← Указатели

Указатели · id 9791

تطور كتابة السيرة النبوية

عمار عبودى محمد حسين نصار

Полный текст (395 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجزء الأول بسم الله الرحمن الرحيم (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) صدق الله العلي العظيم سورة الانشقاق آية (٦) الإهداء إلى نبي الرحمة ورسول الإنسانية محمد ﵌ والسائرين على هديه وسيرته. الى الاب الذي ترك ولده تلميذا صغيرا الى الأم التي ما زالت رافعة الكفين موشحتين بالدموع تدعو الله لي بالتوفيق. أهدي بحثي هذا

стр. 2

سيرة الرسول ﵌ دراسة لنطاقها وتشكلّها تصدير بقلم: الاستاذ الدكتور صالح احمد العلي للرسول ﵌ مكانة متفردة في تاريخ البشرية، فلم يظهر فيها من يدانيه في الإنجازات التي حققها في تثبيت دعائم الدولة وترسيخ أسسها القائمة على استقرار الحياة البشرية وطمأنينتها وتقدمها، ومرجع ذلك مبادئ سليمة توجه الفرد في قرارة نفسه وعمق ذاته الى ما يؤمن طمأنينته واستقراره ويدفعه الى عمل ما ينفعه وينفع مجتمعه والانسانية. لم تنحصر آثار اعماله في المجتمع الذي عاش فيه ورضي باسسها وعمل على تطبيقها في الحياة، وإنما امتدت وبسرعة هائلة الى بلاد واسعة وظلت مثلا يؤمن بها من يعتنق الإسلام ويجلها ويتخذها كثير منهم موجها في سلوكهم وتصرفاتهم ممن هم من مختلف الأصول العرقية والمشارب من الأشقر والأبيض والأسمر والأصفر والأسود، ممن يقيم في بقاع من الأرض شاسعة ومتباعدة في المكان منذ أن بدأت الدعوة الاسلامية والى ما شاء الله، وقد امتدت آثارها في الأفراد والمجتمعات الصغيرة والواسعة وكانت الفاعل الأقوى في توجيههم ما أدى الى استقرار جذورها في صميم النفس الإنسانية، وبدت واضحة جلية في ثبات هذا

стр. 3

المجتمع امام التحديات الداخلية والخارجية التي واجهته والتي لم تصمد امامها كيانات ومجتمعات أكثر منه عددا واغنى ثروة فأز التهم تلك التحديات من الوجود والقت بهم في حضن التاريخ الذي يعنى بدراسة أمثالهم. وقد ظهرت آثار الاسلام في تماسك معتنقيه وصمودهم حديثا فأقصوا وقلصوا ما قام به الغرب المستند الى القوة المادية والعسكرية والدعائية، وصدوا كل محاولة لضعضعته، وما عرف عن هذه القوة المادية المهيمنة انها افلحت في اجتثاث المسلمين ومبادىء الاسلام. اختار الله تعالى الرسول ﵌ فأنزل عليه الوحي وأمره أن يبلغه للناس وأمرهم أن يطيعوا، ونزلت آيات كثيرة تأمرهم بذلك (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (من أطاع الرسول فقد أطاع الله) وأمرهم أن يتخذوه قدوة في الحياة (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقد اتخذ المسلمون منذ القرن الأول أحكام الرسول مصدرا أساسا يتلو القرآن في مكانته وبخاصة فيما يتعلق بتنظيم أحوال الأسرة مما نسميه الأحوال الشخصية، وتنظيم المعاملات التجارية وقد أفاض في أخبارها المعنيون بالفقه والسنن، وأدخلوا فيها كثيرا من آراء نسبوها الى الرسول ﵌ ، وقد ألف فيها المعنيون بالفقه مؤلفات قيمة، وكتبت فيها أبحاث قيمة لبعض المستشرقين وأبرزهم كولدزيهر وسانتلانا وجونبول وشاخت وهوارزهر. وعني عدد بمتابعة أخبار الرسول ﵌ ودون بعضهم معلومات وصلنا قليل منها، وكان أوسع من عني بذلك من الأولين أبان بن عثمان ومحمد بن

стр. 4

شهاب الزهري وموسى بن عقبة، ولم يصلنا كتاب ألفوه، وإنما وصلتنا مقتطفات متفرقة غنية وغير كاملة. وفي مطلع الخلافة العباسية ألف محمد بن إسحاق كتاب سيرة الرسول ﵌ أورد فيه ما نقله عن عدد ممن سبقه من العلماء وعني بذكر مساند أكثرها. وشمل كتابه مقدمة سميت" المبتدأ" ثم حياة الرسول ﵌ الأولى والمبعث وامتداد الإسلام في مراحله الأولى، ثم أفاض في الكلام على حوادث جرت في المدينة بعد الهجرة، ولم يصلنا كتاب محمد بن إسحاق كاملا كما وضعه وإنما وصلتنا مقتطفات من رواة أفاض مطاع طرابيشي في متابعتهم في دراسة قيمة نشرها في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق ثم وسعها في كتاب مستقل. إن أوسع من روى سيرة ابن اسحاق هو عبد الملك بن هشام وهو ممن عاش في البصرة ونهل من علمائها في اللغة وصارت روايته معتمد الباحثين فركنوا اليها ونقلوها أو بعضها وظلت المعتمد الأول والأكبر لمن كتب السيرة في هيكلها العام أو معلوماتها. أشار ابن هشام إلى حذفه أو اقتضابه بعض ما ذكره ابن اسحاق والى أخطاء وقع فيها في رواية الشعر واضاف إليها معلومات اقتبسها من علماء البصرة لا سيما أبو عبيدة علما أن الشعر يبلغ قرابة ربع ما رواه عن ابن إسحاق ولم ينقد ما رواه ابن اسحاق أو يضيف إليه غير رواياته عن أبي عبيدة وهي في اللغة وليست في سيرة الرسول ﵌ أو الأحداث التي مرت به.

стр. 5

عالج عدد من العلماء جوانب من حياة الرسول ﵌ لم يفها ابن اسحاق وشملت مصنفاتهم شمائله وخلقه وبعض جوانب حياته الخاصة وما يتصل بها ولكن أحدا منهم لم يفصل في اساليب نشره للإسلام وتعميقه في نفوس معتنقيه وهو كان أساس بناء المجتمع الجديد. وفي الأزمنة الحديثة تزايد الاهتمام بكتابة السيرة وكان ذلك من المستشرقين الغربيين والمسلمين المشارقة. فأما المستشرقون فأغلبيتهم نصارى ومنهم قليل من اليهود تخصصوا في السيرة وأكثرهم متأثر بالمناخ الفكري المتطور في أوربا الذي ظهر في القرن التاسع عشر بسبب بروز العوامل المادية السطحية على حساب القوى الروحية. فأما المستشرقون فكان من أوائل المعنيين منهم بدراسة حياة الرسول وسيرته، المستشرق الإنكليزي (ويليم سيل) الذي ألف في القرن الثامن عشر كتابا متزنا عن الرسول ﵌ وكما خص (كارليل) الرسول ﵌ بفصل من كتابه (الأبطال) أشاد فيه بمنجزات الرسول. وأشار عدد من الكتاب الأوربيين الى جوانب من حياة الرسول ﵌ أمثال فولتير وجماعته، برز في كثير منها سطحية وتحامل، وفي بعضها دفاع قائم عن المنجزات وليس عن تفاصيل الأعمال التي قام بها الرسول. وتزايدت مؤلفات المستشرقين منذ أواخر القرن التاسع عشر فكتب عدد منهم كتبا مستقلة في السيرة منهم وستنفلد، وجروهان فيك، ووليم ميور، ثم ديبومين، والفريد جيوم الذيترجم سيرة ابن اسحاق مع مقدمة مهمة، ومن

стр. 6

أواخرهم مونتكمري وات وماكسيم رودنسون وتابعوا فيها سيرة ابن اسحاق مع تعليقات مثيرة بعضها ناشزة، ومن اقوم ما كتب حديثا هو الفصول الواسعة التي كتبها (ليو كايتاني) وتابع تنظيمها على اساس الحوليات وأورد فيها كل ما تيسر له من معلومات عن تلك الحوادث مع تعليقات قيمة وتحليلات مثيرة للتفكير. وللمستشرق دلتور اندريه مكانة خاصة فقد ألف كتابين (سيرة محمد) و (محمد الرجل والنبي) وهما كتابان قصيران أولى فيهما تقديرا لرسالة الرسول الروحية وتعاطفا مع دعوته المنسجمة مع نظريات رجال الدين، علما أنه أحدهم، إذ كان أسقف إبسالا في السويد. لم تكن دراسة سيرة الرسول ﵌ ضمن المواضيع التي تعنى بتدريسها المدارس في العالم الإسلامي وإنما اقتصرت على أحكامه في الأحوال الشخصية والمالية لكونها جزءا من دراسة الفقه. بدأ الاهتمام بدراسة السيرة النبوية في أوائل الثلاثينيات عندما نشر محمد حسين هيكل ترجمة كتاب أميل در منغهم في سيرة الرسول بمقالات في ملحق جريدة السياسة فأثارت الاهتمام، وتصرف في الترجمة ثم طبعها بكتاب مستقل باسمه بعنوان (حياة محمد) ثم أردفه بكتاب عنوانه (في منزل الوحي) ، ولقي كتاب (حياة محمد) رواجا كبيرا، وأثار الاهتمام فإن لكل من طه حسين وتوفيق الحكيم وعباس العقاد كتبا تابعة لكتاب هيكل وتزايد عدد الكتب والمقالات عن السيرة، وزاد من نشاطها التيار العام الذي نشط في نقد المستشرقين علما

стр. 7

أن كثيرا من هذا النقد دافعه تحدي الغرب وادعائه والحد من ظاهرة محاولات المستشرقين الدس في تاريخ الرسول ﵌ وتشويهه من دون أن يقدموا حججا مقنعة من سوء القصد. ونشطت في الحقبة الحديثة كتابات عن النظم الإسلامية وتناول بعضها جوانب من أعمال الرسول فيها تعليقات على أعماله السياسية، ويبدو أن هذه الكتابات كانت مرحلية ركدت بعدها تلك الدراسات. طغت كتابات المشارقة على كتابات المستشرقين التي تناقصت لتقلص عدد المستشرقين ونتاجاتهم. وكان نتاج المشارقة ثرا واسعا فيه تكرار ودفاع بعضه عاطفي وهو من حيث العموم يعتمد في أساسه على (سيرة ابن اسحاق) فيكرر معلوماتها ويذكر بعض التعليقات المبتسرة ولم يحاول أحد فيما أعلم التطرق الى لب الموضوع وجوهره وهو: ما هي أسس ومقاصد الإسلام التي دعا الرسول ﵌ الناس الى الأخذ بها وكان العامل الأكبر في دعوته وخلوده؟ وما هي السبل والمسالك التي اتبعها؟ وكيف توفق في نشرها وتعميمها في نفوس الناس؟ ولابد من الإشارة الى دراسات ظهرت حديثا في انتشار الاسلام بدأت بكتاب نشره (توماس أرنولد) اسمه (الدعوة الى الاسلام) وتبعته دراسات قام بها بعض المستشرقين الفرنسيين عن انتشار الاسلام في شمال افريقيا ثم دراسات عن انتشار الاسلام بين أهل الهند والبرتغال وبين أهل أندنوسيا وأهل الصين وكثير منها تدرس خطوات هذا الانتشار وقلما تذكر خصائص الاسلام التي دفعت

стр. 8

تلك الأقوام الى اعتناقه علما ان كثيرا منها لم تكن في ظل الدولة التي أقامها الاسلام وامتد سلطانها في بلاد الشرق الأوسط من أوسط اسيا شرقا الى المحيط الأطلسي غربا، ولم يتراجع المسلمون في الأندلس اثر تدابير شرسة وعنيفة شنها عليهم أعداؤهم. عرض السيد عمار عبودي نصار في دراسته الموسومة (تطور السيرة النبوية عند المؤرخين المسلمين) المصنفات (المصادر) والأبحاث التي تناولت سيرة الرسول ﵌ منذ صدر الإسلام بما في ذلك المصنفات المستقلة التي عرضت سيرة الرسول من مولده إلى وفاته ثم الأبحاث عن مولد الرسول ﵌ وأهل بيته وأزواجه وشمائله وأخلاقه وأعلام النبوة ودلائلها وخصائصه وهي جوانب لم يعن بها الباحثون المحدثون. وأورد في ثنايا بحثه أسماء عدد من المؤلفات والمؤلفين في هذه المواضيع وأشار الى بعض ارائهم. فقدم بذلك كنزا من المعلومات التي لا يستغني عنها باحث في هذا الميدان. وأبدى تعليقات قيمة ضمن كلام يحتاج بعضه الى تركيز ولكنه لا يحجب حقيقة غنى الرسالة بالمعلومات الواسعة والملاحظات السديدة التي قلما تطرق اليها الباحثون القدامى. ولا ريب في ان الرسالة تسد فراغا واسعا وترفعها الى مستوى المراجع التي لا يستغني عنها الباحثون في هذا الميدان. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ... صالح احمد العلي بغداد- نيسان- ٢٠٠٢

стр. 9

المقدمة تحتل السيرة النبوية مكانا بارزا في ثقافة المسلم، لأنها من الأولويات التي ينبغي له معرفتها لفهم المراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية، فضلا عن الإلمام بطبيعة الظروف والارهاصات التي سبقتها وعوامل نشأتها، وإسهام هذه الأمور مجتمعة في تكوين شخصية النبي ﵌ من مولده إلى أن ألتحق بالرفيق الأعلى واكتساب هذه الشخصية صفة القداسة والاحترام المطلق عند المسلمين. ولّدت مكانة سيرة الرسول ﵌ حافزا لدى المسلمين على توثيق كل صغيرة وكبيرة في حياة هذه الشخصية العظيمة، امتثالا لما أمر الله عباده باتباع رسوله وعدّه القدوة والمثال الذي يجب الاقتداء به، وذلك بقوله في محكم كتابه وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «١» ، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٢» . لأجل ما تقدم كان التراث الفكري لسيرة الرسول ﵌ وأفعاله وأقواله ثرا، ولثراء هذا التراث قام أحد الباحثين بوضع معجم يتضمن أسماء المصنفات التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله وأفعاله وأقواله ومتعلقاته الأخرى «٣» .

стр. 10

دفعني هذا الثراء بالتصنيف في سيرة الرسول ﵌ وأحواله وامتلاء المكتبات العامة والخاصة بهذا التراث إلى أن أتامل ما إذا كان بالإمكان رصد التطور الحاصل في أساليب هذه المصنفات ومناهجها بمختلف صورها والوصول بذلك إلى معيار شمولي يبين المناحي التي كتبت بها سيرة الرسول ﵌ والجوانب التي خصها المصنفون بالعرض منها دون غيرها من جوانب السيرة الأخرى، أو التركيز في جانب دون آخر، وتشكيل هذه المصنفات مجتمعة الهيكل العام لسيرة الرسول ﵌ الذي من خلاله رصدنا التطور الحاصل في كل مصنف من هذه المصنفات وأثره وفعاليته في هذا الهيكل من حيث التجديد في طرح الروايات ومناقشتها أو التوسعة في سرد الأحداث أو اختصارها. وصلت إلى القناعة بجدوى الشروع برصد التطور الحاصل في كتابة السيرة النبوية بدراسة شاملة تنتهي بنهاية العصر العباسي أسميتها (تطور كتابة السيرة النبوية عند المؤرخين المسلمين حتى نهاية العصر العباسي) ، بعدما وجدت المكتبة العربية تفتقر إلى دراسة أكاديمية من هذا النوع- على حدود إطلاعي المتواضع- وإجابة العديد من الأساتذة المختصين بمثل هذه المواضيع عن افتقار الدراسات الأكاديمية- على حدود علمهم- التي تناولت رصد التطور الحاصل في كتابة السيرة إلى نهاية المدة التي حددتها في هذه الدراسة، فلم تكن هنالك دراسات تناولت هذا الجانب إلا بعض الدراسات التي ناقشت جوانب من مصنفات السيرة في مدة محددة بقرن او قرنين فقط. فمن هذه الدراسات، دراسة المستشرق الألماني يوسف هوروفتس (المغازي الأولى ومؤلفوها) ، ودراسة

стр. 11

الدكتور عبد العزيز الدوري (بحث في نشأة علم التأريخ عند العرب) ، ودراسات أخرى سارت على منوال هاتين الدراستين ولم تخرج من الفلك الذي دارت فيه، وقد أشرنا الى هذه الدراسات في قائمة المصادر والمراجع. ونهج باحثون اخرون إلى أخذ قسم من مصنفات السيرة والمحاور التي تضمنتها هذه المصنفات، مثل دراسة الدكتور عبد العزيز الدوري عن سيرة الرسول ﵌ ومؤلفها ابن إسحاق التي أكملتها دراسة الدكتور حسن الحكيم التي بين فيها ريادة محمد بن إسحاق في كتابة السيرة النبوية واردافه هذه الدراسة بدراسة أخرى عرض فيها منهج ابن الجوزي في كتابة السيرة النبوية بكتابه (المنتظم) ، وخصص الدكتور محمد فضيل الكبيسي دراسة مستقلة لمحمد بن عمر الواقدي وكتابه المغازي عرض فيها منهجه وموارده في الكتاب، فضلا عن وجود دراسات أخرى تناولت تقويم بعض مصادر السيرة مثل دراسة الدكتور فاروق حمادة (مصادر السيرة وتقويمها) ، ودراسة أخرى سارت على منوالها ولكن لمصنفات محدودة في عصر معين وهي دراسة الأستاذ محمد عطا الله سلمان (مقاصد المؤرخين المسلمين في كتابة التراجم والسير في القرنين الثاني والثالث الهجري) ، فضلا عن وجود دراسات أخرى تناولت مناهج المؤرخين في كتابة الحوادث التأريخية بصورة شمولية مع جعل سيرة الرسول ﵌ إحدى الفقرات التي تناولتها دراساتهم لهؤلاء المؤرخين، مثل دراسة المستشرق روز نثال (علم التأريخ عند المسلمين) ، ودراسات أخرى أثبتناها في قائمة المصادر والمراجع.

стр. 12

ولما كان التراث الفكري لسيرة الرسول ﵌ ثرا آليت أن أحصر هذا التراث بمدة محددة جعلتها نهاية العصر العباسي، إذ كان لاختيار نهاية هذا العصر دافع ملموس، تمثل بكون المؤرخين ومصنفي السيرة بخاصة قد استنزفوا معظم الأنماط والمحاور الكتابية في مصنفاتهم إن لم نقل كلها، أشار أحد الباحثين إلى ذلك الأمر حين وصف المصنفات المتأخرة لسيرة الرسول ﵌ بالقول: " إن أكثرها كان جمعا لروايات مختلفة أو قبولا لبعض الأساطير المتأخرة، وربما كان أيضا شرحا لبعض الألفاظ والمناسبات أو نظما لأحداث السيرة أو تلخيصا لها" «٤» . ساعدت هذه الأمور مجتمعة على تكامل فكرة الموضوع والشروع فيه لما له من أهمية بارزة في مجال الدراسات التأريخية من حيث أن سيرة الرسول ﵌ كانت أحدى الركائز التي استندت اليها كتابة التأريخ عند المسلمين ودخلت في معظم صورها المتنوعة، فضلا عن ذلك إن هذه الدراسة تعطينا إيضاحا للدوافع التي كتبت من أجلها بعض مصنفات السيرة، وأثر العصر في تطور كتابة كل مصنف من هذه المصنفات، مع تبيان المناهج التي كتبت بها واستقلاليتها بسيرة الرسول ﵌ أو شموليتها لباقي الحوادث الأخرى مع إبراز طبيعة الروايات التي حوتها كل من هذه المصنفات مقارنة بسابقتها من حيث قوة الرواية أو ضعفها ودرجة اعتماد من تأخر عنها، وأقوال العلماء في كل مصنف من هذه المصنفات إن وجد.

стр. 13

ولما كان لكل دراسة مشاقها وصعوباتها فقد تكالبت عليّ صعوبات جمة، كان أهمها بقاء العديد من مصنفات السيرة وجوانبها مخطوطا في خارج القطر مما يصعب الحصول عليه للتكاليف الباهظة في تصويره، والذي خفف من حدة هذه الصعوبة، ان هذه المصنفات كانت من المصنفات المتأخرة التي لم يكن لها أثر يذكر في المصادر التي أتت بعدها، مع وجود مصنفات مشابهة لها في المسلك والمنحى والجانب الذي تناولته من سيرة الرسول ﵌ قد وصلت إلينا كانت أكثر أهمية منها والدليل على ذلك شدة اهتمام العلماء بها قياسا بقريناتها. وحاولنا عرض هذه المصنفات وإسهاماتها في تطور كتابة السيرة، والصعوبة الأخرى التي واجهتني هي طبيعة البحث نفسه الذي تطلب مني جهدا ووقتا مضاعفا في سبيل إكمال فقراته التي تحتاج إلى قراءة شاملة للكتاب الذي يعرض سيرة الرسول ﵌ وجوانبها المتعددة حتى أخرج بمحصلة نهائية لكل كتاب أثبتها على شكل نقاط تبين وجهة نظري فيه ومدى إسهامه في تطور كتابة السيرة وذلك بمقارنته مع المصنفات التي سبقته وأثره في المصنفات التي أتت بعده، والصعوبة الكأداء التي يعاني منها كل باحث هي ظروف الحصار الظالم الذي يعانيه شعبنا المناضل وما لحقه من تبعات وصعوبات. اقتضت طبيعة البحث تقسيمه على أربعة فصول ومقدمة وخاتمة، وذلك بحسب طبيعة البحث والخطة التي فرضتها المادة التي توفرت بين أيدينا، تناول الفصل الأول من هذا البحث المدلول اللفظي للسيرة مع ذكر المصادر الأولى والجهود المبكرة لكتابتها، وقسمناه على مبحثين خصص المبحث الأول للتعريف

стр. 14

بلفظة السيرة واشتراكها بلفظة المغازي واستقلالية هذه اللفظة بسيرة الرسول ﵌، أما المبحث الثاني فقد عرض المصادر الأولى للسيرة النبوية وإرداف هذه المصادر بعرض سريع للجهود المبكرة في تدوين هذه السيرة ابتداء من كتابات الصحابة ومدونات التابعين حتى ظهور أول سيرة شاملة للرسول ﵌. أما الفصل الثاني فقد كرس لدراسة المصنفات التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌ من مولده إلى التحاقه بالرفيق الأعلى بشمولية واستقلال عن باقي المصنفات التي ضمنت سيرة الرسول ﵌ ضمن مواضيعها، إذ قسمنا هذا الفصل على مبحثين بحسب طبيعة هذه المصنفات. تناول المبحث الأول المصنفات التي عرضت سيرة الرسول ﵌ بإسهاب وتوسع، أما المبحث الثاني فقد خصص للمصنفات التي عرضت هذه السيرة باختصار واقتضاب. لتنوع الصور التي كتبت بها سيرة الرسول ﵌ ودخولها في معظم الجوانب التي كتب بها المؤرخون جعلنا الفصل الثالث للحديث عن طبيعة المصنفات التي دخلت فيها سيرة الرسول ﵌ وأصبحت جزء لا يتجزء منها، وهذا ما جعل هذا الفصل ينقسم هو الاخر على مبحثين فقد كان المبحث الأول مكرسا لعرض المصنفات التي كتبت في التأريخ العام، والتي حوت سيرة شاملة للرسول ﵌ في مضامينها واثر هذه المصنفات في تطور كتابة السيرة وذلك بما أكسبته لها من مناهج وأساليب لم تعرفها المحاولات الأخرى التي قام بها المؤرخون حين ضمنوا السيرة النبوية في مصنفات أخرى أو خصصوا مصنفا

стр. 15

مستقلا لها، الأمر الذي جعل هذا المبحث من أثرى مباحث هذا الفصل، بل ومباحث فصول الرسالة جميعها من حيث كمية المصنفات التي عرضت فيه فضلا عن تباين هذه المصنفات بعضها مع البعض الاخر في الطرح والأسلوب لأحداث السيرة والحيز المخصص لها في كل مصنف من هذه المصنفات، أما المبحث الثاني فقد بين التطور الحاصل في كتابة سيرة الرسول ﵌ ضمن كتب الطبقات والتراجم، وطبيعة هذا التطور قياسا بسابقيه، أو ما تزامن معه من تطورات في كتابة السيرة. أما الفصل الرابع فقد كان من أوسع فصول الرسالة لطبيعة التطور الذي طرأ على كتابة السيرة والذي تمثل بظهور التصنيف الموضوعي والمستقل للعديد من جوانب السيرة باجتزاء واستقلالية عن باقي المصنفات التي عرضت سيرة الرسول ﵌ وأحواله بشمولية، ولتنوع الجوانب التي كتبت بها هذه المصنفات كان هذا الفصل ثريا في مباحثه إذ حوى ستة مباحث كان الأول منها مخصصا للحديث عن المصنفات التي كتبت عن حادثة مولد الرسول ﵌ وبينا فيه وضع وزيف بعض المصنفات التي كتبت عن هذه الحادثة قبل القرن السابع الهجري، أما المبحث الثاني فقد كرس للحديث عن المصنفات التي كتبت عن ذرية الرسول ﵌ وأزواجه ومتعلقيه، وطبيعة تنوع هذه المصنفات وإسهامها في تطور كتابة السيرة، أما المبحث الثالث فقد عرض المصنفات التي كتبت في مغازي الرسول ﵌ وطبيعة هذه المصنفات ومدى فعاليتها وديمومتها طوال العصر العباسي، أما المبحث الرابع فقد كان مخصصا للحديث عن المصنفات التي

стр. 16

كرسها أصحابها لذكر ووصف أخلاق الرسول ﵌ وشمائله، مع تبيان أثر المحدثين ودورهم في كتابة مثل هذه المصنفات التي كانت فرزة من أبواب كتب الحديث ومضامينها، وتناول المبحث الخامس المصنفات التي كتبت عن أعلام ودلائل النبوة وتثبيتها، وإظهار الدور الذي لعبه المتكلمون في إيجاد مثل هذه المصنفات التي اجتزئت من كتب علم الكلام لتكون أكثر فعالية في مواجهة الدعاوى المنحرفة في إنكار النبوات والمعجزات، أما المبحث السادس فقد خصص للتعريف بالمصنفات التي كتبت عن الخصائص التي اختص بها الرسول ﵌ من بين الأنبياء والبشر مع عرض للمصادر التي اعتمدتها هذه المصنفات وتبيان تأخر هذا الاتجاه في كتابة هذا الجانب من سيرة الرسول ﵌. ختمنا هذه الدراسة بعرض سريع لأهم النتائج والمحصلات التي خرجنا بها مع إرداف هذا العرض ببعض التوصيات التي إن حظيت بالقبول فلعلها ترفد التراث الفكري لسيرة الرسول ﵌ والدراسات العلمية له، وتفسح المجال أكثر للباحثين أن يخوضوا غمار هذا التراث ويتناولوه بدراسات أوسع واشمل. وأثبتنا في نهاية أوراق هذه الدراسة ثبتا بالمصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها، التي كان من أهمها (السيرة النبوية) التي كتبها محمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ) وهذبها عبد الملك بن هشام (ت ٢١٨ هـ) ، وكتاب (المغازي) لمحمد ابن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) ، و (الطبقات الكبرى) لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) ، وكتاب (تأريخ الرسل والملوك) لمحمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ، إذ كان البحث يعول عليها كثيرا في استشهاداته ومقارناته

стр. 17

فضلا عن كون هذه المصنفات قد كانت المصادر الرئيسة التي اعتمدت عليها معظم إن لم نقل كل المصنفات التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌ وجوانبها المختلفة. استعنا في ترجمة مصنفي كتب السيرة وجوانبها بالعديد من كتب التراجم التي تباينت هي الأخرى في مقدار المعلومات التي أثبتتها عن هؤلاء المصنفين، إذ كان في طليعة هذه الكتب كتاب (تأريخ بغداد) للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) ، و (معجم الأدباء) لياقوت الحموي (ت ٦٢٦ هـ) ، و (وفيات الأعيان) لابن خلكان (ت ٦٨١ هـ) ، و (تذكرة الحفاظ) للذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ، و (البداية والنهاية) لابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ) ، و (تهذيب التهذيب) لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ، فضلا عن العديد من كتب التراجم التي اجملناها في قائمة المصادر والمراجع. ولما كان بعض التراث الفكري لسيرة الرسول ﵌ مفقودا، استعنا بكتب البيبلو غرافيا (فهارس الكتب) للإشارة الى هذا التراث المفقود، وكان في طليعة هذه الكتب كتاب (الفهرست) لابن النديم (ت ٣٨١ هـ) ، وكتاب (الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ) للسخاوي (ت ٩٠٢ هـ) ، وكتاب (كشف الظنون) لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) ، وكتاب (هدية العارفين) للبغدادي، وكتاب (معجم ما ألف عن رسول الله ﵌ للدكتور صلاح الدين المنجد، فضلا عن مصنفات أخرى عرضت قسما من هذا التراث أجملناها في قائمة المصادر والمراجع، لأنها لم تكن بأهمية هذه المصنفات التي عرضناها آنفا.

стр. 18

كان للدراسات الحديثة التي كتبها الباحثون دور فعال في رفد هذه الرسالة بما توصلوا إليه من نتائج أغنت البحث والباحث عن مراجعة العديد من المصنفات واستقرائها، ومن أهم هذه الدراسات، دراسة المستشرق الالماني يوسف هور وفتس (المغازي الأولى ومؤلفوها) ، ودراسة الدكتور عبد العزيز الدوري (بحث في نشأة علم التأريخ عند العرب) ، إذ كانت هاتان الدراستان في طليعة هذه الدراسات لأن كل واحدة منها حوت بحثا معمقا للجذور الأولى لكتابة السيرة النبوية، وتداخلاتها مع المصنفات الأخرى، ثم دراسة المستشرق فرانتز روز نثال (علم التأريخ عند المسلمين) التي أعانتنا كثيرا في فهم المراحل التي مرت بها الكتابة التأريخية وأنماطها وطبيعة هذه الأنماط، وقد أكملت هذه الدراسة دراسة الدكتور شاكر مصطفى (التأريخ العربي والمؤرخون) التي كانت هي الأخرى منارا نستضيء به لمعرفة المصنفات التأريخية ومراحل كتابتها، فضلا عن دراسات أخرى كانت أضيق أفقا من هذه الدراسات السابقة لا نحسارها بعصر أو مكان معين أو شخصية مؤرخ، أثبتناها في قائمة المصادر والمراجع. وانهي مقدمتي بتأكيد إحدى حقائق التكوين وهي أن الله تعالى قضى لكل كتاب أن يتطرق إليه النقص إلا كتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما بذلته في هذه الدراسة كان جل وسعي، فإن أصبت فتوفيق من الله وإن أخطأت فهذا شأن البشر، رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ «٥» .

стр. 19

الفصل الأول السيرة النبوية ومصادرها الأولى حتى ظهور السيرة الشاملة المبحث الأول تطور المدلول اللفظي للسيرة عند اللغويين والمؤرخين السيرة لغة بكسر السين وفتح الراء هي السنة والطريقة والهيأة وجمعها سير «١» . وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى «٢» ، وقد دلت اللفظة في هذه الاية على (الهيأة) «٣» . وتعني هذه اللفظة أيضا أحاديث الأوائل إذا استعملناها بصيغة الجمع (سير) «٤» . ووافق الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ) على ما طرحه سابقوه من معاني لهذا اللفظ «٥» . أما بالنسبة إلى أصحاب المعاجم الاصطلاحية الحديثة ودوائر المعارف فقد تناولوا تطورات هذا اللفظ واستعمالاته المتعددة، إذ ذكر أحدهم أن لفظة السيرة تعني" السنة والطريقة والحالة التي يكون عليها الإنسان وأخذت السيرة

стр. 20

بمعنى الطريقة" «٦» . ويضيف آخر" السيرة جمع سير وهي في الأصل الطريقة مطلقا ثم غلبت على أخبار الناس ثم على أحوال النبي وطرائقه" «٧» . ومن هذا نرى أن أصحاب المعاجم من القدماء والمحدثين قد اتفقوا على معنى هذه اللفظة ومدلولها فلم نجد منهم من خالف هؤلاء أو شذ عنهم. مما تقدم ذكره يبدو أن لفظة (سيرة) قد مرت بمراحل متعددة حتى تبلورت بهذا الشكل، إذ نلاحظ أن هذه اللفظة في بداية الأمر قد شاركتها في مدلولها وفحواها لفظة (المغازي) المغايرة لها في التركيب، وهذا ما أشار إليه الزبيدي حين أكد مشاركة وترابط هذين اللفظين بالمدلول والفحوى، حيث يقول" إن السيرة مأخوذة بمعنى الطريقة وأدخل فيها الغزوات وغير ذلك إلحاقا وتأويلا" «٨» وأضاف التهانوي على هذا الأمر مقالة مفادها" وسميت المغازي سيرا لأن أول أمورها السير إلى الغزو" «٩» . ووافقهم الأحمد نكري بما ذكروه من ترابط هاتين اللفظتين إذ قال" وغلبت كلمة سيرة في الشرق على أمور المغازي وسمي كتابها ب (كتاب السير) لأنه يجمع سير النبي وطرقه ﵇ في مغازيه" «١٠» .

стр. 21

ومن تبيان لفظة المغازي التي تعني مواضع الغزو نفسه ثم اطلقوها على مناقب الغزاة وغزواتهم «١١» وبعد ذلك توسعوا في استعمالها فأطلقوها على حياة النبي ﵌ حتى جعلوها مرادفة للفظة (سيرة) «١٢» . وهذا الاقتران في معنى هاتين، اللفظتين (السيرة والمغازي) يضيء لنا السبل في تعرف أصل معنى السيرة المركب «١٣» ويضيف أحد الباحثين في تبيان هذا الأمر ان لفظة السيرة والمغازي مقترنتان ببعضهما في المصنفات القديمة الخاصة بترجمة حياة الرسول إذ يقول" إن اللفظتين سيرة ومغازي مستعملتان بمعنى واحد لا يفترق بينهما ... على أن كلا اللفظتين مضلل بحيث أن موضوع اللفظة (سيرة) غير مقيد بسيرة النبي على الإطلاق في الحالة الأولى ولمغازيه في الحالة الثانية" «١٤» . من هذا نرى ان هذين المصطلحين قد مرا باستعمالات متعددة واصبحا مترابطين في المعنى والمدلول لمواضيع المصنفات الخاصة بحياة الرسول ﵌ في القرون الثلاثة الأولى، وهذا ما أكده ابن النديم (ت ٣٨١ هـ) عند ذكره لمصنفات المؤرخين الذين كتبوا عن سيرة الرسول بإطلاق لفظة" وله كتاب في المغازي" «١٥» .

стр. 22

وأخذت لفظة السيرة تستقل بمدلولها وذلك في القرون التي تلت القرن الثالث الهجري «١٦» باستثناء ما قام به الكلاعي (ت ٦٣٤ هـ) من تسمية كتابه (الاكتفا في مغازي الرسول والثلاثة الخلفا) وتعرضه لجوانب كثيرة جدا من سيرة الرسول ولا سيما الدعوة الإسلامية في المرحلة المكية مدمجة مع أعماله العسكرية (المغازي) «١٧» . ويعزو الدوري هذا الترابط بين هاتين اللفظتين إلى استمرار فكرة الأيام التي كانت- مع القبائل العربية قبل الإسلام- متعلقة بأذهان المسلمين، فأخذوا يسردون المغازي مشفوعة بذكر الحوادث التي سبقتها والتي تلتها «١٨» . لم تقتصر استعمالات لفظة (سيرة) على حياة النبي ﵌ وطريقة سلوكه وعيشه بل تعدتها إلى الحديث عن شخصيات أخرى، إذ ابتدأت على هيأة محاولة من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ) يطلب فيها من سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (ت ١٠٦ هـ) كتابة سيرة جده عمر بن الخطاب (رض) في أهل القبلة وأهل العهد «١٩» . لم يكتب لهذه المحاولة النجاح فقد أجاب سالم بن عبد الله بن عمر على طلب الخليفة بالقول" أما بعد فأنك كتبت إلي تسألني ... أن أكتب لك بسيرة

стр. 23

عمر وقضائه في أهل القبلة وأهل العهود، وتزعم أنك سائر بسيرته إن الله اعانك على ذلك وانك لست في زمان عمر ولا في مثل رجال عمر" «٢٠» . هذا من حيث الاستعمال أما من حيث التصنيف فان أول من استعملها في هذا المضمار بحسب ما يذكره ابن النديم هو عوانة بن الحكم (ت ١٤٧ هـ) وذلك في كتاب أسماه (سيرة معاوية وبني امية) «٢١» . ولكن هذا الكتاب قد أثار شكوك أحد الباحثين حول صحة نسبته إلى عوانة «٢٢» . وما تأكد أن أول من صنف كتابا استعملت فيه هذه اللفظة هو محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٤ هـ) في كتابه الذي أسماه (سيرة أبي بكر ووفاته) «٢٣» وشاركه معاصره عبد الله بن عبد الحكم (ت ٢١٤ هـ) في تصنيف كتاب أطلق عليه (سيرة عمر بن عبد العزيز) «٢٤» . استمر المؤرخون بكتابة مصنفات تتناول سير الأعلام البارزين من الخلفاء والعلماء بكتب مستقلة، حتى بلغت الشيء الكثير. وقد بين حاجي خليفة قبل استعراضه لأسماء هذه المصنفات أن لفظة (سيرة) أو (سير) تعني ترجمة حياة شخص ما أو تأريخ حياته، غير أنه إذا أطلق لفظ (سيرة) مشفوعة بألف ولام حصرا يراد بها ترجمة حياة النبي ﵌ وأصبحت علما قائما بذاته هو علم السير «٢٥» ، الذي عرفه احد العلماء بالقول: " ومن اعظم العلوم فضلا وشرفا

стр. 24

علم السير الذي هو عبارة عن ذكر مناقبه ﵊ وماثر وبيان اوصافه السنية واحواله العلية وخصائصه ومعجزاته البهية ولذلك ترى الناس في كل مذهب يذهبون نظما وشعرا ونثرا سرا وجهرا في هذه الفنون ومما يتعين على كل متكلف" «٢٦» . وهذا مما يبين لنا أن مصطلح (السيرة) قد أصبح حكرا على المصنفات الخاصة بحياة الرسول محمد ﵌ وأحواله «٢٧» . خصص بعض الباحثين المحدثين دراسات مستقلة تناولت التعريف بهذا المصطلح (سيرة) واستعمالاته بكتب مستقلة*، وبينت هذه الدراسات تطورات هذا المدلول واستعمالاته، إذ أشار أحد هؤلاء الباحثين الى تطور هذا المدلول من حيث الاستعمال بقوله: " السيرة نوع من الأدب يجمع بين التحري التأريخي والامتاع القصصي، ويراد به درس حياة فرد من الأفراد ورسم صورة دقيقة لشخصية ما، والسيرة قسمان العام الذي يتناول أشخاصا كثيرين مثل كتب الطبقات، ... ومنها الخاص كالسيرة النبوية وسيرة عمر بن عبد العزيز، وحتى هذه السير الخاصة فأنها تنقسم إلى نوعين سير ذاتية تدور على حياة كاتبها (المذكرات) ، وسير موضوعية تدور حول شخص آخر" «٢٨» .

стр. 25

من قول هذا الباحث نرى أن السيرة النبوية ينطبق عليها مفهوم السير الموضوعية لأنها تدور حول تعرف حياة الرسول ﵌ وفهم معاني شخصيته وأحواله من قبل أناس آخرين. بين لنا أحد الباحثين هذا الأمر إذ وصف السيرة الموضوعية بأنها لا تكتسب صفة السيرة بمعناها الحقيقي إلا إذا كانت تفسيرا للحياة الشخصية في جوها التاريخي «٢٩» ، ويضيف باحث آخر واصفا هذا الامر قائلا: " ان هذا النوع من التاريخ قد اعتمد على شيئين: الأول ما كان دائرا بين العرب في أخبار الجاهلية كجرهم، ودفن زمزم وقصة سد مأرب، ونحو ذلك، والثاني أحاديث رواها الصحابة والتابعون عن حياة النبي من ولادته ونشأته ودعوته إلى الإسلام وجهاده للمشركين وغزواتهم، وقد كان تأريخ النبي داخلا في ما يرويه من حديث، فلما رتبت الأحاديث في الأبواب جمعت السيرة في أبواب مستقلة، ثم انفصلت هذه الأبواب عن الحديث وألفت فيها الكتب الخاصة، وإن ظل بعض المحدثين يدخلونها ضمن أبوابها" «٣٠» ، فضلا عن هذا كله فإن مفهوم السيرة يعطي بعدا تأريخا أكثر من إعطائه بعدا أدبيا، وذلك بكون حياة الفرد وخصوصيتها هي المحور الذي تعالجه كتابة السيرة، وهذا المحور هو جزء لا يتجزأ عن المجتمع، ويصف هذه الفكرة المقدسي بقوله: " كلما كانت السيرة تعرض للفرد في نطاق المجتمع، وتعرض أعماله متصلة بالأحداث العامة أو منعكسة منها أو متأثرة بها فان السيرة في هذا الوضع تحقق غاية تأريخية، وكلما كانت السيرة تجتزئ بالفرد

стр. 26

وتفصله عن مجتمعه وتجعله الحقيقة الوحيدة الكبرى، وتنظر إلى كل ما يصدر عنه نظرة مستقلة فان صلتها بالتأريخ تكون واهية ضعيفة" «٣١» . وافق على هذا القول باحث آخر وذلك حين استعرض ارتباطات المصطلحات الفكرية المستعملة في المصنفات التي كتبها أصحابها بواقعها الذي كتبت فيه، إذ بين" إن ترجمة الحياة عملية فنية تجمع بين عمل المؤرخ من جهة ارتباطها بسيرة إنسان عاش في بيئة بعينها وزمن بعينه وبين عمل المصور الفنان الذي يتخصص في رسم الصورة التصنيفية للأشخاص" «٣٢» . هذه هي الأمور التي أردنا إيضاحها في تطور المدلول اللفظي (سيرة) واستعماله عند اللغويين والمؤرخين ووجهات نظر الباحثين المحدثين في التراكيب اللفظية التي انفصلت من هذا اللفظ وتخصصت بمفهوم معين.

стр. 27

المبحث الثاني المصادر الأولية لسيرة الرسول ﵌ قبل تصنيفها وتبويبها إهن الكتابة في سيرة الرسول ﵌ لم تكن مبوبة ومنسقة قبل الربع الثاني من القرن الثاني الهجري أي قبل تصنيف محمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أول سيرة للرسول ﵌ «١» . إذ كانت الكتابة في المدة المحصورة بين وفاة الرسول وتصنيف أول سيرة له مقتصرة على بعض المدونات التي كان يستقى منها بعض الأحداث التي رافقت الدعوة الإسلامية، وهذه المدونات اصبحت في ما بعد أصولا يعتمد عليها كل من يريد الكتابة في سيرة الرسول ﵌ وأحواله. ولكن هذه المدونات لم تكن مؤرخة لأحداث عصر الرسالة، بل كانت كل مدونة من هذه المدونات تتناول جانبا من هذه الأحداث لا تتناوله مدونة اخرى، أو تشير إليه عرضا، ومن ثم كانت كل مدونة من هذه المدونات مكملة للاخرى، ومتممة لها، حتى إذا جاءت المصنفات المبوبة جمعت شمل هذه المدونات ونسقت بينها في مصنف يحويها مع إضافة ما فات عليها من حوادث «٢» . وهذه المدونات (المصادر) هي: -

стр. 28

أولا: القرآن الكريم: يعد القرآن الكريم المصدر الأول والأوثق للسيرة النبوية، لأنه كتاب الله تعالى الموصوف بأنه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٣» ، فضلا عن أن القرآن أول الكتب التي دونها المسلمون، لأنه دستورهم في دينهم ودنياهم «٤» . كان القرآن أحد الحوافز المهمة التي حفزت المسلمين على تعرف سيرة الرسول ﵌ وأحواله، ذلك لأنه حوى في سوره وآياته جوانب عدة من سيرته الشريفة بمختلف أجزائها، حتى كانت هذه السور والايات محط تساؤل واستفهام من قبل المسلمين فما كان منهم إلا أن وجهوا العديد من الأسئلة والاستفسارات للذين عاصروا نزول القرآن وشاهدوا حوادث الرسالة من الصحابة ومن كان له علم بأخبارها ممن أتى بعدهم، حتى كانت هذه الأسئلة والاستفهامات حافزا على كتابة سيرته الشريفة «٥» . لأجل ذلك تنبه العديد من الباحثين إلى ما تضمنه القرآن الكريم من وصف لحياة الرسول ﵌ وأحواله، فأخذوا بجمع شتات هذه الايات المتفرقة ضمن سور

стр. 29

القرآن المتفرقة بمصنف مستقل يحوي هذه الايات على وفق الخطة التي سار عليها معظم المؤرخون عند استعراضهم لسيرة الرسول ﵌ «٦» . وضح أحد المصنفين الذين خصصوا كتبهم لاستعراض الايات القرآنية التي تطرقت لسيرة الرسول ﵌ منحاه في هذا الأمر بقوله الذي أفتتح به كتابه: " وبعد أن استقصيت ما في القرآن الكريم من آيات مكية ومدينة متصلة بالسيرة النبوية ... ايقنت أن في الإمكان كتابة فصول للسيرة النبوية مقتبسة من القرآن الكريم" «٧» . ويضيف آخر حول انتهاجه لهذا المسلك في التصنيف: " حاولت جهدي أن أورد ما استطعت إيراده من الايات التي وردت متفرقة في ثنايا السور ولم ترد في سياق القرآن بصورة متوالية كوحدة تأريخية مترابطة للسيرة النبوية بل جاءت في كثير من السور وكأنها معالم بارزة تشير إلى أهم الحوادث في حياة الرسول من مولده إلى مماته، ... وقد سردت أنباء هذه السيرة في سياقها التأريخي المألوف" «٨» . ويبدو من هذه المصنفات أنها عاملت النص القرآني بوصفه أحد المصادر المهمة والموثوقة التي لا يدخل إليها الشك والضعف في معرفة سيرة الرسول ﵌ وأحواله، ولولاه لأصبحت تلك الحوادث التي وثقها مجرد حوادث تأريخية تفتقر إلى القرائن المؤكدة لحصولها.

стр. 30

ثانيا: الوثائق النبوية (مكاتبات الرسول ﵌ : تشمل هذه الوثائق الرسائل والمعاهدات والوصايا التي كتبت بأمر من الرسول ﵌ ودونت في حياته الشريفة وفي المرحلة المدنية من الدعوة الإسلامية حصرا لأن هذه الوثائق لم تكتب إلا عندما هاجر الرسول ﵌ إلى المدينة واصبح قائدا دينيا ودنيويا للمسلمين، وعلل أحد الباحثين افتقار العصر المكي لمثل هذه الوثائق بكون" عصر النبي ﵌ قبل الهجرة عهد تمهيد وتجربة ولا يصح أن يقال إن الجماعة الإسلامية بمكة كانت حينئذ دولة من الدول، فإنه لم يكن لها كيان سياسي ولا نظام إداري. ولا تصادف في هذا العصر ما يطلق عليه اسم السياسة الخارجية سوى بيعتي العقبة والرضوان اللتين أسستا بنيان الدولة الإسلامية وكان لهما أثر عظيم في ما بعد، إلا أنهما لم تكتبا في قرطاس ولم تؤخذا إلا سرا" «٩» . استفاد العلماء المسلمون من هذه الوثائق، واعتمدوها في مصنفاتهم بحسب اختصاصهم واهتماماتهم، وذلك لأنها شملت جوانب عدة من حوادث عصر الرسالة، إذ ضمت بحسب ما صنفها الحيدر آبادي: - أ. المعاهدات الجديدة أو تجديد ما سبق من المعاهدات. ب. الدعوة إلى الإسلام. ج. تولية العمال وذكر واجباتهم وكيف ينبغي لهم أن يتصرفوا في أمر من الأمور. د. العطايا من الأراضي أو الغلات وغيرها.

стр. 31

هـ. كتب الأمان والتوصية. و. استثناء بعض الأوامر في حق أناس معينين. ز. المتفرقات مثل المكاتيب التي جاءت جوابا عما كتبه النبي (ص) «١٠» . ومع كل ذلك فإن هذه الوثائق يجب أن لا تؤخذ جميعها على كونها من المسلمات الأكيدة من حيث إن الرسول ﵌ قد أمر بكتابتها، إذ إن هذه الوثائق بحسب ما أشار الحيدر آبادي قد لعبت بها بعض الأيدي، وظهرت من جراء ذلك بعض الوثائق المنحولة والمزيفة والموضوعة التي كتبت لأغراض متعددة. إذ وضع لأجل ذلك معيارا بين فيه مقاييس الوضع والصحة في هذه الوثائق قال فيه: " ونظن أن كتب الأمان التي كتبها النبي (ص) للقبائل المسلمة أو الخاضعة له أو التي لم تتضمن إلا مطالبتهم بأداء الفرائض الدينية صحيحة لأنه لا يوجد فيها ما عسى أن يكون موضوعا إذ لا حاجة لأحد إلى وضعها، ولو كانت بعض هذه الكتب وضعت لتكون مفخرة لقبيلة على أخرى، فان مثل هذا الوضع كان يترك طابعة في أسلوبها، ولكن هذه الوثائق لا تحتوي إلا على إعطاء الأمان والأمر بإقامة الفرائض، أما الوثائق التي لا تشمل إلا على الحقوق والواجبات أو التي تذكر أشياء لم توجد في عصر النبي (ص) فنعدها موضوعة كبعض العهود التي زعموا أن النبي (ص) كتبها للنصارى واليهود والمجوس ... وفوق هذا نجد أن الوثائق الطويلة أكثر تعرضا للتحريف، إذ كان المعتمد في الرواية على السماع، ولذلك نجد أن أطول النصوص أكثرها اختلافا" «١١» .

стр. 32

أهتم المسلمون منذ عصر الرسالة بهذه الوثائق فقاموا بحفظ نسخ منها، إذ أكدت إحدى الدراسات الحديثة هذا المنحى بالقول: " إن الصحابة والتابعين كانوا ينسخون صورا من خطابات النبي (ص) المرسلة إلى مختلف الجهات ... لأنه لم يكن ممكنا لأحد أن يجمع مكاتيب الرسول (ص) المرسلة إلى الجهات الأخرى ما لم تكن هناك صور محفوظة منها لدى الصحابة" «١٢» . اتفقت هذه النتيجة آنفة الذكر مع ما أوردته المصادر المتقدمة أن بعض الصحابة كانوا يحفظون شيئا من هذه المكاتبات عندهم، إذ أوضح القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) أنه قد اطلع على الكتاب الذي كتبه الرسول ﵌ إلى أهل دومة الجندل إذ أتاه به شيخ من أهل تلك المدينة وكان الكتاب مكتوبا في قضيم صحيفة بيضاء فنسخه بتمامه «١٣» . وأضاف محمد بن عبد الله الأزرقي (ت ٢٣٢ هـ) إلى أن أسرته قد احتفظت بالكتاب الذي كتبه الرسول لجدهم الأزرق بن عمر وولده إلى أن ذهب هذا الكتاب في أحد السيول الذي اجتاح مكة سنة (٨٠ هـ) «١٤» . وأكد عبد الله بن يوسف الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) أن عكرمة مولى عبد الله ابن عباس قد نسخ الكتاب الذي بعثه الرسول ﵌ إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين يدعوه فيه إلى الإسلام «١٥» .

стр. 33

لاقت هذه الوثائق ترحيبا واستجابة من قبل الناس لسماعها وتنفيذ ما جاء فيها من أوامر وذلك في الأجيال التي تلت الجيل الأول من المسلمين، وهذا ما أوضحه محمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) في روايته التي أورد فيها مكانة هذه الوثائق وما كانت تلقاه من قبل المسلمين وأن أمرها لنافذ ولا يحتاج إلى مراجعة «١٦» . لم يصلنا من أصول هذه الوثائق سوى أصلين أو ثلاثة كما ذكر ذلك الحيدر آبادي «١٧» ، وهذا راجع إلى كون هذه الوثائق قد كتبت على مواد قابلة للتلف والتحلل بسرعة ك (الأعشاب والبردي والرق) ، فضلا عن ذلك كله فإن بقية الوثائق قد حوتها المجاميع الحديثية وكتب السيرة والفقه، إذ بينت دراسة الحيدر آبادي أماكن هذه الوثائق من تلك المصنفات «١٨» . ثالثا: مدونات الصحابة والتابعين: هذه المدونات هي ما كتبه الصحابة والتابعون في صحف ورقاع مما سمعوه أو شاهدوه من أحداث عاصروها تخص سيرة الرسول ﵌ وأحواله، ولكن هذه المدونات قد تضاربت فيها الاراء حول صحة الروايات التي أشارت إلى قيام بعض الصحابة والتابعين بتدوين مشاهداتهم وسماعاتهم لبعض أحداث السيرة «١٩» .

стр. 34

كان سبب هذا التضارب في الاراء هو تناقض الروايات من حيث إباحة التدوين والكتابة والأمتناع عنها «٢٠» . ظلت هذه القضية محل أخذ وعطاء بين الباحثين حتى صرح أحدهم بتأكيد شديد حول نفي الاراء الرافضة لوجود تدوين في بدايات القرن الأول الهجري إذ يقول: " إن قضية العلم العربي الذي ظل محفوظا في الصدور والذاكرة حتى أواسط القرن الثاني الهجري إنما هي محض خرافة" «٢١» . لم تقتصر تلك المدونات على الجوانب التأريخية لحياة الرسول ﵌ بل كانت تتضمن أحكاما تشريعية؛ وهذه الأحكام هي (السنة) ولذلك نجد أن هذه المدونات قد تلقفتها كتب الحديث والأخبار والسيرة على حد سواء «٢٢» . إن هذا التداخل بين هذه المواضيع في هذه المدونات مرجعه إلى أن الاستقلالية في التصنيف بالعلوم والمعارف آنذاك ولا سيما عند المؤرخين والمحدثين لم تكن قد نشأت بعد؛ فضلا عن اشتراكها باليات البحث لكل منهما وهي (الرواية) «٢٣» .

стр. 35

ولّد هذا الأمر ترابطا وثيقا جدا بين الحديث والتأريخ في بداية تدوينهما عند المسلمين، إذ أسهما في رفد السيرة النبوية بالروايات التي تدخل ضمن اختصاص كل منهما «٢٤» . تجدر الإشارة الى أن معظم أصول هذه المدونات قد فقد، مما حدا بالباحثين على الاعتماد في دراستها على المصادر التي نقلت منها والتي وصلت إلينا، فضلا عن ان بعضها قد تضاربت فيه الاراء من حيث إنها روايات منقولة شفاها أم مدونة. كما يبين لنا استعراض هذه المدونات: - أ. مدونات الصحابة: ارتأينا فصل مدونات الصحابة عن مدونات التابعين، وذلك لأن مدونات كل من هذين الفريقين تختلف بكمها وأسلوبها وطريقة عرضها للحوادث عن الأخرى، وتختلف في انتقائها للحوادث المراد توثيقها، وقبل البدء بعرض هذه المدونات يجب أن نشير إلى أن أقدم ما دون عن حياة الرسول ﵌ كان من قبل صغار السن من الصحابة «٢٥» . أما الصحابة الذين ذكرت المصادر والدراسات الحديثة أنهم قد دونوا بعض الأشياء عن حياة الرسول ﵌ وأحواله هم:

стр. 36

١. سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي: وهو من صغار الصحابة، ولي اليمن في زمن الإمام علي ﵇ (٣٥- ٣٩ هـ) وكان أبوه وأخوه قيس من رؤساء الخزرج وأعيانهم، فضلا عن شهادة من كتب عن تراجم الصحابة بأنه ممن تأكدت صحبته للرسول ﵌ «٢٦» . دون هذا الصحابي بعضا من الحوادث التي مرت عليه في عصر الرسالة حتى عدته إحدى الدراسات من أوائل الذين دونوا أشياء عن حياة الرسول ﵌ «٢٧» ، إذ أورد ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) رواية مفادها أن حفيده سعيد بن عمر قد روى عن جده وجادة «٢٨» ، مع العلم أن مصطلح الوجادة يعني عند المحدثين ما يقف عليه الراوي في كتاب شخص يروي بدوره عنه من دون أن يلقاه أو يسمع الحديث منه أو يجيزه برواية الكتاب ونشره «٢٩» . اندثرت هذه المدونة بالروايات التي كتبت فيها، إذ لم يصل منها سوى بعض الروايات المتناثرة في بطون الكتب التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولا تصور سوى بعض الأحداث البسيطة من حياة الرسول ﵌ «٣٠» .

стр. 37

٢. سهل بن أبي حثمة الأنصاري: صحابي من بني ساعدة بن عامر من قبيلة الأوس كان يبلغ من العمر سبعا أو ثماني سنين حين توفي الرسول ومات في أول خلافة معاوية «٣١» . اهتم بتدوين بعض حوادث السيرة، إذ أشار إلى هذا الأمر حفيده محمد بن يحيى بن سهل إلى أنه كان يعتمد على ما كتبه آباؤه في حوادث السيرة، ومما يؤكد هذا الأمر أنه كان يقول في معرض حديثه عن بعض المغازي التي نقلها منه الواقدي في كتابه (المغازي) «٣٢» ، " وجدت في كتاب آبائي" «٣٣» . فضلا عن ذلك فإن إحدى الدراسات الحديثة قد أكدت أن هذه المدونة قد كانت أحد المصادر المهمة المكتوبة التي اعتمدها الواقدي في كتابه المغازي «٣٤» ووجدت هذه المدونة مكانا آخر لها عند البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) إذ نقل منها رواية واحدة «٣٥» . كانت هذه المدونة أوفر حظا من سابقتها لوجود شخص قد روى بعض متضمناتها من الروايات التي وثقت بعض حوادث السيرة.

стр. 38

٣. عبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) : وهو ابن عم الرسول ﵌، ومن الذين أخذ عنه العلم الكثير بمختلف صنوفه حتى لقب بحبر الأمة «٣٦» . أشارت العديد من المصادر إلى دور هذا الرجل بتوثيق أخبار السيرة والسؤال عن الأحداث التي حصلت فيها ممن شاهدها أو سمعها من الصحابة الذين هم اكبر سنا منه، إذ يشير إلى هذا الأمر: " كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﵌ من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله ﵌ وما نزل من القرآن في ذلك وكنت لا أتي أحدا منهم إلا سر باتياني لقربي من رسول الله ﵌" «٣٧» ، ويضيف أيضا: " لما قبض رسول الله ﵌ قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﵌ فانهم اليوم كثر قال واعجبا لك يا ابن عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله من فيهم قال فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﵌ عن الحديث فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فأتي وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ألا أرسلت علي فاتيك فأقول لا أنا أحق أن اتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فيقول هذا الفتى كان أعقل مني" «٣٨» .

стр. 39

بينت هذه الرواية أن الناس قد لزموا ابن عباس وأخذوا يسألونه ويستفسرون عن الحوادث التي جرت في عصر الرسالة على الرغم من وجود صحابة عدة للرسول أكبر سنا بكثير منه حتى قال واحد من الذين لازموا عبد الله بن عباس وسمعوا منه: " إني رأيت سبعين من أصحاب رسول الله ﵌ إذا تداروا في شيء صاروا إلى قول ابن عباس" «٣٩» . لم يقتصر ابن عباس على السؤال وحده في حفظ أخبار السيرة بل كان يكتب ما يسمعه من أجوبة عن الأسئلة والاستفسارات التي كان يطرحها على الصحابة، حتى رآه بعض الناس وقد حمل ألواحا يكتب عليها عن أبي رافعة شيئا من فعل رسول الله ﵌ «٤٠» ، حتى كانت حصيلة هذا المجهود المضني أن ترك مجموعة كبيرة من المدونات أو الصحائف في مختلف صنوف العلم وصفها ممن شاهدها بأنها تقدر بحمل بعير «٤١» . ومن اطلاعنا على الروايات التي تحدثت عن سيرة الرسول ﵌ في مختلف المصادر وجدنا قسما كبيرا منها ينتهي بطرق إسنادها إلى ابن عباس «٤٢» ، وهذا راجع إلى أن ابن عباس كان ممن يحدث الناس بمغازي الرسول ﵌ في مجلس

стр. 40

كبير يعقده في المدينة، إذ روى من شاهده أنه كان يجلس يوما لا يذكر فيه إلا الفقه ويوما التأويل ويوما المغازي ويوما أيام العرب «٤٣» . تبين لنا هذه الروايات المنقولة عن ابن عباس أنه لم يفصل بين الروايات التي تخص حياة الرسول والروايات التي تخص ما نطق به من أحكام شرعية وما سنه من أفعال وأقوال، حتى كانت هذه السمة التي امتازت بها مدونات ابن عباس عن أحوال الرسول ﵌ وسيرته. ٤. عبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥ هـ) : ولد بمكة قبل البعثة بسنتين، وكان من صغار الصحابة الذين دونوا بعضا من أحاديث الرسول في صحيفة أسماها (الصحيفة الصادقة) . وظل هذا الرجل محايدا في اتجاهاته وميوله للأحداث التي عاصرها إلى أن توفي بمصر سنة (٦٥ هـ) في أرجح الأقوال «٤٤» . كانت اهتمامات هذا الصحابي منصبة على تدوين أقوال الرسول ﵌، إذ أكد ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) هذا الأمر حين وصف مدونة عبد الله بن عمرو بأنها قد ضمت ألف حديث «٤٥» ، حفظ الزمن لنا منها (٤٣٦) حديثا بحسب
следующие страницы →