وقد روي عن ابن عباس ومجاهد (١) أنهما قالا: لم تكن عند النبي- ﷺ امرأة موهوبة (٢).
وروى مالك والأئمة أن امرأة جاءت النبي ﷺ فقالت: يَا رَسُولَ الله! إني قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ. فَقَامَتْ قِيَاماً طَوِيلاً، فَقَامَ رَجُل، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله زَوَّجْنِيهَا، إنْ لَمْ تَكُنْ لكَ بِهَا حَاجَةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ الله: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ تُصْدِقُهَا إياهُ؟.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلاَّ إزَارِي هَذَا!.
فَقَالَ رُسُولُ الله: إنْ أعطَيْتَهَا إياهُ بَقيتَ لَا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئاً.
قَالَ: مَا أجِدُ شَيْئاً!.
قَالَ: فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ.
فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله: هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟.
قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، سَماهُمَا.
فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : قَدْ أنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ (٣).
стр. 597
وقد تكلمنا على الحديث في سورة النساء (١) والقصص (٢) بما يتعلق بالقرآن منه، واستوفيناه في شرح الحديث، وهذا هو المقدار منه في ذكر الموهوبة الذي صح نقله وثبت سنده.
والغرض الأعظم منه ها هنا هو أن النبي ﷺ لما قالت له المرأة: "قَدْ وَهَبْت لَكَ نَفْسِي" سكت، فلو كان هذا مما لا يجوز، لما سكت عليه؛ لأن سكوته على الحرام محال كما بيناه في "أصول الفقه" (٣).
فإما أن يكون سكت لأن الآية قد كانت نزلت بالإِحلال، وإما أن يكون سكوته منتظراً بياناً، فنزلت عليه الآية والبيان بالإِحلال والتخيير، فاختار تركها، وزوجها من غيره.
وروى مسلم (٤) عن عائشة أنها قالت: كنْت أغَارُ عَلَى اللَائِي وَهَبْنَ أنْفسَهُنَّ لِرسولِ الله، قَالَتْ: أمَا تَسْتَحِي امْرَأةٌ أنْ تَهَبَ نَفْسَهَا؟.
стр. 598
حتى أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١].
فَقَالَتْ: مَا أرَى رَبَّكِ إِلا يُسَارِع في هَوَاكِ.
فاقتضى هذا اللفظ أن التي وهبت نفسها عدد من النساء، لكنا لا ندري هل نكح منهن واحدة أم لا من طريق صحيح؟.
المسألة السابعة:
قوله: ﴿وَامْرَأَةً﴾ معناه: وأحللنا لك امرأة تهب نفسها من غير صداق، فإنه أحلّ له في الآية قبلها أزواجه اللاتي آتى أجورهن، وهذا معنى يشاركه فيه غيره، فزاده من فضله على أمته فضلاً بهذه الآية، أن أحل الله له الموهوبة، ولا تحل لأحد غيره، وهذا إجماع من الأمة.
المسألة الثامنة:
قوله: ﴿مُؤْمِنَةً﴾ بيان، لأن الكافرة لا تحل له، لأن تخصيصها بالذكر تعليل للحكم، كما تقدم بيانه في سورة النساء (١).
وقال الجويني: "اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه".
والصحيح عندي تحريمها، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب الفضائل فحظه فيه أكبر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنه مطهر، يجوز لنا نكاح الحرائر الكوافر من أهل الكتاب، وأحل له المؤمنة خاصة، والذي يحقق ذلك أمران:
стр. 599
أحدهما: أن نكاح الكافرة ومعاشرتها لا يليق بمنصبه الكريم.
الثاني: أنا قد بينا أن من آمن ولم يهاجر لم تحل له لنقصان مرتبتها، فكيف تحل له من لم تؤمن؟ وهي أدنى مرتبة.
المسألة التاسعة:
قوله: ﴿إِنْ﴾ قراءة الجماعة بالكسر على معنى الشرط تقديره: "وَأَحْلَلْنَا لَكَ امْرَأة إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ" لا يجوز تقدير سوى ذلك.
وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون جواب ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ محذوفاً، وتقديره: "إن وهبت نفسها للنبي حلت له".
وهذا فاسد من طريق العربية، وذلك بين في "الرسالة الملجئة".
ويعزى إلى الحسن (١) أنه قرأ بفتح الهمزة (٢)، وذلك يقتضي أن تكون امرأة واحدة حلت له لأجل أن وهبت له.
وهذا فاسد من ثلاثة أوجه:
стр. 600
أحدهما: لا يقتضي هذا الإِعراب المعنى، وقد بيناه في "الملجئة".
الثاني: أنها على خلاف قراءة الجماعة، والشاذ من القراءة لا يجوز تلاوة، ولا يوجب حكماً.
الثالث: أنه يوجب أن يكون إحلالها لأجل هبتها لنفسها، وهذا باطل فإنها حلال له قبل الهبة بالصداق.
وقد نسب إلى ابن مسعود (١) أنه أسقط في قراءته ﴿إنْ﴾ (٢) فإن صحّ ذلك فإنما كان يريد أن يبين ما ذكرناه من أن الإحلال لا يقف في الموهوبة على الهبة، بل هو ثابت فيها قبل ذلك، وسقوط الصداق مفهوم من قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ لا من جهة الشرط، وقد بينا أمثاله في سورة النور.
المسألة العاشرة:
قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ معناه أن الخيار بعد هبتها نفسها للنبي، وهذا معلوم، ولكنه خصه بالبيان؛ لأن من مكارم الأخلاق بيننا قبول الهبة في الأموال المبتذلة، فكيف فيمن بذل نفسه، فجعل الله لرسوله الخيار ليرفع عنه هذه الكلفة، وينزهه عن هذه العادة، ويهون على الواهبة الردّ.
المسألة الحادية عشر:
قوله: ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾ ولم يقل ينكحها، وكأن الاستفعال تكلف
стр. 601
الفعل، فجعل الله لرسوله -كما قلنا- في هذه الكلفة الخيار.
المسألة الثانية عشر:
قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال (١):
أحدها: أن يتزوجها بغير مهر ولا ولي، قاله قتادة (٢).
الثاني: بغير صداق، قاله ابن المسيب (٣).
الثالث: بعقد نكاحها بلفظ الهبة، ولا يجوز ذلك لغيره (٤).
قال الِإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁:
القول الأول والثاني راجعان إلى معنى واحد، إلاَّ أن الثاني أصح لأن ذكر الصداق ورد مذكرراً في القرآن، ولم يجر للوليّ ذكر، إلاَّ أنه لما سكت عن الوليّ، وجرى ذكر الحكم بين الموهوبة والنبي، مع المعنى الذي قد بينا
стр. 602
في سورة البقرة (١) من أن الوليّ مشروط لفائدة ولسبب هو معدوم في النبي (٢)، أشبه القول الأول أن يكون مراداً بها هذه القرينة.
وقد خصّ الله رسوله ﷺ في أحكام الشريعة بثلاثة أنواع (٣):
الفرض، التحريم، التحليل، ومنها متفق عليه، ومنها مختلف فيه.
الِإشارة إليه:
أما قسم الفريضة فثمانية (٤):
الأول: التهجد بالليل.
الثاني: الضحى.
الثالث: الأضحى.
الرابع: الوتر، وهو داخل في قسم التهجد.
الخامس: السَّواك.
السادس: قضاء دين من مات معسراً.
السابع: مشاورة ذوي الأحلام.
الثامن: تخييره النساء.
стр. 603
وأما قسم التحريم فجملته عشرة:
الأول: الزكاة (١).
الثاني: صدقة التطوع.
الثالث: خائنة الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، ويخدع عما يحب.
الرابع: إذا لبس لأمته حرم عليه نزعها حتى يباشر الحرب ويكافح العدو.
الخامس: الأكل متكئاً.
السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة.
السابع: التبدل بأزواجه.
الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته.
التاسع: نكاح الحُرّة الكتابية.
العاشر: نكاح الأمَة.
وفي ذلك كلّه تفصيل واختلاف، وقد أشرنا إليه في موضعه.
وأما قسم التحليل فخمسة عشر:
الأول: صفي المغنم.
الثاني: الاستبداد بخمس الخمس.
الثالث: الوصال.
الرابع: الزيادة على أربع نسوة.
الخامس: النكاح بلفظ الهبة.
السادس: النكاح بغير ولي، وقد تقدم (٢).
стр. 604
السابع: نكاحه بغير شهود، وفيه خلاف.
الثامن: نكاحه في حال الإحرام، وقد تقدم (١).
التاسع: سقوط القسم عنه، ويأتي إن شاء الله.
العاشر: إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحل له نكاحها (٢)، وهذا أمر بيناه في قصة زيد.
стр. 605
الحادي عشر: أنه أعتق صفية ولزمها نكاحه وجعل عتقها صداقها، وفيه خلاف.
الثاني عشر: دخول مكة بغير إحرام، وفيه خلاف.
الثالث عشر: أنه لا يورِّث، وقد جعلناه في قسم التحليل لأن الرجل إذا
стр. 606
مات أو قارب الموت بالمرض زال عنه ملكه أو أكثره، وبقي ملك رسول الله ﷺ بعد موته على الوجه الذي قررناه في آية المواريث (١).
الرابع عشر: بقاء عصمته بعد الموت.
الخامس عشر: إذا طلّق امرأة، هل تنكح؟ أم حرمته باقية فيها؟ ويأتي ذلك مبيناً إن شاء الله.
المسألة الثالثة عشر:
إعراب قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ وقد بيناه في "الرسالة الملجئة" ونكتته: أنه حال من ضمير متصل بفعل مضمر دلّ عليه المظهر، تقديره: أحللنا لك أزواجك، وأحللنا لك امرأة مؤمنة، وأحللناها خالصة بلفظ الهبة أو بغير صداق، وعليه انبنى معنى الخلوص ها هنا (٢).
فإن قيل: أراد به خلوص النكاح بلفظ دون غيره.
فالجواب عنه بأربعة أوجه:
أحدها: أنا نقول: إن نكاح النبي ﷺ لا بد فيه من الوليّ، وعليه يدلّ قوله لعمر بن أبي سلمة (٣) ربيبه حين تزوج أمّه أم سلمة (٤): قم يا غلام فزوج
стр. 607
أمك (١). فلا يصح أن يكون المراد بهذه الآية هذا، لأن قول الموهوبة: "وهبت نفسي لك" لا ينعقد به نكاح، ولا بدّ له من عقده مع الولي، فهل ينعقد بلفظه وصفته أم لا؟ مسألة أخرى لا ذكر في الآية لها.
الثاني: إن المقصود بالآية خلو النكاح عن الصداق، وله حالتان كما قدمنا، وإليه يرجع الخلوص.
الثالث: أنه قال بعد ذلك: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ فذكره في جنبته بلفظ النكاح المخصوص لهذا العقد، فهذا يدل على أن المرأة وهبت نفسها بغير صداق، فإن أراد النبي أن يتزوج تزوج، فيكون النكاح حكماً مستأنفاً لا تعلق له بلفظ الهبة إلا في المقصود من الهبة، وهو سقوط العوض وهو الصداق.
الرابع: أنا لا نقول إن النكاح بلفظ الهبة في حقه ﷺ جائز من هذا اللفظ، فإن تقدير الكلام على ما بيناه: أحللنا لك أزواجك، وأحللنا لك المرأة الواهبة نفسها خالصة، فلو جعلنا قوله: ﴿خَالِصَةً﴾ حالاً من الصفة التي هي ذكر الهبة دون الموصوف الذي هو المرأة وسقوط الصداق: لكان اختلالاً من القول، وعدولاً عن المقصود، وذلك لا يجوز عربية ولا معنى.
ألا ترى أنك لو قلت: أحدثك بالحديث الرباعي خالصاً لك دون أصحابك، لما كان رجوع الحال إلاَّ إلى المقصود الموصوف، وهو الحديث هذا، وهو على نظام التقدير.
стр. 608
فلو قلت على لفظه: أحدثك بحديث إن وجد بأربع رواة (١) خالصاً لك دون أصحابك، لرجعت الحال إلى المقصود الموصوف أيضاً دون الصفة، وهذا لا يفهمه إلاَّ المتحققون بالعربية، وما أرى من عزى إلى الشافعي أنه قال:
قوله: ﴿خَالِصَةً﴾ يرجع إلى النكاح بلفظ الهبة (٢) إلاَّ قد وهم، لأجل مكانته من العربية.
والنكاح بلفظ الهبة جائز عند علمائنا، مأخوذ من دليله في موضعه حسب ما بيناه في "مسائل الخلاف" والله أعلم.
المسألة الرابعة عشر:
قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد علم كل سامع أن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ تقتضي استبداده بذلك، وانفراده دون سواه، ولكنه أكد ذلك تبياناً أنه مختص به دون غيره من المؤمنين الذين يشركونه في النكاح وشروطه وكان يكفي أن يقول: دون غيرك من الناس، ولكنه لحرمة اشتراكهم معه وصف بوصف المدح الذي هو الإيمان.
المسألة الخامسة عشر:
قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قد بينا علم الله وحقيقته ومتعلقه من ماض ومستقبل وحال في
стр. 609
موضعه (١) وشرحنا وجه التعلق بكل واحد منها منه.
والمراد بقوله ها هنا: أن الله بين لرسوله حكمه في النكاح، وقرره عليه، وبين للمؤمنين حكمهم في النكاح وقرره لهم، وميّز كل واحد من الفريقين في حكمه، وفرضه، وشرطه، ووصفه، وعدده، وحاله.
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ المعنى: إنا وسعنا عليك في النكاح لاحتمالك المشقة فيه، وقدرتك على القيام بشروطه، ووفائك بما يتعين عليك فيه، ومع هذه الحال لو سوى بينه وبين غيره ممن لا يطيق طاقته ولا يكتفي بالوفاء بشروط النكاح ووفاه، لم يكن عدلاً، ولا كانت تسوية، ولكان حرجاً، والله تعالى قد رفع الحرج عن أهل الملة، والنبي ﷺ منهم، وأعظمهم حرمة ومنزلة، كما أنه سبحانه قصر الأمة عما أباح لرسوله في ذلك وجعلهم دون منزلته، وأحط من مرتبته لأنهم لا يطيقون طاقته كما تقدم، ولا يكتفون اكتفاءه، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
ولم يجعل الله مرتبة النكاح سواء في حق المؤمنين، فكيف في حق الرسول معهم؟ ألا ترى كيف فاضل بين الحر والعبد في النكاح، فجعل مرتبة الحر فوق مرتبة العبد على تفصيل مختلف فيه بين العلماء، وإن كان
стр. 610
الكل منهم قد أجمع على أن الحر أوسع في باب التحليل، فإنه تطلّق عليه بالحرية ثلاثاً، وتطلّق على العبد بالعبودية طلقتين، فإذا تفاوت في ذلك مرتبة الأمة بين الرق والحرية، فأولى وأحرى أن يفضل في ذلك مرتبة النبوة لهم، وتكون أوفى من منزلتهم.
المسألة السادسة عشر:
قوله: ﴿مَا فَرَضْنَا﴾ وقد قدمنا قوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ في موارد اللغة والشريعة بأبلغ بيان، ومنها أن معنى قوله: ﴿فَرَضْنَا﴾: أوجبنا وألزمنا، ومنه قدرنا، وليس يتجه أن يكون معنى قوله تعالى ها هنا: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ بمعنى أوجبنا وألزمنا، لأن منه ما هو وجوب وإلزام، ومنه ما هو تحريم وحظر، وقد جرى ذلك، فلو قلنا أن معنى قوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ أوجبنا وألزمنا، لرجع ذلك إلى بعض ما تقدم ذكره، واقتضى بيان بعض ما وقع التكليف به في المعنى، فوجب أن يرجع التفسير إلى معنى ينظم الكل ويتناول الجميع وهو قوله: (قدّرنا) فإن الذي كتب تعالى وأوجب وألزم مقدّر، والذي حرم وحظر ومنع مقدّر، والتقدير يأتي على ذلك كله، فيجب أن يقال أن معنى قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي قدرنا من فرض ومحظور وشرط ومشروط.
المسألة السابعة عشر:
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تقدم تفسير قوله: ﴿غَفُورًا﴾ وتفسير قوله: ﴿رَحِيمًا﴾، ووجه الِإخبار عنه بكان في كتاب "الأمد الأقصى" (١) و "المشكلين" فلا معنى لتكراره.
стр. 611
والذي يتعلق به من البيان ها هنا وجه انتظامه مع ما سبق من بيان هذه الأحكام وهو ظاهر عند التأويل، ومعناه: أنه سبحانه لم يؤاخذ الناس بذنوبهم، بل غفر لهم ورحمهم، وشرف رسوله الكريم فجعله فوقهم، ولم يعط الخلق على مقدار ما يستحقون، فإنهم كانوا يجرمون، بل عاد عليهم بفضله ورحمته التي هي خير مما يجمعون، وعمهم برفقه ولطفه فأعطى الكل، ووسع على الجميع، وقدم منازل الأنبياء، وتلتهم الخليقة على مقاديرهم، والله أعلم.
стр. 612
النّوع الثالث: علمُ التّذكير
وهو معظم القرآن، فإنه ينبني على معرفة الوعد والوعيد، والخوف والرجاء والقرب، والذنوب وما يرتبط بها ويدعو إليها ويكون عنها، وذلك معنى تتسع أبوابه، وتمتد أطنابه.
وحكمه: أن يؤخذ كلّ باب منه مفرداً، ثم يضاف في البيان إلى نظيره، ولا يمكن شرحه إلا بالمشافهة أو بسط البيان بالقلم، إلا أنا نذكر منها ها هنا أنموذجاً في سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فإنا قد كنا تكلمنا عليها وعلى معانيها في ستة أشهر (١)، وذلك النشر ينتظم لكم مجملاً في ثمان عشرة مسألة.
المسألة الأولى:
قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ اللهْو (٢): الاشتغال بالشيء عن الشيء بالقصد
стр. 613
إليه، والاشتغال: هو الاشتغال المطلق بترك عمل بقصد وبغير قصد، وعليه يحمل قوله ﷺ (١):
"اذْهَبُوا بِهَذِهِ الخَمِيصَةِ (٢) إِلَى أبِي جَهْمٍ (٣)، وَائْتُوني بِتُرْكِيةٍ (٤) فَإنهَا ألهَتْنِي آنِفاً عَنْ صَلَاتِي" وما يفعل ذلك بقصد إليه، ولكنه جرى كذلك فأطلق عليه اللفظ الخاص، كقوله:
"لَا حَسَدَ إِلا في اثْنَتَيْنِ" (٥) وإنما هو الغبطة الاسم الخاص.
المسألة الثانية:
قوله: ﴿التكَاثُرُ﴾ وهو التفاعل من الكثرة، يطلب كل واحد أن يكون أكثر من صاحبه في الأموال والأولاد والأحباب.
قال أهل الإِشارة: اشتغلوا بالأموال عن الأعمال، وبالأولاد عن أهل الوداد، والأحباب عن دار الثواب، وإن القلب إذا كان فارغاً امتلأ من الله
стр. 614
بالكلَيَّة، وإذا اشتغل كله، خرج عن حبّ الله كله، وإذا اشتغل منه جزء فبذلك القدر يذهب من حب الله.
وقد كانت مريم إذا سلّمت من صلاتها وجدت فطرها، فلما ولدت عيسى وأخذ جزءاً من قلبها قيل لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥].
ويتسع الكلام ها هنا في التكاثر بذكر الآيات والأخبار والآثار في ذكر الأموال والأولاد والأحباب.
المسألة الثالثة:
عدل عن قوله: "شغلكم" إلى قوله: ﴿ألْهَكمُ﴾ لأنه أخص به وأكثر ذَمّاً لهم.
المسألة الرابعة:
إن قيل عن أيِّ شيء ألهاكم؟.
قلنا: عما قال أهل الإشارة.
المسألة الخامسة:
قوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يقال: زار الرجل إذا انضاف إليه ونزل به، ومنه قيل للضيوف زور.
ومن غريب الفصاحة أن الزيارة تكون بالقصد، واستعملها ها هنا مع عدم القصد، وذلك لما علم من وجوب حلولها، وأن المصير الآخر إليها، وأن فائدة ما في الدنيا من أمر إنما هو عندها.
стр. 615
المسألة السادسة:
قوله: ﴿الْمَقَابِر﴾ وهي الدار الآخرة، والدنيا هي الدار الأولى، وهو حفرة من حفر النار أَو روضة من رياض الجنة (١)، وتسرد الأحاديث في هذا كله.
المسألة السابعة:
في عذاب القبر، فإن قوله: (﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣]:
معناه: إذا زرتم المقابر، وذلك تهديد عظيم، بما يدرك إذا حلّ فيه، وتذكر عذاب القبر كلّه، وأنواع الهول فيه الذي يتعلق بكل واحد منها تهديد.
المسألة الثامنة:
قوله: ﴿كَلَّا﴾ وقد اختلف فيها النحاة والمفسرون، وتذكر أقوالهم (٢)، والصحيح أنه نفي، كأنه قال: كل لا، المعنى: ليس كما زعمتم أو أردتم، حيثما وقع وكثر استعماله، فجعلت الكلمتان كلمة واحدة، ونصبت الكاف لتدل الِإضافة على التغيير.
المسألة التاسعة:
قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقال في موضع آخر: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾
стр. 616
[القمر: ٢٦] بالسين وهما عند أهل العربية واحد، وعند أهل الإشارة أنهما بمعنيين، وكأن سوف أمد في المهل، كما قال سبحانه: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
وتورد ما يناظره ويتعلق به.
المسألة العاشرة:
قوله: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ كأنهم كانوا في جهالة وغمرة من البطالة، فانتقلوا إلى اليقظة، "والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" (١)، ومنه قوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤].
وتذكر الاستغراق في الشهوات، وتستوفي آياته وآثاره، وتذكر تلبيس إبليس وتزيينه -إن قدر- أو تسويفه، وذلك معنى دقيق طويل.
وقد قال لي شيخنا الطوسي: إن أمهلت فسأفرد كتاباً "لتلبيس إبليس" (٢).
المسألة الحادية عشر: في التكرار (٣):
قد قدمنا القول فيه فيما سبق من علوم القرآن في مواضعه وأشبعناه،
стр. 617
فلينقل من هنالك، ومن أحسن ما فيه عن الأستاذ أبي إسحاق (١) أنه قال: كرر الله قصص الأنبياء في غير موضع من كتابه ثم ساق قصة يوسف مساقاً واحداً إشارة إلى أن الله قد عجز به العرب وكان النبي ﷺ قال لهم: قد سقت قصة يوسف مساقاً واحداً، وكررت قصص الأنبياء، فإن كان من تلقاء نفسي مقدرة على الفصاحة، ودربة في البلاغة، فافعلوا في قصة يوسف ما فعلته في سائر القصص، وهو أعظم قد أوردناه في "المعجزات".
المسألة الثانية عشر:
قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] قد قدمنا (٢) أن الاختيار في "كَلَّا" أن يكون نفياً، فكيف جاء النفي بعد قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؟.
قلنا: عاد النفي إلى الأول تأكيداً له أيضاً، دلّ عليه ما بعده وهي: المسألة الثالثة عشر.
المسألة الرابعة عشر:
قوله: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ القول في العلم معلوم (٣)، وأقسامه ومتعلقاته
стр. 618
معروفة، وأما اليقين، فقيل هو المشاهدة، وقيل العلم الذي لا يدركه رَيْبٌ وإن كان نظرياً، وقال أهل الِإشارة: اليقين هو العلم الحاصل عن العمل (١) وقد تقدم الكلام عليهم، وإنما أرادوا به انتفاء الريب فاساؤوا العبارة والطريق، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال في عثمان بن مظعون (٢):
"أمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ" (٣) والله ما أدري ما يفعل به فكشف ﷺ عن معنى اليقين، والدليل عليه أن الله فسره فقال: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٥ - ٦]. وإذا مات ابن آدم عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ (٤)، فهو من يقينه، وهي المسألة الخامسة عشر.
ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] وهي المسألة السادسة عشر: يريد عند الورود، وتفسره، وتورده، والقول فيه إِطنابٌ (٥) وله أطْنَابٌ (٦).
стр. 619
المسألة السابعة عشر:
قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] وهو ظرف، قال بعضهم: لعين اليقين، وقال غيرهم: له ولليقين الأول، والسؤال يومئذ إنما يكون لعين اليقين، فأما اليقين فليس فيه إلاَّ السؤال عقد الإِيمان خاصة، وتورد ها هنا الأسئلة كلّها وتفاصيلها ومحالها.
المسألة الثامنة عشر: عن النعيم (١):
قيل: هو محمد ﷺ ، قاله أهل الِإشارة (٢).
وقيل: هو تخفيف التكليف بالشرائع (٣).
وقيل: الرخص (٤).
وقيل: هو الماء البارد في الصيف، والحار في الشتاء (٤).
وقيل: الصحة من البدن (٥).
وقيل: الفراغ (٥).
وقيل: سعة الرزق (٥).
وقيل: القناعة (٦)
وقيل: الرضاء بالقضاء (٦).
стр. 620
وحقيقته:
كل موافق للنفس والبدن ديناً أو دنيا، وإذا بسط هذا اتسع مقداره.
فإن قيل: هذه طرق طويلة، وبحار متسعة، فكيف السبيل إلى سلوكها وركوبها؟ وأنَّي بالتبليغ نحوها حتى نبلغ إليها (١)؟ ومن أين يكون وجه القصد إلى هذا القانون؟.
ذكر وجه التبليغ إلى المرتبة المستولية على علوم التنزيل بالتجميل، وطريقة التوصل إلى الله سبحانه
اعلموا -نوّر الله بصائركم- أنا قد أوضحنا أن السبيل إلى معرفة العلوم هو التعليم، فإن التزمته بشروطه، وتماديت عليه، وصلت إليه. وشروط ذلك ووظائفه (٢) تنيف على المئتين، لكن الأمهات التي ترجع إليها البنات سبعة شروط (٢):
الشرط الأول (٣):
إخلاص النية، فهو أصل الأصول، وشرط الشروط.
стр. 621
الشرط الثاني:
التواضع للعلم، فحيث علم العلم قصده، وممن سمعه أخذه، "فالحكمة ضالّة المؤمن" (١) ولا تستصغر كلمة، فإنه من تكبّر على العلم ذهب عنه، فإن:
العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي (٢)
الشرط الثالث:
التواضع للمعلم، حتى لو تحقق خطؤه، فليعظمه، فلو لم يكن إلاَّ فضل المتقدم والتجربة، ألا ترى إلى حديث موسى والخضر (٣).
ويلزمه أن يعتقد له حق أبيه قال النبي ﷺ : "إنَّمَا أنَا لَكمْ مِثْل الوَالِدِ لِوَلَدِهِ أعلمكم" (٤)، والمعلم خير من الأب.
الشرط الرابع:
ألاَّ يخالف معلمه فيما يشير به عليه إن ظهر إليه غيره.
فاوضت يوماً الطوسي في ذكر تآليفه، فأعرض عن بعضها، ثم نظرت
стр. 622
في كتاب "المعيار" (١) فأعجبني فاستحسنته، وجئت إليه وعلى كمي كراسة منه، فقال لي: ما معك؟ فاستحييت ودفعته إليه فقرأه ملياً، وأنا أسارقه النظر وأرفض عرقاً، ثم رفع رأسه إليَّ وقال لي: كتاب حسن، ولكن لا تغتر بمخالفتنا فيه.
الشرط الخامس:
أن لا يخوض في التعليم دفعة، بل يقبل على الأهم، فإذا أكمله انتقل إلى غيره، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
قيل فيه: لا ينتقلون عن فنّ حتى يحكموه علماً وعملاً (٢). كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَر (٣) أنهُ أقَامَ على سُورَةِ البَقَرَةِ ثَمَانِ سِنِينَ حَتى أحْكَمَهَا (٤).
وقيل: يتلونه حق تلاوته بحضور قلب.
стр. 623
الشرط السادس:
أن يذكر ما حفظ وعلم، ولا ينبذه وراء ظهره.
الشرط السابع:
أن يعمل بما علم فذلك أثبت له حفظاً ونجاة.
فهذه أمْهاتها (١)، وهي مفتقرة إلى الدؤوب عليها دون فتور، فإن عَلِمَ من نفسه منة واتساع باع، وقبولاً للبلوغ إلى النهاية، فليأخذ في معرفة الباري من أسمائه الحسنى، فإنها تحيطه بالكلّ، وبها يعرف العالم، فلكل اسم من أسمائه جزء مقسوم منه، وقد قيّدناه في "الأمد الأقصى" وهو الغاية، وبه يعرف الترقّي من درجة إلى درجة.
وحذار من أن يطمع عبد في استقلاله بنفسه في العلوم، حتى يحتكّ بين يدي المعلم، فما ضلّ من ضلّ إلاَّ من الصحف، بل إذا وصل إلى درجة
стр. 624
النظر، فله أن يستبد بنفسه، بل هو فرضه، وذلك موقوف على شرح الصدور، فمن يرد الله أن يعلمه يشرح صدره للتعليم وهما مصدران:
ذكر شرح الصدور
وهما صدران: صدر نبي، وصدر صدّيق.
فأما النبي فشرح صدره بأن يرفع عنه الجهل بالعلم، والغفلة بالذكر، والمعصية بالطاعة، والوسواس بالعصمة.
فإن قيل: وكيف هذا وقد قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ..... ﴾ الآية [فصلت: ٣٦]؟ قلنا: ذلك في التعريض لا في التمريض.
فإن قيل: فقد قال ﷺ : "إِنَهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي ... " الحديث (١)؟.
قلنا: ليست غفلته عن طاعة بمباح، إنما كان في ذكر دائم، وعلم قائم، فإذا عافس الأهل ثم فزع، رأى أنه في نقصان، حيث أقبل على غيره، ولكن ضرورة البشرية، فيعود إلى الاستغفار حتى يكون عمله البشري في حكم العمل التكليفي.
وأما الصدّيق فهو من أسماء الكمال، ومعناه: الذي صدّق علمه بعمله (٢)، وأعظم ذلك في أبي بكر الصديق ﵁ (٣)، ألا ترى
стр. 625
إلى قوله جواب من أخبره بأن النبي أسري به إلى بيت المقدس في ليلة فقال: "إِنْ كَانَ قَالَهَا فَقَدْ صَدَقَ، وَأنَا أصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أعْظَم" (١).
وانظر إلى إقباله إليه بجميع ماله، وقوله: "أبْقَيْتُ لِنَفْسِي الله ورسوله" (٢).
ولما احتاج إلى عِلْمِهِ وَيقِينهِ وَجَدَهُ، ووجَدَ المُسَلمُونَ بركته.
فإن قيل فقد أذعنا لك فزد بياناً، قلنا: "حَدّثْ حَدِيثَيْنِ امْرأَة، فَإِنْ أبَتْ فَأرْبع أوْ فَأرْبَعَة" (٣) على اختلاف الرواية في هذا المثل عدوها أربعة على تأويل العامة في المثل.
اعلموا -بصّركم الله الخفيّ وثبت لكم الجليّ- أن مساق الكلام في
стр. 626
هذا القانون هو طريق التعليم، وقد أخذت عليكم في شرطه ألا تذهلوا عما تعلموا حتى تركبوا عليه ما تفهموا تفقهوا، ولكنكم تجدوني -إن شاء الله سبحانه- سمحاً ليناً، متخوناً (١) ليس خائناً، اسلكوا سبيلي، وتوضحوا دليلي، فإنكم تهتدون إلى سبيل السلام، وتستنيرون في غياهب الظلام.
ولقد قلت لبعض أصحابي وقد فاوضني في هذه الأغراض:
ذكر معاني الفاتحة
إذا أردت تحصيل التفسير بالقانون: فاعمد إلى سورة "الفاتحة" بنية خالصة، ثم سطّر الحمد ومعناه، والشكر ومغزاه، وانفصالهما في متعلقهما، والرب وشرحه، والعالمين وما يتناول من الموجودين، وكيف صرّف العالمين وربى متولدات الموجودين، والرحمن ومتعلقه، والرحيم وفائدته، والجمع وتركيبه واستفتاح كتابه بذلك، ونعمته، والملك وخصيصته، والدين وحقيقته وماذا تناول، وعظيم ما اجتمع فيه، والعبادة وصفتها، والاستعانة وفائدتها، والصراط وزحمته، والنعمة وعمومها، والمعصية وخصوصها، والغضب ومعناه، والضلال وهو ضدّ الهداية، فإنك تعلم تفسير الفاتحة بحسب ما تنتهي إليك قدرتك، فاجتهد، وواصل السير بالجد فإن السبيل باد.
فلقد رحلت طالب علم وحج فما عدمت قاطعاً يلويني، وشيطاناً يغويني ولا فقدت ناصحاً يقدمني، وعالماً يرشدني، حتى خلصت إلى المطلوب.
стр. 627
V ذكر ترتيب الطلب
ولكن ربما فات كثير من الناس كيفية الطلب: (١)
وأولها المقصد إلى تعلم علم العربية والأشعار، فإنهما ديوان العرب التي دفعت إليها ضرورة فساد اللغات.
стр. 628
ثم تنتقل إلى الحساب، فتتمرّن فيه حتى ترى القوانين، فإنه علم عظيم، له خلفت السموات والأرض، وقد نبّه الله سبحانه على حكمة الأرض والسموات من المعاملات إلى منتهى الحركات.
ثم انتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسّر لك بهذه المقدمات، ويا غفلة بلادنا في أن تأخذ الطفل بكتاب الله في أول أمره، فيقرأ ما لا يفهم، وينصب في أَمرٍ غيره حينئذ عنده أهم، ولا يبسط هذا المطلوب العظيم بساطه ويعد له نشاطه.
ثم تنظر في أصول الدين، ولا أقل مما تضمّنه كتاب "المتوسط" ويطلع على شيء من أصول الفقه "المحصول" أو "نكته" إن استطاله.
ثم تنظر في علم الجدل وهو في "المحصول" ولا تضيِّعه فإنه العلم الذي بدأ به النبي ﷺ مع العرب عشرة أعوام.
ثم تروي حديث رسول الله ﷺ ، ولا تشتغل بغير الصحيح، فيذهب عمرك ودينك ضياعاً، إلاَّ أن تحكم ذلك كلّه، فلا بدّ من الاطلاع على مهمات علوم الحديث ومنها معرفة السقيم من الصحيح (١).
ثم تتعلم تركيب الجميع على آي القرآن، كما رتبناه لك في
стр. 629
"المشكلين" و"الأحكام" تفصيلاً، وكما أشرنا إليه ها هنا مجملاً، وإن كان من جودة الذهن والجدة وفراغ الوقت للنظر في علمين من هذه العلوم في حالة يقرب عليه مدى التحصيل فليفعل. فقد عرّفنا كم القوانين، وبسطنا لكم في التمكين، فإذا لم تسمعوا، أو سمعتم فلم تفهموا، فلا رجاء في علم ما تعلموا.
وَمَثَلُ من يعلم من نفسه قوة في التبسط على هذه العلوم ويقصر عنها، كمثل من يقف على النهر الأعظم فيترك الاغتراف منه، ويغترف من الجداول والخلجان، والمذانب (١) والماديانات والحياض والقِلاَت (٢)، والنهر الأعظم هو الذي لا تكدره الدلاء، ولا يغيضه (٣) الاستقاء. وهذه عرضة للنصب والمغيظ، بعيدة من المادة والمفيض.
ومن تعذّرت عليه منكم الرحلة ببدنه، فليرحل إلى الله تعالى بقلبه، ولا يظن أحد أن الرحلة تفيد بصورتها، كم راحل قرأ وما قرأ، وروى وما درى، ولم يتحصل له كيف ولا أين؟ فعاد على ظهره بحُنَيْن، دع خُفَّيه الاثنين (٤).
стр. 630
فارحل من عالم الشهوات إلى عالم القربات، وسافر من المحسوسات إلى المعقولات، وانظر في الزاد فلا بد منه، والدليل وهو العلم، فلا غنى عنه، فمن وجد معلماً فهو النعيم يهدي إلى السبيل، وينظم الدليل، ويحمي عن البدعة والتعطيل، فإن لم تجدوه، فقد أبدينا لكم سبيل السلوك، فتنوروها، ولكنكم آمنون ما كنتم في الظواهر تجولون، حتى إذا سلكتم بحبوحة التوحيد ودلائله ومتعلقاته، فيعرض لكم مهاوي مظلمة، ومغويات ملبسة.
ذكر وجه الشبه القادحة في التأويل، وطريق الخلاص منه بهداية الدليل
قد قدمنا أن العقول لا تستقل بدرك العلوم حتى يَصْطَفِيَ الله من خلقه من يلقي إليه ما يَقْصُرُ العقل عن دركه، لكنه إذا عرضه عليه كالرجل ينسى الآية أو المسألة أو الشخص فإذا قرئت عليه أو ذكرت له أو رآه عرفه.
ولا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل، فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ويزكيه من وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول، فكيف يأتي الشاهد بتكذيب المزكي (١)؟ هذا محال عقلاً، وعلى هذا الأصل انبنت مسائل
стр. 631
الدور (١)، أما إنه قد تأتي آيات متشابهات، وأحاديث مشكلات يعارض بعضها بعضاً، ويناقض بعضها دليل الشرع، وها هنا علم عقلي يستضاء به في هذه السُّرْيَةِ (٢)، ودليل شرعي يرشد في هذه المَضِلَّةِ.
إن العقل والشرع إذا تعارضا، فإنما ذلك في الظاهر بتقصير الناظر، وقد يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع أصلاً فيرد إليه العقل.
وقد يرى غيره أن يجعل العقل أصلاً فيرد الشرع إليه.
وقد يتوسط آخر فيجعل كل واحد منهما أصلاً لنفسه.
فالناظر الذي قدم المعقول سيأتيه من ظاهر الشرع ما يقلب حقيقة الشرع، ولا سبيل إليه.
والذي يجعل العقل أصلاً، والشرع تبعاً، إن أخذه كذلك مطلقاً وَرَدَ ما ينكره القلب ببادىء الرأي في مورد الشرع مما يستحيل في العقل، فإن وقف في وجه الشرع فهو مكذب، وإن قال بما في الشرع فهو متناقض، وإن توسط فهو الناظر العدل، يجعل كل واحد منهما أصلاً، عقلاً ونقلاً، وينظم سلك المعرفة من دررهما.
стр. 632
ولا يعتقد أحد منكم أنه يأتي موضع يعسر فيه التأويل، أما إنه قد تأتي في الشريعة ألفاظ لا يبين الشرع معناها، ولا يهتدي العقل إلى معرفتها، فيلزم إثباتها عقداً، وأما العلم الشرعي، فإن الآية والخبر إذا تعارضا فالآية مقدمة لأنها مقطوع بصحتها، والخبر لا يقطع به (١).
ذكر المعنى الذي أوجب العثور في النظر
أما أنه نبعت طائفة أرادوا أن يلفقوا بين موارد الشرع وأغراض الفلاسفة، وادعوا أنها متلائمة، وأن كلام النبي مع كلام الفيلسوف يخرج عن مشكاة واحدة، ومن ها هنا دخلت المطاعن في التنزيل، ودرست على السالكين السبيل، وحار الناظرون في الدليل.
وهذا باطل، فإن القوم تكلموا قابعقول صرة، في معان خفية، وذلك بين من كتاب الله بالكلام (٢) في إيراد مجادلة الكفار للأنبياء، فما من أمة إلا والرد عليهم في كتاب الله.
ولقد فاوضت في ذلك بعض العلماء (٣) في مسائل أورد عليكم منها ما تجعلونه أصلاً لغيرها.
стр. 633
المسألة الأولى:
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ ... إلى قوله ... الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يسترسلون على التصرف في الأموال برأيهم، ولا يقفون عند حدود الشرع.
فقال لي: هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يتصرفون في وجوه الاستدلال بعقولهم دون القانون.
فقلت له: لا أمنعك من هذا التأويل، ولا أبعده في طريق الدليل، وطال القول إلى أن كانت زبدته:
إنه لا بد من إثبات الشياطين (١) أولاً وجوداً، وإثبات أنهم أجسام متغذية، وأن الله ملكهم تيسير التصوير كما ملكنا تيسير الحركات، وأن الله يخلق عند كلامهم خواطر في قلوبنا، وأفعالًا في أبداننا، فيقع للمرء بذلك خبط، كما يلحق عند كلام العائن في البدن، ما يلفظ به المرء، وتنهدم به الدار، ويتبدد به المال، وعن هذه عَبَّرَ بقَوْلهِ ﷺ : "إِن الشَيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدمِ"، وكما يتصرف الدم فينا بالسريان، كذلك تتصرف ثمرة وسوسته فينا بالجريان، فيجري الدم فينا بحكم التغذية، ويجري الحكم المثمر للوسواس علينا بحكمة الله في المعصية.
ولما جهلت الفلاسفة هذا قالت: "إِن الصرع أخلاط تدور فيثور في البدن منها ما يثور"، وهذا كان جائزاً غير منكر عندنا، فكذلك قد بينا أن خلقاً
стр. 634
حالهم ما وصفنا، يكون لهم فعل يترتب عليه حكم، وذلك جائز عقلاً، وله مثال من إصابة العين حساً. وفيه بيان من الله ورسوله دليلًا، فلا يقدر ذو لُبٍّ على إنكاره.
فبهت حين سمع هذا، وانقاد بحزامة الدليل في أنف الأنفة إلى القبول.
وفي لقاء جبريل للنبي وإلقائه الوَحْي إليه شبه بين الوحي والوسواس، حتى قال الجاحدون: "هذا مجنون"، ولكن لما عرضت هذه الشبهة رفعها الله بأن كان جبريل يفارق النبي فيبقى بعده قوياً نشيطاً ضاحكاً نير الوجه كالبدر، صحيح القول، لا خلل في كلامه، ولا كسل في قيامه، ولا ألم في بدنه، والمجنون كاسف اللون، مختل القول، كسلان النفس، مريض البدن.
مثال آخر: في مسألة:
جرى بيني وبين بعض الأشياخ (١) كلام في قول النبي ﷺ ، في حديث الكسوف حين قال (٢) في عنقود العنب: "فَلَوْ أخَذْتُهُ لأكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"