← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سُبُل السَّلام مِن صَحيح سيرة خَير الأنَامِ ﵊ أعَدّهُ أبوُ إسلام صَالح بن طه عَبد الوَاحِد أعزه الله بالإسلام إمام وخطيب مسجد إبراهيم الحاج حسن الأردن - عمان راجعهُ وقدَّم لهُ فضيلة الشيخ: سليم بن عيد الهلالي، حفظه الله فضيلة الشيخ: مشهور بن حسن آل سلمان، حفظه الله مكتبة الغرباء - الدار الأثرية

стр. 2

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 3

سُبُل السَّلام مِن صَحيح سيرة خَير الأنَامِ عَليه الصَّلاة وَالسَّلام

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة الطّبعة الثانِيَة ربيع الأول ١٤٢٨ هـ مكتبة الغرباء الأردن - عمان - هاتف: ٤٧٨٩٣٩٩ الدار الأثرية عمان - الأردن - تلفاكس ٦٥٦٥٨٠٤٥/ ٠٠٩٦٢ خلوي: ٧٩٥٩٤٣٤٥٦/ ٠٠٩٦٢ - ٩٢٥٥٩٥ - الرمز البريدي: ١١١٩٠ الرمز الإلكتروني: alatharya١٤٢٣@yahoo.com

стр. 5

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه وجنده. أما بعد: فإن السيرة النبوية تسجيل صادق لحياة سيد البشر، ورسول رب العباد: محمد ﷺ ، حيث اختاره الله للرسالة الإلهية الخاتمة الخالدة، ليضع بين يدي البشرية مفاتح سعادتها، ويضع أقدامها على مراقي العز، فمن أخذ ذلك بقوة، كان ممن قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وممن وصفهم المولى بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. ولذلك؛ فإن الله ﷻ جعل مناط القدوة ومحل الأُسوة محمداً رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. وجعل معيار التقوى اتباع رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ولن تبلغ الأمة كمالها ولن يتم للعبد تمام التأسي وحقيقة الاتباع، إلا بمعرفة سيرة خير البرية وسيد البشرية، ودراستها، بتمحيص وتوثيق، ليصفو للمتبع الثابت الصحيح المقبول من سيرة الرسول ﷺ . وممن ساهم في هذا الجانب وقام مقاماً محموداً أخبرنا في الله الشيخ

стр. 6

أبو إسلام صالح طه -وفقه الله- حيث ألقى سيرة رسول الله ﷺ في خطب ماتعة في مسجد إبراهيم الحاج حسن، فجاءت مترابطة متراصة آخذ بعضها برقاب بعض؛ لتكون في نهاية المطاف هذا الكتاب الحافل في سيرة خير الأنام محمَّد ﷺ . وقد مررت بها ووقفت عليها؛ فوجدتها جديرة بالنشر، ليعم بها النفع. سائلاً المولى أن يجعل جميع أعمالنا خالصة لوجهه الكريم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وكتبه حامداً ومصلياً ومسلماً أبو أسامة سليم بن عيد الهلالي أصيل يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة في عمان البلقاء عاصمة جند الأردن من بلاد الشام المحروسة

стр. 7

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فهذه مجموعة من الخطب المنبربة ألقاها أخبرنا الشيخ أبو إسلام صالح بن طه عبد الواحد -حفظه الله ونفع به- وهي في "السيرة النبوية". وتمتاز هذه الخطب بالاعتماد على الأحداث الصحيحة منها، وتحقيق ذلك في السيرة خاصة يحتاج إلى جهد جهيد، وتعب في البحث والتنقيب، و "أي خير في حديث اختلط صحيحه بواهيه، وأنتَ لا تفليه، ولا تبحث عن ناقليه". ومن ميزات الكتاب: التحليل الجيّد للحَدَث الذي يتكلم عنه، وذكر العظات والعبر والفوائد منه، والتركيز منها على ما يخص حال الأمة الآن. ويزين ذلك كله: جودة حفظ أخينا الشيخ أبي إسلام للأحداث، والتمكن منها، وسرد الأحاديث الطويلة جداً من ذاكرته، مع حُسن إلقاء على وجهٍ مؤثّرٍ. فازدان الموضوع والأُسلوب، والاختيار والتحليل ولا شك أن السيرة النبوية هي التطبيقات العملية لما يحب الله ويرضى، وتجسيد للمعاني والأحكام والأخلاق في الواقع العملي، ليتحقق مقام العبوديّة، وما أحوج

стр. 8

الناس هذه الأيام لأمثال هذه الخطب، ولئن فات كثير من القراء استماع هذه الخطب فإنها جُمعت -ولله الحمد- بين دفَّتي هذا الكتاب، ليعمّ به النَّفع، وما ذلك على الله بعزيز. وكتب أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ ﴿آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار (١). عباد الله! قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 10

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال رسول الله ﷺ : "أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام" (١). ودعوة إبراهيم ﵇ هي قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩]. وبشرى عيسى: كما أشار إليه قوله حاكياً عن المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦]. وقوله: "ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام" قال ابن رجب: خروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ

стр. 11

تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال ابن كثير: وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلاً للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها ولهذا جاء في الصحيحين: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"، وفي صحيح البخاري: "وهم في الشام" (١). عباد الله! وهذه الفرقة الناجية المنصورة هي التي عرفت ربّها فعبدته ولم تُشرك به شيئاً استجابةً لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وعرفت رسولها فاتبعته وتأست به ولم تبتدع في دين الله استجابة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وعرفت أصحاب رسول الله ﷺ فسلكت منهجهم وسبيلهم استجابة لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. ولقوله ﷺ : "وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلهم في النار إلا

стр. 12

واحدة" قيل: وما هي يا رسول الله؟! قال: "هي التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي". فالنجاة يا عباد الله في توحيد الله في العبادة وتوحيد رسوله ﷺ في الاتباع وتوحيد الصحابة ﵃ في المنهج والفهم. عباد الله! وانطلاقاً من قوله تعالى على لسان هود ﷺ : ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾ [الأعراف:٦٨]. وقوله ﷺ : "الدين النصيحة"، قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١). وقوله ﷺ : "الدال على الخير كفاعله" (٢). منذ عشرين عاماً أو يزيد وأنا في مسجد إبراهيم الحاج حسن (عمان/الأردن) أركّز في خطب الجمعة على العقيدة الصحيحة وسيرة رسول الله ﷺ وسيرة الصحابة الكرام ﵃. ففي العقيدة ألقيتُ مجموعة من خطب الجمعة بعنوان "العقيدة أولاً لو كانوا يعلمون" وقد خرجت بفضل الله وكرمه إلى الوجود كتاباً في أربعة مجلدات. ثم بعدها ألقيت مجموعة من الخطب بعنوان "ثمرات الإيمان" وخرجت إلى الوجود في مجلدٍ واحدٍ بعنوان "أحسن البيان من مواقف أهل الإيمان".

стр. 13

ثم ألقيت بعدها مجموعة من الخطب بعنوان "الدعاء النافع" وهي تحت الطبع يسر الله خروجها في مجلدٍ واحدٍ أيضاً. ثم انتقلت من العقيدة إلى سيرة الرسول ﷺ : فألقيت مجموعة من الخطب في سيرة النبي ﷺ وستخرج قريباً بإذن الله تعالى إلى الوجود مجلداً واحداً بعنوان "سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام ﵊" وهي كتابنا هذا الذي بين أيديكم. ثم انتقلت من سيرة رسول الله ﷺ إلى سيرة أصحابه الكرام ﵃ الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ولنصر دينه ونحن ما زلنا بصدد الحديث عنها. والله أسال أن يتقبل عملي خالصاً لوجهه وأن ينفعني به يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتب أبو إسلام صالح بن طه عبد الواحد إمام وخطيب مسجد إبراهيم الحاج حسن عمان- الأردن ٢٣ من شهر شعبان لعام ١٤٢٤ من الهجرة الموافق ١٩ تشرين أول لعام ٢٠٠٣ ميلادي

стр. 14

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الخطبة الأولى: ثمار دراسة السيرة النبوية إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع سلسلة جديدة من المواعظ بعنوان:

стр. 15

محمد رسول الله والذين معه وقفات تربوية مع سيرة رسول الله ﷺ ، وأصحابه الكرام ﵃ فيها دروس وعظات وعبر. عباد الله! وهذا العنوان أخذناه من كتاب ربنا من قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. عباد الله! وهذه الآية الكريمة هي الآية الأخيرة من (سورة الفتح) التي قال الله فيها لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُّبِينًا (١)﴾ وهذا اليوم الذي نبدأ فيه هذه السلسلة من المواعظ: هو اليوم الأول من السنة الهجرية لعام ألفٍ وأربع مئة وثلاثة وعشرين (١٤٢٣هـ)، وهذا يوم يذكرنا بهجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة ليقيم دولة الإِسلام في المدينة، والتي فتح من خلالها قلوب العباد والبلاد؛ فبهذه المناسبة -نسأل الله ﵎ فهو الجدير بالإجابة- أن يجعل هذه السلسلة من المواعظ سبباً لهجرة المسلمين إلى ربهم ليعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئاً، وإلى سنة رسولهم ليتبعوه وحده ويبتعدوا عن البدع والخرافات، وأن يعودوا إلى منهج الصحابة ﵃ وأن يتركوا السبل القصيرة التي على كل سبيل منها شيطان يدعُ الناس إليه، وأن يكون ذلك سبباً للفتح المبين ولنصر المسلمين على أعداء الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 16

عباد الله! في هذه الآية الكريمة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اَللهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ﴾ يثني ربنا جل وعلا على رسوله ﷺ وعلى الصحابة الكرام، ففي قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اَللهِ﴾: يخبرنا ربنا جل وعلا عن محمَّد ﷺ أنه رسوله حقاً بلا شك ولا ريب، وهو خاتم الرسل والأنبياء فلا نبي بعده ولا رسول بعده. وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ثناء من الله تعالى على صحابة رسول الله ﷺ في تعاملهم مع الكفار بالشدة، ومع المؤمنين بالرحمة والعطف، فالكافر الذي هو عدو لله ولرسوله ﷺ يُعَامَلُ بشدةٍ وغلظةٍ، والمؤمن الذي رضي بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً يُعَامَلُ بالعطف والرحمة والمحبة والحنان. كيف لا، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. عباد الله! الإخوة رابطة قوية، تربط المؤمنين بعضهم ببعض. ويبين ﷺ شدة هذه الرابطة. فيقول ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه (١). ويقول ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (٢). فإذا نظرنا يا عباد الله! إلى أحوال المسلمين الآن، فإنه ينطبق علينا العكس تماماً إلا من رحم ربي، رحماء مع الكفار أشداء فيما بيننا و"إنا لله وإنا إليه راجعون".

стр. 17

عباد الله! وفي قوله تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. بعد أن بين الله ﵎ كيف يتعامل الصحابة مع الخلق، يخبرنا عنهم كيف يتعاملون مع الخالق؛ فهم يتقربون إلى الله بالأعمال الصالحة تراهم ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ وفي موضع آخر ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. ماذا يريدون بهذه العبادة؟ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ يريدون بعبادتهم وجه الله، يريدون بعبادتهم رضا الله والجنة، إيمان صادق، أعمال صالحة، إخلاص لله . فظهر ذلك على وجوههم قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ انظر إلى رجل في صلاة الفجر بات لله ساجداً وقائماً ترى النور يعلو وجهه، وانظر إلى رجل ترك الصلاة وأكل الربا وبات على معصية الله ترى على وجهه السواد والغبرة، ثم يخبر ربنا جل وعلا أن مثل الصحابة هذا موجود في التوراة قبل تحريفها ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ انظر إلى النبات كيف يبدأ صغيراً ثم يكبر، ثم يخرج شطأه -أي فراخه- ثم يثمر ويعجب الزراع حينذاك. فالصحابة بدأوا قلة ثم كثروا ثم قامت لهم قائمة، ثم كانت لهم دولة فغاظوا بذلك الكفار وفتحوا الدنيا من مشرقها إلى مغربها. ولذلك وعدهم الله تعالى بالمغفرة والأجر العظيم. فقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.

стр. 18

عباد الله! وهذا سؤال: ما هي الفائدة من دراسة سيرة النبي ﷺ ، وسيرة أصحابه الكرام ﵃؟ عباد الله! الفوائد من دراسة السيرة النبوية وسيرة الصحابة ﵃ كثيرة وكثيرة جداً، ومنها: الفائدة الأولى: معرفة أسباب نزول كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا مما يعين على فهمهما والاستنباط منهما أو معايشة أحداثهما. فمثلاً: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ قالوا: نزلت في صهيب الرومي ﵁ عندما أراد أن يهاجر من مكة إلى المدينة، فأتبعه نفر من قريش فقالوا له: أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا، فبلغت ما بلغت، ثم تنطلق بنفسك ومالك؟! والله لا يكون ذلك، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجالاً، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي من يدي منه شيء فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي قالوا: نعم، ففعل. فلما قدم على النبي ﷺ قال "ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع"، ونزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (١).

стр. 19

وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١] الفائدة الثانية: معرفة الطريق الذي يوصل إلى رضا الله والجنة ويتمثل فيما يلي: أولاً: في عبادة الله وحده والابتعاد عن الشرك. ثانياً: في اتباع النبي وحده والابتعاد عن البدع والخرافات. ثالثاً: في سلوك منهج الصحابة الكرام والابتعاد عن سبل الشيطان. عباد اللهَ! والصحابة ﵃ ضربوا لنا مثلاً أعلى في عبادتهم لله، وفي اتباعهم للنبي ﷺ ، وقد جاءت أدلة في الكتاب والسنة تأمر المسلمين أن يسلكوا منهج الصحابة؛ لأنهم قوم رضي الله عنهم ورضوا عنه، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. ويقول ﷺ :"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار، إلا ملة واحدة" قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (١).

стр. 20

ويقول ﷺ : " .. وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي -أي طريقتي- وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (١). عباد الله! فعندما ندرس سيرة النبي ﷺ وأصحابه يتبين لنا الطريق الذي يوصل إلى رضا الله والجنة. الفائدة الثالثة: يعرف المسلمون من أين ينطلقون وكيف يبدؤون. فالرسول ﷺ بُعث في الناس وهم في ضلال مبين يعبدون الأصنام ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، والقوي يأكل الضعيف، ويشربون الخمر. من أين بدأ النبي ﷺ دعوته لهذا المجتمع الذي يتقلب في الضلال المبين؟ هل بدأ بالمواجهة المسلحة فأعلنها حرباً وتدميراً وإرهاباً للكفار في مكة؟ الجواب: لا. هل بدأ بدخول البرلمانات النيابية والوصول إلى المناصب العليا في البلاد لتوصيل الإِسلام لهم؟ الجواب: لا. هل بدأ ﷺ برفع راية الجهاد أولاً لتحرير الأرض من يد الفرس والروم؟ الجواب: لا. هل بدأ بثورة إصلاحية لتصحيح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟ الجواب: لا. ولكنه ﷺ بدأ بدعوة الناس أولاً إلى عقيدة التوحيد؛ إلى "لا إله إلا الله"؛ وهذه هي دعوة الأنبياء كلهم قبله.

стр. 21

كلُّ نبيٍّ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. أمة الإِسلام! انظروا معي إلى الساحة الإِسلامية في هذه الأيام: فريق من المسلمين ظنوا أن المواجهة المسلحة مع الباطل هي الطريق الصحيح؛ فبدأوا بالقتل والاغتيالات والتفجيرات للمسلم وغير المسلم، ومنهم من كَفَّرَ أباه وأمه، واستحل دمه، ومع ذلك فقد وصلوا إلى طريق مسدود وضاعت الثمار والجهود. وفريق آخر ظنَّ أن الطريق الوحيد لقيام الدولة الإِسلامية هو الدخول في البرلمانات ومجالس الأمة، والوصول إلى المناصب العالية في الدولة ومن خلالها يخدمون الإِسلام، ومنهم مَنْ وصل إلى هذه المناصب وما وجدنا أنهم قدموا خدمة للإسلام والمسلمين، إلا أنهم قدموا خدمة لحزبهم؛ من جمع الأموال والوصول إلى المناصب. فما هو الطريق؟ الطريق هو طريق النبي ﷺ ؛ دعوةُ الناس إلى العقيدة الصحيحة فكم من المسلمين يشرك بالله؟ وكم من المسلمين يطوف بالقبور؟ وكم من المسلمين يدعو غير الله؟ وكم من المسلمين يذبح لغير الله؟ فلا بد أن نبدأ بدعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة أولاً. فإن عادت الأمة إلى ربها وإلى سنة نبيها وإلى منهج الصحابة ﵃ فهم بذلك قد غيروا من أنفسهم، ومن سنن الله ﵎-

стр. 22

التي لا تتبدل ولا تتغير ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. عباد الله! لا بد أن يبدأ التغير منا، كما أخبر النبي ﷺ فقال: "إذا تبايعتم بالعينة"، -وهو نوع من أنواع الربا- "وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١). وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. الفائدة الرابعة: معرفة أسباب النصر وأسباب الهزيمة إذا درسنا السيرة النبوية، وسيرة أصحاب النبي ﷺ عرفنا أسباب النصر، وأسباب الهزيمة. فمن أسباب النصر: - الثقة بالله . - التوكل عليه وحده. - التضرع إليه. - الأخذ بالأسباب الموصلة إلى النصر مع عدم الثقة بالأسباب. - الإيمان بأن النصر من عند الله.

стр. 23

وبالمثال يتضح المقال: في غزوة بدر يقول الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]. قلوب طاهرة من الشرك يطلبون المدد من الله وحده. عباد الله! كم من المسلمين الآن إذا اشتدت بهم الأمور يطلب المدد من أصحاب القبور؟ وهذه العقيدة فاسدةٌ عند أهل الضلاَّل يقولون: إذا اشتدت الأمور فعليكم بأصحاب القبور -أي: استغيثوا بأصحاب القبور-، أما الصحابة ﵃ فإنهم طلبوا المدد من الله يوم بدر. ولذلك امتن الله ﵎ على المؤمنين بهذا النصر في يوم بدر، فقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. عباد الله! وفي يوم الأحزاب يقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٢]. عباد الله! انظروا إلى الصحابة ماذا قالوا:

стр. 24

يقول الله : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ إلى أن قال رب العزة: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٣ - ٢٥]. عباد الله! ومن أسباب الهزيمة: - حب الدنيا. - مخالفة الأوامر الشرعية. ويظهر ذلك يوم أحد، فقد بدأت المعركة بنصر كبير للمسلمين، وخالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل فتحول النصر إلى هزيمة فلما تعجب الصحابة لما أصابهم أنزل الله ﵎: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥]. أنتم السبب، الله أكبر، مخالفة واحدة كان ما كان من تحويل النصر إلى هزيمة؟! نعم، فكيف بنا يا أمة الإِسلام؟ وقد فسدت العقيدة، وترك الكثيرون الصلاة، وأكلنا الربا، وتبرجت النساء، وتركنا صلاة الجماعة، إلا من رحم ربي. عباد الله! وفي يوم حنين، التفتوا إلى الكثرة، وأعجبتهم كثرتهم؛ فكانت الهزيمة في بداية المعركة ولكن الله سلَّم.

стр. 25

ولذلك قال الله : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧]. الفائدة الخامسة: دراسة سيرة النبي ﷺ وأصحابه الكرام؛ زادٌ نافع لكل مسلم. فالدعاة إلى الله يتعلمون كيف يدعون الناس إلى عبادة الله؟ والقائد يتعلم من سيرة النبي ﷺ وأصحابه كيف تكون القيادة؟ والجندي يتعلم من سيرة النبي ﷺ وأصحابه كيف تكون الجندية؟ والمربي يتعلم من سيرة النبي ﷺ وأصحابه كيف تكون التربية؟ فالرسول ﷺ وأصحابه الكرام ضربوا لنا مثلاً أعلى في ذلك، ولذلك أمرنا الله أن نتأسى برسول الله ﷺ في كل شيء، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وأمرنا الله أن نطيعه في كل أمر، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 26

وأخبرنا ربنا -جل وعلا- أن في طاعة النبي ﷺ الهداية إلى كل خير فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]. وحذر ربنا -جل وعلا- المؤمنين من مخالفة أمره فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وأثنى الله على صحابة رسوله ﷺ وعلى من تبعهم بإحسان قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. الفائدة السادسة: أن نتعلم من السيرة أخلاق النبي ﷺ فالله وصفه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فماذا كان خلقه ﷺ ؟ سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" (١). الفائدة السابعة: نتعلم من السيرة المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمداً ﷺ . فمثلاً عندما طلب الكفار آية على صدقة أنه رسول أشار بيده إلى القمر فانشق نصفين، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، ومع ذلك ما زاد الكفار إلا طغياناً كبيراً. وقد وضع النبي ﷺ يده في الإناء ففاض الماء من بين أصابعه إلى غير ذلك من المعجزات التي نتكلم عنها في وقتها سائلين المولى في علاه أن ينفعنا بدراسة هذه السيرة للنبي ﷺ وأصحابه الكرام وهذه المواعظ تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: دراسة سيرة النبي ﷺ وهذا الذي نبدأ به من الجمعة

стр. 27

القادمة -إن شاء الله تعالى-. والقسم الثاني (١): دراسة سيرة الصحابة ونبدأ بها -إن شاء الله تعالى- إذا انتهينا من الكلام عن سيرة رسول الله ﷺ . اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

стр. 28

الخطبة الثانية: صفات النبي ﷺ ونسبه أيها الإخوة عباد الله! يقول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: رسولنا ﷺ أحب إلينا من كل شيء. العنصر الثاني: رسولنا ﷺ أشرف الناس نسباً. العنصر الثالث: رسولنا ﷺ أحسن الناس خُلُقاً وخَلْقاً. العنصر الرابع: أسمائه ﷺ كما جاءت في الكتاب والسنة. العنصر الأول: رسولنا ﷺ أحب إلينا من حل شيء . لأنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين" (١).

стр. 29

فمحبة النبي ﷺ من ديننا ومن عقيدتنا. قال عمر ﵁: يا رسول الله: لأنت أحبَّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر للنبي ﷺ : فإنك الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر" (١). فيا عباد الله! محبتنا للنبي- ﷺ عقيدة وإيمان؛ لأن الله ﵎ أخرجنا به من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد. ونبينا ﷺ أحرص علينا من أنفسنا، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ولذلك فإن الله في كتابه يتوعد وُيفسق الذين يحبون الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن أكثر من حبهم لله ولرسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].

стр. 30

وهذه المحبة يا عباد الله! تتمثل في اتباعه ﷺ وفي التمسك بسنته وفي نشرها بين الناس. العنصر الثاني: رسولنا ﷺ أشرف الناس نسباً فالأنبياء والرسل هم أشرف الناس نسباً، وأفضلهم خلُقاً وخلْقاً، وذلك لأن الله ﵎ اصطفاهم وأرسلهم برسالته إلى الناس، فإن الله ﵎ يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ولما سأل هِرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب عن نسب النبي ﷺ فقال: "كيف نسبه فيكم؟ " فقال أبوسفيان: هو فينا ذو نسب. ثم قال هرقل: "سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها" (١). يعني في أكرمها أحساباً، وأكثرها قبيلة - صلوات الله عليهم أجمعين -. عباد الله! ورسولنا محمَّد ﷺ هو أولى الأنبياء بكل فضيلة، فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة، تعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله ﷺ وهو يخبرنا عن نسبه الشريف: يقول ﷺ : "إنَّ الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٢). يقول العباس ﵁ بلغ النبي ﷺ بعض ما يقول الناس فصعد المنبر، فقال: "مَنْ أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله، فقال ﷺ : "أنا محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله -تعالى- خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين

стр. 31

فجعلني من خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً، فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً، وأنا خيركم نسباً" (١). ويقول ﷺ : "بُعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه" (٢). ويقول ﷺ : "خرجت من نكاح، ولم أخرج عن سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يُصبني من سفاح الجاهلية شيء" (٣). ويقول ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر" (٤). عباد الله! رسولنا ﷺ هو أشرف الناس نسباً فهو: أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مُدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان" (٥). وعدنان بلا شك من ولد إسماعيل الذبيح ﵇ وإسماعيل بن إبراهيم ﵉. العنصر الثالث: رسولنا ﷺ أحسن الناس خُلُقاً وخَلْقاً: ويكفيه شهادة في خُلُقِه أن الله ﵎ قال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى

стр. 32

خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]، فمهما تكلمنا عن أخلاق النبي ﷺ فلا نعطيه حقه، ولما سئلت عائشة ﵂ عن خُلق رسول الله ﷺ قالت: "كان خلقه القرآن" (١). عباد الله! "ومن دراسة سيرته وقراءة الأحاديث النبوية في صفاته الخُلُقية تُطالعنا صور التواضع المقترن بالمهابة، والحياء المقترن بالشجاعة، والكرم الصادق البعيد عن حب الظهور، والأمانة المشهورة بين الناس، والصدق في القول والعمل، والزهد في الدنيا عند إقبالها، وعدم التطلع إليها عند إدبارها، والإخلاص لله في كل ما يصدر عنه، مع فصاحة اللسان وثبات الجنان، وقوة العقل، وحسن الفهم، والرحمة للكبير والصغير، ولين الجانب ورقة المشاعر وحب الصفح والعفو عن المسيء، والبعد عن الغلظة والجفاء والقسوة، والصبر في مواطن الشدة والجرأة في قول الحق" (٢). يقول أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً" (٣). ويقول أيضاً ﵁: "ما مسستُ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قطُّ أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ (٤).

стр. 33

وتقول عائشة ﵂: "ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً، كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى" (١). وتقول ﵂: "ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى" (٢). أما صفاته ﷺ الخَلْقية فقل في ذلك ما شئت ويكفيه أن أعداءَهُ لم يجدوا في خلقته عيباً واحداً يعيبونه به، فكان ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً وخَلْقاً. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى أصحابه ﵃ وهم يصفون لنا رسول الله ﷺ : يقول أنس ﵁ في وصف رسول الله ﷺ : "كان رَبْعةً من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليسى بجعد قطط ولا سبطَ رجلٍ، أُنزل عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، وقُبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء" (٣). ويقول البراء ﵁: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً وأحسنهُ خَلْقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير" (٤).

стр. 34

وسئل البراء: "أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر" (١). ويقول كعب بن مالك ﵁ وهو يُحدث عن تخلُفه عن غزوة تبوك: "فلما سلمتُ على رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعةُ قمر وكنا نعرف ذلك منه" (٢). ويقول أبو سعيد الخدري ﵁: "كان النبي ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها" (٣). ويقول علي ﵁: "لم يكن النبي ﷺ بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسرُبة، إذا مشى تكفأ تكفؤاً، كأنما ينحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ " (٤). العنصر الرابع: أسمائه ﷺ -: يخبرنا ﷺ فيقول: "لي خمسة أسماء: أنا محمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، الذي يحشر الناس على قدميَّ -أي على أثري- وأنا العاقب والعاقب: الذي ليس بعده نبي" (٥). ويقول أبو موسى الأشعري ﵁: "كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه

стр. 35

أسماءً فقال: أنا محمَّد، وأحمد، والمقفيِّ والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة" (١). وقال البيهقي: وزاد بعض العلماء فقال: سماه الله في القرآن رسولاً، نبياً، أمياً، شاهداً، مبشراً، نذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، ورؤوفاً، رحيماً، ومذكراً، وجعله رحمة، ونعمة وهادياً" (٢). ومن أسمائه ﷺ : "المذكر، والرحمة، والنعمة، والهادي، والشهيد، والأمين، والمزمل، والمدثر" ومن أسمائه أيضاً: "المختار، والمصطفى، والشفيع، والمشفع، والصادق المصدوق" (٣). عباد الله! ما هي أحوال الناس في مكة قبل مولده ﷺ ؟ وما هي الأحداث العظام التي حدثت قبل مولده ﷺ ؟ هذا ما نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية. اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

стр. 36

الخطبة الثالثة: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي ﷺ - عباد الله! يقول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]؟ عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة الحبيب محمَّد ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: أحوال مكة قبل بعثة النبي ﷺ . العنصر الثاني: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي ﷺ العنصر الثالث: دروس وعظاتٌ وعبر. العنصر الأول: أحوال مكة قبل مولد النبي ﷺ وقبل بعثته . الناس في مكة قبل بعثة النبي ﷺ كانوا في ضلال مبين؛ يتقلبون في ظلمات الشرك والجهل. والله ﵎ أخبرنا بأحوال الناس قبل بعثة النبي ﷺ فقال:

стр. 37

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. ورسولنا ﷺ يخبرنا بأحوال الناس قبل بعثته فيقول ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ماجهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب .. الحديث" (١). وها هو الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ﵁ يصور لنا أحوال الناس في مكة قبل بعثة النبي ﷺ ، فيقول للنجاشي: "أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار .. " (٢). عباد الله! فالناس في حاجة إلى أن يرسل الله ﵎ إليهم رسولاً يخرجهم من هذه الظلمات التي يتقلبون فيها. العنصر الثاني: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي ﷺ - أولى هذه الأحداث: قصة حفر عبد المطلب لزمزم، والذي يخبرنا بهذه

стр. 38

القصة هو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب ﵁ فيقول: (قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة، قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برَّة. قال: فقلت: وما برَّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغدُ رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قال: فقلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه؟ فجاءني فقال: احفر زمزم قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبداً -أي لا ينقطع ماؤها- ولا تُذم، تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل، فلما بُين له شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطيُّ كبَّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئرُ أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقاً، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم؛ فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد. قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة نفر من قريش. قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فابوا عليهم، فقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أَصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما

стр. 39

رأيُنا إلا تبعٌ لرأيك، فمُرنا بما شئت. قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخركم رجلاً واحداً، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركبٍ جميعاً، قالوا: نِعم ما أَمرتْ به، فقام كلُّ واحدٍ منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا. حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به، انفجرت من تحت خفها عينٌ من ماء عذب، فكبَّر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها (١). عباد الله! حدث عظيم وما منكم إلا وقد شرب من هذا البئر، لا ينقطع أبداً مهما أخذ منه، فهو يتدفق بأمر الله يسقي الحجيج. عباد الله! ومن الأحداث التي حدثت قبل مولد النبي ﷺ .

стр. 40

قصة نذر عبد المطلب بأن ينحر أحد أبنائه. عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " .. كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط -أي أعطاه الله عشرة أولاد- أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرةٌ، أقرع بينهم أيهم ينحرُ، فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله ﷺ وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل" (١). عباد الله! والحادث يوحي بما خطهُ القدر الإلهي من ميلاد النبي ﷺ من أبيه عبد الله بن عبد الطلب، فقد حفظ اللهُ حياة عبد الله بما صرف عبد المطلب عن نحره. وتزوج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وحملت آمنة برسول الله ﷺ . عباد الله! ومن الأحداث العظام التي سبقت مولد النبي ﷺ ، قصة أصحاب الفيل، وهذه القصة مشهورة تعرفونها وقد ثبتت في الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [سورة الفيل]. قال ابن كثير ﵀: هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم
следующие страницы →