تمثل بكتابة السيرة على هيأة أراجيز وشروح لهذه الأراجيز، التي كانت على حد تعبير بعض الباحثين لغايات تعليمية ظهرت في القرون المتأخرة «٣٥» ، وقد أشار السخاوي إلى هذه الأراجيز التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌ وجوانبها المختلفة «٣٦» .
من هذا كله نرى أن التطور في كتابة السيرة قد أكمل حلقاته في العصر العباسي، أما ما جاء بعد هذا العصر فكان مجرد تكرار لما صنف في السيرة وجوانبها من قبل الأقدمين ليس إلا.
стр. 387
الخاتمة
أفرزت المباحث التي مرت بعد أن بينت ورصدت التطور الذي حصل في كتابة السيرة النبوية في العصر العباسي من حيث أساليب عرضها، والمناهج التي كتبت بها مصنفات السيرة وتوابعها، نتائج عدّة ظهرت بين ثنايا السطور، لتكوّن محصلة نخرج بها من هذه الدراسة، وهذه النتائج هي:
أولا: اشتراك لفظتي السيرة والمغازي بالمعنى والمدلول في استعمالات مؤرخي السيرة في بداية كتابتها والتصنيف فيها، ولكن هذا الاشتراك بدأت عراه بالانفصال تدريجيا بعد أن اتسعت مصنفات السيرة ومتعلقاتها وأخذت أبعادها الموضوعية بالاستقلال.
ثانيا: اتسمت الكتابات الأولى لسيرة الرسول ﵌ بالطابع الشخصي في تدوينها، إذ كانت مجرد جهود فردية قام بها ثلة من الصحابة والتابعين وسجلوا بعض الحوادث التي تبين دور الرسول ﵌ ومكابداته في نشر الإسلام، فضلا عن تدوين الحوادث التي كان لهم ولأفراد قبيلتهم دور بارز فيها، تمثل بموقفهم في الدفاع عن الإسلام وعلاقتهم بالرسول ﵌، فكان من بعض غايات هذه المدونات المفاخرة القبلية التي كانت سائدة بين القبائل العربية قبل الإسلام، مع وجود غايات أخرى تمثلت بكون بعض هذه المدونات عبارة عن جوابات لبعض الأسئلة التي كان الخلفاء والولاة
стр. 388
يطرحونها على المهتمين بأخبار السيرة وأحداثها حول بعض المواقف والتصرفات التي بدرت من الرسول ﵌ أو من المسلمين أثناء سير الدعوة، حتى كانت هذه المدونات، فضلا عما تناقلته الألسن من وصف لبعض الحوادث، هي المادة الأولى لكتابات الجيل الثاني من التابعين وتابعي التابعين الذين دونوا بعض أحداث السيرة بشمولية واتساع أكثر من سابقيهم ليكونوا بمجهودهم هذا الأساس الذي استندت إليه المصنفات الشاملة والمبوبة لسيرة الرسول ﵌ وأحواله.
ثالثا: وقفت الدولة الأموية متمثلة بخلفائها وولاتها، إلا الخليفة عمر بن عبد العزيز، موقفا مضادا من كتابة سيرة شاملة للرسول ﵌ وذلك لشعور يختلج في نفوسهم أن كتابة السيرة النبوية بتفاصيلها معناها تشهير بمثالب آبائهم وأجدادهم ومواقفهم السلبية تجاه الإسلام والرسول محمد ﵌، من جراء ذلك تأخرت كتابة أول سيرة شاملة للرسول ﵌ حتى بداية العصر العباسي أي بعد ما يقارب القرن ونصف القرن من وفاة الرسول ﵌.
رابعا: بالضد من الموقف الذي انتهجته الدولة الأموية في تحجيم تدوين أحداث السيرة، أتبعت الدولة العباسية متمثلة بخلفائها الأوائل سياسة مغايرة للسياسة الأموية، إذ سمحت بكتابة أول سيرة للرسول ﵌، ولم تقتصر على ذلك، بل دعمت وشجعت ذلك، وقربت المهتمين بأخبار السيرة وأغدقت الهبات عليهم، ولكن هذا الاهتمام والدعم لم يكن يجري دون تنازلات تذكر، بل صاحب ذلك شطب بعض الروايات وحذفها ولا سيما
стр. 389
تلك الروايات التي تتحدث عن مواقف العباس بن عبد المطلب وأحواله أثناء الدعوة الإسلامية، مع تفخيم دور البيت العباسي في انتشار الإسلام.
خامسا: كان للتجربة التي قام بها ابن إسحاق حين كتب أول سيرة شاملة للرسول ﵌ صدى واسع عند المسلمين، إذ حفزت هذه التجربة علماء المسلمين ومحدثيهم على إفراد مصنفات تتناول حياة الرسول ﵌ ودوره في أحداث عصره خالية من الأقوال والأحكام التشريعية. فكان ذلك بداية لانفصال عرى الترابط بين سيرة الرسول وحياته الشخصية من جهة، وبين أقواله وأفعاله من جهة أخرى؛ مع العلم أن أقوال الرسول ﵌ وأفعاله عدّت أحكاما واجبة التنفيذ من قبل المسلمين، لأن السنة النبوية الشريفة المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن، فقام المحدثون بالاهتمام بهذه الأحكام وترك وصف الحوادث التي عاشها الرسول ﵌ إلى أهل الأخبار ومن ثم المؤرخين، فنشأ عن هذا الأمر في بدايته مجموع من الإخباريين عرفوا بأصحاب المغازي والسير.
سادسا: تعددت مصنفات السيرة وتكاثرت على طول العصر العباسي بسبب تشعب الغايات والمقاصد التي من أجلها كتبت، والظروف التي أحاطت بكتابتها أيضا. إذ كانت هنالك غايات علمية تمثلت جيدا وبوضوح الأمر بجهود عبد الملك بن هشام المعافري في نقد بعض الأشعار التي حوتها سيرة ابن إسحاق، حين بين عبد الملك أن بعض هذه الأشعار نسبت إلى غير قائليها، فضلا عن ضعف وركاكة الأشعار الأخرى، ولكن هذه الغاية
стр. 390
العلمية التي دفعت بابن هشام إلى نقد الشعر الذي ورد في سيرة ابن إسحاق لم تسر على وتيرة واحدة، إذ تأثر ابن هشام بوجهات نظر عصره عن أحداث السيرة ومواقف المشاركين فيها من صحابة مسلمين فضلا عن المشركين وغيرهم، حيث وجدنا منه مجانبة للحقيقة حين غمط بعض الحقائق والروايات حقها حين وصفها بأنها مما يسوء ذكره، فضلا عن امتناع شيخه من إجازته بروايتها، ولمسنا غايات علمية من تصنيف أحمد بن فارس لمختصره في سيرة الرسول ﵌ الذي ضغط أخبارها في ورقات معدودة لم تتعد أصابع اليدين، ليسهل على الناس حفظها واستيعابها. هذا بالنسبة الى الغايات العلمية، أما بالنسبة الى الغايات الأخلاقية، فكانت هذه الغايات وراء الثراء بالتصنيف في سيرة الرسول ﵌ وأحواله وجوانبه الشخصية، الأمر الذي أدى إلى اختلاف المصنفات التي كتبت من اجل هذه الغاية من حيث طرحها للروايات وللأسلوب الذي انتهجته في كتابتها، حتى وجدنا نوعين من هذه المصنفات: الأول: اختصر فيه أصحابه الروايات التي تعنى بسيرة الرسول ﵌ وأحواله. أما النوع الثاني: فقد أسهب أصحابه في ذكر الأخبار والأحداث التي رويت عن سيرة الرسول ﵌.
سابعا: كان لتنوع وتشعب الصور التي كتب بها التأريخ عند المسلمين، أثر فعال في تضمين مصنفات التأريخ في صورها كافة، بسرد متباين لسيرة الرسول ﵌ فيها، يختلف بين مصنف وآخر بحسب حجم كل واحد منها، وبحسب نظرة المؤرخ للحيز الذي تستحقه السيرة في كل مصنف من هذه المصنفات التاريخية، الامر الذي أوجد خزينا معرفيا ثرا لسيرة الرسول ﵌ يضاف إلى بقية مصنفات السيرة ومتعلقاتها. وقد أضفت
стр. 391
هذه المصنفات التاريخية تنوّعا ملحوظا في كتابة السيرة، لا من حيث أساليب العرض فحسب، بل من حيث تنوع المناهج التي كتبت بها هذه المصنفات لاختلاف الأوقات التي ظهرت فيها.
ثامنا: إن لعظمة الرسول ﵌ في نفوس المسلمين أثرا ملحوظا في كتابة مصنفات تتناول جوانب من سيرته تتميز بالاستقلالية والفرز عن باقي الجوانب الأخرى التي تضمنتها السيرة النبوية، إذ ظهرت لأجل ذلك مصنفات تخصصت بعرض شمائل الرسول ﵌ وأخلاقه وصفاته وعلاقاته مع زوجاته وأهل بيته والمسلمين، كان الهدف منها تعريف المسلمين بطريقة عيشه، فضلا عن ذكر حوادث متفرقة من السيرة في مصنفات مستقلة مثل حادثة المولد، أو المغازي وغيرها، إذ كان للعصر الذي صنف فيه كل مصنف من هذه المصنفات التي كتبت من اجل هذه الغاية أثر واضح في كتابته وتداوله بين الناس.
تاسعا: أدت الأفكار الإلحادية المنكرة للنبوات إلى ظهور مصنفات أخذت على عاتقها مهمة جمع العلامات والدلائل التي ظهرت من الرسول ﵌ والتي أكدت نبوته، فضلا عن ظهور نمط آخر من المصنفات التي صدرت عن المصنفات السابقة عليها والتي جمعت العلامات والدلائل. وقد تمثل هذا التصنيف بكتابة مصنفات تقوم على إثبات هذه العلامات والدلائل عقليا ونقليا، وإعطائها طابع أساليب المتكلمين ليسهم هذان الاتجاهان في ظهور مصنفات كانت من نتاجات كتب الحديث والكلام.
стр. 392
عاشرا: كانت المصنفات الأولى التي تحدثت عن سيرة الرسول ﵌ بمختلف جوانبها ومتعلقاتها وأنماط كتابتها ولا سيما مصنفات القرون الأربعة الأولى أكثر عقلانية ورصانة من المصنفات التي تلتها والتي كانت جمعا محضا وتكرارا لروايات سابقة فضلا عن فسح هذه المصنفات المجال للروايات الضعيفة والواهية أن تدخل في هيكل السيرة، وهذا أوجد كما هائلا من الروايات التي لم تعرفها الأصول الأولى لسيرة الرسول ﵌.
أحد عشر: تلاقح وانصهار أساليب مناهج المؤرخين والمحدثين فضلا عن المتكلمين والفلاسفة وأهل اللغة والتفسير في تشكيل المصنفات التاريخية التي وثقت حوادث السيرة النبوية بمختلف جوانبها حتى تنوعت هذه المصنفات واختلفت آليات عرض كل واحد منها بوجود وجهات نظر مختلفة كتبت بموجبها سيرة الرسول ﵌ أو أحد جوانبها.
هذه هي محصلة البحث الذي أثبتنا فيه أن كتابة السيرة النبوية قد مرت بمراحل تطورية، وتشكلت بقوالب مختلفة حاكت بها العصر الذي صنفت فيه، وبينت نفسية الكاتب الذي دونها، ووجهة نظره من أحداثها ومدى ارتباطها وأثرها في الأحداث التي سبقتها والتي تلتها.
وقبل أن أنهي خاتمة هذه الدراسة يجب علي التنويه ببعض الأمور أو التوصيات، أحسب أن الاخذ بها سوف يسهم في فسح مجال أكبر للتنوع في الدراسات عن سيرة الرسول ﵌ وجوانبها المختلفة، وهذه التوصيات هي:
١. نشر وتحقيق التراث الفكري المخطوط للسيرة النبوية بمختلف جوانبه مع جعل الأولوية للمصنفات الأقدم أو التي تنشر جانبا جديدا، أو تسلط مزيدا من الضوء عن جانب من جوانب السيرة النبوية الشريفة.
стр. 393
٢. تجميع الاقتباسات والنقول المبثوثة في مختلف المصنفات عن السيرة النبوية لابن إسحاق وإضافتها للتهذيب الذي عمله ابن هشام لها ولا سيما الروايات التي لم يثبتها الأخير في تهذيبه، إذ وجدت أثناء إطلاعي على موارد العديد من مصنفي السيرة أنهم قد ضمنوا مصنفاتهم نصوصا عدة من سيرة ابن إسحاق، فضلا عن كون هذه السيرة هي أحد مصادرهم الرئيسة، ومن ثم نستطيع الحصول على مجموع مقارب للسيرة التي كتبها محمد بن إسحاق والتي ضاعت مع ما ضاع من تراثنا.
٣. تخصيص دراسات مستقلة وموسعة للمصنفات والمصنفين الذين كتبوا عن سيرة الرسول ﵌ وجوانبه الشخصية، وذلك لتكمل هذه الدراسات ما شرعنا فيه بهذا البحث، إذ كان كتاب [دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة] لأبي بكر البيهقي في طليعة هذه المصنفات، لتشعب المنهج الذي كتب فيه مصنفه هذا، وتعدد الموارد الذي اعتمدها في إثبات رواياته. هذا واحد من الأمثلة بالنسبة إلى المصنفات؛ أما بالنسبة الى المصنفين فإن ابن الجوزي بتراثه الفكري الواسع الذي خلفه لنا والذي ضم في معظمه سيرة متكاملة للرسول ﵌ يحتاج إلى دراسة موسعة تتناول هذه الكتب وتحصي إسهامات كل واحد منها وتباينه عن الاخر.
وفي ختام هذا البحث نرجو أننا قد وفقنا في هذا الموضوع، في جوانبه المتعددة، وأسال الله (جلّ وعلا) أن يتقبله مني بقبول حسن، وأن يكون خالصا لوجهه الكريم، فإنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 394
المحتويات
الإهداء ٤
التصدير: سيرة الرسول ٥
المقدمة ١٢
الفصل الأول: السيرة النبوية ومصادرها الأولى حتى ظهور السيرة الشاملة ٢٢
المبحث الأول: تطور المدلول اللفظي للسيرة عند اللغويين والمؤرخين ٢٢
المبحث الثاني: المصادر الأولية للسيرة قبل تصنيفها وتبويبها ٣٠
الفصل الثاني: كتابة السيرة الشاملة المستقلة للرسول وتطورها ٩٠
توطئة ٩٠
المبحث الاول: السيرة النبوية المسهبة والمستقلة ومصنفوها ٩٧
المبحث الثاني: السيرة النبوية المختصرة والمستقلة ومصنفوها ١٥٦
الفصل الثالث: السيرة النبوية المدمجة ضمن المصنفات التاريخية ١٧٧
مدخل ١٧٧
المبحث الأول: السيرة النبوية المدمجة ضمن كتب التاريخ العام ١٧٩
البمحث الثاني: السيرة النبوية المدمجة ضمن كتب الطبقات والتراجم ٢٤٥
مدخل ٢٤٥
الفصل الرابع: التصنيف المستقل لجوانب السيرة ومفرداتها ٢٩١
مدخل ٢٩١
المبحث الأول: المصنفات التي كتبت في حادثة مولد الرسول ﵌ ٢٩٦
المبحث الثاني: المصنفات التي كتبت في أرحام الرسول ﵌ وأهل بيته وأزواجه ٣٠١
стр. 395
المبحث الثالث: المصنفات التي كتبت في شمائل الرسول ﵌ وأخلاقه ٣١١
المبحث الرابع: المصنفات التي كتبت في المغازي النبوية ٣٣٤
المبحث الخامس: المصنفات التي كتبت في أعلام ودلائل النبوة للرسول ﵌ ٣٤٩
المبحث السادس: المصنفات التي كتبت في خصائص الرسول ﵌ ٣٨٠
الخاتمة ٣٩٠
قائمة المصادر والمراجع ٣٩٧