١. سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي:
وهو من صغار الصحابة، ولي اليمن في زمن الإمام علي ﵇ (٣٥- ٣٩ هـ) وكان أبوه وأخوه قيس من رؤساء الخزرج وأعيانهم، فضلا عن شهادة من كتب عن تراجم الصحابة بأنه ممن تأكدت صحبته للرسول ﵌ «٢٦» .
دون هذا الصحابي بعضا من الحوادث التي مرت عليه في عصر الرسالة حتى عدته إحدى الدراسات من أوائل الذين دونوا أشياء عن حياة الرسول ﵌ «٢٧» ، إذ أورد ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) رواية مفادها أن حفيده سعيد بن عمر قد روى عن جده وجادة «٢٨» ، مع العلم أن مصطلح الوجادة يعني عند المحدثين ما يقف عليه الراوي في كتاب شخص يروي بدوره عنه من دون أن يلقاه أو يسمع الحديث منه أو يجيزه برواية الكتاب ونشره «٢٩» .
اندثرت هذه المدونة بالروايات التي كتبت فيها، إذ لم يصل منها سوى بعض الروايات المتناثرة في بطون الكتب التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولا تصور سوى بعض الأحداث البسيطة من حياة الرسول ﵌ «٣٠» .
стр. 37
٢. سهل بن أبي حثمة الأنصاري:
صحابي من بني ساعدة بن عامر من قبيلة الأوس كان يبلغ من العمر سبعا أو ثماني سنين حين توفي الرسول ومات في أول خلافة معاوية «٣١» .
اهتم بتدوين بعض حوادث السيرة، إذ أشار إلى هذا الأمر حفيده محمد بن يحيى بن سهل إلى أنه كان يعتمد على ما كتبه آباؤه في حوادث السيرة، ومما يؤكد هذا الأمر أنه كان يقول في معرض حديثه عن بعض المغازي التي نقلها منه الواقدي في كتابه (المغازي) «٣٢» ، " وجدت في كتاب آبائي" «٣٣» .
فضلا عن ذلك فإن إحدى الدراسات الحديثة قد أكدت أن هذه المدونة قد كانت أحد المصادر المهمة المكتوبة التي اعتمدها الواقدي في كتابه المغازي «٣٤» ووجدت هذه المدونة مكانا آخر لها عند البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) إذ نقل منها رواية واحدة «٣٥» .
كانت هذه المدونة أوفر حظا من سابقتها لوجود شخص قد روى بعض متضمناتها من الروايات التي وثقت بعض حوادث السيرة.
стр. 38
٣. عبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) :
وهو ابن عم الرسول ﵌، ومن الذين أخذ عنه العلم الكثير بمختلف صنوفه حتى لقب بحبر الأمة «٣٦» .
أشارت العديد من المصادر إلى دور هذا الرجل بتوثيق أخبار السيرة والسؤال عن الأحداث التي حصلت فيها ممن شاهدها أو سمعها من الصحابة الذين هم اكبر سنا منه، إذ يشير إلى هذا الأمر: " كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﵌ من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله ﵌ وما نزل من القرآن في ذلك وكنت لا أتي أحدا منهم إلا سر باتياني لقربي من رسول الله ﵌" «٣٧» ، ويضيف أيضا: " لما قبض رسول الله ﵌ قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﵌ فانهم اليوم كثر قال واعجبا لك يا ابن عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله من فيهم قال فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﵌ عن الحديث فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فأتي وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ألا أرسلت علي فاتيك فأقول لا أنا أحق أن اتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فيقول هذا الفتى كان أعقل مني" «٣٨» .
стр. 39
بينت هذه الرواية أن الناس قد لزموا ابن عباس وأخذوا يسألونه ويستفسرون عن الحوادث التي جرت في عصر الرسالة على الرغم من وجود صحابة عدة للرسول أكبر سنا بكثير منه حتى قال واحد من الذين لازموا عبد الله بن عباس وسمعوا منه: " إني رأيت سبعين من أصحاب رسول الله ﵌ إذا تداروا في شيء صاروا إلى قول ابن عباس" «٣٩» .
لم يقتصر ابن عباس على السؤال وحده في حفظ أخبار السيرة بل كان يكتب ما يسمعه من أجوبة عن الأسئلة والاستفسارات التي كان يطرحها على الصحابة، حتى رآه بعض الناس وقد حمل ألواحا يكتب عليها عن أبي رافعة شيئا من فعل رسول الله ﵌ «٤٠» ، حتى كانت حصيلة هذا المجهود المضني أن ترك مجموعة كبيرة من المدونات أو الصحائف في مختلف صنوف العلم وصفها ممن شاهدها بأنها تقدر بحمل بعير «٤١» .
ومن اطلاعنا على الروايات التي تحدثت عن سيرة الرسول ﵌ في مختلف المصادر وجدنا قسما كبيرا منها ينتهي بطرق إسنادها إلى ابن عباس «٤٢» ، وهذا راجع إلى أن ابن عباس كان ممن يحدث الناس بمغازي الرسول ﵌ في مجلس
стр. 40
كبير يعقده في المدينة، إذ روى من شاهده أنه كان يجلس يوما لا يذكر فيه إلا الفقه ويوما التأويل ويوما المغازي ويوما أيام العرب «٤٣» .
تبين لنا هذه الروايات المنقولة عن ابن عباس أنه لم يفصل بين الروايات التي تخص حياة الرسول والروايات التي تخص ما نطق به من أحكام شرعية وما سنه من أفعال وأقوال، حتى كانت هذه السمة التي امتازت بها مدونات ابن عباس عن أحوال الرسول ﵌ وسيرته.
٤. عبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥ هـ) :
ولد بمكة قبل البعثة بسنتين، وكان من صغار الصحابة الذين دونوا بعضا من أحاديث الرسول في صحيفة أسماها (الصحيفة الصادقة) . وظل هذا الرجل محايدا في اتجاهاته وميوله للأحداث التي عاصرها إلى أن توفي بمصر سنة (٦٥ هـ) في أرجح الأقوال «٤٤» .
كانت اهتمامات هذا الصحابي منصبة على تدوين أقوال الرسول ﵌، إذ أكد ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) هذا الأمر حين وصف مدونة عبد الله بن عمرو بأنها قد ضمت ألف حديث «٤٥» ، حفظ الزمن لنا منها (٤٣٦) حديثا بحسب
стр. 41
احصائية أحد الباحثين «٤٦» ، وأورد الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) ، أكثر من نصفها في مسنده «٤٧» .
تناقل أحفاد عبد الله هذه الصحيفة أو المدونة، ومن الذين وصلت إليهم حفيده عمر بن شعيب، إذ أشار ابن حجر إلى هذا الأمر بقوله: " إذا حدث عمر ابن شعيب عن أبيه عن جده فهو كتاب" «٤٨»
كانت هذه المدونة إلى الحديث أقرب منها إلى السيرة ولكن محتوياتها من بعض الأحاديث التي وثقت بعض المواقف والأحداث التي حصلت في عصر الرسالة جعلتنا نوردها ضمن مدونات الصحابة للسيرة، إذ وجدنا الطبري قد اعتمد على رواية متن هذه الصحيفة بطريق عمر بن شعيب في كتابه التأريخ «٤٩» .
هذه هي المدونات التي تناولت بعض أحداث السيرة والتي اتفقت المصادر القديمة على قيام الصحابة بتدوينها، وإن لم تكن هي نهاية جهود الصحابة في توثيق أخبار الرسول ﵌ بل توجد هنالك مدونات أخرى لا ترتقي إلى مصاف سابقتها، إذ لم يتعد توثيقها حادثة محددة أو كتابة بعض الأحاديث النبوية «٥٠» .
стр. 42
ب. مدونات التابعين وتابعيهم:
جاء بعد الصحابة جيل التابعين أو من اتصل بهم وسمع منهم أخبار عصر الرسالة بتفصيلاته الدينية والدنيوية، وقد أكمل هؤلاء ما بدأه سابقوهم بتدوين أحداث السيرة ونشرها بين الناس. إذ وجدنا مدوناتهم قد كانت أكثر وضوحا وشمولية من سابقتها، وذلك لتبني بعضهم مهمة جمع وتدوين بعض النصوص التي وقعت بين أيديهم والتي كتبها بعض الصحابة. تلك النصوص التي تخص مشاهد الرسالة والأحداث التي عاصروها من جانب، ومن جانب آخر وجود حافز تمثل في دور مؤسسة الخلافة التي كان الأمويون على رأسها؛ حين اتجهت هذه المؤسسة الى السؤال والاستفسار من بعض هؤلاء التابعين عما يعرفونه من أخبار حول حوادث معينة من حياة الرسول ﵌، وما رافقها من أمور الدعوة والدعاة، وهذا الأمر يعدّ نقلة نوعية في المسار التطوري لكتابة السيرة النبوية، فضلا عن ذلك فإن هذه المدونات تتصف بطابعها الإنساني وواقعيتها ويندر فيها ما نشاهده لدى المؤرخين في ما بعد من مبالغات «٥١» .
ولّدت هذه الأمور مجتمعة دورا أساسا في تكوين مرحلة انتقالية أطلق عليها (المرحلة الانتقالية بين دراسة الحديث ودراسة المغازي) «٥٢» ، ويعطي أحد الباحثين بعدا أكثر شمولية من الرأي السابق إذ يقول: " وقد شرع الناس في الجيل التالي للصحابة، جيل التابعين بجمع روايات وأقوال النبي (ص) وأفعاله
стр. 43
التي كانت شائعة في عصرهم، وإذا كانت مادة أحاديث عدد من الصحابة المدونة في الصحائف والكتب مشكوكا في صحتها وقيمتها، فانه لا يوجد شك في أن مثل هذه الكتب كانت نادرة في جيل التابعين الذين أخذوا معارفهم عن الصحابة ووجد بينهم أناس يعتبرون علماء بالمغازي" «٥٣» .
كانت هذه المدونات من نتاج كل من:
١. أبان بن عثمان (ت ١٠٥ هـ) *:
وهو ابن الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رض) ولد في المدينة المنورة وسمع من الصحابة بعض الأحاديث والروايات عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله، وعين واليا عليها في زمن عبد الملك بن مروان (٦٧- ٨٧ هـ) «٥٤» .
اشتهر هذا الرجل بتدوينه مغازي الرسول ﵌ ومعرفته بها معرفته دقيقة، إذ تذكر إحدى الروايات أنه قد قام بتدوينها في زمن مبكر، وذلك حين سأله سليمان بن عبد الملك عند زيارته المدينة في موسم الحج عن مشاهد الرسول ﵌، إذ أجابه أبان: (هي محفوظة عندي) ، فسرعان ما أحضرها له فلما قرأها أمر بتمزيقها ورميها بالنبل؛ وذلك لما رأى فيها من إبراز أبان لدور
стр. 44
الأنصار في هذه المشاهد، على الرغم من موقفهم المتخاذل في نصرة الخليفة عثمان بعدما حوصر وقتل في داره «٥٥» .
تعطينا هذه الرواية- إن صحت- الجواب عن التساؤل الذي يتبادر إلى الذهن حول مصير هذه المدونة عند المعاصرين والمتأخرين عن عصر أبان، ولكن هنالك نص أورده ابن سعد في حديثه عن المغيرة بن عبد الرحمن يقول فيه: " كان ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله أخذها من أبان" «٥٦» ، فكان هذا النص مبينا المصير الذي آلت إليه هذه المدونة بعد ما اجتمعت عليها هاتان الصعوبتان اللتان كانتا عاملا مهما في اندثار هذه المدونة، ويعلق أحد الباحثين على هذا الأمر بالقول: " إن أبان بن عثمان لم يرزق التلاميذ والرواة الذين يوصلون مروياته أو مدوناته في المغازي والسير إلى مسامع الناس" «٥٧» ، وقد قطع الدوري بعدم وصول أي شيء من هذه المدونة في المصنفات التي اعتمدت مرويات أقرانه من التابعين عند حديثها عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله «٥٨» .
من هذا كله نخرج بمحصلة نهائية هي أننا لا نستطيع إيضاح الأسس والثوابت التي عرض بها أبان سيرة الرسول ﵌ في مدونته تلك، وذلك لاندثارها، وعدم وجود نقول منها في الكتب المتأخرة عنها، فضلا عن اسقاط أحد الباحثين أبان من ممثلي بدايات كتابة السيرة النبوية.
стр. 45
٢. عروة بن الزبير (ت ٩٤ هـ) :
هو ابن الصحابي الزبير بن العوام القرشي الذي يعد من كبار الفقهاء والمحدثين المدنيين، ومن العلماء بالسيرة وأحد الفقهاء السبعة في المدينة «٥٩» .
وقد وضحت المعالم الأولى لكتابة السيرة عنده، وذلك لأن لمساته وآثاره فيها كانت أوضح من سابقيه إذ تذكر المصادر المتأخرة أنه أول من ألف بالمغازي «٦٠» .
مع كل هذه الأقوال التي بينت تأليف عروة لكتاب في مغازي الرسول، لم تعط القناعة الكافية لأحد الباحثين بحتمية وجود مثل هذا الكتاب في تلك الحقبة، إذ يقول معلقا على هذا الأمر: " أما الخبر القائل بأن عروة قد ألف كتابا في المغازي فليس له مصدر قديم" «٦١» ، وهذا التشكيك من قبل هذا الباحث له ما يدعمه ويوصله إلى اليقين، إذا ما لا حظنا أن أحد الباحثين بعد ما قام بجمع النقول التي تحدثت عن اسهامات عروة برواية أحداث السيرة «٦٢» ، وجدنا أنها لم تكن سوى رسائل متبادلة بينه وبين الخليفة عبد الملك بن مروان وبعض الولاة،
стр. 46
تضمنت إجابة عن تساؤلات عديدة حول حادثة بدء الوحي وبعض المشاهد التي شاهدها الرسول ﵌ وبعض الشوؤن الخاصة به «٦٣» .
كانت هذه الاراء مبينة أن عروة لم يكن سوى مدون لبعض الأحداث من دون أن يجمعها في مصنف حتى يطلق عليه أنه (أول من ألف في المغازي) ، إذ وجدنا رواية تؤكد هذه النتيجة ذكرها ابن سعد قائلا: إن لعروة كتب فقه أحرقها يوم الحرة وندم عليها كثيرا حتى كان يتمنى فقدانه لأهله وماله وبقاء تلك الكتب عنده «٦٤» .
نستطيع من تلك النقول التي جمعها الأعظمي تبيان الخطوط العامة التي نهجها عروة في توثيق أحداث السيرة والتي تضمنت:
١. الاستشهاد بالايات القرآنية في توثيق الرواية، وذلك لأن قسما من مروياته تعرض لأسباب نزول بعض الايات التي أوضحت بعض المواقف التي أنتهجها الرسول ﵌ في الأحداث التي عاصرته «٦٥» .
٢. إيراده الأشعار التي قيلت في الحوادث التي عرضها «٦٦» ، وهذا الاهتمام بايراد الأشعار ناشئ من أن عروة بن الزبير كان من الرواة المشهورين للشعر العربي ولا ينازعه فيه منازع «٦٧» .
стр. 47
٣. الاعتماد على إرسال الأخبار، وذلك من دون ذكر قائليها مع العلم ان عروة لم يعاصر تلك الأحداث «٦٨» .
علل الدوري برزو هذا المنحى عند عروة بأن الإسناد في زمنه كان مرنا وأن الناس لم يطالبوا المحدثين والرواة بإسناد أحاديثهم فضلا عن أن القواعد الدقيقة للإسناد لم تكن قد ظهرت بعد «٦٩» .
ولكن مع هذا كله، فإن عروة لم يكن مغفلا أسانيد جميع رواياته بل كانت هنالك بعض الروايات قد أسندها إلى قائليها «٧٠» .
هذه هي الخطوط العامة التي نهجها عروة في توثيق ورواية بعض حوادث السيرة التي مثلت نقلة نوعية ببروز الأسس والثوابت المعيارية لها من حيث وضع اللبنات التكوينية الأولى لكتابة السيرة وذلك بتقديمه نماذج أولية مكتوبة لبعض حوادث السيرة يسير عليها المتأخرون عنه ويضيفون عليها ما فات على سابقيهم من ذكر بعض الحوادث.
٣. شرحبيل بن سعد (ت ١٢٣ هـ) :
وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. ولد في أواخر خلافة عمر بن الخطاب ولقي جماعة كبيرة من الصحابة وسمع منهم وكان يكثر التردد على الصحابي زيد بن ثابت «٧١» .
стр. 48
انصبت اهتمامات شرحبيل بن سعد على دراسة مغازي الرسول بعامة وغزوة بدر بخاصة حتى عدّه بعض من ترجم له أنه كان من أعلم الناس في زمانه بالمغازي والبدريين «٧٢» .
أعطى هوروفتس توضيحا لهذه الاهتمامات بجعلها لا تتعدى سوى إعداد القوائم بأسماء المهاجرين إلى المدينة ومن اشترك بغزوتي بدر وأحد «٧٣» ، ولكن أحد الباحثين يفند هذا الرأي باعتماده على مقالة ابن حجر التي يقول فيها" كان شرحبيل بن سعد عالما بالمغازي اتهموه أنه يدخل فيهم من لم يشهدوا بدرا وفيمن قتل يوم أحد إن لم يكن منهم وكان قد احتاج فسقط عند الناس فسمع بذلك موسى بن عقبة فقال أو ان الناس قد اجترءوا على هذا، فدب على كبر السن وقيد من شهد بدرا وأحدا ومن هاجر للحبشة والمدينة وكتب ذلك" «٧٤» ، إذ يتبين من هذا النص أن كاتب القوائم هو موسى بن عقبة وليس شرحبيل بن سعد كما فهم هوروفتس «٧٥» .
ولكن هذا الرأي آنف الذكر لا ينفي بتاتا أن شرحبيل لم يكن مدونا لبعض حوادث السيرة إذ كانت مروياته التي أغفلها المعاصرون له قد ضمت أخبارا عن السيرة، إذ يبين النص الذي أورده ابن حجر والذي أوضح فيه أن أحدا من الناس قد سأل محمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ) المعاصر لشرحبيل عن سبب إغفاله لمرويات الأخير في المغازي وعدم إدراجها في كتابه أو ضمن
стр. 49
الروايات التي يلقيها على مسامع الناس، فأجاب ابن إسحاق على هذا التساؤل بالقول: " وأحد يحدث عن شرحبيل" «٧٦» .
كان سبب إغفال هذه الأخبار التي رواها شرحبيل هو لكبره وخرفه واختلال عقله كما ذكر ذلك ابن سعد «٧٧» ، هذا من جانب ومن جانب آخر فأن الناس كانت تتحاشاه مخافة لسانه الذي يكيل التهم لمن يرده من أبناء الصحابة بأن أباك أو جدك لم يشهد بدرا «٧٨» ، أو يجعل من لا سابقة له في الإسلام سابقة «٧٩» .
ولّدت هذه الأمور مجتمعة عزوفا من قبل المهتمين بسيرة الرسول لما تفوه به شرحبيل حتى لم نجد أية رواية عن سيرة الرسول ﵌ ترجع في إسنادها إليه سوى رواية واحدة أوردها ابن سعد ٧٩ أ.
من هذا كله نستنتج أن هذا العزوف لمرويات هذا الراوي يدل على وجود حس نقدي مبكر للرواية والرواة.
٤. وهب بن منبه (ت ١١٤ هـ) وهو يماني المولد، فارسي الأصل. سكن المدينة، وحدث بها، وكان من المقربين لدى الخلفاء الأمويين، وممن أشتهر برواية أخبار الأمم السالفة وأهل الكتاب، وعرف العديد من لغات عصره ٧٩ ب.
стр. 50
عدّ هذا الرجل من قبل أحد المتأخرين في عداد من كتب في المغازي «٨٠» ، ومال الى هذا الرأي أحد الباحثين إذ علق على ذلك بالقول: " وقول حاجي خليفة صحيح فقد وجد أحد المستشرقين بين مجموعة أوراق بردي في هيدلبرج [بالمانيا] مجلدا يحوي قطعة من كتاب المغازي هذا" «٨١» ، ووافق باحث آخر على هذا الرأي ايضا «٨٢» .
ولكن نسبة هذه المجلدة في المغازي إلى وهب محل تدبر وتأمل، وذلك بملاحظتنا ان سندها الذي أورده لنا هوروفتس قد حوى في طريق الإسناد إلى وهب سبطه عبد المنعم بن إدريس (ت ٢٢٨ هـ) «٨٣» الذي اتفق جميع العلماء الذين ترجموا له على أنه وضاع ويضع الحديث على جده وهب «٨٤» .
تدل الرواية التي أوردها لنا أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) التي ينتهي إسنادها إلى وهب والتي وجد في أحد طرقها سبطه عبد المنعم على مصداقية الكلام آنف الذكر «٨٥» ، إذ أخرج ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) هذه الرواية ضمن الموضوعات «٨٦» ، فضلا عن تعليق أحد الباحثين على هذه الرواية بالقول:
" وهذه الفقرة طويلة مفصلة ولكن قارئها لا يسعه غلا أن يشك فيها الشك
стр. 51
الشديد فأسلوبها مما لا نألفه في أساليب تلك الفترة وعبارتها غريبة عن الرجل الذي يعيش في ذلك العصر وكان للخيال فيها دور كبير، ولذلك إن صحت نسبتها لوهب فأننا لا نستطيع إطلاق صفة مؤرخ بل قصاص" «٨٧» .
إن الذي دفعنا لإثارة هذه الشكوك حول صحة كتابة وهب لمغازي الرسول ﵌ هو أننا لم نجد في أثناء تصفحنا للكتب التي تحدثت عن سيرة الرسول ﵌ رواية ينتهي سندها إلى وهب أو يكون هو في أحد طرقها هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت معظم الروايات التي وصلت إلينا عن وهب تتضمن عرضا لأخبار الأنبياء والرسل والأمم والأقوام السالفة «٨٨» ، مع ذكر ابن النديم (ت ٣٨١ هـ) أن له كتابا في هذه المحاور من التأريخ «٨٩» ، وهذا ما دفع بهوروفتس إلى عدّ اسهامات وهب في هذه الجوانب من التأريخ مدخلا متمما لسيرة النبي ﵌، لارتباط الرسالات التي استعرضها وهب بالرسالة التي أتى بها محمد بن عبد الله ﵌ «٩٠» ، فضلا عن ذلك فقد عدّ أحد الباحثين تدوين وهب لأخبار الرسل والأمم السالفة حافزا للمؤرخين الذين أتوا بعده على جعلهم وهبا من أوائل من قدم نموذجا للتأريخ العالمي متمثلا في تأريخ الرسالات؛ حتى
стр. 52
كان لذلك صدى قوي في عقل محمد بن إسحاق حين بدأ سيرة الرسول ﵌ بأخبار الأمم والأقوام والأنبياء السالفة التي أسماها بأخبار المبتدأ «٩١» .
هؤلاء هم التابعون الذين هم في الطبقة الأولى من علماء المغازي والسير الذين وجدنا أن ملامح كتابتهم لسيرة الرسول ﵌ كان يشوبها التشويش والغموض في عدم وضوح المنهج والأسلوب في الكتابة، واندماج الخبر المدون بالخبر المروي شفاها، وعدم وجود قرينة دالة على الفصل بينهما، أما أصحاب الطبقة الثانية ممن تلوا هؤلاء، واسهموا اسهامات جليلة في تطور كتابة السيرة النبوية فهم:
١. عبد الله بن أبي بكر (ت ١٣٥ هـ) :
ينتمي هذا الرجل إلى أسرة مدينة عريقة في النسب والحسب، ولها أياد بيض في تأريخ الإسلام، وثقه كل من ترجم له، وسمع الحديث من جمع غفير من كبار التابعين «٩٢» .
دون هذا الرجل مجموعة كبيرة من أحداث السيرة، إذ يشير الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) إلى أن عبد الملك بن أخي عبد الله قد قدم بغداد وأقام فيها وحدث بأخبار المغازي عن عمه عبد الله، وكتب جلساؤه هذه المغازي ورووها عنه «٩٣» ، ويعطي ابن النديم (ت ٣٨١ هـ) بعدا أكثر من ذلك بجعله ممن صنف كتابا مستقلا بالمغازي يحتمل فيه أنه أقتبسه من عمه «٩٤» .
стр. 53
وقد اسهم هذا الرجل في تطور كتابة السيرة النبوية بنقلة نوعية، وتمثل هذا الاسهام بعدة جوانب هي:
١. ترتيب الحوادث التي تعرض لها بحسب قدمها الزمني «٩٥» ، وهذه النتيجة مستوحاة من القوائم التي ذكرها محمد بن إسحاق للمغازي وتأريخها من أولها إلى آخرها بالاعتماد على ما كتبه عبد الله بن أبي بكر في هذا الجانب «٩٦» ، مع الإشارة إلى أن هذا الكلام لا ينطبق على السيرة حسب بل شمل الحوادث الأخرى لتاريخ الإسلام التي ذكرها ضمن أخباره التي رواها أو التي دونها «٩٧» .
يستدل من هذا على أن عبد الله بن أبي بكر لم يكن مسترسلا في ذكر الحوادث التأريخية بل كان يحاول ضبط الواقعة بحسب سبقها الزمني مع ذكر تأريخ وقوعها، وهذا ما دفع بأحد الباحثين إلى جعله أول واضع للمنهج الحولي عند المسلمين «٩٨» .
٢. إيراده بعض الوثائق التي كتبت بأمر الرسول ﵌ والتي أرسلها إلى الملوك والقبائل، أو الوصايا التي أوصى بها ﵌ عماله على البلدان «٩٩» ، ومن ذلك الرسالة التي بعثها الرسول ﵌ إلى ملوك حمير في اليمن «١٠٠» ، أو الوصية التي أوصى بها الرسول ﵌ جد عبد الله الأكبر عمر بن حزم، وذلك حين
стр. 54
أرسله من قبله إلى أهالي نجران في اليمن ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم، وتكون هذه الوصية مرجعا له في أموره «١٠١» .
ويبدو أن أصل هذه الوثيقة كان موجودا عند عبد الله أو أسرته، وذلك لقيمتها المعنوية لأنها تعدّ شاهدا حيا على دور أسرته وأجداده في خدمة الإسلام، وأن انتخاب الرسول ﵌ لجده من بين باقي الصحابة ليكون عامله على نجران دليل على مكانة هذا الرجل في نفس الرسول ﵌ حتى يوليه هذه المهمة.
أكد هذا الأمر بروز الترعة القبلية والمفاخرات بين أبناء الصحابة وأحفادهم، ثم انعكاس هذه الترعة على الكتابة التأريخية، حيث تمخض في هذه المرحلة تركيز الرواة في ذكر دور قبائلهم ومتعلقيهم في الحوادث التي عاصروها وإغفال الأدوار التي قام بها الأشخاص الاخرون أو ذكروها عرضا من دون تفصيل، وخير دليل على ذلك هو عدم وجود أية رواية لهذا الرجل عن الحوادث التي رافقت بداية الدعوة والتي سبقت هجرة الرسول ﵌ إلى المدينة، إذ عزا الدوري هذا الأمر إلى بقاء فكرة أيام العرب ومفاخراتها عالقة في أذهان وعقول الناس وتصرفاتهم «١٠٢» .
٣. تضمين الروايات التي يذكرها بما قيل في مناسباتها من شعر «١٠٣» ، كما تبين ذلك الروايات التي وردت في السيرة «١٠٤» ، وهذا الأمر راجع إلى كون عبد
стр. 55
الله من أسرة محبة للشعر ورواية له «١٠٥» ، فضلا عن أن البيئة التي عاش فيها كانت من أخصب البيئات قريحة لإنشاد الشعر وروايته «١٠٦» .
٤. إغفاله للرواة الذين سمع منهم أحداث السيرة وتساهله في كثير من إسناد رواياتها، إذ وجدناه يحدث بها كأنه شاهد عيان لها «١٠٧» ، ويعلل أحد الباحثين بروز هذا الأمر في الروايات التي رويت من قبل الأشخاص الذين عاشوا في هذه الحقبة من تأريخ الإسلام بأن الإسناد لم تكتمل مقوماته بعد «١٠٨» .
٥. استشهاده بما نزل في الحوادث التي تطرق إلى ذكرها من آيات قرآنية «١٠٩» .
٦. لم يختص اهتمام عبد الله بن أبي بكر على الحوادث التي حصلت في عصر الرسالة، ولا سيما بعد هجرة الرسول ﵌ فقط، بل تعدى ذلك ليشمل الحوادث والأخبار التي سمعها عن الأقوام التي عاشت قبل هذا العصر والتي ذكرت في القرآن الكريم «١١٠» .
يبين لنا هذا العرض للجوانب التي اكسبها عبد الله بن أبي بكر لكتابة السيرة أن هذه الكتابة قد بدأت معالمها بالاتضاح شيئا فشيئا نحو الشمولية والتنظيم.
стр. 56
٢. عاصم بن عمر بن قتادة (ت ١٢٠ هـ) *:
هو عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الظفري الأوسي المدني، وكان راوية للعلم وثقه في الحديث «١١١» .
كان هذا الرجل من العلماء بأخبار المغازي «١١٢» ، ولأجل ذلك استقدمه الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ) من المدينة ونصب له منبرا في المسجد الجامع بدمشق ليحدث الناس بالمغازي وسيرة الرسول ومناقب الصحابة «١١٣» .
تبين لنا المعلومة في النص السابق أن عاصما قد توافرت له فرصة في نشر أخبار الرسول ﵌ وأحواله على الناس بمباركة من الخليفة نفسه مما لم يتوافر لأقرانه من التابعين، الأمر الذي أدى إلى كثرة الروايات التي وصلت إلينا عن هذا الرجل في كتب السيرة والمغازي «١١٤» .
ولكن هذا الأمر جعل مسألة تدوين عاصم لأخبار المغازي والسيرة أمرا غير مقطوع بصحته، وذلك لأنه كان رواية أكثر مما هو مدون، وإن كانت إحدى الدراسات الحديثة تؤكد أن المحدثين كانوا يستعينون بصحائف أو رقاع
стр. 57
يدونون فيها ما يحفظونه خوفا من النسيان «١١٥» ، واستدل أحد الباحثين على كون عاصم قد دون معلومات عديدة عن سيرة الرسول ﵌ بالاعتماد على الروايات الطويلة التي كان يرويها للناس «١١٦» ، ومنها روايته لحادثة إسلام سلمان الفارسي «١١٧» .
وتبقى هذه الاراء مجرد استنتاجات شخصية لا تؤكدها القرائن، إذ اعطى العسلي توضيحا لهذا اللبس بعد استعراضه للنقول التي ورد فيها اسم عاصم بن عمر حين قال: " وبالرغم من أنه كان عالما بالمغازي ورجال الصحابة لم يرد ذكر لكتاب ألفه عاصم بن عمر بن قتادة في المغازي، فالمعلومات التي وصلت عنه جاء معظمها عن طريق رواية ابن إسحاق رواها ابن هشام والواقدي وابن سعد والطبري، أما من جاء بعدهم من المؤرخين فهم ينقلون المعلومات نفسها التي قدمها ابن هشام وابن سعد والطبري" «١١٨» .
مع كل ما ذكرناه من آراء فإن ذلك لا يمنع من أن يكون عاصم قد اكسب كتابة السيرة روافد جديدة لم تألفها سابقا إذ تمثلت هذه الروافد ب:
١. بروز الاتجاه القبلي في رواية أحداث السيرة، إذ تمثل ذلك بالتركيز في رواية أحداث المرحلة المدنية من الدعوة الإسلامية وإبراز دور الأنصار فيها
стр. 58
ومواقفهم المشرفة وأعمالهم البطولية التي قاموا بها دفاعا عن الإسلام والرسول ﵌ «١١٩» .
٢. إيراد المعجزات ودلائل النبوة التي بدرت من الرسول ﵌ «١٢٠» ، وهذا الأمر يعد اتجاها جديدا والتفاتة ذكية من قبل عاصم بايراد هذه الأمور التي لم تألفها مسامع الناس من قبل رواة السيرة والمغازي.
٣. وصف المعارك وصفا دقيقا ابتداء من أول حادثة إلى آخرها «١٢١» ، إذ خص معركة بدر فقدم لنا فيها وصفا دقيقا للحوادث التي جرت فيها «١٢٢» .
٤. التتبع في معرفة من كان حاضرا من الصحابة عند ذكره الحوادث التي يعرضها في سيرة الرسول ﵌ ولا سيما الحوادث الكبرى «١٢٣» .
ساعد هذا التبيان لأسماء المشاركين في الحوادث على تعرّف مواقف كل شخص من الصحابة المعاصرين لذلك الحادث ودوره فيه، مع إعطائه مادة جاهزة لكتاب التراجم يتكئون عليها في حديثهم عن كل شخصية يترجمون لها ويبينون مواقفها في أحداث عصرها.
٥. الدقة والتبصر وعدم التكلف في اختيار العبارات عند سرده لحوادث السيرة «١٢٤» ، وهذا الأمر يبين لنا أن أصحاب السيرة الأوائل كانت عباراتهم سهلة ولا يكتنفها غموض أو تعبير صعب أو ثقيل على اللسان.
стр. 59
٦. الاتجاه نحو رواية الحوادث باستقلالية وشمول من دون قطعها، وإن استمرت هذه الحوادث مدة أطول «١٢٥» ، مما يعدّ بداية للمنهج الموضوعي في كتابة السيرة، وترك المنهج الحولي القائم على رواية الحوادث على وفق السنين وتسلسلها الزمني، مع العلم أن العسلي يشكك في كون هذا الاتجاه أهو من عند عاصم أم أنه جاء نتيجة تلاعب المؤرخين الذين نقلوا عنه «١٢٦» .
٧. إبداء الاراء ووجهات النظر برواة الحوادث ودوافعهم في القول «١٢٧» ، إذ تمثل هذا الأمر في إبداء عاصم وجهة نظره في الرواية التي ذكرت قولا للعباس بن عبادة بن نضلة الخزرجي* في الأنصار حين قال: " والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله ﵌ في أعناقنا" «١٢٨» .
مثّل هذا الأمر نقلة نوعية في بروز الاتجاه النقدي والتعليق على الروايات التي ترد إلى مسامع عاصم بن عمر.
هذه هي الروافد التي أكسبها عاصم بن عمر لكتابة السيرة النبوية، مع استمرار المنحى المألوف في ذلك العصر وهو الترسل وعدم الاهتمام والتشدد بذكر مسانيد الروايات التي يذكرها «١٢٩» ، وهذا الأمر لم يقطع فيه العسلي إذ يقول: " ولا نعلم هل أن الحذف [في رواة الخبر] هو من ابن إسحاق أم أنه من
стр. 60
عاصم" «١٣٠» ، إذ اعتمد العسلي على الإسناد الذي كان يذكره ابن إسحاق عند ذكره لبعض مسانيد رواياته والتي يقول فيها" حدثني عاصم بن عمر عن أشياخ قومه" «١٣١» .
ويبدو لنا من الروايات التي ذكر ابن إسحاق فيها اسم عاصم، أنه لم يستعمل هذه العبارة آنفة الذكر في مسانيد باقي رواياته، مما دفعني ذلك إلى التكهن بأن هذه اللفظة مقتصرة على عاصم وأن الأخير هو الذي حذف أو أغفل ذكر رواة الخبر الذي يرويه.
٣. محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) :
من كبار الجيل الثاني من التابعين الذين أخذ عنهم العلم الكثير بمختلف صنوفه وأدى دورا متميزا في كتابة الحديث النبوي ونشره بين الناس مع تقريب الأمويين له وجعله بعضهم مؤدبا ومعلما لصبيانهم «١٣٢» .
لعبت هذه الشخصية دورا بارزا في إرساء الأسس والثوابت العامة لكتابة السيرة النبوية «١٣٣» ، وما ذلك إلا لان الزهري يكتب ويدون كل ما يسمعه من حديث أو حكم أو خبر عن الرسول ﵌ وأحواله فضلا عن أخبار من أتى بعده، إذ يحدث من رآه وصاحبه: " كنا نطوف مع الزهري على العلماء ومعه
стр. 61
الألواح والصجف يكتب كلما سمع" «١٣٤» ، وأكدت لنا هذه الرواية مقولة للزهري أوردها أبو نعيم الأصفهاني مفادها" حضور المجلس بلا نسخة ذل" «١٣٥» .
بينت لنا هذه الروايات أن الزهري كان ممن يشتهرون بتدوين ما يسمعون، مما يجعلنا نعطي صفة التأكيد أن الزهري قد كانت له بعض المدونات عن سيرة الرسول ﵌، حتى أن أبا الفرج الأصفهاني يذكر أن الزهري قد شرع بكتابة السيرة في مطلع القرن الثاني الهجري ولم يكتب لها الاكتمال «١٣٦» ، حتى عدّ السهيلي (ت ٥٠٨ هـ) أن أول سيرة ألفت في الإسلام للرسول ﵌ هي السيرة التي ألفها الزهري «١٣٧» ، فضلا عن وجود متأخرين تابعوا هؤلاء في مقالتهم هذه «١٣٨» .
مع كل تلك التأكيدات من قبل هؤلاء العلماء حول تأليف الزهري أول سيرة في الإسلام، لم يطمئن أحد الباحثين إليها إذ قال: " من الصعب الجزم بأن المعلومات التي نقلها الرواة عن الزهري مقتبسة من كتبه أم من رواياته" «١٣٩» ،
стр. 62
إذ اعتمد هذا الباحث على مقولة الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) التي مفادها: " أنه لم يكن مع ابن شهاب كتاب إلا كتاب في نسب قومه" «١٤٠» .
إن هذا الرأي لا ينفي مطلقا كون الزهري قد دون بعض أخبار الرسول ﵌ في صحف أو دفاتر اعتمد عليها من أتى بعده بدليل أن معمر بن راشد الذي يعد من أحد رواة أحاديثه، قد قال: " كنا نرى انا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من علم الزهري" «١٤١» .
وقد طعن الزهري لكثرة تقربه للأمويين ومجالسته لهم، إذ وصف بالقول:
" أي رجل الزهري لولا أنه أفسد نفسه بصحبة الملوك" «١٤٢» ، وأن التقرب لدى الحكام كان يعدّ مثلبة تسجل على العلماء، حتى صرح الإمام جعفر بن محمد الصادق (ت ١٤٨ هـ) بالقول معقبا على هذا الأمر: " الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم" «١٤٣» ، ولهذا الأمر كان الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) (ت ٩٤ هـ) كثيرا ما كان ينصحه بترك علاقته تلك مع الأمويين وانعكاسها على سمعته كعالم له مكانته حتى بعث له برسالة طويلة بين فيها مساوئ العلاقة بين الحكام والعلماء لأن الحكام يتخذون العلماء مقصدا يلتمسون منه كسب رضا عامة الناس وإيجاد من يسوغ لهم
стр. 63
أفعالهم ولا يعارض أقوالهم «١٤٤» ، حتى صرح الزهري في حقه بالقول: " علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منة" «١٤٥» .
مع كل ما ذكر عن الزهري حول علاقته بالأمويين فإن ذلك لا يقلل من الدور الكبير الذي لعبه في كتابة السيرة، حتى عدّه الدوري أول من أعطى السيرة هيكلا محدودا ورسم خطوطها بوضوح «١٤٦» .
ويبدو أن هذه المكانة التي حظي بها الزهري والاحتواء لأحداث السيرة وتقعيد أسسها راجع إلى تقصيه وسؤاله كل من كان له علم بحادثة أو موقف من الصحابة والتابعين الذين عاصرهم وشاهدهم بل حتى ربات الحجال من دون تردد في أيام صغره وحداثة عمره «١٤٧» .
لأجل هذا كله زخرت كتب السيرة والتأريخ بالنقول عن هذا الرجل حتى لا نجد أي كتاب من هذه الكتب إلا وفيه اقتباسات كثيرة عنه «١٤٨» .
تمثلت الجهود التي بذلها الزهري في تطور كتابة السيرة بعدة محاور هي:
١. الاهتمام والجدية في إيراد مسانيد الروايات والأحاديث، ويعزو الدوري هذا الاتجاه من قبل الزهري الذي خالف فيه سابقيه إلى أن وجهة الزهري هي وجهة محدث في تحصيل العلم واكتسابه «١٤٩» .
стр. 64
قطع الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) بريادة الزهري في إسناد الحديث، إذ يعده أول من تبنى إسناده «١٥٠» ، وهذا ما جعل أحد الباحثين يعطي للزهري دورا كبيرا في تاريخ الحديث إذ يقول: " ويتضح لنا من بحث سلاسل أسانيد الحديث أن اسم الزهري يحتل معظم المكان الثاني بعد أسم الرسول ﵌ وهذا ما يجعلنا نقرر له دوره الكبير في تأريخ الحديث" «١٥١» .
تمثلت النقلة المنهجية في الإسناد الذي تبناه الزهري في رواياته هي كتابة أسانيد متعددة لرواية واحدة أو التي تكمل بعضها بعضا، إذ أطلق على هذا الإسناد (الإسناد الجمعي) «١٥٢» .
ومما يدل على أهمية الإسناد عند الزهري، أنه طلب منه أحد جلسائه ذات يوم أن يأتي بحديث من دون إسناد فقال الزهري له: " أيرقى السطح بلا سلّم؟ " «١٥٣» ، وعلق على راو لا يسند حديثه: " قاتلك الله ... ما أجرأك على الله ألا تسند حديثك؟ تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة" «١٥٤» .
بينت لنا هاتان الروايتان مدى تشدد وصرامة الزهري بإسناد الأحاديث والروايات، وفي شحذ همم الرواة والمحدثين بذكر أسانيد رواياتهم؛ الأمر الذي
стр. 65
أثمر النتائج الطيبة في معرفة رواة الأحاديث والأخبار التي كان لها الدور المهم في معرفة قوة الرواية وضعفها مما كان له الأثر الفعال في تسهيل مهمة علماء الجرح والتعديل بعد ذلك.
٢. الشمولية في عرض حوادث السيرة من المولد إلى الوفاة وعدم الاقتصار على ذكر جانب واحد أو شذرات متفرقة منها «١٥٥» ، إذ أعطى أحد الباحثين وصفا لهذا المنحى الجديد في عرض أخبار السيرة، عدّ فيه الزهري أول جامع لما رواه التابعون عن السيرة مع ما أضاف إليها من الأخبار التي أعطت بعد ذلك الهيكل العام للسير المعروفة عند ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي «١٥٦» ولكن مع هذه الشمولية في عرض الزهري لأحداث السيرة، وجدت هنالك فجوات في هذا العرض، إذ إن رواياته عن المرحلة المكية قليلة نسبيا قياسا بحجم الروايات التي تحدث بها عن المرحلة المدنية*، وهذه القلة من الروايات التي تخص المرحلة المكية ليس مرجعها إلى عدم وقوف الزهري على أخبار هذه المرحلة بل أن ذلك راجع إلى مواقف أسرته من الرسول ﵌ وأتباعه والدين الذي بعث به، إذ اتسمت تلك المواقف بالعداء في بداية الدعوة الإسلامية «١٥٧» ، فكان من الحرج عليه أن يذكر تلك المواقف خشية أن يعير بها.
تخلص مما ذكرنا آنفا إلى أن الزهري قد وضع الأسس والعنوانات للمرتسم الزمني الخاص بحوادث السيرة بحسب أسبقيتها التأريخية وترك المجال
стр. 66
مفتوحا لمن يأتي بعده ليكمل ما بدأه ويسد الثغرات التي ظهرت في أثناء عرضه حوادث السيرة في تطعيمها بما رافقها من أمور أغفلها أو لم يصل إلى تفاصيلها.
٣. إيراد الشواهد من الايات القرآنية التي نزلت في الحوادث التي تطرق لذكرها، وذلك أنها تعطي وثاقة للخبر الذي يرويه في تلك الروايات «١٥٨» .
أشار الدوري إلى أن هذا المنحى في إيراد الروايات مشفوعة بما نزل فيها من القرآن، قد أظهر بجلاء أن دراسة القرآن بما يحفل به من إشارات إلى شؤون المسلمين بالمدينة بخاصة كان عاملا مساعدا على ظهور الدراسات التأريخية الشاملة «١٥٩» .
٤. إيراد ما قيل من شعر في الحوادث التي عرضها من أخبار السيرة «١٦٠» ، وهذا راجع إلى أن الزهري كان رواية للشعر ومتذوقا له «١٦١» .
علل الدوري هذا المنحى من قبل الزهري بالقول: " وهذا طبيعي إذا تذكرنا أن الناس عامة كانوا يميلون للشعر وأنه كان عنصرا أساسيا للثقافة" «١٦٢» .
هذه هي الجهود التي قام بها الزهري والتي أسهمت اسهاما جادا في تطور كتابة السيرة، وأحدثت نقلة نوعية فيها فضلا عن عرض أحداثها بأسلوب سهل وبسيط «١٦٣» .
стр. 67
ومن هذا كله نرى أننا كلما اقتربنا من منتصف القرن الثاني الهجري، أخذت الأصول الأولية للسيرة تأخذ بالوضوح شيئا فشيئا وذلك راجع إلى قربها من مرحلة التبويب والتصنيف التي يحددها الذهبي بسنة (١٤٣ هـ) «١٦٤» ، إذ كان العلماء على حد قوله قبل هذه السنة يكتبون في صحف غير مرتبة «١٦٥» .
٤. موسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ) :
وهو من موالي آل الزبير ومن أعلام عصره، ويعدّ من كبار المحدثين وثقاتهم، برع في الفقه وفي رواية الحديث وكانت له حلقة درس في المسجد، وسمع الحديث من كبار التابعين «١٦٦» .
كان لهذه الشخصية دور بارز في توثيق أحداث السيرة والمغازي بخاصة، حيث ذكرت بعض المصنفات قيام هذا الرجل بتصنيف كتاب في مغازي الرسول ﵌ «١٦٧» ، وحصلت هذه المدونة عن سيرة الرسول ﵌ ومغازيه على احترام معاصريها حتى أوصى الإمام مالك ابن أنس (ت ١٧٩ هـ) أصحابه باعتمادها بقوله: " عليكم بمغازي الشيخ الصالح موسى ابن عقبى فأنها اصح المغازي عندنا" «١٦٨» .
стр. 68
إن رأي الإمام مالك في مغازي موسى بن عقبة محل تحفظ وتدبر، إذ إنه لم يطلق كلامه هذا جزافا بل أراد منه إيجاد مصنف في سيرة الرسول ﵌ ومغازيه يقف ندا للسيرة التي كتبها محمد بن إسحاق لرسول الله محمد ﵌، وما ذلك إلا لتعاظم العداء الشخصي بين الإمام مالك وابن إسحاق الذي وصل حدا أن تقاذف الاثنان التهم بينهما «١٦٩» ، فأراد الإمام مالك في مقالته هذه أن يسقط المغازي التي كتبها ابن إسحاق من أعين الناس ويجعل مغازي موسى بن عقبة افضل منها بشحذ همم الناس على قراءتها.
لم نرد في هذا الاستدراك أن نحطّ من مكانة المغازي التي كتبها موسى بن عقبة بل أردنا التنبيه فقط إلى الملابسات التي كانت وراء إصدار مالك مثل هذا الحكم على هذه المغازي، إذا ما علمنا أن الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) قد وافق على مقالة مالك ولكنه لم يطعن بباقي المصنفات التي عاصرت مغازي ابن عقبة، إذ قال: " عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة" «١٧٠» .
حصلت هذه الاراء والأحكام التي أطلقها هؤلاء العلماء على هذه المغازي التي كتبها ابن عقبة، على احترام من جاء بعدها من العلماء، إذ حرصوا
стр. 69
على الحصول على إجازة بروايتها «١٧١» ، وأهتم آخرون بتضمين اقتباسات منها في مصنفاتهم واختصار بعض رواياتها «١٧٢» .
كان وراء كتابة ابن عقبة لمغازي الرسول ﵌ موقف ذكره ابن حجر وهو أن ابن عقبة قد رأى الناس يطعنون بشر حبيل بن سعد ويذمونه ويتهمونه بالكذب، فشرع في كتابة مغازي الرسول ﵌ حتى لا يترك مجالا للطعن لمن تسول له نفسه ذلك «١٧٣» .
بقيت نقول كثيرة من هذه المغازي في بطون الكتب التي تحدثت عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله استطعنا أن نتعرف منها طبية تلك المغازي وأثرها في تطور كتابة السيرة النبوية التي تركزت في عدة محاور أضفتها على كتابة السيرة، إذ تمثلت ب:
١. ربط أحداث السيرة بالأحداث التي سبقتها قبل الإسلام وما جاء بعدها إلى العصر الذي عاش فيه ابن عقبة، وإن كان الذين سبقوه قد برز فيهم هذا المنحى ولكنهم لم يماثلوا ابن عقبة في عرضه هذه الأحداث، إذ أعطى نقلة لمؤلفي الموسوعات التأريخية مثل ابن إسحاق والواقدي وابن سعد والبلاذري وغيرهم، ومنه بدأت ملامح المدرسة التأريخية تتضح أكثر من السابق «١٧٤» .
стр. 70
٢. لم تقتصر مدونته تلك على أخبار المغازي فقط بل تعدتها إلى ذكر أسماء من هاجر إلى الحبشة، والمشتركين ببيعة العقبة وحادثة الهجرة «١٧٥» .
٣. الاهتمام بالسند وإيراده مع الرواية «١٧٦» ، وكانت معظم مروياته عن الزهري حتى عدّ المحدثون كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من اصح الكتب «١٧٧» .
٤. إيراد الوثائق العائدة إلى عصر الرسالة ضمن مدونته هذه «١٧٨» ، ومما يدل على أنه أطلع على أصولها ما ذكره موسى نفسه من أن كريبا مولى عبد الله بن عباس قد وضع عنده حمل بعير من كتب مولاه «١٧٩» ، وهذا يبين لنا أن ابن عباس كان ممن يجمعون أصولا من هذه الوثائق.
٥. إغفال مدونته هذه الأشعار التي ذكرت في الحوادث التي تطرق لذكرها «١٨٠» ، إذ لم يتطرق لهذه الاشعار سوى في أماكن محدودة جدا وفي مصنفين فقط «١٨١» .
стр. 71
هذا هو منهج موسى بن عقبة في كتابة السيرة الذي نرى منه أن كتابة السيرة أخذت بالاستقرار عنده شيئا فشيئا، وصولا إلى كتابة أول سيرة شاملة للرسول ﵌ من قبل محمد بن إسحاق «١٨٢» .
مثّل هذا العرض السابق لجهود التابعين الذين ذكرت المصادر قيامهم بتدوين حوادث السيرة، مرحلة انتقالية بين الكتابة المشوشة المضطربة والكتابة المنسقة الخاضعة لمنهج دقيق، ولم تقتصر على جهود هؤلاء فقط بل وجدت هنالك مدونات أخرى لم تكن بحجم سابقتها ذكرتها بعض المصادر وهي:
١. مدونة نافع مولى عبد الله بن عمر (ت ١١٩ هـ) ، إذ دون فيها غزوة الرسول ﵌ لنبي المصطلق، إجابة منه لتساؤل أحد المسلمين عن هذه الغزوة «١٨٣» .
٢. مدونة عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب (ت ١٤٢ هـ) ، التي دون فيها ما رواه الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري (ت ٧٦ هـ) عن سيرة الرسول ﵌ «١٨٤» ، وقد وصلت نقول من هذه المدونة في بعض المصنفات التي تطرقت لأحداث السيرة «١٨٥» .
إن جميع من ذكرناهم من التابعين الذين تبنوا تدوين أحداث السيرة، قد كانوا من أهل المدينة ومن المنتمين إلى مدرستها التي عرفت ب (مدرسة
стр. 72
المدينة) «١٨٦» ، ولكن هذا لا يعني أن تدوين السيرة قد انحصر في المدينة بل شاطرتها أمصار إسلامية في عملها هذا ولكن بصورة أضيق منها، إذ أوضح ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ) مكانة كل مصر من هذه الأمصار في تدوين المغازي والسيرة إذ يقول: " أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم" «١٨٧» ، في حين يعطي الأوزاعي (ت ١٣٣ هـ) وصفا أكثر تطرفا لمكانة هذه الأقاليم بتدوين ورواية السيرة إذ يقول: " ومغازي رسول الله وأصحابه كانت من جانب الشام والحجاز دون العراق" «١٨٨» .
ذكرت إحدى الدراسات الحديثة أن مكانة أهل الشام لا تقل قدرا عن مكانة أهل المدينة في رواية وتدوين السيرة والمغازي، وذلك باستعراضها للعديد من الأسماء الذين ذكرت بعض المصادر قيامهم بكتابة وتدوين بعض حوادث السيرة «١٨٩» ، أما بالنسبة الى مكانة أهل العراق في رواية وتدوين المغازي فكانت أكثر وضوحا من سابقتها إذ أشار أحد المصادر إلى مقولة ذكرها عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مكانة عامر الشعبي (ت ١٠٣ هـ) برواية المغازي، إذ وصفه- بعد ما سمعه يحدث الناس ويقرأ عليهم المغازي- قائلا: " لهذا أحفظ مني
стр. 73
لها وكأنه شهدها مع رسول الله (ص) " «١٩٠» ، وانفردت إحدى الدراسات الحديثة برأي مفاده أن عامرا كان من المدونين والحافظين لأخبار المغازي في كتاب «١٩١» ، وهذا الرأي تعوزه الدقة لأن عامرا الشعبي كان من الذين يميلون الى الحفظ بدلا من التدوين «١٩٢» .
وجد من بين أهل العراق من ذكرت المصادر قيامه بتدوين أحداث من سيرة الرسول ﵌ في صحائف بقيت نقول منها في المصنفات التي أتت بعدها، وهو:
سليمان بن طرخان التميمي البصري (ت ١٤٣ هـ) :
وهو من التابعين البارزين والمحدثين المشهورين الذين وثقهم كل من ترجم له، سمع الحديث عن أنس بن مالك والامام الحسن بن علي ﵇ «١٩٣» ، وعدّ سزكين هذا الرجل من المهتمين بكتابة السيرة والمغازي وممن صنف فيها «١٩٤» ، وكانت لهذا الرأي مصاديق عدة، إذ حصل ابن خير الأشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) على إجازة برواية المغازي التي كتبها سليمان بن طرخان عن رسول الله ﵌ واسماها ب [كتاب سيرة النبي] لسليمان بن طرخان «١٩٥» ، فضلا عن
стр. 74
ذلك فقد أيد السخاوي وجود هذا الكتاب بجعل ولده معتمر (ت ١٧٨ هـ) راوية له «١٩٦» .
كانت المغازي التي كتبها سليمان بن طرخان محل جدل بين بعض الباحثين إذ أغفلها كل من هوروفتس والدوري حين عرضا المدونات الأولى لسيرة الرسول ﵌ «١٩٧» ، فضلا عن ذلك فقد سوغ باحث آخر إغفال هذه المغازي من قبل بعض الدراسات لأن المصادر القديمة لم تذكر قيامه بتدوينها «١٩٨» ، ويضيف آخر أنه لم تكن له تلك الإسهامات الملموسة والواضحة في كتابة السيرة لكي تجعل من صاحبها عنوانا يستشهد به ضمن الذين غرزوا نواة التأريخ العربي «١٩٩» .
واستدرك أحد الباحثين على هذه المواقف والاراء السابقة بإزاء ابن طرخان وكتابته لمغازي الرسول ﵌ بأن أشار إلى أن أحد المستشرقين (فون كريمر) قد حصل على مخطوط لمغازي الواقدي يضم في نهايته أوراقا من مغازي أبي المعتمر سليمان بن طرخان اسماها ناسخ المخطوطة ب [السيرة الصحيحة] «٢٠٠» ، ولا يخفي هذا الباحث شكوكه واستغرابه من إغفال الطبري لمغازي سليمان بن طرخان، أكان سبب ذلك الإغفال هو عدم وثاقة الطبري
стр. 75
بمغازي هذا الرجل؟ أم لانها لم تصل إليه؟ أم لم يؤلف سليمان مغازي الرسول ﵌ أصلا، وهذه المغازي التي وصلتنا محمولة عليه؟ «٢٠١» .
تبقى مهمة تعرّف الأسلوب الذي كتب به سليمان المغازي أسيرة الدراسة التي علمها نصار لهذه المغازي «٢٠٢» وذلك لعدم توفر النسخة التي اعتمد عليها الباحث في معرفة جهود ابن طرخان في كتابة السيرة النبوية، إذ أوضح رأيه فيها بالقول: " إن الذي يتأمل هذه السيرة يجد أنها موجزة ومصغرة ومنسقة ومنتظمة لا تذكر فيها الفواصل والزوائد كما نرى عند المؤرخين الاخرين، مع إغفال الأسانيد للمرويات التي يتعرض لذكرها منفردة وفي موضوع واحد من دون تداخل للمواضيع الأخرى وبعبارة أدق يعتمد سليمان على إيراد كل الروايات التي ذكرت عن الموضوع الذي يطرحه، وأن وصفه يمتاز بالقوة والحياة، ويشعر القارئ بأنه مشرف على المعركة يرى الأبطال ويشاركهم مشاعرهم وأفعالهم كما يشعر بأن المؤلف لا يكتفي بمجرد ذكر الأعمال وإنما يدقق فيها ويبسطها بسطا صادقا يجعلنا نستطيع أن نميز ما يدور في خلد المؤمنين في كل موضع، وكثيرا ما تكون هذه الانفعالات في غير صالح المسلمين، ولكنه يأتي بروايات غريبة عن الغزوات الكبيرة المعروفة تخالف ما أجمع عليه المؤرخون الاخرون ويأتي أيضا بروايات مخالفة في غزوات النبي (ص) لنبي قريظة وخيبر ومؤتة