← Указатели

Указатели · id 9791

تطور كتابة السيرة النبوية

عمار عبودى محمد حسين نصار

Полный текст (395 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هذا هو منهج موسى بن عقبة في كتابة السيرة الذي نرى منه أن كتابة السيرة أخذت بالاستقرار عنده شيئا فشيئا، وصولا إلى كتابة أول سيرة شاملة للرسول ﵌ من قبل محمد بن إسحاق «١٨٢» . مثّل هذا العرض السابق لجهود التابعين الذين ذكرت المصادر قيامهم بتدوين حوادث السيرة، مرحلة انتقالية بين الكتابة المشوشة المضطربة والكتابة المنسقة الخاضعة لمنهج دقيق، ولم تقتصر على جهود هؤلاء فقط بل وجدت هنالك مدونات أخرى لم تكن بحجم سابقتها ذكرتها بعض المصادر وهي: ١. مدونة نافع مولى عبد الله بن عمر (ت ١١٩ هـ) ، إذ دون فيها غزوة الرسول ﵌ لنبي المصطلق، إجابة منه لتساؤل أحد المسلمين عن هذه الغزوة «١٨٣» . ٢. مدونة عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب (ت ١٤٢ هـ) ، التي دون فيها ما رواه الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري (ت ٧٦ هـ) عن سيرة الرسول ﵌ «١٨٤» ، وقد وصلت نقول من هذه المدونة في بعض المصنفات التي تطرقت لأحداث السيرة «١٨٥» . إن جميع من ذكرناهم من التابعين الذين تبنوا تدوين أحداث السيرة، قد كانوا من أهل المدينة ومن المنتمين إلى مدرستها التي عرفت ب (مدرسة

стр. 72

المدينة) «١٨٦» ، ولكن هذا لا يعني أن تدوين السيرة قد انحصر في المدينة بل شاطرتها أمصار إسلامية في عملها هذا ولكن بصورة أضيق منها، إذ أوضح ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ) مكانة كل مصر من هذه الأمصار في تدوين المغازي والسيرة إذ يقول: " أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم" «١٨٧» ، في حين يعطي الأوزاعي (ت ١٣٣ هـ) وصفا أكثر تطرفا لمكانة هذه الأقاليم بتدوين ورواية السيرة إذ يقول: " ومغازي رسول الله وأصحابه كانت من جانب الشام والحجاز دون العراق" «١٨٨» . ذكرت إحدى الدراسات الحديثة أن مكانة أهل الشام لا تقل قدرا عن مكانة أهل المدينة في رواية وتدوين السيرة والمغازي، وذلك باستعراضها للعديد من الأسماء الذين ذكرت بعض المصادر قيامهم بكتابة وتدوين بعض حوادث السيرة «١٨٩» ، أما بالنسبة الى مكانة أهل العراق في رواية وتدوين المغازي فكانت أكثر وضوحا من سابقتها إذ أشار أحد المصادر إلى مقولة ذكرها عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مكانة عامر الشعبي (ت ١٠٣ هـ) برواية المغازي، إذ وصفه- بعد ما سمعه يحدث الناس ويقرأ عليهم المغازي- قائلا: " لهذا أحفظ مني

стр. 73

لها وكأنه شهدها مع رسول الله (ص) " «١٩٠» ، وانفردت إحدى الدراسات الحديثة برأي مفاده أن عامرا كان من المدونين والحافظين لأخبار المغازي في كتاب «١٩١» ، وهذا الرأي تعوزه الدقة لأن عامرا الشعبي كان من الذين يميلون الى الحفظ بدلا من التدوين «١٩٢» . وجد من بين أهل العراق من ذكرت المصادر قيامه بتدوين أحداث من سيرة الرسول ﵌ في صحائف بقيت نقول منها في المصنفات التي أتت بعدها، وهو: سليمان بن طرخان التميمي البصري (ت ١٤٣ هـ) : وهو من التابعين البارزين والمحدثين المشهورين الذين وثقهم كل من ترجم له، سمع الحديث عن أنس بن مالك والامام الحسن بن علي ﵇ «١٩٣» ، وعدّ سزكين هذا الرجل من المهتمين بكتابة السيرة والمغازي وممن صنف فيها «١٩٤» ، وكانت لهذا الرأي مصاديق عدة، إذ حصل ابن خير الأشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) على إجازة برواية المغازي التي كتبها سليمان بن طرخان عن رسول الله ﵌ واسماها ب [كتاب سيرة النبي] لسليمان بن طرخان «١٩٥» ، فضلا عن

стр. 74

ذلك فقد أيد السخاوي وجود هذا الكتاب بجعل ولده معتمر (ت ١٧٨ هـ) راوية له «١٩٦» . كانت المغازي التي كتبها سليمان بن طرخان محل جدل بين بعض الباحثين إذ أغفلها كل من هوروفتس والدوري حين عرضا المدونات الأولى لسيرة الرسول ﵌ «١٩٧» ، فضلا عن ذلك فقد سوغ باحث آخر إغفال هذه المغازي من قبل بعض الدراسات لأن المصادر القديمة لم تذكر قيامه بتدوينها «١٩٨» ، ويضيف آخر أنه لم تكن له تلك الإسهامات الملموسة والواضحة في كتابة السيرة لكي تجعل من صاحبها عنوانا يستشهد به ضمن الذين غرزوا نواة التأريخ العربي «١٩٩» . واستدرك أحد الباحثين على هذه المواقف والاراء السابقة بإزاء ابن طرخان وكتابته لمغازي الرسول ﵌ بأن أشار إلى أن أحد المستشرقين (فون كريمر) قد حصل على مخطوط لمغازي الواقدي يضم في نهايته أوراقا من مغازي أبي المعتمر سليمان بن طرخان اسماها ناسخ المخطوطة ب [السيرة الصحيحة] «٢٠٠» ، ولا يخفي هذا الباحث شكوكه واستغرابه من إغفال الطبري لمغازي سليمان بن طرخان، أكان سبب ذلك الإغفال هو عدم وثاقة الطبري

стр. 75

بمغازي هذا الرجل؟ أم لانها لم تصل إليه؟ أم لم يؤلف سليمان مغازي الرسول ﵌ أصلا، وهذه المغازي التي وصلتنا محمولة عليه؟ «٢٠١» . تبقى مهمة تعرّف الأسلوب الذي كتب به سليمان المغازي أسيرة الدراسة التي علمها نصار لهذه المغازي «٢٠٢» وذلك لعدم توفر النسخة التي اعتمد عليها الباحث في معرفة جهود ابن طرخان في كتابة السيرة النبوية، إذ أوضح رأيه فيها بالقول: " إن الذي يتأمل هذه السيرة يجد أنها موجزة ومصغرة ومنسقة ومنتظمة لا تذكر فيها الفواصل والزوائد كما نرى عند المؤرخين الاخرين، مع إغفال الأسانيد للمرويات التي يتعرض لذكرها منفردة وفي موضوع واحد من دون تداخل للمواضيع الأخرى وبعبارة أدق يعتمد سليمان على إيراد كل الروايات التي ذكرت عن الموضوع الذي يطرحه، وأن وصفه يمتاز بالقوة والحياة، ويشعر القارئ بأنه مشرف على المعركة يرى الأبطال ويشاركهم مشاعرهم وأفعالهم كما يشعر بأن المؤلف لا يكتفي بمجرد ذكر الأعمال وإنما يدقق فيها ويبسطها بسطا صادقا يجعلنا نستطيع أن نميز ما يدور في خلد المؤمنين في كل موضع، وكثيرا ما تكون هذه الانفعالات في غير صالح المسلمين، ولكنه يأتي بروايات غريبة عن الغزوات الكبيرة المعروفة تخالف ما أجمع عليه المؤرخون الاخرون ويأتي أيضا بروايات مخالفة في غزوات النبي (ص) لنبي قريظة وخيبر ومؤتة

стр. 76

والحديبية ووفاة الرسول (ص) مع عنايته بإيراد الايات القرآنية وشرح مناسباتها التأريخية واعتنى أيضا بإيراد الشعر ولكن بصورة أقل من سابقيه" «٢٠٣» . ويبدو أن سبب إغفال المؤرخين لهذه المغازي هو وجود آراء مخالفة ومتناقضة أوردها ابن طرخان معارضا فيها الروايات التي أتفق عليها جمع كثير من المهتمين بسيرة الرسول ﵌، حتى إننا لم نجد أي اقتباس من هذه المدونة في المصنفات التي عرضت سيرة الرسول ﵌ وأحواله. وذكر بعض الباحثين اسما آخر للتابعين الذين قاموا بتدوين أحداث السيرة قبل أن تكتب السيرة الشاملة التي صنفها ابن إسحاق، وهو: معمر بن راشد (ت ١٥٣ هـ) : ولد في البصرة وعاش في اليمن وترعرع فيها، لازم الزهري وسمع منه كثيرا وتصدر للتدريس والفتيا في اليمن، واتفقت المصادر التي ترجمت له على وثاقة حاله «٢٠٤» . ذكر ابن النديم أن له كتابا أسماه (المغازي) «٢٠٥» ، وأشار سزكين إلى أن أحد الباحثين قد قام بنشر هذا الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية «٢٠٦» ، ولم نستطع الحصول على نسخة منه، الامر الذي حرمنا من فرصة الوقوف على منهجية مؤلفه وطريقة عرضه لأحداث السيرة، ولكن سزكين قد تولى عنا هذه

стр. 77

المهمة فقام بوصف أسلوب الكتاب ومنهجه، إذ قال: " لم يرتب [معمر بن راشد] مادته ترتيبا زمنيا كما فعل معاصروه ... بل رتبها ترتيبا موضوعيا على غرار عمل المحدثين" «٢٠٧» ، ومن مراجعتنا للاقتباسات التي نقلت من كتابه هذا تبين لنا مصداقية هذا الرأي وموضوعيته «٢٠٨» ، فضلا عن ذلك أن معمرا لم يلتزم بالمغازي حصرا بل وجه عنايته كذلك إلى تأريخ أهل الكتاب والأقوام السالفة «٢٠٩» ، وهذه الظاهرة مشخصة أيضا في النقول التي وصلت إلينا عن مدونة معمر تلك «٢١٠» . اعتمد معمر بن راشد كثيرا في مدولته هذه على ما رواه شيخه الزهري «٢١١» ، ولأجل ذلك أطلق عليه النوري (ت ٦٧٦ هـ) بصاحب الزهري «٢١٢» . كانت اتجاهاته في كتابة السيرة موافقة لما نحاه شيوخه ومعاصروه نحو الاهتمام بإيراد سند الحديث والرواية، وإثبات الايات القرآنية التي نزلت في الحوادث التي يتطرقون إلى ذكرها، مع مخالفتهم في إغفال ما قيل في تلك الحوادث من شعر «٢١٣» .

стр. 78

بقي لنا أن نذكر أن اتجاهات معمر قد نهجت المنحى الذي سلكه المحدثون في ما بعد، وهو عرض الحوادث من دون إخضاعها لعامل السبق الزمني والقدم، فضلا عن إغفال الأشعار التي قيلت في الحوادث التي يذكرونها «٢١٤» ، إذ مثل بمنحاه هذا تطورا نوعيا في كتابة السيرة إذ اتسم منهجه بالطابع النقلي الخاص بعرض الروايات من دون مناقشة أو تعقيب عليها، فضلا عن تشتت وبعثرة الروايات التي يذكرها لفقدان طابع السبق الزمني لهذه الحوادث من حيث أسبقية القدم منها في العرض. هؤلاء هم الأشخاص الذين أدوا دورا في تدوين ورواية أحداث السيرة التي سبقت سيرة محمد بن إسحاق التي تمثّلت فيها جهود معظم هؤلاء الأشخاص «٢١٥» . لم تقتصر مدونات سيرة الرسول ﵌ وذكر أصحابه ومتعلقيه على النثر، بل نظمت كثير من القصائد التي أرخت بعض الحوادث التي حصلت في عصر الرسالة، إذ رفدت القصائد التي جادت بها قريحة الشعراء السيرة النبوية ببعض الحوادث المهمة التي لولاها لبقيت مبهمة وغير معروفة، إذ وصف أحد الباحثين هذه المقاطع الشعرية التي انبرى لجمعها ودراستها بالقول: " تزخر السيرة النبوية بالكثير من النصوص الشعرية التي تمثل جانبا مهما من تراثنا الأدبي والتي لا تقف أهميتها على الناحية الأدبية فحسب بل تتجاوزها إلى نواح أخرى دينية وتأريخية إذ صورت لنا كثيرا من الأحداث والمواقف في الحقبة الأولى من تأريخ

стр. 79

الإسلام وتضمنت ذخرا وافرا من المعاني والأفكار التي أفرزها ذلك التغير الشامل والتطور الهائل الذي أحدثه الإسلام في جميع جوانب الحياة" «٢١٦» . أشار أحد المصادر إلى أن عددا من القصائد والمقطوعات الشعرية التي قيلت في عصر الرسالة قد كتبها أصحابها أو من سمعها، إذ ذكر ابن سلام الجمحي (ت ١٩٣ هـ) أنه قد أطلع على القصيدة التي قالها أبو طالب عم الرسول ﵌ في حق ابن أخيه والتي مطلعها: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل في كتاب كتبه أحد أقاربه قبل أكثر من مئة سنة «٢١٧» . بينت هذه الرواية مكانة تلك القصائد في نفوس المسلمين حتى قاموا بتدوينها لتشكل حلقة تكاملية في تكوين ملامح واضحة لسيرة الرسول ﵌ بعد إدخالها وتطعيمها بالحوادث التي قيلت فيها، واستنتج أحد الباحثين أن الأنصار كانوا يهتمون بتدوين شعرهم الخاص بأحداث السيرة لأنه زاخر بأمجادهم ومفاخرهم العظيمة في نصرة الإسلام ونبيه «٢١٨» . من هذه المدونات النثرية والشعرية التي عرضناها آنفا يتبين لنا المسار الذي سلكته كتابة السيرة قبل منتصف القرن الثاني الهجري عندما شرع محمد بن إسحاق في تصنيف أول سيرة شاملة للرسول ﵌ «٢١٩» .

стр. 80

يتبين لنا من عرض هذه المرحلة أنه قد كانت هنالك عوامل عديدة وراء تأخر كتابة أول سيرة للرسول ﵌ بعد ما يقرب من القرن والنصف على التحاقه بالرفيق الأعلى، وهذه العوامل هي: ١. تحجيم الأمويين وولاتهم لأي مشروع في كتابة سيرة للرسول ﵌، وعلل مرجليوث هذا الدافع من قبل الأمويين بالقول: " وحين نقرأ أنه لم يكن الناس في العهد الأموي يجرؤون على تسمية أبنائهم بعلي أو حسن أو حسين، لا يدهشنا أن تتأخر أقدم ترجمة للنبي إلى ما بعد قيام العباسيين، إذ لم يكن من الممكن أن تروى ترجمة النبي في أيام الأمويين دون زعزعة إخلاص المسلمين لحكمهم زعزعة خطيرة ولم تكن النتائج لتحسن الأوضاع، ... فأنه كلما قل سماعهم أنباء عن صدر الإسلام ازداد احتمال احتفاظهم بطاعتهم" «٢٢٠» . وردت روايات كثيرة أكدت هذا العامل، فمنها الرواية التي ذكرها أبو الفرج الأصفهاني والتي عرض فيها محاورة جرت بين الزهري وخالد بن يزيد القسري حول طلب الأخير كتابة سيرة للرسول ﵌ ومناقشة الزهري لهذه الرغبة من كون السيرة تحمل في جنباتها ذكرا لماثر الإمام علي بن أبي طالب ﵇، فما كاد الزهري يخبره بهذا الأمر إلا واستشاط غضبا فقال له أتركه ألا تراه في قعر الجحيم «٢٢١» ، كذلك ما أورده السيوطي (ت ٩١١ هـ) أن

стр. 81

سعيد بن المسيب كان لا يذكر اسم علي بن أبي طالب في الروايات والأحاديث التي سمعها منه خوفا من ولاة الأمويين وبطشهم «٢٢٢» . ولم يكن موقف الأمويين في تحجيم سيرة الرسول ﵌ ناتجا من ورود اسم الإمام علي ﵇ ضمن طياتها فقط بل كان دور الأنصار فيها عاملا آخر أدى بطبيعة الحال إلى هذه النتيجة فقد كانت الرواية التي أوردها الزبير بن بكار (ت ٢٢٤ هـ) من تمزيق سليمان بن عبد الملك للمغازي التي كتبها أبان بن عثمان بعد ما وجد فيها تسجيلا لمواقف الأنصار المشرفة «٢٢٣» ، إذ أشار قبيصة بن ذؤيب* إلى أسباب هذا الكره الذي يكنه الأمويون للأنصار بعد ما سأله سليمان عن ذلك فأجاب قبيصة بالقول: " يا ابن أخي أول من أحدث ذلك معاوية بن أبي سفيان ثم أحدثه مروان ثم أحدثه أبوك، فقال: علام ذلك؟ فقال: لأنهم قتلوا قوما من قومكم وما كان في خذلانهم عثمان (رض) فحقدوا عليهم وحنقوهم وأورثوه لكم" «٢٢٤» ، ويضيف البلاذري في مكان آخر أن عبد الملك قد مر على بعض ولده فرأى في أيديهم بعضا من الصحائف فيها ذكر للمغازي فأخذها وحرقها وقال عليك بكتاب الله فاقرأه والسنة فأعرفها وأعمل بها «٢٢٥» .

стр. 82

بين أحد الباحثين أسباب هذا الإحجام من قبل الأمويين في السماح بانتشار ورواية وكتابة أخبار السيرة والمغازي بستة أسباب هي: السبب الأول: إنهم كانوا يعتقدون أن جمهور المسلمين في أيامهم ليسوا كجمهور المسلمين في صدر الإسلام وإنما قد تغيروا وتبدلوا إذ فارقوا أخلاق المسلمين الأولين وصاروا لا يقاربونهم في النقاء والصفاء. السبب الثاني: إنهم كانوا يقرون في قرارة أنفسهم بأنهم ليسوا كمن سبقهم من الخلفاء الراشدين، وإنما هم دونهم درجات فهم لا يبلغون مبلغهم في الصلاح والتقوى والورع. السبب الثالث: إنهم كانوا يؤمنون بأن نظام الحكم في الإسلام له قواعد وأسس ولكنها جميعها ليست ثابتة بل منها المتغير ومنها الثابت وما يصح منها للناس في عصر قد لا يصلح لعصر آخر وما تصح فيه حياة الناس في عهد قد تفسد به حياتهم في عهد ثان. السبب الرابع: إنهم كانوا يخشون أن يندد الناس بسياستهم ويشهروا بممارستهم ويثوروا على خلافتهم ويسعوا للتطويح بدولتهم إذا هم أباحوا لهم الاطلاع على سيرة من سبقهم وسمحوا لهم بروايتها. السبب الخامس: إنهم كانوا يرون أن رواية المغازي والسير تهيج الإحن والضغائن الكامنة وتحرك الحزازات والعداوات القديمة بينهم وبين الأنصار، فقد قتل الأنصار الأمويين وفتكوا بهم يوم بدر وانتقم الأمويون منهم وتشفوا بهم يوم أحد وكان الأنصار يفتخرون بأنهم من أهل السابقة والقدم في الإسلام، وأنهم

стр. 83

منعوا الرسول الكريم من كفار قريش من الأمويين وغيرهم، وكانوا يعدون الأمويين ممن تأخر إسلامهم وأنهم من المؤلفة قلوبهم، وكان الأمويون لا يغضون عن جراحاتهم ولا ينسون مناهضة الأنصار لهم ولشيعتهم، وكان ذلك مصدر خصام بينهم في صدر الإسلام. السبب السادس: أنهم كانوا يعلمون بأن ليس لهم نصيب من المغازي والسير لأنهم صدوا عن سبيل الله وناصبوا الرسول (ص) العداء وصبوا عليه وعلى من آمن برسالته أصناف العذاب وقتل من قتل منهم وهم يدافعون عن أوثانهم وسلطانهم في أول الدعوة، ولم يدخلوا الإسلام إلا بعد فتح مكة فكفوا الناس عن رواية المغازي والسير لكتمانها وإخفائها وأنهم كانوا يعتقدون أن في إطلاع الناس عليها نشرا لمساوئ الأمويين وازدراء بهم وتجريحا لهم وفيه إظهار لمحاسن الأنصار وثناء عليهم «٢٢٦» . جعل هذا السبب جهود الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم من الذين عاصروا الدولة الأموية، بتدوين ورواية أحداث السيرة مقتصرة على رغبات شخصية بحتة عدا المدة التي تولى فيها عمر بن عبد العزيز الخلافة (٩٩- ١٠١ هـ) إذ تبنى فيها عملية كتابة وتدوين الحديث ونشره ورواية السيرة ومناقب الصحابة على جمهور المسلمين «٢٢٧» .

стр. 84

شبه مرجليوث هذا الموقف من قبل الأمويين بالسد الذي تجمعت خلفه المياه فما أن إنصدع هذا السد وتلاشى حتى ظهرت إلى العيان السيرة المبوبة والشاملة للرسول ﵌ بإيعاز من السلطة المركزية المتمثلة بالخليفة نفسه «٢٢٨» . ٢. ندرة مواد الكتابة وغلاء أثمانها، إذ كان هذا العامل من العوامل المباشرة التي أدت إلى تأخر عملية التدوين للمرويات الشفوية، بسبب طبيعة مواد الكتابة وأحوالها التي يصفها ابن النديم بالقول: " كتب أهل مصر بالقرطاس المصري ويعمل بالقصب البردي والروم تكتب بالحرير الأبيض والرق وغيره في الطومار المصري، وفي الفلجان وهي جلود الحمير الوحشية، وكانت الفرس تكتب في جلود الجواميس والبقر والغنم، والعرب تكتب في أكتاف الأبل واللخاف وهي (الحجارة الرقاق البيض) وفي عسب النخل، والصين في الورق الصيني ويعمل من الحشيش ... فأما الورق الخراساني فيعمل من الكتان ويقال إنه حدث في أيام بني أمية وقيل في الدولة العباسية ... وقيل أن صناعا من الصين عملوه في خراسان على مثال الورق الصيني ... " «٢٢٩» . يبدو لنا من كلام ابن النديم أن هذه المواد كانت تتسم بالقلة لاختصاص كل بلد بمادة يكتب فيها لعدم وجود مواد كثيرة منها تساعد على انتشارها في كل البلاد، وإن وجدت فإنها غالية الأثمان، مما أسهم ذلك في قلة الكتابة والاعتماد على الحفظ «٢٣٠» ، وظل الاقتصاد فيها مستمرا حتى انتقلت صناعة

стр. 85

الورق من الصين إلى الدولة العربية الإسلامية عن طريق عمليات الفتوحات الإسلامية ولا سيما عند وصولهم إلى مدينة سمرقند التي يقول عنها الثعالبي عند وصفه لها: " من خصائص سمرقند الكواغيد التي عطلت قراطيس مصر والجلود التي كانوا يكتبون فيها لأنها أحسن وأنعم وأرفق ولا يكون إلا بها وبالصين" «٢٣١» ، ومن سمرقند نقل العرب صناعة الورق إليهم وأنشأوا في بغداد مصنعا للورق في زمن العباسيين «٢٣٢» . ولهذا كانت ندرة مواد الكتابة من العوامل التي عاقت كتابة السيرة ونشرها بين الناس، فما أن أنتشر الورق ورخص ثمنه إلا وأقبل العلماء على تصنيف الكتب بمختلف اتجاهاتها وبضمنها السيرة، وترجمة تراث الأمم المجاورة والقديمة إلى لغتهم «٢٣٣» . ٣. غياب المنهج وأساليب العرض وسبك العبارات وتنسيق الجمل في مجموع متكامل من قبل المسلمين، وهذا العامل راجع إلى أنهم لم يألفوا تصنيف الكتب المبوبة على وفق موضوع معين «٢٣٤» ، وكان هذا السبب عاملا ليس في تأخر كتابة سيرة شاملة للرسول ﵌ فقط بل في تأخر كتابة العلوم والمعارف الأخرى من قبل المسلمين آنذاك، إذ نلاحظ أن نشأة التدوين التأريخي وبضمنه كتابة السيرة النبوية قد مر بمراحل ثلاث إلى أن وصل إلى صيغته المألوفة وهذه المراحل هي: -

стр. 86

أ. تقييد الفكرة أو الحديث في صحائف مستقلة للمذاكرة والحفظ، وهذه المرحلة هي أدنى المراحل وأيسرها. ب. تدوين الأفكار المتشابهة أو الأحاديث التي اختصت بموضوع معين في ديوان واحد، وتعدّ هذه المرحلة هي المرحلة الوسطى. ج. تصنيف المجاميع وترتيب ما دوّن وتنظيمه ووضعه تحت فصول محددة وأبواب مميزة وهذه المرحلة من أهم هذه المراحل وأعقدها «٢٣٥» . من هذا نرى أن هذه المراحل قد شكلت الحلقات التي مر بها تصنيف الكتب إذا ما علمنا أن اللغويين عند عرضهم لمعنى كلمة (صنّف) وجدناهم يقولون: " وصنفه تصنيفا جعله أصنافا وميز بعضه عن بعض ومنه تصنيف الكتب" «٢٣٦» . أعطى أحد الباحثين تعليلا للسبب الذي أدى إلى ظهور أولى المصنفات عند المسلمين في بداية العصر العباسي حصرا بأن طبيعة التطور الذي أحدثه النضج العلمي الذي نشأ بالاتصال الفكري من قبل المسلمين بالأمم المجاورة، واقتباس تجارب هذه الأمم في تصنيف الكتب وتوثيق علومهم ونقلها إلى بلاد الإسلام «٢٣٧» . هذه هي العوامل والأسباب التي كانت وراء تأخر التصنيف في سيرة الرسول ﵌، حتى بداية العصر العباسي.

стр. 87

الفصل الثاني كتابة السيرة الشاملة والمستقلة للرسول ﵌ وتطورها توطئة: بعد العرض الذي تم في الصفحات السابقة للجهد المبكر والأولي في كتابة السيرة النبوية وخط سيرها، نصل إلى الثمرة التي أنتجها ذلك الجهد الذي تمثل بكتابة أول سيرة شاملة ومستقلة للرسول ﵌ وهي السيرة التي صنفها محمد ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) «١» . كانت هنالك عوامل متعددة ساعدت على حدوث هذه النقلة النوعية في كتابة أحداث السيرة وهذه العوامل هي: - ١. تكامل الفكرة والمنهج والأسلوب في كتابة السيرة مع توفر الجدية والتوازن في عرضها «٢» ، وهذا الأمر راجع إلى اتصاف الحوادث التي ذكرت بالشمولية، فالذي جمع أخبار السيرة جمع كل شيء من سياسة وحرب واقتصاد واجتماع وصفات شخصية وحياة ذاتية فيها أدق التفاصيل «٣» .

стр. 88

٢. الدعم المباشر من قبل الخلفاء العباسيين للعلماء وإغداق الهبات عليهم ولا سيما العلماء المهتمين بالسيرة والمغازي واستقطابهم إلى عاصمة الخلافة بغداد، إذ تشير المصادر إلى أن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (١٣٦- ١٥٨ هـ) قد طلب من محمد بن إسحاق أن يصنف لأبنه محمد المهدي كتابا منذ خلق الله تعالى آدم ﵇ إلى يومه هذا «٤» ، فضلا عن اتباع المهدي العباسي الشيء نفسه عندما تسلم مقاليد الخلافة (١٥٨- ١٦٩ هـ) وذلك باصطحابه لأبي معشر السندي (ت ١٧٠ هـ) * إلى بغداد ليعلم أولاده بعدما عرف فضله وعلمه وتبحره بأحداث الإسلام وذلك عند التقائه به في موسم الحج «٥» ، ولم يقتصر الأمر على هذين الخليفتين بل انتهج هارون الرشيد (١٧٠- ١٩٣ هـ) منهاج آبائه نفسه في تعرّف أخبار الرسول ﵌ وأحواله ومغازيه وتقريب العلماء المهتمين بمعرفة ذلك، إذ أشارت المصادر التي ترجمت لمحمد بن عمر الواقدي إلى أنه قد حظي بمكانة بالغة في بلاط الرشيد وإبنه المأمون من بعده الذي جعله قاضيا في بغداد وذلك بعدما عرف الأول فضله وتبحره بأحوال الرسول ﵌ ومغازيه والأماكن التي حصلت فيها حوادث عصر الرسالة عند

стр. 89

زيارته مع يحيى البرمكي لبيت الله الحرام، واطلعهما الواقدي على تلك الأماكن «٦» . كان هذا الموقف الذي أنتهجه العباسيون تجاه المهتمين بأخبار السيرة والمغازي تحصيل حاصل وأمرا لا مناص منه، إذ كانت حالة التذبذب والعشوائية في كتابة السيرة هي السمة التي اتسمت بها المدونات الأولى لسيرة الرسول ﵌ في العصر الأموي، فما كان من العباسين إلا أن حاولوا تغيير الكيفية والحال الذي سارت عليه كتابة السيرة، باتباع سياسة جديدة تمثلت بدعم وتشجيع المهتمين بها وتقريبهم إلى بلاطهم. شبه بعض الباحثين الدولة الأموية بالسد الذي تجمعت خلفه أشياء كثيرة فعندما تصدعت أركان هذا السد وانهار بسقوط الأمويين ودولتهم، انفتحت لأجل ذلك قرائح العلماء بالكتابة والتصنيف في مختلف الاتجاهات بعد بروز قوى متعددة مثلت كل واحدة من هذه القوى فكرة واتجاها معينا، مما أشعر السلطة الجديدة بمخاطر هذا الأمر، فما كان منهم إلا أن غيروا سياسة المنع وعدم التشجيع بسياسة تمثلت باحتواء هذه الحالة الجديدة فعمدت إلى إلحاق مشاهير العلماء في مختلف ميادين المعرفة، وعلماء السيرة والمغازي منهم بخاصة بالدولة، ودفع هؤلاء بما أجز لوه لهم من عطايا وأموال بتعديل وتزييف بعض الحقائق، فالرقيب العباسي لم يأخذ بسياسة المنع بل لجأ إلى سياسة التعديل والشطب والتغيير وإضافة أشياء مصطنعة «٧» .

стр. 90

كانت حادثة اشتراك العباس بن عبد المطلب عم الرسول ﵌ في معركة بدر بجانب جيش المشركين واسهامه في إطعامهم بالطريق وقيام المسلمين بأسره في هذه المعركة، خير مثال على الكلام آنف الذكر، فقد أغفل مؤرخو السيرة الأوائل الذين كانت لهم صلات طيبة بالبلاط العباسي هذه الحادثة «٨» ، أما الذين كان تأثير العباسيين فيهم قليلا أو بعيدين عنه فقد ذكروا هذه الحادثة بتفاصيلها «٩» . ٣. توفر المواد الأولية للكتابة ورخص أثمانها بعد تعرف المسلمين على صناعة الورق الصيني الذي يمتاز بقلة سعره قياسا بالقراطيس والجلود فضلا عن انتشاره بكميات كبيرة، إذ شجع هذا الأمر العلماء بالشروع في الكتابة والتصنيف «١٠» . ٤. ظهور التخصص المعرفي في العلوم المعروفة آنذاك من قبل المسلمين، وهذا ما بينه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) عند عرضه حوادث (سنة ١٤٣ هـ) إذ يقول: " وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتأريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون من صحف مكتوبة وغير مرتبة" «١١» .

стр. 91

شمل هذا التخصص كتابة السيرة النبوية، إذ انفصلت في هذا العصر عرى الارتباط بين أنماط وأساليب المحدثين وأهل الأخبار في كتابة حوادث السيرة، وولّد هذا الفصل تباينا بين العلماء الذين تمنوا كتابتها، فقد كان مصنفوها الأوائل مؤرخين أولا ثم محدثين بالدرجة الثانية «١٢» . ظهر هذا التخصص المبكر في كتابة السيرة النبوية من قبل بعض العلماء، وذلك لأن المسلمين قد تطلعوا إلى إعادة امتلاك التجربة التأريخية الفريدة (تجربة النبوة والمجتمع المثالي الأول) ، ولأجل إعطاء هذه الصورة التأريخية الشاملة صفة تدعيم فكرة الأمة والمجتمع الناشئ، بعد أن أتصل العرب والمسلمون بالأمم الأخرى، ظهر هذا الحافز بعد أن برزت مشاكل جديدة نتيجة اختلاط العرب والمسلمين بالأمم الأخرى، تيقن هؤلاء ان هذه المشاكل لا يرجى حلها إلا باستعادة تجربة الوحي ومغازي الرسول ﵌ وسيرته بكتابتها ضمن منظور تأريخي واسع يجعلها خاتمة تجارب الأمم التي عاشت مع الأنبياء ورسالاتهم، أو كانت لها صلة من أي نوع بفكرة التوحيد، باستلهام هذا المنظور التأريخي من القرآن ومعارف العرب التقليدية وما عرفوه من معايشتهم لأصحاب الكتاب وأهل البلاد المفتوحة «١٣» . ٥. توقف نشاط حركة الفتوحات الإسلامية، والاستقرار الاجتماعي والتمازج الحضاري مع الشعوب، النشاط الذي اختمرت تفاعلاته في هذا

стр. 92

العصر وكان ثمرة من ثمرات سماحة الإسلام ومرونة العرب وانفتاحهم على غيرهم من الأمم والشعوب «١٤» . لم تكد تظهر أول سيرة مفصلة للرسول ﵌، حتى انتهج المصنفون منحيين في كتابتها، إذ كان المنحى الأول يتمثل بعرض حوادثها بإسهاب وتفصيل والتبعات التي رافقت تلك الحوادث، أما المنحى الثاني فقد تمثل باقتضاب حوادث السيرة وعرضها بمصنفات مختصرة بحسب الكيفية التي يرومها المصنف، وقبل عرض هذه المصنفات التي نحت هذين المنحيين والتي جعلنا كل مبحث من هذا الفصل يتناول واحدا منها، تجب الإشارة إلى المحاور التي رافقت كتابتها، إذ نلاحظ أن العلماء المسلمين قد انتهجوا في بداية كتابتهم للحوادث التأريخية وأخبار الأمم السالفة المعرفة بكل ما وصل إليهم من نصوص مكتوبة عنها وما قرئ على مسامعهم من سرد لهذه الحوادث، وجمع هذه الموارد مجتمعة في مصنفات تبوب بحسب المواضيع التي تخصها من دون إبداء وجهة نظر أو نقد أو مقارنة بين المصنفات المتماثلة أو الروايات المتشابهة، أطلق على الذين اتبعوا هذا الأسلوب في عرض الحوادث بالاخباريين «١٥» . شمل هذا النهج في الكتابة والتصنيف الذي سلكه الاخباريون جميع المعارف الإنسانية آنذاك، وبضمنها الكتابة التأريخية التي شكلت سيرة الرسول ﵌ جزء منها «١٦» .

стр. 93

ولأجل ذلك كانت أولى المصنفات في سيرة الرسول محمد ﵌ عبارة عن جمع شتات المدونات الأولية والروايات التي تناقلتها الألسن والشفاه عن أحوال الرسول ﵌ في مصنف مستقل من دون نقد للروايات التي تضمنها من حيث قوتها وضعفها. استمر هذا المنحى عند من أتى بعد هؤلاء الاخباريين، ولكنهم اختلفوا عنهم بكونهم قد فحصوا النصوص التي أوردوها، وبينوا ضعف بعض منها وعدم دقة بعضها الاخر «١٧» ، ولا نتهاج هؤلاء المصنفين الذين تلوا الاخباريين هذا المنهج في عرض الحوادث التاريخية والسيرة منها بخاصة، عدّ هؤلاء مؤرخين واخباريين في آن واحد «١٨» . نستنتج من ذلك أن كل مؤرخ هو إخباري ولكن ليس كل إخباري مؤرخا، مما جعل المصنفات التي سنتناولها في هذا الفصل تمتاز بالتنوع بين هذين المنحيين في الكتابة التأريخية، التي ستظهر حدوث تطورين في كتابة السيرة: التطور الأول تمثل بظهور أول مصنف يعرضها بالتفصيل وباستقلالية عن باقي المصنفات التي كتبت في ذلك العصر، والتطور الثاني تمثل بتعدد المناهج والأساليب التي كتب بها هؤلاء المصنفون سيرة الرسول ﵌ والإضافات النوعية في كل مصنف من هذه المصنفات مقارنة بمثيلاته أو بالمصنفات الأخرى التي دخلت السيرة النبوية في هيكلها.

стр. 94

المبحث الأول السيرة النبوية المسهبة والمستقلة ومصنفوها: انتجت قرائح العلماء المهتمين بالسيرة مصنفات عدة أسهبوا فيها بذكر الحوادث التي تحدثت عن أحوال الرسول ﵌ وعلاقته بأحداث عصره، أما أسماء المصنفات التي نهجت هذا المنحى، وأسماء المصنفين الذين كتبوها فهي: ١. السير والمغازي لمحمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ) *: مصنف هذه السيرة هو محمد بن إسحاق بن يسار، ولد سنة (٨٥ هـ) من أسرة كانت تسكن منطقة عين التمر في العراق، إذ وقع جده يسار أسيرا في أيدي المسلمين عندما فتح خالد بن الوليد هذه المنطقة سنة (١٢ هـ) ، وأصبح بعد ذلك مولى لقيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف ومن هنا جاءت نسبته بالمطلبي المخزومي «١» . سكن محمد بن إسحاق المدينة المنورة واستفاد من هذه البيئة العلمية التي عاش بها إذ أكسبته خزينا فكريا تمثل بجلوسه في الحلقات التي كان يعقدها

стр. 95

الصحابة المتأخرون وأبناؤهم والتابعون «٢» ، ولم يكتف بذلك، بل شد الرحال إلى الأمصار الإسلامية ليسمع من محدثيها ورواتها وذلك في مقتبل حياته «٣» . من هذا كله نرى أن البيئة التي سكن فيها محمد بن إسحاق المتمثلة بالمدينة المنورة والموروث السابق لأسرته التي استوطنت في منطقة اتصلت بالمدارس الفكرية المعروفة آنذاك في الحيرة وحران ونصيبين وجنديسابور «٤» ، كل ذلك أدى إلى أن تشكل هذه العوامل مجتمعة أرضية صالحة لشخصية تأخذ زمام المبادرة بتصنيف أول سيرة متكاملة للرسول ﵌. وهذا الكلام لا يدفعنا إلى التقليل من جهود السابقين له في هذا المضمار ولكن الجهد المتميز الذي بذله ابن إسحاق جعل من السيرة التي كتبها محط إعجاب المتقدمين والمتأخرين، وخير ما نستشهد به لتبيان هذا الأمر ما ذكره بعض الباحثين حول هذه السيرة والسبب الكامن وراء شهرتها، إذ يقول أحدهم: " كان ثمرة مفهوم أوسع من مفهومات معاصريه وأسلافه، وذلك من حيث أنه لم يقصد تقديم تأريخ للرسول بل رأى أن يقدم تاريخا للنبوات أيضا" «٥» ويضيف آخر قائلا: " مهما تكن أهمية أعمال الزهري وموسى بن عقبة فان عمل ابن إسحاق يبقى الأساس فيما يتصل بالسيرة وإلى حد ما بالتأريخ، وتكمن أهميته كمؤرخ في استيعابه لتجارب شيوخه وفي تطويرها وإعادة تنظيمها من

стр. 96

خلال فهمه الجديد للتأريخ ومن خلال نظرته الشاملة النابعة من ثقافته الواسعة وإدراكه للمغزى السياسي (الصورة التاريخية) ومن هنا صار ابن إسحاق شيخ كتاب السيرة وصار من كتبوا بعده عيالا عليه" «٦» . ومن ذلك صارت شهرة ابن إسحاق على جميع المصنفين في سيرة الرسول ﵌ من المتقدمين والمتأخرين أشهر من نار على علم، حتى وصفه الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) بالقول: " من أراد التبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق" «٧» . كانت هنالك عوامل عدة وراء شهرة هذه السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق عن الرسول محمد ﵌، وهذه العوامل هي: ١. عدم وجود مصنف متكامل وشامل عن سيرة الرسول ﵌ قبل مصنفه هذا «٨» ، إذ كانت مدونات السيرة قبل هذا الكتاب مجرد صحف ومجاميع لا ترقى بمستواها إلى مصافي الكتب المصنفة والمبوبة. ٢. إحالة جمع غفير من العلماء على هذه السيرة، واعترافهم بتبحر هذا الرجل بالمغازي وأخبارها «٩» . ٣. تلمذة جمهرة واسعة من طلاب العلم على يده وسماعهم السيرة منه وإجازته لهم بروايتها عنه، حتى تعدد الرواة لهذه السيرة الى حد أن خصص لها أحد الباحثين دراسة عنهم «١٠» .

стр. 97

٤. التبويب والتنسيق للمواضيع التي شملتها السيرة وحصرها ضمن عناوين متسلسلة غير مضطربة أو مشوشة، وهذا ما جعلها محط رضا من كتب في السيرة أو علق عليها، إذ يصف أحد هؤلاء هذه الميزة التي تميزت بها سيرة ابن إسحاق بالقول: " واستغنيت عن كتاب محمد بن عمر الواقدي لأنه لم يحضرني الان ولكني رأيته كثيرا ما يجري مع ابن إسحاق فاستغنيت عنه به بفضل فصاحة ابن إسحاق في الإيراد وحسن البيان الذي لا يقل معه استحسان الحديث المعاد" «١١» . لم تقتصر هذه السيرة على هذه العوامل التي أسهمت في اشتهارها بل توافقت مع أمور أخرى أمتاز بها ابن إسحاق نفسه في عرضه لأخبار السيرة، وهذه الأمور هي: ١. التوفيق بين أسلوب أصحاب القصص والأخبار وبين المحدثين في عرض المادة التأريخية، إذ نراه يتحدث عن أهل الكتاب الذين يسميهم أهل العلم الأول أو أهل التوراة مع إغفاله لأسماء من حدثه من أهلها «١٢» ، فضلا عن إتباعه أسلوب المدرسة اليمنية المشهور بالقصص والأساطير القديمة «١٣» ، إذ لمسنا هذا الأمر في الروايات التي سجلها لنا عن الأحداث التي جرت قبل الإسلام «١٤» ، أما من حيث إتباعه لمنهج المحدثين، فقد كان الإسناد في الخبر والحديث هو السمة

стр. 98

الغالبة على كتابه «١٥» ، ولا سيما عند حديثه عن مبعث الرسول ﵌ والحوادث التي تلته إلى أن ألتحق بالرفيق الأعلى «١٦» . وصفت إحدى الدراسات منهج وأسلوب ابن إسحاق هذا بالقول: " ويتصف بصفة المؤرخ الحق، وتتمثل في الصورة الأخيرة للمزج بين كتابة التراجم على النحو الديني المأثور عند المحدثين وكتابتها على النحو الملحمي الأسطوري المأثور عن القصاص، وهذا الطابع الأصيل الذاتي الذي يتميز به مؤلف ابن إسحاق الذي يفسر العداوة بين مذاهب الرواة، ويبرز في الوقت نفسه النجاح العظيم الذي لقته على مدى الأجيال" «١٧» ، وتضيف دراسة أخرى بالقول" وحين نأتي إلى ابن إسحاق نحس بخطوط جديدة في التطور ومن مظاهرها الواضحة وجود عنصر القصص الشعبي والاتجاه نحو المبالغة ونحس بأننا انتقلنا إلى علماء هم مؤرخون أولا ثم محدثون من الدرجة الثانية" «١٨» . ٢. إدخال معظم الايات القرآنية التي نزلت بالحوادث التي تطرق إليها بضمن هيكلية النص الذي كتبه لكل حادثة، مما يعطي القارئ لهذا الكتاب الأدلة والقرائن التي أكدت الحدث التأريخي الذي سجله في مصنفه هذا «١٩» . عد أحد الباحثين هذه السيرة من أقدم المصادر التي وصلت إلينا في أسباب نزول القرآن لما حوته من ذكر لأماكن نزول الايات التي رافقت مسار الدعوة

стр. 99

الإسلامية «٢٠» ، ولأجل ذلك أعطاها باحث آخر بعدا يتسم بالنقد والتمحيص للروايات التي أوردها ابن إسحاق في أسباب نزول بعض الايات القرآنية فيها، إذ يقول: " ويلحظ على أن ابن إسحاق يعنى بجمع الروايات المتعلقة بالنزول دون تمحيصها والموازنة بينها بترجيح أو تضعيف" «٢١» ، ويضيف على ذلك الأمر: " ان السيرة التي كتبها ابن إسحاق قد تضمنت أيضا تفسيرا لعدد غفير من الايات القرآنية مع مراعاته إيجاز ذلك وبيان معاني تلك الايات على وجه الإجمال من دون الولوج في التفاصيل أو إيراد الوجوه المتعددة للروايات المختلفة في الموضوع المراد استعراضه" «٢٢» . كان هذا الأمر دافعا إلى وضع هذه السيرة نصب أعين المفسرين الذين تناولوا أسباب نزول الايات القرآنية «٢٣» . ٣. استشهاده بالشعر في معظم الايات التي يذكرها «٢٤» ، ولكن هذا العامل كان من السلبيات التي وصف بها منهج ابن إسحاق في كتابة السيرة من قبل نقدة الشعر وأهل المعرفة والدراية في بحوره وأوزانه والرواة له، إذ كان الجمحي

стр. 100

(ت ٢٣١ هـ) من هؤلاء الذين شنوا هذه الحملة على الشعر الذي ورد في سيرة ابن إسحاق، حيث وصفه بالقول: " وكان ممن افسد الشعر وهجنه، وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار ... وكان من علماء الناس بالسير ... فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا عن الرجال" «٢٥» ، ونقل الجمحي أيضا رواية ذكر فيها أن أحد العميان من الذين يحفظون الشعر قد سمع الشعر الذي نقله ابن إسحاق فقال: " فلو كان الشعر مثلما وضع لابن إسحاق ... ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل" «٢٦» وأكد ابن النديم (ت ٣٨١ هـ) أن ابن إسحاق كانت تعمل له الأشعار ويؤتى بها ويسأل أن يدخلها في كتابه فيفعل «٢٧» . دفع هذا العامل ابن هشام إلى أن يقوم برفع الشعر الموضوع والتنبيه على الباقي من حيث صحته أو ضعفه أو خلله إذ يقول: " واني تارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله ﵌ فيه ذكر ... ، لما ذكرت من الاختصار وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم يعرفها ... " «٢٨» . اعترف ابن إسحاق بهذا الخلل الموجود في الأشعار التي نقلها مبينا سبب ذلك إلى أنه لا علم له بالشعر المنحول والمصنوع وغيره وإنما يؤتى به فيحمله في سيرته «٢٩» .

стр. 101

علق أحد الباحثين حول هذا الموضوع بالقول: " وكثير من القصائد التي أوردها ابن إسحاق وخاصة التي تتصل بحوادث المدينة، لا يوجد ما يدعو إلى الشك في صحتها، لأنها كانت معروفة لدى علماء الشعر في عصر ابن هشام بأنها صحيحة، أما القصائد الأخرى التي يحيط بها الشك لم يكن ابن إسحاق يتمسك بصحتها، ولم يقم بالبحث في توثيقها، إذ لم يكن له علم بالشعر- على حد قوله- فهو استشهد بهذه الأشعار على قدر ظهورها له جديرة بالاستشهاد لأنها تنفع في تزيين القصة، ولأن إدخال القصائد في الأخبار النثرية كان من الأمور المتبعة في الفن المأثور القديم عن القصاص العرب" «٣٠» . ثمن أحد الباحثين نزاهة ابن إسحاق وموضوعيته في إيراد أشعار المشركين التي قيلت ضد الرسول ﵌ من دون حرج حتى وإن كان فيها مساس لشخصه الكريم «٣١» ، إذ اعتمد في هذا الرأي على مقالة ابن هشام التي استهل بها كتابه: " وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب ... أشعار ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم يعرفها وأشياء بعضها يشنع الحديث به وبعضا يسوء بعض الناس ذكره وبعضا لم يقر لنا البكائي في روايته" «٣٢» . وقام- لأجل ذلك- باحث آخر بالتفتيش عن هذه الاشعار وعقد مقارنة بين ما قاله الشعراء المسلمون في الرد على خصومهم في ز من الرسالة وما

стр. 102

تضمنت تلك الأشعار من إشارات إلى وجود قصائد تضمنت هجاء للرسول ﵌ احتمل إيرادها من قبل ابن إسحاق لها «٣٣» . هذه هي الملابسات التي رافقت الشعر الذي أورده ابن إسحاق في سيرته والذي عدّ نقطة تحول وتطور في كتابة السيرة النبوية، لأنه بعمله هذا قد أعطى للأجيال التي تلته حافزا على معرفة باقي الأشعار التي قيلت في تلك الحوادث وتنبيه هؤلاء إلى ما ورد من شعر منحول وموضوع وضعيف في هذه السيرة، مما يشكل حافزا مبكرا على ظهور الدراسات النقدية للشعر عند المسلمين. ٤. الاهتمام بإيراد الأنساب وأسماء القبائل التي ينتمي إليها الشخوص الذين يعرض لهم ولأعمالهم ودورهم في أحداث عصرهم عند حديثه عن حوادث عصر الرسالة «٣٤» ، وهذا الأمر راجع إلى طبيعة المجتمع آنذاك الذي تمثل ببروز المفاخرات بين قبائله وبين أفراد القبائل نفسها «٣٥» ، فضلا عن ذلك فإن معظم شيوخه الذين روى عنهم هم من المدينة، إذ كانت السمة الغالبة عليهم هي الشغف بإيراد مواقف قومهم (الأنصار) في الدفاع عن الإسلام، والتفاخر بما عملوه من ماثر وبطولات مع الرسول في معاركه وحياته اليومية «٣٦» .

стр. 103

لم يقتصر ابن إسحاق على إيراد أسماء المشاركين من أهل المدينة وقبائلهم بل أورد أيضا أسماء المشاركين من المشركين وحتى القتلى والأسرى منهم «٣٧» . مع كل هذا الاهتمام من قبل ابن إسحاق في إيراد أنساب المشاركين في الحوادث وأسمائهم، انتاب هذا الأمر بعض الهفوات نبهنا لها ابن هشام عند تهذيبه للسيرة بالإشارة إلى مواطن هذه الإشارات والقيام بتصحيحها «٣٨» . ٥. الشمولية باستعراض الحديث التاريخي وربطه بالأحداث التي سبقته «٣٩» ، وهذا الأمر راجع إلى عدم إيمانه باجتزاء الأحداث وأخذها كمفردة مستقلة لا علاقة لها بما سبقها من حوادث كما فعل الذين سبقوه والذين استعرضنا سابقا اسهاماتهم في تدوين وكتابة السيرة النبوية «٤٠» . أوضح الدوري السبب في إطلاق هذه الصفة على السيرة التي كتبها ابن إسحاق، لأنه قد عبر عن فكرة تأريخية لم يسبقه إليها أحد وهي كتابة تأريخ عالمي من المبتدأ والمغازي وتاريخ الخلفاء «٤١» ، ويضيف آخر حول اتصاف هذه السيرة بهذا الوصف قائلا: " إن طريقة عرض محمد بن إسحاق لمادته تعتبر أول بادرة في وضع الإسلام ومنشأه في نسق التأريخ العام فهو يرى أن ظهور الإسلام استمرار وتتمة للتأريخ المقدس اليهودي والنصراني من حيث كونه

стр. 104

ينبعث من الخلق الإلهي ومن دعوة الأنبياء السابقين لمحمد" «٤٢» ، وأتفق باحث آخر مع هذا الرأي مبينا فيه أن فهم ابن إسحاق للتأريخ بعامة والسيرة النبوية بخاصة كان أوسع من مفهوم أسلافه ومعاصريه، وذلك من حيث انه لم يقصد تقديم تأريخ للرسول حسب بل رأى أن يقدم تأريخا للنبوات أيضا ولذلك فقد صار مرجعا رئيسا لتأريخ ما قبل الإسلام وصدره «٤٣» . ٦. استعراض الخبر التأريخي بأسلوب جميل وذلك باستعمال إسناد جمعي في ذكر الحوادث، وذلك بجمعه روايات عدة لحدث واحد في نص منسق يستعرض الحادثة من بدايتها إلى نهايتها «٤٤» ، نال ابن إسحاق في عمله هذا إعجاب الباحثين إذ وصف أحدهم بأنه قد اتبع هذا الاسلوب بحرص وكفاءة واستطاع أن يقدم قصة جذابة في رواياته «٤٥» ، ويضيف آخر: " أن ابن إسحاق صاغ سيرته بأسلوب ساحر ويعرض أحداثه بتسلسل، ويجمعها بطريقة تجلب انتباه القارئ على الدوام، مع تصويره للشخصيات التي يصفها بحيث تبرز أمامنا كأننا نراها رأى العين" «٤٦» ، وينتهي أحدهم إلى وصف أسلوب ابن إسحاق هذا بالقول: " كان محايدا في عرضه لنشاط الجانب المناوئ للنبي ﵌ فلا يتخلف عن تدوين ما قيل من الشعر في هجاء الرسول الكريم، وإذا تعرض للغزوات فهو يقدم

стр. 105

خبرا عاما موحدا من الروايات ثم يعقب بعد ذلك عليها في بعض الأحيان ... " «٤٧» . من هذا كله نرى أن سيرة ابن إسحاق قد مثلت بوتقة انصهرت فيها كل النتاجات السابقة في كتابة وتدوين حوادث السيرة والتأريخ، لأن هذا الجهد المتكامل لا يأتي من فراغ بل هو نتاج حقبة تطورية في كتابة السيرة امتدت قرنا ونصف القرن من الزمان على وجه التقريب، حتى كانت هذه السيرة المعين لكل من يريد الكتابة والاطلاع على سيرة الرسول محمد ﵌. ٢. السيرة النبوية لعبد الملك بن هشام المعافري (ت ٢١٣ هـ) : هو عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافري الذهلي، نشأ في البصرة ثم نزل في مصر ومات بها وصف هذا الرجل بأنه كان أديبا اخباريا نسابة وإماما في اللغة والنحو والعربية «٤٨» . أسهم هذا الرجل اسهاما بارزا في تنقيح وتهذيب السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق، إذ وضح هذا الأمر بديباجته التي افتتح بها تهذيبه هذا والتي مفادها: " هذا كتاب سيرة رسول الله ﵌ ... وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم ... إلى رسول الله ﵌ وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة من الاختصار إلى حديث سيرة رسول الله ﵌، وتارك

стр. 106

بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس في رسول الله ﵌ فيه ذكر ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرا له ولا شاهدا عليه، [لما] ذكرت من الاختصار، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها وأشياء بعضها يشنع الحديث به وبعض يسوء بعض الناس ذكره وبعضا مما لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص إن شاء تعالى ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به" «٤٩» . كانت هنالك دوافع وحوافز عدة غير التي ذكرها في مقدمته آنفة الذكر، ساعدت على قيام ابن هشام بتهذيب سيرة ابن إسحاق، إذ كانت هذه الحوافز متمثلة بوجود آليات امتلكها ابن هشام ساعدت على شروعه في هذا الأمر، إذ أشارت المصادر التي ترجمت له أنه كان من المشار إليهم بالبنان في التبحر بعلوم العربية والنحو واللغة، وعلما من أعلامها «٥٠» . شكلت هذه الأمور مجتمعة نقطة تحول بارزة في كتابة السيرة النبوية واسهاما جادا في تطورها، حتى عدّت السيرة التي كتبها ابن هشام أحد المختصرات الأربعة التي فضلت على أصولها في التراث الإسلامي «٥١» ، حتى وصفها ابن حجة الحموي (ت ٧٦٧ هـ) بالقول: " فان السيرة النبوية المنتظمة بتأليف إمام الحفاظ أبي محمد عبد الملك بن هشام حكم بصحتها وقبلت الشهادة

стр. 107

[بها] وعقدت الحناجر وأزال [ت] الإبهام" «٥٢» ، وهذا الأمر راجع إلى المنهج الذي اتبعه ابن هشام في تهذيبه لسيرة ابن إسحاق، والذي أكسب كتابة السيرة تطورا ملحوظا، إذ تمثل هذا التطور بعدة أمور هي: ١. حذف الأخبار التي يشنع ذكرها وسماعها أو الأحداث التي لا علاقة لها بالسيرة من قريب أو بعيد أو التي فيها حشو وتطويل، وهذا ما لمسناه في مقدمته التي افتتح بها تهذيبه هذا «٥٣» . كان هذا النهج في كتابة السيرة مستحسنا ومستهجنا في آن واحد، ذلك أنه أستحسن عندما هذب السيرة من الأخبار التي لا علاقة لها بها، واستهجن لأنه قد أثار الشبهات والشكوك حول صحة المعلومات التي وردت فيها والأخبار التي حذفها، إذ وصف الصفدي (ت ٧٢٨ هـ) سيرة ابن إسحاق بأنها قد رواها عنه جماعة منهم من زاد ومنهم من نقص «٥٤» ، فكان ابن هشام كما ذكر هو نفسه ممن نقص وزاد، وأعطى اليافعي (ت ٧٦٨ هـ) عذرا لتصرف ابن هشام هذا بأنه قد هذب السيرة ولخصها لكونه أديبا ونسابة «٥٥» ، هذا من جانب العلماء الأوائل، أما بالنسبة الى الباحثين المحدثين فقد تباينت وجهات نظرهم في منحى ابن هشام هذا إذ يقول أحدهم: " لكن مما يأسف عليه لجوء ابن

стр. 108

هشام إلى حذف الكثير من مادة ابن إسحاق التي عدها غير ضرورية ثم صيرورته إلى تعديل بعض الأخبار أو تغذية ألفاظها بحسب ما فهمها ليكسبها قبولا ووضوحا حين رأى أنها تفتقر إليهما، ولا شك في أن تعديلاته وشروحه هذه تأثرت ببيئته الثقافية وطبيعة عصره الذي عاش فيه ... حتى كانت اهتمامات ابن هشام اللغوية قد أثرت تأثيرا كبيرا في طريقته باختيار الأخبار وفي إيرادها، وقد ذهبت بعض اهتمامات ابن إسحاق التأريخية والأخبارية ضحية دقة ابن هشام اللغوية ... ومن ثم فان لهذا النوع من الحذف ولا شك أسبابا سياسية وأخرى تتصل بالصورة التأريخية لعصر ابن هشام عن النبي وصحابته" «٥٦» ، وينتهي آخر إلى ووصف باحث آخر السيرة التي هذبها ابن هشام بأنها لا يطمئن لها من حيث شموليتها لكل الأمور الجوهرية التي ذكرها ابن إسحاق «٥٧» ، وينتهي آخر إلى وصف هذه السيرة بأنها سيرة محرفة ومبسترة ومعدلة «٥٨» . مع كل ما قيل فان هوروفتس لم يكن بحدة هؤلاء إذ وصف تجربة ابن هشام هذه بأنها جهد موفق حفظ لنا جانبا كبيرا من كتاب ابن إسحاق الذي لولا جهد ابن هشام هذا لعددنا كتاب ابن إسحاق في عداد الكتب الضائعة «٥٩» . ٢. الاهتمام بالشعر الذي ورد في سيرة ابن إسحاق، إذ تمثل هذا الاهتمام بمحاور عدة: أ- حذف الكثير من الأشعار التي أوردها ابن إسحاق وشمل هذا الحذف:

стр. 109

أولا: حذف الأشعار المنحولة، إذ تمثل هذا الحذف بعبارته التي افتتح بها كتابه والتي مفادها: " وتارك ذكر ... أشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها" «٦٠» ، إذ نلمس من هذا الكلام وجود قناعة خاصة في معرفة الأشعار المنحولة التي أثبتها ابن إسحاق في سيرته. تمثلت هذه الفكرة التي نهجها ابن هشام في مواطن عديدة من السيرة التي كتبها للرسول ﵌ «٦١» ، فمن هذه المواطن تعليقه على الشعر الذي أورده ابن إسحاق والذي تضمن ما قاله عبد المطلب جد الرسول ﵌ في حادثة ذبح ولده عبد الله: " وبين أضغاث هذا الحديث رجز لم يصح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر" «٦٢» . علل أحد الباحثين منحى ابن هشام هذا بالقول: " وعموما فان ترك ابن هشام للأشعار المنحولة التي أوردها ابن إسحاق في سيرته والتي لم تصح لديه، لعدم معرفة أحد من أهل العلم بالشعر بها أو لإنكار ثقات لها واقتناعهم بعدم صحتها، هو عمل توثيقي عظيم خلص شعر السيرة من أخطر سوءة كانت تشوه حقيقته، وأعاد إلينا الكثير من الثقة والاطمئنان إلى أصالته" «٦٣» ، ولكن هذا الرأي فيه من المبالغة والتسرع في طرح وجهات النظر الشيء الكثير إذ إن حذف ابن هشام لهذا الشعر الذي خلص السيرة بحسب رأيه من التشويه قد أفقدنا من الناحية التأريخية والعلمية بعض الإشارات والأساليب التي استعملت

стр. 110

في هذا الشعر المنحول إن صح رأيه فيها لأننا لم نحصل على تلك الأشعار حتى نتبين مدى مصداقية ابن هشام في حذفه لها بوصفها أشعارا منحولة، إذ كان الأجدر به إيراد تلك الأشعار مع تبيان رأيه فيها وترك الحكم عليها من قبل قرائها ليتبينوا صحة ما قاله ابن هشام فيها. ثانيا: حذف الأشعار الرديئة، وشملت هذه الأشعار ما لم يتكامل وزنه، والتي في وزنها الشعري ركاكة، والتي اختلفت قوافي أبياتها، إذ نراه قد طبق هذا المنحى في أماكن عديدة، اذ حذف بعض الأبيات من قصيدة قالها أحد الشعراء يرد فيها على قصيدة حسان بن ثابت شاعر الرسول ﵌، لاختلاف قوافي هذه الأبيات، وهذا ما جسدته مقالته التي مفادها: " لقيت منها أبياتا تركناها لقبح اختلاف قوافيها" «٦٤» ، وحذف أيضا أبياتا شعرية لأحد المشركين التي رثى بها أبناءه الذين قتلوا في معركة بدر معللا سبب هذا الحذف بالقول: " هذا أفواء وهي مشهورة في أشعارهم وهي عندنا إعفاء، وقد أسقطنا من رواية ابن إسحاق ما هو أشهر من هذا" «٦٥» . من هذا نلاحظ أن ابن هشام قد أشار في بعض الأحيان إلى ما يحذفه من أبيات وقصائد ولكنه من قوله آنف الذكر يبن لنا أنه تارة يذكر سبب حذفه لهذه الأبيات وتارة يترك سبب حذفها من دون إشارة، مما يدل على أن الشعر الذي خفي عنا كان أعظم مما هو مثبت، أما ظاهرة الاقواء التي ذكرها آنفا فقد أوضح معناها أحد الباحثين بالقول: " وظاهرة الاقواء في القصيدة هي اختلاف
следующие страницы →