← Сира

Сира · id 97932

ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية

محمد بن عبد الله العوشن

Полный текст (232 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عبيد الله بن جحش هل تنصّر (*)؟ اشتهر في كتب السيرة أن عبيد الله بن جحش قد تنصّر في أرض الحبشة، وكان قد هاجر إليها مع زوجه أم حبيبة فهل ثبتت ردته بسند صحيح؟ قال ابن إسحاق ﵀ في ذكر بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: "تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع؟ التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ... وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصَّر، وفارق الإِسلام، حتى هلك هناك نصرانيًا". ثم قال ابن إسحاق: "فحدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش - حين تنصر - يمرّ بأصحاب رسول الله ﷺ وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقّحنا وصأصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تبصروا بعد ... (١) ". وشيخ ابن إسحاق هنا محمَّد بن جعفر بن الزبير بن العوام وهو ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأحد منها لقاء أحد من الصحابة، فالخبر مرسل. ثم ذكره -ابن إسحاق- في قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فقال: "حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: "خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلمًا، فلما قدم أرض الحبشة تنصر،

стр. 37

قال: فكان إذا مرّ بالمسلمين (٢) " وذكر نحو ما سبق. وهذا سند صحيح لكنه مرسل. وهو أصحّ ما ورد في تنصر ابن جحش. وذكره أيضًا في تزويج النبي ﷺ أم حبيبة ﵁ -فقال: "ثم تزوج رسول الله ﷺ بعد زينب، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند عبد الله [عبيد الله] بن جحش. فمات عنها بأرض الحبشة، وقد تنصر بعد إسلامه ... (٣) ". والخبر هنا بدون إسناد. وروى القصة ابن سعد في (الطبقات) فقال: أخبرنا محمَّد بن عمر، حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه، ففزعتُ، فقلتُ: تغيّرتْ والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أرَ دينًا خيرًا من النصرانية، وكنت قد دِنتُ بها، ثم دخلت في دين محمَّد ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيتُ له، فلم يحفل بها، وأكبَّ على الخمر حتى مات (٤) " ... ورواه أيضًا في ذكر عدد أزواج النبي ﷺ فقال عند ذكر أم حبيبة ﵁ "وكانت قبل رسول الله ﷺ عند عبيد الله بن جحش، وكان قد أسلم وهاجر إلى الحبشة .. ثم ارتد، وتنصر، فمات هناك على النصرانية (٥) ". وشيخ ابن سعد في الخبريْن هو الواقدي، وهو متروك على سعة علمه. ورواه الحاكم في (المستدرك) عن الزهري مرسلًا وفيه: " .. ثم افتتن وتنصر فمات وهو نصراني، وأثبت الله الإِسلام لأم حبيبة ... وأبت أن تتنصّر (٦) ... "

стр. 38

ورواه موصولًا من طريق الواقدي، وفيه رؤيا أم حبيبة (٧)، كرواية ابن سعد. "ومراسيل الزهري ضعيفة (٨) " قال الإِمام الذهبي-﵀: "قال يحي بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرٌّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يُسمّي سَمّى، وإنما يَترك من لا يحب أن يسميه. قلت (الذهبي): مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه إثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله ... ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدرِ ما يقول، نعم كمرسل قتادة ونحوه (٩) ". وروى الخبر الطبري ﵀ في تاريخه، في: "ذِكْر الخبر عن أزواج رسول الله ﷺ " عن هشام بن محمَّد مرسلًا وفيه عند ذكر أم حبيبة: "فتنصر زوجها، وحاولها أن تتابعه فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية (١٠) " والخبر فضلًا عن إرساله، فإنه عن هشام بن محمَّد بن السائب الكلبي وهو رافضي متروك. قال الإِمام أحمد ﵀: "إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحدًا يُحَدِّثُ عنه (١١) " ونقله ابن الأثير في تاريخه (١٢) عن ابن الكلبي أيضًا. ورواه البيهقي ﵀ في (الدلائل) من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: "ومن بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن جحش، مات بأرض الحبشة نصرانيًا ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فخلف عليها رسول الله ﷺ ، أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة .. (١٣) " والخبر فيه

стр. 39

علتان؛ الإرسال، وضعف ابن لهيعة. والمتن هنا فيه غرابة، قال ابن كثير ﵀: "وأما قول عروة أن عثمان زَوَّجَهَا منه فغريب؛ لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية (١٤) ". وعبيد الله بن جحش لم يُترجم له ابن عبد البر في (الاستيعاب) ولا ابن الأثير في (أُسد الغابة) ولا ابن حجر في (الإصابة). وفي ترجمة أخيه عبد الله ﵁ في (الإصابة) لم يذكر ابن حجر شيئًا، أما ابن عبد البر فقد قال في (الاستيعاب) في ترجمة عبد الله: " .. وكان هو وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش من المهاجرين الأوليين ممنّ هاجر الهجرتين، وأخوهما عبيد الله بن جحش تنصر بأرض الحبشة، مات بها نصرانيًا وبانت منه امرأته أم حبيبة .. (١٥) " وكذا ذكر ابن الأثير في ترجمة عبد الله. وفي ترجمة أم حبيبة ﵂ في (الإصابة): قال ابن حجر: "لما تنصر زوجها عبيد الله، وارتد عن الإِسلام، فارقها، فأخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال ... (١٦) " وذكر القصة التي أوردها ابن سعد عن الواقدي، وسبقت. وفي ترجمتها في (التهذيب) لم يذكر الحافظ تنصّر عبيد الله بل قال: "هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش هناك، ومات فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك، سنة ست، وقيل سنة سبع (١٧) " وقال الذهبي ﵀ في (السير) في ترجمة أم حبيبة ﵂ (ابن سعد أخبرنا الواقدي: أخبرنا وذكر رؤياها ﵂ وردّة زوجها، ثم قال (الذهبي): "وهي منكرة (١٨) " ولم يبين ﵀ وجه النكارة.

стр. 40

ومما يرجّح أن خبر ردته غير صحيح أن الروايات الصحيحة في نكاحه ﷺ بأمِّ حبيبة ﵂ لم تذكر شيئًا من ذلك، فقد روى الإِمام أحمد بسند صحيح من طريق الزهري عن عروة عن أمِّ حبيبة ﵂ "أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان أتى النجاشي فمات، وأن رسول الله ﷺ تزوج أمِّ حبيبة وإنها بأرض الحبشة، زوّجها إياه النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف (١٩) " ورواه أيضًا أبو داود (٢٠)، والنسائي (٢١). مما سبق يتبين -والله أعلم- أن قصة ردة عبيد الله بن جحش لم تثبت، لعدة أدلة منها: ١ - أنها لم تُروَ بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي، والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن تحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه، فيها الحكم على أحد السابقين الأولين بالردة. ٢ - أن الروايات الصحيحة في زواجه ﷺ -بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق، كما في الرواية السابقة عند أحمد وأبي داود والنسائي. ٣ - أنه يبعد أن يرتدّ أحد السابقين الأولين للإسلام عن دينه، وهو ممّن هاجر فرارًا بدينه مع زوجه إلى أرض بعيدة غريبة. خاصة أن عبيد الله بن جحش ممن هجر ما عليه قريش من عبادة الأصنام، والتماسه مع ورقة، وغيره الحنيفية- كما في رواية ابن إسحاق (بدون سند) الواردة أول هذا البحث - وفي رواية ابن سعد (عن الواقدي) أنه كان قد دان بالنصرانية قبل الإِسلام، ومعلوم أن البشارة ببعثة الرسول ﷺ كانت معروفة عند أهل الكتاب من يهود ونصارى، فكيف يتصور من رجل يترقب الدين الجديد أن يعتنقه ثم يرتد عنه لدين

стр. 41

منسوخ؟ كما أن زواج النبي ﷺ بأمِّ حبيبة كان في سنة ست، وقيل سبع، وردة عبيد الله المزعومة قبل ذلك بفترة وهي مرحلة كان الإِسلام قد علا فيها وظهر حتى خارج الجزيرة العربية، بل أصبح هناك من يظهر الإِسلام ويبطن الكفر، كحال المنافقين. ٤ - في حوار هرقل مع أبي سفيان -وكان إذ ذاك مشركًا - أن سأله ضمن سؤالاته: "هل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فأجاب أبو سفيان: لا" ولو كان عبيد الله قد تنصر لوجدها أبو سفيان فرصة للنيل من النبي ﷺ ودعوته. كما فعل لما سُئل "فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أُدخل فيها شيئًا غير هذا الكلمة (٢٢) " ولا يمكن القول بأن أبا سفيان لم يعلم بردة عبيد الله - لو صحت ردته - لأنه والد زوجه أم حبيبة. وبعد، فالمسألة متعلقة بأحد أصحاب رسول الله ﷺ ، بل ومن السابقين الأولين، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فإن صحّ السند بخبر ردته فلا كلام، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، أما والسند لم يثبت فإن نصوص الشريعة حافلة بالذبّ عن عرض المسلم، فكيف إذا كان هذا المسلم صحابيًا بل ومن السابقين؟. تتمة: وقد أخرج ابن حبان في صحيحه (٢٣)، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عفير قال حدثنا الليث عن ابن مسافر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: "ثم هاجر عبيد الله بن جحش بأم حبيبة بنت أبي سفيان وهي امرأته إلى أرض الحبشة، فلما قدم الحبشة مرض، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى

стр. 42

رسول الله ﷺ ، فتزوج رسول الله أم حبيبة، وبعث معها النجاشي شرحبيل بن حسنة".

стр. 43

والسكران بن عمرو هل تنصّر ؟ وإن كانت شهرة هذه القصة دون سابقتها بكثير، ذلك أنه لم يرو فيها شيء صحيح، بل ولا ضعيف - فيما أعلم - وقد ترجم له الحافظ في (الإصابة) فقال: "السكران بن عمرو بن عبد شمس ... أخو سهيل بن عمرو، ذكره موسى بن عقبة في مهاجرة الحبشة، وكذا قال ابن إسحاق وزاد أنه رجع إلى مكة فمات بها، فتزوج النبي ﷺ بعده زوجته سودة بنت زمعة ... وزعم أبو عبيدة (١) أنه رجع إلى الحبشة فتنصّر بها ومات، وقال البلاذري: الأول أصح، ويقال: إنه مات بالحبشة (٢) ". وترجم له ابن عبد البر في (الاستيعاب) (٣) ولم يذكر شيئًا عن تنصّره. وليس في سيرة ابن إسحاق ذكرٌ لردته عند الحديث عن: "تسمية من هاجر إلى أرض الحبشة من مكة (٤) " بل في حديثه عن "تزويج النبي ﷺ سودة بنت زمعة " قال ﵀ بدون سند - "ثم تزوج رسول الله ﷺ بعد خديجة سودة بنت زمعة وكانت قبله عند السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو، وكان ابن عمها، تزوجها وهي بكر، فهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مكة فمات عنها مسلمًا بمكة فتزوجها رسول الله ﷺ (٥) ". وليس في ترجمته من (طبقات ابن سعد (٦)) شيء عن ردّته، ولا عند ذكر سودة ﵂ في أزواج النبي ﷺ (٧). ولم يشر إلى شيء من ذلك الذهبي في (السير) ولا تلميذه ابن كثير في (البداية) ﵀ وقال ابن جرير الطبري ﵀ في تاريخه: "ذكْرُ

стр. 44

الخبرعن أزواج رسول الله ﷺ " ... "وأما سودة فإنها كانت امرأة ثيبًا، قد كان لها قبل النبي ﷺ زوج، وكان زوجها قبل النبي ﷺ السكران بن عمرو بن عبد شمس - وكان السكران من مهاجرة الحبشة فتنصّر ومات بها (٨) " ولم يذكر ﵀ سندًا لذلك. وساق ابن الأثير عن ابن الكلبي خبر تنصره (٩)، والكلبي متروك. وما ذكره الحافظ في (الإصابة) عن أبي عبيدة في تنصّر السكران، لم أجده في مظنته، وهو كتاب: (أزواج النبي ﷺ وأولاده) (١٠) لأبي عبيدة معمر بن المثني، حيث لم يذكر شيئًا عن ردة السكران، عند حديثه عن سودة بنت زمعة ﵂.

стр. 45

قصة الأراشي قال ابن إسحاق ﵀: "حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان الثقفي، وكان واعية، قال: قدم رجل من إراش - قال ابن هشام - ويقال: إراشة - بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشي حتى وقف على نادٍ من قريش، ورسول الله ﷺ في ناحية المسجد جالس، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤدّيني على أبي الحكم بن هشام، فإني رجل غريب ابن سبيل، وقد غلبني على حقي؟ فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل الجالس -لرسول الله ﷺ - وهم يهزؤن به، لِمَا يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة - اذهب إليه، فإنه يؤديك عليه. فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قِبَله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألتُ هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه يرحمك الله. قال: انطلق إليه، وقام معه رسول الله ﷺ َ، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ماذا يصنع. قال: وخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمَّد، فأخرج إليّ، فخرج إليه وما في وجهه من رائحة، قد إنتقع لونه، فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، قال: فدخل فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه، قال: ثم انصرف رسول الله ﷺ وقال للأراشي: الحقْ بشأنك، فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرًا، فقد والله أخذ لي حقي، قال: وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال: عجبًا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه، فقال له: أعط هذا حقه، فقال: نعم، لا تبرح حتى أُخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه. قال: ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا له: ويلك! مالك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط، قال:

стр. 46

ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي، وسمعت صوته فمُلئت رُعبًا، ثم خرجتُ إليه، وإن فوق رأسه لفحلًا من الإبل، ما رأيت مثل هامته، ولا قَصَرته، ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيْتُ لأكلني (١) ". وعبد الملك شيخ ابن إسحاق ترجم له ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل (٢)) وسكت عنه. ثم إن الخبر مرسل. وذكرها ابن كثيرعن ابن إسحاق، وسكت عنها (٣).

стр. 47

الفحل الذي عرض لأبي جهل قال يونس بن بُكيرعن ابن إسحاق قال: حدثني شيخ من أهل مكة (١) قديم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ وذكر قصة طويلة في مفاوضة بين كفار مكة والرسول ﷺ " ... فلما قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، ليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام وكان إذا صلى صلّى بين الركنين الأسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله ﷺ يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله ﷺ ، احتمل (أبو جهل) الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع متهيبًا (منهزمًا) منتقعًا قد تغير لونه مرعوبًا، قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت (إليه) رجال من قريش فقالوا مالك يا أبا الحكم؟ فقال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط. فهمّ أن يأكلني" قال ابن إسحاق: فذُكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "ذاك جبريل لو دنا لأخذه (٢) ".

стр. 48

وشيخ ابن إسحاق مجهول. قال البيهقي-﵀: "ابن إسحاق إذا لم يذكر اسم من حدّث عنه لم يُفرح به (٣) ". وذكر الفحل قد ورد في قصة الأراشي، وسندها ضعيف كما سبق. ومن النكارة في هذه الرواية قول أبي جهل: وإني أعاهد الله! في حين تجد في رواية مسلم الآتية أنه أقسم باللات والعزى. وقد أخرج الحاكم نحوًا من هذه القصة من طريق عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، ثم قال الحاكم: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: فيه عبد الله بن صالح وليس بعمده، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك" (٤). وقد روى مسلم ﵀ في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا (٥) " ورواه البخاري ﵀ في صحيحه مختصرًا عن ابن

стр. 49

عباس ﵁ قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي ﷺ فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة (٦) ". فائدة: قال الحافظ ابن حجر-﵀: "وإنما شُدّد الأمر في حق أبي جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبي معيط حيث طرح سلى الجزور على ظهره ﷺ وهو يصلي ... لأنهما وإن اشتركا في مطلق الأذية حالة صلاته لكن زاد أبو جهل بالتهديد وبدعوى أهل طاعته، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عُقبة بدعائه ﷺ عليه وعلى من شاركه في فعله فقتلوا يوم بدر (٧) ". ا. هـ ومعلوم أن أبا جهل هو الذي طرح الرأي بإلقاء سلى الجزور، كما روى ذلك مسلم في صحيحه (٨). وانظر -يارعاك الله- كيف ظل أبو جهل على كفره وعناده، وهو يرى عيانًا نصرة الله تعالى لرسوله ﷺ ، وحمايته له! نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 50

عرض قريش أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة قال ابن إسحاق ﵀: "واعترض رسولَ الله ﷺ وهو يطوف بالكعبة -فيما بلغني- الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم. فقالوا: يا محمَّد هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا مثله، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ... ﴾ (١) فساقها ﵀ بدون إسناد. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس ﵂ قال: "قالت قريش للنبي ﷺ : كفّ عن آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فنزلت" وفي إسناده أبو خلف عبد الله بن عيسى، وهو ضعيف (٢) ". وأوردها الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره بصيغة التضعيف فقال: "وقيل إنهم (كفار قريش) من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة ... (٣) ".

стр. 51

قصة إسلام حمزة ﵁ قال ابن إسحاق-﵀: "حدثني رجل من أسلم، كان واعية: أن أبا جهل مرّ برسول الله ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ ، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك ... " وذكر القصة في إخبار هذه المولاة لحمزة -وقد قدم من الصيد- بما حدث لابن أخيه، فأخذته الحمية، وتوجه لأبي جهل فشجه شجة منكرة، ثم قال: "أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ... (١) ". ومن طريق ابن إسحاق رواه الحاكم، وأعله الذهبي بالإعضال (٢). والرجل الذي روى عنه ابن إسحاق مبهم فهو مجهول، ثم إن الحديث مرسل. وروى ابن سعد القصة مختصرة كما في (الطبقات (٣))، من طريق الواقدي، وذكرها الهيثمي في (مجمع الزوائد) وقال: "رواه الطبراني مرسلًا (عن محمد بن كعب القُرَظي) ورجاله رجال الصحيح" وشيخ الطبراني إسماعيل بن الحسن الخفاف قال كل من العمري والطرهوني: لم أجد له ترجمة (٤). ثم ذكر (الهيثمي) رواية أخرى عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق، وقال: "رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات (٥) " ا. هـ. ويعقوب بن عتبة ثقة لكنه من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأصحابها لقاء أحد من الصحابة (٦). وفي السند أيضًا ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن.

стр. 52

وسكت عن القصة الشيخ الألباني ﵀ في تعليقه على (فقه السيرة) (٧) ولم يذكرها في (صحيح السيرة). وقال الدكتور أكرم العمري -وفقه الله-: "وقد أسلم حمزة في وقت اشتدت فيه جرأة قريش على رسول الله ﷺ ، ولكن تفصيل قصة إسلامه لم تثيت من طريق صحيحة (٨) ".

стр. 53

قصة إسلام عمر ﵁ وقصة إسلامه ﵁ رواها ابن إسحاق بقوله: "وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن زيد ... (١) " وذكر القصة المشهورة في إسلامه وفيها: أنه قد خرج متوشحًا سيفه يريد رسول الله ﷺ فلقيه رجل فأخبره بإسلام أخته وزوجها فأتاهما وسألهما عما سمع من كلامهما قبل دخوله، ثم ضَرْبه أخته، وقراءته لما كان معهم وكانت سورة (طه) ودخول الإِسلام قلبه. وفي رواية يونس بن بُكير عن ابن إسحاق قال: "ثم إن قريشًا بعثت عمر بن الخطاب وهو يومئذ مشرك في طلب رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ في دارٍ في أصل الصفا، ولقيه النحام، وهو نُعيم بن عبد الله بن أسد ... قال: وأسلم قبل ذلك، وعمر متقلد سيفه ... (٢) " وذكر القصة. وقصة إسلامه ﵁ على شهرتها فإن لم تروَ- حسب علمي - بسند صحيح موصول. وقد ذكر الشيخ محمَّد بن رزق الطرهوني -حفظه الله - ثمانية طرق لها وهي -باختصار- كالتالي: ١ - ابن عساكر قال: أخبرنا أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي ... عن سعيد بن يحيى بن قيس بن عيسى عن أبيه ... ورواه عبد العزيز الجرمي في فوائده من الطريق نفسه إلا أنه قال: عن أبيه عن عمر. ٢ - ابن سعد والدراقطني والحاكم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، من طرق عن إسحاق بن يوسف الأزرق قالة أخبرني القاسم بن عثمان البصري عن أنس قال: "خرج عمر متقلّد السيف ... " وقال (*): رجاله ثقات إلا القاسم، قال

стр. 54

عنه البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال الدراقطني: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان (الثقات). ٣ - ابن إسحاق. (وهو ما ذُكر أول البحث) ٤ - البزار عن إسحاق بن إبراهيم الحُنيني عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده ... ٥ - ابن عائذ في مغازيه قال: أخبرني الوليد بن مسلم قال: حدثني عمر بن محمَّد قال: حدثني أبي محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر ... وقال (*): وهذا إسناد صحيح في غاية الصحة إلا أنه مرسل. ٦ - أبو نُعيم في (الدلائل) وفي (الحلية) من طريق محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة عن عبد الحميد بن صالح عن محمَّد بن أبان عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁ لأي شيء سُميت الفاروق، (فذكر قصة إسلام حمزة ﵁ وإسلامه هو بعده بثلاثة أيام) وقال (*): وهذا إسناد ضعيف من أجل إسحاق بن أبي فروة. تركه جماعة وضعفه آخرون ... ومحمد بن أبان هو الجعفي فيه أيضًا كلام ولكنه يسير ٧ - الطبراني عن ثوبان، قال الهيثمي: فيه يزيد بن ربيعة الرحبي متروك، وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به. ٨ - عبد الرازق عن الزهري بإسناد صحيح. ا. هـ مختصرًا من السيرة الذهبية (٣) ثم ذكر طريقا تاسعة نقلها عن السيوطي في (الخصائص الكبرى) وقال: ولم أقف على إسنادها.

стр. 55

والطريق الأول: فيه أبو بكر بن عبد الباقي قال عنه ابن عساكر: كان يُتهم بمذهب الأوائل ويُذكر عنه رقة دين، وكأن الذهبي لم يرتضِ ذلك فقال في ترجمة ابن عبد الباقي: "تكلم فيه أبو القاسم بن عساكر بكلام مردٍ فجٍّ ... " (٤) ثم ذكره. ومن في السند لم أقف لهم على ترجمة حسب بحثي. والطريق الثاني: قال الذهبي ﵀ عن القاسم بن عثمان البصري: "حدث عن إسحاق الأزرق بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر، وهي منكرة جدًا (٥) " ونقل عن البخاري قوله: له أحاديث لا يتابع عليها. والطريق الثالث: ساقه ابن إسحاق بدون سند. والرابع: رواه الحاكم أيضًا وسكت عنه (٦)، وقال الذهبي: واهٍ منقطع. وقال البزّار بعد روايته: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أسامة بن زيد عن أبيه عن جده عن عمر إلا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، ولا نعلم يُروى في إسلام عمر إسناد أحسن من هذا الإسناد، على أن الحنيني قد ذكرنا أنه قد خرج عن المدينة فكفّ، واضطرب حديثه (٧) " وقال الهيثمي: "وفيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو ضعيف" وعلّق ابن حجر في الحاشية بقوله: "وفيه من هو أضعف من أسامة وهو إسحاق بن إبراهيم الحنيني وقد ذكر البزار أنه تفرد به (٨) ". والخامس: مرسل. والسادس: فيه إسحاق بن أبي فرون قال عنه الحافظ في (التقريب): "متروك (٩) "، وفيه أيضًا محمد أبان "ضعفه أبو داود وابن معين، وقال البخاري:

стр. 56

ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس بثقة (١٠) " وقد ضعّف الإِمام الذهبي هذا الطريق كما في (السيرة (١١)) من (تاريخ الإِسلام). والسابع: فيه يزيد الرحبي، وهو متروك كما في (لسان الميزان (١٢)). والثامن: مرسل الزهري، ومرسله ﵀ شرٌّ من مرسل غيره، كما قال ذلك يحي بن سعيد القطان، وقد سبق الحديث عن مراسيل الزهري (١٣). وفضلًا عن ضعف سند القصة، ففي المتن اضطراب، فمرة أن قريشًا بعثته، وفي أخرى أنه خرج ابتداءً، وفي بعضها أنه قرأ وكان كاتبًا (عن أنس عند ابن سعد والدراقطني) وفي أخرى "حتى دعا قارئًا فقرأ عليه وكان عمر لا يكتب" (مرسل الزهري). وفي بعض الروايات أن السورة التي قرأها عمر كانت (طه) (عند ابن إسحاق، وحديث أنس) وفي البعض الآخر أن السورة كانت (الحديد) (البزار عن أسلم) وسورة الحديد مدنية. وقد بوب الإِمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب إسلام عمر بن الخطاب ﵁ (١٤)، ولم يسبق شيئًا من الروايات عن قصة إسلامه ﵁. ولضعف أسانيدها فقد ذكرها شيخ الإِسلام ﵀ في (الفتاوى) بصيغة التضعيف فقال: "وقد روُي أن سورة طه كانت مكتوبة عند أخت عمر، وأن سبب إسلام عمر كان لما بلغه إسلام أخته، وكانت السورة تُقرأ عندها (١٥) ". وسكت عن القصة الشيخ الألباني ﵀ في تعليقه على (فقه السيرة) فلم يتكلم

стр. 57

عنها بتصحيح ولا تضعيف. وقال الدكتور أكرم العمري -حفظه الله -: "أما قصة استماعه القرآن يتلوه الرسول ﷺ في صلاته قرب الكعبة وعمر مستخفٍ بأستارها، وكذلك قصته مع أخته فاطمة حين لطمها لإسلامها وضرب زوجها سعيد بن زيد، ثم اطلاعه على صحيفة فيها آيات، وإسلامه، فلم يثبت شيء من هذه القصص من طريق صحيحة (١٦) ". وتروى قصة أخرى في سبب إسلامه ﵁ وهي ما رواه الإِمام أحمد في مسنده قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا صفوان قال: حدثنا شريح بن عبيد قال: قال عمر: "خرجت أتعرض رسول الله ﷺ فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر، كما قالت قريش قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قال: قلت كاهن،: "قال ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ... ﴾ الآيات. قال: فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع (١٧) ". قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر (١٨) " وفاته ﵀ عزوه لأحمد أيضًا. وذكر هذه القصة الإِمام الذهبي في (السيرة) وأتبعها بأخرى مشابهة لها فقال: "وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبيرعن جابر قال: كان أول إسلام عمر أن عمر قال: ضرب أختي المخاض ليلًا فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة في ليلة قرّة، فجاء النبي ﷺ فدخل الحِجْر وعليه تبّان، فصلى ما شاء الله، ثم انصرف، فسمعت شيئًا لم أسمع مثله، فخرج فاتبعته فقال: (من هذا) قلت عمر. قال: (يا عمر ما تدعني ليلًا ولا نهارًا) فخشيت أن يدعو علي فقلت: أشهد أن لا اله

стр. 58

إلا الله وأنك رسول الله، فقال: (يا عمر أسرّه) قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه، كما أعلنت الشرك (١٩) ". وفي سنده يحيى الأسلمي شيعي ضعيف، وابن المؤمل ضعيف أيضًا والراوي عن جابر هو أبو الزبير مدلس وقد عنعن، وروايته عن جابر في غير ما رواه الإِمام مسلم فيها ضعف. وقد روي ابن إسحاق قصة تشبه ما سبق بسياق أطول عن عبد الله بن أبي نجيح عن أصحابه عطاء ومجاهد أو عمن روى ذلك ... وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث، لكن الحديث مرسل. وقال بعد أن ذكرها: "والله أعلم أي ذلك كان (٢٠) ". ومما ينبغي أن يُعلم أن كثرة طرق الحديث لا تزيده قوة دائمًا، بل ربما زادته ضعفًا، كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم. تنبيه: قول أبي عمر بن عبد البر في ترجمه سعيد بن زيد: " ... كان إسلام عمر عنده في بيته ... وخبرهما في ذلك خبر حسن" (٢١) مراده -والله أعلم- حُسن المتن، لا السند (٢٢). فائدة: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٤) عن تلقيب عمر بالفاروق: "فقيل أول من لقبه به النبي ﷺ ، رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه عن

стр. 59

[من] طريق ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد من حديث عائشة، وقيل أهل الكتاب، أخرجه ابن سعد عن الزهري، وقيل جبريل رواه البغوي". وثانية: أما دعاؤه ﷺ بأن يعزّ الله الإِسلام بعمر، فقد ورد من عدة طرق وبألفاظ مختلفة، صحّح ابن حجر منها ما رواه الحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإِسلام بعمر" (الفتح ٧/ ٤٨). وثالثة: حديث ابن عباس مرفوعًا: "لما أسلم عمر أتاني جبريل فقال استبشر أهل السماء بإسلام عمر" أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٨) وابن حبان رقم (٢١٨٢) موارد، والحاكم وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: فيه عبد الله بن خراش ضعفه الدراقطني. وقال الشيخ سعد الحميد: والحديث ضعيف جدًا (مختصر استدراك الذهبي على الحاكم لابن الملقن ٣/ ١٢٢٨). ثم طُبع المجلد التاسع من السلسلة الضعيفة، وحكم عليه الألباني ﵀ بقوله: ضعيف جدًا. (ص ٣٢٥).

стр. 60

قصة الغرانيق روى البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: "سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (١) " وروى عن ابن مسعود ﵁ قال: "أول سورة نزلت فيها سجدة: والنجم، قال: فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه إلا رجلًا رأيته أخذ كفًا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتل كافرًا، وهو أمية بن خلف (٢) " ورواه مسلم (٣) دون ذكر أمية. وقد ذكر بعض المفسرين عند كلامهم على قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ آثارًا فيها أن النبي ﷺ قرأها ثم قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد المشركون، وقالوا: إنه لم يذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]. وهو قول باطل لا يصح نسبته إلى من لا ينطق عن الهوى ﷺ . وما أحسن ما قاله الإِمام الكبير إسماعيل بن كثير ﵁ عند تفسيره لهذه الآية: "قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح والله أعلم (٤) ".

стр. 61

وقد صّنف الشيخ الألباني ﵀ رسالة في أبطال القصة بعنوان (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق). فائدة: لصاحب الظلال سيد قطب ﵀ تعليق جميل بعد قصة حدثت له وبعض أصحابه مع آخر سورة النجم.

стр. 62

عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة قال ابن إسحاق ﵀ في ذِكْرِ من عاد من الحبشة بعد أن بلغهم إسلام أهل مكة ثم تبين لهم عدم صحة ذلك، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيًا: " ... فأما عثمان بن مظعون فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني عمن حدثه عثمان قال، لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفّت ذمتك، قد رددتُ إليك جوارك ... فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، قال: صدق، ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. قال عثمان: صدقت. قال: وكل نعيم لا محالة زائل. قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى جاء هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فردّ عليه عثمان حتى شري أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها، والوليد بن المغيرة قريّب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنيّة، لقد كنتَ في ذمة منيعة. قال: يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ... (١) ".

стр. 63

وفي إسناد القصة جهالة شيخ صالح بن إبراهيم. ورواه البيهقي في (الدلائل (٢)) عن موسى بن عقبه مرسلًا. وقال الهيثمي في (المجمع) رواه الطبراني مرسلًا، وفيه ابن لهيعة أيضًا (٣). وما لقيه الرسول ﷺ وأصحابه ﵁ من أذى المشركين جاء في أحاديث صحيحة كثيرة. وقد بوّب الإِمام البخاري ﵀، في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار: "باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة (٤) ". وقول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل أصدق بيت، كما روى ذلك الإمامان البخاري ومسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أصدق بيت قاله الشاعر ألا كل شيء ما خلا الله باطل (٥) ". ويبعد أن تسكت قريش عن قول لبيد وتصديق عثمان له، وكلامه متضمن بطلان آلهتهم. تنبيه: ما اشتهر من كون رجوع بعض مهاجري الحبشة إلى مكة هو بلوغهم إسلام مشركي مكة مرتبط بحادثة الغرانيق، وسبق الحديث عنها، ولذا قال الشيخ الألباني: "وأما بلوغ ذلك إلى مهاجري الحبشة، وانهم عادوا من أجل ذلك إلى مكة، فمما لم أقف عليه في رواية صحيحة، وإنما هي مراسيل لا تقوم بها حجة .. (٦) ". فائدة: مما يتعلق بعثمان بن مظعون ﵁ ما روي أنه أول من دفن بالبقيع، وأفاد الشيخ الألباني ﵀ أنه لم يرَ ذلك متصلًا من وجهٍ يُحْتَجُ به، وأن مداره على الواقدي. (السلسلة الصحيحة ٧/ ١٦٥).

стр. 64

دعاؤه ﷺ بعد خروجه من الطائف، ولقاوه بعداس روى ابن إسحاق في السيرة موقف ثقيف من الرسول ﷺ فقال: "حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القُرظي قال: لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف ... " فذكر القصة في رفضهم دعوته. ثم قال: "وقال لهم -فيما ذُكر لي- إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ... " ثم ذكر أنهم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصحيون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ثم قال ابن إسحاق: "فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال: -فيما ذُكر لي- اللهم إليك أشكوا ضعف قوتي وقله حيلتي" إلى آخر الدعاء المشهور. ثم ذكر قيام عتبة وشيبة بإرسال قطف من عنب مع غلامهما عداس، والمحاورة التي جرت بين رسول الله ﷺ وبين عداس (١). قال الشيخ الألباني ﵀: "أخرج هذه القصة ابن إسحاق بسند صحيح عن محمَّد بن كعب القرظي مرسلًا، لكن قوله: (إن أبيتم فاكتموا عليّ ذلك) وقوله: (اللهم إليك أشكو) إلى آخر الدعاء ذكرهما بدون سند .. وروى هذه القصة الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن جعفر مختصرًا، وفيه الدعاء المذكور بنحوه. قال الهيثمي (٦/ ٣٥): "وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات" فالحديث ضعيف". ا. هـ كلام الألباني (٢). قال الحافظ في (الفتح): "وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤوه ... فردوا عليه أقبح رد، وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد مطولًا (٣) ". وأصل القصة -وهو توجهه ﷺ .

стр. 65

إلى الطائف وعرضه نفسه الشريفة عليهم فلم يجيبوه - صحيح أخرجها البخاري (٤) ومسلم (٥). وقال الحافظ العراقي عن الدعاء: "رواه ابن الجوزي في السيرة في دعائه يوم خرج إلى الطائف بلفظ: (وعافيتك أوسع لي). وكذا رواه ابن أبي الدنيا في (كتاب الدعاء) من رواية حسان بن عطية مرسلًا. ورواه أبو عبد الله بن منده من حديث عبد الله بن جعفر مسندًا وفيه من يُجهل (٦) ".

стр. 66

عام الحزن عُرف العام العاشر من البعثة عند المتأخرين بعام الحزن، ذلك أن هذا العام قد شهد وفاة أم المؤمنين خديجة ﵂ وأبي طالب عمّ رسول الله ﷺ وكان بين وفاتيهما أيام يسيرة، وذكروا أنه ﷺ لشدة حزنه سمى هذا العام عام الحزن. فهل صح ذلك؟ لم تَردْ هذه التسمية في شيء من الأحاديث الصحيحة، بل ولا الضعيفة، ولا في شيء من كتب السيرة وشروحها، كسيرة ابن إسحاق وشرحها للسهيلي، ولم يذكر هذا اللفظ -فيما أعلم- أحد ممّن كتب في السيرة كابن القيم والذهبي وابن كثير، ولا غيرهم من شرّاح الأحاديث كالنووي وابن حجر ﵏، قال الشيخ الساعاتي ﵀ في (الفتح الرباني): "وكان رسول الله ﷺ يسمي ذلك العام عام الحزن كذا في المواهب اللدنية (١) ". وقال الشيخ الألباني في تعقيبه على البوطي في قوله: (ولقد أطلق النبي ﷺ على هذا العام (عام الحزن) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة) قال ﵀: "من أي مصدر من المصادر الموثوقة أخذ الدكتور هذا الخبر؟ وهل إسناده -إن كان له إسناد- مما تقوم به الحجة؟ فإني بعد مزيد البحث لم أقف عليه ... والمصدر الوحيد الذي رأيته قد أورده إنما هو القَسطَلاّني في (المواهب اللدنية) فلم يزد على قوله: (فيما ذكره صاعد) وصاعد هذا هو ابن عبيد البجلي كما قال الزرقاني في شرحه عليه فما حال صاعد هذا؟ إنه مجهول لا يُعرف، ولم يوثقه أحد، بل أشار الحافظ (*) إلى أنه ليّن الحديث إذا لم يتابع، كما هو حاله في هذا الخبر. على أن قول القسطلاني: (فيما ذكره صاعد) يُشعر أنه ذكره معلقًا بدون إسناد فيكون معضلًا، فيكون

стр. 67

الخبر ضعيفًا لا يصح، حتى ولو كان صاعد معروفًا بالثقة والحفظ، وهيهات هيهات (٢) ". ا. هـ كلام الألباني. ومن ناحية المتن فيبعد أن يسميه الرسول ﷺ أو أحد من أصحابه بذلك، وقد مّر عليه ﷺ والمسلمون من المحن والشدائد الكثير، قبل الهجرة وبعدها، فقد روى الشيخان عن عائشة أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب .. " الحديث (٣). وفي قصة بعثه ﷺ سبعين رجلًا من أصحابه يُسَمَّون بالقرّاء إلى أحياء من سُليم فقتلوهم، قال أنس ﵁ "فما رأيته وَجَد على أحدٍ ما وجد عليهم (٤) " حتى كان من شدة حزنه ﷺ عليهم أنه مكث شهرًا كاملًا يدعو على قاتليهم، قال أنس ﵁ "دعا النبي ﷺ على الذين قَتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا حين يدعو على رِعْل ولحيان وعُصيّة عصت الله ورسوله (٥) ". وكانت هذه الحادثة المؤلمة التي قُتل فيها سبعون رجلًا، من الصحابة من قرّائهم قد وقعت في أوائل العام الرابع للهجرة، وسبقها بفترة قصيرة حادثة أخرى تُعرف بماء الرجيع لعشرة من الصحابة منهم: خُبيب بن عدي وعاصم بن ثابت وزيد بن الدثنِّة ومرثد بن أبي مرثد وغيرهم ﵃، وكان رسول الله ﷺ والمسلمون قد أصيبوا في شوال من العام الثالث للهجرة (غزوة أحد) باستشهاد سبعين رجلًا كان منهم: حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، ومصعب بن

стр. 68

عمير وأنس بن النضر، وعبد الله بن عمرو بن حرام (والد جابر)، واليمان (والد حذيفة)، وعبد الله بن جُبيرٍ أمير الرماة يومها، وغيرهم ﵃ بل شُجّ رأسه ﷺ وكُسِرت رَباعيته ودمي وجهه الشريف (٦). كل تلك الحوادث وقعت في أقل من ستة أشهر، واستُشهد خلالها ما يقارب من مائة وخمسين صحابيًا ﵃ ولم يُنقل أنه ﷺ -على شدة حزنه- سمّاه بأي اسم يدل على الحزن أو نحوه.

стр. 69

هجرة عمر بن الخطاب ﵁ ومما اشتهر أن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ لما أراد أن يهاجر من مكة إلى طيبة الطيبة، تقلّد سيفه ومضى قِبَل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت، ثم أتى المقام فصلى، ثم وقف فقال: "شاهت الوجوه، لا يُرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يُثكل أُمّه، أو يؤتم ولده، أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي (١) ". قال الألباني ﵀ في رده على البوطي الذي نقل هذه القصة عن ابن الأثير "جزمه بأن عمر ﵁ هاجر علانية اعتمادًا منه على رواية عليّ ﵁ المذكورة، وجزمه بأن عليًا رواها ليس صوابًا؛ لأن السند بها إليه لا يصح، وصاحب (أسد الغابة) لم يجزم أولًا بنسبتها إليه ﵁ وهو ثانيًا قد ساق إسناده بذلك إليه لتبرأ ذمته، ولينظر فيه من كان من أهل العلم، وقد وجدتُ مداره على الزبير بن محمَّد بن خالد العثماني: حدثنا عبد الله بن القاسم الأملي (كذا الأصل ولعله الأيلي) عن أبيه بإسناده إلى علي. وهؤلاء الثلاثة في عداد المجهولين، فإن أحدًا من أهل الجرح والتعديل لم يذكرهم مطلقًا .. (٢) " ا. هـ كلام الألباني. وذكرها الصالحي (٣) معزوة إلى ابن السّمان في (الموافقة). وعزاها أبو تراب الظاهري (٤) إلى ابن عساكر وابن السمان. وقال الدكتور أكرم العمري: "وأما ما روي من إعلان عمر الهجرة وتهديده من يلحق به فلم يصح (٥) ".

стр. 70

وشجاعة الفاروق ﵁ لا تُجهل. لكن الكلام هنا على سند القصة. ثم إن الرسول ﷺ -وهو أشجع الناس- هاجر وصاحبه الصديق ﵁ متخفّيَيْن عن أعين المشركين، فليس في هذا ما يعيب، بل هو من بذل الأسباب، ومن تمام التوكل على الله. وقد روي البخاري ﵀ عن البراء بن عازب ﵄ قال: "أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانوا يُقرئون الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر ﵃. ثم قدم عمر بن الخطاب ﵁ في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ... (٦) ". بل قد أخرج ابن إسحاق ما يدل على أن هجرة عمر ﵁ كانت سرًا فقال: "حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ قال: "اتّعدتُ لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي بن وائل السهمي التّناضب من أضاة بني غِفَار (*) فوق سَرِف، وقلنا: أيُّنا لم يُصبح عندها فقد حُبس، فليمض صاحباه. قال: فأصبحتُ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحُبس عنا هشام، وفُتن فافتتن .. (٧) " الحديث. وصحّحه ابن حجر (٨) وحسّن إسنادها: الوادعي (٩)، وسلمان العودة (١٠). والجمع بين رواية ابن إسحاق هذه، ورواية البخاري أن عمر قدم في عشرين من الصحابة: أن هؤلاء الصحابة ﵃ التقي بعضهم ببعض في الطريق دون ترتيب مسبق، فيما يظهر. والله أعلم.

стр. 71

مؤامرة دار الندوة قال ابن إسحاق-﵀: "ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ... فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة ... يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه". ثم قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما أجمعوا لذلك واتّعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها ... فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل .. (١) "الخ. وعلة هذا السند جهالة شيخ ابن إسحاق وقد سبق قول البيهقي (٢): ابن إسحاق إذا لم يُسمِّ من حدثه فلا يُفرح به. وقد أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق فقال: "حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمَّد بن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ... (٣) ". وفي سند الطبري سقطت الواسطة بين ابن إسحاق وابن أبي نجيح وصرَّح ابن إسحاق فيه بالتحديث عنه، لكن في هذا الإسناد علّة هي: أن شيخ الطبري هو: محمَّد بن حُميد بن حيان الرازي، قال الحافظ في التقريب: (حافظ ضعيف) (٤) وكذّبه أبو زرعة والنسائي وابن وارة. وقال صالح بن محمَّد الأسدي: ما رأيت أحدًا أحذق بالكذب منه ومن الشاذكوني (٥)، وذكره

стр. 72

الذهبي في (الضعفاء والمتروكين) (٦) وفي (الكاشف) وقال: "وثقه جماعة والأولى تركه (٧) ". ومحمد بن حُميد هذا هو المتهم -والله أعلم- بتسوية إسناد ابن إسحاق عند الطبري. وفي السند علة أخرى لكنها دون الأولى، وهي أن عبد الله بن أبي نجيح-وهو ثقة رمي بالقدر- ربما دلس، وقد عنعن هنا، قال يحيى بن سعيد وابن المديني: لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد (٨)، وقال ابن حبان: رواه عن مجاهد من غير سماع (٩). وأخرجه ابن سعد (١٠) من طريق الواقدي، وقد تقدم مرارًا أنه متروك على سعة علمه، وأخرجه عبد الرازق عن قتادة مرسلًا (١١). وهذه القصة لم أرَ -حسب علمي- من صحّح أسانيدها من أهل العلم، على أنها مشهورة في كتب السيرة، لكن الشهرة لا تغني عن صحة الإسناد. ومال الدكتور سليمان السعود إلى تقوية القصة بأمور ثلاثة: ١ - أن لها أصلًا في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ (*) [الأنفال: ٣٠] وبهذه القصة فسرها الطبري. ٢ - أنها وردت من عدة طرق يشد بعضها بعضًا.

стр. 73

٣ - شهرة هذه القصة واستفاضتها عند أئمة السير (١٢) ا. هـ. وقال الشيخ محمَّد الصادق عرجون ﵀ عن هذه القصة ومشاركة إبليس إنه ضرب من الخيال المجنون: "لأنه لم يثبت فيه خبر صحيح عن رسول الله ﷺ وكان ما جاء فيه رواية مرسلة عن ابن عباس لم يثبت لها سند يمكن التشبث به والاعتماد عليه .. (١٣) ". وتعقبه الدكتور مهدي رزق الله بقوله: "قلت: جاءت القصة بطريق صحيح عن [عند] ابن إسحاق والطبري إضافة إلى أن ابن إسحاق والزهري والواقدي وابن سعد والأموي من أئمة المغازي والسير، واتفقوا على ذكر القصة مما يدل أن لها أصلًا، خاصة حديثهم -إذا استثنينا قصة النجدي- ورد مضمونه في أحاديث صحيحة، مثل الأحاديث التي وردت في تفسيير الآية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ (١٤) ". وهذا التعقب يحتاج إلى تعقب، فالقول بأن هذه القصة جاءت من طريق صحيح، غير صحيح وقد سبق أن الرواية لهذه القصة إما من طريق الواقدي وهو متروك، أو من طريق ابن إسحاق وفيه جهالة شيخه، وما ذكر من أن ابن إسحاق قد صرح بالسماع في رواية الطبري لا يفيد لأن شيخ الطبري كما سبق كذّبه العلماء وهو -والله أعلم- المتّهم بتسوية السند، وكل ذلك قد مرّ قريبًا.

стр. 74

وروى ابن إسحاق قصة في حصار بيته ﷺ للفتك به، فقال: "فحدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعب القُرظي قال: لما اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتكم فجُعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جُعلت لكم نار تحرقون فيها. قال: وخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال أنا أقول ذلك، أنت أحدهم. وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ .... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا قد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدًا، قال: خيبكم الله: قد والله خرج عليكم محمَّد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا قد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون، فيرون عليًا على الفراش متسجيًا ببُرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمدًا نائمًا عليه بُرده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي ﵁ عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا (١٥) ". وهذا إسناد مرسل، وقد أشار إلى ضعفها الدكتور أكرم العمري (١٦)، والدكتور سليمان السعود (١٧)،ولهذا لم يعرِّج أكثر أئمة التفسير إلى ذكر هذه

стр. 75

الأحاديث عند تفسيرهم للآيات السابقة من سورة يّس، مع عنايتهم بذكر سبب النزول، كالطبري والقرطبي وابن الجوزي والزمخشري، وأوردها ابن كثير نقلًا عن ابن إسحاق، بل ذكر أكثرهم سببًا آخر للنزول لم يثبت هو الآخر. واعلم أن في قصة الهجرة تساؤلات كثيرة، ففي صحيح البخاري في حديث الهجرة عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، وهي ساعة لم يكن يأتيه فيها، وأخبره بأنه قد أُذن له في الخروج، قالت: فجهزناهما أحثَّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب ... ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال (١٨) ". فمتى حاصر المشركون بيته؟ -على القول بصحة القصة- هل كان قبل ذهابه إلى بيت أبى بكر؟ فأين قضى ﷺ هذا الوقت الذي استغرق ليلة ونصف نهار قبل أن يذهب إلى بيت صاحبه الصديق ﵁؟ أو كان بعد عودته من بيت أبي بكر وإخباره له بالهجرة؟ وهذا لا يستقيم مع رواية البخاري، فإن ظاهرها أن التوجه إلى الغار كان من بيت أبي بكر. ومن هذه التساؤلات: متى تم استئجار ابن أريقط؟ ومنها: - على القول بصحة الحصار -أين كان بنو هاشم عن هذه المؤامرة؟ ولماذا سكتوا عنها؟ ولم يُسمع لهم فيها بأدنى ذكر؟ صحيح أن أبا طالب قد مات، لكن ذلك لا يعني عدم وجود آخرين من بني هاشم تأخذهم الحمية والأنفة لابن أخيهم، وعلى رأس الهاشميين العباس بن عبد المطلب وهو الذي قد رافق -وكان لا يزال مشركًا- رسول الله ﷺ في لقائه بالآنصار في بيعة العقبة الثانية، بل وبدأ بالحديث حينها، وبيّن للحاضرين أن ابن أخيه في عزّ ومنعة من قومه، لكنه أبى إلا الانحياز إليهم، ثم تثبّت منهم إن كانوا صادقين في بيعتهم. ثم كيف علمت قريش بموعد هجرته ﷺ حتى تقوم بمثل هذه الأمور؟ إلى غير ذلك من
следующие страницы →