← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قَانون التَّأويْل للإمَام القَاضِي أبي بَكر محمَّد بن عَبْد اللهِ بن العَرَبي المعَافِري الإشبيلي (المتوفى سنة ٥٤٣) دراسة وتحقيق محمّد السّليماني دار القبلة للثقافة الإسلاميَّة جَدّة مؤسَسَة عُلوم القرآن بيروت

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].

стр. 3

قانون التأويل

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م دار القبلة للثقافة الإسلامية المملكة العربية السعودية - جَدّة - ص ب: ١٠٩٣٣ - ت: ٦٧١٠٠٠٠ - تلكس: ٢١٤٤٣ مؤسَسَة عُلوم القُرآن سورَيا - دمَشق - شَارع مسلم البَارُودي - بناء خولي وصَلَاحي - ص ب ٤٦٢٠ - ت ٢٢٥٨٧٧ - بَيروت - ص ب ٥٢٨١/ ١٣

стр. 5

الإهدَاء إلى والدي الكريم فضيلة الشيخ الحسين السليماني أهدي هذه الثمرة. ابنكم محمد

стр. 6

مقدّمة فضيلة الأستاذ الدكتور سليمان دنيا الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين، أحمده على عظيم نعمائه، وجميل بلائه، وأستكفيه نوائب الزمان ونوازل الحدثان، وأرغب إليه في التوفيق والعصمة، وأبرأ إليه من الحول والقوة، واخلص القول بأن لا إله إلاَّ الله شهادة الموحد المستبصر، غير المتوقف المتحير، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده الأمين على وحيه، ورسوله الصادع بأمره ونهيه، المؤيد بِجَوَامِع الكَلِم، المبين للناس ما نزل إليهم بلسان عربي مبين، فيه واضح يعرفه السامعون، وغامض لا يعقله إلا العالمون، وصل اللهم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله المتبعين لسنته، وأصحابه المبينين لشريعته، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن هذا الكتاب القيم باكورة عمل جليل يقوم به ابني وتلميذي الأستاذ محمد السليماني، لِإحياء تراث أكبر فقيه ومتكلم عرفته الأندلس، ومن المعلوم أن كنوز التراث الِإسلامي قد طمرتها حوادث الدهر وصروف الأيام وعوادي الزمن، فهي اليوم من مودعات خزائن الكتب العامة والخاصة في الشرق والغرب، وأصبحت في جملة الدفائن، اللهم إلا كتباً يسيرة حققت تحقيقاً علمياً جيداً، هي جلّ ما أخرج إلينا من رشح ذلك المعين المتدفق، وما أقلَّه ثَمَداً لا يقطع غُلَّة صادٍ، ولا يعيد بِلَّة منطِق.

стр. 7

وإننا اليوم بحاجة ماسّة إلى إحياء ما درس من معالم ثقافتنا، وتبيان ما طمس من آثارها. والكشف عن منابع الحق فيها، نستخرج منها ذكريات العزة، وصفحات المجد، وآيات الفخار. وقد كان لتلميذي محمد -وهو الخبير بنوادر الكتب والمخطوطات- في تَخَيُّر هذا الكتاب الذي أقدم على نشره وتحقيقه، منهج معين وقصد مرسوم، ولم يكن اختياراً جاء عفو الخاطر أو ولّدته اللّمحة الخاطفة. وإنما كان اختياراً أنتجته الأناة والتروي، وأملته مصلحة الأمة، وفرضته اعتبارات الصحوة الِإسلامية المباركة. وقد قدم لنا الأستاذ محمد بمقدمة لقانون التأويل فيها من صدق العرض واستواء القصد وبلوغ الهدف ما يكشف عن حقيقة الكتاب وضرورته للمكتبة الِإسلامية، وأشهد لهذه المقدمة بأنها استقصت من أخبار ابن العربي كثيراً، وتلك يد لمحمد على التراث الِإسلامي، وهي أخرى على التاريخ، ولو قد يسّر الله لكل عالم من علماء أمتنا الِإسلامية باحثاً ذا جلد وصبر ومعرفة وأمانة في الاطلاع ودقة في التحري كما يسر الله لابن العربي، لما أضلت الأمة الإِسلامية مسجد علمائها ومفكريها، فجزاه الله عن العلم كل خير. وكتاب "قانون التأويل" هو للقاضي أبي بكر بن العربي، ويعد هذا الإِمام في طليعة العلماء الذين أخذوا من كل فن بسهم وافر، ولم يقف بنفسه عند حد المعرفة والتعليم، بل اقتحم ميدان التأليف الموفّق، فكان من نخبة الكتّاب المجيدين، بل من أغزرهم مادة، وأطولهم باعاً، وأمضاهم سليقة، وأحضرهم بياناً، متبحر في الفقه وأصوله، بصير بعلم الكلام، خبير بمشكلاته، متصرف في دقائقه. وقد كَبُرَ ابن العربي في عيني، ووقع في نفسي موقعاً جليلاً، منذ أن قرأت كتابه النفيس "العواصم من القواصم" الذي رد فيه على الفلاسفة وغلاة الصوفية والجهلة من المؤرخين، فكان لكتابه هذا المزية الظاهرة والغرة

стр. 8

الواضحة في الفكر الإِسلامي، ولو كان لي من الأمر شيء لأمرت أن يطبع هذا الكتاب ويوزع مجاناً ليكون في يد كل مسلم يحب الله ورسوله. ومن حِكَمِ الله أن وهب لسلفنا ﵃ بعامة وابن العربي بخاصة قدرة نفسية عجيبة يجعلون بها العلم خفيفاً محمله، لا يعيا به معانيه ومزاوله، بل يتنقل بين فنونه في شوق ولهفة لا نجدها حين نزاول تصانيفنا الحديثة، وكتاب "قانون التأويل" من جملة هذه الكتابات اللطيفة التي تمتاز بالعلم الغزير، والبيان الأصيل، الذي يشوق القلوب، ويستولي على الأفئدة، ويملأ النفوس بالِإعجاب. فقد لجأ هذا الِإمام العظيم إلى إقامة ميزان عدل صحيح كما عرفه من دينه الحنيف، خدمة للعلم وطلابه، يتحصنون به -إذا ما حصلوه على وجهه- عن الخطأ في الفهم، كلما خاضوا في تفسير النصوص الشرعية، أو تعاطوا تأويلها. ولا شك أن طالب العلم إذا أغفل مثل هذه الموازين الحقة، والقوانين المضبوطة، لم يكد يسلم من هجنة التقصير وسوء التأويل. وهذا الكتاب قد يعتقد القارئ الكريم في أول الأمر وبادىء الظن أنه يكفي ويغني. حتى إذا نظر فيه الناظر، وجد الأمر على خلاف ما حسبه، والحق أن هذا الكتاب عبارة عن قوانين منهجية تفتح للقارىء الطريق ليسلكه، وتضع له القاعدة ليبني عليها، وتستحثه لإعمال النظر، والمبالغة في الفحص، والِإغراق في البحث، والِإمعان في التنقيب، وحقيق بمن يقرأ "قانون التأويل" أن يعود إلى كتب ابن العربي بعامة فيستنبئها التفصيل والشرح. وفي الختام أقول: طلب مني ابني محمد أن أكتب له هذه الكلمة، وقد تضاءلت القوة، أو زالت، وحل محلّها الضعف والعجز، وتلاشى الأمل، وحل محلّه الشعور بدنو الأجل وقرب الرحيل. والله يشهد -ولا أظن مؤمناً يُشْهِدُ الله على أمر هو كاذب فيه- أنني أترقب الموت في كل لحظة، وأرجو لقاءه في كل حين،

стр. 9

لأدفن بجوار نبيه سيدنا وشفيعنا محمد ﵌. إنني إن نظرت إلى ما مضى من عمري، وجدتُني قد غرقت في خضم الحياة، ولم أتنبه لِإدراك حقيقة المصير الذي أنا صائر إليه، فلم أعد نفسي له، ولم آخذ له أهبته. وإن نظرت إلى حاضري، وجدتُني أعجز من أن أنهض بعبء الحاضر، فضلاً عن أن أتدارك معه تقصير الماضي. اللهم إني أضرع إليك ضراعة من برىء إليك من كل حول وقوة، وأستهديك في زمان قد ضاعت فيه معالم الهدى، وعمي على الناس طريقهم في غمرة الضلالة. اللهم ثبت قدمي حيث تزلُّ الأقدام، وأنر بصيرتي حيث تعمى البصائر. اللهم أنت ربي وأنا عبدك، لا أستشفع إليك إلا بك، ولا أخاف أحداً غيرك، ولا أرضى ربّاً سواك، فاغفر لي. اللهم تقبل عملي، واغفر زلتي، غير خال من عفوك، ولا محروم من إكرامك. إلهي: لقد دنا الأجل، وحقك إني ما أخاف لقاءك، بل أكاد أتعجله شوقاً إليك. اللهم شكراً شكراً: لقد كشفت لي عن حقيقة الدنيا، فرأيتها مشغلة الغافل، وسلوة الجاهل: الغافل عن مصيره، الجاهل بحقيقة نفسه، فاللهم زدني بها تبصرة، وعنها انصرافاً. أنت أنت الله. هذا الكون العظيم، الذي عَلِمْنَا منه ما علمنا، وجهلنا منه ما جهلنا، صنعك، عرفناك به، فكيف يا إلهي يعرف هذا الكون من يجهلك؟ إنه يكاد ينطق بأن له إلهاً خلقه، ويصيح بالجاحدين والمنكرين أن تدبروا واعتبروا، فإن البعرة تدلّ على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير،

стр. 10

فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، حَوَتَا من المخلوقات ما يدهش العقول ويحير الألباب، ألا تدل على اللطيف الخبير؟. سبحانك، سبحانك، أنت الحق وكل ما عداك باطل، أنت الباقي وكل ما عداك زائل، أنت القوي المتين بيدك الأمر كله، اللهم لا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله من الصفح والإِحسان. اللهم إني أبرأ إليك من كل حول وقوة، وأستعينك وأستهديك، وأعوذ برضاك من غضبك، فاغفر لي وارحمني وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. اللهم إني قد رضيت بك رباً، وبسيدنا محمد ﷺ نبياً ورسولاً، وبكتابك هادياً وإماماً، وبسنة رسولك إيضاحاً وتبياناً. اللهم إني قد رضيت بذلك كلّ الرضى، ما أحسب أن الدنيا كلها تعدله. اللهم اجعلنا وذريتنا وجميع المؤمنين بك وبرسولك موضع رضاك وعطفك وإحسانك وفضلك. إنك أكرم مسؤول، وخير مأمول، وصلّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. مكة المكرمة في ١٤ رمضان ١٤٠٥ هـ سليمان دنيا اللائذ بكنف القوي الذي لا يقهر

стр. 11

مقدمة فضيلة الشيخ العلامة سيد سابق الغاية من خلق الناس هي عبادة الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ولن تتم هذه العبادة إلا بالعلم الذي تستنير به السبل وتتضح معالم الحق. وأرقى أنواع العلوم وأزكاها العلم بالكتاب والسنة، ولا يضل من تمسك بهما، يستوي في ذلك نص واضح الدلالة، أو اجتهاد في نص صادر عن أهل الاجتهاد. وعماد المجتهدين قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وأولوا الأمر هنا هم العلماء الذين بذلوا غاية جهدهم، فدرسوا وفهموا وحفظوا وقارنوا ورجحوا، وميزوا الصحيح من الضعيف وعرفوا كيف تستنبط الأحكام من مصادرها، حتى صاروا بجهودهم يأخذون ما شاؤوا لما شاؤوا من أحكام، وهدفهم الوصول إلى الحق. وقد أكد الِإمام البخاري في صحيحه أن المراد بالطائفة الظاهرة على الحق هم أهل العلم ... ، وهم المنتصرون على من خالفهم وأهل العلم أقوياء بعلمهم وعملهم، ويراد بهم هنا المفسرون والمحدثون والفقهاء والخبراء بشؤون الحرب، من المسلمين، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. والِإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي، أحد هؤلاء العلماء، وهو

стр. 12

من القمم الشامخة، وبصماته واضحة في علوم الدين والدنيا، فقد صنف في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ، كان أبوه من علماء الوزراء، تخرج بالِإمام الغزالي، وانتفع به كثيراً، وكان يعرف قدره، فهو الذي أطلق عليه عالم العلماء، كما أشار إلى ذلك في كتابه (قانون التأويل). ويكفي ابن العربي فخراً أنه أستاذ القاضي عياض، وأبو بكر بن خير. والقاضي عياض شيخ الإِسلام، حامل لواء العلوم الشرعية بيقظة وفهم، أبدع في كتابه (الشِّفَا في التعريف بحقوق المصطفى) إبداعاً فاق كل حدّ، وكتابه (مشارق الأنوار) الذي يقول عنه مؤلف (شجرة النور الزكية) "لو كتب بالذهب، ووزن بالجواهر لكان قليلاً". أما أبو بكر محمد بن خير: فهو العلامة المحدَّث التقيّ الثقة المأمون، قال ابن العماد في شذرات الذهب عندما ترجم لابن العربي: "رحل إلى الشام وبغداد والحجاز ثم عاد إلى بغداد، ثم ذهب إلى مصر والإسكندرية، ثم عاد إلى الأندلس بعلم كثير". وأضاف: "وابن العربي مفرط في الذكاء، عالم ناقد متبحر، قادر على نشر سائر علومه، مع الأدب وحسن المعاشرة، ولين الجانب". وقال السيوطي في طبقات الحفاظ: "برع في الأدب، وكان ثاقب الذهن، كريم الشمائل، كما كان شديداً في الحق، ينتصر للمظلوم، وقد بلغ رتبة الاجتهاد". أجل: والواصلون درجة الاجتهاد قِلَّة، وأقل منهم من أعد نفسه بحيث لو كان وحده لاستغنى به الناس عن غيره. وابن العربي واحد من هؤلاء الكبار، تبحّر في المذهب المالكي حتى صار فيه علماً، وبه تبحر في سائر العلوم، فوعى الأصول، وأحكم الفروع وحفظ قضايا الصحابة والتابعين، مع دقة النظر في تخريج المسائل.

стр. 13

وقد اجتهد في نشر المذهب، وقرّبه إلى الناس تخريجاً واستدلالاً واستنباطاً. وكأنَّي به قد وضع نصب عينيه جواب الِإمام أحمد ﵀ حيث سئل يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي؟ قال: لا. ولما قيل له خمسمائة ألف حديث؟ قال: أرجو. أدرك ابن العربي في حياته المبكرة أن العلم أساس الدين، وأن الدين يؤسس علي العقيدة والفقه، وعاش لذلك يفتي، وينشر علمه بين الناس أربعين عاماً. وقد دفعه إلى ذلك، ما يتميز به من ذكاء القلب، وصدق الرأي والتمكن من الجواب، والثقة بالنفس، وكثرة الفضل. من بديع ما قال: ما من رجل يطلب الحديث، إلا كان على وجهه نضرة، لقول النبي ﷺ : "نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا" ودعاء الرسول مستجاب. من مؤلفاته: "الإِنصاف في مسائل الخلاف" عشرون جزءاً، و"عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي"، ومعنى العارضة: القدرة على الكلام، والأحوذي: الجاد في الأمور المنتصر، الذي لا يفوته مطلب، وهكذا كان ابن العربي، وله كتاب "العواصم من القواصم" الذي سد فراغاً كبيراً في المكتبة الِإسلامية، ومن أهم ما أنتج كتابه "أحكام القرآن"، والِإمام القرطبي نفسه مع إمامته يرجع إليه ويعتمد عليه، ولو لم يكن لابن العربي من جهد ومن ثمار إلاَّ تأليف كتاب تفسير القرآن الذي بلغ ثمانين مجلداً لكفاه فخراً، ولكن للأسف لم يُعْثَر له على أثر. ومن أهم مؤلفاته "قانون التأويل" وهو يتناول القواعد المنهجية لطلاب العلوم الشرعية، وكان هذا الكتاب دفيناً في خزائن المخطوطات حتى قيض

стр. 14

الله له ابننا الأستاذ الشيخ محمد السليماني فبعث الله هذا الكتاب على يديه، فتقدم به إلى جامعة أم القرى فحققه، وعلّق عليه وأضاف إليه إضافات، تظهر غامضه، وتجلِّي دقائقه، وخرج أحاديثه وقارن بين الروايات، فجاء الكتاب درّة فريدة، فجزاه الله عن دينه خير الجزاء، ونفع به الإِسلام والمسلمين. سيد سابق مكة المكرمة: ٢٨/ ٨/ ١٤٠٥ هـ. انظر: ١ - تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٩٤. ٢ - فتح الباري ١٣/ ٢٩٣. ٣ - طبقات الحفاظ ٤٦٨. ٤ - شذرات الذهب ٤/ ١٤١. ٥ - الأعلام ١/ ٢٣٠. ٦ - شجرة النور الذكية ١٣٦، ١٤٠، ١٥٢.

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق الحمد لله المقدسة أسماؤه، السابغة آلاؤه، الواسعة رحمته، المنجِّية مغفرته. وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي الأمِّيِّ الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، وترك في الناس ما لو تمسكوا به لم يضلوا بعده: كتاب الله، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأُخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلاَّ الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا، وما يَذَّكَّرُ إلاَّ أولو الألباب. أما بعد: يعتبر أبو بكر بن العربي من أعلام العلماء الذين تعددت مواهبهم، وتنوعت شخصيتهم، على نسق يكاد يكون متّسقاً. فهو الفقيه البصير الذي جانب التقليد والتزمّت والعكوف على ترديد كلمات بأعيانها. وهو المحدَّث المستنير يُعْمِلُ عقلَهُ وفكره فيما يقرأ أو يسمع، ويغوص على المعاني الدِّقَاق المُسْتَكِنَّةِ في أطواء النص الحديثيّ. وهو المفسِّر المقتدر الذي أعدّ العدّة لعمله في التفسير، من تضلُّع من لغة العرب وأشعارها وروائع نثرها الذي يمتاز بإيجاز اللفظ وثراء المعنى. وهو الأديب الذي يغوص على المعنى، ويفتنّ في التعبير عنه، واستخراج العبرة من مطاويه.

стр. 16

وهو المؤرخ الذي يقارن بين الروايات، وَيمِيزُ حقَّهَا من باطلها، ولا يكتفي بإيرادها كما هو شأن الكثيرين. وهو المثقف الواسعُ الثقافة الذي لا يَقْصرُ نَفْسَهُ على فن أو فنون معدودة، وإنما يطوف بأرجائها، ويقطِفُ من ثمارها، ما طاب له التَّطْواف والقِطاف. وهو المتكلم الذي درس عيون كتب الكلام، ونظر فيها نظراتٍ فاحصةً مستقلةً، لا يعنيها إلاَّ كشف الحق، ودحضُ الباطل الذي ران على كثيرٍ من أبحاث السابقين، واختيارُ الرأي الناضج الذي لا يتعارض مع حقائق الِإسلام. ولست أقول ذلك مسلماً له جميع آرائه ومعتقداته، فهو مجتهد مكثر، ومن شأن الِإكثار أن يكون فيه عِثَار، ولكنه العِثَارُ الذي لا يكبُّهُ في الخطأ على وجهه، بل يقوم من عثرته سليماً معافىً، غير متجانف لخطأٍ، وإنما يشدُّ أزْرَهُ ويقوي صُلْبَهُ حبُّه للحق وبغضه للزيف والباطل. وغنيٌّ عن البيان أن المكثرين من التأليف تقع في مؤلفاتهم الهنات والهنات. وقد تعلقت ببعض تلك الهنات، وكشفت عن منبع الحق، فيها بأسلوب لا يديل من جلالة صاحبها، وقديماً قيل: "العظيم من عدت سقطاته" فلا بد والحالة هذه من هنة تغتفر، ومن تقصير يحتمل. ومن عجيب الأمر أن ابن العربي هذا، لم يظفر بعناية الباحثين المحدثين، ولم يقم على نشر تراثه طائفة من ذوي الأقدار والأفهام الذين يحسنون قراءة نصوصه، ويدركون مرمى إشاراته، فكان انتفاع الناس بتراثه المطبوع انتفاعاً قاصراً، لما امتلأ به من غلط وتصحيف وتحريف ومسخ. وقد اطلعت -بفضل الله- على جلّ ما وصلنا من كتبه المخطوطة، وبعد طول تردّد وعمق تفكير، واستشارة كثير من أساتذتي العارفين الخلصاء

стр. 17

الأمناء على العلم والدين، وجدت في نفسي رغبة في تحقيق كتاب "قانون التأويل" بغية إخراجه للباحثين، والكشف عن شخصية أبي بكر بن العربي الكلامية التي ينبغي إبرازها والِإحاطة بها. كما أن ثمة عوامل كثيرة شجعتني أن أمضي قُدُماً في هذا العمل بعد أن كدت أحجم عما انتويت، خشية المزالق والعثرات التي لا أبرىء نفسي -مهما حذرت- أن أقع فيها، ومن هذه العوامل: أولاً: أن ابن العربي يعتبر من أكبر علماء العقيدة بالأندلس، والدليل على صحة هذا الحكم، أن كتبه في هذا المجال، ظلت نافقة عند العلماء على اختلاف الأجيال والأعصار إلى يوم الناس هذا. ثانياً: أنه من الأوائل الذين تكلموا في علم الكلام على الطريقة الأشعرية، فنشر تراثه الكلامي، ودراسةُ أفكاره وآرائه، بما يفيد الباحثين جديداً في معرفة التطور الفكري بالأندلس. ثالثاً: أنه أسهم إسهاماً فعالاً في نقد آراء غلاة المتصوفة والباطنية، بأسلوب علميّ سديد، دلّ به على سَعَةِ علمه، وحصافة رأيه، ودقّة نظره، وعمق فكره. إضافة إلى أن كتابه "قانون التأويل" هذا، يعتبر من الكتب النفيسة اللطيفة التي تمتاز بغزارة المادّة، وسداد المنهج، وحسن المنحى، وجزالة الأسلوب. فباستطاعة الباحث أن يدرك فوائدَهُ في يسر لا يَشُوبُهُ عسر، إذ بذل فيه مؤلفه -رحمة الله عليه- أقصى جُهْدَهُ من أجل تقريبه إلى الأفهام، فجاء -ولله الحمد- كما أراد، حَسَنَ الديباجة، مُحْكَمَ الوضع، متناسقَ التبويب، مُطَّرِدَ الفصول، لا انقطاع في سلسلة أغراضه، ولا تباين في لُحْمَةِ معانيه. وقد جعلت هذه الدراسة في مقدمة وقسمين: أما المقدمة، فقد تناولت فيها الأسباب التي حملتني على اختيار هذا الموضوع والخطة التي سرت عليها.

стр. 18

فأما القسم الأول: فيقع في خمسة فصول، تكلمت في الفصل الأول عن الحياة الفكرية في الأندلس، فبينت مراحلَ التطور الكلاميّ والفقهيّ والفلسفي، وما كانت عليه من أوضاع، وأهملت الكلام عن الناحية الاقتصادية والسياسية لعدم أهميتها في مثل دراستنا هذه. وتكلمت في الفصل الثاني عن سيرة ابن العربي، فدرست نَشْأتَهُ وبدءَ عنايته بطلب العلم، ورحلتَهُ العلميةَ ونوعيةَ دراسته، وصلاتِهِ الشخصيةَ وأثرَهَا في تكوينه الفكري، ونشاطَهُ العلمي، ومناصبَهُ في القضاء والدولة. وَعُنِيتُ في الفصل الثالث باستقصاء آثار ابنِ العربي المطبوعة والمخطوطة، وتكلمت عنها بإيجاز. واقتصرت في الفصل الرابع على ذكر أهم شيوخه الذين أثروا في تكوين شخصيته العلمية، كما صنعت معجماً لتلاميذه، ومعجماً لما رواه عن شيوخه، وختمت هذا الفصل بذكر وفاته وأولاده. وأما الفصل الخامس فكان موضوعه كتاب "قانون التأويل" نفسه، حيث درست أهم المسائل العقدية التي وردت به، لِإيماني بان مثل هذه الدراسة سوف توضح قيمة الكتاب، وتيسِّر لطلبة العلم الإِفادة منه إن شاء الله تعالى. وأما القسم الثاني فأخلصته لتحقيق نص "قانون التأويل" وصدرته بمدخل للكتاب ذكرت فيه توثيق نسبته لمؤلفه، وبواعث تأليفه، وتحليل مختصر لمضمونه، ومصادره، ووصف مجمل للنسخ الخطية المعتمدة في التحقيق. ثم المنهج الذي اتبعته في التحقيق والتعليق. هذا مجمل ما انتهيت إليه في هذه الدراسة، وأرجو أن أكون قد وفِّقت إلى ما ابتغيت، وتهديت إلى ما قصدت من إخراج هذا السفر القيم على النحو الذي يعمّ النفع به، وتلحقني به دعوة صالحة، ولا أماري أن بين هذا العمل وما ينبغي له بوناً بعيداً، ولكن هذا ما اتسع له الوقت وأعان عليه

стр. 19

الجهد، وأرجو أن تكون الطبعة القادمة -إن قدّر ذلك- أوفى وأتم، وأقرب ما ينبغي في مثل هذا الصنيع. ولا يسعني في ختام هذه الكلمة إلاَّ أن أذكر باعتزاز كبير أستاذي الجليل الدكتور سليمان دنيا -المشرف على هذا البحث والذي قوّم الكثير من أوده، وأتحفه بكلمة شائقة مؤثرة، أدرجتها في صدر هذا السفر، فشكراً له على عطفه ولطفه، وجزاه الله عني خير الجزاء. وأتوجه بالشكر الجزيل والثناء الحسن للأساتذة الأجلاء: شيخي العلامة السيد سابق الذي تفضل بالِإشراف على هذه الرسالة حتى اكتملت، بعد أن تعذّر على أستاذي الدكتور سليمان دنيا الِإشراف من أجل مرضه -شفاه الله تعالى-. والمحدث الناقد السيد أحمد صقر الذي كان يفيض علي من كنوز معلوماته، ومن نوادر كتبه ومخطوطاته، مما فتح لي آفاق البحث، وارتاد بي منازل العلم والتحقيق. وصاحبنا إسحاق إدريس سكوته كان الله له. والدكتور الشريف منصور العبدلي الذي أفادني كثيراً بملاحظاته وتوجيهاته القيمة. والدكتور الداعية الإِسلامي عبد السلام الهراس الذي أعارني نسخة "القانون" التي تقدم بها الأخ الأستاذ المصطفى بن عبد الله صغيري لنيل دبلوم الدراسات العليا بدار الحديث الحسنية بالمغرب. ومعالي الدكتور مولاي أحمد العراقي الذي يسّر لي دخول المغرب الشقيق، والاستفادة من مكاتبه الخاصة والعامة. ومعالي الدكتور محمد عبده يماني والأخ الأستاذ محمد أديب كاتبة

стр. 20

اللذان ساهما في إحياء هذا الأثر النفيس، غير ضنينين عليه بما يكفل له دقّة التحقيق وأناقة الإِخراج. وأخيراً أتقدم بأعمق الشكر وفائق الاحترام إلى أمناء مكتبات مكة المكرمة واسطنبول ومدريد والمغرب وإلى جميع الإِخوة والزملاء، وأخص منهم الأخ الكريم مولود التايهي، والله أسأل أن يجعل كلّ ما نأتيه ونقصده وننتحيه لوجهه خالصاً، وإلى رضاه مؤدياً، ولثوابه مقتضياً، وللزلفى عنده مواجباً، بمنه وفضله ورحمته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. محمد السليماني مكة المكرمة في ٢٦ رمضان ١٤٠٥ هـ.

стр. 21

الرموز م: ن: المصدر نفسه. ت: توفي أو المتوفى. ص: صفحة. ط: طبع أو طبعة.

стр. 22

القسم الأول (الدّراسَة)

стр. 23

الفصل الأول الحياة الفِكريّة في الأندَلس

стр. 24

الفصل الأول الحياة الفكرية في الأندلس ١ - مدخل: مضى النصف الأول من القرن الخامس الهجري موسوماً في تاريخ المغرب الِإسلامي بسمة التصدع والتداعي والانحراف عن جادة الطريق، إذ ضعف ملك بني عباد وأفل نجمهم، ومال عزّ ملوك الطوائف وتهاوت كواكب سعدهم، وتقوّض سرادق مجدهم، فأقروا بالذلّ، واعترفوا بالضيم وانقادوا للهوان، فلم يعد الِإيمان يحرك أفئدتهم، ولا الإِسلام يرسم منهج حياتهم، فعميت عليهم وجوه الرشد، واستبهمت معالم القصد فتهاووا في شعاب الباطل، وهاموا في أودية الضلال، وتساقطت الثغور الإِسلامية نهباً بين أيدي المغيرين من أعداء الله ورسوله، فأظلمت الأجواء، وانطمست المسالك وتلاشت الآمال ووهنت العزائم واستحكم اليأس والفتور، وأخلد الناس إلى العجز ورضوا بالحرمان، وتحت ظل هذا الجو القاتم لمحت بارقة من صحراء المغرب الأقصى، أحيت الآمال وبعثت الهمم؛ قوة فتية أربأت بنفسها عن مواطن الذل، وتجافت عن مطارح الهوان، وصانت كرامتها عن معرة الامتهان، يلين الحديد ولا تلين وتخبو النار ولا تنطفىء حرارة تلك النظرات المتقدة بين أطباق اللثام (١)، أولئك هم المرابطون الذين رفع الله

стр. 25

بهم عاثر الآمال، وأحيا بهم ميت الأماني، فانبعثوا ينشئون عاصمة المغرب الجديدة: مراكش ويمدّون رواق سلطانها على طول العدوة الِإفريقية ببلاد المغرب، ثم يرمون بحبل النجاة إلى العدوة الأندلسية في يوم الزلافة العظيم (١)، لتقوم الشوكة، وتحيا الدولة، تحت إمْرة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين (٢)، (ت: ٥٠٠). وهكذا انكشف ضباب اليأس، ونسج صبح الرجاء ظلمات القنوط، فانطلقت هذه الحركة المباركة تقوِّم المعوج، وترشد الناس إلى سواء السبيل، وتنقذ الإِسلام من الخطر الذي داهمه في بلاد الأندلس، فكانت سلطة قوية عادلة ذات إيمان راسخ، وفهم للدين واضح لا تخالطه شبهة ولا تلابسه غمة. ومن المعلوم لدى المطلع على التاريخ السياسي للمغرب الِإسلامي أن عدة من الدول التي قامت به نهضت على أساس إصلاح ديني زرع علماء الدين بذوره وتولد في أذهانهم محتواه ومنهجه، ثم سعوا في تحقيق السلطة التي تنفذه وتجعله حياة للناس، والدولة المرابطية التي عاشت فيما بين سنة: ٤٤٨ وسنة: ٥٤١ هي واحدة من الدول التي يصدق عليها ذلك القول (٣).

стр. 26

لقد كانت هذه الدولة نتيجة لتخطيط محكم قام به علماء الإِسلام المغاربة مبتدئاً بعلامة القيروان أبي عمران الفاسي (١) حين أعلن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أعماق فاس، ثم الاتصال والتأثير في الأمير يحيى بن إبراهيم الكدالي (ت: ٤٣٠) (٢). وقد كان هذا الأمير متشوقاً لنفس الأمر، فتكافت الأيدي، وبدأت الدعوة، فكانت الدولة. ومن خصائص هذه الدولة الفتية أنهم أقاموا نظاماً اقتصادياً منبثقاً من صميم التعاليم الِإسلامية، وكانت العدالة الاقتصادية من أهم الأمور التي يطلبها المسلمون، إذ أنهم لقوا في عهد بني عباد وغيره من ملوك الطوائف عنتاً شاقاً، وتحملوا منهم رهقاً شديداً، فقد أثقلت الضرائب والمكوس كاهلهم، وصودرت منهم الأموال والأملاك لتصرف في أمور الترف واللهو، وجاء المرابطون فرفعوا هذا الظلم، والتزموا بالنظام الضريبي للفقه الإِسلامي مثل الزكاة والأعشار وأخماس الغنائم (٣). وينبغي التنبيه على أن يوسف بن تاشفين قد اشْتد إيثاره لأهل الفقه

стр. 27

والدين حتى كان لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء (١) الذين أخلصوا لهذه الدولة فارتادوا لها نواحي الظفر، وتوخوا لها وجوه النجاح وبذلوا أقصى مجهودهم من أجل استقرارها، واستقصوا في سبيل ذلك الذرائع، واستنفذوا الوسائل، وركبوا كل صعب وذلول، ولا شك أن إقامة دولة إسلامية قوية على إثر إمارات ضعيفة أمر صعب، شديد المطلب، وعر الملتمس، عزيز المنال، ولكن بالإِخلاص والتفاني في حب الله ورسوله، وبالرغبة الصادقة في إعلاء كلمة الله تلين أعطاف الأمور، وتعن الرقاب، وتسهل الصعاب. ٢ - المذاهب الفقهية السنية: يبدو -والله أعلم- أن أول المذاهب الفقهية دخولاً إلى الأندلس والمغرب هو مذهب الِإمام الأوزاعي (ت: ١٥٧)، وهو ما أشار إليه الحميدي في "جذوة المقتبس" (٢) وأكده المِقَّري التلمساني بقوله: "واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام منذ أول الفتح ... " (٣) قلت: وهذا لا يمنع من وجود مذهب أبي حنيفة النعمان (ت: ١٥٠) فقد صرح بذلك الفقيه العظيم والمؤرخ الثبت القاضي عياض اليَحْصُبِيّ (ت: ٥٤٤) الذي قال: "وأما إفريقية (أي تونس) وما وراءها (أي الجزائر والمغرب والأندلس) فقد كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين إلى أن دخل علي بن زياد (ت: ١٨٣) وابن الأشرس (ت: ١٧٠) والبهلول بن راشد (ت: ١٨٣) وبعدهم أسد بن الفرات (ت: ٢١٣) وغيرهم بمذهب مالك ... " (٤) قلت: ويبدو أن الغلبة كانت في النهاية لمذهب

стр. 28

مالك، يقول القاضي عياض في هذا الصدد: "ولم يزل (المذهب المالكي) يفشو إلى أن جاء سحنون (ت: ٢٤٠) فغلب في أيامه، وفضّ حلق المخالفين، واستقر المذهب بعده في أصحابه فشاع في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا" (١). قلت: إن هذا الانفراد لمذهب مالك في الفقه جعل الناس يؤثرونه ويتشبثون به، وتكونت له في نفوسهم منزلة جعلتهم يطرحون كل المذاهب الأخرى سواه، وقد يعمدون إلى مضايقة من يعتنقها، وفي هذا يقول المقدسي: "أما في الأندلس فمذهب مالك وقراءة نافع وهم يقولون لا نعرف إلاَّ كتاب الله وموطأ مالك، فإن ظهروا على حنفيّ أو شافعيّ نفوه ... " (٢) وربما ضاق التمسك بالمذهب المالكي إلى حد الأخذ برواية من رواياته والاكتفاء بها دون غيرها، وهو ما ذكره أحمد بابا التنبكتي نقلاً عن أبي موسى بن الِإمام (ت: ٧٤٩) من أن أهل الأندلس في قرطبة شرطوا أن لا يخرج القاضي عن قول ابن القاسم (ت: ١٩١) ما وجدوه، احتياطاً ورغبة في صحة الطريق الموصل لمذهب مالك (٣). ويبدو أن التمسك بمذهب مالك بلغ درجة استحال معها في بعض الأحيان إلى نوع من التعصب الممقوت، وهو ما صوّره ابن حزم الظاهري في قوله: "قد وصل أهل الأندلس في تقليد مالك حتى يعرضوا كلامه تعالى وكلام رسوله على مذاهب إمامهم، فإن وافقاه قبلوهما وإلّا طرحوهما، وأخذوا بقول صاحبهم، مع أنه غير معصوم، ولا نعلم بعد الكفر بالله معصية أعظم من هذا" (٤).

стр. 29

قلت: صدق ابن حزم الأندلسي فإن العصمة لرسول الله ﷺ ، وقد صرح كل إمام من أئمة المذاهب بأنه "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي" (١) وقالوا أيضاً: "إذا قلت قولًا فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله فإن وافقهما فاقبلوه، وما خالفهما فردوه واضربوا بقولي عرض الحائط" (٢). ويا ليت مالكية الأندلس والمغرب الِإسلامي اقتصروا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ متمثلة في الموطأ، ولكنهم منذ أواسط القرن الثالث إلى عصر أبي بكر بن العربي بعدوا عن المعاني الشافعية المتمثلة في الكتاب والسنة، وتركوا حتى أقوال إمامهم في المدونة وعوّضوها بالمختصرات وبكتب الفروع الأخرى، مع أن المدونة مفهومة بنفسها لا تحتاج إلى شرح في غالب مواضعها. وهكذا نرى فقهاء المالكية يذهبون من الأسهل إلى الصعب، ومن المبسط إلى المعقد، ظنّاً منهم أنهم يختصرون الفقه، ويوفرون الوقت على طلاب العلم، مع أنه العكس من ذلك، فقد زادوا الفقه تعقيداً على تعقيد، وأبعدوه عن منبعه الصافي الأصيل بسبب هاته المختصرات المجحفة (٣)، وعن هذه الاختصارات يقول ابن خلدون: "وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل، ثم فيه -مع ذلك- شغل كبير عن التعلم، بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم، بتزاحم المعاني عليها، وصعوبة استخراج المسائل من بينها ... فينقطع في فهمها حظ صالح من الوقت، فقصدوا إلى

стр. 30

تسهيل الحفظ على المتعلمين، فأركبوهم صعباً يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة ... " (١). قلت: وهكذا فقد حجر الفقهاء على الناس ألاَّ يأخذوا بكتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، حسبهم أقوال الفقهاء المتقدمين، بل المتأخرين من أصحاب مذهب مالك، فنصوص المذهب قامت مقام نصوص الشارع، بما لم يبق للاجتهاد معه مجال، ولا للاستنباط عمل يعمل به. وقد تنبه إلى هاته الظاهرة، أعني الابتعاد عن مصادر التشريع: الكتاب والسنة، علماء أجلاء في مختلف العصور بالمغرب الإِسلامي أمثال القاسم بن سيار الأندلسي (ت: ٢٧٦) الذي ألف كتاباً يرد فيه على المقلدين الأندلسيين كالعتبي (ت: ٢٥٥) وغيره، سماه: "الرد على المقلدين" (٢)، وكذلك العباس القيرواني الفارسي المحدث الذي أحرق بنفسه المدونة وكتب الرأي على مرأى ومسمع من الناس في وسط القيروان أوائل القرن الثالث الهجري حتى أدّبه أسد بن الفرات (ت: ٢١٣) على صنيعه وكان يقع في ابن القاسم وأضرابه من فقهاء الفروع (٣). وكذلك الفقيه ابن الحداد (ت: ٣٣٠) الذي يقول: "إن الذي أدخل كثيراً من الناس في التقليد نقص العقول، ودناءة الهمم" (٤). أما الحافظ ابن عبد البر القرطبي (ت: ٣٦٨) فقد كان ينعي -دوماً- على أهل بلده، ما صاروا إليه من ابتعادهم عن كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، والعمل بعلم الفروع التي لَا حَدّ لها ولا نهاية، يقول ﵀: "إن طلب العلم في زماننا هذا، وفي بلدنا الأندلس، قد حاد أهله عن طريق سلفهم، وسلكوا في ذلك ما لا يعرفه أئمتهم، وابتدعوا في ذلك ما جاء به جهلهم

стр. 31

وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم، ... فلم يعتنوا بحفظ سنة، ولا الوقوف على معانيها ... ، ولا اعتنوا بكتاب الله جل وعزّ فحفظوا تنزيله، ولا عرفوا ما للعلماء في تأويله (أي تفسيره)، ولا وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه، قد اطرحوا علم السنن والآثار، وزهدوا فيها، وأضربوا عنها، بل عَوَّلُوا على حفظ ما دُوِّن لهم من الرأي والاستحسان، الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان ... وإن الفروع لا حد لها تنتهي إليه، ولذلك تشعبت، فمن رام أن يحيط بآراء الرجال، فقد رام ما لا سبيل له ... " (١). قلت: وقد أدّى ابن عبد البر -رحمة الله عليه- دوره على أحسن وجه وأكمله بردّ الناس إلى فقه الكتاب والسنة، فشرح لهم الموطأ على طريقة أهل الأثر، وكتب لهم التآليف النافعة في الفقه والتاريخ، فنفع الله بها العباد والبلاد، وتكوَّن بطريقته هذه فقهاء عظام أمثال أبي الوليد الباجي (ت: ٤٧٤) صاحب التآليف المشهورة، وابن السِّيدِ البَطَلْيَوسي (ت: ٥٢١) شارح الموطأ، وأبي بكر بن العربي الذي رجع في كتبه بالفقه إلى صفائه العلمي يفكه من قيود الجدليات والعصبيات، فسلك في خدمة المذهب المالكي مسلكاً فريداً، يضبط ما تناثر في مصادره من الأقوال، بما قاله مالك وخالفه فيه أصحابه أو ما وافقوه فيه، أو ما انفرد أصحاب مالك ومن بعدهم بتقريره من الأحكام، فدرس الأقوال الفقهية وحقق الصور التي تتعلق بها، حيث كانت صورة واحدة واختلفت فيها الأنظار، أو صور مختلفة يرجع كلّ قول إلى واحد منها، واهتم بوضع كل حكم في نصابه وذلك بضبط الأركان والشروط التي تتحقق بها ماهية كل موضوع من مواضيع الأحكام الفقهية (٢)، فكان بذلك عماداً متيناً لدور الانتعاش في المذهب المالكي يوازي عمل ابن زمنين (ت: ٣٣٩) وابن عبد البر ﵏ جميعاً وجزاهم عنا وعن الإِسلام كل خير.

стр. 32

٣ - المذاهب العقدية: الجدير بالذكر أن بلاد المغرب الإِسلامي قد وضعها الله تعالى -على الصعيد التاريخي العام- في إطار سنيّ ولله الحمد، إذا ما استثنينا الثورات الخارجية (نسبة إلى الخوارج) التي اندلعت خاصة في القرن الثاني للهجرة (١)، والحركة الاعتزالية (٢)، والدعوة الشيعية (٣)، وهذه الحركات مرتبطة بأوضاع سياسية يعسر شرحها هنا، لكن الرأي السائد عند الباحثين والمؤرخين أنها -رغم التباين الموجود بينها- لم تكن لها جذور عميقة وممتدة في المجتمع المغربي المسلم (٤). ومن الملاحظ أن الفكر بالمغرب الِإسلامي طبع بصفة عامة -نتيجة تأثره بالمالكية- بطابع الاتباع وعدم الابتداع (٥)، فهذا البهلول بن راشد مثلًا يقاطع أحد أصدقائه لأنه استمع إلى مناقشات بين معتزلة، بل كاد يقطع صلاته بتلميذه المفضل سحنون لأنه ظنّ أنه أجاب رجلاً من أهل الأهواء سأله عنه (٦)، وستبقى هذه النفسية المحافظة على أصول الدين هي المهيمنة

стр. 33

-نوعاً ما- على المجتمع المغربي تندد بكل زيغ أو انحراف مهما كان، فإذا البرزلي (ت: ٤١٨) يخبرنا عن بعض أحداث القرن السابع الهجري فيقول: "وحكى لي شيخنا الصالح أبو الحسن محمد البطرني (ت: ٧٩٣) قال: لما ورد بلادنا عبد الحق بن سبعين (ت: ٦٦٩) أخرجه الشيوخ منها، حتى أنه اجتمع به (أي بعبد الحق بن سبعين) رجل من تلامذة سيدي أبي علي السماط (توفي في أواخر القرن السابع الهجري) بمكة شرفها الله، قال: فسألني عن بلدي، فذكرت ذلك" فقال: "ما زالت سهام أصحابك تلحقني ها هنا"، فلما ورد على سيدي أبي علي أخبره بذلك، فقال له: جالسته؟ فقال: نعم، فقال: اخرج عني ولا تعرفني من هذه الساعة، وكانوا يقولون فيه وفي الغزالي أنه كافر ... " (١). قلت: فأهل المغرب الِإسلامي كان أغلبهم يدين الله على مذهب السلف (*) في الاعتقاد بظواهر النصوص، والصفات الواردة فيها من غير تأويل ولا صرف لها عن مدلولها اللغوي، مع التنزيه للخالق وذاته العلية عن أن تشبه الذوات وتتصف بصفات المخلوقين، وذلك هو المذهب الذي عَبَّرَ عنه الِإمام مالك متبوعهم في الفقه والأحكام الشرعية بقوله للذي سأله عن الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] "الاستواء معلوم والكيف مجهول ... " (٢). فهذا هو الموقف الذي كان المغاربة يلتزمونه في العقائد إبان ذاك، وهو كما علمت مذهب السلف الصالح من أئمة المسلمين، وقد وقف

стр. 34

علماؤهم موقفاً حازماً ضد الكلام وأهله، فهذا ابن عبد البر القرطبي يُرْوَى عنه أنه قال: "أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يُعدّون عند الجميع في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون في "الِإتقان والميز والفهم" وقال أيضاً: "أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكلّ متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإِسلام، ويفجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها ... وليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلاَّ ما جاء نصوصاً في كتاب الله أو صحّ عن رسول الله ﷺ أو اجتمعت عليه الأمة" (١). وهنا ربما تساءل البعض: إذا كان هذا هو مذهب أهل المغرب الِإسلامي منذ دخول الإِسلام إلى أواسط القرن السادس، فما بالنا نرى مؤلفات بعض الأندلسيين يؤولون فيها النصوص، وينزعون إلى مذهب الأشاعرة، كما هو واضح بَيِّنٌ في كتب الباجي (٢) وابن العربي (٣) وابن السيدِ البَطَلْيَوْسِيّ (٤) وغيرهم؟. فجوابنا هو كالتالي (٥): مما لا شك فيه أن أهل المغرب الإِسلامي عرفوا المذهب الأشعري

стр. 35

منذ وقت مبكر جدّاً، ولكن هذه المعرفة اقتصرت على بعض العلماء الأفراد، أما اعتناق الطريقة الأشعرية في التصور العقدي لدى جماهير الناس فلم يكن له وجود بالمرة. أما عن أسباب انتشار المذهب الأشعري عند بعض العلماء فيرجع لعدة أسباب منها ظهور الباقلاني (ت: ٤٠٣) رائداً للمذهب الأشعري، فقد كان لبروزه دور مهم في إقبال أهل المغرب الِإسلامي على تعلم الأشعرية ونقلها إلى بلدانهم، وذلك لأن الباقلاني كما كان رأس الأشعرية، كان أيضاً رأس المالكية بالمشرق، وكان هذا حافزاً للمتعلمين المغاربة كي يشدّوا الرحال لطلب فقهه، وكانوا يأخذون مع ذلك منهجه الأشعري في العقيدة، وإلى هذا أشار شيخ الإِسلام ابن تيمية حيث قال: "وأهل المغرب كانوا يحجّون فيجتمعون به (أي بالباقلاني في مكة أثناء وجوده بها) ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة (أي الأشعرية) ويدلّهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق كما رحل أبو الوليد الباجي فأخذ طريقة أبي جعفر السمناني (ت: ٤٤٤) ورحل من بعده أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي الجويني (ت: ٤٧٨) في الِإرشاد". قلت: ومن الذِينَ أخذوا عن الباقلاني (١) عبد الجليل بن أبي بكر الربعي المعروف بالديباجي وبابن الصابوني، فقد صحب الباقلاني مدة وقفل إلى الأندلس، وألّف رسالة في الاعتقادات، وبالرغم من أننا لم نقف على هذه الرسالة فأغلب الظن أنها محررة على الطريقة الأشعرية (٢). كما أن كتب الباقلاني رواها بعض علماء الأندلس منهم أحمد بن

стр. 36

محمد التميمي المعروف بابن ورد من علماء "المرية" والذي وصفه ابن الأبار بالحبر المجمع عليه، وروى هذا الأخير كتب الباقلاني عن كريمة المروزية عنه، وتوفي سنة ٥٤٠ (١)، كما أن رسالة الحرة للباقلاني (وهي المطبوعة باسم "الِإنصاف" بتحقيق الكوثري) كانت متداولة بالأندلس بين بعض العلماء (٢). أما كتب أبي بكر بن فورك (ت: ٤٠٦) فقد كان لها رواج بين علماء الأندلس فكتاب "تأويل مشكل الحديث" رواه ابن خير الِإشبيلي عن أبي جعفر النحوي (ت: ٥٤٣) (٣) كما سمع عبد الله بن محمد النفزي المعروف بابن المرسي (ت: ٥٣٨) على محمد بن المأموني نفس الكتاب السابق (٤)، ورواه كذلك عبد الرحمن بن أحمد القيسي المعروف بالجلياني (ت: ٥٥٤) (٥)، ودخل إلى الأندلس تلاميذ ابن فورك منهم عبد الرحيم بن غياث التميمي الحافظ (ت: ٤٧١) (٦). أما تأثير أبي المعالي الجويني (ت: ٤٧٨) فقد كان سابقيه، كتب تتداول بين العلماء رواية ودرساً بدون النزول بها إلى القاعدة الشعبية (٧)، فعبد الملك بن موسى بن أبي جمرة الأندلسي (ت: ٤٨٥) كانت له رواية عن أبي المعالي، وكذلك محمد بن سعيد الميورقي رحل إلى مكة ولزم إمام الحرمين الجويني وأخذ عنه مصنفاته، ورجع إلى ميورقة، وتصدر لتدريس الفقه وأصوله (٨) وله مناظرات مع ابن حزم (٩)، أما محمد بن أحمد القيسي

стр. 37

(ت: ٥٣٩) من أهل مرسية فقد كان فقيهاً حافظاً رحل إلى المشرق وأخذ عن أبي عبد الله محمد بن مسلم المخزومي المتكلم تأليفه المسمى "المهاد في شرح الإرشاد" لأبي المعالي، وقفل إلى الأندلس وتصدر للتدريس (١). ومن الجدير بالذكر أن إعجابهم بالمؤلفات الأشعرية لم يمنعهم من نقدها فيما بعد، فقد ردّ أبو الحسن على محمد بن خروف الحضرمي (ت: ٦٠٩) على الجويني في كتابه "البرهان وكتابه "الِإرشاد" (٢)، وردّ غيره كما تذكر كتب التراجم. وبالرغم من كلّ هذه الاجتهادات فإنني أؤكد بأن جلّ هذه الآراء لم تتجاوز مجموعة من العلماء تدارسوا هذه الآراء فيما بينهم، ولم يقدّر الله لهذه الأفكار أن تنتشر بين الجماهير المسلمة، بل ظلت الغلبة والسطوة للاتجاه السلفي السليم حتى عهد فقيهنا ابن العربي (ت: ٥٤٣)، وهذا ما صوّره المؤرخ المراكشي في قوله: "دان أهل ذلك الزمان (عهد المرابطين) بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد" (٣) كما صوره ابن خلدون بقوله: "كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم (أي أتباع الأشاعرة) في التأويل وأخذ رأيهم فيه، اقتداء بالسلف في ترك التأويل وإمرار المتشابهات كما جاءت" (٤). وهكذا فإن العقيدة الأشعرية لم تتمكن في المغرب الِإسلامي إلاَّ في القرن السادس، وذلك بمجيء المهدي بن تومرت (ت: ٥٢٤) الذي "طعن

стр. 38

على أهل المغرب في إمرارهم المتشابهات كما جاءت، وحملهم على القول بالتأويل، والأخذ بمذاهب الأشعرية" (١) وألّف في ذلك الرسائل البسيطة والعميقة، ويسَّر رواجها، حتى كان لها الظهور والغلبة ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله. كما لا ينبغي أن ننسى تأثير أبي الوليد الباجي (ت: ٤٧٤) في التفكير العقدي ومجادلاته العنيفة لابن حزم في الفقه والعقيدة على طريقة الأشعرية، ثم بعده فقيهنا ابن العربي الذي انتصب لتعليم العقيدة الأشعرية فأملى كتابه الشهير "العواصم من القواصم" وغيره كالمتوسط والمقسط والمشكلين، وكل هذه الكتب مكررة بطريقة جدلية عقلية بعيدة كل البعد عن منهج أهل الحديث والأثر (*). ٤ - الاتجاه الصوفي والفلسفي: بدأ الاتجاه نحو التصوف في الأندلس بما كان من الطبيعي أن تبدأ به

стр. 39

أي حياة زهدية بسيطة، وهو أمر لا يحتاج في نشأته إلى أن يكون متأثراً بعوامل خارجية (١) فقد احتفظت لنا كتب التراجم بكثير من أخبار أفراد رغبوا عن الدنيا، واتجهوا إلى رياضات ومجاهدات قائمة على الكتاب والسنة، وما أثر عن السلف الصالح، وقد كان لهؤلاء مكانة عظيمة بين الشعب الأندلسي في تاريخه المبكر، وأول ما نجده من ذلك، لدى بعض التابعين الذين دخلوا الأندلس وكان فيهم للناس قدوة صالحة، فمن أمثلة هذا ما يروى عن التابعين حنش بن عبد الله الصنعاني (توفي في بداية القرن الثاني) أنه كان إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد الصلاة من الليل، أوقد المصابيح وقرب إناء فيه ماء، فكان إذا وجد النعاس استنشق الماء، وإذا تعب في آية نظر في المصحف (٢). وكان من الطبيعي لهذا الزهد السني أن يتجه أصحابه في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الأندلس إلى الجهاد في سبيل الله ضد النصارى وفتح البلاد وتحرير العباد من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. وممن نعرفهم من هؤلاء الصالحين الأندلسيين في خلال القرن الثاني الهجري فرقد بن عبد الله السرقسطي العابد الزاهد (٣). فقد رُوِيَ عنه أنه كان يتصدق بكل ماله، وعيسى بن دينار (ت: ٢١٢) (٤) ناشر مذهب مالك بالأندلس، يروى أنه ظل أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العتمة، بما يدل على أنه كان يقضي الليل كله في العبادة، وخلف بن سعيد القرطبي (ت: ٣٠٥) (٥) كان يختم القرآن كل ليلة،

стр. 40

وسعدون بن إسماعيل (ت: ٢٩٥) (١)، من أهل رية كان عالماً بالفرائض واختلاف الناس فيها مع العلم باللغة والشعر، وكان زاهداً ورعاً بحيث لم يتزوج ولا اشتغل بشيء من الدنيا طول حياته. ولا شك أن رحلات الأندلسيين إلى المشرق كانت من أهم العوامل التى ساعدت على انتشار الأنماط السلوكية -الخاصة بأهل التصوف- في الأندلس، فأحمد بن محمد بن الرومي من أهل قرطبة رحل إلى المشرق ولقي الجنيد البغدادي وسمع منه بعض تصانيفه في الزهد (٢)، وقد تزايد وجود مثل هذه الشخصيات في الأندلس ولا سيما بعد أن اشتغل بعض الرحالين من الأندلسيين إلى المشرق بجمع سير عُبَّاده وزهَّاده، ولعل أول كتاب ألف في هذا الموضوع هو كتاب "العباد والعوابد" (٣) لمحمد بن وضاح (ت: ٢٨٧) ولا شك أن مثل هذه الكتب قد فتحت قلوب الأندلسيين وأرواحهم إلى تلمّس أخبار زهاد المشرق ومتصوفيه، يضاف إلى هذا الزيارات والرحلات التي يقوم بها المشارقة إلى الأندلس بقصد التجارة أو السياحة، فطاهر بن محمد المعروف بالمهند (ت: ٣٩٠) من أهل بغداد وصل إلى الأندلس في جمادى سنة: ٣٤٠ وكان من أهل الزهد وله رسائل عجيبة ومقالات في معاني الزهد على مذهب المتصوفة (٤). وفي هذا العصر بدأت معالم التصوف الأندلسي تتحدد شيئاً فشيئاً،
следующие страницы →