ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية
تَألِيفُ
محمَّد بن عَبد الله العوشن
دَارُ طَيبة
стр. 2
المقَدِّمَة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد، فهذا بعض (ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية) على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولم أتقصّد ذكر جميع المرويات الضعيفة فيها، فهي كثيرة جدًا، لكني اقتصرت على أشهر المرويات، التي يكثر ورودها في كتب السيرة والمغازي.
والهدف من ذلك تنقية السيرة من هذه الأخبار التي لم تثبت، وكما عمل المحدّثون على تنقية الحديث النبوي، ونخله؛ لتمييز صحيحه من سقيمه، كذلك فإنّ من الواجب عمل ذلك في هذه السيرة العطرة، وما أجمل ما قاله الإِمام عبد الله بن المبارك ﵀: "في صحيح الحديث غُنية عن سقيمه" فكذلك في صحيح السيرة ما يغني عن سقيمها.
ومما ينبغي أنّ يُعلم أن الشهرة والتداول للقصة، أو الرواية ليس دليلًا على ثبوتها، "فلا تلازم بين الشهرة والصحة (١) "."ولا يعني ذلك نفي وقوع الأمر تاريخيًا، بل عدم ثبوته فقط" (٢)، ومن المعروف أن أكثر مرويات السيرة من طريق الإِمام محمَّد بن إسحاق ﵀ إمام أهل السيرة والمغازي، ومَنْ بعده ناقل عنه في الغالب (٣)، وابن إسحاق تكلّم فيه علماء الجرح والتعديل، وفي حفظه، وضبطه، وبيّنوا أنه حسن الحديث خاصة في السيرة، ما لم يُعنعن، لأنه قد عُرف بالتدليس، قال الإِمام البيهقي ﵀: "الحفّاظ يتوقّون ما ينفرد به ابن إسحاق" (٤).
стр. 3
قال الإِمام الذهبي ﵀: "الذي استقر عليه الأمر أن ابن إسحاق صالح الحديث، وأنه في المغازي أقوى منه في الأحكام (٥) ".
وأكثر هذه المرويات قد أشار أهل العلم ﵏ إلى ضعفها، وعدم ثبوتها، ومن أجل من نقدها، وبيّن حالها: مؤرخ الإِسلام الإِمام الحافظ أبو عبد الله الذهبي ﵀ خاصة في كتابيه العظيمين: (تاريخ الإِسلام) و (سير أعلام النبلاء)، ثم تبعه على ذلك: تلميذه الإِمام الحافظ إسماعيل ابن كثير ﵀ في تاريخه المشهور: (البداية والنهاية) في القسم الخاصّ بالسيرة، وهو من أطول المصنّفات في السيرة النبوية، وأكثرها فائدة. وكذا الإِمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني ﵀ خاصة في كتابه العُجاب: (فتح الباري) وكتابه: (الإصابة).
ومن المعاصرين: الشيخ الإِمام الألباني، خاصة في سلسلتيه النافعتين: الصحيحة، والضعيفة، وكتابه: (إرواء الغليل) وكتابه في الردّ على البوطي ومنهم الدكتور الفاضل: أكرم العمري، خاصة في كتابه: (السيرة النبوية الصحيحة). والشيخ محمَّد رزق بن طرهوني، في كتابه: (السيرة الذهبية).
وقد حرصت عند تضعيف إحدى الروايات أن أُبيّن ما يغني عنها مما صحّ. وأنا راجع عن كل رواية تبيّن ثبوتها، فالحكمة ضالة المؤمن، والحقّ أحقّ أن يُتّبع والتزمت -غالبًا- أن أُصلي على النبي ﷺ عند ذكره، وأنّ أترضّى عن الصحابة ﵃، وأترحّم على أهل العلم ﵏، مستحضرًا المقولة اللطيفة التي قالها أبو محمَّد التميمي ﵀: "ما لكم تأخذون العلم عنّا وتستفيدونه منّا ثم لا تترحمون علينا؟ (٦) ".
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
محمد بن عبد الله العوشن
الرياض في ١/ ٧/ ١٤٢٨ هـ
ص. ب ٢٥٦٦٣
الرياض ١١٤٧٦
mo_aloshan@yahoo.com
стр. 4
تحديد ميلاده (*) الشريف ﷺ -
المشهور عند الجمهور أنه ﷺ وُلد عام الفيل. فقيل: بعده بشهر، وقيل: بأربعين يومًا، وقيل: بخمسين، قال السهيلي (١) وابن كثير (٢): وهو أشهر. وقيل: إنه ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وقيل: ثلاث وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين.
قال الذهبي: "وقال أبو أحمد الحاكم: وُلد بعد الفيل بثلاثين يومًا، قاله بعضهم. قال: وقيل بعده بأربعين يومًا. قلت (الذهبي): لا أُبعد أنّ الغلط وقع من هنا على من قال ثلاثين عامًا أو أربعين عامًا، فكأنه أراد أن يقول: يومًا فقال: عامًا" (٣). ومما يؤكد أنه ولد عام الفيل ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمه قال: "وُلدتُ أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، فنحن لِدَتان (٤) " قال الذهبي في (تاريخ الإِسلام): إسناده حسن (٥).
وروى ابن سعد عن يّحي بن معين قال: أخبرنا حجاج بن محمَّد قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق [عن أبيه] (**) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ولد
стр. 5
رسول الله ﷺ يوم الفيل، يعني عام الفيل (٦) " وساقه الذهبي بسنده في: (تاريخ الإِسلام) وقال: صحيح (٧).
وهذا يكاد يكون مجمعًا عليه عند أهل العلم. قال خليفة بن خياط في تاريخه: "والمجمع عليه عام الفيل" (٨). وقال ابن القيم في (الزاد): "لا خلاف أنه ولد بجوف مكة وأن مولده عام الفيل" (٩).
وصحّ عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعمييْن مقعديْن يستطعمان الناس" (١٠).
أما الشهر فالجمهور أيضًا على أنه في ربيع الأول، وقيل: في رمضان. قال ابن كثير: "نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار، وهو قول غريب جدًا" (١١).
أما اليوم فقد ثبت في الحديث عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "ذلك يوم وُلدت فيه ويوم بُعثت أو أنزل عليّ فيه" (١٢).
أما تاريخ ذلك اليوم، فقال ابن كثير: "قيل لليلتين خلتا منه (ربيع الأول) قاله ابن عبد البر في الاستيعاب، ورواه الواقدي: عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني وقيل: لثمان خلون منه حكاه الحميدي عن ابن حزم ورواه مالك وعُقيل ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهري عن محمَّد بن جبير بن مطعم، ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ أنهم صححوه، وقطع به الحافظ
стр. 6
الكبير محمَّد بن موسى الخوارزمي، ورجحه الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه (التنوير في مولد البشير النذير) وقيل: لعشر خلون منه، ورواه ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر، ورواه مجالد عن الشعبي. وقيل: لثنتي عشرة خلت منه نصّ عليه ابن إسحاق، ورواه أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس أنهما قالا: "ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول وفيه بُعث وفيه عُرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات" وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم. وقيل: لسبعة عشر خلت منه، كما نقله ابن دحية عن بعض الشيعة. وقيل: لثمان بقين منه نقله ابن دحية من خط الوزير أبي رافع بن الحافظ أبي محمَّد بن حزم عن أبيه، والصحيح عن ابن حزم الأول أنه لثمان مضين منه كما نقله الحُميدي، وهو أثبت (١٣) ".
فهذه ستة أقوال ذكرها ابن كثير ولا يستند أي قول منها لحديث صحيح، وحديث جابر وابن عباس في تحديده بالثاني عشر لو صحّ لكان فيصلًا في النزاع لكنه ضعيف. قال ابن كثير: "فيه انقطاع" (١٤). وبما أنه لم يثبت تحديد تاريخ المولد فلا بأس من الاستئناس بأقوال أهل الفلك، فقد ذهب غير واحد منهم إلى تحديده باليوم التاسع أو ليلة التاسع من ربيع الأول. مثل: الأستاذ محمود باشا الفلكي (ت ١٣٠٢ هـ) (١٥) كما في هامش (الكامل في التاريخ) (١٦) لابن الأثير. والأستاذ محمَّد سليمان المنصور فوري.
стр. 7
كما نقل ذلك صاحب (الرحيق المختوم) (١٧). قال الفلكي الأستاذ عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد السليم في كتابه: (تقويم الأزمان) في تحقيق مولد النبي ﷺ ما نصه "لقد جاء في كتب التاريخ والسيرة أن النبي ﷺ ولد يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول وقيل لثمان خلون منه وقيل لثنتي عشرة منه وأخذ بذلك جمهور العلماء. وقد ثبت بما لا يّحتمل الشك من النقل الصحيح أن ولادته ﷺ كانت في٢٠ نيسان إبريل سنة ٥٧١ هـ عام الفيل ... كما ثبت من طريق النقل الصحيح أنه وفاته ﷺ كانت في ١٣ ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة وأنه يوافق ٨ حزيران سنة ٦٣٢. وما دامت هذه التواريخ ثابتة ومعروفة فبالإمكان معرفة يوم ولادته ويوم وفاته ﷺ بالدقة، وكذلك مقدار عمره. وبتحويل السنين الرومية إلى أيام فإنها تكون ٢٢٣٣٠ وبتحويل هذه الأيام إلى سنين قمرية كل سنة ١١/ ٢٠ (٣٥٤) فإنه يكون عمره ﷺ ٦٣ سنة وحوالي ٣ أيام ويتفق هذا مع قول الجمهور على أن مبدأ التاريخ الهجري ١٦ تموز حسب الرؤية، وبالحساب ١٥ تموز يتفق مع ١/ ١/١ هـ مع اليوم الأول من شهر محرم أول سنة أُرِّخ فيها التاريخ الهجري وعلى هذا فتكون ولادته ﷺ يوم الاثنين الموافق ٩ ربيع الأول سنة ٥٣ قبل الهجرة، ويوافق ٢٠ نيسان إبريل سنة ٥٧١ هـ نقلًا وحسابًا" (١٨).
قال الشيخ محمَّد بن عثيمين ﵀: "وقد حقق بعض الفلكيين المتأخرين ذلك (أي مولده ﷺ ) فكان اليوم التاسع لا في اليوم الثاني عشر" (١٩).
لقد أخبر ﷺ أنه ولد يوم الاثنين - كما سبق - مع أنه لم يُسأل عن ذلك، وإنما سئل عن صوم يوم الاثنين فأخبر أنه ولد في ذلك اليوم، فصار لصوم الاثنين ثلاث خصال: أنه يوم تُعرض فيه الأعمال على الله - وكَذلك يوم
стр. 8
الخميس -، وأنه يوم وُلد فيه الرسول ﷺ ويوم أُنزل عليه فيه. لكنه ﷺ لم يذكر تاريخ مولده، ولم يسأله صحابته ﵃ عن ذلك - وهم أحرص الناس على الخير- لأنه لا يترتب على ذلك شيء، ولو كان هناك من خير في معرفة ميلاده الشريف ﷺ لما كان له أن يكتمه -وحاشاه- عن أمته.
والذين يحتفلون بميلاده في الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام، إنما يحتفلون بيوم وفاته ﷺ فالمشهور أنه مات في الثاني عشر من ربيع الأول عام إحدى عشرة كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (٢٠)، وغيره.
تذييل: لايخفى على المنصف بدعية الاحتفال بالمولد، ولو سلّمنا بحسن النية لبعض من يفعله، فإنه قد افتقد الشرط الآخر لقبول الأعمال، وهو المتابعة. أما ما يحصل في بعض هذه الموالد من منكرات وفجور، فانظر نموذجًا منه، ذكره المقريزي (٨٤٥ هـ) في: (درر العقود الفريدة) فقال في ترجمة إسماعيل بن يوسف الإنبابي (٢/ ٥٠١): " .. وصار يعمل المولد النبوي كل سنة .. فأذكر أنه عمل المولد على عادته في شهر ربيع الأول من سنة تسع وتسعين وسبعمائة، فهرع الناس لحضور المجتمع، حتى غصّ الفضاء بكثرة العالم، وتنوعوا تلك الليلة في الفسق، لكثرة اختلاط النسوان والمردان بأهل الخلاعة، فتواتر الخبر أنه وُجد في صبيحة تلك الليلة من جرار الخمر التي شُربت بالليل فوق الخمسين، فارغة ملقاة حول الزاوية في المزارع، وافتضت تلك الليلة عدة أبكار، وأُوقدت شموع بمال كبير، فبعث الله يوم الأحد، بكرة صباح ليلة المولد المذكور قاصفًا من الريح كدّرت على من كان هناك، وسفت في وجوههم التراب، واقتلعت الخيام .. "
стр. 9
جلوسة ﷺ وهو صغير على فراس جدّه
روى ابن إسحاق قال: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله قال: "كان يوضع لعبد المطلب جّد رسول الله ﷺ فراش في ظل الكعبة، فكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، وكان رسول الله ﷺ يأتي ويجلس عليه، فيذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول جده عبد المطلب: دعوا ابني فيمسح على ظهره ويقول: إن لبنيّ هذا لشأنًا (١) ".
والعباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب ثقة من السادسة كما في (التقريب) وهو يروي الخبر عن بعض أهله ولا يمكن أن يكون هؤلاء -فضلًا عن جهالتهم- من الصحابة، فالسند فيه انقطاع. ومن طريق ابن إسحاق ذكرها البيهقي في (الدلائل) (٢).
ورواه ابن سعد في (الطبقات) (٣) بنحوه عن شيخه الواقدي، وهو متروك. وقال الذهبي في السيرة من (تاريخ الإِسلام) (٤): "وقال عبد الله بن شبيب وهو ضعيف ثنا أحمد بن محمَّد الأزرقي سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبى يقول .. وذكر القصة". وابن شبيب قال عنه الذهبي: إخباري علامة لكنه واه (٥).
وذكرها ابن كثير (٦) عن ابن إسحاق، وسكت عنها.
стр. 10
الاستسقاء به ﷺ وهو غلام
روى ابن سعد في (الطبقات) (١) قال: أخبرنا هشام بن محمَّد بن السائب الكلبي قال: حدثني الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري عن ابنٍ لعبد الرحمن بن موهب بن رباح الأشعري حليف بني زهرة عن أبيه قال: حدثني مخرمه بن نوفل الزهري قال: سمعتُ أمي رُقيقة بنت أبى صيفي بن هاشم بن عبد مناف تُحدّث وكانت لِدَة عبد المطلب قالت: تتابعت على قريش سنون ذهبن بالأموال وأشفين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلًا يقول في المنام: يا معشر قريش، إن هذا النبي المبعوث منكم، وهذا إبان خروجه وبه يأتيكم الحيا والخصب فانظروا رجلًا من أوسطكم نسبًا طوالًا عظامًا أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار جعدًا سهل الخدّين رقيق العرنين، فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كل بطن رجل، فتطهروا وتطيبوا ثم استلموا الركن، ثم ارقوا رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستقي وتؤمنون فإنكم ستسقون. فأصبحتْ فقصّتْ رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا إليه، وخرج من كل بطن منهم رجل، ففعلوا ما أمرتهم به، ثم عَلَوْا على أبي قبيس ومعهم النبي ﷺ ، وهو غلام، فتقدم عبد المطلب وقال: لا هُمّ هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنات إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف، وأشفت على الأنفس، فأذهبْ عنا الجدب وأتنا بالحيا والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، وبرسول الله ﷺ سُقوا، فقالت رقيقة بنت أبي صيفي بن هشام بن عبد مناف:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا وأجلوّذ (٢) المطر
فجاد بالماء جَوْنيّ له سبل ... دان فعاشت به الأنعام والشجر
مبارك الأمر يُستسقى الغمام به ... وخير من بُشّرت يومًا به مضر
стр. 11
منًّا منَّ الله بالميمون طائر ... ما في الأنام له عدل ولا خطر ا. هـ
وهشام الكلبي متروك. ورواه البيهقي في (الدلائل): (٣) من طريقين في الأول
منهما عبد الغزيز بن عمران وهو متروك أيضًا، والآخر عن زحر بن حصن عن
جده حميد بن منهب، وهما مجهولان كما قال الذهبي (٤). والحديث ذكره
الهيثمي، وقال: رواه الطبرني في الكبير وفيه زحر بن حصن قال الذهبي لا
يُعرف (٥). ورقيقه ترجم لها الحافظ في (الإصابة) (٦) فقال: ذكرها الطبراني
والمستغفري في الصحابة، وقال أبو عمر: وما أُراها أدركت. وعمدة من
ذكرها ما أخرجوه من طريق حميد بن منهب عن عروة بن نصر (*) عن مخرمة
بن نوفل عن أمه رقيقة .. قال أبو موسى (٧) -بعد إيراده-: هذا حديث حسن. وما
نسبه إلى أبي عمر ابن عبد البر من قوله: وما أُراها أدركت، فليس في المطبوع
من (الاستيعاب) (٨) هذه العبارة.
وأورد الذهبي في: السيرة من (تاريخ الإِسلام) (٩) استسقاء أبي طالب به فقال:
"وقال إبراهيم بن محمَّد الشافعي، عن أبيه عن أبان بن الوليد عن أبان بن
ثعلب حدثني جلهمة بن عرفطة قال: "إني لباقاع من نمرة إذ أقبلت عير من
стр. 12
أعلى نجد، فلما حاذت الكعبة إذا غلام قد رمى بنفسه عن عجز بعير .. " إلى أن قال جلهمة: "فهويت رحلي نحو تهامة ... حتى انتهيت إلى المسجد الحرام، وإذا قريش عزين، قد ارتفعت لهم ضوضاء يستسقون، فقائل منهم يقول: اعتمدوا اللات والعزى، وقائل يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى. وقال شيخ وسيم قسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم ﵇ وسلالة إسماعيل؟ قالوا له: كأنك عنيت أبا طالب؟ قال: إيهًا. فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه .. . فقالوا: يا أبا طالب قحط الوادي وأجدب العباد فهلم فاستسق، فقال: رويدكم زوال الشمس وهبوب الريح، فلما زاغت الشمس أو كادت، خرج أبو طالب معه غلام كأنه دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أُغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأضبعه الغلام، وبَصْبصتْ الأغيلمة حوله، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا واغدودق وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وميزان عدل لا يخيس شعيرة ... ربيع (١٠) اليتامي عصمة للأرامل
تطيف به الهلاّك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمه وفواضل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ووزان صدق وزنه غيرعائل (١١)
وأبان بن الوليد إن كان المعيطي فهو مجهول كما في: (اللسان) (١٢) وإلّا فلم
أعرفه، وجلهمة لم أجد له ترجمة حسب بحثي.
стр. 13
وقول أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام ..
ضمن قصيدة طويلة له تزيد على الثمانين بيتًا قالها بعد بعثة الرسول ﷺ .
قال ابن إسحاق: "فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد في أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مُسْلم رسول الله ﷺ ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه، فقال: ... وذكر القصيدة. قال ابن هشام: هذا ما صحّ لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها" (١٣).
قال ابن كثير بعد أن أورد القصيدة: "هذه قصيدة عظيمة بليغة جدًا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعًا" (١٤).
قال الإِمام البخاري ﵀ في كتابة الاستسقاء من صحيحه: "باب سؤال الناس الإِمام الاستسقاء إذا قحطوا": حدثنا عمرو بن علي .. قال: (ابن دينار) سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يُستسقى الُغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقال عمر بن حمزة: حدثنا سالم عن أبيه "ربما ذكرت قول المشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يّجيش كل ميزاب":
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبى طالب. قال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد ذكره مناسبة الأحاديث لترجمة الباب: وأوضح من ذلك ما أخرجه البيهقي في (الدلائل) (١٥) من رواية
стр. 14
مسلم الملائي (١٦) عن أنس قال: "جاء رجل أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله، أتيناك وما لنا بعير يئط ولا صبي يغط. ثم أنشده شعرًا يقول فيه:
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا الرسل
فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فقال: "اللهم أسقنا" الحديث، وفيه: "ثم قال ﷺ : لو كان أبو طالب حيًّا لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟ " فقام عليَّ فقال: يا رسول الله، كأنك أردت قوله: "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه" الأبيات .. وإسناد حديث أنس وإن كان فيه ضعف لكنه يصلح للمتابعة" (١٧).
стр. 15
اشتراكه ﷺ في حرب الفِجَار
قال ابن إسحاق: "هاجت حرب الفجار ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة" قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة، وبين قيس عيلان ... وشهد رسول الله ﷺ بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم، وقال رسول الله ﷺ : "كنت أُنَبِّل على أعمامي. أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها (١) ".
وابن إسحاق ذكر القصة بدون إسناد. وذكرها الذهبي عنه كما في السيرة من (تاريخ الإِسلام) (٢) وابن كثير كما في (البداية والنهاية) (٣).
ورواه ابن سعد عن الواقدي وفيه: "قال رسول الله ﷺ -وذكر الفجار- فقال: قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحبُّ أني لم أكن فعلت (٤) " والواقدي متروك.
وسكت عنها الشيخ الألباني-﵀ في تعليقه على (فقه السيرة (٥)) للغزالي-﵀ لكنه لم يدرجها في (صحيح السيرة النبوية). ولم يذكرها الشيخ محمَّد بن رزق الطرهوني -حفظه الله تعالى- في (صحيح السيرة (٦)) فدلّ على عدم صحتها عندهما. وقال الدكتور أكرم العمري -حفظه الله تعالى-: ولم يثبت أن رسول الله ﷺ شهدها (٧).
стр. 16
مما سبق يتبين أنه لم يثبت اشتراكه ﷺ في حرب الفجار. فلعّل الله تعالى عصمه من المشاركة في هذه الحرب التي وقعت في الأشهر الحرم والله أعلم.
فائدة: قال السُّهيلي: "الفِجَار بكسر الفاء بمعني المفاجرة، كالقتال
والمقاتلة، وذلك أنه كان قتالًا في الشهر الحرام ففجروا فيه جميعًا فسمي
الفجار. وكانت للعرب فجارات أربع آخرها فجار البرّاض المذكور في
السيرة (٨) ".
стр. 17
عمر خديجة ﵂ عند زواجه ﷺ بها .
المشهور في كتب السيرة أن عمرها ﵂ لما تزوجها رسول الله ﷺ كان أربعين سنة، وأنها لما توفيت كانت بنت خمس وستين.
روى ذلك ابن سعد في (الطبقات) عن الواقدي وفيه: "وتزوجها رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة" (١) والواقدي متروك. بل قد رُوي خلاف ذلك، فقد روى الحاكم بسنده عن ابن إسحاق: "وكان لها يوم تزوجها ثمان وعشرون سنة (٢) " لكن ابن إسحاق لم يسند الخبر ثم ساق الحاكم بسنده عن هشام بن عروة قال: "توفيت خديجة بنت خويلد ﵂ وهي ابنة خمس وستين سنة". قال الحاكم: "هذا قول شاذ، فإن الذي عندي أنها لم تبلغ ستين سنة (٣) ".
وقال البيهقي في (الدلائل): "قال أبو عبد الله (الحاكم) قرأت بخط أبي بكر بن أبي خيثمة، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال: .. ثم بلغت خديجة خمسًا وستين سنة، ويقال خمسين سنة. وهو أصح (٤) ".
قال ابن كثير: " .. وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم أنه كان عمر رسول الله ﷺ حين تزوج خديجة خمسًا وعشرين سنة، وكان عمرها إذ ذاك خمسًا وثلاثين، وقيل خمسًا وعشرين سنة (٥) ".
стр. 18
وقال ﵀ عند الحديث عن زوجاته ﷺ : " .. وعن حكيم بن حزام قال: كان عمرها أربعين سنة. وعن ابن عباس: كان عمرها ثمانيًا وعشرين سنة. رواهما ابن عساكر (٦) ".
قال الدكتور أكرم العمري: "وقد أنجبت خديجة ﵁ من رسول الله ﷺ ذَكريْن وأربع إناث مما يرجِّح رواية ابن إسحاق (أي أنها في الثامنة والعشرين)، فالغالب أن المرأة تبلغ سنّ اليأس من الإنجاب قبل الخمسين". (٧)
فائدة: قال الزبير بن بكار (ت ٢٥٦ هـ): "هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة حملت بموسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بعد ستين سنة، وسمعت علماءنا يقولون: لا تحمل امرأة بعد ستين سنة إلا من قريش، ولا بعد خمسين إلا عربية" (٨).
стр. 19
انتظاره ﷺ لرجل ثلاثة أيام
ومما اشتهر في السيرة ما رواه أبو داود عن عبد الله بن أبي الحمساء ﵁ قال: "بايعت (*) النبي ﷺ ببيع قبل أن يبعث وبقيتْ له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: يا فتى لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك". وقد رواه أبو داود من طريق إبراهيم بن طهمان عن بُديل عن عبد الكريم عن [بن] عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن الحمساء. والخلاف هل هو عبد الكريم عن عبد الله أو عبد الكريم بن عبد الله؟ قال أبو داود: قال محمَّد بن يحي (الذهلي شيخ أبي داود في هذا الحديث) هذا عندنا عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق. قال أبو داود: هكذا بلغني عن علي بن عبد الله (١). أهـ
قال الحافظ في (التقريب): عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري: مجهول (٢).
وقال في ترجمة ابن أبي الحمساء في (التهذيب): "له حديث واحد مختلف في إسناده، رواه أبو داود" (٣).
وذكر الإِمام الذهبي ﵀ القصة في السيرة من (تاريخ الإِسلام) وعزاها لأبي داود (٤).
وقال العراقي في (تخريج الإحياء): رواه أبو داود واختلف في إسناده، وقال ابن مهدي: ما أظن إبراهيم بن طهمان إلا أخطأ (٥). أهـ.
стр. 20
إعالته ﷺ لعلي ﵁
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر قال: "كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، ومما صنع الله له، وأراده به من الخير أن قريشًا أصابتها أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه - وكان من أيسر بني هاشم -: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، انطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله .. " وفيه: "أن رسول الله ﷺ أخذ عليًا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فضمه إليه (١) .. ".
ورواه الحاكم من طريق ابن إسحاق، وسكت عنه، وحذفه الذهبي من التلخيص (٢).
وفي الإسناد علتان الإرسال، وعنعنة ابن أبي نجيح فهو مدلِّس.
ويبعد أن يكون سيد قريش وكبيرها -في حينه- أبو طالب عاجزًا عن إعالة أبنائه، وهم أربعة فقط: علي وجعفر وعقيل وطالب. ولا نعلم عن البنات. وإذا كان علي وجعفر صغيرين، فإن الآخران قادران على التكسب، فقد ذكر المؤرخون أن جعفرًا كان أكبر من علي بعشر سنين، وعقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وطالب أكبر من عقيل بعشر سنين (٣).
والقول بأن عليًا ﵁ بادر إلى الإِسلام لكونه كان في حجر النبي ﷺ ، لا يلزم منه تصحيح هذه القصة، كما أن جعفرًا ﵁ كان من السابقين، ومن المهاجرين إلى الحبشة، ولم يتوقف إسلامه على إسلام العباس ﵁ الذي تأخر إلى ما بعد الهجرة بسنوات.
стр. 21
فائدة: روى ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: "كان عليّ أول من آمن بالله من الناس بعد خديجة" ثم قال: هذا إسناد لا مطعن فيه لأحد؛ لصحته وثقة نقلته (٤) ". وقال الذهبي: "وثبت عن ابن عباس قال: أول من أسلم علي (٥) ".
وأخرى: وقال ابن عبد البر: "وقال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي لم يُرْوَ في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل علي بن أبي طالب. وكذا قال النسائي (٦) ".
قال ابن حجر معللًا ذلك بقوله: "وقال غيره (يعني أحمد بن حنبل): وكان سبب ذلك بغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته .. (٧) ".
قال ابن تيمية: "وأحمد بن حنبل لم يقل: إنه صحَّ لعلي من الفضائل مالم يصحّ لغيره، بل أحمد أجلّ من أن يقول مثل هذا الكذب، بل نُقل عنه أنه قال: "روي له ما لم يروَ لغيره" مع أن في نقل هذا عن أحمد كلامًا ليس هذا موضعه (٨) ".
стр. 22
قصة سبي زيد بن حارثة ﵁ -
روى ابن سعد في (الطبقات) بسنده عن هشام بن محمَّد بن السائب الكلبي عن أبيه ... قال: "كان حارثة بن شراحيل تزوج امرأة في طي من نبهان فأولدها جبلة وأسماء وزيدًا ... " وذكر القصة في وقوع زيد في السبي بعد أن أغارت عليهم خيل من تهامة من بني فزارة، ثم بيعه في سوق عكاظ، ورؤية النبي ﷺ له قبل أن يُبعث، ثم شراء خديجة ﵂ له، ومصيره إلى النبي ﷺ ، وفيه قدوم حارثة وبعض عشيرته لطلبه ثم تخيير النبي ﷺ له .. إلى آخر القصة (١)، قال الحافظ في (التهذيب) بعد أن عزاه إلى تمّام في فوائده: "حديث منكر جدًا، وقد أورده الحافظ أبو عبد الله بن مندة في معرفة الصحابة في ترجمته، وقال: إنه لا يُروى إلا بهذا الإسناد. ثم رأيته في المستدرك للحاكم (٢) لكنه لم يصرّح بتصحيحه (٣) ". وإسناد ابن سعد في شيخه هشام وأبوه، وهما متروكان.
وذكر قصته ابن إسحاق في السيرة دون إسناد (٤). وأخرجه ابن عبد البر في (الاستيعاب (٥)) من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: قيل لجبلة بن حارثة أنت أكبر أم زيد؟ قال: زيد خير مني وأنا وُلدت قبله. ثم ذكر قصة وقوع زيد في الأسر مختصرةً، وليس فيها قدوم أبيه وعشيرته وما بعدها. قال أبو عمر بن عبد البر قبل ذكره للقصة: "وبعضهم يُدخل بين أبي إسحاق وجبلة بن حارثة فروة بن نوفل". وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في (التهذيب) في ترجمة
стр. 23
جبلة "الصحيح عن أبي إسحاق عن فروة عنه (٦) " ا. هـ أما كونه كان يسمى زيد بن محمَّد، فهذا رواه البخاري في صحيحه باب ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ من كتاب التفسير، عن ابن عمر ﵁ أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمَّد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ (٧) ورواه مسلم في "فضائل الصحابة" باب فضائل زيد (٨).
وروى الترمذي بسنده عن أبي عمرو الشيباني قال: أخبرني جبلة بن حارثة أخو زيد قال: قدمتُ على رسول الله ﷺ فقلت له يا رسول الله: أبعث معي أخي زيدًا. قال: "هو ذا فإن انطلق معك لم أمنعه" قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك أحدًا، قال: "فرأيتُ رأي أخي أفضل من رأيي" ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن الرومي عن علي بن مسهر (٩) أهـ. وأورده الألباني في "صحيح الترمذي (١٠)).
وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (١١).
стр. 24
محاولة التردي من شواهق الجبال
روى الإِمام البخاري ﵀ في كتاب التعبير من صحيحه (باب أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة) ثم ذكر بسنده عن عائشة ﵂ كيف نزل الوحي على رسول الله ﷺ أول مرة. وفي آخر الحديث: "وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمَّد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك" (١).
قال الحافظ ﵀ في (الفتح): "وقوله هنا (فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا) هذا وما بعده من زيادة مَعْمَر على رواية عقيل ويونس، وصنيع المؤلف يوهم أنه داخل في رواية عُقيل .. والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية مَعْمَر، فقد أخرج طريق عُقيل أبو نُعيم في مستخرجه .. بدونها، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر وبيّن أن اللفظ لمعمر، وكذلك صرّح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضًا، من طريق جمعٍ من أصحاب الليث عن الليث بدونها. ثم إن القائل: "فيما بلغنا" هو الزهري ... وهو من بلاغاته وليس موصولًا. وقال الكرماني: هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمَّد بن كثيرعن مَعْمر بإسقاط قوله "فيما بلغنا" ولفظه: "فترة حزن النبي ﷺ منها حزنا غدا منه" إلى آخره فصار كله مدرجًا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد" (٢).
стр. 25
وكذا ذكر الشيخ الألباني ﵀ لهذه الزيادة العلّتّان السابقتان:
الأولى: تفرّد معمر بها دون يونس وعُقيل، فهي شاذة.
الأخرى: أنها مرسلة معضلة، فإن القائل: "فيما بلغنا" إنما هو الزهري كما
هو ظاهر من السياق ... (٣)
стр. 26
ومما شاع ولم يثبت
ما رواه ابن إسحاق قال: "حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حُدِّث عن خديجة ﵂ أنها قالت لرسول الله ﷺ : أي ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبريل ﵇ كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ : لخديجة: يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى. قال: فقام رسول الله ﷺ فجلس عليها: قالت: هل تراه؟ قال: نعم: قالت: فتحول فاجلس على فخذي اليمنى، قالت: فتحول رسول الله ﷺ فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاجلس في حجري، قالت فتحوّل رسول الله ﷺ فجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم: قال: فتحسّرتْ وألقت خمارها، ورسول الله ﷺ جالس في حجرها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: لا، فقالت: يا ابن عم، أثبت وأبشر، فوالله إنه لملَك وما هذا بشيطان.
قال ابن إسحاق: وقد حدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تُحدِّث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول: أدخلتْ رسول الله ﷺ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل، فقالت لرسول الله ﷺ : إن هذا لملك وما هو بشيطان" (١).
وأسناد ابن إسحاق الأول معضل، فإسماعيل بن أبي حكيم لا يُعرف له سماع عن أحد من الصحابة، وخديجة ﵁ كانت وفاتها قبل الهجرة. وكذا إسناده الآخر فإن فاطمة بنت الحسين روايتها عن جدتها فاطمة بنت النبي ﷺ مرسلة، فكيف عن خديجة؟
ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقي في (الدلائل (٢)).
стр. 27
ثم طبع المجلد الثالث عشر من (الضعيفة) وقد ذُكر فيه هذه القصة، وتعقب الشيخ الألباني الهيثمي ﵀ في قوله: -بعد أن عزاه للطبراني-: "إسناده حسن" (٣). بقوله: "هو كذلك لولا ما يأتي .. " وذكر علتين:
١ - ضعف يحيى بن سليمان بن نضلة المديني.
٢ - مخالفته لمن هو أوثق منه (٤).
فائدة: وقد أخرج مسلم عن عائشة ﵁ قوله ﷺ عن جبريل: " .. ولم يكن يدخل عليكِ وقد وضعتِ ثيابك .. (٥) ".
فائدة: وروى البخاري في صحيحة قوله ﷺ لأم سلمة ﵂: "يا أم سلمة لاتؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها (٦) ".
стр. 28
تحديد الدعوة السرية بثلاث سنين
قال ابن إسحاق ﵀: " ... وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره، واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينة ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه ... (١) " هكذا ذكره دون إسناد.
وروى هذا التحديد أيضًا ابن سعد، قال أخبرنا محمَّد بن عمر ... عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: " ... فكان (رسول الله ﷺ ) يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيًا إلى أن أُمر بظهور الدعاء (٢) "
ومحمد بن عمر هو الواقدي، وهو متروك، والقاسم تابعي.
وروى البلاذُري عن عائشة ﵁ قالت: "دعا رسول الله ﷺ سرًا أربع سنين (٣) ".
ولا ريب أن الدعوة كانت سرية في بداية الأمر، لكن تحديدها بثلاث سنوات أو أربع، لم يثبت، وبالتالي فإن بناء أحكام شرعية عليها بهذا التحديد، لا دليل عليه - والله أعلم -.
стр. 29
لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري
قال ابن إسحاق-﵀: "وحدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث: أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة (١)، بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي: كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر مالا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال رسول الله ﷺ : يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته. قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يابن أخي، قال: فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا (٢) ".
قال الشيخ الألباني ﵀ "وهذا إسناد ضعيف معضل، يعقوب بن عتبة هذا من ثقات أتباع التابعين، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقد وجدتُ للحديث طريقًا أخرى بسند حسن، لكن بلفظ:
"ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تشعلوا لي منها شعلة، يعنى الشمس (٣) " وأحال الشيخ الألباني ﵀ على: (الصحيحة) في التخريج، وقال هناك في تخريج هذا الحديث الأخير: "رواه أبو جعفر البختري ... وابن عساكر من طريق أبي يعلي وغيره كلاهما عن يونس بن بُكير، أخبرنا طلحة بن يحي عن موسى بن طلحة قال: حدثنى عقيل بن أبي طالب قال: "جاءت
стр. 30
قريش إلى أبي طالب فقالوا: أرأيتَ أحمد؟ يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل، ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي إنّ بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم، وفي مسجدهم، فانته عن ذلك. قال: فلحظ رسول الله ﷺ ببصره (وفي رواية: فحلّق رسول الله ﷺ ببصره) إلى السماء فقال: (فذكره قال) فقال أبو طالب: ماكذب ابن أخي. فارجعوا".
قلت (الألباني): "هذا إسناد حسن رجاله كلهم رجال مسلم، وفي يونس بن بُكير وطلحة بن يحيى كلام لا يضر (٤) ". اهـ
وذكر الإِمام الذهبي ﵀ الخبريْن في السيرة، وقال عن حديث عقيل: "رواه البخاري في (التاريخ) عن أبي كُريب عن يونس (٥) ".
وحسّنه الحافظ ابن حجر ﵀ (٦).
стр. 31
عرضُ قريش على أبي طالب عُمارة بن الوليد بدل محمَّد ﷺ
قال ابن إسحاق ﵀: "ثم إن قريشًا حين عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له فيما بلغنا: "يا أبا طالب قد جئناك بفتى قريش عمارة بن الوليد، جمالًا وشبابًا ونهادة، فهو لك نصره وعقله، فاتخذه ولدًا، لاتُنازع فيه، وخلّ بيننا وبين ابن اخيك هذا، الذي فارق دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومه، وسفّه أحلامهم، فإنما رجل كرجل، لنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة، وأفضل في عواقب الأمور مغبة". فقال لهم أبو طالب: "والله ما أنصفتموني، تعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابن أخي تقتلونه! هذا والله لا يكون أبدًا. أفلا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحنّ إلى غيره؟ " فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: "لقد أنصفك قومك يا أبا طالب. وما أراك تريد أن تقبل ذلك منهم". فقال أبو طالب للمطعم بن عدي: "والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت على خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك (١) ".
وهذا مرسل ساقه ابن إسحاق بدون إسناد.
ورواه ابن سعد في (الطبقات) (٢) عن شيخه محمَّد بن عمر الواقدي. وذكرها الذهبي في (السيرة) (٣) عن ابن إسحاق.
فائدة: قال ابن كثير ﵀: "وكان استمراره (أبو طالب) على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذا لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة. ولا كانوا يهابونه
стр. 32
ويحترمونه، ولاجترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار (٤) ".
وقال ﵀ في موضع آخر: " .. ولكن مع هذا لم يقدّر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه (٥) ".
стр. 33
أهذا الجُعَل إلهك ؟
قال ابن إسحاق ﵀: "وحدثني حكيم بن جُبيرعن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: "أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يُعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه، ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضُّر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: آللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمرّ بهم فيقولون له: أهذا الجُعَل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداءً منهم مما يبلغون من جَهْده (١) ".
وحكيم بن جبير تكلم فيه الأئمة، فقد ضعّفه أحمد، ويعقوب بن شيبة وأبو حاتم وغيرهم، وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو زرعة: محله الصدق (٢).
ويغني عن هذا الحديث في ما لقيه الصحابة من التعذيب أحاديث منها: ما رواه الإِمام أحمد في (المسند) (٣) وفي (فضائل الصحابة) (٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: "إن أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمار وأمّه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة، وهو يقول: أَحدٌ أَحدٌ". ورواه أيضًا
стр. 34
ابن ماجه (٥)، والحاكم (٦) وصححه، والبيهقي في (الدلائل (٧)) وغيرهم. وصححه الذهبي (٨)، وأحمد شاكر، وحسنه الألباني (٩)، والوادعي (١٠)، والعودة (١١)، والحميّد (١٢).
стр. 35
يابني عبد مناف أي جوار هذا ؟
وممّا شاع ولم يثبت في السيرة النبوية ما أخرجه ابن سعد قال: أخبرنا محمَّد بن عمر أخبرنا ... عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "كنتُ بين شرّ جاريْن، بين أبي لهب وعقبة بن أبي مُعيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي، حتى إنهم ليأتون ببعض مايطرحون من الأذى فيطرحونه على بابي، فيخرج به رسول الله ﷺ فيقول: يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه بالطريق (١) ".
وشيخ ابن سعد هو الواقدي متروك.
وأذيّة قومه له ﷺ ثابتة بالأحاديث الصحيحة وليست بحاجة إلى مثل هذا الأثر الضعيف جدًا.
стр. 36
عبيد الله بن جحش هل تنصّر (*)؟
اشتهر في كتب السيرة أن عبيد الله بن جحش قد تنصّر في أرض الحبشة، وكان قد هاجر إليها مع زوجه أم حبيبة فهل ثبتت ردته بسند صحيح؟
قال ابن إسحاق ﵀ في ذكر بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: "تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع؟ التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ... وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصَّر، وفارق الإِسلام، حتى هلك هناك نصرانيًا". ثم قال ابن إسحاق: "فحدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش - حين تنصر - يمرّ بأصحاب رسول الله ﷺ وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقّحنا وصأصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تبصروا بعد ... (١) ".
وشيخ ابن إسحاق هنا محمَّد بن جعفر بن الزبير بن العوام وهو ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأحد منها لقاء أحد من الصحابة، فالخبر مرسل. ثم ذكره -ابن إسحاق- في قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فقال: "حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: "خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلمًا، فلما قدم أرض الحبشة تنصر،
стр. 37
قال: فكان إذا مرّ بالمسلمين (٢) " وذكر نحو ما سبق. وهذا سند صحيح لكنه مرسل. وهو أصحّ ما ورد في تنصر ابن جحش.
وذكره أيضًا في تزويج النبي ﷺ أم حبيبة ﵁ -فقال: "ثم تزوج رسول الله ﷺ بعد زينب، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند عبد الله [عبيد الله] بن جحش. فمات عنها بأرض الحبشة، وقد تنصر بعد إسلامه ... (٣) ". والخبر هنا بدون إسناد.
وروى القصة ابن سعد في (الطبقات) فقال: أخبرنا محمَّد بن عمر، حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه، ففزعتُ، فقلتُ: تغيّرتْ والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أرَ دينًا خيرًا من النصرانية، وكنت قد دِنتُ بها، ثم دخلت في دين محمَّد ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيتُ له، فلم يحفل بها، وأكبَّ على الخمر حتى مات (٤) " ...
ورواه أيضًا في ذكر عدد أزواج النبي ﷺ فقال عند ذكر أم حبيبة ﵁ "وكانت قبل رسول الله ﷺ عند عبيد الله بن جحش، وكان قد أسلم وهاجر إلى الحبشة .. ثم ارتد، وتنصر، فمات هناك على النصرانية (٥) ".
وشيخ ابن سعد في الخبريْن هو الواقدي، وهو متروك على سعة علمه.
ورواه الحاكم في (المستدرك) عن الزهري مرسلًا وفيه: " .. ثم افتتن وتنصر فمات وهو نصراني، وأثبت الله الإِسلام لأم حبيبة ... وأبت أن تتنصّر (٦) ... "
стр. 38
ورواه موصولًا من طريق الواقدي، وفيه رؤيا أم حبيبة (٧)، كرواية ابن سعد. "ومراسيل الزهري ضعيفة (٨) " قال الإِمام الذهبي-﵀: "قال يحي بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرٌّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يُسمّي سَمّى، وإنما يَترك من لا يحب أن يسميه. قلت (الذهبي): مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه إثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله ... ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدرِ ما يقول، نعم كمرسل قتادة ونحوه (٩) ".
وروى الخبر الطبري ﵀ في تاريخه، في: "ذِكْر الخبر عن أزواج رسول الله ﷺ " عن هشام بن محمَّد مرسلًا وفيه عند ذكر أم حبيبة: "فتنصر زوجها، وحاولها أن تتابعه فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية (١٠) " والخبر فضلًا عن إرساله، فإنه عن هشام بن محمَّد بن السائب الكلبي وهو رافضي متروك. قال الإِمام أحمد ﵀: "إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحدًا يُحَدِّثُ عنه (١١) " ونقله ابن الأثير في تاريخه (١٢) عن ابن الكلبي أيضًا.
ورواه البيهقي ﵀ في (الدلائل) من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: "ومن بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن جحش، مات بأرض الحبشة نصرانيًا ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فخلف عليها رسول الله ﷺ ، أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة .. (١٣) " والخبر فيه
стр. 39
علتان؛ الإرسال، وضعف ابن لهيعة. والمتن هنا فيه غرابة، قال ابن كثير ﵀: "وأما قول عروة أن عثمان زَوَّجَهَا منه فغريب؛ لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية (١٤) ".
وعبيد الله بن جحش لم يُترجم له ابن عبد البر في (الاستيعاب) ولا ابن الأثير في (أُسد الغابة) ولا ابن حجر في (الإصابة). وفي ترجمة أخيه عبد الله ﵁ في (الإصابة) لم يذكر ابن حجر شيئًا، أما ابن عبد البر فقد قال في (الاستيعاب) في ترجمة عبد الله: " .. وكان هو وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش من المهاجرين الأوليين ممنّ هاجر الهجرتين، وأخوهما عبيد الله بن جحش تنصر بأرض الحبشة، مات بها نصرانيًا وبانت منه امرأته أم حبيبة .. (١٥) " وكذا ذكر ابن الأثير في ترجمة عبد الله.
وفي ترجمة أم حبيبة ﵂ في (الإصابة): قال ابن حجر: "لما تنصر زوجها عبيد الله، وارتد عن الإِسلام، فارقها، فأخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال ... (١٦) " وذكر القصة التي أوردها ابن سعد عن الواقدي، وسبقت.
وفي ترجمتها في (التهذيب) لم يذكر الحافظ تنصّر عبيد الله بل قال: "هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش هناك، ومات فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك، سنة ست، وقيل سنة سبع (١٧) " وقال الذهبي ﵀ في (السير) في ترجمة أم حبيبة ﵂ (ابن سعد أخبرنا الواقدي: أخبرنا وذكر رؤياها ﵂ وردّة زوجها، ثم قال (الذهبي): "وهي منكرة (١٨) " ولم يبين ﵀ وجه النكارة.
стр. 40
ومما يرجّح أن خبر ردته غير صحيح أن الروايات الصحيحة في نكاحه ﷺ بأمِّ حبيبة ﵂ لم تذكر شيئًا من ذلك، فقد روى الإِمام أحمد بسند صحيح من طريق الزهري عن عروة عن أمِّ حبيبة ﵂ "أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان أتى النجاشي فمات، وأن رسول الله ﷺ تزوج أمِّ حبيبة وإنها بأرض الحبشة، زوّجها إياه النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف (١٩) " ورواه أيضًا أبو داود (٢٠)، والنسائي (٢١).
مما سبق يتبين -والله أعلم- أن قصة ردة عبيد الله بن جحش لم تثبت، لعدة
أدلة منها:
١ - أنها لم تُروَ بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي، والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن تحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه، فيها الحكم على أحد السابقين الأولين بالردة.
٢ - أن الروايات الصحيحة في زواجه ﷺ -بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق، كما في الرواية السابقة عند أحمد وأبي داود والنسائي.
٣ - أنه يبعد أن يرتدّ أحد السابقين الأولين للإسلام عن دينه، وهو ممّن هاجر فرارًا بدينه مع زوجه إلى أرض بعيدة غريبة. خاصة أن عبيد الله بن جحش ممن هجر ما عليه قريش من عبادة الأصنام، والتماسه مع ورقة، وغيره الحنيفية- كما في رواية ابن إسحاق (بدون سند) الواردة أول هذا البحث - وفي رواية ابن سعد (عن الواقدي) أنه كان قد دان بالنصرانية قبل الإِسلام، ومعلوم أن البشارة ببعثة الرسول ﷺ كانت معروفة عند أهل الكتاب من يهود ونصارى، فكيف يتصور من رجل يترقب الدين الجديد أن يعتنقه ثم يرتد عنه لدين