← Сира

Сира · id 9792

ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

حسن حسين

Полный текст (184 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

اهداء عرفانا بالجميل أهدى هذا الجهد المتواضع إلى روح من حثني ووجهني إلى العلم إلى من أخذ بيدي إلى افاق النور والمعرفة إلى من أعطاني ووهبني من عقله سبل البحث الدائب في كتب العلم.. إلى نفس الطاهرة التي ردت إلى بارئها منذ سنوات طوال، ولكنها لا تزال تظللني بحنان الأبوة، وتفئ على بالحب والعطف. إلى روح المرحوم: الشيخ عبد الرحمن بن حمد ال ثاني حسن حسين

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ محتويات ثلاثية البردة * الاهداء ٣ * فهرس الموضوعات ٥ * مقدمة ٧ البردة لغويا ٩ مفهوم المعارضة الأدبية ١١ * الفصل الأول: كعب بن زهير ومدح الرسول (ص) ١٧ كعب وقصة اسلامه ١٩ أضواء على لامية كعب في مدح الرسول ٢٤ شرح القصيدة ٢٩ * الفصل الثاني: البوصيري وبردته ٤٧ الامام البوصيري وقصيدة البردة ٥٠ شرح البردة ٥٤ * الفصل الثالث: أمير الشعراء ونهج البردة ٨٧ الشاعر والقصيدة ٩٦ شرح نهج البردة ٩٨ * الفصل الرابع: موازنة بين الأغراض الشعرية * الفصل الرابع: القصائد الثلاث ١٣٩- ١٣٠ المقدمة الغزلية- الوصف والحكمة- في مدح الرسول والمسلمين- مولد الرسول ﷺ - معجزات الرسول ﷺ - طلب الأمان- الجهاد في سبيل الله- الشريعة الإسلامية- المقارنة بين الحضارات- الخلفاء الراشدون- المناجاة وعرض الحاجات.

стр. 3

* النصوص الكاملة للقصائد الثلاث ١٧٣ بردة كعب بن زهير. بردة الامام البوصيري. نهج البردة لأحمد شوقي. * المراجع ١٩١ هذا والله المستعان

стр. 4

مقدمة برزت قصائد عدة في أدب النبوة مدحا وتعظيما لرسول الله ﷺ ولعل أبرز تلك القصائد (ثلاثية البردة) وهي بردة كعب بن زهير، وبردة الإمام البوصيري، ونهج البردة لأحمد شوقي، وكلها تنطلق من التعظيم والتكريم لبردة الرسول صلوات الله عليه وسلامه، التي خلعها على أول هؤلاء الشعراء.. ومن ثم رأيت أن يكون البحث في أربعة فصول مهدت لها بالحديث عن معنى (البردة) في اللغة، ومفهوم المعارضة الأدبية. وجعلت الفصل الأول للشاعر المخضرم كعب بن زهير ومدحه للرسول- ﷺ وتناولت في الفصل الثاني الإمام البوصيري وقصيدته الميمية (البردة) ، وخصصت الفصل الثالث لأمير الشعراء أحمد شوقي وقصيدته (نهج البردة) ، أما الفصل الرابع والأخير فقد عرضت فيه موازنة أدبية بين قصائد الشعراء الثلاثة من حيث الأغراض أو الموضوعات الأساسية التي تناولها كل منهم في قصيدته، ووضحت خلال ذلك بعض وجهات النظر حول طرق التناول لتلك الموضوعات، ورأيت في نهاية البحث أن أقدم للقارئ الكريم النصوص الكاملة للقصائد الثلاث لعله يطالع هذه الأعمال العظيمة لهؤلاء الشعراء الكبار، ويحلق معهم في افاق نورانية مع مدح سيد الأنام محمد بن عبد الله ﵊. وليغفر لي القارئ الكريم ما أراني قد قصرت فيه، فانى طالب علم وعلى بداية الطريق ... والله المستعان الدوحة في يوم الأحد ٢٧ من رجب ١٤٠٦ هـ

стр. 5

تمهيد لقد تناول كثير من الشعراء موضوع مدح الرسول ﷺ ورددت الألسنة مدائحهم وبخاصة في حلقات الذكر كلما حلت مناسبة دينية وما أكثرها. وحظيت القصائد الثلاث التي نظمها الشعراء كعب بن زهير والإمام البوصيري وأحمد شوقي بمكانة طيبة بين قصائد المدح لسيد المرسلين ﵊، وقد جمع بين هذه القصائد خط فكري يكاد يكون واحدا انطلق من التسمية التي صارت علما عليها، فقد عرفت قصيدة كعب بالبردة، ومن بعده كانت بردة البوصيري، ثم جاءت نهج البردة لأمير الشعراء تيمنا ببردة الرسول ﵊. البردة لغويا: ورد في المعاجم اللغوية أن البردة كساء مخطط يلتحف به «١» . بل هي قطعة طولية من القماش الصوفي السميك الذي يستعمله الناس لستر أجسامهم أثناء النهار كما تتخذ غطاء في أثناء الليل وكانت البردة معروفة عند البدو ومن أشهرها برود اليمن «٢» . وكان هذا النوع من اللباس معروفا في الأندلس ويبدو أن البرد معروف عند فلاحي مصر «٣» . عن أنس بن مالك قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه (الحبرة) . بل هي الحبرة بكسر الحاء وفتح الباء: وهي ضرب من نوع برود اليمن تتخذ من كتان أو قطن محبرة، أي مزينة «التحبير هو التزيين والتحسين» ..

стр. 6

عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة ببردة قالت: هل تدرون ما البردة؟ قال سهل: نعم.. هي الشملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها الرسول ﷺ محتاجا إليها. والشملة هي البردة وأن ما يميز الشملة من البردة هو حياكة شيء إضافي في أطرافها (أي بعض الزينة في حاشية البرود) «١» . وعن أنس بن مالك «أن النبي ﷺ كان شاكيا فخرج وهو يتكئ على أسامة بن زيد وعليه ثوب قطري قد توشح به فصلى بهم وذلك نوع من البرود» .

стр. 7

مفهوم المعارضة الأدبية يقصد بالمعارضة الأدبية النسيج على غرار عمل أدبي اخر، وقد عرفت المعارضة الأدبية قديما حينما بدأ كتاب وأدباء أوروبا بتقليد غيرهم من الكتاب والنقاد وبخاصة الكلاسيكيين (اليونان والرومان) وكانت جودة العمل وقيمته الأدبية تقاس بمدى مطابقته لأعمال أولئك الكتاب، أما على الساحة الأدبية العربية فقد برزت المعارضات وظهرت منذ العصر الجاهلي وقد فسرت بعدة مفاهيم، فمن قائل بأنها احتذاء شاعر بشاعر اخر، ومن قائل أن المعارضة هي أن فلانا سار حيال فلان وعارض فلان كتاب أو قصيدة أو قصة فلان. والمعارض محب لعمل الاخر ومعجب به ومعترف ببراعة صاحبه، وهذا الاعجاب لا يتقيد بفترة زمنية محددة أو بشخصية دون شخصية «١» . ونجد هنا اعتراف أمير الشعراء أحمد شوقي باعجابه وتقديره للإمام البوصيري حيث يقول: المادحون وأرباب الهوى تبع ... لصاحب البردة الفيحاء ذى القدم ويقول: الله يشهد أنى لا اعارضه ... من ذا يعارض صوب العارض العرم وهناك أمثلة كثيرة في أدبنا العربي للمعارضات الأدبية. ولم تكن المعارضة بدافع الضعف، وإنما لاظهار القدرات من خلال التنويع والوقوف على أجود الأعمال الأدبية. كما أصبح شعر المعارضة ذا قيمة أدبية لثقافة الشاعر وما يحيط به من تيارات وروافد أخرى للوقوف على الحياة الاجتماعية التي عاشها تطورها خلال تلك الحقبة الزمنية؛ والذي يتتبع شعر المعارضة، في أدبنا العربي يجد أنه كان متجليا في جميع العصور الأدبية وقد رصد بعض النقاد حركة المعارضة الشعرية تاريخيا كوتأكدوا من ذلك وبالتالي قسموها إلى الفترات التاريخية التالية: -

стр. 8

١- المعارضة في الشعر الجاهلي. ٢- المعارضة في الشعر الإسلامي (صدر الإسلام) . ٣- المعارضة في عصر الدولة الأموية. ٤- المعارضة في عصر الدولة العباسية. ٥- المعارضة الأندلسية. ٦- المعارضة في العصر المملوكي. ٧- المعارضة في العصر الحديث «١» . ومن هذا المفهوم المعنى المعارض نقول: إن شوقي في ميميته نهج طريق البوصيري أي سلكه وعارض ميميته الميمونة مقتفيا نفس الطريق ملتزما بنفس الموضوعات التي طرقها البوصيري في القصيدة مترنما متغنيا بالرسول خلقا وخلقا ومترفقا بحال المسلمين سلوكا وعملا، ومتشفعا بسيد البشر من ذنبه تزلفا وضعفا وواصفا لأخلاق الرسول الكريم وعلو مقامه عند الله وعند البشر أجمعين تكبيرا وتعظيما. وعندما نذكر (البردة) ، نتذكر القصيدة العصماء للإمام البوصيري التي صاغها في مدح الرسول ﷺ ذاكرا مناقبه، من يوم مولده، ومتدرجا بها حتى بعثته الميمونة لتخرج البشرية من الظلمات إلى النور. وهذه البردة ما زالت تردد في كل بقاع العالم الإسلامي وما زالت تحتل المكان الأول بين المدائح النبوية وكل الأشعار التي خاض ناظموها هذا المجال شرفا لهم. وحين نقول (نهج البردة) فاننا لسنا بحاجة إلى تفسير كلمة نهج إذ يتبادر للذهن مباشرة أن الشاعر قد سار فيها على طريق البردة «٢» . فقد حظيت البردة بمكانة لم تصل إليها أي قصيدة سواها وبخاصة عند أهل التصوف وشطرت وخمست وسبعت، وإذا كان مقياس خلود العمل الأدبي هو

стр. 9

الاهتمام من الناس والانتشار فإن البردة نالت الخلود والشهرة في العالم الإسلامي واحتلت مكانة أدبية فريدة في الأدب العربي وفي الاداب العالمية فترجمت إلى عدة لغات كالفرنسية والألمانية والانجليزية بالاضافة إلى معرفة الفئات المسلمة لها في الهند وباكستان وإيران وغيرها، وتأثر الكثير من شعراء هذه الدول بقصيدة البردة والشعر الصوفي وبخاصة الشاعر محمد اقبال حيث نجد في قصائده الأولى تأثير الصوفية إذ يقول: قد كان هذا الكون قبل وجودنا ... روضا وازهارا بغير شميم والورد في الأكمام مجهول الشذى ... لا يرتجى ورد بغير نسيم بل كانت الأيام قبل وجودنا ... ليلا لظالمها وللمظلوم لما أطل محمد زكت الربا ... واخضر في البستان كل هشيم واذاعت الفردوس مكنون الشذى ... فاذا الورى في نضرة ونعيم «١» ويعتبر الشعراء المداحون لرسول الله ﷺ أن البردة كالدستور للشعر والشعراء فقد نسج على منوالها كثير من الشعراء وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه جديد في مدح خير البرية محمد بن عبد الله ﵊ إلا أنه لم يكن بالصورة التي كانت عليها بردة البوصيري وقد سارع كثير من الأدباء والنقاد إلى شرح البردة، كما لقيت هذه القصيدة من الاهتمام والدراسة والبحث والمقارنة والمعارضة والتنقيب في أغوارها للوصول إلى نفسية وروحانية الشاعر الشيء الكثير. وقد تأثر بهذه الروحانية كثير من الشعراء مثل أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته «نهج البردة» ، كما حاول محمود سامي البارودي معارضة البوصيري في أربعمائة وسبعة وأربعين بيتا يقول في مطلعها: يا رائد البرق يمم دارة العلم ... واحد الغمام إلى حي بذى سلم في بلدة مثل جوف العير لست أرى ... فيها سوى أمم تعنو إلى الصنم «٢»

стр. 10

وعارض أبو بكر حجة الحمودي «١» وبذل جهدا مضنيا في معارضة البوصيري وكان ابن حجة شاعرا مسترسلا ومؤلفا، وشعره مملوء بأوجه البلاغة، وشهرته بدأت بمعارضته لقصيدة الإمام البوصيري (البردة) فيقول: لي في ابتداء مد حكم يا عرب ذى سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم بالله سربى، فسربى طلقوا وطني ... وركبوا في ضلوعي مطلق السقم أما عائشة الباعونية «٢» فقد حاولت معارضة البوصيري في قصيدة لها حيث تقول: في حسن مطلع أقماري بذى سلم ... اصبحت في زمرة العشاق كالعم أقول والدمع جار جار في مقلتي ... والجار جار يعذل فيه منهم يا سعد ان أبصرت عيناك كاظمة ... وجئت سلعا فسل عن أهلها القدم ولا يفوتنا أن نشير إلى تأثر البوصيري في بردته بابن الفارض «٣» في قصيدته التي يقول فيها: هل نار ليلى بدت بذى سلم ... أم بارق لاح في الزوراء فالعلم أرواح نعمان هلا نسمة حمرا ... وماء وجرة هلا نهلة بفم

стр. 11

يا لائما لا في حبهم سفها ... كف الملام فلو أحببت لم تلم وحرمة الوصل، واللوذ العتيق وبالعه ... د الوثيق، وما قد كان في القدم طوعا لقاض أتى في حكمه عجبا ... أفتى بسفك دمي في الحل والحرم أيكم لم يسمع الشكورى وأيكم لم ... يحر جوابا وعم حال المشوق عمى «١»

стр. 12

الفصل الأول كعب بن زهير ومدح الرسول ﷺ )

стр. 13

كعب بن زهير ومدح الرسول ﷺ * كعب وقصة اسلامه: يعد كعب بن زهير بن أبي سلمى رضى الله عنه واحدا من فحول الشعراء المخضرمين فهو من مضر، وأمه كبشه بنت عمار بن عدى، تزوجها زهير بن أبي سلمى، وكانت منازلهم بالحاجر من نجد، وزهير تزوجها على زوجته الأولى أم أوفى التي لم تكن يعيش لها ولد ولما تزوج كبشة أصابتها الغيره فطلقها ثم ندم بعد ذلك. أما نسب والده فهو زهير بن ربيعة بن رباح، ويعد زهير من الشعراء الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء في الجاهلية (امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني) وقد أجمع النقاد على رأي عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيه بأنه كان لا يفاضل ويتجنب وحشى الكلام، ولم يمدح أحدا إلا بما فيه، فكان كثير التنقيح والتهذيب حتى زعموا أنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر، ثم يعرضها على أصحابه في أربعة أشهر، وعاش حوالي تسعين عاما، وتوفى قبل مبعث الرسول ﷺ . وتحدثوا فقالوا: أن زهيرا كان كثيرا ما يلتقي بأهل الكتاب ويسمع منهم ويتحدث إليهم ويفكر فيما دعى إليه منهم، لذا جاء تفكيره واضحا من خلال ما يذكره عن الفناء والبقاء حيث يقول: بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا «وذات ليلة رأى زهير فيما يراه النائم أن أسباب السماء قدمت إليه، فلما هم أن ينالها نأت عنه، ثم أفاق من نومه، ولم يشك في أن لهذه الرؤيا دلالتها وتأويلها، فجمع بنيه الثلاثة (سالما وكعبا وبجيرا) وقال لهم: أنه كائن خبرا،

стр. 14

وأوصاهم أن يستقصرا هذا الخبر، وينتفعوا به وبما يحدث به من أخبار السماء «١» . واتفق الرواة على أن الشعر لم يتصل في الجاهلية بأحد إلا في زهير، وفي الإسلام بجرير وكعب، فوالد كعب زهير كان شاعرا، وجده أبو سلمى كذلك، عمتاه (سلمى والخنساء) وخال أبيه بشامه بن الغدير، وابنا عمته (تماضر) الخنساء، وأخوها صخر، وابنا بنته سلمى العوثبان وقريض، وأخوه بجير، وولده عقبة (المضرب) وحفيده العوام بن عقبة، فكلهم شعراء، فكعب أحد الفحول المجيدين في الشعر ومقدم على أهل طبقته، وقال كعب الشعر وهو صغير، فكان أبوه زهير ينهاه ويضربه مخافة أن يقول ما لا فيه خير ولا منفعه، ويحكي أن زهير علم باستمراره في قول الشعر، فدعاه وضربه ضربا شديدا، ثم أطلق سراحه وسرحه في بهمة فانطلق يرتجز فخرج إليه زهير وهو غضبان فدعا بناقته فأردفه خلفه ثم راح يضرب ناقته وهو يريد أن يتعرّف على ما عند كعب ويعلم ما عنده ويطلع على شعره، وتأكد بعد ذلك زهير من استرسال كعب في الشعر فأذن له فقال له: قد أذنت لك يا بني، فنزل كعب إلى أهله قائلا: أبيت فلا أهجو الصديق ومن ييع ... يعرض أبيه في المعاشر ينفق وقد ولد كعب في الجاهلية ثم أسلم وامتد به العمر حتى زمن معاوية بن أبي سفيان. وقد تأخر بجير وكعب عن الدخول في الإسلام، ولما زاد انتشار الإسلام تامر كعب ويجير ضد النبي ﷺ والمسلمين في المدينة المنورة، فانطلقا حتى بلغا (الابرق) . قال بجير لأخيه كعب: اقم هنا حتى اتى هذا الرجل فأسمع منه واعلم علمه ثم أعود إليك، وأقام كعب وذهب بجير وبقى كعب ينتظر عودة أخيه بجير الذي امن برسالة السماء لأول وهلة رأى فيها الرسول ﵊ فأقام

стр. 15

مع صحابة الرسول الكريم حيث وجد الأمن والأمان والاستقرار، ويئس كعب من مقدم أخيه وطال انتظاره حتى استيقن أن أخاه بجيرا اتبع دين محمد ﵊، وأنه قد صبأ، فغاظه ذلك وساءه فأرسل إلى أخيه يؤنبه برسالة يقول فيها: ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا شربت مع المأمون كأس رؤية ... فانهلك المأمور منها وعلكا خالفت أسباب الورى وتبعته ... على أي شيء ريب غيرك دلكا فإن أنت لم تفعل فلست باسف ... ولا قائل أما عثرت لعالكا وتلقي بجير رسالة أخيه كعب ونقلها إلى الرسول ﷺ فأباح الرسول ﵊ دم كعب لتعرضه للدين وللنبي والمسلمين بالإساءة. وكان كعب كغيره من شعراء الشرك يهجو النبي ﵊ ويحرض عليه ويدس إلى مجلسه من يناله بمكروه ويقول الشعر كما كان يقوله غيره من الشعراء، وعلم كعب أن النبي ﷺ قد أباح دمه كغيره من الشعراء الذين نالوا النبي ﷺ وأصحابه بالاساءة ففر الكثير من هؤلاء بعد الفتح وقتل من قتل من أمثال: نضر بن الحارث الذي قتله الرسول ﷺ ، وكعب ليس بأقل جرما منه ومن هؤلاء الخصوم. كل ذلك ملأ قلب كعب رعبا وفزعا وخوفا مما أمر به النبي ﷺ وحاول كعب الفرار كغيره من أمثال ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب، ولكن دون جدوى فضاقت به الأرض وتخاذل الناس من أمامه ولم يجد من يمد له يد العون فأخوه بجير على غير ملته والصراع في نفسه صراع رهيب لأنه يعلم بأن المسلمين أن رأوه سيقتلونه لعلمه بأنه ليس هناك ممن نطق بالشهادتين من يرفض ما أباحه النبي ﷺ فهو هالك لا محالة ويأمل بجير أن يخطو كعب خطاه حيث الاستقرار النفسي والاطمئنان والتضحية في سبيل الحق، فما كان من بجير إلا أن بعث إلى أخيه كعب ينصحه بأن يطلب العفو من النبي ﷺ لأن النبي ﵊ رؤوف رحيم، ذو خلق كريم، يأمر بالعفو ويعرض عن الجاهلين، وجاءته رسالة بجير ينشده للإسلام والشهادة:

стр. 16

من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات واحده ... فتنجو اذا كان النجاة وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من النار الا الطاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى على محرم فلما بلغ الكتاب كعبا ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وقد انفض عنه من كانوا بالأمس يدفعونه لهجاء الرسول ﵊ وقالوا: (مقتول) ... فاستقرت عزيمة كعب على أن يستجير بعفو النبي من غضب النبي ﵊ وانطلق حتى بلغ المدينة فاوى إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه كما تقول بعض الروايات- ليأخذه إلى النبي ﷺ وهناك رواية أخرى تقول أنه نزل على رجل من جهينة كانت بينه وبين كعب صلة، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح فصلى معه ﷺ ، ثم أشار لكعب إلى الرسول فقال: هذا رسول الله فقم إليه، يقول كعب: (فعرفت رسول الله بالصفة فتخطيت حتى جلست إليه) ، وكان كعب ملثما بعمامته فقال: يا رسول الله هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام فبسط النبي ﷺ يده فحسر كعب عن وجهه وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير وهم به الأنصار عند معرفتهم له لما قدم من اساءة للنبي ﵊ وتواثبوا يريد كل واحد منهم قتله، فقال رسول الله ﷺ : دعوه فإنه قد جاء تائبا عما كان عليه، ونهاهم عنه وبايع كعب النبي ﵊ وتقول بعض الروايات: أن النبي استنشد أبا بكر ما كان كعب قد قاله في هجائهم فقال ﷺ كيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده أياه أبو بكر، فلما بلغ قوله (فانهلك المأمور منها وعلكا) فقال كعب: لم أقل المأمور يا رسول الله وإنما قلت المأمون، فقال النبي مأمون والله مأمون ورضى النبي ﵊ عن كعب بن زهير فما كان من كعب إلا أن وقف أمام الرسول ﷺ وأنشده قصيدته التي عرفت فيما بعد بقصيدة البردة، وقد أعجب رسول الله ﷺ بهذه القصيدة وبخاصة عندما وصل إلى قوله:

стр. 17

ان الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول وقد سر النبي ﵊ بأن يكون بجانبه شاعر مجيد وقد كان من كرم رسول الله ﷺ وتقديره لكعب أن وهبه بردته الخاصة فسميت هذه القصيدة فيما بعد ببردة كعب، وأن معاوية أراد أن يشتري البرده من كعب وأغلى له الثمن ولكن كعبا أبى أن يبيع بردة الرسول ﵊، فلما مات كعب راجع معاوية أهله فاشتراها بأربعين ألف درهم وهي التي توارثها الخلفاء فيما بعد وكانوا يخرجون بها للناس في العيدين ثم انتهت إلى الخلفاء من الأتراك من بني عثمان فحفظها السلطان مراد الثاني في صندوق من الذهب ولم تزل محفوظة فيه إلى الان في الاستانة في تركيا والله أعلم..

стр. 18

أضواء على لامية كعب في مدح الرسول ﷺ : عندما أنشد كعب بن زهير قصيدته في مدح الرسول ﷺ لم يخرج عن المألوف عند شعراء الجاهلية إذ بدأ قصيدته كعادتهم قبل الإسلام، فقد بدأها بالغزل والتشوق إلى الحبيب. وفيه يفصح كعب عن لوعته وشوقه إلى سعاد التي بعدت عنه حتى اضناه الفراق فهو أسيرها لا يجد الوسيلة التي يستطيع أن يفك قيوده منها وما سعاد سوى هذه الحبيبة أو الزوجة كما وردت في بعض الروايات، وينهي هذا الجزء من القصيدة عند البيت الثالث عشر. وفي هذا الجزء يتعرض كعب بن زهير لوصف حسي، وقد أدهشنا فيه أنه ذكره أمام الرسول ﷺ عقب صلاة الفجر في المسجد فلم ينهه الرسول ﵊ عن إنشاد هذا الغزل بل رفع عنه العقوبة التي كان قد عاقبه بها وان دل هذا على شيء فهو يدل على تفتح افاق الإسلام وافاق الرسول ﷺ وسماحة المباديء الإسلامية الغراء، وكعب بن زهير عندما تعرض لهذا الغزل لم يكن يقصد الغزل لذاته وإنما اتخذه مدخلا لما سوف يلي ذلك من إعجاب بدين الله ومدح رسول الله ﷺ وذلك امتداد لما كان عليه الشعراء وبعد معرفته الإسلام وإيمانه به وعفو رسول الله ﷺ لم يعد يتعرض في شعره للغزل الحسي. أو غير الحسي ونستطيع أن نقول أن كعبا حينما طرح صورة سعاد إنما يطرح أمام المستمع صورة خيالية متحركة كاملة ليدلل على أنه مفتون بجمالها، وتناسق أجزاء بدنها في الوقت الذي يأمل من تحقيق رغبة في الوصال واللقاء، ولكن من هي سعاد؟ هل هي تلك السعادة التي تحرك شعوره الداخلي لمبايعته للرسول ﵊ بالإسلام والشهادة أم هي سعادته بدخول الدين الجديد؟ .. وإذا ما تمعنا في بداية القصيدة ونظرنا بعين المتأنى لنفسية كعب فيها تبين لنا أن سعاد ما هي إلا الدعوة الإسلامية والتي هو بعيد عنها، وأنه في شوق إليها بعد أن وصلت إليه رسالة أخيه بجير وفيها أن الرسول أخ كريم وابن أخ كريم، يعفو ويعرض عن الجاهلين، وكعب ممن حق عليهم القتل كغيره، فأحس بنشوة الإيمان

стр. 19

لمحتوى رسالة أخيه الذي سبقه بالإيمان ووجد الأمان في ظل رسول الله ﷺ . إذن سعاد ما هي إلا الدعوة وهو في شوق إليها وإلى التلذذ بمبادئها، وشرب شرائعها السمحة. وفي الجزء الثاني من القصيدة يتعرض كعب لغرض من أغراض الشعر الجاهلي وهو وصف الناقة أو الراحلة، ولعله غرض ثابت تقريبا في أكثر من المطولات الشعرية، وأغلب هذه القصائد لا بد أن تحتوي على وصف الراحلة إن كانت ناقة أو حصانا، وهنا يبدأ كعب بتمهيد منطقي لوصف ناقته وهي وسيلته للوصول إلى محبوبته وجاءت ضرورة وصف الناقة كأداة للوصول إلى أرض سعاد البعيدة، ويصف ناقته وصف مختص فأهم عارف بطبائع وصفات هذا الحيوان، وليس ذلك بمستغرب عليه وهو يقيم بين النوق فهو يركبها، ويرعاها، ويشرف على تربيتها وولادتها. وعلى أكلها وشربها، ويعرف أنسابها وأنواعها والجيد منها وغير الجيد، والكريم وغير الكريم، والسريع وغير السريع وما إلى ذلك من صفات هذه النوق، وتعرض كعب بن زهير لهذه الناقة من خلال استخدامه المفردات البيئية التي يعيش فيها، ولا يستعير من مفردات ومعاني الحضارات المجاورة كالفارسية والرومانية، بل يعتمد في تعبيره على قاموس البيئة العربية. وهذه الصفات امتدت على مدى واحد وعشرين بيتا. ونجد كعبا قد أنهى هذا الجزء بنهاية مفاجئة بلا تمهيد، لينتقل إلى غرض اخر وهو ما يسعى إليه كعب ليطرحه أمام الرسول ﷺ يمدحه ويظفر بعفوه، وبهذا الانتقال المفاجيء يريد أن يؤكد حقيقة واقعة لمسها إذ يكشف أمام الرسول ﷺ وأصحابه عليهم رضوان الله من خلال أربعة أبيات مركزة كل التركيز، ولكنها تكشف عما في نفسه واحساسه بأن الوشاة ليس لهم إلا بث الفرقة والاساءة ومراعاة مصالحهم الذاتية وتشويه قيمة الإنسان كإنسان، هم الذين بالأمس قد أخبروه باهدار الرسول ﷺ لدمه ولا عفو عنده ولا تراجع ولا مسامحة وهم أيضا الذين استحثوه ودفعوه إلى ذلك مما أورده هذا المورد الخطر واليوم قد تخلوا عنه ونزوعه نحو إلقاء القصيدة

стр. 20

يعتبر لحظة تحول في حياته، فيها كشف عن العلاقات الإنسانية مما جعله يلخصها تلخيصا شديدا في مجموعة من الحكم أو الحقائق المكثفة فلسفيا ودراميا، فقد استطاع أن يؤكد ثلاث حكم أو حقائق بليغة كل البلاغة.. ١- الحقيقة أو الحكمة الأولى: (أنه لا صديق إلا نفسه) من قوله: (كل صديق عنك مشغول؛ ٢- والحقيقة أو الحكمة الثانية: (ان الله ما شاء فعل) من قوله: (وكل ما قدر الرحمن مفعول) ٣- الحقيقة أو الحكمة الثالثة: (ان كل انسان مهما طالت به الحياة سينتهي إلى التراب) من قوله: (يوم على الة حدباء محمول) ولعله لا يفوتنا ونحن بصدد قوله: نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول ان نشير إلى أن كلمة نبئت عند كعب كانت شعاع نور وبداية لحياة جديدة بفضل رسول الله ﷺ من بعد فضل الله، فقد أحل دمه، ولكن الرسول أوعده بالعفو وأنباه بذلك أخوه بجير، ويبدو كعب بعد ذلك كالطفل الوليد مادحا من أعطاه صك الحياة مرة أخرى، ألا وهو رسول الله ﷺ الذي يمثل عنده وفي هذه اللحظة بالذات، لحظة العفو والصفح الأب والأم والأسرة، وفي أثناء مدحه للرسول ﵊ يأخذ في الاعتذار عن ذنوبه، وما أخطأ فيه، لقد ترك كعب الوشاة وزمرة السوء، وبدأ يلجأ إلى أصحاب رسول الله ﷺ ليتخذ منهم الرفاق والصحاب، ويستبدل الماضى بالحاضر، حيث الاستقرار والصدق والفداء والتضحية، وهذا يكشف عن أحساسه بتصديق ما جاء عن رسول الله ﷺ وعما سمعه عن المسلمين المحيطين به، كما يعتبر بداية لإيمانه برسالة هذا الرسول الكريم ﷺ وبتصديق ما جاء به، ويخاطب الرسول ﵊ بنفس مطمئنة راضية متضرعا إليه بعظمة الله سبحانه، وبعظمة القران الكريم كمعجزة نزلت عليه من السماء إذ يقول:

стр. 21

مهلا هداك الذي اعطاك نافلة ... القران فيها مواعيظ وتفصيل وبهذا القول يقر كعب بن زهير بأحقية الرسول في نبوته وبمعجزته الدائمة القران الكريم ويؤكد أن الرسول قادر على تنفيذ إهدار دمه، فيتوسل إليه بقوله (مهلا) ثم يقر بوجود الله فيدعو الرسول ﷺ قائلا: (هداك الذي أعطاك نافلة القران) معترفا بأن هذا القران من عند الله ومعجزة من معجزات الرسول ﵊، وهل يستطيع شاعر مهما كانت بلاغته أن يقول في بيت واحد كل هذه المعاني بلا خلل؟ وفي كلمات محدودة ما قاله كعب في القران الكريم؟ أنها نغمة إيمانية مفاجئة أصابت كعبا فبهرته، فتفتحت نفسه للإيمان وللإسلام، وتحول من يأسه وعدم مبالاته بالموت إلى إنسان يطلب العدل في مجلس الرسول ﷺ والأمان بين رعيته من المسلمين. ويمضي بعد ذلك كعب فيصف مجلس الرسول متخذا من القفار والوديان وحيوانات هذه القفار وتلك الوديان صور حسية تشعرنا بالأثر النفسي الذي أصابه وتملكه في مجلس الرسول ﷺ وبمدى الرعب والهلع والفزع الذي شعر به وهو جالس أمام الرسول الكريم ويرى هيبته وعظمته بين أصحابه. ويختتم كعب بن زهير لاميته المطولة في مدح الرسول ﷺ بثمانية أبيات يمدح فيها الرسول الكريم ويبين أحداث الهجرة ثم حروب المسلمين مع الكفار ويفتتحها بأجمل بيت في القصيدة كلها معنى ومبنى، ألا وهو قوله: ان الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول وفيه يصف الرسول الكريم بأنه نور وسيف. وينثني كعب بعد هذا نحو وصف المسلمين في قتالهم مع الكفار بأنهم هم الأعلون قوة وشكيمة وبأسا، فهم دائما في القتال مقبلون على الموت بصدورهم لا يفرون منه لأنه قدرهم وبهذا ينهي كعب بن زهير لاميته الشهيرة في مدح الرسول الكريم ﷺ ، ويمنحه الرسول ﷺ العفو فيعيش في ركاب الإسلام والمسلمين مرضيا عنه ذائع الصيت بينهم، مذكورا في تاريخهم، ولعل هذه القصيدة تعتبر من القصائد النموذجية للشعراء المخضرمين، فهي تمت بصلة

стр. 22

لبناء شعراء الجاهلية في الشكل أما من ناحية المضمون فهي قصيدة إسلامية في مدح الرسول الكريم من شاعر عاش فترة الجاهلية وعاش مواقف الكفار وهذه القصيدة أول قصيدة للشاعر بعد إسلامه، وهي سبب خلود كعب سبب تقدمه على الشعراء بعد إسلامه، عدا حسان بن ثابت هو شاعر الرسول ﷺ .

стр. 23

شرح القصيدة بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم اثرها لم يفد مكبول «١» وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... الا اغن غضيص الطرف مكحول «٢» هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكي قصر منها ولا طول «٣» تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول «٤» بهذه الأبيات يبدأ كعب بن زهير قصيدته، يبدؤها بالشكوى من ابتعاد محبوبته التي تيمت قلبه وأسرت لبه وقيدته بقيود حبها والمته بفراقها فهو كأسير لديها على الرغم من بعدها عنه وهو أسير لفرط جمال المحبوبة إذ يصفها بأنهال ظبية صغيرة مكحولة العينين بكحل رباني، ناعسة الأجفان، ذات صوت ناعم رقيق جميل كأنه غنة الطبي، فهي في نظر الشاعر أنثى رقيقة جميلة، ثم يصفها وهي مقبلة، إنها ضامرة البطن، دقيقة الخصر، متحركة، وإذا كانت مدبرة فهي عجزاء ذات كفل مما يوصف به النساء الحسناوات في هذا العهد، ثم أنها لا تظهر للرائي ذات طول مفرط ولا ذات قصر مغيب، ويعود لوجهها مرة أخرى، ويركز على الفم، وهنا تتأكد لنا نظرته الحسية، فهي إذا ابتسمت تظهر أسنانها اللامعة البيضاء، وإذا اقتربنا من هذا الفم أحسسنا تجاهه بالعطش، فكأنه كأس من الخمر المعتقة التي أضيفت إلى نكهتها الروائح الجميلة، فلا بد أن نشرب من هذا الكأس ونعيد الشراب حتى الثمالة.

стр. 24

وبهذه الافتتاحية يقصد شاعرنا أن يظهر رغبته في الحياة فيتذكر الأشياء الجميلة في حياته السابقة على إهدار دمه، فما أن أهدر دمه حتى فارقته تلك السعادة المتمثلة في الصديقة ذات الخصال الجميلة والصفات البديعة، ذات الجسد الممشوق والفم المرسوم المعطر ذى الرضاب الشهي الذي يعتبره الشاعر أكثر سكرا من الخمر المعتقة، ويبدو في ذلك مدى أثر قرار الرسول ﷺ على حياة هذا الشاعر، ومدى الحرمان الذي أصابه من جراء فراقه هذه الحبيبة نظرا لعدم قدرة الشاعر على الاستقرار هربا من اهدار دمه. ويقول: شجت بذى شيم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول «١» تنفي الرياح القذى عنه وأترفه من ... صوب سارية بيض يعاليل «٢» فيالها خلة لو أنها صدقت ... بوعدها أولو أن النصح مقبول لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع واخلاف وتبديل «٣» فيستمر الشاعر في وصف رضاب سعاد، بل ويركز على وصف فراق هذا الرضاب فكأنه ماء بارد زلال تعرض للرياح الشمالية حتى صار أشد بردا من كل ماء، وقد أتى هذا الماء من منعطف الوادي بعد أن مر على البطاح التي فيها دقائق الحصى فصار نقيا صافيا باردا وهي صفة من أطيب صفات الماء، الذي يعتبر في الصحراء أغلى وأشهى وأمتاع ما يتمناه البدوي الظاميء وكأنه يقول: ان رضابها الحياة لأن الماء هو أصل الحياة، ومع ندرته في البادية صار أصل الحياة النادرة،

стр. 25

ووصف الشاعر لهذا الماء الذي يعتبر رمزا لرضاب معشوقته أو حبيبته من واقع البيئة، فالرياح تمر على هذا الماء فتبعد عنه القذى والأقذار وما يشوبه من شوائب كأعواد الأشجار وحبات الرمل، ويؤكد مرة أخرى أن هذا الماء البارد الصافي ليس فقط بهذه الصفة ولكنه ذو نكهة وطعم أقرب ما يكون إلى الخمر وبخاصة إذا أمطرت السحب السارية التي تأتي ليلا فتملأ هذا الماء بالحباب والفقاقيع وكأنه كأس من الخمر المعتقة. ويتداخل الجانب النفسي مع الحسي لدى الشاعر إذ إن هذا الرضاب في نظره لا يشرب للرّيّ فقط، وإنما هو ينفعل في أثناء شربه، ثم يمجد الشاعر صديقته فيقول إنها صديقة جميلة كريمة، ولو أنها صدقت في وعدها وقبلت النصح، لما اشتاق إليها، بل إنها كلما نصحت لم تقبل النصح ولو أنها قبلت هذا النصح لكانت في أكمل الصفات، وأتم الخصال، وأحسن الأحوال، ولكن الشاعر يعتبر أن هذه المرأة المعشوقة قد اختلط دمها بلحمها مما يؤلم ويفجع العاشق، فهي مصرة على الهجر والكذب والاخلال بالوعد وكأن هذه الصفات التي تبعده عنها تقربه منها، فالوصل لا يأتي إلا بالهجر والولع والرغبة في إدراك شيء ليس في متناول اليد. ثم يقول: فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول «١» وما تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل «٢» فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... أن الأماني والأحلام تضليل «٣» كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل «٤»

стр. 26

فيصف الشاعر سعاد بأنها امرأة ذات مزاج متقلب، فهي تارة محبة مقبلة وتارة كارهة مدبرة، تارة تبدي رغبة الوصال، وطورا تبدي رغبة الهجران، أنها لا تدوم على حال، فتتلون بشتى الألوان حتى لا يعرف عاشقها حقيقة مشاعرها النفسية تجاهه؛ هل هي تحبه؟ هل هي تكرهه؟ هل تذكره؟ أم تنساه؟ هل ترغب فيه، أم تنفر منه؟ كل هذه صفاتها وهو يشبهها في ذلك بالغول الذي يعرفه بدو الصحراء بأنه ساحرة الجن تظهر في الفلاة أمام الناس بألوان وأشكال شتى جميلة موشاة حتى يتبعها من يراها، ثم تتغير إلى حال كريهة تثير الفزع والخوف في نفوس من يتبعها، وهذه المعشوقة لا تتمسك بوعد قطعته على نفسها أو عهد منحته عاشقا من عشاقها، فهي كذوب في وعودها وعهودها وكأنها غرابيل وضع فيها الماء للحفاظ عليه، فهل من الممكن أن تحفظ الماء هذه الغرابيل ذات الفتحات الواسعة والثقوب الكبيرة..؟ لا يمكن لإنسان عاقل أن يصدق أن الغرابيل تحفظ الماء، ولا يمكن أيضا من وجهة نظر الشاعر أن تحافظ سعاد على وعودها تجاهه، فلا تصدق أيها الإنسان ما تعدك به الأنثى وما تمنيك به، كما أنه لا يصدق أن سعاد ستفي بما وعدت ومنت، فإن وعودها وأمانيها ما هي إلا سراب في سراب، وأحلام في أحلام حتى أنها بدأت مثل هذا السراب للرجل الشهير بين العرب بعدم احترامه للمواعيد ولم تكن مواعيده إلا أكاذيب باطلة، وهو (عرقوب) الذي يضرب به المثل في خلف المواعيد. ويمضي الشاعر فيقول: أرجو وامل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل «١» أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل «٢»

стр. 27

ولن يبلغها إلا عذافرة ... فيها على الأين أرقال وتبغيل «١» من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الاعلام مجهول «٢» وبذلك يعود الشاعر إلى الرجاء والأمل فأنه سيأتي يوم وتدنو مودة سعاد منه وتقترب عواطفها من عواطفه، وامالها من اماله، وأحلامها من أحلامه، ويرجو أن تعود إليه مودتها كاملة قريبة وهو يكاد يلمس هذه المودة وهذا الطيف حتى ينال عطاءها ألا وهو الوصال: ولكن هيهات هذا الوصال، فإن سعاد قد نأت إلى مكان بعيد غاية في البعد حتى أنه لا يستطيع أن يبلغ مكانها، إلا إذا كانت لديه هذه الإبل العتاق الكريمة الأصول القوية السريعة الخفيفة، وهذه الناقة التي من صفاتها الصلابة الشديدة والتي لا تتعب، ومهما سارت وبأي ضرب من ضروب السير فإنها لا يبلغ منها الأعياء، أو يصل إليها التعب والكلال. وأدرك الشاعر أن بعد سعاد أصبح عقبة في سبيل الوصول إليها فيمهد ويخطط ليتخطى هذا البعد، وبروح البدوى وبإدراكه لمعطيات مجتمعه يرى أن الوسيلة الوحيدة التي تقرب بينه وبين سعاد هي هذه الناقة التي يصفها بتمكن شديد فهي من النياق النجيبات المراسيل أي قوية خفيفة سريعة كريمة الأصل، ويستمر الشاعر في وصف هذه الناقة في أثناء سيرها فهي كثيرة العرق لكثرة الجهد الذي تبذله.. وأول جزء من بدنها، ما خلف الاذان، وهذه الناقة تغز السير وتجد فيه وهي تعرف الطريق جيدا حتى لو ازيلت العلامات المميزة وأنها عارفة بالمسالك المجهولة لكثرة أسفارها وسلوكها الدائم للصحراء في أثناء هذه الأسفار.

стр. 28

ويقول: ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل «١» ضخم مقلدها فعم مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل «٢» غلباء وجناء علكوم مذكرة ... في دفعها سعة قدامها ميل «٣» وجلدها من أطوم مايؤيسه ... طلح بضاحية المثنين مهزول «٤» وهنا يستطرد كعب في وصفه هذه الناقة العجيبة فيقول: إنها في أثناء هذه الرحلة الشاقة ترمي بنظراتها يمينا ويسارا كأنها نظرات ثور برى أبيض تفرد في المكان وعرفه معرفة شديدة وألفه الفة حميمة، فهو يعيش فيه ويخرج منه، يعرف تفاصيل الرمال والكثبان والأماكن الغليظة الصلبة التي تكثر فيها الحصباء، ويشبه الشاعر هذه الناقة بهذا الثور الذي عاش في هذه المنطقة بل ويعتبر الناقة قد عرفت هذا الطريق البعيد الطويل بينه وبين محبوبته، كما عرف الثور الأبيض الوحشي مسالك منطقته الصغيرة المحدودة التي يعيش فيها. ثم يبدأ الشاعر في وصف الناقة فيصف ضخامة عنقها التي تعبر عن ضخامة في كل جسدها، ثم يصف ارتفاع سيقانها وقوائمها، وهذا يدل على سرعة وقوة السير ثم يصف قوتها وقدرتها على حمل الأثقال، ثم يذكر أنها من أفضل بنات

стр. 29

الفحول، أي أنها ناقة أصيلة كريمة بنت فحل قوى كريم حسن التكوين ... وتتكرر هذه المعاني، فهي غليظة العنق عظيمة الوجنتين وصلبة وشديدة وعظيمة الخلق، وهي واسعة الجنيين والبطن، وإن خطوها واسع، ورأسها تميل إلى الأمام من فرط الطول، ثم يستطرد في وصفها بصفات جديدة ليدلل بها على قوتها، فهي ذات جلد قوي ومتين لا يؤثر فيه أي شيء حتى القراد ويؤكد أن هذا الجلد ليس متينا فقط، وإنما هو ناعم وغاية في الملاسة، وأي حشرة لا تستطيع أن تعلق به. ويقول: حرف أخوها أبوها من مهجنه ... وعمها خالها قوداء شمليل «١» يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... منها لبان واقراب زهاليل «٢» عيرانه قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول «٣» كأنما فات عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللحين برطيل «٤» ليؤكد كرم أصل هذه الناقة، فهي من نسب لم يدخله غريب، وهي موصوفة بأنها مهجنة، وهي من الصفات المستحبة في الإبل، كما أنها سريعة لا

стр. 30

يضاهيها في السرعة شيء، وهي طويلة الظهر، طويلة العنق، ثم يردف الشاعر صفات سبق له أن ذكرها: فهي ذات صدر لا يستطيع أن يستمر القراد في الالتصاق به، فهي ملساء شديدة الملاسة، كما شبهها بأنها مثل عير الوحش في سرعته ونشاطه وصلابته، ولم يكتف بذلك، بل أضاف أنها ممتلئة اللحم وافرته من كل جنب من جوانبها، وكأنها قد امتلأت باللحم من كل صوب حتى الصدر، فلا يظهر من هذا الصدر أضلع وأكتاف من العظم، وإنما هذه الأضلع، وهذه الاكتاف ممتلئة ومغطاه باللحم ويريد الشاعر هنا أن يقول أنها تتحمل ثقل راكبها ولا يؤثر هذا الثقل في احتكاك عظامها، فقد اكتست هذه العظام باللحم، فلا تصيبك عظامها، مما يعطيها القدرة على الحركة والسرعة وراحة راكبها، ثم يلجأ إلى التشبيه فيقول: إنها مثل الحمر العريض المستطيل وجهها. فوجهها ما بين عينيها ومقدم الفكين غاية في الطول. ويقول كعب: تمر مثل عسيب النخل ذا خصل ... في غارز لم تخونه الأحاليل «١» قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل «٢» تخدي على يسرات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل «٣» سمر العجايات يتركن الحصى زيما ... لم يقهن رؤوس الأكم تنعيل «٤»

стр. 31

فيتبين أن هذه الناقة الأعجوبة لها ذيل أجرد ليس فيه شعر إلا خصلة في نهايته ولها ضروع مليئة بالشعر عدا اللبن على الرغم من أنها لا تحلب، وتلك صفات تدل على قوة سيرها، كما أنها محدودبة الأنف ذات أذنين كبيرتين مما يدل على كرم أصلها، كما أن هاتين الأذنين ناعمتان لينتان، والتشبيهات كلها سبق أن أوردها الشاعر بصيغ شعرية أخرى في الابيات السابقة، ثم يصف سرعتها فيقول أنها مسترخية ولعل ذلك أبلغ في مدح النوق، تسترخي وهي مسرعة فلا تتعب راكبها، ويعتقد الشاعر أن هذه أوصاف كريمة إذ لا تكترت بالجهد، فهي لاهية لا مبالية في سيرها فكأنها تطير ولا تمشي على الأرض، كما يؤكد أن أعصابها المتصلة بالأخفاف قوية صلبة، فلا تشعر بالتعب ولا بالألم أثناء السير لصلابة هذه الأخفاف. ويقول كعب: كأن أوب ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل «١» يوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول «٢» وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا «٣» شد النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل «٤»

стр. 32

نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول «١» تفرى اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل «٢» وبذلك يستمر الشاعر في وصف قوة الناقة التي تعرق في أثناء سيرها وهذا ليس من تعب أو إعياء بل لشدة الحر، فهي تستطيع أن تمشي فوق المرتفعات والكثبان والوهاد في وقت الحر ووقت ظهور السراب ولا تأبه بأي عقبة من العقبات وأنها مهما تكن الحرارة أو البرودة تستطيع أن تسير في هذا الجو أو ذلك ومهما تكن الأرض وعرة أو ممهدة فهي مؤهلة للسير فيها على الرغم من تعب الحادي الذي يقودها أو القافلة التي تضمها، وعلى الرغم من طلب الراحة فهي نشطة قادرة على الاستمرار، ويكرر الشاعر وصفه لسرعتها في صور شعرية غاية في العظمة، فهو يشبه حركة سيقان الناقة بحركة امرأة تلطم خديها حزنا على ولدها وكأن هذه الناقة في سرعتها سرعة هذه المرأة التي تنوح وتلطم خديها عندما نعى إليها إبنها وهذا لفرط سرعتها، وتسير كأنها قد فقدت عقلها كهذه المرأة، وهذه الناقة المعجزة التي لا مثيل لها هي الوحيدة التي تستطيع الوصول به إلى حبيبته. وخلاصة القول أن كعبا يمجد الناقة لأنها الوسيلة الوحيدة التي تجمعه بحبيته وحقها عليه أن يصفها وأن يسهب في تمجيدها لأنها تحقق له أملا كان عاجزا عن بلوغه بدونها.

стр. 33

ويستمر كعب فيقول: يسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... انك يابن ابي سلمى لمقتول «١» وقال كل صديق كنت امله ... لا الهينك اني عنك مشغول «٢» فقلت خلوا سبيلى لا أبالكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول «٣» كل ابن انثى وأن طالت سلامته ... يوما على الة حدباء محمول «٤» بعد انشاد الشاعر نصف القصيدة تقريبا يبدأ في الدخول إلى مأساته الحقيقية، إذ يقول: أن الوشاة قد أبلغوه أنه مقتول لأن الرسول قد أهدر دمه ومن خلال فهمنا للبيت الأول هنا نستطيع أن ندرك أن الشاعر قد هجا الرسول وسخر من الصحابه رضوان الله عليهم فأهدر الرسول ﷺ دمه وأحله، إذ بلغه من بعض الذين سعوا في الأمر بالوقيعة بينه وبين الرسول فأصدر القرار بإهدار دمه فبدأ يسعى لدى من كان يعتبرهم أصدقاءه الذين كان يغشى مجالسهم ليقول الشعر هجاء للرسول ﷺ ومدحا لهم وكان هؤلاء الأصدقاء يحسنون له الأمر ويضحكون من تشبيهاته، ذهب إليهم طالبا الحماية والعون، لكن كل رفاقه قد تراجعوا وكل منهم ادعى أنه مشغول في أموره الخاصة وتهرب من نصرة كعب بن زهير فأصبح بلا أمل ولا رجاء، معرضا للقتل وسفك الدم، ويواجه أحلامه بالحياة الهانئة قد تبددت وأصبحت قاتمة مظلمة، ولكنه ينفض عنه أغلال يأسه ويرد عليهم وعلى هؤلاء الوشاة وعلى هؤلاء الأصدقاء الكاذبين يرد عليهم قائلا اتركوني لا خير فيكم فليس لأي إنسان أن يملك زمام الموت أو الحياة لأن الموت بأمر الرحمن الذي لا إاه إلا هو. ويأمل الشاعر في عفو الرسول عنه وعلى الرغم

стр. 34

من خوفه واشفاقه على نفسه من القتل إلا أنه تذكر الحكمة والحقيقة التي تقول أنه ليس هناك من يبقى أو يظل خالدا يذكر ذلك ويصوغه صياغة شعرية محكمه إذ يقول «كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما» «على الة حدباء ومحمول» . ويمضي كعب في قصيدته إذ يقول: انبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول «١» مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الق ... ران فيها مواعيظ وتفصيل «٢» لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... اذنب ولو كثرت في الأقاويل «٣» لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لم يسمع الفيل «٤» لظل يرعد الا أنّ يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويل «٥» حتى وضعت يمينى ما انازعه ... في كف ذى نقمات قيله القيل «٦» لذلك اهيب عندى إذا اكلمه ... وقيل انك منسوب ومسئول «٧» فيبين أن الوشاة قد أبنأوه بأن رسول الله قد أهدر دمه وهدده بالقتل إلا أن رسول الله ﷺ والعفو من شيمته يعفو عن كل من يتراجع عن خطيئته وكفره،

стр. 35

ويستطرد مرة أخرى مخاطبا الرسول ويقول له: انتظر أيها المهدي الذي هداه الله واصفح عني وبالحق الذي منحك القران بما فيه من عظات وايات بينات عطية زائدة على حق النبوة، فأنت بهذا خير الأنبياء لأنك صاحب القران، وبحق هذا القران لا تحاسبني على أقوال هؤلاء الوشاة الذين سعوا بيني وبينك وبين المسلمين بالفساد والكذب والبهتان والنميمة لأنني لم أذنب. ويقسم كعب بأغلظ الإيمان أنه سيذهب إلى مجلس النبي ويحضره وأنه متأكد أنه سيرى بعينه وسيسمع بأذنيه ما لم يره من قبل، ولنا هنا أن نقول بأن الفيل وهو حيوان عظيم الجثة بل هو أضخم الحيوانات قاطبة لو رأى وسمع ما يحدث في مجلس الرسول لظل يرتعد خوفا على نفسه وهيبة لعظمة هذا الرسول ﷺ وقدرته حتى يؤمنه الرسول ﷺ على نفسه وبإذن من الله تعالى، وأن الرعدة التي تصيب الفيل قد أصابت الشاعر نفسه إلى أن تجرأ ووضع يمينه في يد الرسول الكريم ﷺ الشريفة وأحس برضاه فامن على نفسه. ويصل بنا كعب إلى وصف الرسول الكريم ﷺ إذ يقول: من ضيغم من ضراء الأرض مخدرة ... في بطن عثر غيل دونه غيل «١» يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من القوم معفور خراديل «٢» إذا يساور قرنا لا يحل له ... ان يترك القرن إلا وهو مفلول «٣»

стр. 36

منه تظل سباع الجو نافرة ... ولا تمشى بواديه الأراجيل «١» ولا يزال بواديه أخو ثقة ... مطرح البز والدرسان مأكول «٢» ومن الابيات نلحظ أن الشاعر بدأ بوصف الرسول وصفا ماديا، فهو كالأسد الذي سكن غابة تكثر فيها السباع قوة وبأسا وكأنه ملكّ عليها فهو الأسد الوحيد بينها الذي له بيت يأوي إليه مما يعطيه فضلا وقوة، وهذا الأسد يخرج في أول النهار يأكل اللحم ويطعم صغاره مما يصطاد وهو يصيد الكثير لقوته وبأسه ولكثرة صيده نرى اللحم ملقى على الأرض متربا ممزق الأوصال، وهذا الأسد لا يحارب أو يفترس إلا حيوانا شجاعا ولا يكترث بالجبناء، وهنا نجد أن الشاعر يمدح الرسول ﷺ ، فهذا الأسد الذي يشبه الرسول ﷺ به لا يفترس ولا يتعارك إلا مع شجاع قوى مقدام، ولعله يقصد أن الرسول ﷺ عندما أهدر دمه يعد ذلك اعترافا بقوة كعب وبأسه، ولو كان كعب ضعيفا خامل الذكر جبانا لما اهتم الرسول ﷺ بأن يهدر دمه، ثم يعود مرة أخرى إلى الوصف فيتولى: أن هذا الأسد شجاعته لا تدانيها شجاعة حتى أن كافة الأسود في هذا الوادي بالجو وهو موضع واسع كأنه معلق بين السماء والأرض نجد أن هذه الحيوانات خائفة نافرة تخشى هذا الأسد القوى الذي تخافه كافة الحيوانات والناس والدواب الاخرى وإذا رأى هذا الأسد إنسانا أو حيوانا واثقا من نفسه قويا شجاعا لا يجد نفسه إلا مدافعا عن ذويه.

стр. 37

ويقول: أن الرسول نور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول «١» في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما اسلموا زولوا «٢» زالوا فما زال انكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل «٣» شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل «٤» وفيها نرى كعب بن زهير يصف الرسول وصفا روحانيا على غير عادة العرب قبل الإسلام، فالرسول ﷺ في نظره نور يهدي إلى الحق، وسيف يزهق الباطل وهذا السيف يلمع فيظهر لمعانه على البعد فيهدي التائهين إلى مكان الجماعة وهذا السيف الهندي هو أعظم السيوف وأنبلها وهو لا يخرج من غمدة إلا لأمر عظيم وكأنما الرسول ﷺ هو نور في حد ذاته وهو سيف هندي صقيل وينعكس هذا النور على هذا السيف الصقيل فيظهر لمعانه على البعد فيهدي الكافرين إلى الصراط المستقيم، وانتقل المسلمون المهتدون بضياء الإسلام وهاجروا إلى المدينة، هاجروا دون ضعف ولا ذلة، هاجروا بإيمانهم للمحافظة على هذا الإيمان، وأن الله سينصرهم على القوم الكافرين المتجبرين الذين

стр. 38

طردوهم من ديارهم ومن أرضهم بغير حق، وهؤلاء الرجال المهاجرون لهم من علو النفس والكبرياء ما جعلهم يرتفعون بصفاتهم الحميدة فوق الدنايا وإلى مكانة سامية، واستمروا في هجرتهم يعدون أنفسهم حتى صاروا قوة لا يستهان بها ويستطيعون الان أن يظهروا قوتهم ويواحدوا شأنهم ويلتفوا تحت راية الإسلام. وفي النهاية يقول كعب: بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول «١» لا يفرحون إذا نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا «٢» يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنايل «٣» لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل «٤» فنجده بعد أن تعرض لوصف المسلمين كأصحاب أخلاق وقيم ودين يصفهم في هذه الابيات كمقاتلين عظام، فهؤلاء المسلمون يلبسون دروعا من الحديد الذي لا يصدأ، مجلوة طويلة، تقي لابسها من أشواك النباتات في الصحراء، وهذه الدروع مجلوة ومجدولة، فهى محكمة الصنع من كافة الوجوه وهؤلاء الأبطال الذين يلبسون تلك الدروع لا يسكرهم النصر ولا تؤثر فيهم الهزيمة ولا تجعل الجزع والاشفاق يتطرق إليهم، فهم أن انتصروا يفرحونا لنصر

стр. 39

الله وأن انهزموا للحظة فهم واثقون من أن الله سينصرهم، وهؤلاء الأبطال المسلمون يمشون مشية الوقار والهدوء والسؤدد لما لقامتهم من دلائل العظمة مما يعطيهم المهابة والقوة ويبعث في نفوس أعدائهم الذعر والهلع، لأنهم عندما يحاربون لا يتقهقرون ولا يتراجعون، فلا يقع منهم شهيد إلا والسيف في صدره، ولا تجد منهم من يطعن في ظهره مطلقا، فالمحارب الذي يطعن في ظهره جبان فار ومنكسر ضعيف، فكيف يقع الطعن في ظهر هؤلاء المسلمين وهم الذين لا يخافون الحرب؟! وإنما يقبلون عليه إقبال الظمان على الماء، والموت في نظرهم ليس فناء وإنما لحياة أفضل، وهذه الشهادة ينال بها المسلم رضا الله وجنته.

стр. 40

الفصل الثاني البوصيري وبردته
следующие страницы →