منه تظل سباع الجو نافرة ... ولا تمشى بواديه الأراجيل «١»
ولا يزال بواديه أخو ثقة ... مطرح البز والدرسان مأكول «٢»
ومن الابيات نلحظ أن الشاعر بدأ بوصف الرسول وصفا ماديا، فهو كالأسد الذي سكن غابة تكثر فيها السباع قوة وبأسا وكأنه ملكّ عليها فهو الأسد الوحيد بينها الذي له بيت يأوي إليه مما يعطيه فضلا وقوة، وهذا الأسد يخرج في أول النهار يأكل اللحم ويطعم صغاره مما يصطاد وهو يصيد الكثير لقوته وبأسه ولكثرة صيده نرى اللحم ملقى على الأرض متربا ممزق الأوصال، وهذا الأسد لا يحارب أو يفترس إلا حيوانا شجاعا ولا يكترث بالجبناء، وهنا نجد أن الشاعر يمدح الرسول ﷺ ، فهذا الأسد الذي يشبه الرسول ﷺ به لا يفترس ولا يتعارك إلا مع شجاع قوى مقدام، ولعله يقصد أن الرسول ﷺ عندما أهدر دمه يعد ذلك اعترافا بقوة كعب وبأسه، ولو كان كعب ضعيفا خامل الذكر جبانا لما اهتم الرسول ﷺ بأن يهدر دمه، ثم يعود مرة أخرى إلى الوصف فيتولى: أن هذا الأسد شجاعته لا تدانيها شجاعة حتى أن كافة الأسود في هذا الوادي بالجو وهو موضع واسع كأنه معلق بين السماء والأرض نجد أن هذه الحيوانات خائفة نافرة تخشى هذا الأسد القوى الذي تخافه كافة الحيوانات والناس والدواب الاخرى وإذا رأى هذا الأسد إنسانا أو حيوانا واثقا من نفسه قويا شجاعا لا يجد نفسه إلا مدافعا عن ذويه.
стр. 37
ويقول:
أن الرسول نور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول «١»
في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما اسلموا زولوا «٢»
زالوا فما زال انكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل «٣»
شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل «٤»
وفيها نرى كعب بن زهير يصف الرسول وصفا روحانيا على غير عادة العرب قبل الإسلام، فالرسول ﷺ في نظره نور يهدي إلى الحق، وسيف يزهق الباطل وهذا السيف يلمع فيظهر لمعانه على البعد فيهدي التائهين إلى مكان الجماعة وهذا السيف الهندي هو أعظم السيوف وأنبلها وهو لا يخرج من غمدة إلا لأمر عظيم وكأنما الرسول ﷺ هو نور في حد ذاته وهو سيف هندي صقيل وينعكس هذا النور على هذا السيف الصقيل فيظهر لمعانه على البعد فيهدي الكافرين إلى الصراط المستقيم، وانتقل المسلمون المهتدون بضياء الإسلام وهاجروا إلى المدينة، هاجروا دون ضعف ولا ذلة، هاجروا بإيمانهم للمحافظة على هذا الإيمان، وأن الله سينصرهم على القوم الكافرين المتجبرين الذين
стр. 38
طردوهم من ديارهم ومن أرضهم بغير حق، وهؤلاء الرجال المهاجرون لهم من علو النفس والكبرياء ما جعلهم يرتفعون بصفاتهم الحميدة فوق الدنايا وإلى مكانة سامية، واستمروا في هجرتهم يعدون أنفسهم حتى صاروا قوة لا يستهان بها ويستطيعون الان أن يظهروا قوتهم ويواحدوا شأنهم ويلتفوا تحت راية الإسلام.
وفي النهاية يقول كعب:
بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول «١»
لا يفرحون إذا نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا «٢»
يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنايل «٣»
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل «٤»
فنجده بعد أن تعرض لوصف المسلمين كأصحاب أخلاق وقيم ودين يصفهم في هذه الابيات كمقاتلين عظام، فهؤلاء المسلمون يلبسون دروعا من الحديد الذي لا يصدأ، مجلوة طويلة، تقي لابسها من أشواك النباتات في الصحراء، وهذه الدروع مجلوة ومجدولة، فهى محكمة الصنع من كافة الوجوه وهؤلاء الأبطال الذين يلبسون تلك الدروع لا يسكرهم النصر ولا تؤثر فيهم الهزيمة ولا تجعل الجزع والاشفاق يتطرق إليهم، فهم أن انتصروا يفرحونا لنصر
стр. 39
الله وأن انهزموا للحظة فهم واثقون من أن الله سينصرهم، وهؤلاء الأبطال المسلمون يمشون مشية الوقار والهدوء والسؤدد لما لقامتهم من دلائل العظمة مما يعطيهم المهابة والقوة ويبعث في نفوس أعدائهم الذعر والهلع، لأنهم عندما يحاربون لا يتقهقرون ولا يتراجعون، فلا يقع منهم شهيد إلا والسيف في صدره، ولا تجد منهم من يطعن في ظهره مطلقا، فالمحارب الذي يطعن في ظهره جبان فار ومنكسر ضعيف، فكيف يقع الطعن في ظهر هؤلاء المسلمين وهم الذين لا يخافون الحرب؟! وإنما يقبلون عليه إقبال الظمان على الماء، والموت في نظرهم ليس فناء وإنما لحياة أفضل، وهذه الشهادة ينال بها المسلم رضا الله وجنته.
стр. 40
الفصل الثاني البوصيري وبردته
стр. 41
البوصيري وبردته هو الإمام شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد بن محسن، الصنهاجي الجد، الدلاصي المولد، المغربي الأصل، البوصيري المنشأ.
وقد أشار البوصيري إلى أصله فقال:
أن كان مثلي مغربيا فما ... في صحبة الأجناس من بأس
وكان مولد البوصيري يوم الثلاثاء أول شوال عام ٦٠٨ هـ (١٢١٢ م) .
وبدأ حياته الدراسية كما كان يبدؤها معاصروه وذلك بحفظ القران الكريم ودراسة علوم الدين واللغة كالنحو والصرف والعروض، كما درس الأدب والتاريخ الإسلامي وبخاصة السيرة النبوية، ثم اتجه نحو التصوف فتلقى على يد أبي العباس المرسي الطريقة الصوفية، ودرس ادابها وأسرارها.
وكان البوصيري يجيد فن الخط، ومنشدا للمدائح النبوية، كما زوال مهنة كتابة الألواح التي توضع شواهد على القبور، وقرأ المؤلفات التي وضعها النصاري واليهود تأييدا لأديانهم، وقد رأى فيها انكارا لنبوة محمد ﵊ وقد شغله ذلك فأقبل على دراسة الإنجيل والتوراة دراسة دقيقة كما درس تاريخ ظهور المسيحية ليرد على أصحاب تلك الديانات محاولا إقناعهم بأن الأناجيل التي بين أيديهم لا تدل على ألوهية عيسى، وإنما تدل على نبوته، وأن هذه الأناجيل تخبرنا بظهور نبي من أبناء إسماعيل.
وكانت حياة البوصيري جحيما، فقد رزق كثيرا من الأولاد لدرجة أنه كان يلوم زوجته لكونها ولودا، فتمنى لو كانت عقيما، وهجره أصدقاؤه وقاطعوه لشدة فقره وعلى الرغم من ذلك قام باداء فريضة الحج عن طريق البر، وعند عودته نظم قصيدته الهمزية النبوية، ولعل من أهم قصائده (البردة) والتي سماها (الكواكب الدرية في مدح خير البرية) .
стр. 42
وكان الإمام البوصيري فقيها وكاتبا وشاعرا ذاعت شهرته بعد قصيدته التي صاغها في مدح خير البرية، واشتهر بها، لما روى قصة حلمه بالرسول والتحافه ببردته ﷺ ، وسميت قصيدة البوصيري بالبردة تشبيها لها ببردة كعب بن زهير التي نظمها مدحا في الرسول الكريم ﷺ مستشفعا بها عنده وخلع عليها هذا الأسم لأن الرسول ﵊ خلع على كعب بردته حينما سمع شعره فيه.
وكذلك بردة البوصيري نظمها مدحا في رسول الله ﷺ حين أصيب (بالفالج) واستشفع بها إلى النبي وإلى الله أن يعافيه ثم نام فرأى النبي ﷺ يمسح على وجهه بيده المباركة وألقى عليه بردته الشريفة، فانتبه من منامه معافى قد بريء من علته.
ونسج البعض حول هذه القصيدة الكثير من القصص والخيالات، بل وضعوا لها شروطا عند قراءتها مثل استقبالهم القبلة والوضوء وغيرهما، ثم جعلوا لها المناقب والفضائل، كما احتقر نسخها وتأجيرها، وشاعت هذه القصيدة وبخاصة في حلقات الذكر والمريدين وغيرهم.
وظلت البردة على الرغم من طعن بعض الفقهاء فيها ذات مكانة مقدسة عند بعض المسلمين «١» .
الامام البوصيري وقصيدة البردة:
جزء الإمام البوصيري قصيدته البردة التي مدح بها الرسول ﷺ إلى أجزاء عشرة، كل جزء من القصيدة يمثل واحدة قائمة بذاتها، والقصيدة تتوافر لها واحدة الموضوع وواحدة المضمون.
في الجزء الأول نجد الإمام البوصيري يسير على درب غيره من الشعراء في فصيدته، فهو يبدأ بالنسيب ويتحدث عن معالم ذي سلم في الحجاز وشوقه وحنينه وتلهفه إلى الديار المقدسة، لكنه لم ينغمس انغماس غيره من الشعراء في الغزل المادي، وإنما التزم العفة والاحتشام خلال أبياته.
стр. 43
(وقد أكد بعض الأدباء أن على الشعراء الذين يمتدحون النبي ﷺ أن يلتزموا الاحتشام والتأدب) .
وفي الجزء الثاني يتحدث الإمام البوصيري عن النفس الإنسانية والتحذير من هواها، فنتبين من خلال هذه الأبيات والتي بلغت سبعة عشر بيتا أنه عبر عن معاناة الشاعر من النفس الأمارة.
وينتقل الإمام البوصيري بعد أن تحدث عن النفس وأمرها بالطهر والابتعاد عن غواية الشيطان وملذات الدنيا وبعد أن جعل نفسه طاهرة واستعد استعدادا نفسيا للمدح والحديث عن الرسول الكريم ﷺ في الجزء الثالث من القصيدة.
ثم ينتقل بعد ذلك في الجزء الرابع من بردته ليتحدث عن مولد الرسول ﷺ وعن المعجزات التي حدثت أثناء الولادة وقد استغل الإمام البوصيري في هذا الجزء كثيرا من الموضوعات التي قرأها في السيرة النبوية ولعلنا لا نستطيع تأكيدها وإنما علينا طرحها كما وردت، وعلى أهل الفقه التأكدّ من صحتها، فقد انطفأت النار التي كان الفرس يعبدونها، وكذلك بحيرة ساوة العظيمة خسفت بها الأرض وجف ماؤها، وتلك أحداث ذكرها الإمام البوصيري عند حديثه عن مولد النبي الكريم ﷺ ، وعلينا أن نصدقها كمعجزات وإنما على غيرنا تأكيد صحتها وإثبات حقيقتها، ونستطيع أن نقول أن الإمام البوصيري استعاد من خلال هذا الجزء اللحظات التي سبقت مولد النبي ﷺ ليكون هذا مقدمة للحديث عن معجزات الرسول بعد البعثه.
ويأتي الجزء الخامس ليطرح الإمام البوصيري فيه معجزات النبي في ستة عشر بيتا وتلك المعجزات مؤيدة بما وردت في الأحاديث ومما روى عن أصحاب الرسول الكريم رضوان الله عليهم فهى معجزات واقعية لا مكان للشك فيها وأول هذه المعجزات سجود الشجرة ومعرفة الراهب سمات النبوة في الرسول ﷺ وهو طفل صغير، ويطلب من أبي طالب أن يعود بابن أخيه، وكذلك الغمامة التي تظلله، وانشقاق القمر، وغيرها من المعجزات، ويظل الإمام البوصيري
стр. 44
ينتقل خلال هذا الجزء من معجزة إلى أخرى حتى يختتمه بتوسلاته ودعائه.
وفي الجزء السادس يتحدث الإمام البوصيري عن معجزة أخرى أعظم مكانة في الرسالة المحمدية وهي معجزة القران الكريم يتحدث عنها في سبعة عشر بيتا ولعل الإمام البوصيري ظل يتحدث حول معجزات الرسول ﷺ وهو يدرك كأن هناك هاتفا يسأله: ما بالك تعدد هذه المعجزات، فيطلب منه أن يدعه في تلك اللحظات الروحانية ليتلذذ بها وتطيب خلالها نفسه وليستمد من نورها نورا لقلبه وعقله وروحه، ثم يتعرض لمعجزه القران الكريم بما فيها من شفاء ورحمة وما بها من ملائمة، ويقف أمام المعارضين الذين تصدوا لبلاغة القران أمثال:
(مسيلمة الكذاب، وطليحة، وسجاح، والمثنى) ، ويبين بأنهم فشلوا فيما سعوا إليه، ثم يورد بعد ذلك قصص السابقين، ويعظم مكانة القران الكريم بما فيه من الخير والعظة والإرشاد والعدل وأن القران قد حفظه الله فلم يمسه تغيير أو تبديل.
ويخصص الإمام البوصيري الجزء السابع من قصيدته للحديث عن الإسراء والمعراج ومن خلال ثلاثة عشر بيتا يتناول فيها الإمام البوصيري قصة الإسراء والمعراج في تسلسل منطقي مستمدا من القران الكريم مادار حول هذا الحدث التاريخي العظيم.
أما الجزء الثامن من القصيدة فيصف فيه الإمام البوصيري بعثة الرسول ﷺ ، وكيف فزعت منها قلوب الكفار، ثم يتحدث عن الغزوات وشجاعة الرسول وشجاعة المسلمين خلال اثنين وعشرين بيتا.
ثم يأتي الجزء التاسع وعدد أبياته أثنا عشر بيتا يتحدث فيها عن أسفه لما قام في سابق عهده من نظم الشعر والمدح لمن لا يستحق هذا المديح تقربا إلى ذوى الشأن ويتحدث عما فعله في أيام صباه ويقر بذنوبه ولكنه يأمل الخير والمغفرة بمدحه رسول الله ﷺ ، ويعرض مقارنة بين مدحه لرسول ﷺ وما سيناله لهذا المدح وبين ما قام به زهير حينما مدح هرم بن سنان وأجزل له هرم العطاء، ويشير إلى أن عطاء الرسول لا ينقص، فهو عطاء مستمر في الدنيا والاخرة، أما عطاء
стр. 45
هرم فهو عطاء دنيوي فحسب، وينهى هذا الجزء برفض ملذات الدنيا، وقد تبين أن اتجاه الإمام إلى مدح النبي كان للاطمئنان بأنه سينال خير الجزاء، بل سينال المغفرة لتلك الذنوب التي اقترفها خلال أيامه الماضية.
وفي الجزء العاشر والأخير ينهى الشاعر قصيدته متوسلا ومناجيا رسول الله ﵊ وهو بيت القصيد ويعطي لنفسه الأمل والثقة ثم يتوجه بالدعاء إلى ربه ، وفي هذا الجزء ثلاثة نداات للإمام البوصيري، نداء لنفسه المخطئة، ونداء لشفاعة الرسول له، ونداء إلى الله ليغفر له الذنوب والخطايا.
وقد نسج الإمام البوصيري قصيدته البردة على منوال قصيدة لسلطان العاشقين الشاعر الصوفي ابن الفارض ومطلعها:
هل نار ليلى بدت بذى سلم ... أم بارق لاح في الزوراء فالعلم
ارواح نعمان هلا نسمة سحرا ... وماء وجرة هلا نهلة بفم
ولعلنا في ضوء دراستنا لقصيدة الإمام البوصيري ندرك التأثير الديني في أسلوبه بما استمده من السيرة النبوية العطرة كما انعكست ثقافته على بنائها، فقد اعتمد الإمام فيها على كثير من الصور البلاغية واختار الكلمات السهلة السلسة والاستعارات الواضحة القيامة والدلالة على ما يقصد من المعنى.
ويقول الدكتور زكي مبارك (البردة ملحمة أدبية كبرى في المدائح النبوية في تاريخ الادب العربي) «١» .
стр. 46
شرح البردة
بدأ البوصيري قصيدته كغيره من الشعراء بمطلع غزلي جميل على عادة شعراء العرب، ملتزما العفة والاحتشام لمدح الرسول ﷺ فهو يقول:
أمن تذكر جيران بذى سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «١»
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من أضم «٢»
فما لعينك ان قلت اكففا همتا ... وما لقلبك ان قلت استفق يهم «٣»
فهو يتساءل في مطلع بردته المباركة عن أسباب انسياب دمعه- هل جرى هذا الدمع ممزوجا بدم من تذكر الديار والجيران بذي سلم؟ أم لوميض برق يضيء الظلماء، وهبوب ريح حبيبة من تلقاء كاظمة، حيث يقيم أحباؤه، وعندما يرى استنكار المخاطب لهذا القول يأخذه- بقوله- ان عينيك لا تطيعانك حينما تطلب منها الكف عن ذرف الدموع بل يزداد انهمار الدمع كما أن قلبك كلما طلبت منه أن يفيق من غرامه ازداد شوقا وهياما، فعينا الشاعر وقلبه في لهفة إلى الجيران وإلى تلك الحبيبة.
ويقول:
أيحسب الصب أن الحب منكتم ... ما بين منسجم ومضطرم «٤»
ليؤكد أن الحب لا يمكن كتمانه ويفضح العاشق بالعلامات التي تظهر عليه من سقم وتحول واضطراب.
стр. 47
ويمضي البوصيري قائلا:
لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم «١»
فكيف تنكر حبا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم «٢»
وأثبت الوجد خطى عبرة وضني ... مثل البهار على خديك والعنم «٣»
نعم سرى طيف من أهوى فأرقنى ... والحب يعترض اللذات بالألم «٤»
فهو في تساؤله يقيم الدليل تلو الدليل على ثبوت الحب ولو لم يكن هذا الحب لما سكب دمعا على أي أثر من الاثار ولا أصيب بالسهاد ولا عرف الندم، ولولا الشوق والوله لما هطل الدمع لمجرد ذكر الأطلال والديار وما الشوق هنا إلى الديار ولكنه الشوق إلى من سكن الديار، وهذا اعتراف واضحح بالحب، فهو لم يعد في حالته الطبيعية، بل هو مصاب بالأرق لتذكره طيف محبوبته وتألمه الدائم والشهود العدول القائمون عليه أربعة: خفقان قلبه، وسكب دمعه، ونحول جسمه، وانعقاد لسانه، فلا يجد الصب مهربا من الاعتراف، وقد لاح له طيف حبيبته فأرقه ولم يذق للنوم طعما عله يراه حقا، ولكن ذلك لم يتحقق وهو يجد لذة في هذا الحب، ولكنها لذة ممزوجة بالألم، فالبوصيري محروم من قرب محبوبته كما كان كعب بن زهير محروما من قرب سعاده.
ويقول:
يالائمى في الهوى العذري معذرة ... منى إليك ولو أنصفت لم تلم «٥»
стр. 48
فيشرح الإمام البوصيري معاناته هذا الحب لمن يلومه، فإن حبه طاهر وعفيف، حب عذري، إذ عبر عن خوالج النفس، وأثر هذا الحب فيها دون أن يتعرض للصفات الحسية لمحبوبته، وشاع مثل هذا النوع من الغزل والتعبير عن الحب في قبيلة بني عذرة التي شاعت بين ظهرانيهم قصص الحب الخالدة.
ويقول:
عدتك حالى لا سرى بمستتر ... عن الوشاة ولا دائي بمنحسم «١»
محضتنى النصح لكن لست أسمعه ... أن المحب عن العذال في صمم «٢»
فيبين أن النصح واللوم على ذلك الهوى العذري لا يجدي ولا يسمع لأنه في حالة غير حالته العادية، بل يمر بمرحلة لا شعورية خاصة وكل ما قدم له من نصح لا يدركه ولا يعيه لأن شعوره وأحاسيسه غائبة شاردة مع محبوبته بذي سلم.
ويقول:
انى اتهمت نصيح الشيب في عذل ... والشيب أبعد في نصح عن التهم «٣»
فان امارتى بالسوء ما اتعظت ... من جهلها بنذير الشيب والهرم «٤»
ولا أعدت من الفعل الجميل قرى ... ضيف الم برأسى غير محتشم «٥»
لو كنت أعلم أنى ما أوقره ... كتمت سرا بدا لى منه بالكتم «٦»
стр. 49
فيوضح الإمام البوصيري أنه اتهم من قبل العذال بالشيب وكبر سنه، ويرد عليهم أن الشيب أبعد عما يلفق له من تلك التهم، فهو لا يأبه بالشيب الذي اشتعل في رأسه، ولكنه يخشى أن تشيب النفس وهى محملة من جهلها بالمعاصى وهو يملك القدرة على اخفاء هذا الشيب بالخضاب أو الحناء، ولكنه يعجز عن كتمان ما فعلته نفسه، فإن اخفيت هذه الأفعال عن البشر فإنه لا يستطيع أن يخفيها عن ربه :
ويقول البوصيري:
من لى برد جماح من غوايتها ... كما يرد جماح الخيل باللجم «١»
فلا ترم بالمعاصى كسر شهوتها ... ان الطعام يقوى شهوة النهم «٢»
فيقرر بأن النفس أمارة بالسوء ولا بد أن يردها الإنسان عن غوايتها، ويشبه الإمام البوصيري النفس المنحرفة عن الطريق المستقيم بالحصان الذي يجمح بفارسه فإن لم يرده راكبه فقد يقتله ويقتل نفسه، والإسراف في المعاصى لا يقتل رغبة النفس، ولكنه يزيد ميلها وانغماسها فيها كما أن كثرة الطعام تزيد رغبة النهم فيه ويقول:
والنفس كالطفل أن تهمله شب على ... حب الرضاع وان تفطمه ينفطم
فيخاطب المرء بأنه سيد حياته وأن ترك لنفسه الحبل على الغارب ادمنت المعاصي وأكثرت من الذنوب وأوردته نفسه مورد الهلاك، وهو إن زجرها امتنعت كالطفل إذا لم ينفطم ظل معلقا بثدى أمه- وهي حكمة بليغة يطرحها البوصيري للإنسانية جمعاء.
ثم يقول:
فاصرف هواها وحاذر أن توليه ... ان الهوى ما تولى يصم أو يصم «٣»
стр. 50
وراعها وهى في الأعمال سائمة ... وان هى استحلت المرعى فلا تسم «١»
كم حسنت لذة للمرء قاتلة ... من حيث لم يدر ان السم في الدسم
والمراد من الهوى الذي يصم أو يصم هنا اللذة القاتلة وهي اللذة الدنيوية التي يقدم عليها الإنسان وتأمره النفس الإمارة بالجرى وراءها، ولكن ذلك يقضى عليه، ولذا يطالب المرء أن يخالف هذه النفس ويردها عن غيها وينصرف عما تقويه فيه وتزينه له من مغريات الدنيا، وقد يكون ذلك ابتلاء وتذكره له ليستغفر ربه ويرجع إليه فيعيش مطمئنا خالى البال بعيدا عن نزوات الشياطين.
ومن البيت الثامن والعشرين يبدأ البوصيري حديثه كعادة الشعراء العرب الأولين بالتشوق إلى الديار والجيران وعلى نحو ما فعله كعب في ميميته وبردته الأولى التي كانت نبراسا للشعراء من بعد.
ويستمر البوصيري في قصيدته قائلا:
واخش الدسائس من جوع ومن شبع ... فرب مخمصة شر من التخم «٢»
واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت ... من المحارم والزم حمية الندم «٣»
وخالف النفس والشيطان واعصهما ... وان هما محضاك النصح فاتهم «٤»
ولا تطع منهما خصما ولا حكما ... فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
فيوجه الإمام المجتمع إلى أخذ الحذر من مغبة الدسائس والفتن التي تحاك وهي لا تختلف بعضها عن بعض، ويستوى الأمر بين أن تملى الدسيسة على المرء
стр. 51
الخير والنعيم أو تجعله على طرف الفقر فيرفض المرء هذا وذاك ويخاطبه فيقول:
إذا كان رائدك هو الشيطان وقائدك هو النفس فلا تطع أيا منهما لأن النفس من جنود الشيطان، وأن الشيطان ذو كيد عظيم، والنفس وسيلة لتنفيذ كيده. وإن زين لك الشيطان أمرا وحفزتك النفس لفعل معصية ورسمت لك طريقا سهلا فلا بد أن تعود إلى عقلك ورشدك وتحكم إيمانك وترغب عن طريق الأمارين بالسوء وبذلك تنجو من بؤس الدنيا وتنال ثواب الاخرة، ويقول له: ثم اسكب دموع الندم على فعلة فعلتها وهي محرمة، واحتم بالتوبة، وأقلع عن تكرارها والوقوع فيها. ويتفق الإمام البوصيري مع ما هدف إليه كعب من معاناة وإن كانت معاناة كعب خاصة ومعاناة الإمام البوصيري عامة، ثم ينتقل الإمام البوصيري بعد ذلك ليعتذر إلى خير البرية فيقول:
استغفر الله من قول بلا عمل ... لقد نسبت به نسلا لذى عقم «١»
امرتك الخير لكن ما ائتمرت به ... وما استقمت فما قولى لك استقم
ولا تزودت قبل الموت نافلة ... ولم أصل سوى فرض ولم أصم «٢»
فيدعو المرء للاستغفار عما يعلنه من قول بلا عمل، ولم يكن له من هم سوى الحديث عن الناس وكشف أسرارهم، وينصحه بأن يتزود قبل فوات الأوان بحسنات قد تنفعه يوم القيامة، وليسأل نفسه ما إن كان قد أدخر لنفسه عملا صالحا يلقي به الله.
فهذه الأبيات مليئة بالحكمة والتوجيه والإرشاد إلى التمسك بمباديء وأهداف الإسلام والقيم الإنسانية. ويقول:
ظلمات سنة من أحيا الظلام إلى ... ان اشتكت قدماه الضر من ورم
وشد من سغب احشاءه وطوى ... تحت الحجارة كشحا مترف الادم «٣»
стр. 52
وراودته الجبال الشم من ذهب ... عن نفسه فأراها أيماشمم «١»
وأكدت زهدة فيها ضرورته ... ان الضرورة لا تعدو على العصم «٢»
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
فالرسول ﷺ هو القدوة، والرسول ﷺ هو الإمام الأعظم، والرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، والرسول ﷺ هو القائل: (أديني ربي فأحسن تأديبي) ، محمد هو صفوة الباري وخير خلقه، مدحه ربه بقوله الحق «وأنك لعلى خلق عظيم» ، ونبى هذه صفاته وهذه أصول تربيته وهذا منطقه وهذا سلوكه، ألا يكون أسوة حسنة؟ فيا أيها المؤمنون الذين امنتم بمحمد، ويا أيها المنكرون الذين كابرتم وعاندتم وأنكرتم بعثته وراعتكم دعوته حتى لم تعودوا تبصرون أو تحكمون العقل لتعلموا أنه يدعو إلى الحق، وأنه الصادق الأمين، وأنه الصابر العابد، وأنه الجلد الثابت، وأنه الزاهد في عرض الدنيا، ولو تحولت له جبالها ذهبا. إنه يدعوكم لما يحييكم، ويبشركم بجنة عرضها السموات والأرض، وهو الشفيع يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو الذي اثر أن يكون مع المؤمنين فيعيش مثلهم ويحيا حياتهم ويتألم لالامهم، وكيف لا؟. وهو الذي أرسله ربه بشيرا ونذيرا وقائدا ملهما، وهكذا تظهر إنسانية الرسول ﵊.
ولعل الإمام البوصيري هنا يتمثل بصبر الرسول ﷺ حينما قاطعته قريش، في صبره على ما هو فيه من مرض وعلة، ويدعو الله لأجل رسوله أن يحن عليه ويتفضل بشفائه، وهو زاهد عن هذه الدنيا وملذاتها، ولذته في التقرب إلى الله وفي التمسك بسنة رسول الله ﷺ .
стр. 53
ويقول:
محمد سيد الكونين والثقلين ... والفريقين من عرب ومن عجم «١»
نبينا الامر الناهي فلا أحد ... أبر في قول لا منه ولا نعم
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... لكل هول من الأهوال مقتحم «٢»
دعا الله فالمستمسكون به ... مستمسكون بحبل غير منفصم «٣»
فاق النبيين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أورشفا من الديم «٤»
فمحمد ﷺ سيد الخلق جميعا، سيد الأنس والجن، سيد العرب والعجم، له مكانته التي لا تدانيها مكانة لأحد، وهو حبيب الله المرجوة شفاعته لأمته، الشجاع الذي جاء للدعوة إلى الهدى وإلى التمسك بدين الله ، عظمه ربه وقدمه على سائر الأنبياء.
ويمضي فيقول:
وواقفون لديه عند حدهم ... من نقطة العلم أو من شكلة الحكم «٥»
فهو الذي تم معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا باريء النسم «٦»
منزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
دع ما ادعته النصاري في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم «٧»
стр. 54
ليؤكد الإمام البصيري أن كل الناس يقفون أمام رسول الله ﷺ في مرتبة أقل من مرتبة الند والشريك، يطلبون من الرسول الكريم ﷺ جزا من علمه أو قبسا من حكمته لعلمهم أنه هو الذي خلقه الله في تمام المعنى والفعل والشكل والجسم وهو الذي قد اختاره خالق الخلق حبيبا له، وأن حسنه اكتسب من اختيار الله حسنا فوق حسن البشر لأن أساس الحسن في الرسول الكريم ﷺ هبة ربانية، ويذكر أن ما ادعته النصاري في سيدنا عيسى ﵇ من الوهية هي دعوة كاذبة لا يقبلها ذو الفطرة السليمة ولا يرضاها الإسلام، وإذا تركنا هذه الدعوة الباطلة فإننا نستطيع كمسلمين أن نحكم بأن رسول الله ﷺ قد منحه الله الحسن عقلا والحسن معنى والحسن صورة وجسما.
ويقول:
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم
لو ناسبت قدره آياته عظاما ... احيا اسمه حين يدعى دارس الرمم «١»
وهنا يوجه الشاعر خطابه إلى كل مسلم فيقول: قل عن الرسول ما شئت وانسب إليه ما استطعت أن تنسب من الشرف والفخار والحلم والعلم والشجاعة والكرم والأمانة ولكل هذه الصفات العظيمة والأخلاق الحميدة لا يصل إلى مكانته أحد، وإن قدر الرسول ﷺ غاية العظمة، فهو عربي من نسل سيدنا إبراهيم خليل الله ﵊، فجمع الشرف والنسب، وأنه لعظمة مكانته لو ذكر اسمه لأحيا ذكره الجثث الها مدة وقامت من سباتها وكأنها دعيت إلى الحياة يوم القيامة.
стр. 55
ثم يقول:
لم يمتحنا بما تعى العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم «١»
أعيا الورى فهم فليس يرى في الق ... رب والبعد فيه غير منفحم «٢»
كالشمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكل الطرف من أمم «٣»
ويريد الإمام البوصيري بهذا أن يؤكد وضوح الرسالة النبوية فيقول أنها رسالة سمحة واضحة ليس فيها ما يحير العقول ولا ازدواج يجعل الناس ترتاب ولا كهانة تجعلهم يتوهون في أسرار كالنحل القديمة.
وشبه الرسالة المحمدية بالشمس في نجليها واضحة تبدو صغيرة على البعد ولكنها أن اقتربت منها تكل طرفك ولا تستطيع النظر إليها والإحاطة بها وكذلك معنى هذه الرسالة فعلى الرغم من وضوحها الشديد فإنه يحتاج إلى فهم ومعاناه من يريد الوصول والوقوف على الحقيقة الواضحة الكاملة.
ويقول البوصيري:
وكيف يدرك في الدنيا حقيقته ... قوم نيام تسلوا عنه بالحلم
فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وانه خير خلق الله كلهم
وكل اى أتى الرسل الكرام بها ... فانما اتصلت من نوره بهم «٤»
فانه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم «٥»
فيطلب الإمام الشاعر إظهار حقيقة كانت خافية على الناس فعندما بعث محمد ﵊ ولم يدرك قومه مكانة هذه الرسالة ولم يكن الرسول
стр. 56
الكريم ﷺ إلا بشرا رسولا اصطفاه ربه من بينهم، فهو خيرهم ليهداهم إلى الخير وينشر على يديه نور الإسلام وعلى أيدي صحابته يعم الافاق ويبدد ظلمات الجهالة والكفر.
ويقول:
أكرم بخلق نبى زانه خلق ... بالحسن مشتمل بالبشر مبتسم «١»
كالزهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم «٢»
كأنه، وهو فرد من جلالته ... في عسكر حين تلقاه وفي حشم «٣»
ليؤكد أن كل ما جاء به الأنبياء من معجزات سابقة كانت قبسا من نوره الموجود منذ الأزل، ولما أصبح النور محمدا وتجسد في كيانه ﵊ زانه الله بالخلق العظيم. ويشبهه الشاعر بالزهرة في نعومتها والبدر في نوره والبحر في عطائه، ويصف جلال الرسول ﵊ بأنه حين تلقاه منفردا فإنك تخشع أمام هيبته وجلاله وتغض النظر مهابة، فهو وإن كان فردا من أفراد البشر إلا أنك تراه عظيما يحيط به عسكره وحشمه وحاشيته.
وكذلك يقول:
كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف ... من معدنى منطلق منه ومبتسم
لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم «٤»
ولعله هنا يستعير من الطبيعة ما يستعين به في تعبيره عن أفكاره، فهو يستعير من البحر جوهره الثمين ليصف بذلك محاسن الرسول الكريم عليه
стр. 57
الصلاة والسلام فهو يشبهه بلؤلؤة داخل صدفتها يحيط به الجلال من ناحيتين:
ناحية الدين والمنطق، وناحية البشاشة وحسن الاستقبال، ثم يواصل الشاعر مدح الرسول ﷺ بعد الممات فيقول أنه دفن في أكرم وأعطر تربة ضمت جسده الطاهر، فهذه التربة المباركة والتي تنبعث منها رائحة الطيب تفوق رائحتها كل العطور، وبالسعادة من يتنسمها ويشمها ويالهناءة من يقبل هذه التربة الطاهرة «١» .
ومهد الإمام البوصيري لتقديم شخصية الرسول ﷺ بذكر الصفات الحميدة الدالة على مكانة وعظمة الموصوف، فجمع بين الصبر والأمانة والوفاء والكرم والخلق والاستقامة والجمال والقوة والهيبة والجلالة والعلم والسيادة إلى الزهد والاقتناع والفضل والحلم والشرف قبل أن يقدم لنا شخصية الرسول ﷺ .
ثم يقول الإمام البوصيري:
ابان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدأ منه ومختتم «٢»
يوم تفرس فيه الفرس أنهم ... قد انذروا بحلول البؤس والنقم «٣»
وبات ايوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم «٤»
والنار خامدة الانفاس من أسف ... عليه والنهر ساهي العين من سدم «٥»
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... ورد واردها بالغيظ حين ظمى «٦»
كأن بالنار ما بالماء من بلل ... حزنا وبالماء ما بالنار من ضرم «٧»
стр. 58
ثم يتناول ميلاد الرسول ﵊ ذاكرا أن المعجزات التي حدثت في هذا اليوم هي دلالات قاطعة على أنه مختار ومصطفى من السماء، ويذكر هذه المعجزات وأهمها ما حدث في فارس، فقد تصدع أيوان كسرى وخدمت نار المجوس، وجفت بحيرة ساوة مما أصاب الناس بالخوف والهلع لهذا الحدث العظيم، إنه مشهد درامى ينقله لنا الإمام البوصيري، فيه تفرقت جماعة كسرى، وجفت عيون الماء وأصيبوا بالظمأ، ووقع القوم في حيرة من أمرهم.
ويطرح بعد ذلك صورة طريفة لنار المجوس وبحيرة ساوة، فقد بدت النار المطفأة كأنما أصابها وابل من البلل فخبت وكأن البحيرة قد أصابتها نار هائلة فتبخر ماؤها وجفت.
ويقول:
والجن تهتف والأنوار ساطعة ... والحق يظهر من معنى ومن كلم
عموا وصموا فاعلان البشائر لم ... تسمع وبارقة الانذار لم تشم «١»
من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم ... بأن دينهم المعوج لم يقم
وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب ... منقضة وفق ما في الأرض من صنم «٢»
والمراد حين علمت الجن بمولد الرسول الكريم ﷺ من خلال العلامات التي ظهرت، هتفت واستبشرت وقد سطعت أنوار السماء ابتهاجا باقتراب ظهور الحق على لسان الرسول القادم الذي سيظهر المعنى والكلمة لدين الحق من خلال القران الكريم، لكن الكافرين أصابهم العمى والصمم.
وعلى الرغم من البشارة والمعجزات التي صاحبت مولد الرسول ﷺ فإن الكافرين أدعوا الغافلة فلم يسمعوا هذا النداء ولم يروا هذا النور لعلمهم أن فيه نهايتهم، وعلى الرغم من إخبار هؤلاء الكفار من قبل الكهان والرهبان بأن كل
стр. 59
النحل والملل والأديان التي سبقت ظهور هذا الرسول قد شجبت إلا أنهم أصروا على غيهم وظلوا في ضلالهم وجهلهم وعلى الرغم من علمهم بأن أديانهم بها أعوجاج إلا أنهم ظلوا على استكبارهم وتماديهم في الباطل.
ويؤكد الإمام البوصيري جحودهم، فإنه يذكر أنهم ظلوا على غيهم على الرغم مما شاهده في الأفق من شهب تهوى من السماء منقضة كالصاعقة لتدمر أصنامهم وهياكلهم.
ويستمر فيقول:
حتى غدا عن طريق الوحى منهزم ... من الشياطين يقفو أثر منهزم
كأنهم هربا أبطال أبرهة ... أو عسكر بالحصى من راحتيه رمى «١»
نبذا به بعدد تسبيح ببطنهما ... نبذا لمسبح من أحشاء ملتقم «٢»
فيؤكد الإمام البوصيري أنه بمجرد نزول الوحي بدأت شياطين البشر وشياطين الجن في الانهزام الواحد أثر الاخر، فكلما حاولوا إيذاء الرسول وإيذاء من آمنوا به أنزل الله بهم الهزيمة فباتوا على كفرهم ملومين، وهذا هو أبو جهل (الحكم بن هشام) يحاول التحريض على رسول الله ﷺ فيأمر القوم باختيار شاب قوي من كل قبيلة لقتل الرسول ﷺ ليلة الهجرة، ولكن الرسول الكريم ﷺ الذي ظل يسبح بحمد الله يؤمر بالخروج إليهم وإلقاء التراب براحتيه الكريمتين في وجوههم فيصيبهم العمى فلا يشعرون بخروجه ولا يتمكنون من قتله وإيذائه وهو هنا يشبه إنهزام الكافرين من شياطين الجن والأنس بأنهم كجيش أبرهة الذي
стр. 60
سلط الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، ويشبه الرسول الكريم ﷺ بأنه وهو في داره كأنه سيدنا يونس ﵇ وهو في بطن الحوت يسبح باسم الله حتى نبذه الحوت على شاطيء الأمان.
ويقول كذلك:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشى إليه على ساق بلا قدم
كأنما سطرت سطرا لما كتبت ... فروعها من بديع الخط في اللقم «١»
مثل الغمامة أني سار سائرة ... تقيه حر وطيس للهجير حمى «٢»
اقسمت بالقمر المنشق أن له ... من قلبه نسمة مبرورة القسم «٣»
ويقطع الإمام البوصيري الشك ياليقين ليقول للجاحدين بالأمس. امن من كانوا على دين النصاري، فهذا الراهب بحيرا يرى غمامة تظلل النبي دون غيره، ثم تأكد من الطعام الذي قدمه له بأنه النبي الذي جاء يبحث عنه في هذه الصحراء، فيقول لأبي طالب: أرجع بابن أخيك فإن له شأنا، هذا الراهب وقع في قلبه الإيمان قبل بعثة محمد ﵊.
ويختار الإمام البوصيري إيمان الأعرابي أمام أدلة مادية، فعندما جاءه أعرابي وطلب منه إظهار نبوته أمر الأشجار أن تأتي إليه، ثم أمرها أن تعود كما كانت وبهذا الأمر خطت وسطرت الأشجار سطورا على الأرض. مؤكدة معجزة الرسول ﷺ فامن الإعرابي بعينه بما لم يؤمن به بقلبه.
стр. 61
ويشير الإمام البوصيري إلى فزع حليمه السعدية حينما أخبرها أبنها بما فعله الملكان بصدر النبي محمد ﵊ وهما طفلان صغيران يمرحان فقط طرد خطر الشيطان منه.
ويقول:
وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكل طرف من الكفار عنه عمى
فالصدق في الغار والصديق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من إرم «١»
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله اغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم «٢»
في هذه الأبيات يحكى الإمام البوصيري قصة مطاردة الكفار لرسول ﷺ وصديقه (أبى بكر الصديق) رضى الله عنه- وكيف أنهما بعد دخولهما الغار وبأمر من الله تعالى نسج العنكبوت نسيجا كثيفا، واستقرت الحمامة وباضت عند مدخل الغار مما جعل الكفار لا يبصرون من بداخله، ويتوهمون بأنه خال لم يدخله أحد منذ أمد بعيد، ويؤكد البوصيري أن هذه المعجزة هي وقاية من الله للصاحبين المهاجرين، وهي خير من أقوى الحصون وأشد الدروع.
ونمضي مع البوصيري في قصيدته حتى نصل إلى أبياته التالية:
ما سامنى الدهر ضيما واستجرت به ... الا ونلت جوارا لم يضم «٣»
ولا التمست غنى الدارين من يده ... الا استلمت الندى من خير مستلم «٤»
لا تنكر الوحى من رؤياه ان له ... قلبا اذا نامت العينان لم ينم «٥»
وذاك حين بلوغ من نبوته ... فليس ينكر فيه حال محتلم «٦»
стр. 62
ويريد أن يقول: عندما استجير بالرسول الكريم ﷺ من وقوع الضرر والظلم علىّ من الدهر، أجد الرسول الكريم ﷺ إلى جواري بروحه وحكمته وبسنته لينير لي الطريق ويرفع عني الظلم، فهو صاحب الفضل على كل من يحبه، وعند التماسي الغني في الدنيا أو في الاخرة تتأكد لي عظمة الرسول ﷺ وقد سلمني ما التمسته، ثم يؤكد أن رؤيا الرسول ﷺ في المنام رؤيا حق ولا يستطيع الشيطان أن يظهر بصورته ﷺ .
وكذلك قوله:
تبارك الله ما وحى بمكتسب ... ولا نبي على غيب بمهتم «١»
كم أبرأت أوصايا باللمس راحته ... واطلقت اربا من ريقة اللمم «٢»
وأحيت السنة الشهباء دعوته ... حتى حكت غراة في الأعصر الدهم «٣»
بعارض جاد أو خلت البطاح بها ... سيب من اليم أو سيل من العرم «٤»
وفي ذلك يؤكد الإمام البوصيري أن الوحي لا يهبط على إنسان لعمل يقوم به أو بالنسب والحسب، وإنما هو قدر مقدر.
ويظهر الشاعر قدرات الرسول الكريم ﷺ على ابراء المرضى وقضاء الحاجات ورفع الكرب عن المكروبين والمأزومين، وأن السنة الطاهرة البيضاء عم بياضها الناصع كل العصور التاريخية السابقة على الرسالة حيث انتشر الظلم والفساد، فقد كانت عصورا مظلمة سوداء، أصبحت بظهور السنة المحمدية وكأنما هي أرض مجدبة قد أرسل الله عليها سحبا ممطرة فغدت خضراء مزدهرة
стр. 63
صالحة للحياة والأمن والاستقرار، وأن سنته المكرمة باقية أبد الدهر، فإنها نتاج دعوته للعالمين، وقد أضاءت حياتهم وأخذت بأيديهم إلى نور المعرفة وسماحة الإيمان.
ويقول:
دعنى ووصفى ايات له ظهرت ... ظهور نار القرى ليلا على علم
فالدر يزداد حسنا وهو منتظم ... وليس ينقص قدرا غير منتظم
فما تطاول امال المديح إلى ... ما فيه من كرم الاخلاق والشيم «١»
ايات حق من الرحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم «٢»
فيتبين أن القران الكريم عندما نزلت آياته هدى للناس ورحمة كانت ظاهرة وواضحة جلية ولا مجال لانكارها تماما كالنار التي يشاهدها الساري ليلا.
والقران الكريم في مجمله دستور منظم للحياة الإنسانية وللبشرية، ويحوي الكثير من القيم والمباديء السامية التي تهدف إلى إصلاح الأمم وكل اية من آياته تعتبر معجزة تفوق إدراك الإنسان، وهذه الايات نظمت بوحي من الله فأصبحت كالعقد المنتظم الذي يزين صدور المؤمنين.
فيؤكد الإمام البوصيري أن ايات القران الكريم عندما نزلت على رسول الله ﷺ كانت نورا يهدي التائهين في الحياة وللحياري في دروب الكفر وحانات العصيان مثلها كالنار التي كان يوقدها كرام العرب على قمم الجبال ليهتدي بها كل ضال في متاهات الصحراء، وخلاصة القول أن الإمام البوصيري يقول:
إن دعوة محمد ﵊ كانت كالنور يضيء الحياة بعد الظلام ويأخذ بأيدي التائهين إلى بر الأمان وأن المرء ليقف أمامه عاجزا عن مدحه لما فيه من حكم وبيان وهدى للنفس فتسمو به إلى أعلى مرتبة من مراتب الإيمان وأن ايات
стр. 64
القران الكريم قديمة لأنها من كلام الله وكانت مدونة في اللوح المحفوظ ثم نزلت متفرقة على النبي ﵊ ليرشد الناس إلى حقيقة الإيمان بالله .
ويقول الشاعر الإمام:
لم تقترن بزمان وهى تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن ارم «١»
دامت لدينا ففاقت كل معجزة ... من النبيين إذ جاءت ولم تدم
محكمات فما تبقين من شبه ... لذى شقاق وما تبغين من حكم «٢»
ما حوربت قط الا عاد من حرب ... اعدى الاعادى اليها ملقى السلم «٣»
ردت بلاغتها دعوى معرضها ... رد الغيور يد الجاني عن الحرم «٤»
فحينما حدثنا القران عن عاد وثمود وارم ذات العماد كان يطوف بنا في دهاليز التاريخ القديم ويقص علينا أحسن القصص ويثبت لنا أنه ايات حق من الرحمن وحجة لنبيه على المنكرين، وأن هذا القران لم يقترن بزمن محدد، وإنما هو شامل لكل عصر ووقت ومعجزة القرون وستظل باقية حتى قيام الساعة (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) . ألم ييأس الذين كفروا من التحدي لهذه المعجزة والإرادة النافذة؟ هل نسوا أنهم كسائر الخلق لا يصمدون للتحدي ولا يقدرون عليه؟
ألم يفكروا بأن كلام الله وكتابه ووحيه إلى نبيه أشرف الرسل وخاتمهم؟
مادام الأمر كذلك فهذا الكتاب لم ينزل ليحدث العرب عما في زمن النبي فحسب وإلا كان محمد ﷺ قد أرسل لأهل الجزيرة فقط كغيره من الأنبياء وإنما هو قد أرسل للناس كافة ولن يأتي رسول بعده فهو وهذا الكتاب اخر تعليمات من
стр. 65
الله إلى البشر ومن امن به وبالكتاب نجا وظفر ومن لم يؤمن كبا وكفر وخسر.
ويقول:
لها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهره في الحسن والقيم «١»
فما تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم «٢»
قرت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم «٣»
ان تتلها خيفة من حرنا ولظى ... اطفأت نار لظى من وردها الشبم «٤»
كأنها الحوض تبيض الوجوه به ... من العصاة وقد جاؤه كالحمم «٥»
فيوضح الإمام البوصيري أن معاني هذا القران كالبحر الواسع الذي لا تستطيع إدراكه حيث أن هذا القران كثير العطاء لا ينتهي مدده، وأن هذه الايات بها من العجائب والحكم والمواعظ ما لا يخضع لعد أو حصر ولا يسأم المؤمن من كثرة تلاوتها، فالمؤمن الذي يقرأ هذه الايات يجد المتعة النفسية في ظلالها والقران الكريم نور الله في أرضه ومن أعتاد تلاوته وقراءته شعر بالصفاء النفسي والوجداني، وهذه هي قمة السعادة الروحية التي يحرص المؤمن على التمسك بها لأن تلاوة القران تقي المؤمن نار جهنم، ويؤكد الإمام البوصيري أن الإنسان العاصي مهما عمل من ذنوب وتمسك بعد ذلك بالقران وتلاوته وبحفظه وتفسيره وتطهر به وسار عليه فإنه يتطهر من هذه الذنوب وينير قلبه ووجهه.
ويقول الشاعر الإمام:
وكالصراط وكالميزان معدله ... فالقسط من غيرها في الناس لم يقم «٦»
لا تعجبن لحسود راح ينكرها ... تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم «٧»
стр. 66
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
أن ايات القران الكريم وهو دستور سماوي يحقق العدل في الدنيا، ومن لم يحكم به فلا يعدل أبدا، فالعدل من غير القران لا يقوم، وإن هذا القران الكريم مهما أنكره الجاهلون فهم يؤمنون بصدق وحق بما جاء به في قرارة نفوسهم، ولكن مصالحهم الدنيوية تجعلهم يحقدون على هذه الايات وينكرون حقيقتها، ولكن لا مجال للإنكار، فلا أحد يستطيع إنكار حقيقة القران ومعجزاته وآياته حتى الأعمى الذي لا يرى الأشياء المحسوسة فإنه يرى نور هذه الايات، وترشده عن طريق العقل والقلب، ومن لم يرها فهو ليس بأعمى، ولكنه جاحد لحقيقة هذه المعجزة الإلهية. ويقول مخاطبا رسول الله مادحا:
يا خير من يمم العافون ساحته ... سعيا وفوق متون الأنيق الرسم «١»
ومن هو الاية الكبرى لمعتبر ... ومن هو النعمة العظمى لمغتنم «٢»
سريت من حرم ليلا إلى حرم ... كما سرى الدر في داج من الظلم «٣»
وبت ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب توسين لم تدرك ولم ترم
وقدمتك جميع الأنبياء بها ... والرسل تقديم مخدوم على خدم
وأنت تخترق السبع الطباق بهم ... في موكب كنت فيه صاحب العلم «٤»
حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدنو ولا مرقى لمنتسم «٥»
خفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم
стр. 67
فها هو البوصيري يمدح الرسول ﷺ فهو خير إنسان ظهر على وجه الأرض، وخير إنسان سعى إليه الناس مشيا على الأقدام أو ركوبا على ظهور النياق.
ثم يتحدث عن معجزة أخرى من معجزات الرسول ﷺ بعد القران فيتعرض لذكر الإسراء والمعراج، وتدور أبيات القصيدة حول ليلة الإسراء والمعراج وكيف بدأت رحلته من مكة إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى إلى السموات العلا ثم الوصول إلى سدرة المنتهى، ولقاء الرسول ﷺ بربه وفرض الصلوات الخمس عليه وعلى أمته ثم العودة إلى مكة والتحدث بما رأى خلال هذه الرحلة التي لم تستغرق سوى ليلة واحدة مع ما قدم من وصف دقيق وصحيح في وضوح وتفصيل أذهل عقول المشركين وحير أفكارهم، والمقصود بالتفصيل أنه بين عظمة هذه المعجزة وهي نعمة نالها الرسول الكريم ﷺ ولم ينلها قبله بشر ولن ينالها من بعده إنسان، فقد اسرى به من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس في فلسطين وكأنه في عصرنا هذا يركب طائرة أو صاروخا أسرع من الصوت ثم يعرج به إلى السموات العلا حيث لم يحدث هذا من قبل لأي إنسان حتى في الأساطير، وليس هذا فقط وإنما يصعد إلى سدرة المنتهى، ويكون أقرب إلى العرش العظيم، وهي غاية لم يدركها ولن تخطر على قلب بشر، ويصور رحلة الرسول ﵊ تصويرا صوفيا تجلى من خلاله وجده وشوقه فيقول:
بأن جميع الأنبياء والرسل بكافة طبقاتهم قد قدموك يا رسول الله عليهم وأنت تقودهم مخترقا السموات السبع قائدا لهم في موكب لا يمكن وصفه حتى إذا وصل كل نبي عند موضع رتبته وصلت أنت إلى مكانة لم يدع إليها سابق لك ولن يدعى إليها لا حق بك حتى إنك وأنت على رأسهم أصبحت المفرد العلم.
стр. 68
ويقول البوصيري:
كيما تفوز بوصل أي مستتر ... عن العيون وسر أي مكتتم «١»
فحزت كل فخار غير مشترك ... وحزت كل مقام غير مزدحم «٢»
وجل مقدار ما وليت من رتب ... وعز إدراك ما أوليت من نعم «٣»
بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا ... من العناية وكنا غير منهدم «٤»
لما دعا الله داعينا لطاعته ... بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم «٥»
ليؤكد أن ما حدث، حدث بأمر من الله كي يميز الرسول ﷺ عن كافة الأنبياء والرسل بميزة الصلة والقرب من الذات الالهية وبهذا فقد وصل النبي الكريم إلى أعلى مرتبة من مراتب الفخر، وتعدي كل مقام بلا مزاحمة من أحد فما أكثر ما أعطاك الله يا محمد من نعم تفوق الخيال والحصر، وكل ما سبق يؤكد لنا نحن المسلمين بأن الله قد أعطانا البشرى والخير والفرحة فكنا خير أمة أخرجت للناس، فنحن أكرم الأمم لأننا نتبع أكرم الرسل، إنه الرسول العظيم الكريم المكرم الذي حاز كل فضل وكل فخر، فطوبي لأمة الإسلام، وطوبي للتابعين، فإنا معشر المسلمين لنا من عناية الله حصانة وحجابة.
ثم يمضي الشاعر الإمام البوصيري فيصف جهاد النبي ﷺ فيقول:
راعت قلوب العدا أنباء بعثته ... كنبأة أجفلت غفلا من الغنم
مازال يلقاهم في كل معترك ... حتى حكوا بالقنا لحما على وضم
ودوا الفرار فكادوا يغتبطون به ... اشلاء شالت مع العقبان والرخم
تمضى الليالى ولا يدرون عدتها ... ما لم تكن من ليالى الأشهر الحرم
стр. 69
فقد فزعت قلوب المشركين والكفار وغيرهم بنبأ ظهور البعثة المحمدية وشبه الإمام البوصيري هؤلاء المشركين والكفار بقطعان من الغنم تفرقت خوفا وفزعا من ذلك النبأ الغريب على اذانهم والموقظ لجاهليتهم فوقفوا ضد هذا النبأ محاربين له مقاومين لكلمته، ولكن الرسول الكريم ﷺ صاحب هذا النبأ لم يتركهم وإنما حاربهم بالكلمة والسيف والرمح ولم يتركهم حتى أنهم ودوا الفرار من أمامه من شدة وطأة هذه الحرب، ويشبه فلولهم كأنها جثث ممزقة هامت عليها العقبان وجوارح الطير وكتب عليهم الضياع والقلق والاستعداد الدائم للحرب وانهم لا يدرون من أيامهم إلا أيام الأشهر الحرم التي اتفق العرب على عدم حمل السلاح والقتال فيها ولا يدرون عدتها.
ثم يقول:
كأنما الدين ضيف حل ساحتهم ... بكل قرم إلى لحم العدا قرم «١»
يجر بحر خميس فوق سابحة ... يرمى بموج من الأبطال ملتطم «٢»
من كل منتدب لله محتسب ... يسطو بمستأصل للكفر مصطلم «٣»
حتى غدت ملة الإسلام وهي بهم ... من بعد غربتها موصولة الرحم «٤»
فقد اجتمع جند المسلمين وزجوا بأنفسهم للدفاع عن هذا الدين مجيبين لدعوة الرسول الكريم ﷺ راجين أن ينالوا ثواب الدنيا والاخرة، إما النصر أو الشهادة، فكلاهما له أجر، يصولون ويجولون في المعركة بخطة عسكرية محكمة، ويدافعون بثبات عن هذه الدعوة، ويقطعون دابر الكفر من جذوره لكي يبنوا بعد ذلك دولة إسلامية تتخذ كتاب الله وسنة نبيه دستورها، لا فرق
стр. 70
بين أفرادها في الحق والواجب، فقد ظهرت دولة المسلمين بعد أن كانت غريبة لا أثر لها.
ويقول الشاعر الإمام:
مكفولة أبدا منهم بخير أب ... وخير بعل فلم تيتم ولم تئم «١»
هم الجبال فسل عنهم مصادمهم ... ماذا رأى منهم في كل مصطدم «٢»
وسل حنينا وسل بدرا وسل أحدا ... فصول حتف لهم أدهى من الوخم «٣»
المصدرى البيض حمرا بعد ما وردت ... من العدا كل مسود من اللمم «٤»
ويستطرد الإمام البوصيري فيقول: إن المسلمين يحرصون على الحفاظ على هذا الدين الجديد، كما يصونون المحارم، ويراعون مصلحة أبناء الشهداء كأبنائهم ويدافعون عن هذه الدعوة الإسلامية في كل زمان ومكان، وأن هؤلاء الرجال في دفاعهم عن الدعوه الإسلامية كالجبال التي تصد الرياح العاتية التي تمنع الجيوش المهاجمة ضد هذه الدعوة والدليل على ذلك ما أظهره المسلمون من بلاء حسن ضد المشركين في موقعة حنين وبدر وأحد، ويستدل على هذا برسم صورة لسيوف المسلمين وهي تنهش أجساد الأعداء بحيث أصبحت هذه السيوف حمرا بدمائهم.
ويقول:
والكاتبين بسمر الخط ما تركت ... أقلامهم حرف جسم غير منعجم «٥»
стр. 71
شاكى السلاح لهم سيما تميزهم ... والورد يمتاز بالسيما من السلم «١»
تهدى إليك رياح النصر نشرهم ... فتحسب الزهر في الاكمام كل كمى «٢»
كأنهم في ظهور الخيل نبئت ربا ... من شدة الحزم لا من شدة الحزم «٣»
طارت قلوب العدا من بأسهم فرقا ... فما تفرق بين البهم والبهم «٤»
فيستطرد الإمام البوصيري ليصف فرسان المسلمين بأن رماحهم كانت تصل إلى أجسام الأعداء ولا تترك لهم جزا إلا وبه طعنة رمح أو ضربة سيف، وهذه الأسلحة التي كانت عند المسلمين تمتاز بقوة فتكها وإن الرياح كانت تنقل أخبار نصرهم وتحمل معها رائحة عطرة ندرك من خلالها حلاوة النصر.
ويشبه المسلمين في حزمهم وثباتهم وثقتهم بأنفسهم وهم على ظهور خيلهم كأنهم نبات ضارب بقوة في أرض قوية، وهذا النبات مرده إلى الثقة بالنفس والعقيدة التى اندفعوا للدفاع عنها وليس مردة قوة ربط الحزام وإمساكهم اللجام وعند لقائهم بالأعداء انخلعت قلوب هؤلاء الأعداء من شدة بأسهم وتفرقوا في كل مكان يستوى في ذلك منهم الجبان والشجاع كالماشية حينما تجفل من الخوف.
ثم يقول الشاعر الإمام: -
ومن تكن برسول الله نصرته ... ان تلقه الأسد في اجامها تجم «٥»
ولن ترى من ولى غير منتصر ... به ولا من عدو غير منقصم «٦»
стр. 72
احل امته في حرز ملته ... كالليث حل مع الأشبال في أجم «١»
كم جدلت كلمات الله من جدل ... فيه وكم خصم البرهان من خصم «٢»
كفاك بالعلم في الأمى معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم
ثم يقول الإمام البوصيري: من يستنصر بالله ورسوله لا يقف في طريقه أحد حتى الأسود في عرينها لا تتحرك لمواجهته، ولن نجد أحد منصورا إلا إذا كان مستمدا نصره من رسول الله، ولن نجد عدوا له منكسرا مهزوما، فالرسول يحمي أمته في حصنه المنيع ألا وهو الإسلام، كالأسد يحمي أشباله في غابته، وكثيرا ما جاء المنافقون والمجادلون بالبراهين والأدلة على أنهم على حق، ولكن كلمة الله هي العليا نصرة لرسوله والإسلام، فكانت براهينهم وأدلتهم كالهباء المنثور، ومجادلتهم كانت عظيمة، وتكفيهم معجزتك يا رسول الله إنك أمي لا تعرف القراءة والكتابة، ولكنك كنت عالما بما أوحى الله إليك، ومع إنك يتيم فقد شهد لك الجميع بأدبك وحميد أخلاقك ولا غرو فقد رباك الله على عينه فأحسن تربيتك.
ثم يتوسل إلى النبي ﷺ فيقول:
خدمته بمديح استقبل به ... ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم «٣»
إذ قلدانى ما تخشى عواقبه ... كأننى بها هدى من النعم «٤»
اطعمت في الصبا في الحالتين وما ... حصلت الا على الاثام والندم «٥»
стр. 73
فياخسارة نفس في تجارتها ... لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم «١»
ومن يبع اجلا منه بعاجله ... يبن له الغبن في بيع وفي سلم «٢»
فيوضح الإمام البوصيري أن مدحه لرسول الله ﷺ ليس إلا محاولة لطلب الشفاعة منه عن ذنوب ارتكبها في أيامه الماضية سواء في شعره أو في عمله الدنيوى لقد أوردنه الشعر والعمل مورد التهلكة، وساقاه إلى ما تخشى عواقبه كأنه هدى يساق ليذبح ويقول، وبالشعر والعمل السيء ما جنيت إلا الذنوب والندم، فيتوجع ويبكي بما قدم في أيامه السابقة إذ فضل الدنيا على الدين وكانت هذه هي الخسارة الكبرى.
ويصل البوصيري إلى الخلاصة الحكيمة التي انتهى إليها فكره ووجدانه وهي أن من يبيع اخرته بملذات دنياه فهو الخاسر في الدنيا والاخرة.
إذ يقول:
ان ات ذنبا فما عهدى بمنتقض ... من النبي ولا حبلى بمنصرم «٣»
فإن لى ذمة منه بتسميتى ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم «٤»
ان لم يكن في معادى اخذا بيدى ... فضلا والا فقل يازلة القدم «٥»
حاشاه أن يحرم الراجى مكارمه ... أو يرجى الجار منه غير محترم «٦»
فيتوجه البوصيري مخاطبا الرسول ﷺ معتذرا متوسلا به فيقول: إن كنت قد اذنبت فما ذلك من كفر أو نكث عهد أو جحود أو قطع لأسباب الوصال لأن
стр. 74
لي به انتسابا، إن اسمي محمد فأنا على العهد بإيماني وبأسمي، والرسول أو فى الخلق بالعهود، فإذا لم يأخذ بيدي رسول الله ولم يكن شفيعى في اخرتى بفضله وكرمه أكون من الخاسرين.
ثم يقول الشاعر الإمام:
ومنذ الزمت أفكارى مدائحه ... وجدته لخلاصى خير ملتزم «١»
ولن يفوت الغنى منه يد تربت ... ان الحيا ينبت كالأزهار في الأكم «٢»
ولم ارد زهرة الدنيا التي اقتطفت ... يدا زهير بما اثنى على هرم «٣»
ويريد منذ أن تحرك عشقى لرسول الله ومنذ أن هز وجداني حب الرسول ومنذ أن هامت روحى حول رحابه وتعلق قلبي به وبالملة السمحاء تحرك يراعي فأوقفت شعرى على مدحه والقيت عليه أحمال ذنوبي ورجوته للشفاعة، ووجدت فيه المتكفل بخلاصي من هذه الاثام والذنوب وبخلاصي من نفسي الاثمة- عندما فعلت ذلك هاجرا حياة الصبا وشطحات النفس ووسوسة الشيطان ووجدت من سنته خير شفيع وناصح، وعافت النفس عرض الدنيا ورجوت ثواب الاخرة، لا كما فعل اخرون مثل زهير بن أبي سلمى عندما مدح هرم بن سنان.
ويقول مناجيا رسول الله ﷺ :
يا أكرم الخلق مالى من الوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم «٤»
ولن يضيق رسول الله جاهك بى ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم «٥»
стр. 75
فان من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم «١»
فيناجي البوصيري رسول الله ﷺ ويعدّ مناقبه، إنه أكرم خلق الله عند الله، لقد اختصه بشفاعته يوم القيامة دون الأنبياء فيكون ملاذا لجميع المؤمنين والاملين في شفاعته يوم الحساب فالرسول ﷺ لن يضيق بي يوم القيامة حين استنجد بشفاعته لذنوب ارتكبتها في الدنيا عندما يحاسب الله عباده يوم العرض عليه، ومن كرم الرسول ﷺ أنه يشمل المؤمنين برعايته وشفاعته ففي الدنيا كل خير وإصلاح وسنته الشريفه خير سبيل، وفي الاخرة هو الشفيع للمؤمنين فهو واحده الذي يعلم علم اللوح والقلم بما أنزله الله من قران هدى به البشر والأمم. ثم يقول:
يا نفس لا تقنطى من زلة عظمت ... ان الكبائر في الغفران كاللمم «٢»
لعل رحمة ربى حين يقسمها ... تأتى على حسب العصيان في القسم «٣»
يا رب واجعل رجائى غير منعكس ... لديك واجعل حسابى غير منخرم «٤»
والطف بعبدك في الدارين ان له ... صبرا متى تدعه الأهوال ينهزم «٥»
فيؤمل الإمام البوصيري نفسه مخاطبا إياها ألا تيأس من كثرة الذنوب التي ارتكبها لأن الله يقبل توبة العبد التائب مهما عظمت ذنوبه وأن هذه الذنوب لا تعظم على الله في غفرانه وأن الله يشمل من يشاء برحمته.