٢. الاهتمام بروايته والحصول على الإجازة بها من قبل العلماء وذلك حتى عصور متأخرة «١٨» .
٣. اكتسابه صفة القدم بالنسبة الى المصنفات التي وصلت إلينا عن دلائل وأعلام النبوة.
هذه الأمور التي تضمنها هذا الكتاب والتي أكسبته أهمية كبيرة ضمن كتب دلائل النبوة، فضلا عن اتصافه بمميزات عدّة تمثلت بمحاور عدة:
١. التخصص باستعراض جانبين من الجوانب التي شملتها المعاجز الحسية*، وهذان الجانبان هما:
أ. ذكر البركة التي حصلت في الطعام القليل الذي أكل منه الرسول ﵌ ليشبع الباقي منه عددا غفيرا من المسلمين، وذلك بإيراد الروايات التي تطرقت إلى هذا الأمر «١٩» .
ب: ذكر تكرار حادثة نبع الماء من بين أصابعه عند وضعه لهن في ماء قليل لا يكفي من حوله من الناس، وذلك بجمع طرق الروايات التي اتفقت على حدوث هذه المعجزة وفي مواطن عدة «٢٠» .
стр. 352
مع العلم أن الفريابي لم يقتصر على ذكر الروايات التي اختصت بعرض المعاجز التي حصلت ضمن هذين المحورين، إذ أقحم في أحد مواضع كتابه هذا روايات تتضمن دعوة الرسول ﵌ في الأشجار لتكون فيها البركة والخير والنماء «٢١» .
تدل هذه الميزة التي اتصف بها منحى الفريابي على رغبة جامحة تتمثل بإيجاد مجموع بسيط يضم جوانب محدودة من المعجزات الحسية للرسول ﵌ من دون الإكثار منها والاستفاضة بإيراد جميع ما اثر عن النبي ﵌ من معاجز حسية.
٢. تعدد طرق الروايات في الخبر الواحد، إذ نراه يورد أكثر من طريق لحادثة واحدة تضمنت ذكرا لمعجزة من معجزات الرسول ﵌ وإن اختلفت هذه الطرق في ألفاظها ولكنها أعطت المعنى نفسه «٢٢» .
٣. عدم إبداء الاراء من قبل الفريابي في الروايات التي يوردها في كتابه هذا، إذ حشد فيه ما وصل إليه منها في هذا الجانب من دون تبيان مقدار صحة أو ضعف أو غريب هذه الروايات، التي قسمها المحدثون إلى أنواع عدة «٢٣» ، ولأجل ذلك ظهرت روايات عدة اتسمت بالغرابة وأتسم رواتها بالضعف «٢٤» .
أعطى البيهقي تعليلا لبروز هذه الحالة في مثل هذه المصنفات إذ يقول: " ومما يجب معرفته في هذا الباب أن تعلم أن الأخبار الخاصة المروية على ثلاثة أنواع
стр. 353
نوع أتفق أهل العلم بالحديث على صحته وهذا على حزبين أحدهما أن يكون مرويا من أوجه كثيرة وطرق شتى حتى دخل في حد الانتشار وبعد من توهم الخطأ فيه، أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه فهذا الضرب من الحديث يحصل به العلم المكتسب ومن ذلك ما روي في المعجزات والفضائل والأحكام، فقد روي بعض أحاديثها من أوجه كثيرة، والضرب الثاني أن يكون مرويا من جهة الاحاد، ويكون مستعملا في الدعوات والترغيب والترهيب ... وأما في المعجزات ... فقد روت فيها أخبار الاحاد في ذكر أسبابها إلا أنها مجتمعة في إثبات معنى واحد وهو ظهور المعجز على شخص واحد ... ، بل إذا جمع بينها وبين الأخبار المستفيضة في المعجزات والايات التي ظهرت على سيدنا المصطفى ﷺ دخلت في حد التواتر الذي يوجب العلم الضروري وتثبت بذلك خروج رجل من العرب يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ادعى أنه رسول رب العالمين وظهرت عليه الايات وأورد على الناس من المعجزات التي باين بها من سواه بما آمن عليه من أنعم الله عليه بالهداية مع ما بقي من أمته من القرآن المعجز" «٢٥» .
ومن ثم فقد أصبح من المتيقن أن كتّاب الدلائل قد أرادوا إثبات هذه الروايات لأنها قد اتفقت على معنى واحد وهو ظهور المعجزات من شخص الرسول ﵌ مع اختلاف في فحوى هذه المعجزات وكيفياتها.
стр. 354
أمتاز أسلوب الفريابي بالدوران في فلك الرواية وعدم إبداء وجهات النظر في الأخبار التي ذكرها أو التعليق عليها مقتفيا بذلك أثر المحدثين عند تصنيفهم الكتب وذلك بالتركيز في جمع الروايات على وفق الأبواب التي تنتمي إليها من دون إضفاء أي رأي عليها.
هذه هي الأمور التي اضفاها الفريابي في كتابه هذا على كتابة دلائل النبوة أولا وكتب السيرة ثانيا في الإسهام بتطور كتابتها.
٢. تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ت ٤١٦ هـ) :
هو قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمداني، وهو من كبار علماء المعتزلة ومتكلميهم الذي انتهت إليه رئاستهم حتى صار شيخها غير مدافع، وفاقت شهرته في الأقاليم الإسلامية حد الوصف، فضلا عن قيامه بتصنيف كتب عديدة في الانتصار لجماعته وتبيان أفكارها وعقائدها «٢٦» .
كانت فكرة النبوة وإثباتها من المسائل المهمة التي تناولها القاضي عبد الجبار بالبحث والدراسة، بل خصص لها حيزا كبيرا في مصنفه الكبير (المغني) «٢٧» ، فضلا عن تخصيصه مصنفا مستقلا لها أسماه (تثبت دلائل النبوة) ، وهذا الكتاب هو مدار بحثنا.
стр. 355
تناول القاضي عبد الجبار هذه الفكرة بفرز واستقلال عن باقي المسائل الاعتقادية الأخرى، إذ عرض القرائن والدلائل التي تؤكد نبوة محمد ﵌ «٢٨» .
حدد القاضي عبد الجبار تاريخ تصنيفه هذا الكتاب بسنة (٣٨٥ هـ) «٢٩» ، وهذا التاريخ يجعلنا في محل تريث قبل التسرع في تبيان المحاور التي تناولها هذا الكتاب وإسهامه في تطور كتب الدلائل ضمن كتب السيرة النبوية، إذ كتب هذا المصنف في عصر احتدمت فيه الطروحات الفكرية التي تبنتها الفرق والنحل الإسلامية وغير الإسلامية كافة «٣٠» ، ومن المستبعد أن يكتب القاضي عبد الجبار مصنفه هذا في مثل هذا العصر من دون أن يحاكي مجرياته ومحدثات أموره سواء أكانت بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، وذلك لأن لكل عصر أثرا ملموسا في كل مصنف يكتب فيه «٣١» ، إذ تشير المصادر التي ترجمت لهذه الشخصية الى أنه قد نال مكانة بارزة ضمن علماء عصره، فضلا عن كونه متكلم المعتزلة ورئيسهم «٣٢» ، إذا ما علمنا أن هذه الطائفة قد اسهمت إسهاما بارزا في شحذ همم المسلمين على المحاججة والمناظرة معهم ثم مع الملل الأخرى وتأسيس حلقات الدرس لهذه الأمور مجتمعة «٣٣» .
стр. 356
نال هذا المصنف مكانة بارزة في نفوس العلماء الذين أطلعوا عليه، إذ وصفوه بنعوت عدة فمنها ما وصفه الذهبي بالقول: " إنه [القاضي عبد الجبار] قد أجاد به وبرز" «٣٤» ، ويضيف ابن كثير على هذا الكلام آنف الذكر قائلا:
" [كتاب تثبيت دلائل النبوة] من أجل مصنفاه وأعظمها وقد أبان فيه من علم وبصيرة جيدة" «٣٥» ، وينتهي أحد المحدثين إلى وصفه بالقول: " ولم نر ما يقارب كتاب تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار في قوة الحجاج وحسن الصياغة في دفع شكوك المشككين" «٣٦» .
إن هذه الاراء التي قيلت في هذا الكتاب لم تطلق جزافا ما لم يلمس قائلوها في قرارة أنفسهم نفسا تجديديا أو أفكارا اصيلة ضمن مباحث الكتاب ومناقشة ما ورد فيه من نصوص، وهذا ما كان فعلا، إذ وجدنا فيه مميزات تبين أصالة القاضي عبد الجبار في تصنيفه هذا الكتاب، وهذه الميزات هي:
١. الأسلوب الحواري في كتابة النصوص وذلك بالإجابة عن التساؤلات التي ترد في ذهن المتلقي حول القضايا مدار البحث والبراهنة على صدق هذه الإجابات بما يعرضه فيه من أدلة، إذ استعمل عبارات عدة تبين هذا الأسلوب وهي: " أعلم رحمك الله" «٣٧» ، أو" فإن قلنا كذا قيل
стр. 357
كذا" «٣٨» ، ومن ثم فإن هذا الأسلوب الحواري يظل حكرا على مصنفات المتكلمين بسبب هيمنة المحاججة والمناظرة على أساليبهم في الطرح والكتابة «٣٩» ، وهذا الأسلوب قد اعتمده القاضي عياض في كتابه [الشفا بتعريف حقوق المصطفى] ، وإن لم يشر ضمنا إلى من سبقه في هذه الطريقة «٤٠» .
٢. استنطاق الايات القرآنية بما تحويه من دلائل على صدق نبوة سيدنا محمد ﵌ بأسلوب غير مطروق على مسامع من سبقه من المسلمين، أو من صنف في هذا الجانب من حياة الرسول ﵌، وذلك لأن القاضي عبد الجبار لم يكن في كتابه هذا جامعا لدلائل النبوة من أفواه الرواة الذين نقلوها إلى الناس، ولا سيما في الايات القرآنية التي تضمنت ذكرا لمعجزة حسية مثل الإسراء والمعراج «٤١» ، أو انشقاق القمر «٤٢» ، بل كان القاضي عبد الجبار في كتابه هذا مفتشا عن دليل حسي لم تلتفت إليه أعين الرواة والمحدثين، وهذا ما جعل الشواهد على هذا الأمر كثيرة في هذا الكتاب «٤٣» ، فمن هذه الايات التي استنطق القاضي عبد الجبار ما تضمنت من دلائل، وإن كان القرآن
стр. 358
بمجمله دليلا على نبوة محمد ﵌، وذلك بوجود الإعجاز فيه «٤٣» ، ولكن وجدت فيه أدلة ضمنية أخرى دلت على نبوة محمد ﵌ إذ يقول القاضي عبد الجبار في تعليقه على سورة الكوثر*: " وذلك أن قريشا لما اعييتهم الحيل في أمر رسول الله كانوا يستروحون إلى أدنى غم ينالهم ﵌، فمات إبنه إبراهيم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى ومات ابنه عبد الله فسرت قريش بذلك، وقال بعضهم لبعض فقد أبتر محمد، فأنزل الله هذه الايات فانبترت ديانات قريش والعرب كلها وبطلت عن آخرها، ولم يبق على ذلك الدين عين تطرف، وتم أمره ﵌ وسطع نوره وعلى وقهر وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل أن تكون" «٤٤» ، وفي مكان آخر من هذا الكتاب يتحدث عن أعلام النبوة التي حصلت في أثناء مكثه ﵌ في مكة، إذ يقول: " ومنها انقضاض الكواكب وامتلاء السماء منها من كل جانب على وجها انتقضت به العادة وخرج عن المتعاد، وهذه آية عظيمة وبينة جليلة وواضحة جسمية وقد نطق بها القرآن فقال حاكيا عن الجن وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «٤٥» ، فإن قيل ومن أين لكم هذا أو قد سبقكم زمانه ونحن لا نؤمن بكتابكم ولا نقر بنبيكم وخبرونا عن طريق معرفتكم «٤٣» ينظر، ما كتبه القاضي عبد الجبار في كتابه هذا حول هذا الأمر، المصدر نفسه، ص ٤٠٠- ٥٠٩.
стр. 359
بذلك هل هو ضرورة أم اكتساب؟ فقيل له العلم بذلك طريقة الاستدلال والاكتساب ويتهيأ لكل عاقل من كافر ومؤمن أن يعرف ذلك ويجب عليه أن يعرف وسبيله سهلة قريبة فمن نظر واستدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف، والدليل على أن ذلك قد كان، إن رسول الله ﵌ قد تلى هذه السورة واحتج بذلك على العدة والولي، فعلمنا أنه أمر قد كان ووقع، فإن الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت، لأنه لا يجوز أن يقصد عاقل إلى قوم يدعوهم إلى صدقه ونبوته ويحرص في إجابتهم إلى طاعته والانقياد ويريد منهم ذلك ثم يقول: من علامة نبوتي ودلائل رسالتي أن النجوم لم تكن تنقظ وأنها الان انتقضت، وهو يعلم أنهم يعلمون أن هذا أمر لا أصل له وأنه قد كذب في ما أدعى، وهذا الأمر لا يقع من عاقل كائنا من كان فكيف بمن يدعي النبوة، وعقله العقل الراجح الموصوف ثم يقصد إلى أمر ظاهر مكشوف في السماء البارزة للخلق أجمعين ... وفي تركهم ذلك دليل على صحة هذه المعجزة" «٤٦» ، على هذه الشاكلة استنطق القاضي عبد الجبار الايات القرآنية في إظهار ما تحويه من دلائل على صدق نبوة محمد ﵌.
٣. الاستيعاب والهضم الكامل لاراء الملل والمذاهب الإسلامية، إذ بينت النصوص التي حواها هذا الكتاب مصداقية هذا الاستنتاج «٤٧» ، إذ حشد لهذا الأمر كل إمكانياته العقلية والنقلية لتبيان فساد وضعف ووهن آراء
стр. 360
المخالفين له في الدين والمعتقد، فتراه في كتابه هذا يحاجج معظم الفرق والملل التي كانت في عصره، مما أفاد ذلك في تبيان وجهات نظر تلك الفرق والملل في موضوع النبوة ودلائلها.
٤. نقد وتحليل المصنفات التي سبقته أو عاصرته والتي تناولت دلائل نبوة الرسول ﵌ سواء أكانت مصنفات مستقلة في ذلك أم مذكورة في مصنف أوسع وأشمل، فمن المصنفات التي نقدها، الكتب التي تناولت معجزة الإسراء والمعراج بالدحض والتكذيب «٤٨» ، إذ يقول في ذلك: " وهذه الكتب قد نقضها غير واحد من المعتزلة والمطاعن على الأنبياء كلهم إنما هي من جهة هؤلاء الشيع ... فإعرف هذا فإنه من العجائب، وبك إلى معرفته اشد الحاجة، فمن هذه الكتب كتاب (الجارف) ، و (الأركان) للحداد، وكتاب الحصري في (تسوية أصحاب الكلام بالعوام) وكتاب (الزمردة) وكتاب (غريب المشرقي (وكتاب حنين (البهائم) ، وكتاب (التاج في القدم) لابن الراوندي" «٤٩» ، ولم يقتصر نقده في كتابه هذا على المصنفات التي كتبت في هذا الأمر بل شمل نقده «٥٠» . مناهج دقيقة في تحليل الكتب ونقدها، ومن ثم عكس هذا التحليل على المصادر التي تكتب في موضوع السيرة النبوية ومتعلقاتها.
стр. 361
ومع كل ما ذكرنا من جوانب إيجابية تسجل لهذا الكتاب وتعطيه مكانا بارزا في المصنفات التي أسهمت في تطور كتابة دلائل النبوة من جهة وسيرة الرسول ﵌ من جهة أخرى، ظهرت في هذا الكتاب جوانب سلبية أضعفت من شأنه وحدت من تأثيره، وهذه الجوانب هي:
١. الاستطراد في العديد من أبواب الكتاب والخروج على مضمونه، والمقصد الذي من أجله صنف، حتى ليشعر القارىء له بأن عنوان الكتاب يختلف عما حواه من أمور لا علاقة لها بدلائل النبوة وتثبيتها، ولا سيما ذكره وعرضه لاراء الفرق الإسلامية بالخلافة ومن يصح لها من الصحابة والمسلمين «٥١» ، فضلا عن سرده للأحداث التي تمخضت عن استخلاف كل واحد من الخلفاء الراشدين (رض) «٥٢» .
٢. التحامل وكيل التهم والشتائم وإطلاق بعض الألفاظ النابية والبذيئة على بعض الفرق الإسلامية المخالفة له في العقيدة، مما أبعد الكتاب والكاتب عن الموضوعية والحوار العلمي الذي يجب أن يتصف به شخص مثل القاضي عبد الجبار، حتى أن الذي ينظر إلى هذا الكتاب لا يتصور أنه كتاب يعنى بإثبات دلائل النبوة في معظم صوره بل يراه من جانب آخر كتابا من كتب المحاججة والمناظرة في مسائل اعتقادية لا دخل لدلائل النبوة فيها مثل الإمامة
стр. 362
والعصمة للإمام ونشوء الفرق الإسلامية ونقل أفكارها مشفوعة بعبارات الازدراء والتحقير لها «٥٣» .
ولأجل هذين العاملين لم ينل هذا الكتاب الانتشار بين الكتب ولم يعتمد عليه أحد من العلماء الذين عرضوا دلائل النبوة سواء من المعاصرين له أم من المتأخرين.
هذه هي العناصر التي اوجدها القاضي عبد الجبار لكتابة دلائل النبوة وطريقة عرضها للناس من حيث استعمال آليات وأساليب جديدة في كتابتها، وما ذلك إلا لدور العصر الذي عاش فيه القاضي عبد الجبار والذي كان له الأثر الفعال في خروج كتابه على هذا الشكل والصورة.
٣. أعلام النبوة لأبي الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) :
هو علي بن محمد بن حبيب قاضي القضاة وأحد أقطاب علماء المعتزلة ومتكلميهم، ولد في البصرة سنة (٣٦٤ هـ) ، وانتقل إلى بغداد ومكث بها إلى أن وافته المنية، برع في مختلف العلوم العقلية والنقلية «٥٤» .
صنف الماوردي كتابه هذا على طريقة من سبقه في استعمال لفظة أعلام بدلا من لفظة الدلائل «٥٥» .
стр. 363
سار الماوردي على هدى شيخه القاضي عبد الجبار في استعمال الدليلين العقلي والنقلي لإثبات نبوة الرسول ﵌، فضلا عن مناقشة هذه الأدلة «٥٦» ، إذ بين منحاه هذا بالمقدمة التي إفتتح بها كتابه قائلا: " الحمد الله الذي أحكم ما خلق وقدر وعدل فيها ودبر وأنذر بما أنشأ وأظهر واستأثر بما أخفى وأسر وأنعم بما امر وخطر، وأرشد إلى إنذاره بتفضيل ما تميز على ما كلف من أوان التعبد فيصل بالعقل إلى علمه واستعلامه إلى فهمه واستفهامه فيصير مهيئا لقبول ما كلف من التعارف ومعانا على ما تعبد به من الشرائع.. وهذا لا يستقر في النفوس إلا برسل مبلغين عن الله ثوابه في ما أمر وعقابه في ما حضر فوجب أن يوضح في إثبات النبوات ما ينتفي عنه ارتياب مغرور وشبهة معاند" «٥٧» .
بينت هذه المقدمة أن جل اعتماد الماوردي كان على الاستدلال العقلي في إثبات النبوات وبضمنها نبوة محمد ﵌، وهذا الأمر راجع إلى كون المعتزلة قد أولوا العقل مكانة مهمة في محاكمتهم للأفعال والحوادث والعقائد التي يجب على المسلمين التعبد بها، وهذا ما أشار إليه أحد الباحثين الذين درسوا هذه الصلة بالقول: " كانت الطبية النقدية التي اتسم بها فكر المعتزلة منذ تأسيساته الأولى هو السبب المباشر في انتهاج هذه الحركة الطريق العقلي، فإنه بالضرورة السبب الذي دعاه إلى استنباط الحجج العقلانية ومنطقية من خلال قراءتهم الفاحصة لأوراق الفلسفة اليونانية وبالقدر نفسه فانه لم يكن بوسع هؤلاء أن يقفوا على
стр. 364
الحياد في معركة أثارتها القوى المعادية للإسلام ... إذ عمدوا في هجومهم على الإسلام إلى استخدام المنطق والفلسفة سلاحا في تثبيت ادعائها،.. فاستعانوا بمثل ما استعان به الخصوم في اعتماد الأسلوب الجدلي والأداة المنطقية وصياغة لغة تحليلة لإبراز ما يمكن في الدين من القوى والفضائل" «٥٨» .
ونتيجة لانتهاج الماوردي طريقة سلفه القاضي عبد الجبار في استعمال العقل بالاستدلال على صحة ما أثبته من دلائل وذلك بمناقشته للروايات التي وصلت إليه عن دلائل وأعلام الرسول ﵌، ظهر هنالك اتفاق بالمنحى عند هذين المصنفين في كتابتهما عن دلائل وأعلام نبوة الرسول محمد ﵌، ولكن باختلاف في طريقة العرض، إذ لم يقع الماوردي في المزالق التي أوقع القاضي عبد الجبار نفسه بها عندما استطرد في مصنفه إلى قضايا لا تمت بصلة إلى دلائل النبوة والأمور المتعلقة بها «٥٩» .
أوضح الماوردي منحاه في كتابة أعلام النبوة الذي طبقه بصرامة شديدة بقوله: " وقد جعلت كتابي هذا مقصورا على ما أفضى ودل عليه ليكون على الحق موضحا وللسرائر مصلحا على صحة النبوة دليلا وشبه المستريب مزيلا وجعلت ما تضمنه مشتملا على أمرين أحدهما ما اختص باثبات النبوة من أعلامها والثاني فيما يختلف من أقسامها وأحكامها ليكون الجمع بينهما أنفى للشبهة وأبلغ في الإبانة" «٦٠» .
стр. 365
دلت مقالة الماوردي آنفة الذكر إن جهوده قد انصبت على إيراد الأعلام الدالة على نبوة سيدنا محمد ﵌، من دون تحميلها فوق طاقتها من إيراد أخبار تشتت فكر القارىء وتبعده عن الموضوعية والتدرج في عرض تلك الأعلام، ولأجل هذا المنحى الذي انتهجه الماوردي كان كتابه هذا اسهاما جادا في تطور كتابة الأعلام والدلائل على نبوة محمد ﵌ في مصنفات مستقلة من جهة وأثر هذه المصنفات في تطور كتابة السيرة من جهة أخرى، وذلك بما طرحه من محاور لم تألفها المصادر التي سبقته في هذا الجانب، وهذه المحاور هي:
١. كتابة مدخل توضيحي للكتاب ومضامينه «٦١» ، وهذا الأمر قد اختصت به المصنفات التي تناولت الأعلام الدالة على نبوة محمد ﵌، والتي كتبت في عصر الماوردي، إذ قدم أبو نعيم الأصفهاني مدخلا توضيحيا افتتح به كتابه [دلائل النبوة] وضح فيه عملية الاصطفاء الإلهي للأنفس التي يختارها الله للرسالة والنبوة مع التعريف لمعنى النبوة والرسالة والوحي والعناصر المتممة لها «٦٢» ، كذلك فعل البيهقي الشيء نفسه عندما ابتدأ كتابه [دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة] بمقدمة أوضح فيها طريقة عرض الكتاب وطبيعة الأخبار التي ذكرها فيه مع سرد لمباحث الكتاب وأبوابه «٦٣» .
اتفق الماوردي في منحاه مع منحى معاصريه، ولكنه اختلف معهم في المضمون الذي حواه مدخله لكتابه أعلام النبوة، إذ اتسم مدخله الذي أسماه
стр. 366
(مقدمة الأدلة) باستعراض مسائل التوحيد والأدلة على إثبات وجود الله مع تبيان دور العقل في الوصول الى العلم بذلك «٦٤» ، وإفهام المكلف (الإنسان) بعد وصوله إلى إثبات وجود الله والاقتناع بأن معرفة الرسل هي جزء من معرفة الله والأدلة على وجوده «٦٥» ، ثم بعد ذلك يبين دور المكلف باتباع الرسول الذي بعثه الله إليه في كل ما يأمره من أحكام «٦٦» ، وينتهي بعد ذلك إلى إثبات النبوات السابقة وآراء المسلمين وغير المسلمين فيها على اختلاف نحلهم ومللهم، ثم الانتهاء إلى إثبات نبوة سيدنا محمد ﵌ «٦٧» .
بين هذا المدخل الذي افتتح الماوردي به كتابه الطريقة التي رسمها لنفسه في عرضه المتدرج والمنسق لمحاور الكتاب ومضامينه، إذ ابتدأ بتوضيح المسائل الأساس في العقيدة الإسلامية وهي إثبات وجود الله ثم بعد ذلك تقعيد الأسس الأولى لفكرة النبوة وارتباطها الجوهري بوجود الله ، والبناء على هذه الأسس في إثبات النبوات وذلك بالأدلة التي تؤكد دعوى أصحابها في ذلك ولا سيما نبينا محمد بن عبد الله ﵌، وهذا ما أوجد تسلسلا منطقيا في عرض الأفكار من دون إحداث فجوة أو حلقة مفقودة تضطر القارىء المبتدىء الى الاستعانة بمصنف آخر لكي يردم هذه الفجوة، فكان هذا الكتاب مستقلا بطرح أفكاره من ألفها إلى يائها.
стр. 367
٢. الفصل بين الأعلام التي حصلت في زمني الحرب والسلم من حياة الرسول ﵌، إذ يقول في خاتمة كتابه هذا موضحا ذلك: " فهذه جملة متفقة وقاعدة مستقرة في ترتيب رسالاته واحكام شريعته، فأما أحكام جهاده في حروبه وغزواته، فسنذكره في كتاب نفرده في سيرته نوضح به مواقع أعلامه ومبادىء أحكامه، وبالله تعالى التوفيق" «٦٨» .
شاطر الماوردي في ذلك الفريابي حين اقتصر على ذكر جانبين من الجوانب التي تعرضت لها كتب دلائل النبوة «٦٩» ، وإن لم يتبع نهجه في عرضها، وهذا ما يشكل سمة تضاف إلى دلائل النبوة وهي تسليط الضوء على جوانب مستقلة من الأمور التي اتفقت عليها المحاور التي حصلت فيها تلك الحوادث والتي عدت دليلا من دلائل النبوة.
٣. التوفيق بين منحى المتكلمين القائم على المحاججة والمناظرة العقلية ومناهج المحدثين التي يغلب عليها النقل، وذلك بإيراد الرواية الموافقة للفكرة أو الباب الذي يطرحونه في مصنفاتهم «٧٠» ، إذ أوضح الماوردي أسلوبه القائم على المحاججة بالعقل والنقل في إثبات النبوات وإعلامها، وذلك بقوله:
" الكلام في إثبات النبوات يتقرر مع المعترفين ببعثة الرسل إلا أن منكريها يعمون الجميع بها ويدفعون كل مدع لها والكلام معهم قد قدمناه في إثبات النبوات على العموم.. وقد قدمنا أقسام المعجزات فإذا ظهرت إحداهن حجت ودلت على صحة النبوة وقد ظهر محمد ﵌ أكثرها مع ما تقدمها
стр. 368
من إنذار وظهر في نبوّة بها من آثار، وتحقق بها من نبوات فصارت أعلم النبوات إعجازا وأوضحها طريقا وامتيازا" «٧١» .
دافع الماوردي عن الروايات التي أثبتها في كتابه هذا من حيث إنها أخبار آحاد، وذلك عند رده على بعض التساؤلات التي تطرح من جراء ذلك، إذ يجيب في دفاعه عن مسلكه هذا ب: " فعندنا جوابان أحدهما أن رواة الاحاد قد أضافوه إليه في جمع كثير قد شاهدوه وسمعوا راويه فصدقوه ولم يكذبوه، وفي الممتنع إمساك العدد الكبير عن رد الكذب، كما يمتنع افتعالهم للكذب ولكن جار اتفاقهم على الصدق مع الكثرة والافتراق وامتنع اتفاقهم عن الكذب، فلأن داوعي الصدق علة متناصرة ودواعي الكذب خاصة متنافرة، ولذلك كان صدق أكذب الناس أكثر من كذبه لأنه لا يجد من يصدق به أو يجد من الكذب من لا يقبل به.. والثاني أنها أخبار وردت من طرق شتى وأمور متغايرة فأمتنع أن يكون جميعها كذبا وإن كان في آحادها مجوز، فصار مجموعها من التواتر ومفترقها من الاحاد فصار متواتر مجموعها حجة وإن قصر مفترق آحادها عن الحجة وإذا استقر هذا الأصل في الأخبار لم يخرج المروي من أعلام الرسول عنها" «٧٢» .
هذه هي المحاور التي اضفاها الماوردي في كتابه أعلام النبوة، ومع كل ذلك لم يلاق هذا الكتاب الذيوع والانتشار والتأثير في المصنفات التي تلته من حيث الاقتباس من نصوصه، إذ لم نجد سوى نقول قليلة في بعض المصنفات «٧٣» ، ومع
стр. 369
كل ذلك فإن هذا لم يمنع بعض العلماء من أن يصفوه بعبارات الثناء، إذ أطراه طاش كبري زاده وأثنى عليه وعده من الكتب المهمة في إثبات أمارات النبوة «٧٤» ، وفعل الشيء نفسه حاجي خليفة حين وصف هذا الكتاب بعبارات الإعجاب «٧٥» .
فضلا عن ذلك فقد إهتم بعض الباحثين والمحدثين به، وعدوه من أحد أنفع الكتب وأحسنها في هذا العلم (أعلام ودلائل النبوة وإثباتاتها) ، على الرغم من كثرتها «٧٦» .
وما ذلك إلا لطبيعة الكتاب القائمة على مناقشة النصوص بأسلوب المتكلمين الصعب من حيث سلاسة عباراته وألفاظه، فضلا عن أن الطروحات التي عرضها الماوردي في كتابه هذا لم يسر أحد على منوالها من الذين تأخروا عنه، إذ اختصروا في عرضهم دلائل النبوة على مجرد جمعها من دون إعطاء إيضاحات مسبقة للغاية من عرض هذه الأعلام ومناقشتها وتأسيس الأحكام عليها كما فعل الماوردي بل كانت مجرد استقصاء للروايات التي تحدثت عن دلائل نبوة الرسول ﵌ وأعلامه «٧٧» ، وما ذلك إلا لانتفاء المسوغ من تكرار ما قيل في ذلك ما دامت القناعة في النبوة قد تولدت ولم تظهر عند المتأخرين مشكلة مثل التي ظهرت في القرون التي سبقتهم.
стр. 370
ومن ثم كان هذا الكتاب من آخر الكتب التي استعرضت دلائل وأعلام نبوة الرسول مقرونة بمناقشات حامية للطروحات المضادة من قبل المنكرين للنبوات تارة، والرافضين لنبوة محمد ﵌ تارة أخرى.
٤. دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني (ت ٤٣٠ هـ) :
هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى المهراني ولد سنة (٣٣٦ هـ) باصفهان، وبرع منذ نعومة أظفاره في حفظ الحديث وسيرة السلف، إذ خصص لهذين الأمرين جل مصنفاته التي تضمنت كتبا في التراجم والطبقات والحديث «٧٨» .
صنف أبو نعيم كتابه هذا حين سأله أحد تلاميذه بذكر مجموع ما وصل إليه من الروايات التي تحدثت عن معجزات الرسول ﵌ ودلائل نبوته، وهذا ما أشارت إليه مقدمته التي يقول فيها: " أما بعد فقد سألتم عمر الله بالبصائر الجميلة طوياتكم.. جمع المنتشر من الروايات في النبوة والدلائل والمعجزات والحقائق" «٧٩» .
دلت هذه المقدمة على أن المصنفات التي سبقت مصنف أبي نعيم هذا لم تكن ملبية لرغبات الناس في الوقوف على معظم إن لم نقل جميع الدلائل والمعجزات التي ظهرت من رسول الله ﵌ فأرادوا إشباع نهمهم في هذا الجانب
стр. 371
فطلبوا من أبي نعيم لما عرفوا فيه من العلم والفضل أن يصنف لهم كتابا يجمع لهم ما تناثر من هذه الدلائل والمعجزات، وصنف لهم كتابه هذا مع تأكيده أن مهمته تلك ليست بالسهلة اليسيرة، وهذا ما أوضحته مقالته التي مفادها:
" وأعلموا أن معجزات المصطفى ﵌ أكثر من أن يحصرها عدد وأشهر من أن يحصره سند.. وقصدنا جمع ما نحن بسبيله ... من جمع المنتشر من الابار والصحيح والمشهور من مروي الأخبار" «٨٠» .
فلو وجد مصنف حوى هذه الأمور قبل مصنف أبي نعيم لما طرح عليه هذا التساؤل، وهنا يمكن سر نجاح هذا الكتاب واشتهاره، ان هذا المنحى في جمع تلك المعجزات قد صاحبها تطور ملموس في كتابتها ضمن مصنفات السيرة، إذ تمثل هذا التطور بمسائل عديدة هي:
١. فسحه المجال لدخول بعض الروايات التي لم نجد لها أصولا عند من سبقه من العلماء الذين اهتموا بهذه الأمور وأوردوها في كتبهم «٨١» ، فمن الروايات التي وجدت في هذا الكتاب ولم توجد عند غيره، رواية الصور التي وجدت على ثياب جبلة بن الأيهم الغساني جد الغساسنة وفيها صور كل نبي من آدم ﵇ إلى محمد ﵌ «٨٢» ، كذلك إيراده رواية تضمنت محاورة جرت بين الله ونبيه موسى ﵇ يطلب الأخير
стр. 372
فيها من الله أن يجعله من أمة محمد ﵌ «٨٣» ، نال عمله هذا انتقادا من قبل البيهقي الذي وصف الكتب التي سبقته والمتأخرة منها بخاصة، والتي احتمل محقق كتاب الدلائل أن هذا النعت يعود على كتاب أبي نعيم «٨٤» ، إذ يقول البيهقي واصفا ذلك بالقول: " وقد صنف جماعة من المتأخرين في المعجزات وغيرها كتبا وأوردوا فيها أخبار كثيرة من غير تمييز منهم صحيحها من سقيمها ولا مشهورها من غريبها ولا مرويها من موضوعها حتى أنزلها من حسنت نيته في قبول الأخبار منزلة واحدة في القبول" «٨٥» ، مع العلم أن البيهقي هو الاخر قد وقع في المطب نفسه، إذ أورد هو الاخر روايات لم تعرف في المصادر التي سبقته أو التي كانت متداولة على ألسن العلماء «٨٦» .
أوجد هذا الأمر حافزا لدى بعض المتأخرين على إثبات بعض الروايات التي شاكلت هي الأخرى الروايات التي أوردها أبو نعيم في كتابه هذا «٨٧» .
ومع كل ذلك تبقى هذه الأمور مسائل ظنية إذ أوضح قطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣ هـ) هذا الخلاف الحاصل من تعارض وجهات النظر في بعض الروايات التي تحدثت عن المعجزات التي حصلت من الرسول ﵌ بالقول: " إعلم أن معجزاته على أقسام منها من انتشر نقله وثبت وجوده عاما في كل مكان وزمان من حين ظهوره كالقرآن الذي نتلوه.. ومنها ما رواه
стр. 373
المسلمون وأجمعوا على نقله وكان اختصاصهم بنقله لأنهم كانوا هم المشاهدين له وظهرت بين أيديهم في سفر كانوا هم المصالحبين له في حضرا أم في حضر لم يحضره غيرهم فلذلك انفردوا بنقلها وهم الجماعات الكثيرة التي لا يجوز على مثلها نقل الكذب بما لا أصل له، والثالث من هذه الأقسام ما شاهده بعض المسلمين فنقلوه إلى حضرة جماعتهم وكان المعصوم وراءهم فلم يوجد منهم إنكار لذلك فيستدلوا بتركهم النكيرة عليهم على صدقهم لأنهم على قربهم لا يجوز لهم السكوت على باطل ومنكر يسمعونه فلا ينكرونه.. ومنها ما ظهر في وقته قبل مبعثه تأسيسا لأموره ومنها ما ظهر على أيدي سراياه في البلدان.
البعيدة إبانة لتصديقهم إياه في ادعائه النبوة لأنهم ممن لا يظهر عنهم المعجزات إذ لم يكونوا من أوصيائه فيعلم بذلك تصديقه بدعواه" «٨٨» .
٢. المفاضلة بين العديد من الروايات والأحاديث التي وردت في هذا الكتاب ونقدها والتعليق عليها «٨٩» ، فمن ذلك ما ذكره حول أحد الدلائل التي أكدت نبوة محمد ﵌، والمتضمنة وجود اسم الرسول محمد ﵌ واسم أمته في الكتب المقدسة (التوراة والإنجيل) «٩٠» ، إذ يعلق على إحدى الروايات التي أورد هذه الدلالة بالقول: " وهذا الحديث من غرائب حديث سهيل، لا أعلم أحدا رواه مرفوعا إلا من هذا الوجه" «٩١» ، ويضيف في مكان آخر حول الروايات التي عرضت قصة أصحاب الفيل وإرسال عبد المطلب
стр. 374
لابنه عبد الله إلى ابرهه «٩٢» ما مفاده: " روى قصة أصحاب الفيل من وجوه وسياق عثمان بن المغيرة أتمها وأحسنها شرحا وذكر ان عبد المطلب بعث بابنه عبد الله، فهو وهم بعض النقلة لأن الزهري ذكر أن عبد الله بن عبد المطلب كان موته عام الفيل، وأن الحارث بن عبد المطلب كان أكبر ولد عبد المطلب وكان هو الذي بعثه على فرسه لينظر مالقي القوم" «٩٣» .
وهذه النقطة التي سجلت لأبي نعيم تخفف من حدة وقطعية القول الذي أطلقه البيهقي في نعته للكتب التي سبقته من أنها لم تميز بتاتا بين الروايات فأخذتها بمنزلة واحدة في القبول «٩٤» .
٣. إدخال النصوص الشعرية التي تتضمن عرضا لدلائل نبوة الرسول ﵌ «٩٥» ، وهذا ما يدل على أن إدخاله لهذه الأشعار ضمن كتابه هذا لم يكن من دون قصد حيث إنها قد وردت في الرواية التي وصلت إلى مسامعه وأنظاره، بل كان وراء إدخاله لها غاية لأنها تضمنت في أبياتها ذكرا للدلائل التي عرضتها الرواية، فمن ذلك ذكره للبشائر التي سبقت ظهوره ﵌ «٩٦» مشفوعة بقصيدة لأحد الشعراء يقول فيها:
نهار وليل كلا آدب بحادث ... سواء عليها ليلها ونهارها
стр. 375
يود بأن بالأحداث حيث تأدبا ... وبالنعم الضافي علينا ستورها
على غفلة يأتي النبي محمد ... فيخبر أخبارا صدوقا خيرها «٩٧»
إن هذه الأشعار التي أوردها أبو نعيم في كتابه هذا لم يبين مدى صحة نسبتها الى قائليها أو مدى دقة أوزانها بل نقلها كما وصلت إليه، إذا ما علمنا أن هنالك شعرا منحولا كثيرا في هذا الجانب من سيرة الرسول ﵌ أضفته الطبيعة البشرية الجامحة نحو التهويل والمبالغة «٩٨» .
٤. المقارنة بين المعجزات التي ظهرت من الأنبياء وما ظهر من الرسول ﵌ من معجزات مماثلة لجميع المعجزات التي ظهرت من الأنبياء الذين سبقوه «٩٩» .
هذه هي الجوانب التي اضفاها أبو نعيم على كتابة دلائل النبوة من جهة وكتابة السيرة النبوية من جهة أخرى، لأن هذا الكتاب قد أستوعب معظم المصنفات التي سبقته، ليأتي البيهقي ليكمل ما سبقه أبو نعيم إليه «١٠٠» .
لم تنطفىء جذور التصنيف في دلائل نبوة الرسول ﵌ بعد هذين الكتابين بل إستمر العلماء بتصنيف العديد من الكتب في هذا الجانب، وإن لم تكن بمستوى الكتب التي سبقتها، إذ عدد لنا أحد فهارس الكتب التي عنت بجمع
стр. 376
أسماء المصنفات التي كتبت في سيرة الرسول ﵌ هذه المصنفات مع تبيان أماكن وجود بعضها والتي لا زالت مخطوطة ولم تر النور حتى الان في المدة قيد الدراسة «١٠١» ، إذ دلت هذه المصنفات على استمرار وديمومة التصنيف في دلائل النبوة.
قرن بعض المصنفين في دلائل نبوة الرسول ﵌ المعجزات التي ظهرت منه، بالكرامات التي ظهرت من الائمة ﵈ ، وأسبق من نهج هذا النهج من العلماء قطب الدين الراوندي إذ أردف سرده لمعجزات الرسول ﵌ بسرد كرامات الائمة ﵈ «١٠٢» ، وهذا ما جعل طريقته تلك منهاجا لبعض المتأخرين عنه في ايراد كرامات الائمة ﵈ مسبوقة بعرض لمعجزات الرسول ﵌ «١٠٣» .
هذه هي الإسهامات التي أظهرتها كتب أعلام ودلائل النبوة في الهيكل العام لسيرة الرسول ﵌ والتي كانت حلقة من حلقات التطور في كتابة السيرة النبوية.
стр. 377
المبحث السادس المصنفات التي كتبت في خصائص الرسول ﵌
الخصائص في اللغة هي الأمور التي إنفرد بها الشيء من دون غيره «١» ، ومن ثم فإن هذا المصطلح قد ركز في ذكر الأمور والمزايا التي أنفرد بها الرسول ﵌ عن باقي الناس.
لم تظهر في القرون الأولى اهتمامات ملحوظة من قبل المهتمين بسيرة الرسول ﵌ في إفراد مصنف مستقل للحديث عن الخصائص التي إنفرد وامتاز بها الرسول ﵌ عن باقي البشر. وإن السبب الذي كان وراء هذا العزوف عن تصنيف مثل هذه الكتب، هو ان كتبا في علوم اخرى قد استأثرت به، كأبواب النكاح في كتب الفقه، «٢» إذ بين العلامة الحلي الأسباب الموجبة إلى اختصاص الرسول ﵌ بمزايا لم تكن لأحد من البشر بقوله: " ولا شك أن الله تعالى قد شرف رسوله محمدا عليه افضل الصلاة والسلام وميزه عن سائر خلقه بأن خصه بأشياء فرضها عليه دون خلقه لما في أداء الفرائض من الثواب فإنه لم يتقرب المتقربون إلى الله بمثل أداء ما افترض عليه وأشياء خطرها على خلقه فأنقسم ما خص به ﵇ إلى تخفيف وتغليظ والتغليظ إلى ايجاب وتحريم" «٣» .
стр. 378
شكل هذا النوع من التصنيف في المسائل بالجوانب الشخصية للرسول ﵌ تطورا ملحوظا في كتابة سيرته، إذ نجد في هذه المصنفات التي كتبت عن خصائص الرسول ﵌ تجديدا تمثل بابتكار عنوانات وموضوعات جديدة لجوانب السيرة لم تتطرق لها المصنفات الأولى لسيرة الرسول ﵌، أما التي تعرضت لها فكانت نتفا متفرقة فيها «٤» .
كانت المصنفات التي كتبت عن خصائص الرسول ﵌ متأخرة نسبيا عن باقي المصنفات التي كتبت في القرون الأولى من تأريخ الإسلام، وكما أشار إلى ذلك أحد الباحثين حين أحصى هذه المصنفات «٥» .
كان أقدم كتاب وصل إلينا من هذه المصنفات هو كتاب [نهاية السؤال في خصائص الرسول ﵌] لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣ هـ) *، وقبل أن نستعرض هذا الكتاب وإسهامه في تطور كتابة السيرة، يجب أن نشير إلى مصنف هذا الكتاب كان صاحب أياد بيض على كتابة سيرة الرسول ﵌، وذلك لوضعه مصنفات عديدة في جوانبها، إذ تشير قائمة مصنفاته إلى وجود مصنفات في جوانب لم يتطرق لها أحد من قبله «٦» ، وهذه الجوانب هي:
стр. 379
١. مولد الرسول ﵌، وذلك في كتاب أسماه (التنوير في مولد السراج المنير) ، إذ ذكر السندوبي أن ابن دحية هو أول من صنف في هذا الجانب من سيرة الرسول ﵌ «٧» .
٢. دلائل النبوة التي ظهرت من أعضاء جسم الرسول ﵌، إذ صنف كتابا حوى هذه الدلائل أسماه (الايات البينات في ذكر أعضاء رسول الله ﵌ صاحب المعجزات) «٨» .
٣. شرح أسماء النبي، وذلك بكتاب اسماه (المستوفي في أسماء النبي) «٩» .
هذه هي الجوانب التي خصها ابن دحية الكلبي بالتصنيف، فضلا عن كتابته مصنفا مستقلا في خصائص الرسول ﵌ كان أحد الكتب المتميزة في هذا الجانب، لأنه أمتاز بخصائص جعلته صاحب الريادة في هذا الجانب، وهذه الخصائص هي:
١. استظهار بواطن معاني الايات التي تتضمن ذكرا لخاصية من خصائص الرسول ﵌ غير بارزة أول وهلة للمتتبع «١٠» ، فمن هذه الايات التي استظهر ابن دحية معانيها آية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «١١» ، إذ استدل بهذه الاية وغيرها على أن الله قد
стр. 380
نادى حبيبه محمدا ﵌ بالنبوة والرسالة «١٢» ، ونادى بقية الأنبياء بأسمائهم، إذ قال مخاطبا نبيه داود ﵇ : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ «١٣» ، ونادى أيضا نبيه زكريا ﵇ :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا «١٤» ، واستدل ابن دحية بخاصية أخرى غير هذه في تلك الايات، إذ خاطب الله نبيه محمدا ﵌ بصيغة الجمع (يا أيها) ، وذلك إن الكناية عن الأسم غاية التعظيم للمخاطب المبجل المكرم والمدعو المرفع المعظم «١٥» .
لم يكن هذا الاستظهار لمعاني الايات القرآنية بهذه الشاكلة والصورة والتوسع والمصادر التي سبقت ابن دحية، وذلك لأن جهده في هذا الأمر كان على محورين: الأول: جمع النصوص المتناثرة في كتب التفسير واللغة والحديث وإدخالها في مصنفه هذا الذي كان يشير فيه إلى تلك الكتب وأسمائها «١٦» والمحور الثاني: تمثل بإكمال ما بدأه سابقوه من مفسري القرآن الكريم بإضافة الايات القرآنية التي لم يذكروها على أن فيها ذكرا لخاصية أمتاز بها الرسول ﵌ عن باقي الأنبياء والبشر «١٧» ، فقدم لنا ابن دحية في ذلك نتاجا
стр. 381
جاهزا جمع فيه ما تناثر من ذكر لخصائص الرسول ﵌ في المصنفات التي سبقته فضلا عن إثباته لخصائص أخرى لم تلتفت إليها المصنفات التي سبقته.
تطلب هذا الأمر من ابن دحية أن يسبر أغوار العربية وقواعدها، وان يحيط بألفاظها ومدلولات هذه الألفاظ من المعاني، فلولا تضلعه من هذه الأمور لما نهج هذا النهج والطريقة في كتابة خصائص الرسول ﵌ ورصد الايات القرآنية التي استنبطها منها.
٢. إعتماده في مواطن كثيرة من كتابه هذا على الروايات المسندة، على الرغم من طول سلسلة السند التي تبلغ اكثر من سبعة شيوخ «١٨» .
نهج ابن دحية هذا المسلك لأنه أراد أن يذكر الروايات التي تتعلق بخصائص الرسول ﵌ والتي يثبتها السابقون له في مصنفاتهم أو لم تكن بهذه الصورة من العرض، إذ أوضح هذا الأمر في مقدمة كتابه التي قال فيها: " فإني ذاكر في هذا الكتاب بإذن الله الذي لا تسقط ورقة إلا بعلمه.. ما يسر لي حفظه وعلمه وقدر لي شرحه وفهمه من خصائص الرسول ﵌ التي لم تجتمع لمخلوق وما أوجب الله له على جميع خلقه من الحقوق ... " «١٩»
٣. الإحالة إلى مصنفاته أو مصنفات من سبقه، إذ أحال إلى كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) عند اختصاره للرواية التي ذكرت صفة حوض الكوثر وسقي رسول الله ﵌ الماء لأمته يوم المحشر «٢٠» ، وأحال أيضا إلى كتابه
стр. 382
[الابتهاج في أحاديث المعراج] عند عرضه لتناقض الروايات واختلاف الروايات في حادثة الإسراء والمعراج «٢١» ، فضلا عن وجود إحالات أخرى لمصنفاته في هذا الكتاب «٢٢» ، هذا بالنسبة الى مصنفاته التي أحال إليها، أما بالنسبة الى مصنفات غيره، فقد أسهم في إعطاء وصف لهذه المصنفات وطريقة حصوله عليها عن طريق الوجادة أم الرواية «٢٣» ، فمن المصنفات التي أحلل إليها كثيرا في كتابه هذا كتاب (البرهان في علوم القرآن) لأبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي «٢٤» ، إذ يقول في إحدى إحالته على هذا الكتاب:
" فحكى أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي في كتابه البرهان في علوم القرآن وهو عندي في ثلاثين مجلدا وحدثني به جماعة من أشياخ إجازة إذ لم يدخل هذا الكتاب قط كامل فلم يروها إلا إجازة وسماعا منهم" «٢٥» .
٤. الزهو والإعجاب والتفاخر بما طرحه في هذا الكتاب من موضوعات لا يستطيع أحد برأيه أن يأتي بمثلها لأنه لا يوجد في زمانه من هو أعلم منه بهذه الأمور، وهذا ما أوضحته مقالته التي مفادها: " فليفتخر بهذا الكتاب من يأخذه عني إذ لا أعلم أحدا أعلم بالصحيح من السقيم مني فهو بحر تلتطم بالكتاب والسنة امواجه وتتقاذف بدرر الاداب أثباجه تنقل منه الاثار الصحيحة وتروى وتسقى من حياضه النيرة الشفاه الظامئة فتروى، فتتنافس فيه البلدان وتتعاطاه
стр. 383
خراسان وبغدان وتصغي إليه القلوب وتسمع إليه الاذان وتردده الألسن استطابة كأنها الاذان" «٢٦» .
شكل اعتداد ابن دحية بنفسه وبكتابه الذي صنفه سابقة خطيرة لم تعهدها المصنفات التي سبقته، إذ كان أغلب المصنفين الذين استعرضنا كتبهم في هذه الدراسة قد بالغوا في التقليل من قيمة ما كتبوه والاعتذار من قراء كتبهم هذه، إن بدر منهم أي زلل فيه لأنه بحسب اعتقادهم لم يولوا مصنفاتهم تلك عناية تامة، ولم يبذلوا فيها جهدا يستحق المفاخرة، مع العلم أنهم كانوا خلاف ما كانت عليه مصنفاتهم من الهشاشة والاسترسال «٢٧» .
بين تفاخر ابن دحية بنفسه صدق المقالة التي وصفه بها أحد المترجمين له والتي مفادها: " كان أبو الخطاب يدعي أشياء لا حقيقة لها" «٢٨» .
٥. توظيف معظم جوانب السيرة المتفرقة والتقاط ما يمكن التقاطه من خصائص الرسول ﵌، إذ وظف معجزات الرسول ﵌ وقارنها بمعجزات من سبقه من الأنبياء «٢٩» ﵌، فضلا عن علاقته مع زوجاته «٢٩» ، كذلك وظف العقائد التي دعا الإسلام إلى الإيمان بها، ولا سيما الشفاعة من قبل الرسول ﵌ لمذنبي أمته، إذ جعلها ابن دحية من ضمن خصائص الرسول ﵌ «٣٠» .
стр. 384
حصل هذا الكتاب على ثقة العلماء الذين تناولوا سيرة الرسول ﵌، لقناعتهم بقيمته ومنهجه في عرض رواياته، إذ اعتمد عليه الصالحي وجعله في طليعة مصادر السيرة التي كتبها للرسول ﵌ «٣١» .
حفز هذا الكتاب على ظهور مصنفات أخرى في خصائص الرسول ﵌ ولكنها تأخرت عن مدة الدراسة (بعد العصر العباسي) ، إذ عدد أحد الباحثين هذه المصنفات وأجملها مع ذكر أماكن وجودها، وذلك لبقاء معظمها مخطوطا حتى الان «٣٢» ، وهذا ما يفسر لنا أن الاهتمام بالجوانب الشخصية للرسول قد حصل في مراحل متأخرة من تاريخنا الإسلامي، إذ وصف أحد الباحثين هذا الأمر بالقول: " وقد اضفت الكتب المتأخرة نوعا من التقديس على شخصية الرسول ﵌ لا يلمح في المصادر الأولى ويظهر الرسول ﵌ في أكثر الرواية مبكرا كما صوره القرآن الكريم ... ولم تبق شخصية الرسول على وجه التقريب لما صورته السير الأولى إلا عند المتمسكين بالحديث فإنهم على شعورهم بعظمته ظلوا ينظرون إليه من خلال ما صح من الأحاديث" «٣٣» .
هذه هي المصنفات المستقلة لجوانب السيرة المتعددة، مع العلم أن هذا الاستعراض لم يكن حاويا كل الجوانب، وذلك لوجود جوانب أخرى من شخصية الرسول ﵌ أفرد لها مؤرخو السيرة مصنفات عدة، فقسم من هذه المصنفات ضاع مع ما ضاع من تراثنا، وقسم وصل إلينا مخطوطا ولم يطبع بعد،
стр. 385
ولكن هذا المخطوط من هذا التراث لم نستطع الحصول عليه لعدم توفر الوسائل والامكانات التي تساعدنا على الوصول إليه، وقد كفانا أحد الباحثين مؤونة إحصاء تلك المصنفات، وجوانب سيرة الرسول ﵌، إذ أجمل كل واحد منها على حدة، وأدخله في الحقل الذي ينتمي إليه في سيرة الرسول ﵌ «٣٤» .
هذه هي المصنفات التي كتبت باستقلالية عن جوانب متعددة من سيرة الرسول ﵌ مع ذكر المحاور التي تناولتها، والتي شكلت بمجملها تطور جذريا في كتابة السيرة النبوية، مع الإشارة ضمنا إلى أن هذا التطور الذي اوجدته هذه المصنفات لكتابة السيرة هو تطور أفقي، وذلك لكثرة الجوانب التي تناولتها هذه المصنفات من سيرة الرسول ﵌ والاقتصار في الحديث عن هذه الجوانب بمصنف واحد أو مصنفين أو أكثر في حالات نادرة، وإن وجد فهو تكرار لما سبق من مصنفات كتبت في الموضوع نفسه، وهذا ما أدى إلى انحسار التطور العمودي الذي ظهر في جوانب قليلة من هذه المصنفات ولا سيما كتب الشمائل والدلائل.
كان هذا التطور في كتابة السيرة النبوية بتخصيص مصنفات مستقلة تتناول جوانب مجتزئة من سيرة الرسول ﵌ بالإشباع والاستقصاء من أخريات بل خاتمة التطورات التي حصلت في كتابة السيرة النبوية، وذلك لأن المصنفات التي كتبت بعد المدة قيد الدراسة قد انحصر فيها التطور والتجديد واقتصرت على تكرار ما ذكرته المصنفات السابقة، باستثناء ظهور نمط جديد بعد هذا العصر
стр. 386
تمثل بكتابة السيرة على هيأة أراجيز وشروح لهذه الأراجيز، التي كانت على حد تعبير بعض الباحثين لغايات تعليمية ظهرت في القرون المتأخرة «٣٥» ، وقد أشار السخاوي إلى هذه الأراجيز التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌ وجوانبها المختلفة «٣٦» .
من هذا كله نرى أن التطور في كتابة السيرة قد أكمل حلقاته في العصر العباسي، أما ما جاء بعد هذا العصر فكان مجرد تكرار لما صنف في السيرة وجوانبها من قبل الأقدمين ليس إلا.
стр. 387
الخاتمة
أفرزت المباحث التي مرت بعد أن بينت ورصدت التطور الذي حصل في كتابة السيرة النبوية في العصر العباسي من حيث أساليب عرضها، والمناهج التي كتبت بها مصنفات السيرة وتوابعها، نتائج عدّة ظهرت بين ثنايا السطور، لتكوّن محصلة نخرج بها من هذه الدراسة، وهذه النتائج هي:
أولا: اشتراك لفظتي السيرة والمغازي بالمعنى والمدلول في استعمالات مؤرخي السيرة في بداية كتابتها والتصنيف فيها، ولكن هذا الاشتراك بدأت عراه بالانفصال تدريجيا بعد أن اتسعت مصنفات السيرة ومتعلقاتها وأخذت أبعادها الموضوعية بالاستقلال.
ثانيا: اتسمت الكتابات الأولى لسيرة الرسول ﵌ بالطابع الشخصي في تدوينها، إذ كانت مجرد جهود فردية قام بها ثلة من الصحابة والتابعين وسجلوا بعض الحوادث التي تبين دور الرسول ﵌ ومكابداته في نشر الإسلام، فضلا عن تدوين الحوادث التي كان لهم ولأفراد قبيلتهم دور بارز فيها، تمثل بموقفهم في الدفاع عن الإسلام وعلاقتهم بالرسول ﵌، فكان من بعض غايات هذه المدونات المفاخرة القبلية التي كانت سائدة بين القبائل العربية قبل الإسلام، مع وجود غايات أخرى تمثلت بكون بعض هذه المدونات عبارة عن جوابات لبعض الأسئلة التي كان الخلفاء والولاة
стр. 388
يطرحونها على المهتمين بأخبار السيرة وأحداثها حول بعض المواقف والتصرفات التي بدرت من الرسول ﵌ أو من المسلمين أثناء سير الدعوة، حتى كانت هذه المدونات، فضلا عما تناقلته الألسن من وصف لبعض الحوادث، هي المادة الأولى لكتابات الجيل الثاني من التابعين وتابعي التابعين الذين دونوا بعض أحداث السيرة بشمولية واتساع أكثر من سابقيهم ليكونوا بمجهودهم هذا الأساس الذي استندت إليه المصنفات الشاملة والمبوبة لسيرة الرسول ﵌ وأحواله.
ثالثا: وقفت الدولة الأموية متمثلة بخلفائها وولاتها، إلا الخليفة عمر بن عبد العزيز، موقفا مضادا من كتابة سيرة شاملة للرسول ﵌ وذلك لشعور يختلج في نفوسهم أن كتابة السيرة النبوية بتفاصيلها معناها تشهير بمثالب آبائهم وأجدادهم ومواقفهم السلبية تجاه الإسلام والرسول محمد ﵌، من جراء ذلك تأخرت كتابة أول سيرة شاملة للرسول ﵌ حتى بداية العصر العباسي أي بعد ما يقارب القرن ونصف القرن من وفاة الرسول ﵌.
رابعا: بالضد من الموقف الذي انتهجته الدولة الأموية في تحجيم تدوين أحداث السيرة، أتبعت الدولة العباسية متمثلة بخلفائها الأوائل سياسة مغايرة للسياسة الأموية، إذ سمحت بكتابة أول سيرة للرسول ﵌، ولم تقتصر على ذلك، بل دعمت وشجعت ذلك، وقربت المهتمين بأخبار السيرة وأغدقت الهبات عليهم، ولكن هذا الاهتمام والدعم لم يكن يجري دون تنازلات تذكر، بل صاحب ذلك شطب بعض الروايات وحذفها ولا سيما
стр. 389
تلك الروايات التي تتحدث عن مواقف العباس بن عبد المطلب وأحواله أثناء الدعوة الإسلامية، مع تفخيم دور البيت العباسي في انتشار الإسلام.
خامسا: كان للتجربة التي قام بها ابن إسحاق حين كتب أول سيرة شاملة للرسول ﵌ صدى واسع عند المسلمين، إذ حفزت هذه التجربة علماء المسلمين ومحدثيهم على إفراد مصنفات تتناول حياة الرسول ﵌ ودوره في أحداث عصره خالية من الأقوال والأحكام التشريعية. فكان ذلك بداية لانفصال عرى الترابط بين سيرة الرسول وحياته الشخصية من جهة، وبين أقواله وأفعاله من جهة أخرى؛ مع العلم أن أقوال الرسول ﵌ وأفعاله عدّت أحكاما واجبة التنفيذ من قبل المسلمين، لأن السنة النبوية الشريفة المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن، فقام المحدثون بالاهتمام بهذه الأحكام وترك وصف الحوادث التي عاشها الرسول ﵌ إلى أهل الأخبار ومن ثم المؤرخين، فنشأ عن هذا الأمر في بدايته مجموع من الإخباريين عرفوا بأصحاب المغازي والسير.
سادسا: تعددت مصنفات السيرة وتكاثرت على طول العصر العباسي بسبب تشعب الغايات والمقاصد التي من أجلها كتبت، والظروف التي أحاطت بكتابتها أيضا. إذ كانت هنالك غايات علمية تمثلت جيدا وبوضوح الأمر بجهود عبد الملك بن هشام المعافري في نقد بعض الأشعار التي حوتها سيرة ابن إسحاق، حين بين عبد الملك أن بعض هذه الأشعار نسبت إلى غير قائليها، فضلا عن ضعف وركاكة الأشعار الأخرى، ولكن هذه الغاية
стр. 390
العلمية التي دفعت بابن هشام إلى نقد الشعر الذي ورد في سيرة ابن إسحاق لم تسر على وتيرة واحدة، إذ تأثر ابن هشام بوجهات نظر عصره عن أحداث السيرة ومواقف المشاركين فيها من صحابة مسلمين فضلا عن المشركين وغيرهم، حيث وجدنا منه مجانبة للحقيقة حين غمط بعض الحقائق والروايات حقها حين وصفها بأنها مما يسوء ذكره، فضلا عن امتناع شيخه من إجازته بروايتها، ولمسنا غايات علمية من تصنيف أحمد بن فارس لمختصره في سيرة الرسول ﵌ الذي ضغط أخبارها في ورقات معدودة لم تتعد أصابع اليدين، ليسهل على الناس حفظها واستيعابها. هذا بالنسبة الى الغايات العلمية، أما بالنسبة الى الغايات الأخلاقية، فكانت هذه الغايات وراء الثراء بالتصنيف في سيرة الرسول ﵌ وأحواله وجوانبه الشخصية، الأمر الذي أدى إلى اختلاف المصنفات التي كتبت من اجل هذه الغاية من حيث طرحها للروايات وللأسلوب الذي انتهجته في كتابتها، حتى وجدنا نوعين من هذه المصنفات: الأول: اختصر فيه أصحابه الروايات التي تعنى بسيرة الرسول ﵌ وأحواله. أما النوع الثاني: فقد أسهب أصحابه في ذكر الأخبار والأحداث التي رويت عن سيرة الرسول ﵌.
سابعا: كان لتنوع وتشعب الصور التي كتب بها التأريخ عند المسلمين، أثر فعال في تضمين مصنفات التأريخ في صورها كافة، بسرد متباين لسيرة الرسول ﵌ فيها، يختلف بين مصنف وآخر بحسب حجم كل واحد منها، وبحسب نظرة المؤرخ للحيز الذي تستحقه السيرة في كل مصنف من هذه المصنفات التاريخية، الامر الذي أوجد خزينا معرفيا ثرا لسيرة الرسول ﵌ يضاف إلى بقية مصنفات السيرة ومتعلقاتها. وقد أضفت