الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها. ٥ - الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم تعارضها مصلحة راجحة. ٦ - من عمل عملًا ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد. ٧ - دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. ٨ - لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ٩ - الوسائل لها أحكام المقاصد. قواعد خاصة تضبط فقه الدعوة (٢): ١ - العقيدة أساس الدعوة ومنطلقها. ٢ - توحيد المنهج الدعوي وعدم تعدده وتجزئته. ٣ - كل مقصد دعوي يخالف مقصد الشارع فهو باطل. ٤ - كل مسلك دعوي جر فسادًا أو دفع صلاحًا فهو منهي عنه.

стр. 501

٥ - الضرورة الدعوية تقدر بقدرها. ٦ - التدرج في الدعوة. ٧ - معرفة حال المدعوين قبل دعوتهم. ٨ - مخاطبة الناس على قدر عقولهم وأفهامهم. ٩ - رد الاختلاف إلى الكتاب والسنة. ١٠ - المشقة تجلب التيسير في الدعوة. المسألة الرابعة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه التيسير في الدعوة (١): والدعوة تقوم على منهج التيسير، كما في حديث بول الأعرابي في المسجد، وقد جاء فيه أن أعرابيًّا قام فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ: ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ-؛ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (٢). وقد جاءت نصوص كثيرة في بيان أن الدين يبنى على اليسر وعدم العنت والمشقة. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا

стр. 502

حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» (١). ولكن لا بد أن يكون الداعية على بصيرة في فقه التيسير، حتى لا يقع الخلل في دعوته بسبب المفاهيم المغلوطة في فهم معنى التيسير في الدين، فيقع في طرفي الأمور؛ إما في الغلو والتشدد والتضييق على الناس فيما وسع الله عليهم، وحملهم على ما يوقع في الحرج والمشقة، بحجة أخذ الدين بقوة، ويرى أن ذلك هو المنهج السليم حتى لا يحصل تمييع بحجة التيسير. وهناك في الطرف المقابل من يفهم يسر الدين بفهم مغلوط أيضًا، فهو يرى مراعاة رغبات الناس والتنازل عن بعض أمور الدين وثوابته، بحجة أنه يريد جذب الناس للتدين، وحتى لا ينفّر الناس، ويعد ذلك من التيسير. والوسط في هذه المسألة هو المطلوب، وهو أن يراعي الداعية في قضية التيسير الضوابط التي تضبطها من الخلل، من مثل: الأول: أن يكون التيسير ثابتًا بالكتاب أو السنة. الثاني: ألا يعارض نصًّا من الكتاب أو السنة. الثالث: أن يكون بعيدًا عن تتبع الرخص. الرابع: أن يكون مقيدًا بمقاصد الشريعة.

стр. 503

الخامس: عدم مجاوزة النص في الأخذ بالتيسير. المسألة الخامسة: أن يكون ملمًّا بقواعد فقه مقاصد الدعوة (١): ولأجل أن ينجح الداعية في دعوته لا بد أن يكون ذا بصيرة بفقه مقاصد الدعوة، وأن يجعل دعوته تحقق المقاصد العظيمة من هذا الفقه. وبصيرة الداعية في فقه مقاصد الدعوة لا بد أن يراعى فيها ما يلي: الأول: معرفة أبرز مقاصد الدعوة، حتى يعطيها الداعية من جهده في دعوة الناس ما تستحق، ومن أبرز مقاصد الدعوة: ١ - تحقيق التوحيد والتحذير من الشرك. ٢ - إقامة الحجة على الناس بالبلاغ المبين. ٣ - هداية الناس إلى الحق وإنقاذهم من النار. ٤ - إظهار الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض. ٥ - إقامة العدل ورفع الظلم. ٦ - حفظ الضروريات الخمس. ٧ - إبراز معاني الرحمة في هذا الدين. الثاني: أن يراعي في تحقيق هذه المقاصد سنة التدرج، وفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد: والداعية البصير لا يعتسف المراحل لتحقيق هذه المقاصد، فيفسد أكثر مما

стр. 504

يصلح، وينفر الناس عن دعوته، أو يصطدم مع أصحاب النفوذ وهو في غنية عن ذلك، ويترتب عليه تأخر الدعوة وانحرافها عن مسارها الصحيح، فلا بد إذن من مراعاة سنة التدرج (١)، وفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد. المسألة السادسة: أن يكون ملمًّا بفقه السنن الاجتماعية في الدعوة (٢): ومن بصيرة الداعية في دعوته أن يكون على علم وإدراك لفقه السنن الاجتماعية في الدعوة، فإن ذلك يكسبه قدرة على السير في طريق الدعوة على بينة، ويأتي الخلل أحيانًا في الدعوة بسبب عدم فقه الداعية للقوانين والسنن الاجتماعية. وهذه إشارة سريعة إلى بعض هذه السنن المرتبطة بالدعوة: أولًا: سنن عامة لها علاقة بالداعية والدعوة والمدعوين، أذكر منها على سبيل الإجمال: ١ - سنة التدرج. ٢ - سنة الابتلاء. ٣ - سنة التغيير. ٤ - سنة الإعداد. ٥ - سنة الخذلان. ٦ - سنة الاستبدال. ٧ - الترف والطغيان والكفر بنعم الله من أسباب هلاك الأمم.

стр. 505

ثانيًا: سنن خاصة بالداعية: ١ - الصبر واليقين. ٢ - سنة التمكين. ٣ - سنة الاعتدال. ٤ - سنة الحفظ. ٥ - بالإيمان والتقوى يدفع كيد الأعداء. الفرع الثالث: البصيرة في حال المدعوين، وطرائق دعوتهم: المسألة الأولى: الاطلاع على حال المدعوين، وهذا يستدعي من الداعية أن يكون ملمًّا بما يلي: الأول: معرفة الداعية ببيئة المدعوين بكل مجالاتها: ويدل على أهمية معرفة بيئة الداعية حديث معاذ لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن فقال ﷺ : «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ» الحديث. قال ابن حجر ﵀ في شرحه للحديث: "هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان" (١). وعلى هذا فالداعية البصير "كالطبيب الحكيم الذي يُشخِّصُ المرض، ويعرف الداء ويُحدّده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه؛ من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض،

стр. 506

وهكذا فالداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويُحدّد الدّاء، ويعرف الدّواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة" (١). الثاني: أن يكون حريصًا على دعوة أهل التأثير في هذه البيئة، وقادة الرأي فيها: وبصيرة الداعية تستدعي منه أن يعرف أهل التأثير في البيئة التي يدعو فيها، وقادة الرأي فيها، ليصدق الله في دعوتهم، ليكسبهم في صف الدعوة، وذلك يذلل الطريق لقبول الناس لدعوته؛ لأن الناس تبع لهم، وكان ﷺ حريصًا على دعوة ذوي المكانة في قومهم، ولذلك أمثلة منها: ١ - حرصه ﷺ على هداية عمه: كان أبو طالب سيد في قومه، فحرص النبي ﷺ على إسلامه إنقاذًا له من النار، وطمعًا في دخول قومه في الإسلام؛ لأنه سيدهم وقوله لا يرد، وكان الرسول ﷺ يقول له: «أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم -أو: كما قال ﷺ بعثني الله به رسولًا إلى العباد، وأنت -أي عم- أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه»، أو كما قال (٢). ٢ - حرصه ﷺ على دعوة أشراف القبائل وسادتها، وكان يفعل ذلك في الحج: كان ﷺ يعرض دعوته على وفود العرب في موسم الحج، وفي أسواقهم، وكانت

стр. 507

من المناسبات الهامة التي يحرص فيها ﷺ على دعوة ذوي المكانة من رؤساء العرب (١). عَنْ رجل من بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتَخَلَّلُهَا يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ تُفْلِحُوا»، قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ، وَتَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، قَالَ: وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . الحديث. ٣ - حرصه ﷺ على دعوة سادة ثقيف: ذهب ﷺ إلى الطائف لدعوة سادة ثقيف وأشرافهم، يقول ابن إسحاق (٢) ﵀: "لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم" (٣). ٤ - حرصه ﷺ على تألف عبد الله بن أبي ابن سلول، وعدم أذيته، مع عدائه الشديد للدعوة: ونقل ابن حجر قول الخطابي -رحمة الله على الجميع- في الحكمة من تألف ابن سلول: "إنما فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن أبي ما فعل لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم" (٤).

стр. 508

٥ - حرصه ﷺ على إسلام زعماء اليهود: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لآمَنَ بِي اليَهُودُ» (١)، قال ابن حجر ﵀ معلقًا: "والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعًا لهم" (٢). ٦ - ومن الأمثلة على أثر إسلام القادة قصة إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي عنهما، وأذكرها بطولها لما فيها من العبر، كما يرويها ابن كثير ﵀، فيقول: "إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر، على بئر يقال له: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك؛ هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدمًا. قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه، قال: فوقف عليهما متشتمًا (٣)، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟

стр. 509

اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. وقال موسى بن عقبة (١): فقال له: علام أتيتنا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطريد، يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه؟ قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أوَتجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت. قال: ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله، لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي. فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلًا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه؛ وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك. قال: فقام سعد بن معاذ مغضبًا مبادرًا؛ تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة،

стр. 510

وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارينا بما نكره؟! قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان، قال: فقال له مصعب: أوَتقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن -وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف-، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته، فأقبل عامدًا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير، فلما رآه قومه مقبلًا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة (١)، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة" (٢). الثالث: أعداء الدعوة، وكيفية التعامل معهم: ومن بصيرة الداعية في دعوته أن يعرف أعداء الدعوة، وكيفية التعامل معهم؛ لأن معرفة أصناف أعداء الدعوة ومواقفهم من الدعوة يمكِّن الداعية من البصيرة في كيفية

стр. 511

التعامل معهم لأجل دعوتهم، أو الرد على شبههم بالطريقة المناسبة التي تدمغ باطلهم فتزهقه، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. أو التحذير من خطرهم، ويبين لمن يدعوهم شدة خطرهم عليهم، ويحذر من أساليبهم الخادعة، كما تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. أو على أقل الأحوال أن يكسبهم في عدم الوقوف ضد الدعوة علانية وصراحة، كما فعل ﷺ مع المنافقين كعبد الله بن أبي ابن سلول وأتباعه ومن على شاكلته. وقال تعالى عن أعداء الأنبياء، وكذلك أعداء الدعوة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. ثم ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وفي ذلك إرشاد لنبيه إلى كيفية التعامل مع هذا الأمر، وهكذا الداعية البصير يقتدي بنبيه في كيفية التعامل مع هذا الأساليب المزخرفة في صد الناس عن الدعوة. وأخبر نبيه بأن هناك قلوبًا سوف تصغى لهؤلاء وتقبل على باطلهم، حتى يكون على بينة من ذلك، فيتعامل معهم بما يناسب، فقال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]. يقول السعدي ﵀ في بيان الحكمة من وجود أعداء الأنبياء: "ومن حكمة الله تعالى في جعله للأنبياء أعداء وللباطل أنصارًا قائمين بالدعوة إليه أن يحصل لعباده

стр. 512

الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى. ومن حكمته أن في ذلك بيانًا للحق، وتوضيحًا له، فإن الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه، فإنه حينئذ يتبين من أدلة الحق، وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون" (١). المسألة الثانية: البصيرة بطريقة الدعوة المناسبة: الداعية الذي حقق أعمال القلوب، فإن الله يوفقه ليسير في دعوته للناس على بصيرة، ويفتح الله له الطرق المناسبة في دعوة الناس، ويؤتيه الله الحكمة في دعوته، ليعطي لكل من يدعوه ما يناسبه من الطريقة والأسلوب، فمن الناس من يحتاج في دعوته إلى الموعظة الحسنة، واستخدام أساليبها المتنوعة: من خلال الترغيب والترهيب، أو القصة، أو ضرب المثل، أو نحو ذلك من أساليب الموعظة. ومن الناس من يحتاج في دعوته إلى أساليب الجدال بالتي هي أحسن، وهذا ما سيتم تفصيله (٢). المطلب الرابع: أسباب ضعف البصيرة: كما أن للبصيرة أسبابًا تقويها، وكذلك في المقابل هناك أسباب تضعف البصيرة، فعلى الداعية أن يحذر منها، وهي كثيرة، أذكر منها على سبيل الإجمال: ١ - الجهل. ٢ - اتّباع الهوى. ٣ - التعصب.

стр. 513

٤ - التقليد الأعمى. ٥ - المعاصي. ودونك تفصيل يسير لهذه الأسباب: أولًا: الجهل: إن مما يضعف البصيرة أو يذهبها: الجهل وعدم العلم؛ لأن الجهل يميت القلوب، فتفقد نور بصيرتها، يقول ابن القيم ﵀ عن أثر الجهل على القلب: "فإن الجاهل ميت القلب والروح، وإن كان حي البدن فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩، ٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وشبههم في موت قلوبهم بأهل القبور، فإنهم قد ماتت أرواحهم، وصارت أجسامهم قبورًا لها، فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور، كذلك لا يسمع هؤلاء، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة وملزومهما، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان، ولم تتحرك له: كانت ميتة حقيقة، وليس هذا تشبيهًا لموتها بموت البدن، بل ذلك موت القلب والروح. وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد من كلام لقمان أنه قال لابنه: يا بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي

стр. 514

الأرض بوابل القطر (١) " (٢). وعلى هذا فإن من مات قلبه بالجهل ماتت بصيرته. ثانيًا: اتّباع الهوى: ومن الأمور التي تُطفِئ نور البصيرة: اتباع الهوى، فهو يعمي القلب، ويضل العبد عن سبيل الله، فيترتب على ذلك عمى البصيرة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. يقول ابن القيم رحمه عن أثر اتباع الهوى على البصيرة: "فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل، ويعمي بصيرة القلب، ويصد عن اتباع الحق، ويضل عن الطريق المستقيم .. والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره، فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، فالتبس عليه الحق بالباطل" (٣). ومن كان هذا حاله طمست بصيرته، وغادرت قلبه إلى غير رجعة، إلا أن ينزع من قلبه اتباع الهوى، ثم يتبع الهدى، فحينئذ تعود إلى قلبه أنوار البصيرة، وتقوى بحسب قربه من الحق واتباعه له، وبعده عن اتباع الهوى.

стр. 515

ثالثًا: التعصب: ومن أسباب ضعف البصيرة عند الداعية: التعصب المذموم للأشخاص، أو للأحزاب والجماعات، أو لمذهب فقهي؛ فإنه يؤدي به إلى ربط الحق بهؤلاء الذين يتعصب لهم، فتجده يحاول أن يرد الحق إذا جاءه من غير هؤلاء الذين يتعصب لهم، فيقع في اتباع الهوى. رابعًا: التقليد الأعمى: ويلحق بالتعصب في إطفاء نور البصيرة التقليد الأعمى الذي هو من أسباب التعصب، وسبيله الموصل إليه، والتقليد بهذه الصفة للأشخاص أو المذاهب ونحوها يجعل صاحبه يرفض الحق إذا جاء من غير الذي يقلده، وهو باب من أبواب اتباع الهوى. خامسًا: المعاصي: ومن أسباب ضعف البصيرة عند الداعية: التساهل في الوقوع في المعاصي، وبالذات ذنوب الخلوات، والمعاصي الخفية التي يصر عليها العبد. يقول ابن القيم ﵀ في بيان أثر المعاصي على القلب: "ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب مواد الهداية. وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به ورأى تلك المخايل: إني أرى الله تعالى قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (١). ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب

стр. 516

في مثل الليل البهيم، فكم من مَهْلك يسقط فيه ولا يبصر، كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب، فيا عزة السلامة ويا سرعة العطب" (١).

стр. 517

المبحث الرابع: الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة المطلب الأول: معنى الحكمة. المطلب الثاني: أسباب الحكمة. المطلب الثالث: من معالم فقه الحكمة في الدعوة وأساليبها. المطلب الرابع: عوائق الحكمة.

стр. 518

المبحث الرابع: الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة توطئة: مر في المبحث السابق الكلام عن البصيرة في الدعوة إلى الله وأثرها على الداعية ودعوته، والحكمة لها علاقة وثيقة بالبصيرة لارتباط ما بينهما؛ لأن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى دليل على البصيرة. ومن توفيق الله تعالى للداعية الذي اجتهد في تحقيق أعمال القلوب أن يرزقه الله مع البصيرة الحكمة في دعوته، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، قال السعدي ﵀: "لما أمر تعالى بهذه الأوامر العظيمة المشتملة على الأسرار والحكم، وكان ذلك لا يحصل لكل أحد، بل لمن منَّ عليه وآتاه الله الحكمة، وهي العلم النافع والعمل الصالح ومعرفة أسرار الشرائع وحكمها، وإن من آتاه الله الحكمة فقد آتاه خيرًا كثيرًا، وأي خير أعظم من خير فيه سعادة الدارين والنجاة من شقاوتهما؟! وفيه التخصيص بهذا الفضل وكونه من ورثة الأنبياء، فكمال العبد متوقف على الحكمة، إذ كماله بتكميل قوتيه العلمية والعملية، فتكميل قوته العلمية بمعرفة الحق ومعرفة المقصود به، وتكميل قوته العملية بالعمل بالخير وترك الشر، وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره، وبدون ذلك لا يمكنه ذلك" (١).

стр. 519

وقال مخاطبًا نبيه ﷺ والدعاة إلى الله من بعده، في بيان أساليب الدعوة المؤثرة التي سار عليها الأنبياء ﵈، وعلى رأسهم النبي ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وسيكون الكلام على هذا المبحث في المطالب الآتية: المطلب الأول: معنى الحكمة. المطلب الثاني: أسباب الحكمة. المطلب الثالث: من معالم فقه الحكمة في الدعوة وأساليبها. المطلب الرابع: عوائق الحكمة. المطلب الأول: معنى الحكمة: الحكمة في اللغة: تطلق على عدة معان، منها: العلم، فيقال: صاحب حكمة أي: عالم، وتأتي بمعنى إتقان الأمر، فيقال: رجل حكيم، أي: متقن للأمور، وتأتي بمعنى المنع، ومنه الحُكْم؛ لأنه يمنع من الظلم، وسمي لجام الدابة حَكَمَة (١)؛ لأنها تمنع الدابة وتردها (٢). والحكمة في الاصطلاح: لها تعاريف كثيرة، منها:

стр. 520

١ - يرى الإمام ابن جرير ﵀ أن الحكمة: "الإصابة في القول والفعل" (١). ٢ - وقال القرطبي ﵀ في معنى الحكمة: "وأصل الحكمة: ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم: حكمة؛ لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه، وهو كل فعل قبيح" (٢). ٣ - وقال شيخ الإسلام ﵀: "وأما الحكمة في القرآن فهي: معرفة الحق وقوله والعمل به" (٣). ٤ - وقال ابن القيم ﵀: "وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: إنها معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان" (٤). ٥ - ومنهم من عرفها بوضع الشيء في موضعه (٥). ٦ - ومن التعاريف الحسنة للحكمة ما قاله ابن القيم ﵀: "الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي" (٦). ٧ - وعرفها الشيخ ابن عثيمين ﵀: "إتقان الأمور وإحكامها بأن تنزل الأمور منازلها، وتوضع في مواضعها" (٧). وبناءً على ما سبق يمكن أن أضع تعريفًا للحكمة في الدعوة إلى الله تعالى بأنها: "الفقه في الدين والعمل الذي يورّث إصابة الحق في القول والفعل، وإتقان

стр. 521

الأمور، ووضعها في موضعها المناسب"، والله أعلم. المطلب الثاني: أسباب الحكمة (١): في نظري أن أسباب البصيرة التي سبق الكلام عنها (٢) هي كذلك أسباب للحكمة، ويضاف إليها: ١ - العمل بالعلم المقرون بالإخلاص والصدق: إن العمل بالعلم الذي يرافقه الإخلاص والصدق يورث الحكمة، ويوفق للإصابة في القول والعمل، والداعية لا يكون حكيمًا في دعوته حتى يعمل بالعلم؛ مخلصًا فيه لله يحدوه الصدق مع ربه، وهذا الذي دعوته دواء للقلوب، تقبل عليها؛ تقرّبًا من الله، وتشوّقًا إلى جنته. وأما إذا لم يعمل الداعية بعلمه أو ضعف إخلاصه وصدقه، نزعت منه الحكمة وكانت موعظته لا أثر لها، ونفرت منه القلوب. قال مالك بن دينار (٣) ﵀: "إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا" (٤).

стр. 522

وقال الذهبي ﵀: "فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء تحامق، واختال، وازدرى بالناس، وأهلكه العُجْب، ومقتته الأنفس" (١). ٢ - الحلم والأناة: من أسباب الحكمة التحلي بخلق الحلم والأناة، وهما خلقان يحبهما الله، قال ﷺ لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» الحديث (٢)، فمن رزقهما أو جاهد نفسه على التحلي بهما، فتح الله عليه الحكمة في دعوته، ونفع الله بها. وتفصيل هذين السببين كما يلي: الأول: الحِلم: هو في اللغة: يطلق على ترك العجلة، والعقل، والتثبت في الأمور (٣). وفي الاصلاح: لا يبعد معناه الاصطلاحي عن معناه في اللغة، وهو: ضبط النّفس والطبع عند هيجان الغضب (٤) على ترك العجلة، وعلى التعقل والتثبت في الأمور (٥). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ (٦)، إِنَّمَا

стр. 523

الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (١). والداعية الذي يتحلى بخلق الحلم يرزقه الله الحكمة ويعينه عليها؛ لأن من يضبط نفسه عند الغضب، فسيثمر له ذلك المواقف السليمة، والتصرف بحكمة في المواقف الصعبة. الثاني: الأناة: وهو خلق جميل بمعنى: التثبت وترك العجلة (٢) في الأمور المشكلة (٣)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]. قال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين؛ لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟

стр. 524

فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي" (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وفي الآية الكريمة منهج تربوي عظيم ينبغي أن يسير عليه المسلمون عامة والدعاة خاصة، وهو منهج التثبت والتبين وعدم العجلة، في بناء الأحكام على يأتي من خبر، وبالذات خبر الفاسق أو المجهول، وقال السعدي ﵀: "وهذا أيضًا من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق بسبب ذلك الخبر ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه عمل به وصُدِّق، وإن دلت على كذبه كُذِّب، ولم يعمل به. ففيه دليل على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا" (٢). ويلحق بالفاسق -والله أعلم- الشخص المجهول أو المصدر المجهول الذي لا يعرف صدقه من كذبه، أو بمصطلح العصر ما يسمى بالشائعات، فينبغي على الداعية أن يتثبت ويتبين عند حصول خبر من هذه المصادر، حتى لا يبني عليه أحكامًا يندم عليها، يكون ضررها عليه وعلى دعوته، قال تعالى في بيان المنهج: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ

стр. 525

مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. يقول السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية مستنبطًا منها قواعد تربوية مهمة: "هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطًا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرزًا من أعدائهم فعلوا ذلك، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه؛ ولهذا قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه: هل هو مصلحة، فيقدم عليه الإنسان، أم لا فيحجم عنه" (١). ٣ - العدل: العدل خلق عظيم، ومبدأ أصيل، يبعث على الحكمة؛ وذلك لأن الداعية المحقق للعدل في نفسه ومع الناس قريب من الله، يؤتيه الله الحكمة، ويوفقه لها، والعدل أقرب

стр. 526

للتقوى كما قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، وقال تعالى عن أثر التقوى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ومن كان هذا حاله تيسرت له الحكمة ووفق لها. ولحب الله للعدل جاءت النصوص مرغبة فيه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. ٤ - الرحمة واللين والرفق: من رزقه الله الرحمة واللين والرفق وفقه في أصابة الحكمة والقول بها؛ لأن هذه الأسباب تؤثر في خلق العبد، وتضبط نفسه من التسرع والانفعال الذي يتنافى مع الحكمة، فمن كانت صفاته غلظ القلب نفر الناس عنه، وانفضوا من حوله كما قال تعالى مرشدًا خيرة خلقه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفي الآية إشارة إلى أن لين قلب الداعية من أعظم أسباب إقبال المدعوين عليه، وأن في المقابل غلظ القلب سبب لنفور الناس عن الداعية مهما أوتي من القدرات

стр. 527

العلمية؛ لأن الغلظ -والله أعلم- ينزع منه الحكمة في التعامل مع الناس، فينفضون عنه. وقال تعالى في بيان مقصد رسالته ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وعن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (١). وعَنها ﵂: أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ»، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟! رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» (٢). وعَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (٣). وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (٤).

стр. 528

وعَنها ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (١). فهذه النصوص تبين أهمية الرفق مع الناس، فإذا اتصف الداعية إلى الله تعالى به فتح الله له مغاليق القلوب، ورزقه الحكمة وإصابة الحق في قوله وفعله. ٥ - الاستشارة: ومن أسباب الحكمة استشارة الداعية لأصحاب العلم والخبرة من أولي الألباب قبل أن يقدم على ما يريده من أمور الدعوة في الأمور التي تحتاج إلى اشتراك الرأي فيها، وبالأخص الأمور التي يعود نفعها أو ضررها على الجميع؛ ليوفق فيها للصواب، يقول ابن جرير ﵀ في ثمرة الاستشارة: "لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك لم يخلهم الله من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه" (٢). وإذا كانت الاستشارة مبنية على المحبة والتواد، وإرادة الجميع للصواب، من غير ميل إلى هوى، أو حيد عن هدى، فإن الله يوفقهم ويسددهم (٣). المطلب الثالث: من معالم فقه الحكمة في الدعوة وأساليبها (٤): حتى ينجح الداعية في دعوته لا بد أن يكون على اطلاع على معالم فقه الحكمة في الدعوة وأساليبها، وأشير إليه في هذه النقاط الآتية: أولًا: مراعاة التدرج: ومعنى التدرج في الدعوة: أن يراعي الداعية حال المدعوين، ويترقى بهم في الدعوة شيئًا فشيئًا، يبدأ بالأهم ثم المهم، حتى يصل بهم الغاية المقصودة، وفق طرق مشروعة

стр. 529

مخصوصة (١). ويدل على هذا المعلم قوله ﷺ لمعاذ ﵁ لما أرسله داعية إلى أهل اليمن: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». وعلى الداعية أن يتعرف على أحكام التدرج التي تناسب المدعوين، فقضية التدرج في دعوة الكفار تختلف عن دعوة غيرهم. ثانيًا: معرفة طبائع النفوس: إن الحكمة في الدعوة تقتضي أن يعرف الداعية طبائع النفوس ليتعامل معها بالطريقة المناسبة، فالناس "متباينون في طبائعهم، مختلفون في مدركاتهم، في العلم والذكاء، في الأمزجة والمشاعر، مختلفون في الميول والاتجاهات؛ مما يدعو رجل العلم والدعوة إلى تخير المدخل -بل المداخل- المناسبة لتلك النفوس المختلفة والعقول المتباينة. نعم، إن فيهم الغضوب والهادئ، وفيهم المثقف والأمي، فيهم الوجيه وغير الوجيه" (٢)، ولكن إذا أحسنتَ تألف قلوبهم أقبلوا عليك، والذي لا يحسن التعامل مع طبائعهم المختلفة، ويعاملهم بطريقة واحدة، ينفرون منه كما تنفر الوحوش، ومما قيل

стр. 530

عن علي ﵁: القلوب وحشية، فمن تألفها أقبلت عليه" (١). يقول الشيخ صالح بن حميد (٢) حفظه الله في تعليقه على قول علي ﵁: "إنه يصورها ﵁ وكأنها دواب متوحشة، لا تعرف الألفة في طبعها، ويبدو هذا -والله أعلم- في ميدان النصائح والتوجيهات، فهل رأيت من يرضى أن تنسبه إلى جهل، أو عدم معرفة، أو سوء في التصرف؟! إن الإنسان يعظم عليه أن ينسب إلى الجهل؛ ولذا تراه يغضب إذا نبه على الخطأ، ويجتهد في مجاهدة الحق بعد معرفته خيفة انكشاف جهله. إنها في هذا الباب تنفر إذا قرب منها، بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي، ومن كان صاحب حكمة وفطنة في ترويض الوحوش فهو المفلح -بتوفيق الله- في هداية الناس. وصاحب الترويض الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، وتقصد إلى شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم .. شيء من العناية -غير المتصنعة- باهتماماتهم وهمومهم. وسوف يصل إلى مصدر النبع الخيّر في نفوسهم، وحينئذ يمنحونه حبهم وثقتهم. إن شيئًا من سعة الصدر والإحاطة بطبائع
следующие страницы →