← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 631–664 · переход к 636.

стр. 631

الدور (١)، أما إنه قد تأتي آيات متشابهات، وأحاديث مشكلات يعارض بعضها بعضاً، ويناقض بعضها دليل الشرع، وها هنا علم عقلي يستضاء به في هذه السُّرْيَةِ (٢)، ودليل شرعي يرشد في هذه المَضِلَّةِ. إن العقل والشرع إذا تعارضا، فإنما ذلك في الظاهر بتقصير الناظر، وقد يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع أصلاً فيرد إليه العقل. وقد يرى غيره أن يجعل العقل أصلاً فيرد الشرع إليه. وقد يتوسط آخر فيجعل كل واحد منهما أصلاً لنفسه. فالناظر الذي قدم المعقول سيأتيه من ظاهر الشرع ما يقلب حقيقة الشرع، ولا سبيل إليه. والذي يجعل العقل أصلاً، والشرع تبعاً، إن أخذه كذلك مطلقاً وَرَدَ ما ينكره القلب ببادىء الرأي في مورد الشرع مما يستحيل في العقل، فإن وقف في وجه الشرع فهو مكذب، وإن قال بما في الشرع فهو متناقض، وإن توسط فهو الناظر العدل، يجعل كل واحد منهما أصلاً، عقلاً ونقلاً، وينظم سلك المعرفة من دررهما.

стр. 632

ولا يعتقد أحد منكم أنه يأتي موضع يعسر فيه التأويل، أما إنه قد تأتي في الشريعة ألفاظ لا يبين الشرع معناها، ولا يهتدي العقل إلى معرفتها، فيلزم إثباتها عقداً، وأما العلم الشرعي، فإن الآية والخبر إذا تعارضا فالآية مقدمة لأنها مقطوع بصحتها، والخبر لا يقطع به (١). ذكر المعنى الذي أوجب العثور في النظر أما أنه نبعت طائفة أرادوا أن يلفقوا بين موارد الشرع وأغراض الفلاسفة، وادعوا أنها متلائمة، وأن كلام النبي مع كلام الفيلسوف يخرج عن مشكاة واحدة، ومن ها هنا دخلت المطاعن في التنزيل، ودرست على السالكين السبيل، وحار الناظرون في الدليل. وهذا باطل، فإن القوم تكلموا قابعقول صرة، في معان خفية، وذلك بين من كتاب الله بالكلام (٢) في إيراد مجادلة الكفار للأنبياء، فما من أمة إلا والرد عليهم في كتاب الله. ولقد فاوضت في ذلك بعض العلماء (٣) في مسائل أورد عليكم منها ما تجعلونه أصلاً لغيرها.

стр. 633

المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ ... إلى قوله ... الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يسترسلون على التصرف في الأموال برأيهم، ولا يقفون عند حدود الشرع. فقال لي: هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يتصرفون في وجوه الاستدلال بعقولهم دون القانون. فقلت له: لا أمنعك من هذا التأويل، ولا أبعده في طريق الدليل، وطال القول إلى أن كانت زبدته: إنه لا بد من إثبات الشياطين (١) أولاً وجوداً، وإثبات أنهم أجسام متغذية، وأن الله ملكهم تيسير التصوير كما ملكنا تيسير الحركات، وأن الله يخلق عند كلامهم خواطر في قلوبنا، وأفعالًا في أبداننا، فيقع للمرء بذلك خبط، كما يلحق عند كلام العائن في البدن، ما يلفظ به المرء، وتنهدم به الدار، ويتبدد به المال، وعن هذه عَبَّرَ بقَوْلهِ ﷺ : "إِن الشَيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدمِ"، وكما يتصرف الدم فينا بالسريان، كذلك تتصرف ثمرة وسوسته فينا بالجريان، فيجري الدم فينا بحكم التغذية، ويجري الحكم المثمر للوسواس علينا بحكمة الله في المعصية. ولما جهلت الفلاسفة هذا قالت: "إِن الصرع أخلاط تدور فيثور في البدن منها ما يثور"، وهذا كان جائزاً غير منكر عندنا، فكذلك قد بينا أن خلقاً

стр. 634

حالهم ما وصفنا، يكون لهم فعل يترتب عليه حكم، وذلك جائز عقلاً، وله مثال من إصابة العين حساً. وفيه بيان من الله ورسوله دليلًا، فلا يقدر ذو لُبٍّ على إنكاره. فبهت حين سمع هذا، وانقاد بحزامة الدليل في أنف الأنفة إلى القبول. وفي لقاء جبريل للنبي وإلقائه الوَحْي إليه شبه بين الوحي والوسواس، حتى قال الجاحدون: "هذا مجنون"، ولكن لما عرضت هذه الشبهة رفعها الله بأن كان جبريل يفارق النبي فيبقى بعده قوياً نشيطاً ضاحكاً نير الوجه كالبدر، صحيح القول، لا خلل في كلامه، ولا كسل في قيامه، ولا ألم في بدنه، والمجنون كاسف اللون، مختل القول، كسلان النفس، مريض البدن. مثال آخر: في مسألة: جرى بيني وبين بعض الأشياخ (١) كلام في قول النبي ﷺ ، في حديث الكسوف حين قال (٢) في عنقود العنب: "فَلَوْ أخَذْتُهُ لأكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 636

فأشار إلى أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وأن معنى أكلها: أن يخلق للعبد في نفسه مثلها، لا أن تنتقل من الغصن إلى البطن، كما ينتقل مثال العلم من النفس إلى النفس بوساطة التعبير، وهذا تقصير عظيم فإنه تمثيل أجساد بأعراض. واعجبوا لهذا الكلام، فإنه قلب للتأويل، وقد قام الدليل على أن ما في الجنة أجساد مخلوقة، بيد أنها معصومة عن الاستحالة والتعفن بدوام البقاء، وقد كان يجوز أن يكون طعام الدنيا كذلك، إلاَّ أن العادة جرت باستحالته، ولهذا خلق، وتلك خلقت للسلامة عن الآفات، ولذلك صارت دار السلام. فإذا قطعت ثمار دار الدنيا أخلقت بعد حول، وإذا قطعت: ثمار الجنة أخلفت في الحال، وبهذا كانوا يأكلون منه ما بقيت الدنيا، فلا مفارقة بين الطعامين إلاَّ في وجود الدوام، وعدم الاستحالة، وهذا أولى من قلبها من صفات الأجسام إلى حكم المعاني، فقلب الحقائق لا معنى له، وهو رأي فلسفي مبناه على أن الدار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال، وقد بينا فساد ذلك في كتب "الأصول". المسألة الثانية: في قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] إلى آخر الآيتين، لما قرع هذا الكلام سمع العلماء قالوا: كلام الله صدق، ولا بد من وزن الأعمال، ثم اعترضتهم أنها أعراض، فكيف توزن؟.

стр. 637

فقالت طائفة: لا وزن، ويخلق الله في كل كفة من الاعتماد بحسب ما علم فيها من الِإخلاص والسواد (١). وقالت طائفة، لا كفة ولا شاهين، ولكن يعرف الله العباد بمقادير أعمالهم بما يخلق لهم في قلوبهم، فتقوم الحجة عليهم بما عملوا فيما علموا، قاله مجاهد، وعجب له. ولكن ليس في هذه المسألة تبديع ولا تكفير، وإنما هي جهل بوجه الدليل، إذ قد اتفق الكل على أنه لا بد من الاستعارة في هذه الآية. فأهل السنة تجاوزوا في الأعمال على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمعتزلة وضعوا المجاز في الوزن، فقالوا: يعبر به عن العلم، إذ فائدة الوزن العلم، والعرب تعبر عن الشيء بفائدته في سبيل المجاز، كما تعبر عنه بمقدمته. قال بعض علمائنا: فإن حكمنا في هذا الموضع بتغليب أحد الوجهين، كنا حاكمين في موضع المطلوب فيه القطع بالظن (٢).

стр. 638

وهذا العالم على علو مرتبته في التأويل غلبت عليه ها هنا دقيقة، وذلك أن الله سبحانه لما قال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ آمنا به وعرفناه، فتشوقت نفوسنا إلى الموزون، فأخبرنا أنها الأعمال المكتوبة في الصحائف، فقلنا في نظرنا، وكيف توزن الأعمال وهي أعراض؟ فقيل لنا (١): توزن صحفها وعبّر بها عنها لأنها محلّها، على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وذلك في كلام العرب "أكْثَر مِنْ رَمْلِ بِيرِينَ وَمَهَى فلسْطِين" (٢). قيل لنا: وكيف تعرف مقادير الأعمال من الصحف؟. قلنا: يخلق الله في صحيفة من الثقل بقدر ما علم من العمل، فنكون قد حملنا قوله: "وَالوَزْن" وقوله "ثَقُلَتْ" وقوله "خَفَّتْ" وقوله "مَوَازِينُهُ" وهي أربعة ألفاظ على الحقائق، ويكون المجاز في واحد، ولا يحمل جميعها على المجاز بسبب لفظ واحد، رأيُنا في ذلك أهدى سبيلاً، وأقوم قيلا. فناشدتكم الله، إلا ما تأملتم هذا الكلام بسياقه، وحكمتم فيه بيني وبين معلمي، فإني استجرأت عليه بما تعلمت منه، و"الحَدِيدُ بِالحَدِيدِ يُفْلَحُ" (٣) وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] فكيف يجد عمله وقد فني عمله قبل أن يفنى، ولكنه مؤول

стр. 639

قطعاً، فإما أن يكون معناه: يوم تجد كل نفس ما عملت مكتوباً، أو موزوناً، أو ثواباً، أو عطاء، وكله مجاز على الوجه الذي قدمناه فاحمله عليه. فإن قيل: فهلا جمعت في القرآن كتاباً على نحو ما ذكرته لنا ها هنا مثالاً (١)، فيكون لك أجراً جارياً بعدك، ومنفعة للناس في استبصارهم بك، فأما هذا القانون فإنما هو منهاج للعالم المستبصر، ووصية للذكي اللوذعي، والناس رجلان: عاجز بسوسه (٢) أو بسبب من أسباب الدنيا، أو مقصر، وكلاهما كان يجد هذا الكتاب ملجأ وملاذاً وسلماً للمعرفتين: أحدهما: التوصل إلى الغاية. والثانية: إطلاع المقصر على طريق، إنْ لَمْ يَقْدِرْ على سلوكها أمِنَ بِهَا. فالجواب: إنا كنا أملينا في القرآن كما قدمنا كتاباً موعباً "أنوار الفجر في مجالس الذكر" قريباً من عشرين ألف ورقة (٣)، في نحو من عشرين عاماً، ولكنه لم ينضبط للخلق، وإنما حصل كل واحد منهم جزءاً دون جزء، وفي وقت دون وقت، بحسب الفشل والنشاط، وعلى قدر عدم العوائق.

стр. 640

أما أنه قد تحصل منه، "أسماء الله تعالى" في أربعمئة ورقة، ويحصل منه كتاب "النبي ﷺ أسمائه ومعجزاته وجُمَلٍ من أخباره" في نحو من ألفي ورقة، وكتاب "المشكلين" من القرآن والحديث ألف ورقة وخمسمئة ورقة، رؤوس مسائله في كتاب "الأفعال" من "الأمد"، وتحصل منه "مختصر الأحكام" في ألف ورقة، فإذا وقفتم على هذه المجموعات، كنتم قد حصلتم كثيراً، وتوسلتم بها إلى باقيها، وقد كان يمكن ما ذكرت، ولكن وقفت عند مقام ترددت فيه، وهو أنه هل يصنف على السور؟ أو على الأبواب كما رتب الحديث على المسند؟ أو على التصنيف فيجعل من أسماء الصحابة مسنداً؟ أو على العبادات والبيوع والنكاح مُبوّباً؟ فإذا رتب تفسير القرآن على الأبواب كان للعلماء، وإذا رتب على السور كان لكافة الناس، لكنه يعرض فيه التكرار، ويعسر ضبطه على المؤلف، وفهمه على القارئ، فإن المعنى يكون في سورة كاملاً، ويكون في أخرى مفترقاً أجزاؤه على السور، فيفتقر إلى مزيد ضبط، ويتسع فيه الخرق، لأنك إذا شرحت في كل موضع وهو الحق، فإن الله لما كرَّرَهُ مطلقاً كررْهُ أيضاً أنت مطلقاً، وإذا كرَّره مقيداً، كرَّره أيضاً أنت مقيداً، يأتيك منه نشر يملأ الأفق، وإن اختصرت وأشرت، لم تبلغ رضا من سألك، ولا مهدت السبيل لمن سلك. هذا من إكباب الخلق على الدنيا، وقصورهم عن التعليم، وكسلهم عن السعي في الترقِّي إلى درجات الكمال، واقتناعهم بما يتألف من دنياهم، ويستعجلون به منفعتهم، فالنقد القليل عندهم خير من الكالئ الكثير، مع ما يعانون من درك المراتب الدنيوية بمسألة تقيد، أو عقد يعقد، أو رواية يجتزأ بها لقصد الناس إليه فيها، وتصدّره بينهم لأجلها، وهذا كله نظر للدنيا، وإعراض عن الدار الأخرى.

стр. 641

وما شغلني عن ذلك معاش أريشه، ولا ولاية استجدها، وإنما أقعدني ضعف الطالب لها، وكثرة المطالب عليها، وذلك الذي أدخلني في معرفة السلطان، فإن الجاهل أو الفقير لا يفتقر إليه، والغني قبل اليوم كان في غنى عنه. وأما وقد امتدت الأطماع إلى الأموال، وضاقت عن مآل الرجال، فتدعو الضرورة إلى السلطان لأكثر الأغنياء، ولا سيما أصحاب الضياع؛ لأن المملكة في كل أمة قد سحبت ذيلها على الضياع، وقويت على الأموال الأطماع، فصاحب الضيعة مدفوع إلى معرفة الأمير، ولا يرى ضرورة ليدفع عن نفسه معرة، ولتحقيق وعد الصادق صلوات الله عليه حين دخل دار رجل من الأنصار فرأى فيه آلة الحرث فنظر إليها وقال: "مَا دَخَلَتْ قَط دَار قَوْم إلاَّ وَأدْخَلَتِ الذل" (١)، وقد تدرك الآفة للمعتزل للعبادة من وجوه ذكرناها في "مسائل الصحبة والعزلة". وأما العلم المفتقر إلى السلطان، فإنه إن كان فقيراً أو غنياً وسكت عن العلم حصل أحد الرجلين المتقدمين، وإن تكلم بالعلم وأظهره حسده المقصرون عن درجته، إذ ليس لهم من الدين ما ينصفون به، فيقرون له بالشفوف (٢) عليهم في مرتبته، إذ يتوقعون على دنياهم أن يحوزها دونهم أو ينقصهم، فينسبونه إما إلى البدعة، وإما إلى التخليط وهي سالمة، فذاك الذي دعاني إلى مداخله السلطان، ولنا في ذلك أعظم أسوة، فقد كان الأنبياء فيما سلف على قسمين: منهم من يعضده الله بالقوة والجند، ويأذن له في القتال.

стр. 642

ومنهم من يكون مخلّى مع الخلق، فيبعث الله إليه ملكاً من ملوك الدنيا يعضده على تبليغ أمر ربه، ويحميه وإن كان لا يعتقد ما يقوله. ومنهم من لا يعضده بجند ولا قوة، ولا يكيف له من البشر أحداً، فيجترىء عليه الملأ بالإهانة والقتل، فإن شاء حماه كما فعل بنوح، وإن شاء ابتلاه كما فعل بيحيى. وهذه كلها سنن الله في عباده، وأسوته في خلقه، فإنه خالف أحوال الأنبياء ونوَّعها بين النعمة والبلاء، لتكون سلوة لمن أتى، وإليه الِإشارة عند بعضهم بقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. قيل بمعبودهم، وقيل: برسولهم (١). وقيل: بمن قلدوا كمالك والشافعي (٢). وقيل في طرف آخر بإبليس في الجن، وآدم في الإنس. وقيل في طريق آخر بإبراهيم في الموقنين، ويعقوب في المحزونين، وبيوسف في المسجونين، وبأيوب في الصابرين، وبموسى في المخلصين، وبعيسى في الزاهدين، وبمحمد إمام الخلق أجمعين. فإن قيل: فقد نهجت في التفسير سُبُلاً وأوضحت للسالك دَلَلاً، فكيف التخلص للسائر فيها مع الوعيد الوارد في تفسير القرآن بالرأي (٣)، وأنى يسوغ التسور مع ذلك عليها بالأقوال من غير نقل.

стр. 643

ذكر القول في تفسير القرآن بالرأي قلنا: ليس في الوعيد على ذلك حديث صحيح، لكنه معنى صريح في الملة حتى في الدين. والرأي مصدر رأيت بقلبي، كما أن الرؤية مصدر رأيت بعيني (١)، ومن رأي القلب ما يكون باطلاً، ومنه ما يكون حقاً. فأما الحق فكل رأي يكون عن دليل. وأما الباطل ما كان عن هوى مجرد. وتحقيق الغرض المطلوب أن للناظر في القرآن مآخذ كثيرة أمهاتها ثلاث: الأولى: النقل عن النبي ﷺ ، وهذا هو الطراز الأول، لكن حذار أن تعَوَّلُوا فيه إلاَّ على ما صَحَّ، ودعوا ما سُوَّدَت فيه الأوراق، فإنه سواد في القلوب والوجوه (٢).

стр. 644

الثانية: الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن أُنْزِلَ بلسان عربي مبين. الثالثة: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضب من قوة المنزع، وهذا هو الذي أخبر عنه النبي ﷺ تأويل دعائه الله في هبته لابن عباس فقال: "اللهُم فَقِّهْهُ في الدِّينِ، وَعَلمْهُ التأوِيل" (١) وهي أحد أقوال العلماء: الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ومن ها هنا اختلف الصحابة في معنى الآية (٢)؟ فأخذ كل أحد في رأيه على منتهى نظره في المقتضى. والضابط لهذا كله أن يكون الناظر في القرآن يلحظه بعين التقوى، ولا يميل به إلى رأي أحد للهوى، وإنما ينظر إليه من ذاته ابتغاء علم الله ومرضاته، وهو الأول. الثاني: أن يكون نظره بعد استقلاله بشروط النظر كما قدمنا، ولا يسترسل على جميعه، وهو لم يستوف شروط الناظر فيه، فَإِنَّ أصْلَ التخليط في تفسير من تسور -ممن لا يستكمل شروط النظر فيه- عليه.

стр. 645

خاتمة الكتاب فإذا وصلتم إلى هذا المقام من اليقين بصحة الاعتقاد، والنص بالنظر والاستبداد، فقد خرجتم عن عهدة الجهل التي لزمتكم في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وتعين عليكم الخروج عن عهدة الخدمة بشكر النعمة فيما أسدى إليكم، وأنعم عليكم، حسب ما توجه من التكليف إليكم، وخذوا خبراً تستفيدون منه بصراً: دخلت يوماً على بعض الأشياخ (١) وعلى كمّي أوراق قد قيدتها، وكراريس قد استحسنتها، فقال لي: أراك تستكثر منها! واعلم أنك لا تقيّد حرفاً ولا تضبط كلمة، إلاَّ وأنت مطلوب على العمل بها، ويكون يوم القيامة حجة عليك، وأنى تطيق ذلك؟ فانظر لنفسك. وحملني الحرص على الطلب

стр. 646

على الاستكثار من التقييد، ووقعت الآن فيما حَذَّرني منه، فإني لا أقدر على العمل بما علمت، والله المستعان. فإن قيل: وهل يقدر أحد على العمل بما علم؟. قلنا: إن الله سبحانه لم يكلف عباده إلاَّ ما يطيقون (١)، وقد سألوه ألاَّ يحمّلهم ما لا طاقة لهم به فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال النبي ﷺ : قال الله تعالى: نعم، وقد فعلت (٢). وقال النبي ﷺ : "إِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٣) ولكن هذا إنما يكون في الأوامر، فأما النواهي فالعبد مأمور بالانكفاف عنها على الإطلاق، إذ ليس فيه كلفة إِلا من جهة مجاهدة النفس، وحذف الشهوات، وذلك مُمْكِنٌ عادة، فأما القيام بحق الخدمة في باب الأوامر، فذلك القدر هو الذي وقع عنه العجز، وهو الذي كره النبي ﷺ تعاطيه للخلق فقال: "عَلَيْكُمْ مِنَ الأعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَ الله لَا يَمَلُّ حَتى تَمَلُّوا" (٤). وكما جعل العلم قسمين: منه ما يدركه الخلق، ومنه ما لا يدركه الخلق، وجعل الكتاب قسمين: منه محكم هو أم الكتاب، وآخر متشابه،

стр. 647

كذلك جعل العمل قسمين: منه ما يتأتى تكليفه، ومنه ما يعسر على جبلّة البشرية تعاطيه. فإن قيل: وعلى الذكرى فما معنى كونه محكماً ومتشابهاً؟. ذكر المحكم والمتشابه فقل: قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. قلنا: قد بيناه في كتاب "المشكلين" عند ذكر هذه الآية بياناً مستوفياً، لبابه: إن القرآن محكم كله، كما قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]. وهو أيضاً متشابه كله كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. ومنه محكم، ومنه متشابه، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، والمعنى الذي به صار القرآن كله محكماً، بذلك المعنى صار كله مشابهاً، والمعنى الذي به صار منه آيات محكمات، بذلك المعنى صار منه آيات متشابهات (١).

стр. 648

فأما كونه محكماً كله فبمعانٍ كثيرة: منها اطراده في البلاغة، وانتظامه في سلك الفصاحة، واستواء أجزاء كلماته في أداء المعنى، من غير حشو يستغنى عنه، أو نقصان يخل به، واختصار القول الطويل الدال على المعنى الكثير. قال الأصمعي (١): كنت في بعض أحياء العرب، فإذا بجارية صغيرة السنن وهي تقول: قبلت محبوباً بغير حلة ... مثل الغزال قائماً في دلة (٢) فقلت لها: ما أبلغ كلامك! وأفصح مقالك!. قالت: أبلغ من ذلك من جمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين، وبشارتين، وذلك قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى .... -إلى قوله- الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. فقدله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ وقوله ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ خبران. وقوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ نهيان. وقوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بشارتان. وقد قال أهل الِإشارة: في القرآن ثلاث آيات جمعت بين عذرين

стр. 649

ونسخين وأمرين ونهيين ورخصتين وكرامتين: فأما العذران فقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] كأنه قال لهذه الأمة: لم تختصوا بهذا، ولا ابتُدِئْتُمْ به، بل فرض على من كان قبلكم، ثم إنه لم يجعل الدهر كله، وإنما جعل أياماً قلائل. وأما النسخان فنسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ونسخ تحريم الوطء بعد النوم في أثناء الليل. وأما الأمران فالتكبير، وإكمال العدة، قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما النهيان: فالأكل والجماع وهو حقيقة الصوم. وأما الرخصتان: فالفدية للشيخ، والفطر في السفر. وأما الكرامتان: فإنزال القرآن في شهر رمضان، وليلة القدر. فترى كيف قصر القول وطال المعنى، وفيه أيضاً حسن التصريف بالعبارة في التصريح والإِشارة، ورصف الألفاظ المطردة، ورس المعاني، وربط المقاصد، وحسن الأداء إلى الأسماع. وأما كونه متشابهاً: فبمعنى واحد، وهو ما وصفناه به من الأحكام الذي يجري في جميع سوره بل في آياته. وأما الذي به كان منه آيات محكمات هي الأم، ومنه آيات متشابهات، فذلك في طريق البيان والعلم، إذ منه آيات محكمات يعلم معناها، ويفهم

стр. 650

المراد معها، ومنه آيات متشابهات لا يفهم معناها لاشتباهها بما يصح أن يكون موافقاً للمحكم، وربما لا يوافقه، أو لانغلاق باب المعرفة، فهذا أصل المحكم والمتشابه، فابن عليه، وله أمثلة كثيرة منها: قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقد ذكرنا فيها في "شرح المشكلين" خمسة عشر قولًا (١). واختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال تمر كما جاءت ولا يتكلم فيها (٢). الثاني ومنهم من قال يتكلم فيها مع من يتحقق حسن عقيدته ويقين استرشاده، ألَا ترى إلى قول إمام الأئمة مالك: "الاسْتِوَاء مَعْلُومٌ وَالكَيْفِية مَجْهُولَة، وَالسؤَالُ عَنْهُ بِدْعَة" (٣).

стр. 651

الثالث: ومنهم من أطلق القول كسُفْيان بن عُيَيْنة (١) قال: وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: هي وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَا﴾ نٌ [فصلت: ١١] سواء (٢). وأشبه قول فيه ثلاثة: قول سفيان هذا، وقول من قال إنه بمعنى استولى (٣)،

стр. 652

وقول من قال: فعل في العرش فعلًا سماه استواء (١). وقد قال لنا محمد بن طاهر المقدسي (٢)، قال أبو المظفر شاهفور الإسفراييني (٣) معناه: منع أن يكون فوق العرش شيء، وهو أحد معنى قولنا: استوى فلان على المرتبة (٤)، وهو بديع عظيم، قد قررناه عنه بلفظه في "شرح المشكلين" واختصرناه ها هنا لطوله، وما ذكرناه دلالة على جميعه (٥)، وإذا

стр. 653

أردت الآيات فهي آيات الوعيد والقيامة، وكل آية عبر الله فيها عن نفسه بفعل يستحيل ظاهره عليه، والحروف المتشابهات في أوائل السور. ذكر تيسير العمل بالعلم وبعد البلوغ إلى هذا المنتهى من الحث على العمل بما علم، وكشف الغطاء عن فرضية ذلك، وتعلقه بالعلم، وتأثيره فيه، ومعونته عليه، والخلاص به منه، فالعمل له محلان: أحدهما القلب، والآخر الجوارح. وعلى القلب أمران: أحدهما الاعتقاد، والآخر الِإخلاص. فأما الاعتقاد الصحيح بتجريده عن الشبه، فممكن متيسر بتوفيق الله وَمَنِّهِ، وإجراء عادته فيه على خلقه، وقد شاهدنا ذلك في جماعة منهم لا تحصى.

стр. 654

وأما إخلاص (١) القلب في القيام بالأعمال فهو لعمر الله عسير، عنده وقفت الخليقة حين سمعت قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (٢) وكذلك أيضاً سمعوا قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] والخلوص هو الصفاء، يقال لبن خالص، إذا لم يشب، وذلك يكون لصفائه في الابتداء، فيعقد عقداً سليماً ويعمل كذلك (٣). وقد تشينه الذنوب، فتخلصه أيضاً التوبة، ويصفيه الندم. والإِخلاص درجة عظيمة في الدين، كما أن الزنا دركة عظيمة في المعاصي. وقد سطر علماء القلوب في الوجهين جميعاً بدائع، وأنا أشير لكم فيها إلى ما يسهل سبيله، ويقرب مجاهدة النفس الأمارة بالسوء والذي يجلبه إليك أن تقطع نيتك عن تعليق العمل بغير الله، فلا تقصد بعملك إلاَّ الذي أمرك به. مثل الذي يعمل لغير الله كما روي في الحديث الصحيح أن يحيى بن زكريا قال لبني إسرائيل: إن الله أمَرَنِي بخمْس كَلِمَاتٍ أنْ أعْمَلَ بها وَآمُرَكُمْ أنْ تَعْمَلُوا بِها: أوَّلُهُن: أنْ تَعْبُدُوا الله وَلَاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَإنَ مَثَلَ مَنْ أشرَكَ بالله كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْداً مِنْ خَالِص مَالِهِ بذَهَب أوْ وَرِقٍ وَقَالَ لَهُ: هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا عَمَلِي، فأدِّ كُل عَمَل لِي، فَكأنَ يَعْملُ ويؤَدي إلَى

стр. 655

غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأيكُمْ يَرْضَى أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؟ وذكر الخصال الخمس إلى آخرها (١) ... وتحقيقه: ألاَّ تقصد بعملك حظ نفسك المختصة بك، فكيف أن تعلقه بغيرك، فإن تطيبت مثلاً، فلا تقل هذا الطيب لعطري وعطر أهلي، ولكن قل: هو لملائكة ربي والاقتداء بسنة نبيي، وهذا الأكل ليس للذتي، وإنما للقوة على عبادة ربي. وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : "أوَّلُ الناسِ يُقْضَى فِيهِ يَوْم القِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا فَيَقُول لَهُ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتى استشهدتُ، قَالَ الله: كذَبْتَ، وَلَكِنكِ أرَدْتَ أن يقَالَ فُلَان شُجَاعٌ، فَقَدْ قِيلَ، وَيُؤْمَرُ بِهِ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَه وَقَرأ ألْقُرْآنَ فَأتِيَ بهِ فَعَرفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلمْت العِلْمَ وَعَلمْتُهُ، وَقَرأتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَكَ أرَدْتَ أنْ يقَالَ فُلَانٌ قَارِىءٌ وَقَدْ قِيلَ، ثُم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النارِ"، وذكر في الجواد مثله (٢). ومما يعينك على صحة الِإخلاص وتجريد النية من الشوائب لغير الله: الصدق (٣): فإنك إن قررت السؤال عن علمك في دنياك وآخرتك،

стр. 656

وافتقرت أن تخبر عن باطن نيتك بخلاف ما هي عليه مقت ومقت نفسك كما تقدم في الحديث آنفاً. فاحفظ لسانك عن الكذب (١): واعلم أنه المعبر عنك، المعبر لك عن طريق العلم، ورأس العمل، وفيه خصلة واحدة وهي الصدق وفيه نحو من عشرين آفة (٢) أمهاتها أربع وهي: الكذب، والغِيبَةُ، والمراء، والمزاح، وبكفِّك عن هذه الأربعة يهون عليك الكف عن باقيها. أما الكذب فحرام إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس (٣)، والحرب، ووعد الرجل أهله. لكن جواز الكذب في هذه المواطن الثلاثة إنما يكون بالمعاريض، لا بالتصريح، إلاَّ أن لا يفهم مفاوضك فيه بالتعريض فتصرح بالكذب باللسان

стр. 657

دون الاعتقاد، وذلك فيما يخاف الضرر منه في النفس والمال عليك وعلى غيرك، بل قد يكون الكذب فرضاً، وذلك إذا طلب الظالمُ العادلَ، وسأل المسلمَ عنه فيجب عليه أن يعميَ عليه طريقه بالكذب الصراح، ويخفي عنه موضعه، لأن الكذب لم يحرم لعينه، وإنما حرم لما فيه من المضرة، فإذا كان الصدق مضرة كان الكذب خيراً منه، وبهذا يتبين بطلان أصل القدرية في قولهم إن الحسن حسن لذاته، والقبيح قبيح لذاته، وقد قررنا الرد عليهم في كتب "الأصول" وحققنا أن العقل هو العلم (١)، وأنه لا يغير شيئاً مما يتعلق به عن صفته، وإنما يتعلق بالمعلوم على ما هو به. وأكدنا ذلك بأن القتل الواقع اعتداء يجانس القتل المستوفي قصاصاً في الصورة والصفة، بدليل أن الغافل المستند فيهما لا يميز بينهما، وهذا قاطع في فنه. وأما الغيبة فمحرمة قرآناً وسنة وبإجماع الأمة. وحقيقتها (٢): أن يذكر عن المرء ما يكره أن يسمعه بما هو عليه، فإن لم يكن عليه فهو بهتان (٣) وفيه الكذب والغيبة فتأكدت حرمته وعظم إثمه، وهي خصلة مذهبة للحسنات، ضرب الله لها مثلاً أكل الميت فقال:

стр. 658

﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] وكذلك فاكرهوا غيبته، وإن الاغتياب قرض في العرض، وهو أعظم من قرض اللحم بالمقراض أو مثله، ولذلك قال شاعر العرب: "وجرح اللسان كجرح اليد" (١) وحقق الله التشبيه في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ للغايب بالمَيت، لأنه غاب عن ذكره كما يغيب الميت عن ذكر كل أحد، والأكل إذاية، وبه يضرب ملك الرؤيا المثل للمغتاب، أما أنه رخص فيها في أربعة مواضع: منها التظلم عند من ترجى نصرته، بدعوة يدعو لك بها، أو بقضاء يقضي لك عليه، ومنها عند الاستياء كقول هند بنت عتبة (٢) لرسول الله ﷺ : "إن أبا سُفْيَان رَجُل مَسِيك" (٣). ومنها تحذير المغتر به عنه إن أراد أن يصحبه، أو سألك عنه، ومنها اللقب الغالب عليه وفيه اختلاف (٤).

стр. 659

وأما المراء (١) فهي المجادلة فيما تعلم أنه باطل، أو على معنى البدعة، فإن المبتدع يجادل في آي القرآن عن اعتقاد ونية في ذلك أنه حق وهو باطل، قال النبي ﷺ : "المِرَاءُ في القُرْآنِ كُفْر" (٢) وإنما كان كفراً لأنه يكفي أن يعتقد هو بدعته في نفسه، حتى يَدَّعِي أن الله أرادها معه، وهذه جرأة على الله وكفر به ، وهذا مما لا نظير له، وما وجدناه لغيرنا. وأما المزاح، فهو تكلم بما لا يعني، وتركه من محاسن الإِسلام. قال النبي ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْء تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" (٣). وقد سمعت الطرطوشي يقول: المازح جاهل، قال الله سبحانه مخبراً عن بني إسرائيل وموسى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، قلت: والذي عندي أنه إذاً كان في جواب الدين كان جهلاً، وإذا كان في لهو الدنيا فهو بمنزلة الكلام حكمه حكمه، وصفته صفته. فإذا طهّرت قلبك من غير الله، ولسانك عن هذه الآفات، فقد أسست

стр. 660

للولاية ركنين عظيمين، وبقيت سائر الأعمال التكليفية، فحافظ منها على ركنيين آخرين ليتأسس لك بيت الإسلام: الركن الأول: دعائم الدين الخمس. الركن الثاني: اجتناب الكبائر. قال الله سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، ولا يعلمها أحد على التحقيق إلاَّ الله، خبَّأها الله بلطفه في المنهيات، كما خبّأ ساعة الجمعة في الساعات، وليلة القدر في الليلات. وقد جمعها بعض الأشياخ، ونظمها على الجوارح، وبلغها سبع عشْرة (١) كبيرة، فيا ليتكم تركتموها، فإنكم كنتم تكونون لغيرها أتْرَك، وكانت سائر الذنوب تكفر عنكم "بِالصلَوَاتِ الخَمْسِ وَالجُمُعَةُ إلَى الجُمُعَةِ كَفارَة لِمَا بَيْنهُن مَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ" (٢)، فأخبر النبي ﷺ في هذا الحديث أن الصلوات تكفر ما بينهما ما لم تكن كبيرة، فإن كانت معه كبيرة فهل تكفر له الصغائر؟ أم يكون وجود الكبائر قاطعاً به في تكفير الصغائر بالصلوات حسبما يقتضيه ظاهر الحديث، وما فيه من شرط اليقين المطلق باجتناب الكبائر، هو موضع توقف يفتقر إلى دليل آخر من غيره، فوجدنا في ذلك آثاراً كثيرة منها قوله ﷺ : "إذَا تَوَضَأ العَبْدُ المُؤْمِنُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ (٣) ... " الحديث.

стр. 661

ومنها قوله ﷺ : فَضْلُ صَلَاةِ الجَمْعِ عَلَى صَلَاةِ الفَذ إلَى أنْ قَالَ: ذَلِكَ بِأنهُ لَا يَخْطُو خَطْوَةً إلاَّ كَتَبَ الله لَهُ بِهَا حَسَنَة وَمَحَا عَنْهُ سَيئَة، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَة" (١). تعديد الكبائر من مجموع الأخبار وقسمتها على الجوارح قصد الضبط والاختصار (٢) أربعة في القلب: الشرك، الِإصرار، القنوط، الأمن من المكر. أربعة في اللسان: شهادة الزور، القذف، اليمين الغموس، السحر (٣)، وعند مالك ﵀ أن السحر كفر (٤)، فيدخل في قسم الشرك، وتعوض عنه النميمة. وثلاث في البطن: شرب الخمر، أكل مال اليتيم، أكل الربا.

стр. 662

وإثنان في الفرج: الزنا واللواط. وإثنان في اليدين وهما: القتل والسرقة. وواحدة في الرجلين وهي: الفرار عند الزحف. وواحدة في جميع البدن: وهي عقوق الوالدين. وبحصرها من وجه آخر أن تجتنب ما بينك وبين العباد، فإنه عظيم لا جبر له، وأما الذي بينك وبين الله فإنه أخف. وأكْثِرْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تلاوة القرآن بتدبُّر، وإن لم يكن فتلاوة مجردة، فإن مثل الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كالذي جاء على ألسنة الحكماء، وهو بديع في الأمثال. قالوا: لو أن ملكاً أرسل إلى عُمَّالِهِ كتاباً يأمرهم فيه بتحصين البيضة وسد الثغور، والعدل في الرعية، والإِنصاف بين الناس، وإيصال الحقوق إلى أربابها، وسائر ذلك من وظائف الإِمارة، فلما وصل كتابه إلى عماله، كان منهم من تلقاه بالمبرة والتعظيم، وقرأه على غاية التفهيم، وجعل يمتثل ما أمره به، ويقيم حدود ما وظف عليه، وكان من العمال من تلقاه بالبر والتعظيم، وجعله نصب عينيه في مطالعته، والوقوف عليه، وأعرض عن امتثال ما فيه،

стр. 663

ثم اجتمعوا مع الملك فتخيل حال الرجلين، وتحقق الفرق بين المنزلتين. والزم بعد ذلك بالألفاظ الصحيحة ذكر الله والدعاء إليه بالأدعية الصحيحة، ولا تلتفت إلى ذكر الله بما لم يصح، ولا التضرع إليه بما لم يثبت، فإن الشيطان إذا لم يقدر عن صرف العبد عن ذكر الله، أقبل عليه، فجعل يشغله بالأذكار والأدعية التي لم تصح، فيربح معه العدول عن صحيح الحديث إلى سقيمه، فربما اعتقد في حديث أنه صحيح، وفي ذكر ودعاء أنه حق، وهو باطل (١)، فيدخل تحت وعيد النبي ﷺ قال: "مَنْ حَدّثَ عَني حَدِيثاً يَرَى أنهُ كَذِب فَهُوَ أحَدُ الكَاذِبِينَ" (٢). فإذا التزمت هذا كله -وهو يسير بتوفيق الله وتيسيره- فتح الله لك أبواب الرحمة، وجرت على لسانك ينابيع الحكمة، وقرب لك امتثال ما بقي عليك من المأمورات، ويسر عليك اجتناب سائر المنهيات، ودعيت عظيماً في ملكوت الأرض والسموات، والله سبحانه يجعلنا ممن طلب العلم والحكمة، ودأب على كتاب الله واحترمه، وألقاه إلى سواه، وأفهمه، فـ "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلمَهُ" (٣). ويقربنا بعد ذلك من رضوانه ويبؤِّئنا الفردوس الأعلى من جنانه،

стр. 664

يفضله ورحمته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كمل كتاب "قانون التأويل" لأبي بكر بن العربي ﵀.