← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الخطبة الثامنة عشرة المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي ، وفاة أبي طالب وخديجة ﵂، رحلة رسول الله ﷺ إلى الطائف عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الأحداث التالية: أولاً: المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي ثاتيأ: وفاة أبي طالب وخديجة ﵂. ثالثاً: رحلة رسول الله ﷺ إلى الطائف. عباد الله! لما فشلت قريش في استعادة المسلمين من الحبشة، ورأت أن الناس يدخلون في دين الله، ويتبعون رسول الله ﷺ وعلى رأس هؤلاء حمزة ابن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب ﵄، الذي ازداد المسلمون بإسلامهما فرحاً وعزة ومنعة، عزمت قريش على قتل رسول الله ﷺ . عباد الله! وحدد النبي ﷺ المكان الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر -يعني تحالفها على مقاطعة بني هاشم حتى يسلموا لهم رسول الله ﷺ ليقتلوه- فذكر أنه خيف بني كنانة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي- ﷺ من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". يعني بذلك المُحَصَّبَ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب؛ أن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم

стр. 177

النبي ﷺ " (١). عباد الله! لما رأى أبو طالب إصرار قريش على قتل النبي ﷺ ، جمع بني عبد المطلب ودعاهم إلى الدخول بالنبي ﷺ في شعب أبي طالب، ودعاهم أيضاً إلى أن يمنعوا النبي ﷺ من كل من أراد قتله، فاجتمع على ذلك مؤمنهم وكافرهم، منهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعل ذلك إيماناً ويقيناً. فلما رأت قريش أن بني هاشم وبني عبد المطلب دخلوا بالنبي ﷺ الشِّعب ليمنعوه ممن أراد قتله، اتفقوا فيما بينهم على مقاطعة عامة لبني هاشم وبني عبد المطلب، وأجمعوا أمرهم أن لا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا ينكحوهم ولا ينكحوا منهم، حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ليقتلوه، وكتبوا ذلك في صحيفة، وعلقوها في جوف الكعبة، ومضى على ذلك ثلاث سنين، فجُهد النبي ﷺ ومن معه جهداً شاقاً، وأنهكهم الجوع، وهم في ذلك صابرون محتسبون، واثقون من أن الله -تعالى- جاعل لهم من هذا الضيق فرجاً ومخرجاً. عباد الله! فلم تمض الثلاث سنين على هذا الحصار وهذه المقاطعة حتى فرق الله كلمة المشركين، وفرق جمعهم، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن سر هذه المقاطعة، وسبب هذا الحصار الذي فرضوه على بني هاشم وبني عبد المطلب، ونفعه وضرره، وماذا جنوا منه وماذا استفادوا، فاجتمع رجال من قريش على نقض هذه الصحيفة الظالمة.

стр. 178

عباد الله! خرج النبي ﷺ ومن معه من الشعب، وقد أنهكهم الجوع، وأصابهم الضيق والشدة والبلاء، كل ذلك ببغي قريش وظلمها والله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. فرأى النبي ﷺ أن يدعو الله على قريش أن يصيبهم بمثل ما أصابهم فقال ﷺ : "اللهم سبعٌ كسبع يوسف". أي سبع سنين جدباً، وفي رواية "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (١). فأخذتهم سنة، محت كل شيء، حتى أكلوا أوراق الشجر والميتة والجيفة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى الدخان من شدة الجوع، فلم يجدوا بداً من أن يأتوا رسول ﷺ ويسألونه أن يدعو الله ليفرج كربهم، فدعا لهم رسول الله ﷺ فسقوا الغيث ورفع الله ما نزل بهم. عباد الله! إنها أخلاق النبوة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما رأى رسول الله ﷺ الناس إدباراً قال: "اللهم! سبع كسبع يوسف" فأخذتهم سنة، حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاء أبوسفيان، وناس من أهل (مكة)، فقالوا: يا محمَّد! إنك تزعم أنك بُعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا؛ فادع الله لهم، فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث" (٢). عباد الله! وما أن خرج النبي ﷺ من الشعب حتى فاجأ المرض أبا طالب

стр. 179

عم رسول الله ﷺ . وكان أبو طالب "يحوط النبي ويغضب له" (١)، "وينصره" (٢)، وكانت قريش تحترمه. عباد الله! أبو طالب أشرف على الموت، فأتاه النبي ﷺ يدعوه للإسلام لعله يموت عليه، ولكن الهدى هدى الله. عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ دخل عليه النبيُّ ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي ﷺ : "يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أي أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملة عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]. وأنزل الله قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] (٣). عباد الله! وهكذا مات أبو طالب على الكفر، وخرج من الدنيا على غير لا إله إلا الله، إلا أن الله تفضل عليه بما قدم لرسول الله ﷺ ، فشفَّع فيه رسول الله ﷺ فأخرجه من أسفل النار إلى أعلاها.

стр. 180

عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال ﷺ : "نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح من النار" (١). وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو ينتعل نعلين يغلي منهما دماغه" (٢). وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" (٣). ولكن لم يشفع له النبي ﷺ أن يخرج من النار؛ لأنه لا يخرج من النار من مات كافراً أبداً، وحرم الله الجنة على من مات كافراً أو مشركاً. عباد الله! مات أبو طالب، ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ماتت الزوجة الوفية الأمينة خديجة بنت خويلد ﵂ فحزن عليها رسول الله ﷺ حزناً شديداً، وظل يذكرها بعد موتها بكل خير، ويثني عليها أحسن الثناء، حتى أن عائشة ﵂ غارت منها بعد موتها ولم ترها، من كثرة ذكر الرسول ﷺ لها. عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت خديجة، وما رأيتها قط ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يُقطعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له: كأن لم يكن

стр. 181

في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد" (١). وقال رسول الله ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران" (٢). جبريل ﵇ يقرئ خديجة السلام من ربها، ويبشرها بقصر في الجنة قال أبو هريرة ﵁: "أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب" (٣). عباد الله! مات أبو طالب على الكفر، وماتت خديجة على الإيمان، لتعلموا يا عباد الله! أن الموت حق على الجميع على المؤمن والكافر وعلى الكبير والصغير وعلى الغني والفقير وعلى القوي والضعيف فما من أحدٍ منَّا إلا وسيأتيه الموت ويخرج من هذه الدنيا، لكن هنيئاً لمن خرج على الإيمان والعمل الصالح، وخاب وخسر من جاءته المنية وهو على الكفر ومعصية الله. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].

стр. 182

وقال جبريل ﵇ لرسولنا ﷺ : "يا محمَّد عش ما شئت فإنك ميت .. ". ابن آدم! لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها تردوا أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفدُ حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من وروده يوماً كما وردوا عباد الله! نسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل ولم أر مثل الموت حقاً كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاعل ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام وهن قلائل عباد الله! لما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فرأى رسول الله ﷺ أن يغير البيئة، وأن يخرج بالدعوة من مكة إلى غيرها، لعله يجدُ من القبائل والعشائر من يقبل الدعوة، ويحميه حتى يبلغ رسالة ربه، فخرج إلى الطائف ماشياً يلتمس النصرة من ثقيف، رجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ، ولكنها لم تستجب له، وأغرت به صبيانها فرشقوه بالحجارة حتى أدموه، فقابل ذلك بالصبر والرضا وخرج عائداً إلى مكة، مهموماً حزيناً فبعث الله له ملك الجبال لينتقم منهم، فقابل الإساءة بالإحسان والعفو

стр. 183

والصبر، ولم يوافق ملك الجبال على هلاكهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (يعني عقبة الطائف)، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمَّد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ - جبلان بمكة-، فقال له رسول الله ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً" (١). إنها أخلاق النبوة، إنها الرحمة، ورجع النبي ﷺ إلى مكة، وكان بيده أن يتخلص من الكفار، وأن يستريح من شرهم، وأن يمسك هو الحكم ليقوم بما يريد، ولكن ليس بهذه الطريقة جاء الأنبياء إلى هذه الأرض، إنهم جاءوا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

стр. 184

عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذه الأحداث فهي: أولاً: المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي، ومطاردة الناس في أرزاقهم؛ من أخلاق الكفرة من قديم الزمان وإلى يومنا هذا، ففي مكة فعلت قريش ذلك برسول الله ﷺ وأصحابه، وحاصروهم في شعب أبي طالب، وإلى يومنا هذا الكفار يضربون الحصار الاقتصادي، والحظر على بلاد المسلمين، نقول للكفار في كل مكان: أرزاق العباد بيد الله وليست بايديكم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤] ونقول للكفار: إن الله بفضله وكرمه ورحمته، لم يكل رزق العباد إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. عباد الله! أيرزق الله الدواب والطيور وينسى الذين يقولون: لا إله إلا الله، أيرزق الله الكفرة الفجرة الذين يحاربون الله ويحاربون دينه وعباده، ويحرم الذين يعبدونه وينصرون دينه!! قال ﷺ : "إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله" (١). وقال ﷺ : "لو أن ابن آدم هرب من الرزق كما يهرب من الموت،

стр. 185

لأدركه رزقه كما يدركه الموت" (١). ولذلك قال ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله، لا ينال إلا بطاعته" (٢). ثانياً: الرحمة والعفو والصفح من أخلاق رسولنا ﷺ ، فقد فعل الكفار ما فعلوا برسول الله ﷺ وأصحابه، ولما دعا عليهم الرسول ﷺ بسبع كسبع يوسف واستجاب الله له فيهم، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ يطلبون منه أن يدعو الله أن يرفع عنهم ذلك العذاب، فدعا رسول الله ﷺ ربه أن يغيثهم. وعندما اعتدى أهل الطائف على رسول الله ﷺ ورشقوه بالحجارة حتى أدموه، وجاء ملك الجبال يطلب من رسول الله ﷺ أن يأمره أن يطبق على الكفار الجبلين، رفض رسول الله ﷺ ذلك وقال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئاً" إنها أخلاق النبوة .. كيف لا والله يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ثالثاً: على الدعاة أن يصبروا على دعوتهم وعلى إيذاء الناس لهم، فلا بأس ولا قنوط من إسلام الكفرة والفجرة، ولا من توبة العصاة الفسقة،

стр. 186

فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكم من رجل خرج ليلاً ليقتل النبي ﷺ فما أصبح إلا وهو من أتباعه، فلا يجوز للداعي أن ييأس من الناس، ولا يجوز أن يقنط من الناس، فالله هو الهادي، والداعي ما عليه إلا البيان، وأجره على الله. رابعاً: جليس السوء يضر صاحبه في الحياة الدنيا، وعند الموت، ويوم القيامة، فقد تبين لكم أن جليس السوء -وهو أبو جهل- قد أضر بصاحبه عندما قال له رسول الله ﷺ : "يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" فقال له أبو جهل: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فخرج الرجل من الدنيا على ملة عبد المطلب -على الكفر- وهكذا الجليس السوء. ولكن إذا جلس الجليس الصالح عند صاحبه عند الموت قال له: (قل لا إله إلا الله) فيقولها. والرسول ﷺ يقول: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (١). اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.

стр. 187

الخطبة التاسعة عشرة: الإسراء والمعراج عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الإسراء والمعراج. عباد الله! الإسراء والمعراج كان مكافأة ربانية، ومواساة للرسول ﷺ بعد الحصار الظالم الذي استمر ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وبعد وفاة الناصر الحميم أبي طالب، والزوجة الوفية الأمينة خدبجة ﵂، وبعد رحلة الطائف الأليمة. فكانت هذه الرحلة الربانية، التي أكرم الله ﵎ فيها رسوله ﷺ ؛ ليُذهب عن صدره الآلام والأحزان. عباد الله! الإسراء: هو ذهاب الله ﵎ بنبيه محمَّد ﷺ ، راكباً على البراق، من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى في القدس، في جزء من الليل ثم رجوعه من ليلته. والمعراج: هو صعود الرسول ﷺ ، من المسجد الأقصى في تلك الليلة، بعد إسرائه إلى السموات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم رجوعه إلى بيت المقدس في تلك الليلة. عباد الله! حادث الإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة. ففي كتاب ربنا، ذكر الله تعالى الإسراء وحكمته بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].

стр. 188

- ويستفاد من هذه الآية ما يلي-: أولاً: بدأ الله الآية بـ (سبحان) لأن من قدر على هذا فهو مستحق للتنزيه والتقديس. ثانياً: في ذكر العبد في هذا المقام تشريفٌ، ولذلك وصف الله رسوله بالعبودية في أشرت المقامات: ففي مقام التنزيل قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. وفي مقام الدعوة قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩]. وفي مقام التحدي قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وفي مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]. وفي ذكر العبد في هذا المقام أيضاً تحذير أن يتخذ الإسراء ولسيلة لرفع الرسول ﷺ من مقام العبودية إلى مقام الألوهية، وكان النبي ﷺ ينهى عن الإطراء والغلو حتى لا يقع الناس في الشرك، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" (١). ثالثاً: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بمكة،

стр. 189

وسمى حراماً لحرمته وهو أول بيت وضع في الأرض، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ بفلسطين: وسمى بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام، وهو ثاني بيت بني لله في الأرض، سئل ﷺ : "أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قيل: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة" (١). رابعاً: وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ فالمسجد الأقصى مبارك، والأرض التي حوله مباركة، وهي بركات دينية ودنيوية. خامساً: وفي قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ تلك هي حكمة الإسراء، لقد رأى النبي ﷺ في رحلته؛ ما أذهب عن صدره الآلام والأحزان والروع والخوف، وليربط على قلبه وليثبت فؤاده، وليكون من المؤمنين أن الله معه ولن يتخلى عنه، وأن الله ناصره. عباد الله! وفي كتاب ربنا ذكر الله قصة المعراج وثمرته في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ يعني جبريل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٣ - ١٨]. فالإسراء والمعراج ثابت في كتاب ربنا. وكان بالروح والجسد وفي اليقظة لقوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ والعبد لا يكون إلا بالروح والجسد، ولقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ والبصر

стр. 190

يكون في الجسد. وفي قوله ﷺ : "لما كذبتني قريش قمت في الحجر فَجَلَّى الله ليَ بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته" (١). فلو أنه ﷺ أخبرهم بأنها رؤيا رآها لما اختبروه بالسؤال عن آياته وعلاماته. عباد الله! والإسراء والمعراج ثابت في سنة نبينا ﷺ ، فتعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله ﷺ وهو يخبرنا خبر الإسراء والمعراج. قال رسول الله ﷺ : "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري ثم غسله بماء زمم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه" (٢). عباد الله! بعد أن فرغ جبريل ﵇ من عملية شق الصدر وغسله ولأمه لرسول الله ﷺ بدأ الإسراء من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى على البراق. قال رسول الله ﷺ : "أتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه- فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة" (٣). عباد الله! ومن هناك من المسجد الأقصى بدأت رحلة المعراج فعُرج

стр. 191

بالنبي ﷺ ، من المسجد الأقصى، إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله. قال ﷺ : "ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبربل فقيل: من أنت؟ قال: جبربل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا -صلوات الله عليهما- فرحبا بي ودَعَوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل ﵇: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇ وقد أعطى شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇ فقيل من هذا؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير. قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل قيل: من؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﷺ فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل:

стр. 192

من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﷺ ، مسنداً ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشى، تغيرت فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إلى ما أوحى، ففرض علي، خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ ، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عني خمساً، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمَّد! إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت

стр. 193

له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ : فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" (١). عباد الله! وهكذا كان الإسراء والمعراج- تلك الرحلة العجيبة- تم في جزءٍ من الليل، وعاد النبي ﷺ من رحلته والناس نيام لم يشعر أحدٌ بذلك. عباد الله! كفار مكة وخبر الإسراء والمعراج. الذين كذبوا أن يقع وحيٌ على الأرض أتراهم يصدِّقون به في السماء؟ تعالوا بنا يا عباد الله! لنستمع إلى رسول الله ﷺ وهو يخبرنا عن حال قريش عندما وصلهم الخبر، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كان ليلة أسري بي، وأصبحت بمكة، فظعْتُ بأمري وعرفتُ أن الناس مكذِّبيَّ"، قال: فقعد معتزلاً حزيناً، فمرَّ به عدوُّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمُستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". قال: ما هو؟ قال: "إنه أُسري بي الليلة". قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم". قال: فلم يُره أنه يُكذِّبه، مخافه أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه.

стр. 194

قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي. فانتفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما. قال (أي أبو جهل): حدث قومك بما حدَّثتني. فقال رسول الله ﷺ : "إني أسري بي الليلة". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: "نعم". قال: فمن بين مُصَفِّق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب زعم! قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجد. فقال رسول الله ﷺ : "فذهبت أنعتُ، فما زلت أنعتُ حتى التبس عليَّ بعض النعت". قال: "فجيء بالمسجد وأنا انظر حتى وضع دون دار عِقالٍ -أو عقيل- فنعتُّه، وأنا أنظر إليه". فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب" (١).

стр. 195

ومع ذلك ما زادهم ذلك إلا نفوراً. عباد الله! وفي هذا الحديث معجزات للنبي ﷺ : المعجزة الأولى: رفع الله المسجد الأقصى من بيت المقدس في فلسطين، وجاء به ووضعه في مكة أمام النبي ﷺ ، ينظر إليه قريباً من دار عِقال أو عقيل. المعجزة الثانية: أن النبي وحده هو الذي يرى المسجد الأقصى دون كل من حوله من الناس. المعجزة الثالثة: بعد أن انتهت المهمة رد الله المسجد الأقصى مكانه حيث كان أولاً ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ٢٠]. فهذا سليمان ﵇، لما طلب عرش بلقيس أن يأتيه من اليمن إلى بيت المقدس ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠]. فالله على كل شيء قدير، وإذا أراد أمراً أن يقول له كن فيكون، فالله يكرم أوليائه وأنبيائه بما شاء من الكرامات والمعجزات. عباد الله! وكفار مكة بعد ما سمعوا من رسول الله ﷺ النعت وقالوا: "أما النعت فوالله لقد أصاب". ما زادهم ذلك إلا نفوراً وأبى الظالمون إلا كفوراً فانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا

стр. 196

أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ [القمر: ٢ - ٥]. فإذا كان هذا حالهم يقول الله- لرسول الله ﷺ : ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ واتركهم ليوم عظيم: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٦ - ٨]. عباد الله! أبو بكر الصديق وخبر الإسراء والمعراج. أما أبو بكر الصديق عندما وصله الخبر ماذا قال: عن عائشة ﵂ قالت: لما أُسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى؛ أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه؟ وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك، لقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحه، فلذلك سُمي أبو بكر: الصديق" (١). أمة الإِسلام! الإسراء والمعراج فيها دروس وعظات وعبر عظيمة فما هي

стр. 197

العظات والعبر التي تؤخذ من حادث الإسراء والمعراج؟ هذا ما سنعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى-. اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

стр. 198

الخطبة العشرون: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من الإسراء والمعراج عباد الله! موعدنا في هذا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر؛ التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج. عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أنه أسري برسولنا ﷺ إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء الله ﵎ وقد فرض الله ﵎ على رسولنا ﷺ الصلاة، وقد رأى رسولنا ﷺ من آيات ربه الكبرى، ثم عاد إلى المسجد الأقصى، ثم إلى المسجد الحرام في نفس الليلة، وكان ذلك بالروح والجسد، وفي اليقظة لا في المنام، وقد تبين لنا أن الإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة. أمة الإسلام! قصة الإسراء والمعراج فيها دروس وعظات وعبر كثيرة جداً منها: أولاً: أهمية المسجد الأقصى في الإِسلام . عباد الله! إذا كنتم قد نسيتم المسجد الأقصى فها نحن نذكركم به؛ المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في الأرض؛ لعبادة الله وتوحيده. سئل ﷺ : أي بيت وضع في الأرض أول؟ فقال ﷺ : "المسجد الحرام" قيل: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قيل: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة" (١).

стр. 199

المسجد الأقصى رفع بناءه وجدده سليمان بن داود ﵉: عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس -أي المسجد الأقصى- (وفي رواية: لما فرغ من بناء مسجد بيت المقدس)، سأل الله خلالاً ثلاثة .. " الحديث (١). الشاهد منه يا عباد الله! أن الذي رفع بناء المسجد الأقصى وجدده؛ هو سليمان بن داود ﵉. المسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى. عن البراء ﵁، أن رسول الله ﷺ صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت .. " الحديث (٢). فكان ﷺ يقلب وجهه في السماء، يرغب، ويسأل ربه أن يحول قبلته إلى المسجد الحرام، فاستجاب الله له، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. أمة الإسلام! المسجد الأقصى مسجد مبارك، بارك الله فيه وحوله من بركات الدنيا والدين، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ

стр. 200

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١] وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾ [سبأ: ١٨]. المراد بها المسجد الأقصى. فهذه البلاد المباركة المقصود منها، هي، بيت المقدس، نسأل الله ﵎ أن يردها للمسلمين من أيدي إخوة القردة والخنازير. أمة الإسلام! الصلاة في المسجد الأقصى فضلها عظيم. عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ ، أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثة: سأل الله حُكماً يُصادفُ حكمه فأُوتيه، وسأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأُوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحدٌ لا ينهزهُ -أي يدفعه- إلا الصلاةُ فيه، أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمة (وفي رواية: فقال النبي ﷺ : "أمَّا اثنتان فقد أعطيهما وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة" (١). وعن أبي ذر ﵁ قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل، مسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟.

стр. 201

فقال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو .. " الحديث (١). فتكون الصلاة في المسجد الأقصى بمئتين وخمسين صلاة. أمة الإسلام! أنسيتم المسجد الأقصى! هو مسرى رسول الله ﷺ ، ومنه عرج به إلى السماء. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. وقال ﷺ : " ... ثم ربط البراق في الحلقة التي تربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن فاخترت اللبن، فقال جبربل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء .. " الحديث أي عرج من المسجد الأقصى إلى السماء، وفي هذه إشارة أنه كما أن النبوة انتقلت من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل إلى رسولنا ﷺ ، فهذه بشرى للنبي ﷺ وأصحابه والمسلمين إلى يوم القيامة بأن قيادة البشرية ستنتقل من أيدي بني إسرائيل؛ لأنهم عصوا الله وملأوا الأرض غدراً وخيانة، ستنتقل إلى الأمة الإِسلامية، بقيادة رسولها ﷺ وقد فتحت الأمة الإِسلامية الدنيا من مشرقها إلى مغربها، لما كانوا متمسكين بدينهم، وبسنة رسولهم لكن لما انشغلوا بالدنيا وحطامها فقد ضيعوا الدنيا والبلاد من مشرقها إلى مغربها، ولذلك، نقول إذا أردتم يا أمة الإِسلام أن يعود الأقصى إليكم وتحرروا أرضكم من الكفار

стр. 202

فعليكم أن تعودوا إلى دينكم وأن تتمسكوا بدينكم وسنة نبيكم، إن فعلتم ذلك نصرتم الله في أنفسكم وإن نصرتم الله في أنفسكم نصركم الله على عدوكم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾. أمة الإِسلام! المسجد الأقصى من المساجد التي تشد لها الرحال. قال ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي" (١). وشد الرحال تكون للصلاة في هذه المساجد أو الاعتكاف فيها، أما شد الرحال إلى الأضرحة والقبور والأولياء، فهذا حرام ولا يجوز في شريعة الإِسلام. عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من الإسراء والمعراج. ثانياً: أهمية الصلاة في الإِسلام . أمة الإِسلام! الصلاة، الصلاة، فلأهميتها فرضها الله على رسوله ﷺ هناك فوق السموات، بعد سدرة المنتهى مباشرة وبدون واسطة. عباد الله! الصلاة هي عمود الدين الذي لا يقوم إلا به. قال ﷺ لمعاذ ﵁: "ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده وذِرْوة سنامه" قلت: بلى يا رسول الله قال: "رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" (٢)

стр. 203

الصلاة هي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر، قال ﷺ : "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت، فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر" (١). الصلاة هي آخر وصية وصى بها رسول الله ﷺ أمته، فقال ﷺ في أنفاسه الأخيرة: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم". الصلاة هي آخر ما تبقى لنا من ديننا، يقول ﷺ : "أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورب مصل لا خلاق له عند الله تعالى" (٢). الصلاة تجارة رابحة، يقول رب العزة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩]. الصلاة تمحو الذنوب والخطايا، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقال ﷺ : "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" (٣). وقال ﷺ : "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله؟

стр. 204

قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١). الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. الصلاة سبب للتمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١]. الصلاة سبب لنزول الرحمة على العباد، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. الصلاة سبب لدخول الجنة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .. ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. أولى هذه الصفات الذين هم في صلاتهم خاشعون، وآخر هذه الصفات، والذين هم على صلواتهم يحافظون.

стр. 205

أمة الإِسلام! ومع ذلك فقد ضيع الكثير من الناس الصلاة. أنسي هؤلاء الذين ضيعوا الصلاة أن من أول أسباب دخول النار ترك الصلاة، قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣]. أنسي الذين تركوا الصلاة أن بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، قال ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" (١)، وقال ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٢). أمة الإِسلام! اتقوا الله في الصلاة، فإنكم ستسألون عنها يوم القيامة. عباد الله! من الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج. ثالثاً: التحذير من الغيبة والخوض في أعراض المسلمين، وأكل لحوم الأبرياء: قال ﷺ : "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبربل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم" (٣). عباد الله! الذين يغتابون المسلمين، ويأكلون لحوم الأبرياء في مجالسهم،

стр. 206

هذا عذابهم في حياة البرزخ جزاءً وفاقاً، ولا يظلم ربك أحداً، فليتق الله كل منا في لسانه؛ لأن اللسان إذا أُطلق في أعراض المسلمين أدخل صاحبه النار قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]. أي: كنا في الدنيا نخوض بألسنتنا بالباطل وأكل لحوم الأبرياء وعن أبي هريرة ﵁: "أن رجلاً قال: يا رسول الله إن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها" -أي النافلة- "ولكنها تؤذى جيرانها بلسانها، فقال ﷺ : "هي في النار". قال رسول الله ﷺ ! إن فلانة تُذكر من قلة صلاتها وصيامها وصدقتها، ولكنها لا تؤذى جيرانها بلسانها، قال ﷺ : "هي في الجنة". وعن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال ﷺ : "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه" فبعد أن أخبره ودله على أبواب الخير. قال ﷺ له: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله". قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: "كف عليك هذا". قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا

стр. 207

حصائد ألسنتهم؟ " (١). وقال ﷺ للرجل عندما سأله: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك؟ " (٢). وقال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (٣). وقال رجل يا رسول الله! أي المسلمين أفضل، فقال ﷺ : "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤). وقد حذر النبي ﷺ الذين يأكلون لحوم الناس بألسنتهم، فقال ﷺ : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته" (٥). فاتقوا الله يا معشر المسلمين في ألسنتكم وأمسكوها عن أعراض المسلمين، وعن الغيبة، فإنكم راجعون إلى الله وموقوفون بين يديه، وسائلكم عن ألسنتكم. قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج

стр. 208

رابعاً: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، والذين يدعون الناس إلى كل شر الذين يدعون الناس إلى الشرك والبدع والخرافات، الذين يدعون الناس إلى الحزبية البغيضة التي فرقت الأمة، الذين يحرضون المسلمين على ولاة أمرهم ليفسدوا في الأرض. قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي- رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب؛ أفلا يعقلون؟! (١). فهذا الخطيب الذي يقول للناس هذا حرام ثم يفعله، ويقول لهم هذا حلال ولا يفعله، خطيب السوء الذي يأمر بالبر وينسى نفسه، يأمر الناس بالحجاب وينسى امرأته وابنته، يأمر الناس أن يبتعدوا عن البنوك ويضع ماله في البنوك، يأمر الناس بالمحافظة على الصلاة وهو يضيع الصلاة، يحذر الناس من الكذب وهو يكذب، يحذر الناس من الغيبة والنميمة وهو واقع فيها هذا خطيب لا عقل له، قال رب العزة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]. ونقول لهذا الخطيب: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم

стр. 209

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم والله يمقت ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقد أخبر النبي ﷺ عن عذاب الذي يقول للناس ويخالف بفعله ما يقول، فقال ﷺ : "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (١). أمة الإِسلام! خطباء السوء "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، وهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا" (٢). فاحذروهم يا عباد الله!. فهذا حذيفة ﵁ قال: يا رسول الله: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال ﷺ : "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (٣).

стр. 210

فيا أمة الإِسلام! فوالله إني لكم لناصح أمين، فإن وجدتم المنابر قد صعد إليها الخطباء الذين يدعون إلى الحزبية البغيضة، ولا هم لهم إلا أن يحرضوا الناس على ولاة الأمر، ويجعلون بلاد المسلمين بركة من الدماء، فاحذروهم، وارجعوا إلى عقيدة التوحيد وإلى منهج رسول الله ﷺ وإلى ما كان عليه الصحابة، كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكما قال النبي ﷺ : "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة" قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١). وقال ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليه بالنواجذ" (٢). أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من المتبعين لرسوله ﷺ .

стр. 211

الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن بيعة العقبة الأولى والثانية. أمة الإِسلام! تكلمنا في الجمعة قبل الماضية أنه أُسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج برسولنا ﷺ إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله، وهناك فرض الله ﵎ على رسولنا ﷺ وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد رأى النبي ﷺ -في رحلة المعراج- من آيات ربه الكبرى، ورأى ﷺ في رحلته قوماً لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم، ورأى النبي ﷺ في رحلته قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، فلا يعقلون؟! " وقد تكلمنا في الجمعة الماضية عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من رحلة الإسراء والعراج: أولاً: منزلة الأقصى في الإِسلام. ثانياً: منزلة الصلاة في الإِسلام. ثالثاً: التحذير من إطلاق اللسان في أعراض المسلمين، ومن أكل لحوم الأبرياء.

стр. 212

رابعاً: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون بخلاف ما يقولون، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون. عباد الله! رجع رسول الله ﷺ من رحلة الإسراء والمعراج قرير العين، منشرح الصدر، مطمئن القلب، عازماً على مواصلة الدعوة إلى الله، واثقاً من أن الله ناصره، ومظهر دينه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩]. عباد الله! لم يدع رسول الله ﷺ فرصة للاجتماع بالناس وتبليغهم الدعوة - وخاصة في موسم الحج عندما تقبل القبائل إلى مكة-، وكان مما خاطب به رسول الله ﷺ الناس في الموقف: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ؟! " (١). عباد الله! "لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، قال لهم رسول الله ﷺ : من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: من موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن .. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.

стр. 213

وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فسنُقدم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا" (١). عباد الله! لما رجع هؤلاء إلى المدينة ذكروا لقومهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإِسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله ﷺ فلم تبق دارٌ إلا دخلها الإِسلام، حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلاً من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلمهم النبي ﷺ في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ فلقيهم رسول الله ﷺ بالعقبة- بمنى- وعقد معهم بيعة (وهي بيعة العقبة الأولى). عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال فبايعناه على ذلك" (٢). عباد الله! لما عزم القوم على العودة إلى المدينة، بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ﵁ وأمره أن يُقرئهم القرآن ويعلمهم الإِسلام، ويفقههم في الدين.

стр. 214

فقام مصعب ﵁ بمهمته خير قيام، يدعو الناس إلى عبادة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متذرعاً بالحلم والصبر الذي تعلمه من رسول الله ﷺ ، فانتشر الإِسلام في المدينة وغيرها على يديه ﵁. وقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير ﵁ إلى مكة، ليبشر رسول الله ﷺ بانتشار الإِسلام ويخبره بحصيلة دعوته في ذلك العام. وكأنه يقول له: يا رسول الله إن المدينة تتهيأ لاستقبالك أنت ومن معك من المسلمين. إخوة الإِسلام! ولما انتشر الإِسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله ﷺ في مكة يُلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية. وممن حضر هذه البيعة جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو يخبرنا الخبر: عن جابر ﵁ قال: "مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى؛ يقول: "من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر -كذا قال- فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا،

стр. 215

فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: (فذكر الحديث). قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة -وهو من أصغرهم- فقال: رويداًَ يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك؛ فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة" (١). وتمت البيعة، وبايع الأنصار رسول الله ﷺ على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت ﵁: بيعة الحرب، وممن حضر هذه البيعة كعب بن مالك الأنصاري ﵁ وهو أحد المبايعين في بيعة العقبة الثانية يخبرنا عما حدث في هذه الييعة. عن كعب بن مالك ﵁ قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين .. ، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق .. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا .. فقمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا .. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ ، حتى
следующие страницы →