← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

محمد التميمي المعروف بابن ورد من علماء "المرية" والذي وصفه ابن الأبار بالحبر المجمع عليه، وروى هذا الأخير كتب الباقلاني عن كريمة المروزية عنه، وتوفي سنة ٥٤٠ (١)، كما أن رسالة الحرة للباقلاني (وهي المطبوعة باسم "الِإنصاف" بتحقيق الكوثري) كانت متداولة بالأندلس بين بعض العلماء (٢). أما كتب أبي بكر بن فورك (ت: ٤٠٦) فقد كان لها رواج بين علماء الأندلس فكتاب "تأويل مشكل الحديث" رواه ابن خير الِإشبيلي عن أبي جعفر النحوي (ت: ٥٤٣) (٣) كما سمع عبد الله بن محمد النفزي المعروف بابن المرسي (ت: ٥٣٨) على محمد بن المأموني نفس الكتاب السابق (٤)، ورواه كذلك عبد الرحمن بن أحمد القيسي المعروف بالجلياني (ت: ٥٥٤) (٥)، ودخل إلى الأندلس تلاميذ ابن فورك منهم عبد الرحيم بن غياث التميمي الحافظ (ت: ٤٧١) (٦). أما تأثير أبي المعالي الجويني (ت: ٤٧٨) فقد كان سابقيه، كتب تتداول بين العلماء رواية ودرساً بدون النزول بها إلى القاعدة الشعبية (٧)، فعبد الملك بن موسى بن أبي جمرة الأندلسي (ت: ٤٨٥) كانت له رواية عن أبي المعالي، وكذلك محمد بن سعيد الميورقي رحل إلى مكة ولزم إمام الحرمين الجويني وأخذ عنه مصنفاته، ورجع إلى ميورقة، وتصدر لتدريس الفقه وأصوله (٨) وله مناظرات مع ابن حزم (٩)، أما محمد بن أحمد القيسي

стр. 37

(ت: ٥٣٩) من أهل مرسية فقد كان فقيهاً حافظاً رحل إلى المشرق وأخذ عن أبي عبد الله محمد بن مسلم المخزومي المتكلم تأليفه المسمى "المهاد في شرح الإرشاد" لأبي المعالي، وقفل إلى الأندلس وتصدر للتدريس (١). ومن الجدير بالذكر أن إعجابهم بالمؤلفات الأشعرية لم يمنعهم من نقدها فيما بعد، فقد ردّ أبو الحسن على محمد بن خروف الحضرمي (ت: ٦٠٩) على الجويني في كتابه "البرهان وكتابه "الِإرشاد" (٢)، وردّ غيره كما تذكر كتب التراجم. وبالرغم من كلّ هذه الاجتهادات فإنني أؤكد بأن جلّ هذه الآراء لم تتجاوز مجموعة من العلماء تدارسوا هذه الآراء فيما بينهم، ولم يقدّر الله لهذه الأفكار أن تنتشر بين الجماهير المسلمة، بل ظلت الغلبة والسطوة للاتجاه السلفي السليم حتى عهد فقيهنا ابن العربي (ت: ٥٤٣)، وهذا ما صوّره المؤرخ المراكشي في قوله: "دان أهل ذلك الزمان (عهد المرابطين) بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد" (٣) كما صوره ابن خلدون بقوله: "كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم (أي أتباع الأشاعرة) في التأويل وأخذ رأيهم فيه، اقتداء بالسلف في ترك التأويل وإمرار المتشابهات كما جاءت" (٤). وهكذا فإن العقيدة الأشعرية لم تتمكن في المغرب الِإسلامي إلاَّ في القرن السادس، وذلك بمجيء المهدي بن تومرت (ت: ٥٢٤) الذي "طعن

стр. 38

على أهل المغرب في إمرارهم المتشابهات كما جاءت، وحملهم على القول بالتأويل، والأخذ بمذاهب الأشعرية" (١) وألّف في ذلك الرسائل البسيطة والعميقة، ويسَّر رواجها، حتى كان لها الظهور والغلبة ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله. كما لا ينبغي أن ننسى تأثير أبي الوليد الباجي (ت: ٤٧٤) في التفكير العقدي ومجادلاته العنيفة لابن حزم في الفقه والعقيدة على طريقة الأشعرية، ثم بعده فقيهنا ابن العربي الذي انتصب لتعليم العقيدة الأشعرية فأملى كتابه الشهير "العواصم من القواصم" وغيره كالمتوسط والمقسط والمشكلين، وكل هذه الكتب مكررة بطريقة جدلية عقلية بعيدة كل البعد عن منهج أهل الحديث والأثر (*). ٤ - الاتجاه الصوفي والفلسفي: بدأ الاتجاه نحو التصوف في الأندلس بما كان من الطبيعي أن تبدأ به

стр. 39

أي حياة زهدية بسيطة، وهو أمر لا يحتاج في نشأته إلى أن يكون متأثراً بعوامل خارجية (١) فقد احتفظت لنا كتب التراجم بكثير من أخبار أفراد رغبوا عن الدنيا، واتجهوا إلى رياضات ومجاهدات قائمة على الكتاب والسنة، وما أثر عن السلف الصالح، وقد كان لهؤلاء مكانة عظيمة بين الشعب الأندلسي في تاريخه المبكر، وأول ما نجده من ذلك، لدى بعض التابعين الذين دخلوا الأندلس وكان فيهم للناس قدوة صالحة، فمن أمثلة هذا ما يروى عن التابعين حنش بن عبد الله الصنعاني (توفي في بداية القرن الثاني) أنه كان إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد الصلاة من الليل، أوقد المصابيح وقرب إناء فيه ماء، فكان إذا وجد النعاس استنشق الماء، وإذا تعب في آية نظر في المصحف (٢). وكان من الطبيعي لهذا الزهد السني أن يتجه أصحابه في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الأندلس إلى الجهاد في سبيل الله ضد النصارى وفتح البلاد وتحرير العباد من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. وممن نعرفهم من هؤلاء الصالحين الأندلسيين في خلال القرن الثاني الهجري فرقد بن عبد الله السرقسطي العابد الزاهد (٣). فقد رُوِيَ عنه أنه كان يتصدق بكل ماله، وعيسى بن دينار (ت: ٢١٢) (٤) ناشر مذهب مالك بالأندلس، يروى أنه ظل أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العتمة، بما يدل على أنه كان يقضي الليل كله في العبادة، وخلف بن سعيد القرطبي (ت: ٣٠٥) (٥) كان يختم القرآن كل ليلة،

стр. 40

وسعدون بن إسماعيل (ت: ٢٩٥) (١)، من أهل رية كان عالماً بالفرائض واختلاف الناس فيها مع العلم باللغة والشعر، وكان زاهداً ورعاً بحيث لم يتزوج ولا اشتغل بشيء من الدنيا طول حياته. ولا شك أن رحلات الأندلسيين إلى المشرق كانت من أهم العوامل التى ساعدت على انتشار الأنماط السلوكية -الخاصة بأهل التصوف- في الأندلس، فأحمد بن محمد بن الرومي من أهل قرطبة رحل إلى المشرق ولقي الجنيد البغدادي وسمع منه بعض تصانيفه في الزهد (٢)، وقد تزايد وجود مثل هذه الشخصيات في الأندلس ولا سيما بعد أن اشتغل بعض الرحالين من الأندلسيين إلى المشرق بجمع سير عُبَّاده وزهَّاده، ولعل أول كتاب ألف في هذا الموضوع هو كتاب "العباد والعوابد" (٣) لمحمد بن وضاح (ت: ٢٨٧) ولا شك أن مثل هذه الكتب قد فتحت قلوب الأندلسيين وأرواحهم إلى تلمّس أخبار زهاد المشرق ومتصوفيه، يضاف إلى هذا الزيارات والرحلات التي يقوم بها المشارقة إلى الأندلس بقصد التجارة أو السياحة، فطاهر بن محمد المعروف بالمهند (ت: ٣٩٠) من أهل بغداد وصل إلى الأندلس في جمادى سنة: ٣٤٠ وكان من أهل الزهد وله رسائل عجيبة ومقالات في معاني الزهد على مذهب المتصوفة (٤). وفي هذا العصر بدأت معالم التصوف الأندلسي تتحدد شيئاً فشيئاً،

стр. 41

فنحن نرى الشعب يتجه بكثير من الإِجلال والتعظيم لهؤلاء الصالحين، فتتردد عنهم أخبار تؤكد أنهم كانوا مستجابي الدعوة، وتطور الأمر حتى بدأت نسبة الكرامات إليهم (١)، وبدأت تسميتهم بالأبدال (٢). ولعل لفظ "الأبدال" الذي نرى شيوعه في هذه الفترة هو أول مظهر لدخول الاصطلاحات الصوفية المشرقية إلى الأندلس، إلى جانب إقامة الأربطة التي يقيم فيها النساك والعباد أفراداً وجماعات للعبادة والتأمل وفي بعض الأحيان للجهاد والمرابطة. على أنه كما بدأ التصوف في المشرق بتلك العبادات والرياضات الدينية، والميل إلى حياة الزهد والتبتل، ثم انتهى إلى أن أصبح تأملًا عقلياً وجدانياً خالصاً (٣). فكذلك كان الأمر بالأندلس، فقد بدأ التصوف الفلسفي يغزو الأفراد والجماعات، وتجسمت ملامح هذا الاتجاه بشكل واضح في جماعة من المتفلسفة سنذكر في هذا المبحث أهم شخصياتهم التي احتفظت لنا كتب التراجم ببعض سيرهم وأخبارهم، وفي هذه الفترة التي بدأ فيها تمييز الصوفية عن الفقهاء (٤) في الأندلس، وقع الصراع بين العلماء المحافظين على سلامة العقيدة في جوهرها ومظهرها وبين الغلاة من الصوفية المبتدعة،

стр. 42

والمطلع على تاريخ الحياة الفكرية في الأندلس يرى أن الفقهاء لم يعترضوا ولم ينتقدوا على حياة الزهد والتبتل التي كان يحياها بعض عباد وزهاد الأندلس في القرنين الأولين، بل -كما قلت- كان هؤلاء موضع احترام وتبجيل من الجميع، أما في أواخر القرن الثالث وبداية الرابع فقد ظهر من تصرفات هؤلاء العباد!! -بعد تأثرهم بالأفكار الباطنية والمسيحية (١) - ما أشار الفقهاء عليهم (٢). وننتقل الآن إلى أقدم شخصية أندلسية صوفية فلسفية ظهرت خلال أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري وكان لها أثر كبير بعد ذلك في الحياة الروحية بهذه البلاد حتى ابن العربي الصوفي ومن والاه، ونعني بها شخصية ابن مسرة الجبلي (٣) (محمد بن عبد الله + ٢٦٩ - ٣١٨)، الذي

стр. 43

كان أبوه ذمياً فأسلم (١)، وتتفق الكتب التي ترجمت لابن مسرة على أنه كثير العلم بالأخبار، فيلسوفاً علمياً وطبيباً ومنجماً وفلكي، وله بعض الاجتهادات في اللغة، كما شارك المعتزلة في القول بالاستطاعة، وإنفاذ الوعد والوعيد وتحريف التأويل في كثير من القرآن، ويؤخذ من كلام ابن الفرضي أنه انتحل بعض أساليب الصوفية في النسك والعبادة فاغتر الناس بظاهره (٢). وباستطاعتنا بعد الرجوع إلى الدراسات التي كتبت عن ابن مسرة (٣) أن نحدد مذهبه ونشاطه في النقاط التالية: ١ - أن والده معتزليّ، وقد سقاه الاعتزال، وهو ذمي أسلم، فسقاه العقائد النصرانية التي لم يستطع أن ينفك منها. ٢ - أنه سافر إلى المشرق والتقى هناك بأرباب مختلف الملل والنحل التي كان لها رواج آنذاك. ٣ - أنه زار في المدينة المنورة بيت رسول الله ﷺ المخصص لمارية القبطية وصلّى فيه، وقاس إحدى الحجرات بشبره ثم بنى له صومعة في متعبده في قرطبة على مقاسها (٤).

стр. 44

٤ - قدرته على التأثير في النفوس من طريق عذوبة الكلام، ومتانة الحجج وحضور الجواب، والاطلاع الواسع على العلوم. ٥ - ورعه الكاذب وانتحاؤه طريقة زهدية في الحياة. ٦ - تقربه إلى المالكية بحفظ مسائل المدونة حتى كان يسردها سرداً، وحين صنع لها مختصراً جاء مختصره من أفضل موجزات المدونة وأتمها. ٧ - يذهب إلى القول بوجود روحانية تشترك فيها جميع الكائنات عدا الذات الإلهية، وتعتبر هذه المادة أول صورة برزت للعالم العقلي الذي يتألف من الجواهر الخمسة الروحانية. ٨ - الدفاع عن الآراء الفلسفية وسكبها في قوالب إسلامية. ٩ - اتفاقه التام مع الباطنية والشيعة الإسماعيلية (١). هذه هي أهم المميزات التي انفرد بها ابن مسرة، ولم تمت هذه الأفكار، ولكنها تطورت على يد تلاميذه (٢) من بعده إلى أن اكتملت على يد ابن العربي الطائي. فقد انتشر دعاة ابن مسرة بعد وفاته (٣١٩) يستميلون الناس إلى مذهبهم وينادون بأفكار كلها خليط من الاعتزال والفلسفة ومذهب الباطنية. ومن أهم النقاط التي ركز عليها تلاميذه:

стр. 45

١ - إنفاذ الوعد والوعيد. ٢ - تحريف التأويل في أحاديث الرسول ﷺ ، وتحكيم مبدأ التأويل في المحكم من التنزيل. ٣ - الطعن في أحاديث الشفاعة واتهامها بالضعف، وإنكار الشفاعة جملة، وإبطال التوبة. ونرى أن هذه الآراء الاعتزالية التي كانوا يجاهرون بها، إنما هي واجهة فقط للآراء الباطنية التي كانوا يعملون لها في الخفاء، ولقد تنبه أهل السنة -ولله الحمد- لهذه النحل الباطلة فصدر في يوم الجمعة لتسع خلون من ذي الحجة سنة: ٣٤٠ منشور قرئ على الناس بالمسجدين الجامعين بالحضرتين قرطبة والزهراء وفيه ينكر الخليفة الناصر ما يقوم به أصحاب ابن مسرة، ويكل إلى مولاه عبد الله بن بدر أمر تتبعهم والتنقير عنهم، وكذلك صدر منشور آخر في شعبان سنة: ٣٤٦ وقرىء أيضاً على أبواب جامع قرطبة، وفيه عهدٌ مجدّد في البحث عن أتباع ابن مسرة المبتدعين والتحريض على طلبهم إذ فارقوا الجماعة وخالفوا السنة، كما قام علماء الإِسلام بالرد على هذه الآراء الباطلة، منهم عبد الله بن محمد الأموي النحوي (ت: ٤٠٠) من أهل قرطبة وكان حافظاً نبيلًا، جمع كتاباً في الرد على ابن مسرة وصفه ابن بشكوال بالجودة والحسن (١)، وكذلك محمد بن يبقى وأبا بكر الزبيدي وأبا عمر بن لبّ الطلمنكي (٢). وبالرغم من هذا الحزم الذي اتخذته السلطة الحاكمة آنذاك، وبالرغم من قيام العلماء بواجب النصح لله ورسوله ﷺ فقد قدّر الله لهذه المدرسة أن تستمر إلى عصر فقيهنا ابن العربي، ووجد في هذا العصر جماعة من كبار المتصوفة ذوي الاتجاه الفلسفي منهم أحمد بن محمد بن العريف

стр. 46

(+ ٤٨١ - ٥٣٦) (١) وأحمد بن الحسين بن قسِّي (٢) (ت: ٥٤٥) وعبد السلام بن أبي الرجال الِإشبيلي (ت: ٥٣٦) (٣)، وكل هؤلاء وغيرهم ممن لم نقف على أخبارهم نشروا في الأندلس الأفكار الصوفية بما تحمل من آراء فلسفية غنوصية وباطنية ملحدة، وعلى هذا فإن الباحث في تاريخ الفكر الأندلسي لا يمكنه أن يفرق بين الاتجاه الفلسفي والاتجاه الصوفي، فكل واحد منهما يغترف من الآخر، ويسيران إلى هدف واحد. ولهذا نجد تجاوباً شديداً بين المتصوفة السابقين وبين الفلاسفة في هذا العصر أمثال ابن محمد طفيل القيسي (ت: ٥٨١) (٤) صاحب كتاب أسرار الفلسفة المشرقية؛ وأبي بكر محمد بن يحيى المعروف بابن الصائغ وابن باجه (٥) (ت: ٥٣٣). وقد عبر لسان الدين بن الخطيب الأندلسي عن هذا التقارب بين

стр. 47

الفلسفة والتصوف فقال: "فالكل دائرة مفروضة، وهالة حول قمر الحق معروضة، تعود الخطوط عن محيطها المبدد إلى مركزها المحدد، فالفيلسوف يروم التشبه بالعلة الأولى ويعني بها ذات الحق، وأن يتحد بالثانية وهي مرآة وجه الحق، والِإشراقي يروم التجوهر بنور الأنوار المعبر عنه بالحق، والاتصال به إما بواسطة من الحق، أو بغير واسطة من الحق" (١). قلت: فالذي أريد أن أؤكده هو أن عصر ابن العربي كانت فيه طبقة من الصوفية والفلاسفة حاولوا جاهدين أن ينشروا أفكارهم بين العامة والعلماء، ودليلنا على هذا الأسئلة التي وجهها أعيان الأندلس إلى ابن السيدِ البَطَلْيَوْسي (ت: ٥٦١) والتي أجاب عليها في كتاب "الحدائق في المطالب الفلسفية العويصة" (٢) ويقصد بها مطالب المتصوفة، ومن الأسئلة سؤال عن معنى قول الحكماء أن ترتيب الموجودات عن السبب الأول يحكي دائرة وهمية مرجعها إلى مبدئها في صورة الإِنسان، وسؤال آخر عن معنى قولهم: إن علم الِإنسان يحكي دائرة وهمية، وإن ذاته تبلغ بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته، وهاتان القضيتان أهم القضايا التى سَتَشْغَل -فيما بعد- فكر ابن العربي الصوفي (٣)، وأكثر من هذا نجد في شعر ابن السيدِ القضايا الآتية: قضية "وحدة الوجود"، وقضية "اعرف نفسك تعرف ربك" ومثال على ذلك قوله: وكل وجود عن وجودك كائن ... فواجد أصناف الورى لك واجد سرت منك فيها وحدة لو منعتها ... لأصبحت الأشياء وهي بوائد وكم لك في خلق الورى من دلائل ... يراها الفتى في نفسه ويشاهد

стр. 48

وحتى الأفكار المعروفة في كتب ابن العربي الصوفي نراها في شعر ابن السيدِ، التي يفسر بها ابن العربي ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] من أن كل من عبد إلهاً آخر ما عبد إلاَّ الله دون أن يدري فقد قضى ربك بذلك، وهذا ما يقوله ابن السيد: وكل معبود سواك دلائل ... من الصنع تنبي أنه لك عابد (١) قلت: وباستطاعتنا أن نعرف من مجموع هذه الأشعار وغيرها بما هو مبثوث في كتب التراجم والأدب، أن ثمة آراء فلسفية خطيرة وجدت في الساحة الأندلسية، وهذا هو الذي دفع فقيهنا ابن العربي إلى نقدهم بعنف في كتابيه "قانون التأويل" و"العواصم من القواصم". لقد كان ظهور ابن العربي في أوائل القرن السادس حديثاً له اعتباره الخاص، لأنه كان من الشخصيات القلائل التي يؤثر ظهورها في مجرى التاريخ تأثيراً جوهرياً ينقطع به أو يكاد ذلك الِإلحاد الذي يسيطر أحياناً على منابع الحياة الفكرية، فلا يرتفع إلاَّ بظهور عبقرية عبادة في الالتزام بالفكر السليم، تفور بها المنابع الغائرة، وينقلب سير المجاري إلى تيارات لم تكن تندفع نحوها من قبل. لقد امتاز ابن العربي بأسلوبه النقدي الذي لم ينسج على منوال سابق، فكان تراثه في نقد مدارس التصوف والفلسفة مناراً استضاء به العلماء، ومثالًا موجهاً للأساليب والنظريات التي استنارت بها عقلية العصور المتأخرة (٢).

стр. 49

الغزالي وإحراق كتابه "إحياء علوم الدين" بالأندلس (١) إنها لمقارنة عجيبة تبدو للناظرين في العهدين: العهد الِإسلامي بالأندلس (القرن الخامس والسادس) وعهودنا المتأخرة، وذلك بملاحظة أن الفكر الِإسلامي بالأندلس كان سنياً نابياً عن البدعة وما يؤدي إليها، متمسكاً بالكتاب الكريم، معتصماً بالسنة النبوية الشريفة، وفي الوقت ذاته بملاحظة فكرنا الِإسلامي (أو المنسوب إلى الإِسلام بتعبير أدق) في العصور المتأخرة، وكيف قال صاحب الفكر الأول بوجوب إحراق كتاب "الِإحياء" للغزالي، وقال صاحب الفكر الثاني "بعْ اللحْيَة واشْتَرِ الِإحْيَا" (٢). ولا نريد أن ندخل في شرح العوامل التي أدت بالفكر المغربي إلى الانحطاط والتدهور، فهذا أمر يطول شرحه، وإنما نقتصر على ذكر الحملة العنيفة التي شنها علماء الأندلس وفقهائها ضد كتاب "الإحياء"، مع بيان الدوافع الِإيمانية التي أثارتهم وألجأتهم للوقوف ضد تيار الكشف والِإشراق الذي قُدِّرَ له أن يكون هو الغالب والسائد في العصور المتأخرة، بعد أن ضعفت الهمم، وبعد الناس عن المصادر الأولى للدين الحنيف. يعتبر قاضي الجماعة (٣) محمد بن علي بن حمدين (ت: ٥٠٨) (٤) من

стр. 50

أوائل العلماء الذين اطلعوا على كتاب "الإِحياء" ووقفوا على أغراضه ومقصاده، فحكَّ في صدره منه أشياء أنكرها عليه، وتوجسها منه، تخالف العقيدة السليمة والمنهج الحق، فاجتمع الفقهاء والعلماء وأداروا الرأي بينهم في شأن هذا الكتاب الذي شحن بنفثات الصوفية وآراء المتكلمين، فاجتمعت كلمتهم واتحدت وجهتهم على ضرورة إتلاف هذا الكتاب ووجوب التيقظ لشبهاته والتحصن من ضلالاته، ورفعوا أمره إلى أمير المسلمين علي ابن يوسف بن تاشفين، فصار الأمير إلى ما ارتأى الفقهاء ونزل على رأيهم، وأصدر أمره إلى جميع الأقاليم بمصادرة الكتاب وإحراقه، وأمر بتفتيش المكتبات الخاصة والعامة، وأن يحلّف من يشك في أمرهم بالأيمان المغلظة بأنهم لا يملكون كتاب "الإحياء"، كما أمر بمنع دخول جميع كتب الغزالي إلى المغرب والأندلس وأنزل أشد العقوبات بمن وجد عنده منها شيئاً (١). وقد نفذ أمر ابن تاشفين على أتم وجه وأكمله، حيث جمعت كلّ نسخ "الِإحياء" التي تم العثور عليها، ووضعت على الباب المغربي من مسجد قرطبة الجامع، وأشبعت زيتاً كي يسهل احتراقها، بحضور جماعة من أعيان قرطبة وعلمائها يتقدمهم قاضي الجماعة ابن حمدين، وكان ذلك سنة ٥٠٣ (٢). ويذكر لنا ابن القطان أن الإحراق استمر في مختلف الجهات بقية

стр. 51

ذلك العام (أي عام: ٥٠٣) (١)، بل استمر الِإحراق وتتبع كتب الغزالي إلى عهد تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين، إذ وصل إلينا منشوره الذي وجهه إلى أهل بلنسية في شهر جمادى الأولى من عام: ٥٣٨ والذي تضمن بعض التوجيهات الِإدارية والدينية والحض على الجهاد، وأهم ما ورد فيه وجوب مقاومة أهل البدع، يقول المنشور: " ... ومتى عثرتم على كتاب بدعة أو صاحب بدعة، وخاصة -وفقكم الله- كتب أبي حامد الغزالي، فليتبع أثرها، وليقطع بالحريق المتتابع خبرها، ويبحث عنها، وتغلظ الأيمان على من يتهم بكتمانها .. " (٢). وممن أغلظ على الغزالي اللائمة وشدد عليه النكير أبو بكر الطرطوشي (ت: ٥٢٠) الذي كتب رسالة إلى عبد الله بن مظفر يجيبه فيها عن حقيقة الغزالي وكتابة "الِإحياء" وفي هذه الرسالة يقول: "سلام عليك، فأما ما ذكرت من أمر الغزالي، فرأيت الرجل وكلمته،

стр. 52

فوجدته رجلاً جليلاً من أهل العلم، نهضت به فضائله، واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له الانصراف عن طريق العلماء، فدخل في غمار العمال، ثم تصوف فهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن علي الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين. فلما عمل كتابه، سماه "إحياء علوم الدين" (١) عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، فلا في علماء المسلمين قرّ، ولا في أحوال الزاهدين استقر، ثم شحن كتابه بالكذب على رسول الله ﷺ (٢)، فلا أعلم كتاباً على وجه بسيط الأرض أكثر كذباً على الرسول منه، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة، ورموز الحلاج، ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم قوم يرون النبوة اكتساباً، فليس النبي عندهم أكثر من شخص فاضل تخلّق بمحاسن الأخلاق وجانب سفسافها، وساس نفسه حتى ملك قيادها، فلا تغلبه شهواته، ولا يقهره سوء أخلاقه، ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق، وأنكروا أن يكون الله تعالى -من أقر منهم بالصانع- أن يبعث للخلق رسولاً، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق. ولقد شرف الله الإِسلام، وأوضح حججه، وأقام برهانه وقطع عذر

стр. 53

الخلائق بحججه الواضحة، وأدلته القاطعة الدامغة، وما مثل من ينصر دين الإِسلام بمذاهب الفلاسفة والآراء المنطقية، إلاَّ كمن يغسل الثوب بالبول، ثم يسوق (أي الغزالي) الكلام سوقاً، يرعد فيه ويبرق ويمني ويشوق، حتى إذا تشوفت له النفوس قال: "هذا من سرِّ الصدر الذي نهينا عن إفشائه". وهذا فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في الدين، يستقل الموجود (١)، ويعلق النفوس بالمفقود، وهو تشويش لعقائد القلوب وتوهين لما عليه كلمة الجماعة، فإن كان الرجل يعتقد ما سطره، لم يبعد تكفيره، وإن كان لا يعتقده فما أقرب تضليله. وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب بالنار، فلعمري فإنه إن ترك انتشر بين ظهور الخلق ومن لا معرفة له بسمومه القاتلة، وخيف عليهم أن يعتقدوا صحة ما سطر فيه بما هو ضلال، فيحرق قياساً على ما أحرقته الصحابة ﵃ من صحائف المصحف التي تخالف المصحف العثماني، ألا ترى أنهم لو لم يحرقوا تلك الصحائف وانتشرت في الخلق، لحفظ كلّ إنسان ما وقع منها إليه، وأوشك أن يختلفوا فيتقاتلوا ويتقاطعوا. وإني لعلى عزم أن أنفرد له فأستخرج جميع هفواته وأوضح سقطاته، وأبينها حرفاً حرفاً، وفي دونه من الكتب غنيه وكفاية لِإخواننا المسلمين وطبقات الصالحين، ومعظم من وقع في عشق هذا الكتاب رجال صالحون لا معرفة لهم بما يلزم العقل وأصول الديانات ولا يفهمون الإلهيات، ولا يعلمون حقائق الصفيات (كذا)، ولا يخبرون شياطين الإِنس الذين انتدبوا للطعن في الدين، وتوهين عمود الإِسلام، وتعطيل الصانع، وإفساد المعجزات فمن يكن عنده تمييز لهذه الأبواب من الذبّ عن دين الله تعالى، ونصره شريعته، لم ينبغ له أن يَقْفُ ما ليس له به علم، يمدح على غير علم، ويذم على غير علم، والسلام" (٢).

стр. 54

قلت: ومن المعارضين لأبي حامد الغزالي الِإمام المازري (ت: ٥٣٦) الذي صنف كتاباً في الرد على الغزالي سماه: "الكشف والِإنباء عن كتاب الِإحياء" صدره بقوله: الحمد لله الذي أنار الحق وأداله، وأبار الباطل وأزاله .. " (١). ومما قاله في هذا الكتاب: " ... ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكاً الِإمام يهرب من التحديد، ويجانب أن يرسم رسماً، وإن كان فيه أثر ما، أو قياس ما، تورعاً وتحفظاً من الفتوى فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من رجل (وهو الغزالي) فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه (أي في الإحياء) كثير من الآثار عن النبي ﷺ لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلاَّ بتعسف على اللفظ بما لا يتكلف العلماء مثله إلاَّ في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل ... " (٢). وقال الإِمام المازري مجيباً لمن سأله عن حال كتاب "إحياء علوم الدين" ومصنفه: "وقد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم بـ "إحياء علوم الدين" وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفة انتصرت وتعصبت لاشتهاره، وطائفة حذّرت منه ونفرت، وطائفة لكتبه أحرقت، وكاتبني أهل المشرق أيضاً يسألوني، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه، فإن نفس الله في العمر، مددت فيه الأنفاس، وأزلت عن القلوب الالتباس (٣).

стр. 55

اعلموا أن (الغزالي) هذا رأيت تلامذته (١)، فكل منهم يحكي لي نوعاً من حاله وطريقته، فأتلوح بها من مذهبه وسيرته ما قام لي مقام العيان، فأنا اقتصر على ذكر الرجل، وحال كتابه، وذكر جملة من مذاهب الموحدين والمتصوفة، وأصحاب الِإشارات والفلاسفة، فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق لا يعدوها، ثم أُتْبعُ ذلك بذكر حيل أهل مذهب على مذهب آخر ... وأكشف عما دفن من جبال الغرور ليحذر من الوقوع في حبالة صائده" (٢). قلت: ومن المعارضين للِإمام الغزالي الناقمين عليه القاضي عياض (ت: ٥٤٤) إذ وصفه في كتابه "معجم أصحاب أبي علي الصدفي" (٣) بقوله: " ... والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريقة التصوف، وتجرّد لنصرة مذهبهم، وصار داعية في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامتُثِلَ ذلك .... ". أما القاضي ابن العربي فقد عرف كتاب "الإحياء لعلوم الدين" على ثقة وبينة، إذ كان قد سمعه من الغزالي مشافهة ببغداد سنة: ٤٩٠، فكان حكمه عليه حكم تمحيص وإنصاف، كحكمه على الغزالي في ذاته وعلى كتبه

стр. 56

الأخرى غير كتاب "الِإحياء"، وكان يُكْبر ما قام به الغزالي في نقد الفلاسفة وإضاءة المسالك للعلماء لفهم القضايا الفلسفية ونقدها، وكان يقول فيه: "إنه بدر في ظلمة الليالي، وعقد في لبّة المعالي ... إذا لقيته لقيت رجلاً علا في نفسه، ابن وقته لا يبالي بغده ولا أمسه .... " (١). وكان ابن العربي يرى "أن المهاجمين للِإسلام من الفلاسفة لما ردَّ عليهم رجال من أعيان الأمة، لم يكلموهم بلغتهم، ولا ردُّوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردّوا عليهم بما ذكر الله في كتابه، وعلّمه لنا على لسان رسوله ﷺ ، فلم يفهموا تلك الأغراض، وطفقوا يهزؤون بتلك الردود، ويضحكون منها، فانتدب أبو حامد للردّ عليهم بلغتهم، ومكافحتهم بسلاحهم، والنقض عليهم بأدلتهم، فأجاد في ما أفاد، وأبدع في ذلك كما أراد الله .. " (٢). وهكذا فقد أثنى ابن العربي على جملة من كتب الغزالي في تقويم الفلسفة ونقدها وتمحيصها (٣)، ولكن هذا لم يمنعه من توجيه نقده الشديد واللاذع للآراء الِإشراقية المبثوثة في كتبه بعامة وفي "الإحياء" بخاصة (٤) بل وصفه في كتابه "العواصم من القواصم" بقوله: كان أبو حامد تاجاً في هامة الليالي، وعقداً في لبة المعالي، حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج على الحقيقة، وحاد في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء بألفاظ لا تطاق، ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتساق .. " (٥). قلت: ويؤيد رأي ابن العربي الِإمام المازري الذي أثنى على أبي

стр. 57

حامد في الفقه وأقذع في معرفته بباقي العلوم فقال في "الكشف والإِنباء": " ... هو أعرف بالفقه منه بأصوله. وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين، فإنه صنف فيه أيضاً، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول، فأكسبته الفلسفة جرأة على المعاني، وتسهّلاً للهجوم على الحقائق؛ لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، وليس لها حكم شرع ترعاه، ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها. وعرّفني صاحب له أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة، ومصنفها فيلسوف قد خاض في علم الشرع والعقل، فمزج ما بين العلمين، وذكر الفلسفة وحسنها في قلوب أهل الشرع بأبيات يتلوها عندها، وأحاديث يذكرها، ثم كان في هذا الزمان المتأخر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا، ملأ الدنيا تآليف في علم الفلسفة، وهو فيها إمام كبير، وقد أدته قوّته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطّف جهده حتى تمّ له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملاً من دواوينه، ورأيت هذا الغزالي يعوِّل عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة. وأما مذاهب الصوفية، فلا أدري على من عوّل فيها، لكني رأيت -فيما علق بعض أصحابه- أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عوّل في مذهب التصوف، وأخبرت أن أبا حيان ألف ديواناً عظيماً في هذا الفن ... ورأيت له (أي للغزالي) في الجزء الأول يقول: "إن في علومه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب"، فليت شعري أحق هو أو باطل؟ فإن كان باطلاً، فصدق، وإن كان حقاً -وهو مراده بلا شك- فلم لا يودع في الكتب، لغموضه ودقته، فإن كان هو فهمه، فما المانع أن يفهمه غيره؟ " (١).

стр. 58

قلت: ورغم هذا كله، فإن المغاربة أخذوا يتعلقون بالغزالي شيئاً فشيئاً، إلى أن أصبح إمامهم في التصوف بلا منازع، يسترشدون به في المهمات، ويستنيرون به في المشكلات، حتى قال قائلهم: أبا حامد أنت المخصص بالمجد ... وأنت الذي علمتنا سنن الرشد وضعت لنا الِإحياء يحيي قلوبنا ... وينقذنا من طاعة النازع المردي وفيها ابتهاج للجوارح ظاهر ... ومنها صلاح للقلوب من البعد (١) ولم يعدم الِإمام الغزالي أنصاراً يدافعون عنه، ويأنسون له، وينهجون سبيله. فقد وجد في الأندلس من الفقهاء من برّأ الغزالي مما رمي به، وفي هذا الموضوع يحدثنا قاضي الجماعة ابن حمدين بقوله: "إن بعض من كان ينتحل رسم الفقه، ثم تبرأ منه شغفاً بالشرعة الغزالية، والنحلة الصوفية، أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام بدعتهم، فأين هو من شنع مناكيره، ومضاليل أساطيره المباينة للدِّين؟ وزعم أن هذا من علم المعاملة، المفضي إلى علم المكاشفة، الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يفسر عن قناعة، ولا يفوز بإطلاعه إلاَّ من تمطى إليه ثبج ضلالته التي رفع لهم أعلامها، وشرع أحكامها .. " (٢).

стр. 59

كما انتصر له أبو الفضل يوسف بن محمد النحوي (ت: ٥١٣) (١) وكتب لأمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بذلك، وأفتى بأن الأيْمان التي فرضت في عملية التفتيش أَيْمان لا تلزم وقال: "وددت أنني لم أنظر في عمري سوى كتاب الِإحياء" وكان قد انتسخ كتاب "الإِحياء" في ثلاثين جزءاً، فإذا دخل رمضان قرأ كل يوم جزءاً (٢). كما ثبت عن أبي الحسن علي بن محمد الجذامي، المعروف بابن البَرْجي (ت: ٥٠٩) (٣) أنه أوجب في من امتثل لأمر السلطان فأحرق كتب الغزالي تضمين قيمتها لأنها مال مسلم، وكذلك يؤدب محرقها، وقيل له: أتكتب ما قلته بخط يدك؟ قال: سبحان الله. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، ثم كتب السؤال في النازلة وكتب فتياه بعقبه، ودفع إلى أبي بكر عمر بن أحمد الفصيح وأبي القاسم بن ورد (٤) وغيرهما من فقهاء المرية ومشايخها، فكتب كل واحد منهم فيه بخطه: "وبه يقول فلان" مُسَلِّمين لعلمه وزهده، فغاظ قاضي الجماعة ابن حمدين ذلك، وكتب إلى قاضي المرية حينئذ أبي عبد الملك مروان بن عبد الملك (٥) بعزله عن خطة القضاء (٦). وأختتم هذا المبحث بمقتطفات من مقدمة كتاب "المدخل لصناعة المنطق" (٧) لأبي الحجاج يوسف بن محمد بن طُمْلُوس (ت: ٦٢٠) ففي هذه المقدمة عرض دقيق للِإطار التاريخي للحركة العلمية في الأندلس (٨).

стр. 60

يقول ابن طُمْلُوس: " ... وكان ما يتصرف فيه من المسائل في أول الأمر (في الأندلس) على مذهب الأوزاعي، ثم انتقلوا إلى مذهب مالك بن أنس رضي الله عن جميعهم، فغدوا بمحبة هذا العلم والشغف به، ونشؤوا على تعظيم أهله واعتقاد صدقهم وبغض مخالفيه، وذلك أنهم -لما كانوا يعتقدون فيه أنه الحق وأنه من عند الله- اعتقدوا في مخالفيه الكفر والزندقة ... ولما امتدت الأيام وسافر أهل الأندلس إلى المشرق، ورأوا هناك العلماء وأخذوا عنهم المذاهب -أعني مذاهب الأئمة المشهورين- وكتب الحديث، وانقلبوا إلى الأندلس، بما أخذوه عن شيوخهم، وما جلبوه من المسائل الغريبة، رأى علماء الأندلس أن ما أتى به هؤلاء الداخلون هو مخالف لمذهبهم أو بعضه، وكان المخالف عندهم كافراً، لمخالفته الحق الذي جاء به الرسول عن الله تعالى. فاعتقدوا لذلك في هؤلاء الواصلين من المشرق بعلم المذاهب المنسوبة إلى الأئمة وبعلوم الحديث أنهم كفار وزنادقة، وقرروا ذلك عند العوام وعند آل السلطان، وقاموا في طلب دمائهم وهتكهم نصرة لدين الله تعالى على ذممهم. وأعظم من امتحن على أيديهم من أفاضل العلماء، ولقي كل مكروه منهم "بَقِيّ بن مَخْلَد"، وكادت نفسه تذهب وتمزق كلّ ممزق، لولا الأمير (١) في ذلك الوقت، فإنه تثبت في أمره، وطالع ما عنده فاستحسنه، وكان من جملة الذي أتى به من علم الحديث مسند ابن أبي شيبة، فأمر الأمير بمطالعة ما عنده والأخذ عنه، فانصرف الناس إلى "بقيّ" قليلاً قليلاً، وأخذ عنه الحديث وما نقل عن الأئمة. وطالت الأيام، فعاد ما كان منكراً عندهم مألوفاً، وما اعتقدوه كفراً وزندقة إيماناً وديناً حقّاً. فدانوا بهذا مدة ودأبوا عليه، إلى أن اتصل بهم علم أصول الدين، فاعتقدوا فيه ما اعتقدوه أولاً في مذاهب الأئمة من أنه كفر وزندقة، ولذلك

стр. 61

قال القحطاني: "يا أشعرية يا زنادقة الورى" فعد القوم الذين هم أهل السنة والناصرون لدين هذه الملة كفاراً وزنادقة .. ثم أنِسُوا أيضاً بهذا المذهب -أعني علم الأصول- ودرّجتهم الأيام إلى أن طالعوه وتمهروا فيه، حتى كان فيه منهم أئمة وعلماء، ولكن بقي في نفوس أرباب المسائل -أعني أهل الفروع- استنكار لذلك إلى قريب من زماننا هذا، فإن ذلك الاستنكار لم ينتسخ من نفوسهم بالكلية، كما استنسخ استنكار المنكرين لعلوم الحديث قبل ذلك، ولكن صار الحامل لهذا العلم آمناً منهم في نفسه وماله، متكلماً بما شاء من علمه، يملي فيه غير مترقب ولا خائف. فصار هذا العلم وعلم الحديث، ومذاهب الأئمة ومسائل الفروع، كل ذلك دين الله تعالى يجب الِإيمان به والعمل بمقتضاه، بعد أن كان فيه ما كان. ولما امتدت الأيام، وصل إلى هذه الجزيرة كتب أبي حامد الغزالي متفننة، فقرعت أسماعهم بأشياء لم يألفوها ولا عرفوها، وكلام خرج به عن معتادهم من مسائل الصوفية وغيرهم من سائر الطوائف الذين لم يعتد أهل الأندلس مناظرتهم، ولا محاورتهم، فبعدت عن قبوله أذهانهم، ونفرت عنه نفوسهم وقالوا: إن كان في الدنيا كفر وزندقة فهذا الذي في كتب الغزالي هو الكفر والزندقة، وأجمعوا على ذلك، واجتمعوا للأمير إذ ذاك وحملوه على أن يأمر بحرق هذه الكتب المنسوبة إلى الضلال بزعمهم، وعزموا عليه في ذلك حتى أجابهم إلى ما سألوه منه، فأحرقت كتب الغزالي وهم لا يعرفون ما فيها، وخاطب الأمير إذ ذاك جميع أهل مملكته بأمرهم بحرقها، ويعلمهم أنه هذا هو الذي أدى إليه نظر العلماء، وقرئت مخاطبته على المنابر، وشنع الأمر بذلك تشنيعاً عظيماً، وامتحن من كان عنده منها كتاب، وخاف كل إنسان على نفسه أن يرمى بأنه قرأ منها كتاباً أو اقتناه، وكان في ذلك من الوعيد ما لا مزيد عليه ...

стр. 62

ثم لم تكن تمتد الأيام إلاّ قليلاً، حتى جاء الله بالِإمام المهدي (١) فبان به للناس ما كانوا قد تحيروا فيه، وندب الناس إلى قراءة كتب الغزالي ﵀، وعرف من مذهبه أنه يوافقه، فأخذ الناس في قراءتها، وأعجبوا بها وبما رأوا فيها من جودة النظام والترتيب الذي لم يروا مثله قط في تأليف، ولم يبق في هذه الجهات من لم يغلب عليه حب كتب الغزالي إلاَّ من غلب عليه إفراط الجمود من غلاة المقلدين، فصارت قراءتها شرعاً وديناً، بعد أن كانت كفراً وزندقة" (٢). قلت: وأكتفي بهذا القدر والحمد لله رب العالمين.

стр. 63

الفصل الثاني نَشأته وَحَيَاته العِلميَّة

стр. 64

حَيَاة ابن العَرَبّي وَمكانتهُ العلميَّة مدخل: يتفق الباحثون المعاصرون أن من مستلزمات البحث العلمي أن يتناول الباحث الموضوع المدروس من الناحية البيبليوغرافية، يستعرض فيه مجمل الدراسات التي كتبت فيه، وهذا في حد ذاته اعتراف بإنجاز السابقين. تناول ابن العربي جملة كبيرة من المؤرخين، فترجموا له تراجم تختلف طولًا وقصراً، وتتباين في نوعية المعلومات التي تقدمها استناداً إلى اختلاف مشاربهم وتنوع ثقافاتهم واهتماماتم وأمزجتهم ونجد من بينهم أصحابه وتلاميذه وهلم جراً إلى أزمنة متأخرة حتى يومنا هذا. وقد ترجم له من معاصريه صديقه الفتح بن خاقان (ت: ٥٢٩) في "مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس": ٢٩٧ - ٣٠٠ فأشار إلى رحلته إلى المشرق وأورد له قصيدة طويلة في مدح أهل بغداد. كما ترجم له تلميذاه القاضي عياض (ت: ٥٤٤) في "الغنية" ٦٦ - ٧٢، رقم ١٦ (ط: دار الغرب الإِسلامي) وفي ترتيب المدارك أيضاً (١) وتمتاز ترجمته بالدقة والتركيز وترجم له كذلك ابن بشكوال (ت: ٥٧٨) في الصلة: ١/ ٥٩٠ - ٥٩١، رقم ١٢٩٧.

стр. 65

فكانت المادة التي كتبها هؤلاء الثلاثة هي المعين لما كتبه المتأخرون عن ابن العربي، إضافة إلى أن هذه التراجم تمثل رأي أصدقائه وتلاميذه الذين احتكوا به وخبروه، فكانت دقيقة ومركزة. وليس في هذه التراجم من اختلاف كبير إلا أن ترجمة القاضي عياض كانت أكثر فائدة لنا، فقد قدم لنا فيها رأيه الشخصي في تقويم ابن العربي فذكر أنه كان يحكي الغرائب. أما الذين ترجموا له بعد عصره فمنهم الضبي (ت: ٥٩٩) في "بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس" (١)، وابن خلكان (ت: ٢٨١) في "وفيات الأعيان" (٢) وابن عبد الملك المراكشي (ت: ٧٠٣) في "الذيل والتكملة" (٣) والذهبي في "العبر" (٤) و"تذكرة الحفاظ" (٥) و"سير أعلام النبلاء" (٦) و"تاريخ الإِسلام" (٧) وصلاح الدين الصفدي (ت: ٧٦٤) في "الوافي بالوفيات" (٨) والنُّباهي (كان حياً سنة ٧٩٣) في "تاريخ قضاة الأندلس" (٩) وابن فرحون (ت: ٧٩٩) في "الديباج المذهب" (١٠) والداودي (ت: ٩٤٥) في "طبقات المفسرين" (١١) والمكناسي (ت: ١٠٢٥) في "جذوة الاقتباس في

стр. 66

ذكر من حلّ من الأعلام مدينة فاس" (١) والمقري في "نفح الطيب" (٢) و "أزهار الرياض" (٣) وابن عماد الحنبلي (ت: ١٠٨٩) في "شذرات الذهب" (٤) وصديق خان (ت: ١٣٠٧) في "التاج المكلل" (٥)، والشيخ مخلوف (ت: ١٣٤٠) في "شجرة النور الزكية" (٦) والشيخ الكتاني (١٩٦٠) في "فهرس الفهارس" (٧). قلت: ولم أعن بحصر كل المراجع التي ترجمت لابن العربي لأن العملية التوثيقية لمصادر ترجمته بشكلها التفصيلي محفوفة بكثير من الغموض بل شائكة إلى أبعد التصورات، وألاحظ أن الدخول إلى تلك التفصيلات يشل من نشاطي في إعطاء صورة واضحة لغرضي، وهو الترجمة لابن العربي ترجمة موجزة مركزة بإذن الله، لذلك سأعرض عن عشرات من المصادر التي اهتمت بذكر ابن العربي في كل مناسبة وقضية وشأن. وإن كنا بحاجة هنا إلى معرفة الجهود المعاصرة التي تضافرت على إنجاز مجمل الدراسات عن ابن العربي، فإنه لمن العسير استعراضها كاملة في هذا الموجز، غير أن حصر كلامنا في أهم تلك الِإنجازات مسألة مهمة في مثل هذه الدراسة العلمية. فمن المحاولات الرائدة في ترجمة ابن العربي والتنويه بفضله ما كتبه الشيخ محب الدين الخطيب في مقدمته لمبحث الصحابة من كتاب "العواصم

стр. 67

من القواصم" (١) وكذلك بحث العلامة الشيخ محمد الخضر حسين (٢) الذي يمتاز بحثه بالرصانة والجدة والعمق، ثم توالت المقالات والبحوث تترى ولكن مع الأسف ليس في هذه الكتابات أي جديد، فهي تلخيص لما هو شائع في المصادر القديمة إلى أن جاء أستاذنا الدكتور عمار طالبي فكتب دراسته النقدية العميقة حول ابن العربي (٣) وتراثه الفكري مع تحليل مجمل لآرائه الكلامية، مستفيداً من مختلف المصادر المخطوط منها والمطبوع، فاستوفى أغلب المعلومات الضرورية في مثل تلك الدراسة الأكاديمية. فكانت دراسته -بحق- تطوراً واضحاً في دراسة ابن العربي واتساعاً في تفصيل موضوعات متصلة بالأشعرية وتطورها بالمغرب الإِسلامي. وبناء على هذه الدراسات السابقة (٤) فإنني قمت بدراسة موجزة عن ابن العربي حاولت أن ألتزم فيها الكشف عن الجوانب المجهولة التي أهملها الباحثون والدارسون لحياة هذا الفقيه الجليل، فعنيت عناية تامة بمؤلفاته المخطوطة لإيماني بأنها من أكثر الينابيع صفاء، وأعلاها ثقة في تدوين سيرة ابن العربي هو دراسة ما خلفه من شذرات حول سيرته في تراثه الكتابي ومن

стр. 68

هنا كان استيعابي لمؤلفاته على غاية من الأهمية في استنباط أخباره وأحداث سيرته؛ والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم. ١ - نسبه ومولده ونشأته: يعتبر القاضي أبو بكر بن العربي، بأصله ومولده ومنشئه، وحياته وموته، كنزاً مشاعاً بين المشرق والمغرب الِإسلامي. فهو عربي من قبيلة "مَعَافِر" (١) (بفتح الميم والعين وكسر الفاء) القحطانية، وأندلسي من مدينة إشبيلية (٢)، فوالده هو أبو محمد عبد الله بن العربي (+ ٤٣٥ - ٤٩٣) من وجوه علماء إشبيلية ومن أعيانها المبرزين، كان من أهل الآداب الواسعة، والتفنن والبراعة، والذكاء والتقدم في معرفة الخبر والشعر، والافتنان بالعلوم وبجمعها (٣)، سمع ببلده أبا عبد الله بن منظور (٤) (ت: ٤٦٩)، وبقرطبة ابن عتاب (ت: ٥٢١) (٥)، ولازم ابن حزم سبعة

стр. 69

أعوام حتى عد من كبار أصحابه (١)، وهو الذي رفع عماد بيت آل ابن العربي بإشبيلية، وأناله الشهرة الفائقة، وأضفى عليه من أبهة الرئاسة وجاهة، قال عنه معاصره الفتح بن خاقان: " ... كان بإشبيلية بدراً في فلكها، وصدراً في مجلس ملكها، اصطفاه ابنُ عباد اصطفاء المأمون لابن دُؤَاد (٢)، وَوَلّاه الولايات الشريفة، وبوّأه المراتب المنيفة ... " (٣). وقد صاهر أبو محمد بن العربي أسرةً تشاطره الرئاسةَ وتقاسمه السياسة، تلك هي أسرة أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني (+ ٣٩٢ - ٤٦٠) عالمَ الأندلس ومحدثها (٤)، زاحم المعتضد بن عباد في الاستئثار بالسلطان، ففتك به، وقتله بيده، ودفنه بثيابه وقَلَنسوته داخل القصر من غير غسل ولا صلاة (٥)، وكان لهذا العمل الشنيع أثره البالغ على بيت الهوزن، فأبى ولده أبو القاسم (+ ٤٣٥ - ٥١٢) -وهو العالم الأديب، والفقيه المشاور- إلا أن يثأر لوالده -وقد بدت سحب كثيفة في العلاقات بين المرابطين وأمراء إشبيلية- فاتصل بيوسف بن تاشفين، وجعل يحرضه على ابن عباد، حتى أطاح بدولته وأزال ملكه (٦). في ظل هذه الأسرة الكريمة، وتحت عظيم اسمها وذائع سمعتها، ولد

стр. 70

محمد بن عبد الله بن العربي في ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمئة (١)، فنشأ هذا الشاب وهو لا يعرف من جده إلاَّ اسماً سيّاراً، ومقاماً علمياً واضحاً، ونسبة مشاعة بين الأقطار، متأثراً بما نزل به من المحن والأنكال، فتسلّى عن هذا كله بتتلمذه على والده، العالم الأديب والسياسي المحنك، فنشأ نشأة علمية، وأقبل بهمة فتية على التفنن في المعارف وجمع أطرافها، واستكمال آلاتها، ولم يكد يبلغ السابعة عشرة من عمره، حتى قدّر الله لدولة بني عباد أن تسقط، واستولى المرابطون على إشبيلية، وصادروا أموال أمرائها ووزرائها، ومن بينها ضياع الوزير أبي محمد بن العربي (٢)، فما كان من الوالد إلاَّ أن ترك البلاد مع ولده في رحلة علمية سياسية دوّن أخبارها ابن العربي الابن في "شواهد الجلة" (٣). ٢ - رحلته في طلب العلم: كان ابن العربي ﵀ برماً بالوضع الذي كانت عليه الثقافة الدينية في الأندلس، متطلعاً إلى منبع الحكمة والعلوم، متشوقاً إلى لقاء العلماء الفحول، فالنظرة الضيقة عند الفقهاء بطريقتهم الالتزامية الضيقة، طالما جثمت بكلكلها على أهل البحث والنظر، وأحرقت مواهب العلم الحق، والفقه الصحيح، إذ صارت على طريقة التقليد، بحيث أصبح عمل المقلدين حجة لا يلتفت بعدها إلى كلام أئمتهم الأولين، وهذه النزعة هي التي شكى منها المؤلف في العواصم حيث قال: "صار التقليد ديدنهم،

стр. 71

والاقتداء بغيتهم، فكلما جاء أحد من المشرق بعلم، دفعوا في صدره، وحقروا من أمره، إلاَّ أن يستتر عندهم بالمالكية، ويجعل ما عنده من علومٍ على رسم التبعية" (١)، وكان ﵀ يرى أن رزية الانكماش والقصور والركود وضيق الأفق، مشكلة صعبةُ العلاج، بعيدة الزوال؛ لأنها تعطيل للأنظار، وطبع على المدارك، فهيهات أن يستطيع محاول إصلاحها، ويعتقد أن رزية التفرق والزَّيْغِ والجحود التي نزلت بالحياة الثقافية بالمشرق أقرب إلى الأمل في العلاج، وأرجى للدفع والاقتلاع، لأنه ما دام جوهر الإدراك سالماً نامياً متحركاً فإن عوامل الهداية لن تعوز، ووسائل التقويم والتصويب لن تبعد، ومن هنا اطمأن إلى حياة العلوم الدينية بالمشرق على ما فيها من بدع وخرافات إذ هي الحياة الممكنة، وإن حياة علوم الدين بالمغرب قد رانت عليها نزعةُ التقليد، والإحجامُ عن النظر، والقصور بالمعاني الشرعية السليمة عن غاياتها ومقاصدها، وإن كل ما فيها من خير إنما يرجع إلى خلوها من البدع العقدية المنكرة. يقول في العواصم مثنياً على أهل المغرب لسلامته من تلك البلايا: (٢) " ... خرجت من بلادي على الفطرة فلم ألق في طريقي إلا من كان على سنن الهدى، يغبطني في ديني، ويزيدني في يقيني، حتى بلغت بلاد هذه الطائفة (مصر) ... فلم يبق باطل إلّا سمعته، ولا كفر إلاَّ شوفهت به ووعيته ... " (٣). قلت: ومع كل هَذه الطامات فإن ابن العربى كان قوي الميل إلى المشرق، عظيم الشغف والِإعجاب به، شديد الِإدْلاَلِ بمعرفته، قوي الاعتزاز بما طبع عليه المشرق من ملكات، وما أكسبه من مواهب وقدرات، فكان ابن العربي يرى أن في كل من الموضعين الشرقي والغربي مزايا ورزايا، إلا أن مزايا الوضع الثقافي بالمغرب هي سلامته، ورزيته في ركوده

стр. 72

وجموده، وأن مزايا الوضع المشرقي هي حركته. ونماؤه، ورزيته في فتنته وجحوده (١). وبهذه الروح الوثابة، والمثل القيمة المقتبسة من تلك المعاني، حدد فقيهنا -رحمة الله عليه- مناهج التعلّم وطرائق التحصيل. فكانت همته سبّاقة إلى الجمع والاستكثار، والاستذكار والرواية والضبط والتصحيح، فنراه في رحلته دؤوباً على الدراسة والسماع، لاَ يَشْغَلُهُ عنهما شاغل، يلتقط الدرر من العلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم. وقد أفاض فقيهنا -رحمة الله عليه- في ذكر رحلته ومن لقيه من الشيوخ بمقدمة كتابه "قانون التأويل" الذي نحن بصدد تحقيقه والتعليق عليه، كما قام أستاذنا الدكتور عمّار طالبي الجزائري بدراسة (٢) نقدية وافية لرحلته في طلب العلم منذ خروجه من إشبيلية إلى عودته إليها بتفصيل دقيق نسأل الله أن يجازيه خير الجزاء، وعليه فإنني سأقتصر في هذا المبحث على ذكر رحلته إلى الحجاز، هذا الجانب الذي أغفله المؤلف في "القانون" وأجمله أستاذنا د. عمّار في دراسته القيمة، والذي أدّى ببعض الباحثين المُحْدَثِينَ إلى التشكيك في السنة التي حج فيها ابن العربي (٣)، بل وأدى بالبعض الآخر إلى إنكار أن يكون ابن العربي قد أدّى فريضة الحج (٤). والواقع أن الحج كان من مقاصد ابن العربي فقد قال في "القانون": رحلت طالب علم وحج. فكانت رحلته ﵀ إلى الحجاز في أواخر ذي القعدة من سنة تسع

стр. 73

وثمانين وأربعمئة (٤٨٩) (١) وقد مر في طريقه إلى الحجاز على الرَّبَذَة التي وصف ما شاهده فيها فقال: " ... وقفت على قبر أبي ذر الغفاري بِالرَّبَذَة مستهل شهر ذي الحجة سنة ٤٨٩، وهو على قارعة الطريق من الكوفة إلى مكة، غريباً مفرداً، لا أنيس ولا عمارة، خرج هنالك أيام عثمان ﵁ على وجه سليم صحيح بيناه في كتاب "العواصم" (٢) لم يقدح في أحد، ولا قصر ببشر، ولا انتسب إليه فيه ظلم، فأقام بها حتى مات ﵁ ... " (٣). وحول وصوله إلى ميقات الِإحرام يقول: " ... لما كانت سنة: ٤٨٩ أهلّ علينا هلال ذي الحجة ليلة يوم الخميس بالرَّبَذَة، فرحلنا عنه، وقد فرح الناس بوقفة الجمعة ليجتمع لهم فضل اليومين، فضل يوم عرفة، وفضل يوم الجمعة، فبتنا بمكان يقال له المسجد، ثم رحلنا سَحَراً، فلما صلينا الصبح، وأشرقت الشمس إذا بقافلة البلقاء، ترى فيها النفر المحرمين بالثياب البيض بين الناس، فقلت: ما هذا؟ قال لي بعضهم: هم الشيعة، لا يحرمون من ميقات عمر (ذات عرق)، قلت فمن أين لهم هذا؟ قال: هم يزعمون أن علياً خرج من الكوفة، فأحرم من هذا الماء ... " (٤). وصوله مكة: ويذكر ابن العربي رحمة الله عليه أعماله في الحج، ويحاول أن يكون أداؤه لها دقيقاً كما أدّاها الرسول ﷺ يوم الحج الأكبر، ويلاحظ أن الناس يهملون بعض مناسك الحج، ويُفَوِّتُونَ على أنفسهم خيراً كثيراً، فهم يتركون المبيت بمنى يوم التروية، ويؤثرون أن يبيتوا ليلة عرفة بعرفة (٥)، يقول فقيهنا

стр. 74

في هذا الشأن: " ... مررت من ذات عرق، فألفيت الحاجَّ كلَّهُ كائناً في عرفة، ولَيْسَ عَلَى من فَعَلَ ذلك شيء، ولكنه ترك فعل رسول الله ﷺ ولقد خاب في تركه (١) ... أما أنا فجئت من ذات عرق إلى الموقف، ليلة عرفة نصف الليل، فأصبحت بها، ووقفت من الزوال يوم الجمعة سنة ٤٨٩ (٢)، ثم اندفعت بعد غروب الشمس إلى مزدلفة" (٣). ويقصّ علينا المؤلف -رحمة الله عليه- بعض البدع المنكرة التي كان يعتقدها الجهال فيقول: " ... ولقد رأيت الجهل قد انتهى بقوم إلى أن يقولوا -ليلة المزدلفة- قائمين على سطح مسجد المشعر الحرام: يا فلان حج، فينادي كل أحد باسم حبيبه أو جاره، ويقول إنه إذا فعل ذلك به حجّ، فقلت لبعض جيراني: هذا باطل، فنادى معي، وانقلبنا إلى البلد، فما حجّ من نُودِيَ باسمه" (٤). ومن مزدلفة في طريقه إلى منى يقول: " .. فبتّ بها (أي بمزدلفة) ثم أصبحت، فوقف بها الأمير (٥)، حتى طلعت الشمس على قدم، فلما عمت الجبال، اندفعنا، فرمينا الجمرة، وحَلَقْتُ وذبحت لفدية كانت علي، ثم دخلت مكة، وطفت وسعيت، وصليت بها الظهر (٦)، ... وكنت أشرَبُ ماء زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والِإيمان، حتى فتح الله لي بركته في المقدار الذي يسّره لي من العلم، ونسيت أن أشرَبَهُ للعمل، ويا ليتني شربته لهما، حتى يفتح الله عليّ فيهما، فكان صغوي (٧) إلى العلم أكثر منه إلى

стр. 75

العمل، ونسأل الله الحفظ والتوفيق (١)، ... ودعوت بالملتزم ثلاث دعوات، فرأيت الاثنتين وبقيت واحدة، والله يمنُّ بها عليَّ فهي العمدة، فكانت الأولى أن يجعلني من العلماء حتى لا يتكلَّمَ أحد بشيء من العلم -إن كان حقاً- إلاّ علمته، وإن كان باطلاً إلاَّ قدرت عليه، إثباتاً للأول، ونفياً للثاني، وآتاني الله ذلك، وآتاني الثانية، وبقيت الثالثة، فيا ليتني كنت شَرِبْتُ ماءَ زَمْزَمَ للعمل، ودعوت الله فيه في الملتزم" (٢). وحول مقام سيدنا إبراهيم ﵇ قال: " .. وقد اختلفوا فيه، فقال قوم: هو الحجر الذي جعل إبراهيم عليه رجله حين غسلت زوج إسماعيل ﵉ رأسه، وقد رأيت بمكة صندوقاً فيه حجر عليه أثر قدم قد انمحى واخلولق، فقالوا كلهم هذا أثر قدم إبراهيم ﵇، وهو موضوع بإزاء الكعبة (٣)، لمسته بيدي وخدي تبركاً به (٤) في ذي الحجة من سنة ٤٨٩ والحمد لله رب العالمين" (٥). وحول الكعبة المشرفة يقول: " ... وقد كنت ألصق خدَّيَّ بجداراتها (٦) مع فضتها، وكأنه خد جارية زهراء، وأما استلام الحجر فوالذي خلق الماء والحجر إنه لألذُّ في القلب من رشف رُضَابِ الكَوَاعِبِ (٧) للعازب، ولا يمكنكم أن تدركوا حقيقة ذلك بالصفة، حتى تباشروه، كما لا يمكن تعري العنِّينِ لذَّةَ الجماعِ بالوصف والتمثيل حتى يباشرَهُ ... " (٨).
следующие страницы →