قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما يقول محمَّد فقالوا: يا محمَّد ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله! صالحاً فلئن كنت صادقاً فإن آلهتهم لكما تقولوا، فأنزل الله : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ [الزخرف: ٥٧] (١).
عباد الله! "وهذا القياس الفاسد من قريش، من تشبيه الأنبياء المكرمين بالأصنام المعبودة غير العاقلة اقتضى الرد عليه، فقال الله تعالى مبيناً عبودية عيسى لله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، وإنه لم يدع إلى عبادة نفسه، بل دعا إلى عبادة الله وحده: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، وسمى القرآن احتجاج قريش بالجدل: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ وهو المراء الباطل حيث كانوا عرباً فصحاء لا يخفى عليهم أن الآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ هي خطاب لقريش، وهم يعبدون أصناماً لا تعقل، وليست خطاباً للنصارى، فلا يرد اعتراضهم على الآية أصلاً -هي لما لا يعقل- بدعوى استحلالها للمسيح ﵇" (٢).
ثالثا: الروح:
عباد الله! ومن المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله ﷺ سؤالهم عن الروح.
стр. 142
عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود، أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه. فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً!! قال: فأنزل الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩] (١).
رابعا: القدر
عباد الله! ومن المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله ﷺ القدر، وهو إثبات ما قدرة الله وقضاه، وسبق به علمه، وكتبه على عباده فكل ما يقع لهم إنما هو مقدر في الأزل معلوم لله مرادٌ له، فنزلت الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] (٢).
عباد الله! والإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان" كما قال ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره".
وقد جاءت الأدلة في الكتاب والسنة تخبر أن الله قدّر كلَّ شيء في كتاب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال تعالى:
стр. 143
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال ﷺ : "كتب الله تعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (١).
خامسا: القرآن الكريم
عباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله ﷺ ، القرآن الكريم، فقالوا عن القرآن: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقالوا: إنما يعلمه بشر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٤ - ٥]، وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يغير هذا القرآن أو يبدله.
стр. 144
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٥ - ١٧].
عباد الله! وقد أخبر الله ونبه عن خطورة هذا العمل، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]، فلما فشلوا في مجادلتهم قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦].
سادسا: نزول القرآن منجماً على رسول الله ﷺ -
عباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله ﷺ ؛ نزول القرآن منجماً على رسول الله ﷺ ، عن ابن عباس ﵄ قال: قال المشركون: لو كان محمَّد كما يزعم نبياً فَلِمَ يعذبه ربه؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة، ينزل عليه الآية والآيتين والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾
стр. 145
[الفرقان: ٣٢] (١).
سابعا: مجالسة المستضعفين والفقراء من المؤمنين .
عباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله ﷺ ؟ جلوسهم مع الفقراء من المسلمين، في مجلس واحد، عن خباب ﵁ قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناسٍ من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد! فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم".
قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً.
قال: فدعا بصحيفة، ودعا علياً ليكتب -ونحن قعود في ناحية- فنزل جبرائيل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].
ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا
стр. 146
فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا، قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وهو يقول: "سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة"، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تجالس الأشراف ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني: عيينة والأقرع ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال: هلاكاً؛ قال: أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا.
قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ ، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها؛ قمنا وتركناه حتى يقوم" (١).
عباد الله! مجادلة بالباطل من كفار مكة، ومع ذلك فشلوا في هذه الأساليب جميعها لصد رسول الله ﷺ عن دعوته الجديدة.
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.
стр. 147
الخطبة الخامسة عشرة
قريش تعود إلى أسلوب الخنق والتضييق والتعذيب مما جعل كثيراً من المسلمين يهاجرون إلى الحبشة فراراً بدينهم من الفتنة
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم إن -شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله، ألا وهو أسلوب الخنق والتضييق والتعذيب والمطاردة، مما جعل كثيراً من المسلمين في مكة يهاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم من الفتنة.
عباد الله! رسولنا ﷺ في مكة يدعو الناس سراً وجهراً، ليلاً ونهاراً إلى عبادة الله ، وإلى عقيدة التوحيد، ويحذرهم من الشرك ومن عبادة الأوثان.
وكفار مكة ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ ليصدوا الناس عن دين الله، ويصدوا رسول الله ﷺ عن دعوته الجديدة، ومع ذلك الناس يدخلون في دين الله، ويتبعون رسول الله ﷺ .
عباد الله! بعد ما فشلت قريش في جميع الأساليب، لجأت مرةً أخرى إلى أسلوب الخنق والتضييق والاضطهاد والتعذيب للمسلمين، مما جعلهم يهاجرون إلى الحبشة فراراً بدينهم من الفتن.
تقول أم سلمة ﵂: "لما ضاقت (مكة)، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه؛ فقال لهم
стр. 148
رسول الله ﷺ : "إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه" (١).
عباد الله! بدأ الرحيل إلى الحبشة تسللاً في الخفاء، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه، ولم يبدأ كذلك على نطاق واسع، فتسلل بضعة عشر رجلاً وامرأة كان على رأسهم عثمان بن عفان ﵁ وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى انتهى إلى مسامعهم أن الاضطهاد والتعذيب والتضييق على المسلمين في مكة قد خفت وطأته، وترك الكفار المسلمين أحراراً، فعاد المسلمون من الحبشة إلى ديارهم وأرضهم وأهليهم، فبينما هم على مشارف مكة إذ تأكدوا أن الأخبار التي وصلتهم غير صحيحة، وكانت قريش قد أغاظها خروج هؤلاء النفر من بينهم دون علمهم، فلما سمعوا بعودتهم أخذوهم وساموهم سوء العذاب، إلا نفراً قليلاً منهم قد دخلوا في جوار بعض سادات قريش.
عباد الله! لما اشتد الاضطهاد والتعذيب والإيذاء بالمسلمين في مكة بعد عودة المهاجرين أشار النبي ﷺ على أصحابه بالهجرة مرة ثانية إلى الحبشة.
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جارٍ، النجاشي، أمنَّا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه.
فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما
стр. 149
يأتيه منها إليه الأدَم (أي الجلود)، فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة -قبل أن يسلما- وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.
قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جارٍ فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم.
وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لتردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم.
ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلّماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم.
فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليردَّاهم إلى بلادهم وقومهم.
стр. 150
قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا هيم الله (أي لا والله) إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قوماً جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟
قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن.
فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم. فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟
قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:
أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدد عليه أمور الإِسلام- فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا،
стр. 151
فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟
فقال له جعفر: نعم.
فقال له النجاشي: فاقرأ عليّ.
فقرأ عليه صدراً من ﴿كهيعص﴾.
قالت: فبكى، والله، النجاشي حتى أخضل (أي بلَّ) لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد.
قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنه غداً عيبهم عنده، ثم أستاصل به خضراءهم
قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاماً، وإن كانوا قد خالفونا.
قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك: إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟
стр. 152
قالوا: نقول والله ما قال الله وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا (١) عيسى ابن مريم ما قلت؛ هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم -الآمنون- من سبكم غُرِّم، ثم من سبكم غُرِّم ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دبراً ذهباً -أي جبلاً ذهباً- وإني آذيت رجلاً منكم، ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار" (٢).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي:
أولاً: يجب على العبد المسلم أن يهاجر من البلد التي لم يتمكن فيها من عبادة ربه، إلى بلد آخر يتمكن فيها من عبادة ربه، فقد هاجر أصحاب رسول الله ﷺ من مكة عندما ضُيق عليهم إلى الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، وقد هاجر رسول الله ﷺ - وهو أفضل خلق الله- من مكة -وهي أفضل بلاد الله- ليتمكن هو وأصحابه من عبادة الله .
стр. 153
ثانياً: أن المؤمنين إذا اتقوا ربهم جعل لهم مخرجاً ودافع عنهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
عباد الله! فقد جعل الله للمهاجرين إلى الحبشة مخرجاً، ودافع عنهم، ونصرهم على أعدائهم.
ثالثاً: أن الكفار في كل زمان ومكان ينفقوا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فالله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وقد تبين لكم يا عباد الله! من حديث أم سلمة ﵂، كيف أنفق كفار مكة أموالهم في إرسال الهدايا إلى النجاشي، وإلى بطارقته ثم كانت النتيجة حسرة عليهم.
رابعاً: أن من صدق نجا، فعندما صدق جعفر بن أبي طالب ﵁ ومن معه مع النجاشي ولم يكتموا شيئاً من عقيدتهم، فكانت العاقبة أحسن العواقب وأحمدها، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال ﷺ : "عليكم بالصدق فإن الصدق، يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة .. ".
خامساً: فضل النجاشي الملك العادل الذي لم يظلم المسلمين في أرضه ودافع عنهم وحافظ عليهم، فقد قال فيه الرسول ﷺ حين مات: "مات
стр. 154
اليوم رجل صالح، فقدموا فصلوا على أخيكم (أصحمة) " (١).
وعن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات" (٢).
قالت عائشة ﵂: "لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور" (٣).
عباد الله! ما هو أعجب ما رأى المهاجرون إلى الحبشة في أرض الحبشة؟
هذا الذي نعرفه -إن شاء الله -تعالى في الجمعة القادمة.
стр. 155
الخطبة السادسة عشرة
الهجرة إلى الحبشة وأعجب ما رأى المسلمون في أرض الحبشة
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون أيضاً عن هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، وعن أعجب ما رأى المسلمون في أرض الحبشة.
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن المسلمين هاجروا من مكة إلى الحبشة فراراً بدينهم، ولأن النبي ﷺ قال لهم: "إن بالحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه".
تقول أم سلمة ﵂: "فخرجنا إليها أرسالاً، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلماً".
تقول: "فلما رأت قريش أنا قد أصبنا داراً وأمناً، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا، ليخرجنا من بلاده وليردنا عليهم".
فبعد أن ذكرت ﵂ المحاولة الفاشلة التي قام بها كفار مكة قالت: "ثم قال النجاشي: فوالله؛ ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي".
تقول ﵂: "فخرجا مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به".
стр. 156
تقول ﵂: "فأقمنا مع خير جار في خير دار" (١).
عباد الله! لما فشلت قريش في محاولتها الغادرة وهي إرجاع المهاجرين من أرض الحبشة إلى مكة، أخذوا يصبوا العذاب صباً على المسلمين في مكة ويضيقون عليهم.
"فهذا أبو بكر الصديق ﵁ حين ضاقت عليه (مكة) وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى؛ استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فأذن له" (٢).
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى عائشة ﵂ وهي تخبرنا الخبر، تقول ﵂: "لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم، إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى بلغ بَرْك الغماد -وهو موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن- لقيه ابن الدُّغنة -وهو سيد القارة (٣) - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدَّغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدَّغنة فطاف ابن الدَّغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا
стр. 157
يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغنة، وقالوا له: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء؛ ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدَّغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر؛ فابتني مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من الشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتني مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك -أي ننقض عهدك- ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابن الدَّغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرتُ في رجل عقدتُ له.
فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله " (١).
стр. 158
عباد الله! وهذا أبو موسى الأشعري ﵁ يخبرنا عن هجرته هو وأصحابه إلى الحبشة.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "بلغنا مخرج النبي- ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فقال النبي ﷺ : "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان" (١).
عباد الله! قال النبي ﷺ ذلك عندما قال عمر بن الخطاب ﵁ لأصحاب السفينة: "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم"، فلما بلغ الخبر إلى النبي ﷺ قال: "لا ما هو بأحق بي منكم وله (أي: لعمر وأصحابه) هجرةٌ واحدة ولكم يا أهل السفينة هجرتان" (٢).
ولما عاد مهاجروا الحبشة إلى رسول الله ﷺ جعل يسألهم ويخبرونه بما رأوا في أرض الحبشة من أعاجيب:
فعن جابر ﵁ قال: لما رجع مهاجروا البحر إلى رسول الله ﷺ قال لهم رسول الله ﷺ : "ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟! " قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينما نحن جلوس، إذ مرت عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قُلَّةً من ماء، فقام إليها فتىً من فتيانهم فوضع إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها. فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت، التفتت إليه فقالت: سوف تعلم، يا غُدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون،
стр. 159
فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً.
فقال رسول الله ﷺ : "صدقت. صدقت. كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ " (١).
عباد الله! وفي هذا الحديث فوائدٌ عظيمة منها:
أولاً: تحريم الظلم .
قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا" (٢)، وقال ﷺ : "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣].
عباد الله! الظلم عاقبته وخيمة، والله ﵎ يأخذ من الظالم للمظلوم يوم القيامة، فلا يدخل أحدٌ الجنة ولواحد من أهل النار عنده مظلمة، ولا يدخل أحد النار ولواحد من أهل الجنة عنده مظلمة.
قال ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (٤).
стр. 160
وقال ﷺ : "من اقتطع" -أي أخذ- "حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة"، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "وإن قضيباً من أراك" (١).
وقال ﷺ : "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه" (٢).
ولذلك قال ﷺ لأصحابه: "أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال ﷺ : "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار" (٣).
عباد الله! فالظالم خسران في الدنيا والآخرة.
والظالم لا يحبه الله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
والظالم ملعون، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
عباد الله! الظلم سبب لهلاك الأمم.
стр. 161
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾، وعن أبي موسى الأشعري قال: قال ﷺ : "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١).
وقال ﷺ في هذا الحديث الذي معنا "كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم".
ابن آدم!
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم يرجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
ثانياً: أن نصر المظلوم واجب على القادر عليه .
قال ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال ﷺ : "تمنعه من ظلمه فذلك نصره" (٢).
وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه" (٣).
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، .. وذكر منها نصر المظلوم" (٤).
стр. 162
ثالثاً: إثبات البعث، والحشر، والحساب، والجزاء:
وهذا يظهر من قول العجوز للفتى الذي ظلمها واعتدى عليها: سوف تعلم، يا غُدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والأخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً".
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣].
وقال ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار، ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة" (١).
ابن آدم:
مثل وقوفك يوم العرض عريانا ... مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا
والنار تلهب من غيظ ومن حنق ... على العصاة ورب العرش غضبانا
إقرأ كتابك يا عبدي على مهل ... فهل ترى فيه حرفاً غير ما كان
لما قرأت ولم تنكر قراءته ... إقرار من عرف الأشياء عرفانا
стр. 163
نادى الجليل خذوه يا ملائكتي ... وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا
المجرمون غداً في النار يلتهبوا ... والمؤمنون في دار الخلد سكانا
عباد الله! ومن أعاجيب ما رأى المهاجرون في أرض الحبشة ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن عائشة ﵂ قالت: "لما كان مرض النبي ﷺ ، تذاكر بعض نسائه كنيسةً بأرض الحبشة يقال لها (مارية) وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة- فذكرن من حسنها وتصاويرها. فقال النبي ﷺ : "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، فصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (١).
عباد الله! وفي هذا الحديث فائدة عظيمة جداً، ألا وهي حرمة بناء المساجد على القبور.
عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: "لما نزل برسول الله ﷺ ، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يُحذر مثل ما صنعوا" (٢).
وقالت عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، قالت:
стр. 164
فلولا ذاك أبرزَ قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢).
وقال ﷺ : "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (٣).
وقال ﷺ : "إن من شرار الناس من تدركه الساعة، وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد" (٤).
عباد الله! من هذه الأحاديث يتبين لنا:
١ - أن بناء المساجد على القبور حرام، وكبيرة من الكبائر، ومن فعل ذلك فهو من شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
٢ - أن الصلاة إلى القبور مستقبلاً لها حرام.
٣ - أن السجود على القبور حرام.
فليتق الله الذين يبنون المساجد على القبور، والذين يدفنون أنفسهم وأقاربهم في المساجد التي بنوها، فإن هذا حرام وكبيرة من الكبائر، والذي
стр. 165
يفعل ذلك هو من شرار الخلق عند الله، وقد حبط عمله وغضب الله عليه ولعنه.
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.
стр. 166
الخطبة السابعة عشرة
إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ﵄
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن إسلام حمزة ابن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ﵄.
عباد الله! تبين لنا من الجُمع السابقة أن كفار مكة استخدموا جميع الأساليب لمنع الناس من الدخول في دين الله ولكنهم فشلوا في ذلك، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ [يوسف: ٢١]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
عباد الله! كفار مكة بالليل والنهار يحاولون أن يمنعوا الناس من الدخول في دين الله، ومع ذلك الناس في كل يوم يدخلون في دين الله ويتبعون رسول الله ﷺ ، فهذا حمزة بن عبد المطلب ﵁ ... أتعرفونه؟ عمَّ رسول الله ﷺ ، وأخوه من الرضاعة، قال فيه رسول الله ﷺ : "سيد الشهداء عند الله يوم القيامة؟ حمزة بن عبد المطلب" (١).
стр. 167
يروى في سبب إسلامه ﵁ أن جارية عيَّرته بإيذاء أبي جهل لابن أخيه محمَّد ﷺ فتوجه إليه وغاضبه وسبه وقال له: كيف تسب محمداً وأنا على دينه، فشجه شجة منكرة، فكان إسلامه في بداية الأمر أنفة، ثم شرح الله صدره بنور اليقين، حتى صار من أفاضل المؤمنين" (١).
وعن محمَّد بن كعب القرظي قال: كان إسلام حمزة ﵁ حمية، وكان يخرج من الحرم فيصطاد، فإذا رجع مرَّ بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة، فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا وصنعت كذا وكذا ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم فلقيته امرأة فقالت: ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل، شتمه وتناوله وفعل وفعل، فقال: هل رآه أحدٌ؟ قالت: إي والله لقد رآه الناس، فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم، فاتكأ على قوسه، وقال: رميت كذا وكذا وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل فدق سنتها، ثم قال: خذها بالقوس، وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله قالوا: يا أبا عمارة إنه سب آلهتنا، وإن كنت أنت- وأنت أفضل منه- ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشاً" (٢).
عباد الله! ثم شرح الله صدر حمزة بن عبد المطلب ﵁ للإسلام وثبت عليه، فعلمت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه
стр. 168
فكفوا عن بعض ما كانوا ينالوا منه" (١).
عباد الله! وهذا عمر بن الخطاب ﵁ .. أتعرفونه؟ الفاروق الذي قال فيه ﷺ : "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب" (٢) وقال عنه ﷺ : "لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون" -أي ملهمون- "فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر" (٣). وقال عنه ﷺ : "إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر" (٤).
الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ الذي قال عن نفسه: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله! يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي ﷺ في الغَيْرة فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك" (٥).
أمة الإسلام! كان عمر بن الخطاب ﵁ قبل إسلامه من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وأكثرهم إيذاء وتعذيباً للمسلمين، قال سعيد بن زيد ﵁ وهو ابن ابن عم عمر، وزوج أخته فاطمة بنت الخطاب-: "والله لقد رأيتني وإن
стр. 169
عمر لموثقي على الإِسلام قبل أن يسلم" (١).
عباد الله! كان عمر بن الخطاب رجلاً قوياً مهيباً، وكان يؤذي المسلمين ويشتد عليهم، حتى يئس بعضهم من إسلامه لما رأى من غلظته وقسوته على المسلمين، ولكن شدة عمر الظاهرة تكمن خلفها رحمة ورقة، وكان بعض المسلمين مما يرى من قسوة عمر على المسلمين كان يقول: بأنه لا يمكن أبداً أن يسلم عمر.
عن أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت: "والله، إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر بن ربيعة (تعني زوجها) في بعض حاجاتنا؛ إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه، قالت: وكنا نلقي منه من البلاء؛ أذى لنا وشدة علينا، قالت: فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله؟
قلت: نعم، والله لنخرجن في أرض من أرض الله- إذ آذيتمونا وقهرتمونا- حتى يجعل الله لنا مخرجاً.
قالت: فقال: صَحِبَكُم الله. ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه- فيما أرى- خروجنا.
قالت: فجاء عامر (وهو زوجها) بحاجته تلك.
فقلت له: يا أبا عبد الله! لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا!
قال: أطمعت في إسلامه؟
قالت: نعم.
قال: لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب!
стр. 170
قالت: يأساً منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإِسلام" (١).
عباد الله! ولكن الله ﵎ القادر على كل شيء -كما أنه يحيي الأرض بعد موتها- كذلك يحيى القلوب القاسية بعد موتها.
ولذلك لما ذكر الله في كتابه قسوة قلوب أهل الكتاب محذراً منها، عقَّب على ذلك بذكر قدرته على إحياء الأرض الميتة حتى لا ييأس أصحاب القلوب القاسية من إحيائها.
فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وقد علم الله أن قسوة قلب عمر قسوة عارضة لا مستحكمة، ولا دائمة، ولذلك هيأ له الأسباب للإسلام، وإذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه ليكون.
عباد الله! ومن أسباب إسلام عمر بن الخطاب:
أولاً: سماعه للقرآن الكريم: فالقرآن هو كلام الله، له تأثير في القلوب.
فيروى عن عمر أنه قال: "خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال:
فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، قلت: كاهن، قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾
стр. 171
[الحاقة: ٤٢]، حتى بلغ آخر السورة. قال: فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع" (١).
عباد الله! وهذه القصة فيها ضعف، وكذلك قصته مع أخته فاطمة حين لطمها لإسلامها وضرب زوجها سعيد بن زيد، ثم اطلاعه على صحيفة فيها آيات وإسلامه فلم يثبت شيء من هذه القصص من طريق صحيحه.
ولكن الحافظ ابن حجر ذكر بان الباعث له على دخوله في الإسلام ما سمع في بيت أخته فاطمة من القرآن .. وعدم ثبوت الروايات حديثياً لا يعني حتمية عدم وقوعها تاريخياً" (٢).
ثانياً: دعاء النبي ﷺ له:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم! أعز الإِسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال: فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب" (٣).
عباد الله! استجاب الله ﵎ دعاء رسول الله ﷺ ، فأسلم عمر بن الخطاب ﵁، فاعتز به الإِسلام وفرح المسلمون بإسلامه فرحاً عظيماً، وازدادوا بإسلامه قوة ومنعة وعزة ورفعة.
قال ابن مسعود ﵁: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر" (٤).
стр. 172
وقال أيضاً: "لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي" (١).
وقال أيضاً: "إن إسلامه كان نصراً" أي للإسلام والمسلمين (٢).
وقال ابن عباس ﵄ لعمر بن الخطاب حين طعن: "فلما أسلمت كان إسلامك عزاً، وأظهر الله بك الإِسلام ورسول الله وأصحابه" (٣).
لما أسلم عمر بن الخطاب ﵁ لم يرض أن يستخفي كما يستخفي المسلمون، بل أصر على إعلان إسلامه، وإظهار دينه، والجهر بصلاته.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عمر ﵄ وهو يخبرنا الخبر: عن ابن عمر قال: "لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه.
قال عبد الله: وغدوت أتبع أثره، وانظر ما يفعل- وأنا غلام أعقل كل ما رأيت- حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسملت ودخلت في دين محمَّد ﷺ ؟
قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ!
стр. 173
قال: يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم.
قال: وطلح (أي أعيا) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فاحلف بالله أن لو كنا ثلاث مئة رجلٍ لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا قال: فبينما هم على ذلك؛ إذ أقبل شيخ من قريش -عليه حلة حبرة وقميص موشى- حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟
فقالوا: صبأ عمر! قال: فمه؛ رجل اختار لنفسه أمراً؛ فماذا تريدون؟! أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟! خلوا عن الرجل، قال: فوالله؛ لكأنما ثوباً كُشط عنه.
قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى (المدينة): يا أبت! من الرجل الذي زجر القوم عنك بـ (مكة) يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟
قال: ذاك أي بني! العاص بن وائل السهمي (١).
قال ابن عباس ﵄: "أول من جهر بالإِسلام عمر بن الخطاب" (٢)، أسلم عمر وانتشر الخبر وازداد الكفار هماً وغماً، وازداد المسلمون فرحاً وعزة ومنعة بإسلام عمر.
عباد الله! ولم يكتف عمر ﵁ بذلك بل طلب من النبي ﷺ أن يُعلن إسلامه في كل مجلس كان يجلسه في الكفر.
стр. 174
عن عمر ﵁ أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني لا أدع مجلساً جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإِسلام، فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة، فجعل يُعلن الإِسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
فثار المشركون، فجعلوا يضربونه ويضربهم، فلما تكاثروا خلصه رجل" (١).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عمر ﵁:
اْولأ: أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل: فقد انتفع عمر بن الخطاب بدعاء النبي ﷺ .
فاحذر يا أيها المسلم أن تبخل على نفسك وعلى إخوانك بالدعاء، فالدعاء مستجاب، وليس شيء أكرم على الله ﵎ من الدعاء، فادع الله ﵎ واسأله من فضله.
ثانياً: يجوز للمسلم أن يدعو للكافر بالهداية، فقد دعا النبي ﷺ لعمر بن الخطاب بالهداية، فقال ﷺ : "اللهم أعز الإِسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب" فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب.
وقد دعا النبي ﷺ لأم أبي هريرة بالهداية، فعن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإِسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإِسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما
стр. 175
أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشراً بدعوة النبي ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب وقرُبت منه، فإذا هو مجاف، فسمعتْ أمي خَشَفَ قدمي، فقال: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله! أبشر، فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وقال: "خيراً".
عباد الله! إذا كان الدعاء للكافر بالهداية جائز ومشروع، فالدعاء للمسلم العاصي بالتوبة والرجوع إلى الله من باب أولى، فإذا رأيت مسلماً عاصياً فادع الله أن يرده إلى الإِسلام، وأن يعود إلى ربه، فدعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند الرب ﵎.
ثالثاً: المسلم عزيز بإسلامه والكافر ذليل بكفره، فهذا عمر بن الخطاب اعتز بإسلامه فاعلن به بكل عزة وفخر أمام الكفار، كيف لا، وهو الذي قال: "كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله".
أمة القرآن: أما آن الأوان أن نعود إلى إسلامنا لنعتز به فقط، ولا نعتز بغيره، فيا عباد الله! الرجوع الرجوع إلى الإِسلام فإن فيه والله العزة، وبه تنتصرون على أعدائكم.
اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.
стр. 176
الخطبة الثامنة عشرة
المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي ، وفاة أبي طالب وخديجة ﵂، رحلة رسول الله ﷺ إلى الطائف
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الأحداث التالية:
أولاً: المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي
ثاتيأ: وفاة أبي طالب وخديجة ﵂.
ثالثاً: رحلة رسول الله ﷺ إلى الطائف.
عباد الله! لما فشلت قريش في استعادة المسلمين من الحبشة، ورأت أن الناس يدخلون في دين الله، ويتبعون رسول الله ﷺ وعلى رأس هؤلاء حمزة ابن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب ﵄، الذي ازداد المسلمون بإسلامهما فرحاً وعزة ومنعة، عزمت قريش على قتل رسول الله ﷺ .
عباد الله! وحدد النبي ﷺ المكان الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر -يعني تحالفها على مقاطعة بني هاشم حتى يسلموا لهم رسول الله ﷺ ليقتلوه- فذكر أنه خيف بني كنانة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي- ﷺ من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر".
يعني بذلك المُحَصَّبَ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب؛ أن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم
стр. 177
النبي ﷺ " (١).
عباد الله! لما رأى أبو طالب إصرار قريش على قتل النبي ﷺ ، جمع بني عبد المطلب ودعاهم إلى الدخول بالنبي ﷺ في شعب أبي طالب، ودعاهم أيضاً إلى أن يمنعوا النبي ﷺ من كل من أراد قتله، فاجتمع على ذلك مؤمنهم وكافرهم، منهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعل ذلك إيماناً ويقيناً.
فلما رأت قريش أن بني هاشم وبني عبد المطلب دخلوا بالنبي ﷺ الشِّعب ليمنعوه ممن أراد قتله، اتفقوا فيما بينهم على مقاطعة عامة لبني هاشم وبني عبد المطلب، وأجمعوا أمرهم أن لا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا ينكحوهم ولا ينكحوا منهم، حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ليقتلوه، وكتبوا ذلك في صحيفة، وعلقوها في جوف الكعبة، ومضى على ذلك ثلاث سنين، فجُهد النبي ﷺ ومن معه جهداً شاقاً، وأنهكهم الجوع، وهم في ذلك صابرون محتسبون، واثقون من أن الله -تعالى- جاعل لهم من هذا الضيق فرجاً ومخرجاً.
عباد الله! فلم تمض الثلاث سنين على هذا الحصار وهذه المقاطعة حتى فرق الله كلمة المشركين، وفرق جمعهم، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن سر هذه المقاطعة، وسبب هذا الحصار الذي فرضوه على بني هاشم وبني عبد المطلب، ونفعه وضرره، وماذا جنوا منه وماذا استفادوا، فاجتمع رجال من قريش على نقض هذه الصحيفة الظالمة.
стр. 178
عباد الله! خرج النبي ﷺ ومن معه من الشعب، وقد أنهكهم الجوع، وأصابهم الضيق والشدة والبلاء، كل ذلك ببغي قريش وظلمها والله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
فرأى النبي ﷺ أن يدعو الله على قريش أن يصيبهم بمثل ما أصابهم فقال ﷺ : "اللهم سبعٌ كسبع يوسف".
أي سبع سنين جدباً، وفي رواية "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (١).
فأخذتهم سنة، محت كل شيء، حتى أكلوا أوراق الشجر والميتة والجيفة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى الدخان من شدة الجوع، فلم يجدوا بداً من أن يأتوا رسول ﷺ ويسألونه أن يدعو الله ليفرج كربهم، فدعا لهم رسول الله ﷺ فسقوا الغيث ورفع الله ما نزل بهم.
عباد الله! إنها أخلاق النبوة
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما رأى رسول الله ﷺ الناس إدباراً قال: "اللهم! سبع كسبع يوسف" فأخذتهم سنة، حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاء أبوسفيان، وناس من أهل (مكة)، فقالوا: يا محمَّد! إنك تزعم أنك بُعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا؛ فادع الله لهم، فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث" (٢).
عباد الله! وما أن خرج النبي ﷺ من الشعب حتى فاجأ المرض أبا طالب
стр. 179
عم رسول الله ﷺ .
وكان أبو طالب "يحوط النبي ويغضب له" (١)، "وينصره" (٢)، وكانت
قريش تحترمه.
عباد الله! أبو طالب أشرف على الموت، فأتاه النبي ﷺ يدعوه للإسلام لعله يموت عليه، ولكن الهدى هدى الله.
عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ دخل عليه النبيُّ ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي ﷺ : "يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أي أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملة عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤].
وأنزل الله قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] (٣).
عباد الله! وهكذا مات أبو طالب على الكفر، وخرج من الدنيا على غير لا إله إلا الله، إلا أن الله تفضل عليه بما قدم لرسول الله ﷺ ، فشفَّع فيه رسول الله ﷺ فأخرجه من أسفل النار إلى أعلاها.
стр. 180
عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال ﷺ : "نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح من النار" (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو ينتعل نعلين يغلي منهما دماغه" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" (٣).
ولكن لم يشفع له النبي ﷺ أن يخرج من النار؛ لأنه لا يخرج من النار من مات كافراً أبداً، وحرم الله الجنة على من مات كافراً أو مشركاً.
عباد الله! مات أبو طالب، ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ماتت الزوجة الوفية الأمينة خديجة بنت خويلد ﵂ فحزن عليها رسول الله ﷺ حزناً شديداً، وظل يذكرها بعد موتها بكل خير، ويثني عليها أحسن الثناء، حتى أن عائشة ﵂ غارت منها بعد موتها ولم ترها، من كثرة ذكر الرسول ﷺ لها.
عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت خديجة، وما رأيتها قط ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يُقطعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له: كأن لم يكن