← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والاقتداء بغيتهم، فكلما جاء أحد من المشرق بعلم، دفعوا في صدره، وحقروا من أمره، إلاَّ أن يستتر عندهم بالمالكية، ويجعل ما عنده من علومٍ على رسم التبعية" (١)، وكان ﵀ يرى أن رزية الانكماش والقصور والركود وضيق الأفق، مشكلة صعبةُ العلاج، بعيدة الزوال؛ لأنها تعطيل للأنظار، وطبع على المدارك، فهيهات أن يستطيع محاول إصلاحها، ويعتقد أن رزية التفرق والزَّيْغِ والجحود التي نزلت بالحياة الثقافية بالمشرق أقرب إلى الأمل في العلاج، وأرجى للدفع والاقتلاع، لأنه ما دام جوهر الإدراك سالماً نامياً متحركاً فإن عوامل الهداية لن تعوز، ووسائل التقويم والتصويب لن تبعد، ومن هنا اطمأن إلى حياة العلوم الدينية بالمشرق على ما فيها من بدع وخرافات إذ هي الحياة الممكنة، وإن حياة علوم الدين بالمغرب قد رانت عليها نزعةُ التقليد، والإحجامُ عن النظر، والقصور بالمعاني الشرعية السليمة عن غاياتها ومقاصدها، وإن كل ما فيها من خير إنما يرجع إلى خلوها من البدع العقدية المنكرة. يقول في العواصم مثنياً على أهل المغرب لسلامته من تلك البلايا: (٢) " ... خرجت من بلادي على الفطرة فلم ألق في طريقي إلا من كان على سنن الهدى، يغبطني في ديني، ويزيدني في يقيني، حتى بلغت بلاد هذه الطائفة (مصر) ... فلم يبق باطل إلّا سمعته، ولا كفر إلاَّ شوفهت به ووعيته ... " (٣). قلت: ومع كل هَذه الطامات فإن ابن العربى كان قوي الميل إلى المشرق، عظيم الشغف والِإعجاب به، شديد الِإدْلاَلِ بمعرفته، قوي الاعتزاز بما طبع عليه المشرق من ملكات، وما أكسبه من مواهب وقدرات، فكان ابن العربي يرى أن في كل من الموضعين الشرقي والغربي مزايا ورزايا، إلا أن مزايا الوضع الثقافي بالمغرب هي سلامته، ورزيته في ركوده

стр. 72

وجموده، وأن مزايا الوضع المشرقي هي حركته. ونماؤه، ورزيته في فتنته وجحوده (١). وبهذه الروح الوثابة، والمثل القيمة المقتبسة من تلك المعاني، حدد فقيهنا -رحمة الله عليه- مناهج التعلّم وطرائق التحصيل. فكانت همته سبّاقة إلى الجمع والاستكثار، والاستذكار والرواية والضبط والتصحيح، فنراه في رحلته دؤوباً على الدراسة والسماع، لاَ يَشْغَلُهُ عنهما شاغل، يلتقط الدرر من العلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم. وقد أفاض فقيهنا -رحمة الله عليه- في ذكر رحلته ومن لقيه من الشيوخ بمقدمة كتابه "قانون التأويل" الذي نحن بصدد تحقيقه والتعليق عليه، كما قام أستاذنا الدكتور عمّار طالبي الجزائري بدراسة (٢) نقدية وافية لرحلته في طلب العلم منذ خروجه من إشبيلية إلى عودته إليها بتفصيل دقيق نسأل الله أن يجازيه خير الجزاء، وعليه فإنني سأقتصر في هذا المبحث على ذكر رحلته إلى الحجاز، هذا الجانب الذي أغفله المؤلف في "القانون" وأجمله أستاذنا د. عمّار في دراسته القيمة، والذي أدّى ببعض الباحثين المُحْدَثِينَ إلى التشكيك في السنة التي حج فيها ابن العربي (٣)، بل وأدى بالبعض الآخر إلى إنكار أن يكون ابن العربي قد أدّى فريضة الحج (٤). والواقع أن الحج كان من مقاصد ابن العربي فقد قال في "القانون": رحلت طالب علم وحج. فكانت رحلته ﵀ إلى الحجاز في أواخر ذي القعدة من سنة تسع

стр. 73

وثمانين وأربعمئة (٤٨٩) (١) وقد مر في طريقه إلى الحجاز على الرَّبَذَة التي وصف ما شاهده فيها فقال: " ... وقفت على قبر أبي ذر الغفاري بِالرَّبَذَة مستهل شهر ذي الحجة سنة ٤٨٩، وهو على قارعة الطريق من الكوفة إلى مكة، غريباً مفرداً، لا أنيس ولا عمارة، خرج هنالك أيام عثمان ﵁ على وجه سليم صحيح بيناه في كتاب "العواصم" (٢) لم يقدح في أحد، ولا قصر ببشر، ولا انتسب إليه فيه ظلم، فأقام بها حتى مات ﵁ ... " (٣). وحول وصوله إلى ميقات الِإحرام يقول: " ... لما كانت سنة: ٤٨٩ أهلّ علينا هلال ذي الحجة ليلة يوم الخميس بالرَّبَذَة، فرحلنا عنه، وقد فرح الناس بوقفة الجمعة ليجتمع لهم فضل اليومين، فضل يوم عرفة، وفضل يوم الجمعة، فبتنا بمكان يقال له المسجد، ثم رحلنا سَحَراً، فلما صلينا الصبح، وأشرقت الشمس إذا بقافلة البلقاء، ترى فيها النفر المحرمين بالثياب البيض بين الناس، فقلت: ما هذا؟ قال لي بعضهم: هم الشيعة، لا يحرمون من ميقات عمر (ذات عرق)، قلت فمن أين لهم هذا؟ قال: هم يزعمون أن علياً خرج من الكوفة، فأحرم من هذا الماء ... " (٤). وصوله مكة: ويذكر ابن العربي رحمة الله عليه أعماله في الحج، ويحاول أن يكون أداؤه لها دقيقاً كما أدّاها الرسول ﷺ يوم الحج الأكبر، ويلاحظ أن الناس يهملون بعض مناسك الحج، ويُفَوِّتُونَ على أنفسهم خيراً كثيراً، فهم يتركون المبيت بمنى يوم التروية، ويؤثرون أن يبيتوا ليلة عرفة بعرفة (٥)، يقول فقيهنا

стр. 74

في هذا الشأن: " ... مررت من ذات عرق، فألفيت الحاجَّ كلَّهُ كائناً في عرفة، ولَيْسَ عَلَى من فَعَلَ ذلك شيء، ولكنه ترك فعل رسول الله ﷺ ولقد خاب في تركه (١) ... أما أنا فجئت من ذات عرق إلى الموقف، ليلة عرفة نصف الليل، فأصبحت بها، ووقفت من الزوال يوم الجمعة سنة ٤٨٩ (٢)، ثم اندفعت بعد غروب الشمس إلى مزدلفة" (٣). ويقصّ علينا المؤلف -رحمة الله عليه- بعض البدع المنكرة التي كان يعتقدها الجهال فيقول: " ... ولقد رأيت الجهل قد انتهى بقوم إلى أن يقولوا -ليلة المزدلفة- قائمين على سطح مسجد المشعر الحرام: يا فلان حج، فينادي كل أحد باسم حبيبه أو جاره، ويقول إنه إذا فعل ذلك به حجّ، فقلت لبعض جيراني: هذا باطل، فنادى معي، وانقلبنا إلى البلد، فما حجّ من نُودِيَ باسمه" (٤). ومن مزدلفة في طريقه إلى منى يقول: " .. فبتّ بها (أي بمزدلفة) ثم أصبحت، فوقف بها الأمير (٥)، حتى طلعت الشمس على قدم، فلما عمت الجبال، اندفعنا، فرمينا الجمرة، وحَلَقْتُ وذبحت لفدية كانت علي، ثم دخلت مكة، وطفت وسعيت، وصليت بها الظهر (٦)، ... وكنت أشرَبُ ماء زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والِإيمان، حتى فتح الله لي بركته في المقدار الذي يسّره لي من العلم، ونسيت أن أشرَبَهُ للعمل، ويا ليتني شربته لهما، حتى يفتح الله عليّ فيهما، فكان صغوي (٧) إلى العلم أكثر منه إلى

стр. 75

العمل، ونسأل الله الحفظ والتوفيق (١)، ... ودعوت بالملتزم ثلاث دعوات، فرأيت الاثنتين وبقيت واحدة، والله يمنُّ بها عليَّ فهي العمدة، فكانت الأولى أن يجعلني من العلماء حتى لا يتكلَّمَ أحد بشيء من العلم -إن كان حقاً- إلاّ علمته، وإن كان باطلاً إلاَّ قدرت عليه، إثباتاً للأول، ونفياً للثاني، وآتاني الله ذلك، وآتاني الثانية، وبقيت الثالثة، فيا ليتني كنت شَرِبْتُ ماءَ زَمْزَمَ للعمل، ودعوت الله فيه في الملتزم" (٢). وحول مقام سيدنا إبراهيم ﵇ قال: " .. وقد اختلفوا فيه، فقال قوم: هو الحجر الذي جعل إبراهيم عليه رجله حين غسلت زوج إسماعيل ﵉ رأسه، وقد رأيت بمكة صندوقاً فيه حجر عليه أثر قدم قد انمحى واخلولق، فقالوا كلهم هذا أثر قدم إبراهيم ﵇، وهو موضوع بإزاء الكعبة (٣)، لمسته بيدي وخدي تبركاً به (٤) في ذي الحجة من سنة ٤٨٩ والحمد لله رب العالمين" (٥). وحول الكعبة المشرفة يقول: " ... وقد كنت ألصق خدَّيَّ بجداراتها (٦) مع فضتها، وكأنه خد جارية زهراء، وأما استلام الحجر فوالذي خلق الماء والحجر إنه لألذُّ في القلب من رشف رُضَابِ الكَوَاعِبِ (٧) للعازب، ولا يمكنكم أن تدركوا حقيقة ذلك بالصفة، حتى تباشروه، كما لا يمكن تعري العنِّينِ لذَّةَ الجماعِ بالوصف والتمثيل حتى يباشرَهُ ... " (٨).

стр. 76

وقد اتصل فقيهنا -رحمة الله عليه- بجمهرة كبيرة من شيوخ العلم وأهل الفضل، ومن جملة من سمع عليهم بالحرم المكي الشريف، محدث مكة عبد الله الحسين بن علي الطَّبَرِي (١) (٤١٨ - ٤٩٨) الذي روى عنه صحيح مسلم برواية الجلودي سماعاً ومناولة (٢)، كما سمع من أبي المعالي ثابت بن بندار (ت: ٤٩٨) (٣) نسخة دينار بن عبد الله الأهوازي عن أنس بن مالك (٤). وقد تفرغ فقيهنا -رحمة الله عليه- مدة إقامته بالحرم الشريف للعبادة والتهجد، والاتِّصَالِ بشيوخ التربية والسلوك، يوسع دائرة علمه، ويزكي راسخ ملكته، مقبلاً على العلم النافع، مستكثراً من الخير والبر، ويصف لنا في كتابه "سراج المريدين" ليلة من لياليه في مكة فيقول: " .. سمعت محمدَ بنَ عبد الملك الواعظ وهو على المنبر في الملتزم بين الركن والمقام وهو يعظ في ليلة من ليالي كانون الأول من حين فراغنا من صلاة العتمة إلى الفجر، ما نزل ولا انقطع له كلام في التملق لله والتحبب والتعطف، وأنشد في تلك الليلة نحواً من ألفِ بيت وقد قيدنا منها كثيراً في "ترتيب الرحلة" وكان من جملتها: بَسَطْت نَحْوَ الحَبِيب كَفَّا ... أسْألُهُ بِالغَدَاةِ عَطْفَا وَقُلْتُ يَا سَيدِي ترَانِي ... فَلَيْسَ مَا بِي عَلَيْكَ يَخْفَا وهو رافع يديه، يقول يا سيدي تراني، يا سيدي تراني، والخلق يَخِرُّونَ، والمسجد الحرام قد امتلأ بالأصوات والجؤار والبكاء، والناس يتساقطون يميناً وشمالاً ضعفاً وإغماء .. " (٥).

стр. 77

زيارته للمسجد النبوي الشريف بالمدينة: ثم بعد أن قضى مناسك الحج، شدّ الرحال إلى مسجد النبي ﷺ بشوق عظيم ونية خالصة، وقد أعرب عن هذه الفرحة في كتابه السراج فقال: " ... ولقد وصلت إليها والحمد لله، وأشرفت من الثنيّة، ورأيت النور ساطعاً إلى السماء بفضل الله تعالى، وصليت في الروضة النبوية، وناجيت الرسول ﷺ ليلاً من جهة رأسه وتشفعت به (١)، فنسأل الله الذي يختص برحمته من يشاء، ويمن على من يشاء من عباده، ألا يجعل ذلك عناء، ولا يصيّره هباء بفضله ورحمته" (٢). وكان -رحمة الله عليه- يقضي جلّ أوقاته في الروضة الشريفة، بين القبر والمنبر، يستمع إلى أحاديث العلماء الأعلام، وهم يقولون: قال صاحب هذا القبر .. وحدث ابن العربي تلاميذه بكل ما سمع في الروضة الشريفة وهو فخور بذلك، وإليك أنموذجاً لمسموعاته بالمدينة المنورة: " ... حدثنا الشريف الأجل الكامل، نقيب النقباء، ذو الشرفين، شهاب الحضرتين، أبو الفوارس طِرَاد بن محمد الزينبي بين القبر والمنبر بالروضة الشريفة تجاه منبر رسول الله ﷺ بعد الصلاة، يوم الجمعة السابع من المحرم سنة: ٤٩٠ ... الحديث ... " (٣).

стр. 78

٣ - صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري: كان القرن الخامس في المشرق قرن الِإنتاج الخِصْبِ، والتحقيق العميق، والبحث الواسع، والتحرير البديع، في الفقه، وأصول الفقه، والتفسير، والحديث، والكلام، والتصوف، كان كل علم من هذه العلوم قد قيّض الله له من يبعث فيه روح الحياة فيجدد له طرقه، وييسّر له سبله، فكان ذلك واضحاً في فقه القدوري (١) والسرخسي (٢) من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب (٣) والباجي من المالكية، والماوردي (٤) وأبي إسحاق الشيرازي (٥) من الشافعية، وفي كتاب البرهان والِإرشاد لِإمام الحرمين، وفي تآليف البيهقي، ورسائل القشيري (٦). لقد كانت بغداد ودمشق والقدس ملتقى لهذه الفنون والمعارف العقلية والنقلية، وكان ابنُ العربي قد انقطع في -هذه الأماكن المباركة- للمطالعة والطَّلَب والتحصيل والتحرير، فلازم الشيوخ الأعلام بالمدرسة النظامية (٧)، وأقبل على الغزالي إقبال المتشوق

стр. 79

اللهفان، وتلقاه الغزالي بقبول طيب، وتفرغ له بصفة خاصة. فسمع عليه "إحياء علوم الدين" وسأله سؤال المسترشد عن عقيدته المستكشف عن طريقته، ليقف على سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه (١)، وكان الِإمامِ الغزالي يعرف فيه النبوغ ويتوسم فيه جمع الحسنيين: قوة الحافظة وقوةَ العارضة، فسدده إلى سواء السبيل، وواساه مواساةَ الوالد الجليل (٢). وهكذا وجد فقيهنا الصواب الذي لا شوب فيه، وصادف اليقين الذي لا ريب معه، والِإمام الغزالي بخاصة وأهل السنة والجماعة بعامة كان ديدنهم -في الكلام على مسائل الفقه والأصول وسائر مباحث الثقافة الِإسلامية- على طريقة من يَتَوَخَّوْنَ من الأمور لبابَهَا ويصرفون عنها قشورها. فتلقى عنهم أصول المذهب الأشعري، فتعشّقه واندفع في نصرته (٣) بما آتاه الله من قوة الحجّة، وبراعة المحاورة، وسرعة البديهة، وطلاقة اللسان، وغزارة البيان، فأصبح يناقش هذا ويحاور ذاك وهو ما زال بعدُ في ريعان الصبا وفتاء الشباب (٤). ومن هذه الصلات الموجهة، والعوامل المنتجة، من توافر الكتب وتلاقي العلماء، وتلاقح الأفكار، كل هذا أصَّلَ لدى ابن العربي المنهج القويم، وزكّى فيه المعرفة الحقة، فاكتملت شخصيته العلمية، إذ أصبح مشرفاً على مذاهب الفقهاء، وأنحاء العلماء، وأغراض الأدباء، إماماً في

стр. 80

العلوم القرآنية والحديثية (١)، أصولياً (٢)، متكلماً (٣)، فقيهاً (٤)، شاعراً مجيداً (٥)، نحوياً لغوياً (٦)، كاتباً بليغاً (٧)، خطيباً فصيحاً (٨)، وقد ترجم له من معاصريه (٩) رجال تشهد تراجمهم له بما سما إليه مقامه من عِزٍّ وسؤدد في الدين والعلم. فرحم الله فقيهنا وجزاه الله عن الإِسلام والمسلمين كل خير. ٤ - عودته إلى الأندلس: عاد ابنُ العربي إلى وطنه "الأندلس" بعد غياب طويل دام إحدى عشرة سنة أو تزيد، فاشرأبت الأعناق لرؤيته، واحتشد الجميع لملاقاته والترحيب به (١٠)، إذ كانت رحلته العلمية وتلمذته لفحول الشرق قد أشاعت اسمه، وأعلت صيته، وقررت منزلته، فتمكّن مقامه في قلوب أهل العلم، وفتحت له أبواب الحظوة والكرامة في رحاب السلطان. وعن هذا الموقف يقول معاصره وتلميذه الفتح بن خاقان: " ... فَكَرَّ إلى الأندلس فحلها، والنفوس إليه متطلعة، ولأنبائه متسمّعة، فناهيك من حظوة لقي، ومن عزة سُقِيَ، ومن رفعة

стр. 81

سما إليها وَرَقِيَ، وحسبك من مفاخر قُلِّدَهَا، وَمَحَاسِنَ أُنْسٍ أنْبَتَهَا وَخَلَّدَهَا ... " (١). ولا ندري هل كانت عودة ابن العربي عن طريق البَرِّ أو البحر؟ وكل ما استطعنا معرفتَه أنه دخل تونس في ذي الحجة سنة: ٤٩٤ (٢)، ورأى بمدينة المنستير جماعة من الزهاد قال عنهم: " ... ورأيت بمنستير إفريقية جماعةَ الطريق المثلى، في العزلة عن الدنيا، أقمت عندهم عشرين يوماً فكأني في الآخرة، طيب عيش، وسلامةَ دِينٍ، ثم جذبتني صلةُ الرَّحِمِ، فقطعتني عن الله مقاديرُ سماوية، فاعجب -فديتك- من قطع بوصل، ومن أجر بذنب، ومن إعراض فإقبال، ومسامحة في استدراج، وذلك بضرب من العجز والتقصير، وغلبة حب الدنيا على القلب وإلّا فما أسهلَ الجمعَ بين معاقد التقوى، وأقْرَبَ التحصيلَ لوجوه الخلاص، ولكن بحذف العلائق وقطع الشهوات، وذلك يعسر مع الِإقبال عليها، ويسهل مع التوفيق بالإِعراض عنها، قل إن الأمر كله لله" (٣). ثم نزل بتلمسان وفاس (٤) وأملى بها مجالس علم كانت مثار إعجاب

стр. 82

الحاضرين، وَمَرَّ في طريقه بأرض "دُكَّالَة" في المغرب الأقصى حيث التقى به العالم الرحالة أبو العباس القسمطيني الذي يقول: " ... وبها (أي بأرض دُكَّالَة) اجتمعت بالشيخ أبي بكر بن العربي لما قدم من سفارة العراق، وتوجه لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين المتوفى سنة ٤٩٤" (١). ودخل ابنُ العربي مدينة مراكش عاصمة الدولة المرابطية، ويبدو أن ابن تاشفين قابل العالم الشاب والسفير الموفق بكل ترحاب وتكريم، وتسلّم منه المراسم السلطانية التي حملها إليه من عاصمة الخلافة العباسية -بغداد- بتقليده لقب أمير المسلمين (٢)، وجعله نائباً عن الخليفة العباسي في أقطار المغرب الِإسلامي، تعزّزه في ذلك فتاوى العلماء (٣) ورسائل الوزراء (٤). وصول ابن العربي إلى إشبيلية ونشاطه بها: وعاد ابنُ العربي إلى إشبيلية يهاجم ويناظر، ويفيض كالسيل بألوان الفنون والمعلومات تدريسا (٥) وتحريراً، وينقّحُ الفقه المالكي بتحقيقه لمناط الأحكام، ونظره في أدلتها، ونقضه على الفقهاء ما كانوا يُفْتُون به تقليداً أو عن ضعف دليل، فملأ كتبه النفيسة العجيبة بذكر الغزالي والتعلق بمتين محبته، وجليل إعظامه، والتلذذ بإعادة محاوراته، وتجديد مطارحاته، على أن ما تشرّبه من حرّية البحث وكرامة المعرفة، كان يدفع به إلى مناقشة أستاذه "دانشمند" في كثير من أقواله وآرائه مثلُ بحوثه المستفيضة في "العواصم" (٦) و"القانون" (٧) وانتصب -فقيهنا رحمة الله عليه- بطريقته هذه يُبْرِزُ للناس

стр. 83

علماً مفنّناً على مناهج عجيبة وفي صور بديعة، وأول ما لَفَتَ أنظار الناس إليه، جمعُه العجيب بين طريقتي النقل والعقل، فإنه لما رأى عناية أهلِ الأندلس بالموطأ، مع قِصَرِ باع العاكفين عليه عن معرفة فقهه والاستدلال لمسائله، والجمع بين ضبط أحاديثه ودقة استخراج الفقه منها بإعمال الأدلة والتنظير بينها، انتصب يشرح لهم الموطأ شرحاً واسعاً، على منهج النظر والاستدلال والفقه في المعاني، وبهذا العمل التحق الفقه المالكي في المغرب الِإسلامي بالدرجة التي كان قاصراً دونها، كما أنه اهتم بتدريس الأصول (١)، وذلك لتمهيد طريق النظر الفقهي على قواعد الأصول، فأصبح ابنُ العربي عَلَماً مُفْرَداً في الجمع بين الفنون وسهولة هضمها، وبذلك علت سمعته وَعَظُمَ صيته، وبطريقته البديعة في تدريسه صدرت كتُبه الكثيرةُ الجليلة المفننة في التفسير والكلام والأصول والفقه والنحو والأدب. ٥ - نشاطه العلمي ومناصبه في الدولة: وما إن مرت أيام، حتى جاء الأمير سير بن أبي بكر اللمتوني يدعوه لحضرته، ويختاره للشورى بين يديه (٢)، وهو منصب عال لا يرقى إليه إلاَّ الصَّفْوة المختارة من رجالات الفكر وأئمة الفقه، يجعلهم في مصاف الوزراء وكبراء رجال الدولة، ولذا نجدُ بعضَ معاصريه (٣) يحليه بلقب "الوزير". ولم تكن أعماله الِإدارية لمجلس الشورى لتعوقَهُ عن مهامه العلمية من بحث وتأليف وتدريس ووعظ، ولكن صلتُه بالسلطان ربما أساءت إلى سمعته كعالم تقي ورع، فهذا أحد تلاميذه المعجبين به، أبو عبد الله بن مجاهد الإشبيلي الزاهد العابد، لازم ابن العربي نحواً من ثلاثة أشهر، ثم تخلف

стр. 84

عنه، فقيل له في ذلك، فقال: كان يدرّس وبغلته بالباب تنتظره للركوب إلى السلطان (١). ولايته القضاء: أظهر ابن العربي لدى توليته الشورى بين أيدي القضاة كفاءة نادرة، دَلَّت على تضلّعه الواسع في علوم الشريعة، وغيرة ملْتَهِبَةٍ على حقوق الضعفاء، والوقوف إلى جانب المظلومين، وكان في مجالسه العلمية ينتقد الأوضاع الفاسدة التي يعيشها المجتمع الأندلسي، ويُنْحِي باللائمة على الوُلَاةِ، والمسؤولين تارة، وعلى فساد المجتمع بأكمله أخرى، وفي هذا الصدد يقول ﵀ في كتابه السراج: "وقد عظم الخطب في هذا الزمان، حتى لا يدري العبد على أي شيء يبكي، أعلى فوات دنياه، أم على ذهاب دينه، أم على إخوانه في القربات، أم على دروس العلم وطموسه، أم على اتفاق الخلق على إنكار المعروف وتعريف المنكر، أم على أميره الذي لا يرعى فيه إلاًّ ولا ذمّة ... " (٢)؟. ويقول في موضع آخر: "وقد فَسَدَ اليَوْمَ الأصنافُ كلُّهم، وأشدُهم فساداً الأمراء والفقهاء، وهم الذين تُصْلَحُ بهم الأحوال، وتنال بصلاحهم الآمال" (٣). ومضى ابنُ العربي في طريقه هذا غَيْرَ هيّاب ولا وَجِلٍ، فأخلص للحق، وانقطع لِإبراز ما يراه عدلاً وقسطاً، ولا شك أن إخلاصه هذا، وغيرتَه على نصرة دين الله، وَجَمْعَهُ نَوَاحِيَ متباعدةً من فنون العلم، وبلوغَهُ فيها جميعاً درجةً متساويةً من الِإمامة، قد جذب الفحول من ناشئة الفقهاء والمتأدبين إلى دروسه من مختلف بلاد الأندلس والمغرب (٤)، كما كان لهذه

стр. 85

الدروس والنقد النزيه للأوضاع المعاشة صداها البعيد في مراكش عاصمة المرابطين، فأصدر علي بن يوسف بن تاشفين مرسوماً بتولية أبي بكر بن العربي قضاء إشبيلية يحمل تاريخ منسلخ جمادى الثانية سنة: ٥٢٨ (١). وتتفق كلمة المؤرخين على أنه كان مثال العدل والاستقامة (٢)، صُلْباً في الحق، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، قال عنه تلميذه ابن بشكوال: " ... استقضى ببلده فنفع الله به أهله لصرامته وشدته، ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة" (٣) و"مع الرفق بالمساكين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٤). وقد عثرت -في كتابه سراج المريدين- على نص له أهمية بالغة، يوضح لنا فيه كيفية قبوله لهذا المنصب الخطير، وما اعترضه فيه من متاعب ومصاعب نرجو من الله ﵎ أن يجعلها في ميزان حسناته يوم القيامة بمنه وكرمه. وهذا النص -وإن طال- فلا يخرج عن الِإفادة بذكره والاستفادة من نشره. يقول الفقيه ابن العربي في شرحه للآية الكريمة: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. "لما علم من قوة نفسه، ورأى من تضييع الحق وتعطيل الحدود، وفساد الخلق في الأرض، ما حمله على إرادة إظهار الحقوق. ففي ذلك أسوة لمن قَدَرَ من نفسه على القيام بالحق أن يَقْبَلَهُ إذا جُعِلَ إليه. ولقد اقتديت أسوة بذلك، مع أني من أكثر الخلق ذنوباً وعيوباً، وأقلهم منزلةً به، فإني لما دعيت إلى ولاية القضاء قَبِلْتُه مختاراً لثلاثة أوجه:

стр. 86

أحدها: سر ما بيني وبين الله. والثاني: معاينتي للباطل قد دمّر الأرض، فأردت أن أصلح ما تمكنت منها، من كف الظلم والاعتداء (١)، وبث الأمن، وحفظ الأموال، وكف الأطماع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفك الأسير، والتحصين على الخلق بالسور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، فحكمت حتي أرِجَت أقْطَارِي، وَرُفِعَ السَّمَر بِأخْبَارِي، فَضَجَّ العُداة، وظهر الولاة حين صَفُرَ وِطَافُهُم من الحرام، وابيضت صحائفهم من الآثام، فَدَسُّوا إليّ نفراً من العامة فثاروا على، وساروا إليّ، فَنُهِبَت داري، وهم قيام ينظرون، ولا يغيرون ولا ينكرون، فانتشلوا مالي، وهدموا مسجدي وداري ... وتعرضوا لنفسي فَكَفَّ الله أيديهم عني، ولقد وطّنتها على التلف وأنا أنشد لخُبَيْب: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ في الله مَصْرَعِي (٢) وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار لكنت قتيل الدار (٣).

стр. 87

الثالث: أن الناس كانوا يظنون أن الأرض خالية عن سياسة درب بالخلق، درب بإقامة الحق فأردت أن أكشف لهم عن بنات صدري، وأعلمَهُم كيفية وِرْدِي في الأمر، وفي صحيح الحديث أن النبي ﷺ قال لِسَمُرَة: " لاَ تَسَل الإمَارَة، فَإِنَّكَ إِنْ سَألْتَهَا لَمْ تُعَنْ عَلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَها مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" (١). وهذا وإن كان من قول يوسف خبراً عن شريعته، فإن الشرائع في هذا الباب متماثلة؛ لأنّه من باب التعاطي المذموم في كل ملّة، المناقض للتواضع المحمود في كل دين" (٢). قلت: وهكذا لم تمض سنةٌ وبضعةُ أشهر (٣) على ولايته القضاء، حتى ثارت الغوغاء في وجهه ونكب، فانصرف عن القضاء أو صرف عنه، والتحق بقرطبة وبها جماعة من محبِّيهِ ومريديه ومعارفه، فانقطع للعلم والبحث، وقد استراح من أعباء القضاء. وما إن استقر ابن العربي في قرطبة، حتى تواردت عليه الوفود من الطلاب، وأضحى بيتُه كعبةَ الواردينَ، وملجأ الوافدين، وكانت مجالسُهُ العلميةُ لا تكاد تنقطع ليل نهار، إلى جانب ما كان يقوم به من بحث وتأليف. ويصوّر لنا بعضُ تلاميذه هذه الحياةَ العلميةَ التي كان يعيشها ابنُ العربي في خَلوة العلم والبحث فيقول: " ... وكنا نبيت معه في منزله بقرطبة، فكانت الكتب عن يمينه وعن شماله، وكان لا يتجرد من ثوبه، وكانت له

стр. 88

ثياب طويلة يلبسها بالليل وينام فيها إذا غلبه النوم، ومهما استيقظ مَدَّ يده إلى كتاب، وكان مصباحه لا ينطفىءُ الليلَ كله" (١). عودة ابن العربي إلى إشبيلية: ولم تطل إقامة ابن العربي بقرطبة، ولعلّ انتقاله إليها كان مؤقتاً- ريثما تهدأ العاصفة، وتعود المياه إلى مجاريها، فلم يلبث أن عاد إلى إشبيلية، وبنى بها مسجداً اكتظت جوانبه برواد المعرفة، واتصلت حلقاته في التفسير والحديث والفقه والأصول والكلام واللغة والأدب والأخبار والسير، وما إليها، وهذه الفترة من أخصب فترات حياته، وفيها أتمّ أكثرَ مؤلفاته. ولا شك أن ذيوع اسمه وتألق نجمه قد غطّى على كثير من مشيخة عصره، مما دفع ببعض منافسيه إلى النيل منه، والحطّ من قدره، فنفّروا الناس من الأخذ منه والسماع عليه، ورموه بالتزيد والِإغراب في أحاديثه ورواياته (٢). وحدث أن دخل أبو محمد التادلي (ت: ٥٩٧) إلى الأندلس للأخذ عن مشايخها، فهمّ بالسماع من ابن العربي، فصدّه الفقهاءُ عنه، وأحالوه على أبي بكر بن طاهر راوية أبي علي الغساني، قال ابن الأبار: وما أراه سمع منه، فصحب عياضاً ولقي أبا القاسم بن بشكوال (٣)، وهما من تلاميذ ابن العربي. ويذكر أبو بكر محمد بن مسدي (ت: ٦٣٦) في معجمه عن أحمد بن الفرج البنَّاني عن الحافظ ابن جد وغيره أن فقهاء إشبيلية حضروا يوماً

стр. 89

بمجلس وفيهم أبو بكر محمد بن عبد الملك بن المرخي (ت: ٥٣٦) وكان ممن حضر معهم ابن العربي فتذاكروا حديث المِغْفَر (١)، فقال ابن المرخي: لا يعرف إلاَّ من حديث مالك عن الزهري، فقال ابن العربي: قد رويته عن ثلاثة عَشرَ طريقاً غير طريق مالك، فقالوا: أفدنا هذا، فوعدهم، فلم يأت بشيء، فأقاموا الدنيا وأقعدوها. وقد ذهب الناس في هذه القصة مذاهب شتى، فمنهم من أثبتها وحاول الدفاع عن ابن العربي، كالحافظ الذهبي الذي ذكر أن هذه القصة ساذجة، لا تدلّ على جرح صحيح، والشعراء يخلقون الإِفك، قال: ولعل القاضي ابن العربي وهم، وسرى فكره إلى حديث فظنه هذا (٢)، وظلت قصة ابن العربي مع فقهاء إشبيلية لغزاً مغلقاً (٣)، لم يهتد أحد إلى وجه الصواب فيها، حتى جاء خاتمة الحفاظ الِإمام ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢) فَخَرَّجَهَا المخرج الصحيح الذي يليق بإمامنا الحافظ ابن العربي. قال الحافظ ابن حجر في "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (٤): " .. وابن مسدي تعقب هذه الحكايةَ بأن شيخه (البنَّاني) كان متعصباً على ابن العربي، يعني فلا يقبل قوله.

стр. 90

قلت (١): وهو تعقب غير مَرْضِيٍّ، بل هو دالّ على قلة اطِّلاع ابن مسدي، وهو معذور لأن أبا جعفر بن المرخي راويها في الأصل، كان مستبعداً لصحة قول ابن العربي، بل هو وأهل البلد حتى قال قائلهم (٢): يا أهل حمص (٣) ومن بها أوصيكم ... بالبر والتقوى وصية مشفق خذوا عن العربيِّ أسمار الدجى ... وخذوا الرواية عن إمام متق إن الفتى ذربُ اللسان مهذب .... إن لم يجد خبراً صحيحاً يخلق وَعَنَى بأهل حمص أهل إشبيلية، فلما حكاها أبو العباس البنّاني لابن مسدي على هذه الصورة، ولم يكن عنده اطلاع على حقيقة ما قاله ابن العربي، احتاج من أجل الذب عن ابن العربي أن يتهم البنّاني، حاشا وكلّا، ما علمنا عليه من سوء، بل ذلك مبلَغُهم من العلم. وقد تتبعت طرق هذا الحديث، فوجدته كما قال ابن العربي من ثلاثة عشر طريقاً عن الزهري غيرَ طريقِ مالك، بل أزيد، فرويناه". قال محمد بن الحسين السليماني: وبعد أدق ذكر الحافظ ابن حجر جميع هذه الطرق باستقصاء عجيب قال: "فهذه طرق كثيرة غيرَ طريقِ مالك عن الزهري عن أنس، فكيف يجمل ممن له ورع أن يتهم إماماً من أئمة المسلمين بغير علم ولا اطلاع، وقد أطلت الكلام على هذا الحديث، وكان الغرض منه الذبّ عن أعراض هؤلاء الحفاظ، والإرشاد إلى عدم الطعن والرد بغير إطلاع. وآفة هذا كله الإطلاق في موضع التقييد، فقول من قال إن هذا الحديث تفرّد به مالك عن الزهري ليس على إطلاقه، وإنما المراد به بشرط الصحة، وقول ابن العربي إنه رواه من طرق غيرِ طريق مالك إنما المراد به

стр. 91

في الجملة سواء صَحَّ أو لم يصح، فلا اعتراض ولا تعارض" انتهى. ومن ألدّ خصوم ابن العربي أبو القاسم محمد الصدفي المعروف بالزنجاني الِإشبيلي فقد كان لا يجد فرصة للطعن عليه إلاّ اهتبلها، واتفق ذات يوم أن حضر الناس إلى الجمعة بالجامع الأعظم بإشبيلية، فتغيب الخطيب لعذر قاهر، فلم يكن بد من أن يقوم للصلاة قاضي البلد -وهو- إذ ذاك- أبو بكر بن العربي، وعندما قام ليخطب -وهو الخطيب المفوَّه- لم يجد حَرفاً من الخطبة فأرتج عليه، فقال: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلاَّ الله، فقالوها، فقال روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: إِذَا قَالَ العَبْدُ لَا إلهَ إلّاَ الله اهْتَزَّ عَمُودٌ مِنْ نُورٍ ... الحديث، ثم تلا آية الكرسي وقال: روينا عن عكرمة وابن عباس أنهما قالا:" العُرْوَةُ الوُثْقَى لَا إلهَ إِلَأ الله، ثُمَّ قَرَأ" ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية وقال: اذكروا الله يذكركم، فأقيمت الصلاة فصلى. وما إن انتهى الناس من صلاتهم، حتى وقف الزنجاني وقال: يا أهل هذا المسجد، أعيدوا صلاتكم، ولكن أبا بكر بن الجد، قام على الأثر فردّ عليه وقال: يا أهل إشبيلية إن صلاتكم صحيحة، فخطبة إمامكم تضمنت آيات من كتاب الله، وجملاً من حديث رسول الله ﷺ ، وأي كلام له بال أعظم من هذين، فانصرف الناس عن جمعة. وقد حملته خصومته لابن العربي على التوجه إلى مراكش وتحمل أعباء السفر للسعاية به والمطالبة بتنحيته -أيام كان قاضياً- من منصب القضاء، وظل يتردد على البلاط التاشفيني حتى أدركه أجله غريباً عن أهله سنة: ٥٢٩ وسيق إلى إشبيلية ودفن بها (١). وفقيهنا ﵀ (٢) كثيراً ما يرفع عقيرته بالشكوى من حاسديه والمتربصين به، يقول في العارضة: " ... إلاَّ أني منيت بحسدة لا يفتؤون،

стр. 92

ومبتدعة لا يفهمون، قد قعدوا مني مزجر الكلب يبصبصون، والله أعلم بما يتربصون" (١). ٦ - جهاد ابن العربي: عندما اكتسح الصليبيون، واكتسبوا أراضي الإِسلام في عدة جهات من شرق الأندلس، وأضحى الخطر يتهدد الثغر الأعلى بأكمله، قام ابن العربي في الناس يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، ونجدة إخوتهم وجيرانهم، وفي هذا الشأن يقول في كتابه الأحكام: " ... ولقد نزل بنا العدو -قصمه الله- سنة: ٥٢٧ فجاس ديارنا، وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عدده، وكان كثيراً وإن لم يبلغ ما حَدَّدُوهُ، فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله، وقد وقع في الشرك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نصرة دين الله المتعينة عليكم بركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار، فيحاط به، فإنه هالك لا محالة إن سيّركم الله له، فغلبت الذنوب ووجفت القلوب بالمعاصي، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وجاره وإن رأى المكروه بجاره، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (٢). ويقول في موضع آخر متحسراً مكلوماً: " ... فكيف بنا وعندنا عهد الله أن لا نسلم إخواننا إلى الأعداء، وننعم وهم في الشقاء، أو نملك بالحرية وهم أرقاء، يا لله ولهذا الخطب الجسيم، نسأل الله التوفيق للجمهور، والمنّة بصلاح الآمر والمأمور" (٣). وقد شارك ابن العربي في كثير من الغزوات التي خاضها أمراء إشبيلية مع الصليبيين في شرق الأندلس وغربه، ومن بينها غزوة كتندة التي خرج إليها

стр. 93

أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين (ت: ٥١٤) وكانت على المسلمين، واستشهد فيها آلاف المتطوعة، وفقد عدد منهم من بينهم الإِمامان الجليلان أبو علي الصدفي، وأبو عبد الله بن الفراء، ونجا ابن العربي بقدرة الله، وقد سئل -عند نجاته منها- عن حاله فقال: حال من ترك الغباء والعباء (١)، أي فقد كل ما عنده وَسَلِمَ بنفسه. كما خرج مع الأمير أبي بكر بن يوسف بن تاشفين إلى الغزو في الثغور الشرقية سنة: ٥٢٢، وكان يجمع بين الجهاد والعلم، فقد أخذ عنه في هذه الوجهة أبو العباس لب بن عبد الجبار (ت: ٥٣٨) (٢). كما تردد غازياً على بلنسية في السنوات ٥٢٢، ٥٢٣، ٥٢٤، ٥٢٥، وممن أخذ عليه في هذه الغزوات أبو العباس بن طارق بن موسى (٣). وأبو الخطاب محمد بن عمر (٤) وغيرهم. ٧ - شخصية ابن العربي العلمية: من قراءة سيرة ابن العربي ودراسة تراثه تطالعنا شخصيته الفريدة بكل معالمها القوية ومميزاتها الخاصة، فلقد وصفه زعيم الباطنية -والفضل لما تشهد به الأعداء- بقوله: "ما هذا الصبي إلاَّ بحر زاخر من العلم، ما رأينا مثله قط" (٥) فإذا كانت هذه منزلته وهو ابن العشرين (٦) فلا ينبغي أن نستغرب عندما يصفه الحافظ الذهبي بالاجتهاد المطلق (٧)، أو يصفه ابن عزم المغربي

стр. 94

(ت: ٨٩١) بشيخ المالكية على الإطلاق (١). وتكوين هذه الشخصية القوية يرجع في نظري إلى عاملين اثنين بعد توفيق الله سبحانه: العامل الأول: نشأته في بيت علم وشرف، فقد كان هذا البيت ملتقى لفضلاء العلماء ونبلاء الأدباء والشعراء، فكانت سير المشاهير من أعلام الفكر تجري على الألسن، والمذاكرة في الكتب ومسائل العلم لا تنقطع (٢)، فنشأ فقيهنا في هذا الجو الثقافي العطر، متشبعاً بتلك الروح العلمية، طموحاً إلى الحفاظ على عز أسرته وشرفها، راغباً أن يجدد الله به وعلى يده سيرة أولئك المشاهير من أهل العلم والفضل. العامل الثاني: رحلته إلى المشرق العربي وما لها من آثار عميقة في تكونه الفكري، وقد أشبعنا القول فيها في الصفحات السابقة. فهذان العاملان وعوامل أخرى يطول شرحها، قد جعلت منه شخصية متعددة الجوانب يجد فيه الطالب -أياً كان اتجاهه وتخصصه- بغيته وطلبته، فكان من تلاميذه: المحدث (٣)، والفقيه (٤)، والفيلسوف (٥)، والمؤرخ (٦)،

стр. 95

واللغوي (١)، والشاعر (٢)، والطبيب (٣)، وغيرهم على اختلاف تخصصاتهم. وكانت له ﵀ شجاعة خاصة في إبداء رأيه، ولو كان مخالفاً لأراء أئمة الإِسلام الكبار (٤)، فلم يسلم من لسانه إمام الهدى أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٣٠) حيث قال عنه في كتابه "المتوسط" أثناء كلامه عن بعض المسائل الكلامية (٥): " ... وهذا القول ساقط متناقض، ويلزم شيخنا أبا الحسن من وجهين ... " (٦)، ويقول عنه وعن الإمامين الباقلاني والجويني في العارضة (٧): " ... وهذا باب عظيم لم يتحقق به كثير من العلماء وأول من غفل عنه شيخنا أبو الحسن وتابعه القاضي أبو بكر والجويني ... " وعن الإِمام أبي حنيفة قال أثناء كلامه على بعض المسائل الفقهية: " ... وقد اتفق الناس على ذلك إلاَّ أبا حنيفة، فإنه سقط على أم رأسه ... " (٨) وعن الشافعي قال:" ولقد عجبت من الشافعي مع فقهه وبديع فهمه يقول ... كذا" (٩). كما قال عنه في موضع آخر: " ... كل ما قال الشافعي أو قيل عنه أو وصف به، فهو كله جزء من مالك وَنُغْبَة (١٠) من بحره، ومالك أوعى سمعاً،

стр. 96

وأثقب فهماً، وأفصح لساناً، وأبرع بياناً وأبدع وصفاً .. " (١). ثم لا يلبث أن ينتقد بحدة إمامه والمتبع لمذهبه الإِمام مالك فيقول عنه بمناسبة الكلام على بعض الأمور الفقهية الاجتهادية: " ... وهذا منه فاسد جداً" (٢). قلت: حسب امرئ مسلم لله أن يبلغه قول رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المُؤْمِنُ بطَعَّانٍ، وَلَا لَعَّانٍ، وَلَا فاحِشٍ، وَلاَ بَذِيءٍ " (٣)، حتى يخشع لرب العالمين، ويسمع لنبي الله ويطيع، فيكف غَرْبَ لسانه وضراوة فكره عن علماء الأمة وأئمتها، نسأل الله أن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ويرزقنا الإنصاف، ويعيذنا من الفرقة والاختلاف، وأن يغفر لجميع علماء المسلمين، وأن يتقبلهم عنده في الصالحين، ويختم لنا بما ختم به لعباده المتقين، آمين. ٨ - أقوال العلماء فيه: وشخصية ابن العربي لا تتضح معالمها من تراثه فحسب، بل تعرف كذلك في شهادات من عاصروه، وأقوال من ترجموا له من المؤرخين والعلماء، فقد جاء في رسالة العالم الرباني أبي بكر الطرطوشي (٤) ما نصه: " ... والفقيه أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي ممن صحبنا أعواماً

стр. 97

يدارس العلم ويمارسه، بلوناه وخبرناه، وهو مِمّن جمع العلم ووعاه، ثم تحقق به ورعاه، وناظر فيه وجدّ حتى فاق أقرانه ونظراءه، ثم رحل إلى العراق فناظر العلماء، وصحب الفقهاء، وجمع من مذاهب العلم عيونها، وكتب من حديث رسول الله ﷺ ، وروى صحيحه وثابته، والله تعالى يُؤتي الحكمة من يشاء ... ". أما تلميذه ابن بشكوال فيقول عنه: "الإِمام الصالح الحافظ المستبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، ... كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، مقدماً في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، نافذاً في جميعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها ... " (١). وقال عنه صاحبه وتلميذه الفتح بن خاقان: "علم الأعلام، الطاهر الأثواب، الباهرُ الألباب، والذي أنسَى ذكاءَ إياس (٢)، وترك التقليد للقياس، وأنْتَجَ الفرع من الأصل، وغدا في يد الإِسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس بعد ما أجدبت من المعارف، وَمُدَّ عَلَيْهَا مِنْهُ الظِّلَّ الوارفَ، فكساها رَوْنقَ نُبْلِهِ، وَسَقَاهَا رَيِّقَ (٣) وَبْلِهِ (٤) ... " (٥). أما الحافظ الذهبي فقد وصفه بقوله:

стр. 98

" ... الإِمام العلامة الحافظ ... أدخل إلى الأندلس علماً شريفاً وإسناداً منيفاً، وكان متبحّراً في العلم، ثاقب الذهن، عذب العبارة، موطأ الأكناف، كريم الشمائل، كثير الأموال ... " (١). قلت: وهذه كلها شهادات من علماء فحول (٢)، تقرّ له بالمجد الزكي والعرق الطيب والمنشأ المحمود، قيدوها في كتبهم حتى يكون اعترافهم بها أرسى وأثبت، ونكولهم عنها أبعد وأصعب. ٩ - وفد إشبيلية برئاسة ابن العربي إلى مراكش: قدر الله لابن العربي أن يرى سقوط دولة آل عباد على يد يوسف تاشفين في أول شبابه، وشاء الله له أن يشهد إنهيار صرح الدولة المرابطية على يد الموحدين في أخريات حياته، وعندما أخذت وفود الأندلس تتهيأ لتقديم البيعة إلى الدولة الجديدة، بادر وفد إشبيلية إلى تقديم الولاء والطاعة، تحت رئاسة عالمها الأكبر أبي بكر بن العربي، فحضر إلى مراكش في حدود ذي القعدة عام: ٥٤١ (٣)، ويتكون الوفد من علماء وأعيان وفضلاء إشبيلية وهم: ١ - أبو بكر بن العربي. ٢ - الخطيب أبو عمر بن الحجاج (٤). ٣ - أبو بكر بن الجد (٥).

стр. 99

٤ - أبو الحسن الزهري (١). ٥ - أبو الحسن بن صاحب الصلاة (٢). ٦ - أبو بكر بن السجرة الهوزني (٣). ٧ - أبو بكر بن شريح (٤). ٨ - أبو العباس الرعيني (٥). ٩ - ابن السيد. ١٠ - ابن زاهر. ١١ - عبد العزيز الصدفي (٦). وصادف حضور الوفد الِإشبيلي إلى مراكش اشتغال عبد المؤمن بمحاربة محمد بن هود الماسي، ثم قبائل بِغَرْوَاطَة، فانتظروه نحو عام أو أزيد (٧)، وسلّموا عليه سلام الجماعة في عيد الأضحى من سنة ٥٤٢ (٨)، ثم أذن لهم بمقابلته، فتقدموا للسلام عليه، وألقى أبو بكر بن العربي خطبة بليغة كانت محل استحسان من عبد المؤمن، وتلاه أبو بكر بن الجد فأحسن وأجاد، ثم قدموا إليه بيعة أهل إشبيلية بخطوطهم، فقبلها منهم وشكرهم واستحسن صنيعهم (٩).

стр. 100

الفصل الثالث تراثُه الفكري (مؤلّفاته)

стр. 101

الفَصل الثالث مؤَلّفاتُ ابن العَرَبيّ مدخل: لعل من خير ما يصور مكانة ابن العربي العلمية واتجاهاته الفكرية دراسة آثاره الكثيرة التي خلفها، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها، من عصره إلى عصرنا هذا. وإن التعرض لمؤلفات ابن العربي يستوجب الِإشارة إلى الجهد الذي بذله أستاذنا الدكتور عمار طالبي الجزائري (١)، فله الريادة في إعداد الكشف البيبليوغرافي لمؤلفات ابن العربي بشكله العلمي السليم فجزاه الله خيراً. ولا بد من الِإشارة أيضاً إلى أنه ينبغي للباحث أن يربط بين تنوع ثقافة ابن العربي كمتكلم وفقيه ومحدث ولغوي، وبين اتجاهاته في التأليف، وهي مسألة طبيعية أن ينوع مؤلفاته بحسب ثقافته واختصاصاته، فقد كان رجلًا عجيباً في جمعه نواحي متباعدة من فنون العلم وبلوغه فيها درجة عليا مكنته من الِإشراف على العلوم والمعارف، وبالتالي سلوك طريقة في التأليف والبحث والعرض أساسها: توخي الابتكار في الأسلوب، والاستقلال في الفهم، والإفصاح عن المعاني بصورة محكمة مبينة، متينة الأسس واضحة المعالم.

стр. 102

ونحن بحاجة شديدة إلى الإلمام بأعمال ابن العربي والتعرف على مجمل الظروف التي ألف فيها مؤلفاته، والخصائص التي تميزت بها تلك المؤلفات، وهذا أمر يحتاج إلى تتبع دقيق وروية في الحكم، وقد يسر الله لنا -بمنه وفضله الاطلاع على أغلب ما وصل إلينا من مؤلفات ابن العربي المخطوط منها والمطبوع، فأثبت خلاصته بهذا المبحث، مجتهداً في اتباع منهج واحد في تناول وصف كل كتاب، ويمكن تلخيص هذا المنهج في النقاط التالية: ١ - الإشارة إلى ذكر ابن العربي للكتاب المتحدث عنه في كتبه الأخرى. ٢ - الإشارة إلى من ذكره من المؤلفين السابقين. ٣ - التنبيه فيما إذا كان الكتاب موجوداً مخطوطاً أو مطبوعاً، واجتهدت أن أطلع عليه، وأشرف إلى الطبعة أو المخطوطة التي وقفت عليها، أما بعض النسخ الخطية التي لم أتمكن من الوقوف عليها -وهي قليلة- فقد أشرت إلى ذلك ونبهت عليه. ٤ - حاولت أن أقدم وصفاً مختصراً لنوعية الكتاب ومجاله وموضوعه بعبارة وجيزة مستنداً إلى دراستي للكتاب. ٥ - قسمت الكتب حسب موضوعات العلوم، كما ذكرت الذي لم أقف عليه في آخر القائمة متبعاً نفس الترتيب السابق بعد أن أسقطت ما كرره المترجمون بفعل الوهم أو الخطأ. ١ - "علم الكلام ": ١ - كتاب "الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى " (١): وقد وقفت عليه مخطوطاً في الخزانة العامة بالرباط، تحت رقم:

стр. 103

(٦٢٧٥: د)، ١١٢ ورقة، خط مغربي قديم وسطوره مختلفة، مبتور الأخير، ووقفت على نسخة أخرى بنفس المكتبة وهي تحت رقم: (٤: ق)، ١٨٠ ورقة ٢١ سطر خط مغربي. إضافة إلى نسختين أخريين وقفت عليهما كذلك، الأولى من تركة الشيخ عبد الحي الكتاني التي ضمت إلى الخزانة العامة، وهي ضمن مجموع رقم: (٢٦٧٠: ك، أي: كتاني)، والثانية في الخزانة الملكية تحت رقم: (٢٨٧٢). وعند سفري إلى تركيا، عثرت على نسخة جيدة من هذا الكتاب في مكتبة الحاج سليم آغا بأسكدار- إستانبول، تحت رقم: (٤٩٩)، ١٣٦ ورقة، ٢٥ سطراً، خط نسخي. كما وقفت على نسخة هامّة بالمكتبة الوطنية بمدريد تحت رقم: ( CDL: VII) لم أتمكن من نقل كامل البيانات عنها لوقوفي عليها في آخر يوم من وجودي في العاصمة الإسبانية، مع العلم أن خطها مغربي متوسط الجودة (١). أما عن مضمون هذا الكتاب ومنهج المؤلف في تحرير قضاياه وبسط مسائله، فيقول ابن العربي في ديباجة الكتاب: "الحمد لله قبل كل مقال، وعلى كل حال، وفي كل زمان وعند كل مثوى وارتحال .... ، أما بعد: فقد كنت متشوقاً إلى قرع باب العلم بربي، متشوقاً إلى مطالعة حضرته وما فيها من عجائب المعارف وفنون المعلومات ... فكان أفضل ما انتدبت إليه، وعقدت العزم عليه، التعريف بالله تعالى، والتفسير لأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنظمت فيها شتيت تعليقي، وصدعت بتبيانها وعاء تحقيقي، وجلوت نكتاً طال ما شددت إليها

стр. 104

الحزام، وطبعت عليها الختام، فهذا أوان جلاها، وهذه جواهرها وحلاها. وقد سبق إلى هذا المعنى جماعة، فجاؤوا مستأخرين ومستقدمين، ومنهم من أوعب وأطنب، ومنهم من هذّب وقرب، وما استولى علي المرغوب، ولا قرطس المطلوب، إلاَّ بعض أشياخي (١) فإنه جمع فيها كتاباً صغير الحجم، استوعب جملًا عظيمة، وأشار إلى أمور بديعة، هتك بها حجاب الِإخفاء، وقام فيها بواجب جمل الاحتفاء، وعلى كثرة ما جمعنا فيها، وأوثقنا من مبانيها، وأوضحنا لمعانيها، فإنَّنَا على منواله ننسج، وفي سبيله نستنتج، وربما اقتحم فيها -على سيرته- أموراً لا تطاق، وجاء بألفاظ يضيق عنها النطاق، سنفاوضه فيها ... والله ولي التوفيق" (٢). قلت: وعن أبواب وفصول الكتاب قال ﵀: " ... إن مدار الكلام فيه ينبني على أربعة أقطاب: القطب الأول: في ذكر أسماء الله على الجملة والتفصيل، وذكر مواردها واختلاف الروايات فيها. القطب الثاني: في ذكر سوابق وفواتح لا بد من تقديمها بياناً لما عسى أن يستبهم من أغراضها. القطب الثالث: في شرح معانيها وإيضاح مقتضاها. القطب الرابع: في ذكر تتميمات بها يكمل المقصود، ويحصل بفضل الله المطلوب. وكل قطب منها يشتمل على فصول وأصول، وتمهيدات وفروع، ... وانتقينا من كلام العلماء كل غريبة، وأوردنا كل بديعة، وعقبناه من الاجتهاد

стр. 105

بما نتضرع إلى الله أن يقرنه بالسداد" (١). قلت: وعن مسلكه في تحرير موضوعاته قال ﵀: " ..... اعلموا وفقكم الله أن المؤلفين في هذا الباب وإن كانوا على حالين، منهم من اختصر واقتصر، ومنهم من أوعب واستظهر، فإنهم لم يستنزلوا على جميع المقاصد. ولا شرعوا في جملة الموارد، وإنما أخذ كل واحد بطرف لواه وما استوفاه، وهذا الكتاب غَدَا موثّق المباني، وأتى على جميع المعاني، إذ رتبنا القول فيه على أربعة عشر وجهاً: الأول: النظر في مورد الاسم قرآناً وسنة وإجماعاً، فعلاً أو اسماً، إفراداً أو جمعاً. الثاني: النظر في معناه لغة. الثالث: القول في حقيقته ومعناه الخاص المعقول منه، المضمون للفظه. الرابع: اختلاف الناس فيه. الخامس: المختار منه. السادس: دفع الشبه العارضة له. السابع: وجه اختصاص الباري سبحانه فيه. الثامن: وجه اختصاص العبد بمعناه فيه. التاسع: ضم الأسماء كلها إلى الصفات السبع (٢) التي لا مزيد عليها في المعقول والمنقول جميعاً. العاشر: حسن الترتيب في جميع ذلك على وجه لم نسبق إليه.

стр. 106

الحادي عشر: تنزيه القول في الأسماء عن تشبيه صارت إليه الحشوية (١). الثاني عشر: تنزيهنا عن تعطيل مال إليه كثير من الغالين، حتى ردّوا أسماء الله تعالى إلى اسم واحد، والمعاني الكبيرة إلى معنى واحد، جهلاً بالحقائق، أو عمداً للِإلباس ونفي الصانع (٢). الثالث عشر: إعراضنا عن أغراض الصوفية من علمائنا (٣)، فإنهم وإن كانوا أهل اعتقاد وتحقيق، فإنهم قد سلكوا في عباراتهم أوعر طريق. الرابع عشر: ما ضمناه من أحكام أسماء الله في فضل التنزيل من كل اسم، وذلك أمر بديع عظيم القدر لو لم يكن في الكتاب سواه لكفاه" (٤). ٢ - كتاب "الأفعال " (٥): وتوجد منه نسخة فريدة، وقفت عليها في الخزانة العامة بالرباط في مجموع تحت رقم (٤/ ق) من لوحة: ١٨ - إلى آخر المخطوط لوحة: ٢١٤. ولكي نتبين منزلة موضوع هذا الكتاب من علم التوحيد يجدر بنا أن ننقل مقدمة الكتاب بقلم الِإمام ابن العربي، يقول ﵀: "الحمد لله الذي منّ على الخلق بمعرفته، وَصَرَّفَهُم على حكم إرادته ... أما بعد: فإنه لما كان التوحيد لا يتم إلاَّ بعد معرفة الله سبحانه بأنه واحد في

стр. 107

أسمائه وصفاته، واحد في أفعاله ومخلوقاته، وكما قد فرغت من شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى في كتاب "الأمد الأقصى"، تَعَيَّنَ قصد الإِكمال، والتعرف للأفعال، حتى لا يبقى علي المزيد لمعرفة التوحيد إشكال، فشرعنا في تفسيرها، ولم يكن ذكرها مرتبا على المعاني والأبواب؛ لأنه أمر يعسر طلبه، ويخفى إلاَّ علَى اللبيب مذهبه، فرأينا والحالة هذه أن نرتبها على سور القرآن، أقرب في الِإمكان، وأسرع إلى الأذهان، وأنفع في البرهان، وأعظم بركة في غابر الأزمان، والله المستعان لا رب غيره" (١). ٣ - كتاب "المتوسط في الاعتقاد " (٢): وهذا الكتاب ظل في حكم المفقود لم يهتد الباحثون إلى الوقوف على خبره إلى أن منَّ الله تعالى بفضله فيسّر على يدينا العثور على نسخة عتيقة منه متآكلة الجوانب مبتورة الأول، وذلك في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم: (٢٩٦٣ ك) وهي من تركة شيخ شيوخنا عبد الحي الكتاني (٣) ﵀،

стр. 108

وعدد أوراق هذا المخطوط ٧٣ صفحة، كتب سنة ٦٠٠ - وخطه مغربي قديم. ونظراً لِخُلُوَّ المخطوط من البيانات اللازمة التي تَنْسُبُهُ إلى مؤلفه، فقد قمت بعملية نقد توثيقي للنص الموجود عن طريق النقد الخارجي (الظاهري) Critique externe (١) ، والنقد الداخلي (الباطني) Critique interne (٢) ، أثبت خلالها صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن العربي بدلائل وقرائن ليس هذا مجال ذكرها بالتفصيل، ومع الأسف الشديد فإن مقدمة الكتاب قد تلفت بفعل الرطوبة والأرضة، فلم نتمكن من نقل كلامه؛ لأن المتبقي من الكلمات السالمة، لا يفي بالمقصود، وقد ضمنه خمسة أبواب، كل باب يشمل على فصول وهي كالتالي: الباب الأول: في الِإله وصفاته (٣). وتحته عدة فصول منها: مبحث

стр. 109

المعرفة هل هي واجبة؟ والنظر الموصل إليها هل هو واجب (١)؟ ومبحث خلق العالم (٢)، وقدم الباري جل وعلا، دليل وحدانيته (٣) ... ، مخالفته للحوادث (٤) ... ، صفات الباري تعالى (٥) .... ، أسماؤه (٦)، إلى آخر مباحث هذا الباب. الباب الثاني: في خلق الأعمال وما يتصل به، وتحته عدة فصول (٧). الباب الثالث: القول في النبوات وما يتبعها من ذكر المعجزات والكرامات (٨). الباب الرابع: ذكر السمعيات التي لا سبيل إلى معرفتها إلاَّ بالشرع (٩). الباب الخامس: القول في التفضيل والخلافة (١٠). أما عن منهجه في هذا الكتاب فقد توخّى فيه الابتكار في العرض، والاستقلال في الفهم، بعكس مؤلفاته الكلامية السابقة (١١). وقد اعتمد على كتب أبي الحسن الأشعري بعامة. وعلى الموجز واللمع (١٢) بخاصة. كما اعتمد على الِإرشاد للجويني، واستشهد بكلام الباقلاني والِإسفراييني. ٤ - كتاب "العواصم من القواصم ": وهو كتاب عظيم الشهرة واسع الرواج عند أهل السنة والجماعة، غصة

стр. 110

في حلق أهل البدعة والضلالة (١). ومما يدعو للدهشة أن هذا الكتاب -على أهمية موضوعه- يظل طيلة هذه القرون المنصرمة خزين رفوف المكتبات، حتى بداية هذا القرن عندما قام الشيخ عبد الحميد بن باديس بتحقيقه ونشره (٢). وظلت هذه الطبعة عمدة العلماء والباحثين زمناً طويلاً، بيد أن الحصول على نسخة منها قد أصبح متعذراً بل ومستحيلاً، فتشوفت النفوس إلى طبعة جديدة تغني عنها أو تسد مسدّها، حتى نهض أستاذنا الدكتور عمار طالبي بهذه المهمة الشاقة فنشر الكتاب في حلة قشيبة تسر الناظرين (٣)، وتمتاز طبعة د. طالبي بميزة حسنة، فقد حرص -حفظه الله- كلّ الحرص على إثبات كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه، ليكون القارئ على بينة منه، فيختار ما يختار ويرد ما يرد بذوقه الخاص ورأيه المستقل، ولا يكون مقيداً بذوق الناشر ورأيه. ولا داعي لذكر أبواب الكتاب وفصوله ومنهج المؤلف فيه، فقد تكفل أستاذنا عمار بتحقيق ذلك على أحسن وجه وأكمله، ولكن هذا لا يمنع من الكلام على هذا الكتاب العظيم بصورة إجمالية لا تخلو من فائدة إن شاء الله.
следующие страницы →